← Тафсир

Тафсир · id 713

أقوال الحسين بن الفضل في التفسير

نادية بنت إبراهيم النفيسة

Полный текст (343 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قال تعالى ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٩] [٦١] وقال الحسين بن الفضل: (سليم من آفة المال والبنين) الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٧٥٩. (٢) الدراسة ما هو القلب السليم؟ قال ابن عباس: القلب السليم (أن يشهد أن لا إله إلا الله). (٣) وقال ابن سيرين (٤): القلب السليم أن يعلم أنَّ الله حقٌّ، وأنَّ الساعة قائمة، وأنَّ الله يبعث من في القبور. (٥) وقال مجاهد: ليس فيه شكٌّ في الحق. (٦) وقال مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد: سليمٌ من الشرك، وزاد عبدا لرحمن بن زيد، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد (٧). وقول ابن زيد هذا هو الذي عليه أكثر المفسرين. (٨) وقال الضحاك: المخلص (٩). وقال القرطبي: " وهذا القول يجمع شتات الأقوال بعمومه وهو حسن، أي الخالص من الأوصاف الذميمة، والمتصف بالأوصاف الجميلة - والله أعلم - (١٠) وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو القلب الصحيح وهو قلب المؤمن لأن قلب الكافر والمنافق مريض، قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] (١١)

стр. 212

وقال أبو عثمان النيسابوري (١): هو القلب السالم من البدعة المطمئن إلى السنة. (٢) والظاهر والله أعلم أنه لا منافاة بين هذه الأقوال، لأنها من الألفاظ الجوامع وهذا من أعظم الأدلة على أنه تنزيل من حكيم حميد. وقد ذكر فيها شيخ الإسلام ابن تيمية كلاماً، فقال: " وهو سلامة القلب عن الاعتقادات الفاسدة، والإرادات الفاسدة، وما يتبع ذلك. (٣) وقال تلميذه ابن القيم: " وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم، والأمر الجامع لذلك، أنه قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه ومن كل شبهة تعارض خبره ... " (٤). وأما ما فسّر به الحسين ﵀ الآية فهو من باب المثل لنوع من أنواع سلامة القلب. ولعل تقييده هذا المعنى بقوله (آفة) لكي يخرج المال والبنون الذين كانوا سبباً في نفع أصحابهم. كمن أنفق ماله في وجوه الخير أو من خلَّف ولداً صالحاً يدعو له. وربما كان السبب في ذكر الحسين هذا المعنى في الآية مراعاته للناحية الإعرابية (٥) لأن قوله ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ استثناء وقد قال قبله ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾، وعلى كل حال فمن نجا من كون ماله وولده سبباً في هلاكه فقد سلم.

стр. 213

سورة النمل قال تعالى ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢)﴾ [النمل: ٤٢]. [٦٢] قال الحسين بن الفضل: (شبَّهوا عليها فشبَّهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو قالوا: هذا عرشك لقالت: نعم). الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٢١٢ (٢) الدراسة ذكر الله في هذه السورة قصة سليمان ﵇ مع بلقيس، وكان لها عرش عظيم كما وصفه القرآن فقال سليمان ﵇: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١)﴾ [النمل: ٣٨ - ٤١] قوله ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾: أي غيروا سريرها إلى حالٍ تنكره إذا رأته.

стр. 214

قال مجاهد وقتادة: أي غيروه (١). وقال ابن عباس: تنكير العرش أنه زيد فيه ونقص (٢). وقال مجاهد: أمر بالعرش فصير ما أحمر جعل أخضر، وما كان أخضر صير أحمر، غُيِّر كلٌّ من حاله (٣). وقيل غير ذلك (٤). ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ قال ابن عباس: قال لننظر إلى عقلها، فوجدت ثابتة العقل (٥). وقال مجاهد: أتعرفه (٦) وقال سعيد بن جبير: أم تكون من الذين لا يعرفون (٧). ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ قال مجاهد: فلما جاءت ﴿قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ فلم تدر ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ (٨) وقال قتادة: قالت كأنه هو شبهته، وقد كانت تركته خلفها (٩) وقال ابن زيد: شكَّت (١٠). وقال السدي: فلما دخلت وقد غُيِّرَ عرشُها فجعل كل شيء من حليته أو فرشه في غير موضعه ليلبسوا عليها، فلما دخلت ﴿قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ فرهبت أن تقول نعم هو، فيقولون ما هكذا كان حليته وكسوته هكذا، ورهبت أن تقول ليس هو فيقال لها بل هو هو، ولكنا غيرناه فقالت ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾. (١١)

