← Тафсир

Тафсир · id 713

أقوال الحسين بن الفضل في التفسير

نادية بنت إبراهيم النفيسة

Полный текст (343 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ويبقى ما ساقه في سبب النزول، وقد ذكره الواحدي في أسباب النزول (١)، ونسبه إلى الحسين بن الفضل. وفي هذا السبب نظر؛ لأنّ السورة مكية وبنو قريظة وبنو النضير في المدينة، فكيف يمكن للمسلمين بمكة مشاهدة القوافل القادمة من الشام إلى المدينة، فتأمل. (٢).

стр. 177

سورة الإسراء قال تعالى ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] . [٥٠] قال الحسين بن الفضل: (يعني فلها ربٌّ يغفر الإساءة) . الكشف والبيان للثعلبي (١) ص: ٣٠٤ (٢) الدراسة لقد تقرر في العقول أن الإحسان إلى النفس حسن ومطلوب، وأن الإساءة إليها قبيحة مردودة فلهذا المعنى قال تعالى ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾. في اللام في قوله ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (٣) أوجه: - الأول: بمعنى إلى (فإليها ترجع الإساءة) (٤) وإليه ذهب الطبري، وقال: " والمعنى: فإليها كما قال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] والمعنى: أوحى إليها (٥) ". وحروف الإضافة يقوم بعضها مقام بعض (٦). الثاني: أنها على بابها (٧). وإنما أتى بها دون (على) للمقابلة في قوله ... (لأنفسكم) فأتى بها ازدواجاً. (٨). قال أبو البقاء: " وقيل على بابها، وهو الصحيح؛ لأن اللام للاختصاص، والعامل مختص بجزاء عمله حَسَنِه وسيِّئه ". (٩) وقال الزَّمخشري: " أي الإحسان والإساءة: كلاهما مختص بأنفسكم، لا يتعدَّى النفع والضرر إلى غيركم". (١٠)

стр. 178

قال السمين الحلبي: " وهذه اللام يجوز أن تتعلق بفعل مقدر كما تقدم في قول الطبري (١)، وإما بمحذوف على أنها خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: فلها الإساءة لا لغيرها ". (٢) الثالث: بمعنى على، أي: (فعليها) (٣) كقوله تعالى ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٤) [البقرة: ٢٨٦] ونحو سلام لك أي سلام عليك. (٥) قال ابن كثير: " أي فعليها؛ كما قال: تعالى ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] (٦) وقال الشِّنقيطي ﵀: " بمعنى على، أي فعليها، بدليل قوله ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ ومن إتيان اللام بمعنى على قوله تعالى ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ .. ﴾ [الإسراء: ١٠٩] الآية أي عليها. وقوله: (﴿فَسَلَامٌ لَكَ﴾ [الواقعة: ٩١] الآية أي سلام عليك ... والتعبير بهذه اللام في هذه الآية للمشاكلة كما قدمنا في نحو ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: ٤٠]. (﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] الآية (٧). وتقدير جمهور العلماء – مع اختلافهم فيه – مخالف لما ذهب إليه الحسين، وتبعه عليه السمرقندي فقال: " وإن أسأتم أي: أشركتم بالله فلها رب يغفر لها " (٨). وقول الحسين ﵀ يخالف سياق الآية، فلو تُدُبِّر لوُجِدَ أنه لا يدل على تقدير الحسين وذلك؛ لأن السياق سياق تهديد لا ترغيب فنذهب به إلى ما ذهب به الحسين، ومن المعلوم أن حذف جواب الشرط يدل على تعظيم الأمر وشدته في مقامات الوعيد، فحذف الجواب في مثل هذا أولى من ذكره، ليدل على عظمة المقام أنه لهوله وفظاعته لا يُعبَّر عنه (٩)

стр. 179

قال تعالى ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] [٥١] قال الحسين بن الفضل: (يعني الذي عرَّفَني أنه (لم يتخذ ولداً). الكشف والبيان للثعلبي (١) ص ٤٥١ (٢). الدراسة لما أثبت لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى نزه نفسه عن النقائص فقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ (٣) فأمر الله نبيه محمد ﷺ بأن يحمده مع وحدانيته، ومعنى الحمد لله هو: الثناء عليه سبحانه بما هو أهله، ورب الأرباب لا ينبغي له أن يتخذ ولداً، قال تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٣) (٤) قال ابن تيمية: " وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات " (٥). وصفات النفي عن الله كثيرة، لكن الإثبات أكثر، لأن صفات الإثبات كلها صفات كمال ... ولهذا فأن صفات النفي تأتي كثيراً عامة غير مخصصة بصفة معينة، والمخصص بصفة معينة لا يكون إلا لسبب (٦)، كقوله ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ رداً لقول من قال: إن لله ولداً. فله وحده سبحانه الأسماء الحسنة والصفات العلى، وهو إذا أثنى على نفسه بثناء فُهم منه تنزهه سبحانه عن خلافه، ومن هنا يُفهم وجه قول الحسين (عرفني) فالتعريف من لوازم سياق الآية - والله أعلم -

стр. 180

قال الشنقيطي ﵀ " أمر الله جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة الناس على لسان نبيه ﷺ ، لأن أمر القدرة أمر لا تباعه .. أن يقول (الحمد لله) أي كل ثناء جميل لائق بكماله وجلاله، ثابت له، مبيناً أنه منزَّه عن الأولاد والشركاء والعزة بالأولياء، عن ذلك كله علواً كبيراً " (١). قال تعالى ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] [٥٢] قال الحسين بن الفضل: (ولم يكن له وليٌ من الذل) يعني من لم يذل فيحتاج إلى ولي ولا ناصر لعزته وكبريائه) . الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٢٩٩. الدراسة يبين تعالى أنه لم يكن له حليف حالفه من الذل الذي به، لأن من كان ذا حاجة إلى نصرة غيره وإعانته، فذليل مهين، ولا يكون من كان ذليلاً مهيناً يحتاج إلى ناصر ومعين (إلهاً يطاع) (٢). وعند مجاهد (ولم يكن له وليٌّ من الذل) قال: لم يحالف أحداً، ولا يبتغي نصر أحد. (٣) وقال الزجاج: " أي لم يحتج إلى أن ينتصر بغيره. " (٤) وقال ابن كثير: " أي ليس بذليل فيحتاج أن يكون له وليٌّ أو وزير أو مشير، بل هو تعالى خالق الأشياء وحده لا شريك له ومدبرها ومقدرها بمشيئته وحده لا شريك له " (٥). فالله سبحانه هو الغالب على أمره، العزيز الحكيم، وهو القاهر فوق عباده الذي لا يذل فيحتاج إلى ولي يُعزُّ به فإنه الغني الحميد. بخلاف المحتاج إلى ولي يمنعه من الذل وينصره ويعينه. وبهذا فالمعنى الذي ذكره الحسين معنى صحيح في تفسيره الآية، وهو قريب من المعنى الذي نسبه البغوي إلى مجاهد في تفسيره، فقال البغوي: " قال مجاهد: لم يذلَّ ويحتاج إلى وليّ يتعزز به " (٦). وقد سمى الرسول ﷺ هذه الآية في الإسراء بآية العز (٧).

стр. 181

سورة مريم قال تعالى ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥] [٥٣] قال الحسين بن الفضل:: (هل يستحق أحد أن يسمى باسم من أسمائه تعالى على الحقيقة؟) روح المعاني ١٦/ ١٤٦ الدراسة ربنا القائم بتدبير أمر السموات والأرض وما بينهما، كما هو سبحانه الخالق لذلك كله، وهو ربه ومليكه، فهذا الرب هو الذي لا سميَّ له، لتفرُّده بكمال هذه الصفات والأفعال فأما من لا صفة له ولا فعل ولا حقائق لأسمائه، إن هي إلا ألفاظ فارغة من المعاني، فالعدم سميٌّ له. (١) الاستفهام في الآية للنفي (٢) أي: لا تعلم (٣) وذهب المفسرون في معنى قوله (سمياً) إلى عدة أوجه: فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: مثلا وشبيهاً (٤) وإليه ذهب أبوعبيدة (٥) والطبري (٦) وغيرهم (٧) وحسَّنه ابن عطية (٨) وابن عاشور (٩). وهذا القول مبني على أن المراد بالسمي (الشريك في المسمى) (١٠) فالسمي مأخوذ من المساماة (١١) وكأنّ السمي بمعنى المسامي والمضاهي، فهو من السمو (١٢). وقيل المراد به: الشريك في الاسم وذلك هو الظاهر من لغة العرب، (١٣) يقال فلان سمي فلان إذا شاركه في اللفظة نفسه، والسمي: من توافق في الاسم تقول: هذا سَمِيُّك يعني اسمه مثل اسمك فالمعنى: أنه لم يُسَمَّ بلفظ الله شيء قط (١٤) - فقد روى إسرائيل عن سماك (١٥) عن عكرمة عن ابن عباس قال: (هل تعلم أحداً سُمِّي الرَّحمن سواه) (١٦).

стр. 182

قال النحاس " وهذا أجلُّ إسناد علمته روي في هذا الحرف، وهو قول صحيح لا يقال الرحمن إلا لله وقد يقال لغير الله رحيم" (١). ٢ - وقال الكلبي: هل تعلم أحداً يسمَّى (الله) غيره؟ (٢). قال الزمخشري: " أي: لم يسم شيء الله قط، وكانوا يقولون لأصنامهم آلهة، والعزى إله وأما الذي عوض فيه الألف واللام من الهمزة، فمخصوص به المعبود الحق غير مشارك فيه" (٣). ٣ - وقال الزجاج: " وتأويله والله أعلم هل تعلم له سمياً يستحق أن يقال له خالق وقادر وعالم بما كان وبما يكون، فذلك ليس إلا من صفة الله تعالى " (٤). وقيل: هل تعلم من سُمِّي باسمه على الحق دون الباطل؛ لأن التسمية على الباطل في كونها غير معتدٍّ بها كلا تسمية. (٥) وعندما ذكر الرازي هذا القول الأخير وذكر قول ابن عباس ﵄ لا يسمى بالرحمن غيره، صوب قول ابن عباس بقوله: "هو الصواب ـ والله أعلم ـ" (٦). أقولُ: والعلم عند الله ـ إن الأقوال ـ وفيها قول الحسين ﵀ متقاربة مع أن قول الحسين ﵀ يقرب من قول الكلبي والزجاج إلا أن الحسين ﵀ لم يخصص اسماً معيناً بل أخبرنا بأنه لا أحد يستحق بحق أن يسمى بأيٍّ من أسمائه تعالى. وقد وافق النحاس الحسين فقال: " وإنما المعنى هل تعلم أحدا يقال له هذا على استحقاق إلا الله لأنه الذي وسعت رحمته كل شيء وهو القادر والرازق " (٧). لأنه الرب وحده لا شريك له وكل من سواه مربوب له، وهو الخالق وغيره مخلوق وهو الغني وغيره الفقير .. فله سبحانه الكمال المطلق، وهو وحده المستحق للعبادة، وكل معبود سواه باطل وكل عبادة لغيره باطلة، فهل تعلم له مسامياً أو شبيهاً يستحق مثل اسمه؟ فلا مثيل له ، ولا يستحق أحد أن يسمى الله أو الرحمن سواه. ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُو فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. وهنا تجد السر في أن أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن.

стр. 183

قال ابن القيم: " ولما كان الاسم مقتضياً لمسماه، ومؤثراً فيه كان أحب الأسماء إلى الله ما اقتضى أحبَّ الأوصاف إليه، كعبد الله وعبد الرحمن، وكان إضافة العبودية إلى اسم الله، واسم الرحمن أحب إليه من إضافتها إلى غيرها كالقاهر، والقادر، فعبدُ الرحمن أحب إليه من عبد القادر، وعبدُ الله أحبٌّ إليه من عبد ربه، وهذا لأن التعلق الذي بين العبد وبين الله إنما هو العبودية المحضة؟ فبرحمته كان وجوده وكمالُ وجوده، والغاية التي أوجده لأجلها أن يتأله له وحده محبةً وخوفاً، ورجاءً وإجلالاً وتعظيماً، فيكون عبداً لله وقد عبده لما في اسم الله من معنى الإلهية التي يستحيل أن تكون لغيره، ولما غلبت رحمته غضبه وكانت الرحمة أحبَّ إليه من الغضب، كان عبدُ الرحمن أحبَّ إليه من عبد القاهر ... (١) وما قاله الحسين بن الفضل جزء من المعنى. والنفي للعلم، فلا يُعلْم له سميٌّ، جلّ وعلا، وليس ذلك محصوراً في تسمية غيره بأسمائه على الحقيقة، بل يشمل ذلك ويشمل عبادته وربوبيته وغير ذلك من حقوقه وخصائصه.

стр. 184

سورة طه قال تعالى ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: ٢ - ٣] [٥٤] قال الحسين بن الفضل (فيه تقديم وتأخير، مجازه: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرةً لمن يخشى ولئلا تشقى) . الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٢٧ (٢). الدراسة في الآيات السابقة مسائل: المسألة الأولى: معنى قوله (مجازه): المجاز في اللغة من جُزْتُ الموضع: سرتُ فيه: وأجزته: خَلَّفْته وقطعته (٣) وتقول: جُزْت الطريق جوازاً وجُؤوزاً ... ومجازاً (٤). والمراد به عند الحسين معناه العام: الطريقة التي سلكها القرآن، وتكاد كلمة (مجازُه كذا) ترادف (معناه كذا) أو (تفسيره كذا) أو (تأويله كذا) وهكذا، وكثيراً ما تجد لفظة (مجاز) على المعنى العام عند أبى عبيدة في كتابه (مجاز القرآن) وهذا المعنى العام أعمُّ مما يُعرف عند البلاغين فيما بعد (بالمجاز) (٥) الذي هو ضدُّ الحقيقة، وهذا فصل مهم في علم البيان قال ابن الأثير " بل هو علم البيان بأجمعه" (٦). المسالة الثانية: وتحتها ثلاثة أغراض: الغرض الأول: قال تعالى ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ٢] ما معنى الشقاء؟.