стр. 215

وقال مقاتل: عرفته ولكنها شبهت عليهم كما شبهوا عليها، فلو أنهم قالوا هذا عرشك لقالت نعم (١). وهذا القول هو اختيار الحسين بن الفضل، وفي هذا دقة نظر الحسين بطرائق الكلام وتصرفاته. ومسألة التشبيه لا إشكال فيها، لأن سليمان ـ ﵇ ـ يريد أن ينظر إلى عقلها وكان فيها ثبات وعقل، ولها لب ودهاء وحزم، فلم تُقْدم على أنه هو لبعد مسافته عنها، ولا أنه غيره لما رأت من آثاره وصفاته وإن غير وبدل ونكر، فقالت (كأنه هو) أي يشبهه ويقاربه وهذه الإجابة منها في غاية الذكاء والحزم (٢)، ويدل على فطنتها وغزارة فهمها؛ لأنها استبعدت أن يكون عرشها، فقد خلفته وراءها بأرض اليمن، ولم تكن تعلم أن أحداً يقدر على هذا الصنع العجيب الغريب (٣). قال الرازي: " أما قوله (أهكذا عرشك) فاعلم أنَّ "هكذا" ثلاث كلمات، حرف التنبيه، وكاف التشبيه، واسم الإشارة، ولم يقل أهذا عرشك، ولكن أمثل هذا عرشك لئلا يكون تلقيناً. فقالت: كأنه هو، ولم تقل هو هو ولا ليس به، وذلك من كمال عقلها حيث توقفت في محل التوقف ". (٤) ويبقى قوله: (ولو قالوا لها هذا عرشك، لقالت: نعم) فيُتوقف فيه لأن هذا يخالف روايتي مجاهد وابن زيد السابقتين، وصرح مقاتل والحسين بن الفضل بأنها عرفته فستجيب بنعم، وهذا يخالف القول الآخر في الآية وهو اشتباه الأمر عليها مع أنها لو قالت (لا) لكانت صادقة، لأنه نُكِّر، وقولها كأنه هو تجوز فصيح. (٥) لكن لا سبيل لمعرفة حقيقة الأمر فهل هي عرفته أم أنه اشتبه الأمر عليها، إلا بنقل صحيح لأن المغيبات لا تثبت إلا بالنقل، ثم إنه لا فائدة لنا مرجوة من وراء معرفة ذلك، فللَّه الحمد والمنَّة.

стр. 216

سورة العنكبوت قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ... [العنكبوت: ٦٩] . [٦٣] قال الحسين بن الفضل: (فيه تقديم وتأخير، مجازه: والذين هديناهم سبيلنا جاهدوا فينا) . الكشف والبيان (١) / ٢٩٠ (٢) الدراسة تقدم ذكر معنى قوله (مجازه). والجهاد في القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها: الجهاد بالسلاح. والثاني: الجهاد بالقول. والثالث: الجهاد بالأعمال. (٣) والجهاد هو تحمُّل المشاقِّ في تحصيل المطلوب (٤) والجَهْد بالفتح: المشقة، وبالضم: الطاقة وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة (٥). وأصل الهدى هو الإرشاد ثم يصير الإرشاد إلى معنى البيان (٦). ولقد ذكر العلماء في تفسير هذه الآية أقوالاً (٧). قال البغوي: " وقيل: لنزيدنَّهم هدى كما قال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦] وقيل: لنوفقنهم لإصابة الطريقة المستقيمة هي التي يوصل بها إلى رضا الله . قال سفيان بن عيينة: إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الثغور، فإن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنبكوت: ٦٩]. وقيل: المجاهدة هي الصبر على الطاعات. قال الحسن: أفضل الجهاد مخالفة الهوى (٨) ". وقد أطلق لفظ المجاهدة بدون تقييدها بمفعول، وذلك ليتناول كل ما يجب مجاهدته من النفس الأمارة بالسوء والشيطان، وأعداء الدين (٩). فهي تعم مجاهدة الأعادي الظاهرة والباطنة بأنواعها. (١٠)