стр. 185

أصل الشقاء في اللغة: العناء والتعب (١) وهو الشدة والعسر (٢) والشقاء والشقاوة بالفتح ضد السعادة (٣). الغرض الثاني: موقع اللام في (لتشقى): قال بعض النحويين أن هذه لام النفي وقال بعضهم هي لام الجحود (٤). وقال النحاس، سمعت ... أبا الحسن بن كيسان (٥) يقول في مثلها: إنها لام الخفض والمعنى عنده: ما أنزلنا عليك القرآن للشقاء (٦). الغرض الثالث: الأقوال التي قيلت في قوله ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ قال مجاهد: هي مثل قوله: ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] فكانوا يعلقون الحبال في صدروهم في الصلاة (٧). وعن قتادة: لا والله ما جعله الله شقياً، ولكن جعله رحمة ونوراً، ودليلاً إلى الجنة (٨). وقال الضحاك: لما نزل القرآن على النبي ﷺ قام هو وأصحابه فصلوا، فقال كفار قريش: ما أنزل الله تعالى هذا القرآن على محمد ﷺ إلا ليشقى به (٩). وروى القاضي عياض عن الربيع بن أنس، قال: كان النبي ﷺ إذا صلى قام على رِجل ورفع الأخرى فأنزل الله تعالى: (طه) [طه: ١] يعني طأ الأرض يا محمد ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ (١٠) فالمعنى أنك تُتعب نفسك وتنهكها بالعبادة، وما بعثناك إلا بالحنيفية السمحة. (١١) وهذا يدل على قوله تعالى (﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقوله ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٥٨] وقيل: المعنى: ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، أي لتتعب تعباً شديداً، وتتأسف لفرط كفرهم وتتحسر على تقدم إيمانهم (١٢)، وقد جاء هذا في قوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨] وقوله: ...

стр. 186

﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦] إلى غير هذا من الآيات. ولعل المراد أنَّ المعنى يعمُّ ذلك كلَّه لاسيما والقرآن يشهد لبعضها. المسألة الثالثة: وتحتها ثلاثة أغراض: الغرض الأول: ما التذكرة، والخشية؟ التذكرة: هي الموعظة التي تلين لها القلوب، فتتمثل أوامر الله وتجتنب ما نهى عنه (١) والذكرى اسم للتذكرة. (٢) والخشية هي الخوف. (٣) الغرض الثاني: ذكر العلماء في نصب (إلا تذكرةً) أوجهاً، منها: (٤) ١/ أن تكون تذكرة بدلا من محل (لتشقى) قاله الأخفش (٥). ونُسب إلى الزجاج (٦). وتبعه ابن عطية (٧) واستبعده النحاس (٨) وردَّه الفارسي (٩) وصحَّح هذا الرد السمين الحلبي وقال: "لأن التذكرة ليست بشقاء" (١٠) وأيّد ذلك الرد الشنقيطي في تفسيره (١١) وعلّل الزمخشري لعدم جواز هذا الإعراب باختلاف الجنسين (١٢). وقال الزمخشري (١٣) وأبو البقاء (١٤) وابن الأنباري (١٥): نُصبت على الاستثناء المنقطع، الذي (إلا) فيه بمعنى (لكن) أي: لكن (أنزلناه تذكرة).

стр. 187

٢/ ذكر الزمخشري أنه يُحتمل أن تكون تذكرة مفعولاً له، (١) كقولك ضربتك للتأديب إلا إشفاقاً عليك (٢). ومنعه أبو البقاء. (٣) وردّ هذا المنع السمين الحلبي بقوله: " وهذا المنع ليس بشيء" (٤). ٣/ وقيل: تذكرةً في موضع حال، أي: إلا مذكراً (٥) ٤/ ويصح أن تنتصب بفعل مضمر تقديره (ما أنزلنا) فتنصب على المصدرية (٦) قال الفراء: " نَصَبها على قوله: " وما أنزلناه إلا تذكرةً" (٧) وبمثله قال الطبري (٨) ٥/ قيل إنه نصب على المفعول لأجله. (٩) قال الشنقيطي: " أظهر الأقوال فيه: أنه مفعول لأجله، أي ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة لمن يخشى ويخاف ... عذابه" (١٠). قال النحاس: " والقريب أنه منصوب على المصدر أو مفعول من أجله " (١١) وقال مكي بن أبي طالب: " (إلا تذكرة) مفعول من أجله أو على ٠ المصدر" (١٢). ٦/ وقال أبو عبيدة: " (إلا تذكرة) مجازه المقدم والمؤخر وفيه ضمير،: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة لمن يخشى لا لتشقى " (١٣) وقد وافق أبو عبيدة في هذا القول الحسين بن الفضل إلا أنهما اختلفا في تقدير اللام. الغرض الثالث: ما قيل في ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: ٣] قال قتادة: وإن الله أنزل كتبه، وبعث رسله رحمةً رحم الله بها العباد، ليتذكر ذاكر، وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله، وهو ذكر له أنزل الله فيه حلاله وحرامه، فقال: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ [طه: ٤] (١٤).

стр. 188

وقال ابن زيد: - الذي أنزلناه عليك تذكرة لمن يخشى (١). وقال البغوي: أي لكن أنزلناه عظة لمن يخشى (٢). وخصَّ بالتذكرة من يخشى دون غيرهم؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بها (٣) كقوله تعالى ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥]. المسألة الرابعة: التعليق على كلام الحسين وبعد هذا الإطناب وتوضيح ما يُحتاج إليه في فهم الآية، فالآية واضحة المعنى تمام الوضوح، وقد تجلى فيها أرقى وأروع الأساليب العربية الرصينة والتي جاءت على ما جاءت عليه أغلب الآيات من الترتيب وهو الأصل في الكلام. إذن: لا خلل هناك يدعو إلى القول بما هو خلاف الأصل وهو (التقديم ... والتأخير) (٤) مع أنه من سَنَن العرب تقديم ما حقه التأخير وتأخير ما حقه التقديم، وتجد هذا في خطبهم وحكمهم وأشعارهم، وذلك على حسب ما يملي به مقتضيات الأحوال ومقاصد المتكلم. وقد اجتهد (الحسين) اجتهاداً مبنياً على اللسان العربي الفصيح، ولا غرو في ذلك وهو البحر في المعاني، لكن في اجتهاده هذا نظرٌ فقوله هذا يخالف ترتيب الآية المفهوم، وليس هناك لبس في الترتيب يدعو إلى القول بالتقديم والتأخير. ... وقرَّر الطبري قاعدة التقديم والتأخير فقال: "وهذا القول وإن كان غير مدفوع ... غيرُ صواب عندي، بخلاف تأويل أهل التأويل على أن الحرف إنما يُحتال لمعناه المخرج بالتقديم والتأخير، إذا لم يكن لوجه مفهوم إلا بتقديمه عن موضعه أو تأخيره، فأمّا وله في موضعه وجه صحيح فلا وجه لطلب الاحتيال لمعناه في التقديم والتأخير ". (٥) وقال في موضع آخر: " ولا وجه لتقديم شيء من كتاب الله عن موضعه أو تأخيره عن مكانه إلا بحجة واضحة". (٦) وكذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية " ... والتقديم والتأخير على خلاف الأصل، فالأصل إقرار الكلام على نظمه وترتيبه لا تغيير ترتيبه". (٧)

стр. 189

والحاصل: أن معنى الآية على ترتيبها صريح وواضح، وهذا القول من الحسين خلاف الأولى، ولعله بُني على التحرير العقلي، وأثرت عليه الصنعة. مع أن اللام المكسورة جائز في اللغة إتيانها بمعنى (لئلا)، لكن ما الداعي إلى مثل هذا التفسير في مثل هذه الآية الواضحة والتي أغنانا السلف ببيانها. قال تعالى ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] [٥٥] قال الحسين بن الفضل: (هو مصروف إلى غير فرعون، مجازه: لكي يتذكر متذكر أو يخشى خاشٍ إذا رأى برّي وإلطافي بمَنْ خلقتهُ ورزقته وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادعى الربوبية دوني) . الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٧٣ (٢). الدراسة مرَّ سابقاً (٣) المقصد من كلمة (مجازه). قوله: (لعله يتذكر أو يخشى). لعل حرف نصب (٤) له معانٍ. (٥) قال الكفوي (٦): " وأعلم أن جمهور أئمة اللغة اقتصروا في بيان معناها الحقيقي على الترجي والإشفاق، وعدم صلوحها لمجرد العلّية والفرضية مما وقع عليه الاتفاق. تقول: " دخلت على المريض كي أعوده، وأخذت الماء كي أشربه. ولا يصح فيه لعل " (٧). وبعد بيان معنى (لعلَّ) وأن الله يستحيل منه الترجي وهو عدم الوثوق بحصول الأمر، فكيف قال (لعله يتذكر) وقد سبق في علمه أنه لا يتذكر ولا يخشى؟. الجواب على النحو الآتي:

стр. 190

١ - معناه على رجائكما وطمعكما، فالتوقع فيها راجع إلى جهة البشر (١) وعزاه القرطبي إلى سيبويه وأكابر النحاة (٢) وهو رأي الزجاج وغيره (٣)، ... وقال: " لعل في اللغة ترجٍ وطمع، تقول: لعلّي أصير إلى خير، فمعناه أرجو وأطمع أن أصير إلى خير، والله خاطَب العباد بما يعقلون. والمعنى عند سيبويه فيه: اذهبا على رجائكما وطمعكما. والعلم من الله قد أتى من وراء ما يكون. وقد علم أنه لا يتذكر ولا يخشى، إلا أن الحجة إنما تجب عليه بالإبانة، وإقامتها عليه، والبرهان. وإنما تبعث الرسل وهي لا تعلم الغيب ولا تدري أيقبل منها أم لا، وهم يرجون ويطمعون أن يقبل منهم، ومعنى (لعلَّ) متصور في أنفسهم، وعلى تصور ذلك تقوم الحجة، وليس علم الله بما سيكون تجب به الحجة على الآدميين، ولو كان كذلك لم يكن في الرسل فائدة " (٤). قال أبو حيان: " والصحيح: أنها على بابها من الترجي، وذلك بالنسبة إلى البشر " (٥). وقال بعضهم: معناها هنا الاستفهام (٦). فكأنهم وجهوا معنى الكلام إلى: ... ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾، فانظر هل يتذكر أو يخشى (٧). روي عن ابن عباس – ﵄ – قوله: هل يتذكر أو يخشى (٨). قال السمين الحلبي: " والثالث أنها استفهامية، أي هل يتذكر أو يخشى، وهذا قول ساقط وذلك أنه يستحيل الاستفهام في حق الله تعالى، عما يستحيل الترجي، فإذا كان لا بد من التأويل فجعل اللفظ على مدلوله باقياً أولى من إخراجه عنه " (٩). ٢ - وقال آخرون: معنى (لعل) ههنا: (كي) ونُسب إلى الفراء (١٠) ووجهوا معنى الكلام إلى ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٤٣] فادعواه وعظاه ليتذكر أو يخشى كما يقول القائل: اعمل عملك لعلك تأخذ أجرك، بمعنى: لتأخذ أجرك (١١).

стр. 191

قال الطبري: " ولكلا هذين القولين وجه حسن، ومذهب صحيح " (١) وذكر الزركشي قول سيبويه وقال عنه " وهذا أحسن من قول الفراء إنها تعليلية، أي كي تتذكر لما في إخراج اللفظ عن موضوعه (٢). وأجاب الحسين ﵀ بالقول المذكور في المتن، ويُفهم من قوله أن (لعلَّ) ههنا عنده بمعنى (كي). وهذا معنى أثبتته جماعة. لكن تقديره لما بعد (كي) فيه تكلف ظاهر. لا أرى له من الآية دليلاً أو حتى قرينة تشير إليه. وهل هناك ما يجعل القارئ يفهم في مثل هذا السياق ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤] أن غير فرعون هو فاعل يتذكر؟ ولم يأت كلام الله بالأحاجي والألغاز بل هو واضح ميسر لكل مدَّكر. قال تعالى ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٧ - ١٩] والقرآن يفسر بعضه بعضاً. وجاءت الآية بصيغة (لعل) تسهيلاً للأمر ورفقاً وبياناً لأن حصول أحدهما طريق إلى حصول المقصود، فلا يطلبان جميعاً في الابتداء (٣) والذي تطمئن إليه النفس، ألا تُخرج (لعلّ) عن معناها وتترك لتعمل على بابها ولا مانع من ذلك مع توجيه التوقع إلى البشر، كما قال سيبويه وغيره والله أعلم. ثم إنه لا يجوز العدول عن ظاهر القرآن إلا بدليل يجب الرجوع إليه وهذه قاعدة يُستند إليها في الترجيح، إذ الأصل في نصوص القرآن أن تحمل على ظواهرها، وتفسر على حسب ما يقتضيه ظاهر اللفظ ولا يجوز أن يُعدل بألفاظ الوحي من ظاهرها إلا بدليل واضح يجب الرجوع إليه (٤) قال تعالى ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦] وقال: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩].

стр. 192

ذلك المدح، لأن ظواهره تدل على مراد الشارع منه. وقرّر الطبري تلك القاعدة بقوله: " وغير جائز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته" (١) وقال: الزركشي: " وكل لفظ احتمل معنيين فهو قسمان: أحدهما: أن يكون أحدهما أظهر من الآخر، فيجب الحمل على الظاهر إلا أن يقوم دليل على أن المراد هو الخفيُّ دون الجليِّ فيحمل عليه ". (٢)

стр. 193

سورة الأنبياء قال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢] [٥٦] قال الحسين بن الفضل: (الذكر ههنا محمد ﷺ ، يدل عليه قوله في سياق الآية ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] ولو أراد بالذكر القرآن لقالوا ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ودليل هذا التأويل أيضاً قوله ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: ٥١ - ٥٢] يعني محمداً ﷺ -. الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٢٠٢ (٢). الدراسة ذهب جمع من العلماء إلى أن المراد بالذكر ههنا (القرآن الكريم)، وهو قول قتادة (٣) والطبري (٤) والزمخشري (٥) والرازي (٦) وابن جُزي الكلبي (٧) وابن كثير (٨) والشوكاني (٩) وابن عاشور (١٠)

стр. 194

والشنقيطي (١) وغيرهم (٢) و نسبه ابن الجوزي إلى ابن عباس (٣). وقيل: إن الذكر هنا هو ما ذكره النبي ﷺ وبينه من السنن والمواعظ وليس ... بالقرآن (٤). وذهب الحسين ﵀ إلى أن المراد بالذكر هنا هو محمدٌ ﷺ . وكون محمد ﷺ ذكراً لا إشكال فيه (٥) لكن الإشكال فيما ذهب إليه الحسين من أن المراد بالذكر هنا هو محمدٌ؛ لأن هذا من مسائل الاعتقاد، ويغلب على الظن أن الحسين فسَّر المحدث بالمخلوق ولذلك جعل الذكر هنا: محمد ﷺ والصواب أنه القرآن لقوله ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ومعنى محدث: أي محدث إنزاله والتكلم به من الله جلّّ وعلَا، و الأدلة قامت على أن المراد بالذكر هنا هو القرآن ومنها: دلالة قوله ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ﴾ على أن المراد هو القرآن، ولو كان المراد محمداً ﷺ فعلى تأويل ﴿اسْتَمَعُوهُ﴾ استمعوا له (٦). وهذا بعيد. - وقرينة ﴿اسْتَمَعُوهُ﴾ ملاصقة لهذه الجملة وهي أقرب من القرينة التي استدل بها الحسين ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] وفي هذا محافظة على رونق المعنى ٢ - القول بأن الذكر هو القرآن: تؤيده آيات قرآنية، وهو الأغلب من معاني الذكر في القرآن ولذا يقدم على غيره.