стр. 217

فذكر سبحانه أنَّ الذين جاهدوا فيه أنَّه يهديهم إلى سبيل الخير والرشاد وأقسم على ذلك باللام. وذكر السعدي ـ رحمه الله تعالى ـ أن المفرد المضاف يفيد العموم، كما يفيد ذلك اسم الجمع. (١) فالسبل هنا تعم جميع سبل الخير الموصلة إلى مرضاة الله والجنة. والله أعلم. قال الربيع في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ ليس على الأرض عبد أطاع ربه ودعا إليه ونهى عنه، إلا وأنه قد جاهد في الله (٢). قال ابن القيم: " قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ علّق سبحانه الهداية بالجهاد، فأكملُ الناس هدايةً أعظمُهم جهاداً. وأفرض الجهاد: جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا. فمن جاهد هذه الأربعة في الله، هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد، فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد ". (٣) وهكذا تبين المراد من الآية الكريمة ثم إنه قد مرَّ مراراً الحديث عن أسلوب التقديم والتأخير، ما دافع الحسين للقول السابق في هذه الآية الكريمة الواضحة الجلية؟ فإن كان من ناحية اللغة: فقد علق الهداية بالجهاد، فالجهاد أولاً ثم الوعد بالهداية. وهدى التوحيد شرط المجاهدة وهي متقدمة عليها، وهذا الهدى نور يقذفه الله تعالى في القلب بعد المجاهدة يستقر فيه. (٤) وإن كان من ناحية الإعراب، فما أيسر أن يقال: (الذين) مبتدأ، خبره القسم المحذوف، وجوابه هو (لنهدينهم). (٥) وإن كان من ناحية النظم: فإنه من روعته وانسجامه لا يملك القارئ إلا أن يقول: تنزيلٌ من حكيم حميد. وإن كان من ناحية المعنى فقد تقدم

стр. 218

سورة الأحزاب قال تعالى ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] [٦٤] قال الحسين بن الفضل (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ عند الملائكة ... لا عند الله). الكشف والبيان ٨/ ٦٨ . (١) الدراسة قال تعالى ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ الجمهور على أنه آدم ﵇ (٢) ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ قال ابن عباس: غرَّ بأمر الله (٣) وقال قتادة: ظلوماً لها: يعني للأمانة، جهولاً عن حقها. (٤) وقال الضحاك: ظلوماً لنفسه جهولاً فيما احتمل فيما بينه وبين ربه (٥) قال الطبري: " وحملها آدم ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا (لنفسه) جَهُولًا﴾ بالذي فيه الحظُّ له (٦). ومما ذكر ابن قتيبة في تفسيره أن الله أمر آدم ﵇ عندما حضرته الوفاة أن يعرض الأمانة على ولده فعرضها على ولده فقبل بالشَّرط ولم يتهيَّب منه ما تهيبته السماء والأرض والجبال فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا﴾ لنفسه ﴿جَهُولًا﴾ بعاقبة ما تقلَّد لربه. (٧)