стр. 195

قال ابن تيمية: " سورة الأنبياء سورة الذكر، وسورة الأنبياء الذين عليهم نزل الذكر افتتحها بقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ الآية، وقوله: ... ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] وقوله ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] وقوله ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ [الأنبياء: ٢٤] وقوله ﴿وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] وقوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ (١) [الأنبياء ١٠٥] وقال الشنقيطي في قوله تعالى ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ [طه: ٩٩] ": أي أعطيناك من عندنا ذكرا وهو هذا القرآن العظيم، وقد دلّت على ذلك آيات من كتاب الله، كقوله ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠] وقوله تعالى ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران ٥٨] وقوله تعالى ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢] وقوله: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] وقوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وقوله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] إلى غير ذلك من الآيات " (٢).

стр. 196

وقال تعالى ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ ... [الشعراء: ٩]. قال ابن كثير: " أي كلما جاءهم كتاب من السماء أعرض عنه أكثر الناس " (١) وخصّت آية الأنبياء التي معنّا (القرآن الكريم). والله تعالى أعلم. ٣ - ذهاب جمع من المفسرين إلى أن المراد بالذكر هنا هو (القرآن) ومنهم من أطبقت الأمة على تقدمه في التفسير. قول الحسين (يدل عليه قوله في سياق الآية ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] ولو أردا بالذكر القرآن لقالوا ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥]. تبين سابقاً أن هذه القرينة أبعد من القرينة الملاصقة لكون المراد هو القرآن وهذه الآية هي متناسقة مع سياقها، فالمراد أنّ الذين ظلموا قالوا فيما بينهم خفية ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ يعنون الرسول ﷺ ، فهم يستبعدون كونه نبياً لأنه بشر مثلهم فكيف اختص بالوحي دونهم ولهذا قال ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٤] (٢) وقوله: (ودليل هذا التأويل أيضا قوله ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: ٥١ - ٥٢] يعني محمد ﷺ . هاتان الآيتان جاءتا بعد قوله تعالى ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: ٥١ - ٥٢] قال ابن عباس: يقول: يَنْفُذونك بأبصارهم من شدة النظر. وقال قتادة: لينفذونك بأبصارهم معاداةً لكتاب الله ولذكر الله (٣).

стр. 197

(لمَّا سمعو الذكر) لماسمعوا كتاب الله يتلى: (ويقولون إنه لمجنون) يقول هؤلاء المشركون الذي وصف صفتهم إن محمداً لمجنون ... (١) ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ اختُلف في الذكر على قولين (٢): الأول، محمد ﷺ (أي وما محمد إلا ذكرٌ ذكَّر الله به الجن والإنس) (٣) وهذا الذي اختاره الحسين. وقول بأنه (القرآن) (٤) والخلاصة: أن ما أورده الحسين خلاف الأولى وأن الأولى - والعلم عند الله - كون المراد بالذكر هنا (القرآن). قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] [٥٧] قال الحسين بن الفضل: (إنما أراد بقوله ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الأوثان، دون غيرها لأنه لو أراد الملائكة والناس لقال: (ومن تعبدون)) الكشف والبيان للثعلبي (٥) / ٣١٠ (٦) الدراسة قال أهل العربية: (ما) إذا جُعلت اسماً فهي لغير المميزين من الجن والأنس و (من) تكون للمميزين العقلاء (٧)، ومِنْ العرب من يستعمل (ما) في موضع ... (من) .. (٨) (٩).

стр. 198

وقال ابن قتيبة: (ما) و (مَن) أصلهما واحد، فجُعلت مَنْ للناس، وما لغير الناس، نقول: مَنْ مرَّ بك من القوم، وما مرَّ بك من الإبل؟) (١) وتطلق (ما) و (من) على المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث (٢). ومن هنا ذهب الحسين إلى أن الآية في الأوثان دون عيسى أو عزير أو الملائكة ﵈، ولقد وافقه جماعة من المفسرين على أن المراد هو الأوثان: وعلى رأسهم الإمام الطبري، وقال: " ولا شك أن الذين سبقت لهم منا الحسنى إنما هم إما ملائكة وإما إنس أو جان، وكل هؤلاء إذا ذكرتها العرب فإن أكثر ما تذكرها بـ (من) لا بـ (ما)، والله تعالى ذكره إنما ذكر المعبودين الذين أخبر أنهم حصب جهنم بـ (ما)، قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ إنما أريد به ما كانوا يعبدون من الأصنام والآلهة والحجارة والخشب، لا من كان من الملائكة والإنس". (٣) والنحاس بقوله: " وإنما يراد به الأصنام، واللغة تدل على هذا لأنَّ (ما) لما لا يعقل، فقد علم أن معنى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ لا يكون للمسيح وهذا أصحُّ ما قيل في قوله تعالى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (٤) و كذلك وافقهما ابن عطية (٥) والشوكاني، وقال: " قال كثير من أهل العلم: ولا يدخل في هذه الآية عيسى وعزير والملائكة، لأن (ما) لمن لا يعقل، ولو أراد العموم لقال ومن يعبدون " (٦) وغيرهم (٧)

стр. 199

ولكن يُعكر على ما سبق ما رواه ابن عباس ﵄ قال: (لما نزلت ... ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ فقال المشركون: الملائكة وعيسى وعزير يعبدون من دون الله، فقال (لو كان هؤلاء الذين يعبدون آلهةً ما وردوها)، قال: فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ عيسى وعزير والملائكة. (١) وحدّدت الرويات الأخرى أن السائل هو عبد الله بن الزِّبَعْرَى (٢).

стр. 200

بعموم المعنى، فأوردوا على هذا الظاهر هذا الإيراد " (١). الثالث: أن ابن الزِّبَعْرى رام مغالطة. فالخطاب لأهل مكة ومعلوم أنهم عبدة أوثان لا عيسى ولا عزير. قال الرازي: " واعلم أن سؤال ابن الزِّبَعْرى ساقط من وجوه. أحدها: أن قوله إنكم خطاب مشافهة وكان ذلك مع مشركي مكة وهم كانوا يعبدون الأصنام فقط. وثانيها: أنه لم يقل ومن تعبدون بل قال وما تعبدون وكلمة ما لا تتناول العقلاء أما قوله تعالى ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] وقوله ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ ... [الكافرون: ٢] فهو محمول على الشيء ونظيره ههنا أن يقال إنكم والشيء الذي تعبدون من دون الله، لكن لفظ الشيء لا يفيد العموم فلا يتوجه سؤال ابن ... الزِّبَعْرى ... ) (٢) وقال ابن كثير: " وهذا الذي قاله ابن الزِّبعرَى خطأ كبير لأن الآية إنما نزلت خطاباً لأهل مكة في عبادتهم الأصنام التي هي جماد لا تعقل ليكون ذلك تقريعاً وتوبيخاً لعابديها ولهذا قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ فكيف يورد على هذا المسيح وغزير ونحوهما ممن له عمل صالح ولم يرض بعبادة من عبده، وعوّل ابن جرير في تفسيره في الجواب على أن (ما) لما لا يعقل عند العرب " (٣). وقال الشنقيطي: "إن هذه الآية لم تتناول الملائكة ولا عيسى لتعبيره بـ (ما) الدالة على غير العاقل، وقد أشار تعالى إلى هذا الجواب بقوله ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨]؛ لأنهم لو أنصفوا لما ادعوا دخول العقلاء في لفظ لا يتناولهم لغة " (٤) ثم إنه قيل: إنَّ هذه القصة لا تصح؛ لأنَّ النبي ﷺ كان أفصحَ العرب وأنطقهم لساناً وأحضرهم جواباً كما وصف نفسه فلا يجوز أن يسكت على مثل هذا السؤال وقيل بل كان سكوته للاستخفاف؛ لأنه سئل سؤالاً محالاً فقال ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ (٥) ولم يقل (من) تعبدون، وقيل غير ذلك (٦).

стр. 201

وفي نفس الأمر لو حكمت القاعدة التفسيرية التي تنصّ على أنه في تفسير القرآن بمقتضى اللغة يراعي المعنى الأغلب والأشهر والأفصح دون الشاذ أو القليل. (١) أكّد ذلك الطبري بقوله: " .. وتوجيه معاني كتاب الله إلى الظاهر المستعمل في الناس أولى من توجيهها إلى الخفي القليل في الاستعمال .. " (٢) وقال في موضع آخر" .. والتأويل في القرآن على الأغلب الظاهر من معروف كلام العرب المستعمل فيهم " (٣). ولذا فإن قول الحسين انبنى على قاعدة أصيلة ينبغي أخذها بالاعتبار. واختياره أن الأوثان هي المرادة دون عيسى أو عزير أو الملائكة ﵈ يؤيده ويقويه أن الخطاب كان لأهل مكة وهم عبدة أوثان ولم يكونوا أهل كتاب.

стр. 202

سورة الحج قال تعالى ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥] [٥٨] قال الحسين بن الفضل: (هذا كما يقول في الكلام للحاسد أو المعاند: إن لم ترض هذا فاختنق) الكشف والبيان ٢/ ٤٧٧ (١). الدراسة قال ابن فارس: " الخاء والنون والقاف أصل واحد يدلُّ على ضيق، فالخانق الشِّعبْ الضَّيِّق، ... والخنق: مصدر خَنَقه يخنِقه خَنقاً ". (٢) وفي هذه الآية تحقيق لوعد الله على أبلغ وجه، وفيها إيجاز بارع، واختصار رائع، وللمفسرين فيها عدة أوجه معروفة (٣): قال قتادة: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيَّه محمَّداً ﷺ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ يقول: بحبل إلى سماء البيت، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ يقول: ثم ليختنق، ثم لينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (٤). قال الثعلبي: " هذا قول أكثر أهل التأويل ". (٥) وإنما المعنى: من كان من الكفرة الحسدة له ﷺ ، يظن أن لن ينصر الله نبيه محمداً ﷺ فليمدد بحبل إلى السماء أي سماء بيته. قال ابن قتيبة: " يعني سقف البيت، وكل شيء علاك وأظلك فهو سماء " (٦). ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ ليختنق بالحبل، فيشده في عنقه ويتدلّى مع الحبل المعلق في السقف حتى يموت، وإنما أطلق القطع على الاختناق؛ لأن الاختناق يقطع النفس بسبب حبس مجاريه، فلينظر إذا اختنق ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ أي: هل يذهب فعله ذلك ما يغيظه من نصر الله نبيه محمد ﷺ في الدنيا أو في الآخرة.

стр. 203

والمعنى: لا يذهب ذلك الذي فعله ذلك الكافر الحاسد ما يغيظه ويغضبه من نصر الله لنبيه محمد ﷺ . (١) قال الزمخشري: " وسمي فعله كيداً، لأنه وضعه موضع الكيد حيث لم يقدر على غيره، أو على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده، إنما كاد به نفسه، والمراد: ليس في يده إلا ما ليس مذهب لما يغيظه ". (٢) وحاصل القول: إن الله تعالى يقول لحاسديه ﷺ ، الذين يتربصون به الدوائر، ويظنون أن ربه لن ينصره: موتوا بغيظكم، فهو ناصره لا محالة رغم أنوفكم، وممن قال بهذا: مجاهد وقتادة وعكرمة وعطاء (٣). كما نقله ابن كثير، وذكر أن هذا القول هو الأظهر والأبلغ في التهكم (٤). وقال الشنقيطي: " وهو أظهرها عندي " (٥). وفسر هذا التفسير الحسين بقوله (كما يقول في الكلام للحاسد أو المعاند إن لم ترض هذا فاختنق) والمعنى: هل يذهبنَّ كيده وحيلته، وبيانه: فليختنق غيظاً حتى يموت، وليس هذا على سبيل الحتم، أي: أن يفعله؛ لأنه لا يمكنه القطع والنظر بعد الاختناق والموت وهذا كما يقال للحاسد لم ترض هذا فاختنق ومت غيظاً. (٦) وقال السمرقندي في تفسيره: " .. ولكن كلام العرب على وجه الاختصار يعني إن لم تثق بما أقول لك فاذهب فاختنق أو اجتهد جهدك " (٧) وقال أبو حيان: " .. قال هذا المعنى قتادة، وهذا على جهة المثل السائر قولهم (دونك الحبل فاختنق) يقال ذلك للذي يريد من الأمر مالا يمكنه " (٨). وكأنَّ المثل يصوِّر الضيق الذي يصيب الحاسد المغتاظ الذي لا يرضه حال المحسود ولا يستطيع سلب ما هو فيه بالاختناق لأنه الضيق في اللغة. وهذا المثل على المعنى الصحيح؛ فذلك الذي لا يريد نصرة النبي ﷺ والقرآن واستفرغ فيه جهده وجاوز فيه كل حد، فقصارى أمره وعاقبة مكره أن يختنق حنقاً مما يرى من ضلال مساعيه وعدم إنتاج مقدماته ومباديه، كالحاسد الذي لم يرض بما أعطى الله المحسود واستنفذ وسعه وطاقته في سلب ذلك من المحسود لكن لاجدوى إذن: فليختنق ضيقاً حتى يموتَ كمداً.

стр. 204

وقبل ختم هذه الدراسة يُلحظ ملحظاً مهماً في هذا القول وهو ركاكة الأسلوب، فهل هذا النقل دقيق وهو عين قول الحسين فإن كان كذلك فلعله شابه شيء من تأثر اللغة في ذلك العصر (١) وهذا مما لا يستطاع الجزم به لعدم التثبت من دقة النقل، والكلام يقع على الألفاظ المنظومة وعلى المعاني التي تحتها مجموعة. فهل قوله: (هذا كما يقول ... ) متناسق؟ هذا فيه نظر.

стр. 205

سورة النور قال تعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٢ - ٣٣] [٥٩] قال الحسين بن الفضل: (في الآية تقديم وتأخير تقديرها: وأنكحوا الأيامى منكم إن أردن تحصناً) الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٩٩ (٢) الدراسة مرَّ سابقاً أسلوب التقديم والتأخير، وشُرِح بما يغني عن إعادته. قوله تعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ يقول تعالى ذكره: وزوِّجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم ومن أهل الصلاح من عبيدكم ومماليككم. (٣) وفي معنى الأيامى، قال الجوهري: " والأيامى: الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء .. ، لأن الواحد رجل أيِّمٌ سواء كان تزوَّج من قبل أو لم يتزوج، وامرأة أيّم أيضاً، بكراً كانت أو ثيباً ". (٤)

стр. 206

وذُكر أن قوله تعالى ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣] أنزلت في عبد الله بن أبي بن سلول حين أكره أمته على الزنا، ومن ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن جابر، قال: (كان عبد الله بن أبي بن سلول يقول لجارية له اذهبي فابغينا شيئاً، فأنزل الله ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾ (لهنَّ) وهكذا جاء في الحديث ﴿غَفُور رَحِيمٌ﴾ (١) والشاهد هو قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ والتحصن هو التعفف. قال الجوهري: أحْصَنَت المرأة: عَفَّت. (٢) قال قتادة: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ أي عفة وأخلاقاً. (٣)

стр. 207

وقال مقاتل بن حيان. (١): يستعففن عن الزنا (٢) وهذا الشرط راجع إلى إكراه الفتيات على الزِّنا إذ إنه لا يتصور إكراههن إلا إذا أردن التحصن (٣)، فآمر المطيعة للبغاء لا يسمى مكرهاً ولا أمره إكراهاً (٤). فخرج على الغالب، وهذا هو اختيار النووي (٥)، وابن كثير (٦) وغيرهم. وقال ابن العربي: " وإنما ذكر الله إرادة التحصن من المرأة؛ لأن ذلك هو الذي يُصور الإكراه، فأما إذا كانت راغبة في الزنا لم يُتصور إكراه فحصَّلوه إن شاء الله" (٧) قال ابن حجر: " لا مفهوم له بل خرج مخرج الغالب، ويحتمل أن يقال لا يتصور الإكراه إذا لم يردن التعفف لأنهن حينئذ في مقام الاختيار ". (٨) وقال الشوكاني: وقيل إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب لأن الغالب أن الإكراه لا يكون إلا عند إرادة التحصن، فلا يلزم منه جواز الإكراه عند عدم إرادة التحصن، وهذا الوجه أقوى الوجوه " (٩). قال ابن عاشور: " وذكر ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ لحالة الإكراه إذا إكراههم إياهن لا يتصور إلا وهن يأبين، وغالب الإباء أن يكون عن إرادة التحصن ". (١٠) وقيل: وتوجيه قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ غير ذلك مما يضعف (١١) ـ والله أعلم بالصواب ــ. وذهب النحاس (١٢) والسجستاني (١٣) والزجاج (١٤) والحسين بن الفضل إلى أن قوله ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ متعلقة بقوله ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، وأجاب الزجاج بقوله: " والمعنى انكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن أردنا تحصينا ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ ومعنى ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ أي لا تكرهوهن على البغاء البتة وليس المعنى: لا تكرهوهنَّ إن أردن تحصُّناً وإن لم يردن فليس لنا أن نكرههنَّ. (١٥)

стр. 208

وقد يفهم من قول الحسين أيضاً أنه من أراد أن يلزم الحصانة فليتزوَّج. (١) وقال ا بن عطية (٢) والقرطبي (٣) وأبو حيان (٤). وذهب هذا النظر عن كثير من المفسرين، فقال بعضهم، قوله ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ راجع إلى الأيامى وزاد أبو حيان: " وهذا فيه بعد وفصل كثير " (٥) وقال ابن جُزي الكلبي: " وهذا بعيد " (٦) وقال ابن حجر: " وحكمة التقييد بقوله ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ أن الإكراه لا يتأتى إلا مع إرادة التحصن لأن المطيعة لا تسمى مكرهة فالتقدير فتياتكم اللاتي جرت عادتهن بالبغاء، وخفي هذا على بعض المفسرين فجعل ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ متعلقاً بقوله فيما قبل ذلك ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾. (٧) وقال الآلوسي: " وزعم بعضهم أن ﴿إِنْ أَرَدْنَ﴾ راجع إلى قوله ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ وهو مما يقضي منه العجب (٨). ومهما يكن الأمر فقول الحسين بن الفضل ومن وافقه فيه تكلف ظاهر، وهذا دأب من كانت بضاعته العربية فقط دون معرفة أسباب النزول وملابساته فيقع منه مثل هذا، و قد ذكرتُ سابقاً فيمن نزلت الآية، و ذكرتُ معنى ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ في هذا السياق الذي هو في غاية الترابط والانسجام. فما الحامل على القول بالتقديم والتأخير والآية في غاية الوضوح، وقد جاءت على الأصل في ترتيب الكلام دونما حاجة إلى تقديم أو تأخير، ولذا أوردت الآية الأولى وهي قوله ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾. وبينتُ معناها مختصراً ثم أعقبتها بذكر مناسبة قوله تعالى ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ ذلك كله ليتبين القارئ الكريم روعة أسلوب القرآن وعظمة أحكامه ووضوح معانيه بلا حاجة للقول بالتقديم والتأخير.

стр. 209

ومعلوم أن القرآن نزل بلسان عربيٍّ مبين واضح المعنى جليِّ المراد لا يحتاج إلى ركوب الصعب لفهمه ولا تحميل نصوصه مالا تحتمل. ثم إنه ما كلُّ ما جاز في العربية جاز في القرآن، وينبغي تجنب الأعاريب التي هي خلاف الظاهر والمنافية لنظم الكلام.

стр. 210

سورة الشعراء قال تعالى ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧] [٦٠] قال الحسين بن الفضل: (يعني إلا من عبد رب العالمين) الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٧٤٠ (٢) الدراسة قال النحويون: إنه استثناء منقطع، أي لكن رب العالمين. (٣) وذهب إليه الفراء (٤) والزمخشري (٥) والرازي (٦). لأنهم فهموا من قوله ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء: ٧٥] أنهم الأصنام. (٧) وقال ابن عطية: " لأنه إنما أراد عبادة الأوثان من كل قرن منهم ". (٨) وأجاز الزجاج أن يكونوا عبدوا الله مع الأصنام وغيرها، فقال لهم: إن جميع من عبدتُّم عدوٌّ لي إلا ربَّ العالمين لأنهم سوَّوا آلهتهم بالله، فأعلمهم أنه قد تبرأ مما يعبدون إلا الله فإنه لم يتبرأ من عبادته. (٩) وهذا هو الصواب الموافق لما علم من الأدلة الأخرى من كونهم عبدوا الله وعبدوا معه غيره وأشركوا في عبادته ومن ذلك قوله ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨] وعلى هذا فالاستثناء متصل، ونسب ابن الجوزيِّ كونه استثناء من الجنس إلى ابن زيد (١٠)، ثم إن الكلبي وافق الحسين بن الفضل في تقديره، ولا يخفى ما في هذا التقدير خصوصاً بعد ما ذُكر في الأقوال السابقة، ولأنه ينبغي تجنب الأعاريب التي هي خلاف الظاهر والمنافية لنظم الكلام، والظاهر - والله أعلم - إقرار الاستثناء في موضعه. وأعجبني قول الطبري: " نصباً على الاستثناء .. ومعنى الكلام: أفرأيتم كل معبود لكم ولآبائكم، فإني منه بريءٌ لا أعبده، إلا ربَّ العالمين. (١١)

стр. 211

قال تعالى ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٩] [٦١] وقال الحسين بن الفضل: (سليم من آفة المال والبنين) الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٧٥٩. (٢) الدراسة ما هو القلب السليم؟ قال ابن عباس: القلب السليم (أن يشهد أن لا إله إلا الله). (٣) وقال ابن سيرين (٤): القلب السليم أن يعلم أنَّ الله حقٌّ، وأنَّ الساعة قائمة، وأنَّ الله يبعث من في القبور. (٥) وقال مجاهد: ليس فيه شكٌّ في الحق. (٦) وقال مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد: سليمٌ من الشرك، وزاد عبدا لرحمن بن زيد، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد (٧). وقول ابن زيد هذا هو الذي عليه أكثر المفسرين. (٨) وقال الضحاك: المخلص (٩). وقال القرطبي: " وهذا القول يجمع شتات الأقوال بعمومه وهو حسن، أي الخالص من الأوصاف الذميمة، والمتصف بالأوصاف الجميلة - والله أعلم - (١٠) وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو القلب الصحيح وهو قلب المؤمن لأن قلب الكافر والمنافق مريض، قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] (١١)

стр. 212

وقال أبو عثمان النيسابوري (١): هو القلب السالم من البدعة المطمئن إلى السنة. (٢) والظاهر والله أعلم أنه لا منافاة بين هذه الأقوال، لأنها من الألفاظ الجوامع وهذا من أعظم الأدلة على أنه تنزيل من حكيم حميد. وقد ذكر فيها شيخ الإسلام ابن تيمية كلاماً، فقال: " وهو سلامة القلب عن الاعتقادات الفاسدة، والإرادات الفاسدة، وما يتبع ذلك. (٣) وقال تلميذه ابن القيم: " وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم، والأمر الجامع لذلك، أنه قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه ومن كل شبهة تعارض خبره ... " (٤). وأما ما فسّر به الحسين ﵀ الآية فهو من باب المثل لنوع من أنواع سلامة القلب. ولعل تقييده هذا المعنى بقوله (آفة) لكي يخرج المال والبنون الذين كانوا سبباً في نفع أصحابهم. كمن أنفق ماله في وجوه الخير أو من خلَّف ولداً صالحاً يدعو له. وربما كان السبب في ذكر الحسين هذا المعنى في الآية مراعاته للناحية الإعرابية (٥) لأن قوله ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ استثناء وقد قال قبله ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾، وعلى كل حال فمن نجا من كون ماله وولده سبباً في هلاكه فقد سلم.

стр. 213

سورة النمل قال تعالى ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢)﴾ [النمل: ٤٢]. [٦٢] قال الحسين بن الفضل: (شبَّهوا عليها فشبَّهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو قالوا: هذا عرشك لقالت: نعم). الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٢١٢ (٢) الدراسة ذكر الله في هذه السورة قصة سليمان ﵇ مع بلقيس، وكان لها عرش عظيم كما وصفه القرآن فقال سليمان ﵇: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١)﴾ [النمل: ٣٨ - ٤١] قوله ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾: أي غيروا سريرها إلى حالٍ تنكره إذا رأته.

стр. 214

قال مجاهد وقتادة: أي غيروه (١). وقال ابن عباس: تنكير العرش أنه زيد فيه ونقص (٢). وقال مجاهد: أمر بالعرش فصير ما أحمر جعل أخضر، وما كان أخضر صير أحمر، غُيِّر كلٌّ من حاله (٣). وقيل غير ذلك (٤). ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ قال ابن عباس: قال لننظر إلى عقلها، فوجدت ثابتة العقل (٥). وقال مجاهد: أتعرفه (٦) وقال سعيد بن جبير: أم تكون من الذين لا يعرفون (٧). ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ قال مجاهد: فلما جاءت ﴿قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ فلم تدر ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ (٨) وقال قتادة: قالت كأنه هو شبهته، وقد كانت تركته خلفها (٩) وقال ابن زيد: شكَّت (١٠). وقال السدي: فلما دخلت وقد غُيِّرَ عرشُها فجعل كل شيء من حليته أو فرشه في غير موضعه ليلبسوا عليها، فلما دخلت ﴿قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ فرهبت أن تقول نعم هو، فيقولون ما هكذا كان حليته وكسوته هكذا، ورهبت أن تقول ليس هو فيقال لها بل هو هو، ولكنا غيرناه فقالت ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾. (١١)

стр. 215

وقال مقاتل: عرفته ولكنها شبهت عليهم كما شبهوا عليها، فلو أنهم قالوا هذا عرشك لقالت نعم (١). وهذا القول هو اختيار الحسين بن الفضل، وفي هذا دقة نظر الحسين بطرائق الكلام وتصرفاته. ومسألة التشبيه لا إشكال فيها، لأن سليمان ـ ﵇ ـ يريد أن ينظر إلى عقلها وكان فيها ثبات وعقل، ولها لب ودهاء وحزم، فلم تُقْدم على أنه هو لبعد مسافته عنها، ولا أنه غيره لما رأت من آثاره وصفاته وإن غير وبدل ونكر، فقالت (كأنه هو) أي يشبهه ويقاربه وهذه الإجابة منها في غاية الذكاء والحزم (٢)، ويدل على فطنتها وغزارة فهمها؛ لأنها استبعدت أن يكون عرشها، فقد خلفته وراءها بأرض اليمن، ولم تكن تعلم أن أحداً يقدر على هذا الصنع العجيب الغريب (٣). قال الرازي: " أما قوله (أهكذا عرشك) فاعلم أنَّ "هكذا" ثلاث كلمات، حرف التنبيه، وكاف التشبيه، واسم الإشارة، ولم يقل أهذا عرشك، ولكن أمثل هذا عرشك لئلا يكون تلقيناً. فقالت: كأنه هو، ولم تقل هو هو ولا ليس به، وذلك من كمال عقلها حيث توقفت في محل التوقف ". (٤) ويبقى قوله: (ولو قالوا لها هذا عرشك، لقالت: نعم) فيُتوقف فيه لأن هذا يخالف روايتي مجاهد وابن زيد السابقتين، وصرح مقاتل والحسين بن الفضل بأنها عرفته فستجيب بنعم، وهذا يخالف القول الآخر في الآية وهو اشتباه الأمر عليها مع أنها لو قالت (لا) لكانت صادقة، لأنه نُكِّر، وقولها كأنه هو تجوز فصيح. (٥) لكن لا سبيل لمعرفة حقيقة الأمر فهل هي عرفته أم أنه اشتبه الأمر عليها، إلا بنقل صحيح لأن المغيبات لا تثبت إلا بالنقل، ثم إنه لا فائدة لنا مرجوة من وراء معرفة ذلك، فللَّه الحمد والمنَّة.
следующие страницы →