стр. 219

وقال ابن تيمية: "والإنسان خلق ظلوماً جهولاً، فالأصل فيه عدم العلم وميله إلى ما يهواه من الشر، فيحتاج دائماً إلى علم مفصل يزول به جهله، وعدل في محبته وبغضه ورضاه وغضبه وفعله وتركه وإعطائه ومنعه وأكله وشربه ونومه ويقظته، فكل ما يقوله ويعلمه يحتاج فيه إلى علم ينافي جهله، وعدل ينافي ظلمه، فإن لم يمنَّ الله عليه بالعلم المفصل والعدل المفصل، وإلا كان فيه من الجهل والظلم ما يخرج به عن الصراط المستقيم ... " (١) ثم إنَّ الرازي ذكر وجوهاً في معنى قوله ﴿ظَلُومًا جَهُولًا﴾ فقال: " رابعها، إنه كان ظلوماً جهولاً في ظنِّ الملائكة حيث قالوا ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ ... [البقرة: ٣٠] وبيَّن علمه عندهم حيث قال ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ ... [البقرة: ٣١] " (٢) وقد تكون هذه هي العلة الخفية خلف قول الحسين ﵀، والحقيقة أن قول الحسين ﵀ هذا فيه غرابة فآيات البقرة صريحات واضحات في بسط المعنى في قصة آدم ﵇ واستخلافه في الأرض، وهنا في آية الأحزاب المعنى واضح في عظمة الأمانة وإشفاق السموات والأرض والجبال من حملها فحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً فكيف يتفق هذا مع تكريم الله تعالى لآدم بالعلم عندما قال للملائكة ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ إلى أن قال ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١] ولكن قد يكون لتضلُّع الحسين في علم المعاني وتعمقه فيه، دورٌ بارزٌ في مثل هذه الأقوال، وهذه هي الحال المتوقعة من تحكيم العربية دون الرجوع إلى القواعد السليمة التي لا بد للمفسر من السير وفقها، وكذلك الإلمام الواعي بالعلوم الأخرى المتعلقة بعلم التفسير. وغير مستبعد أن يكون السبب الذي ألجأ الحسين إلى هذا القول هو المبالغة في تنزيه آدم ﵇ والله تعالى أعلم ـ.

стр. 220

ويبقى أن فهم الآية لا يحتاج إلى تكلف أو تحميلها مالا تطيقه، لأنها جاءت على اللسان العربي المبين، ونحو هذا الكلام كثير في لسان العرب، وما جاء القرآن إلا على طرقهم وأساليبهم حتى قال بعضهم: الظلم كمين في النفس، العجز يخفيه، والقدرة تبديه، أو القوة تظهره والعجز يخفيه. (١)

стр. 221

سورة فاطر قال تعالى ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨] [٦٥] قال الحسين بن الفضل: (فيه تقديم وتأخير، مجازه: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء) الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٩٩ (٢) الدراسة قوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ استفهام، تدل الصناعة النحوية على تقدير محذوف، وبحسب الأدلة يتعدد هذا التقدير، فيحتمل ثلاثة أمور: أحدها: تقدير ذهبت نفسك عليهم حسرات، فحذف الخبر لدلالة (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات) (٣). قاله الكسائي، وقال: وهذا كلام عربي ظريف لا يعرفه إلا القليل. (٤) وقال النحاس: " والذي قاله الكسائي أحسن ما قيل في الآية لما ذكره من الدلالة على المحذوف، والمعنى أن الله جلَّ وعزَّ نهى النبي ﷺ عن شدة الاغتمام بهم والحزن عليهم كما قال ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] (٥) قال الطبري: " يقول تعالى ذكره: أفمن حسَّن له الشيطان أعماله السيئة من معاصي الله والكفر به، وعبادة ما دونه من الآلهة والأوثان، فرآه حسناً، فحسب سيئ ذلك حسناً، وظن أن قُبحه جميل لتزيين الشيطان ذلك له، ذهبت نفسك عليهم حسرات، وحذف من الكلام: ذهبت نفسك عليهم حسرات، اكتفاء بدلالة قوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ منه ". (٦) ثانيها: كمن هداه الله فحذف، لدلالة قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٧).

стр. 222

قال الزجاج: " الجواب ههنا على ضربين، أحدهما يدل عليه (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات) ويكون المعنى: أفمن زين له سوء عمله فأضله الله ذهبت نفسك عليه حسرة، ويكون (فلا تذهب نفسك) يدل عليه، ويجوز أن يكون الجواب محذوفاً ويكون المعنى أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، ويكون دليله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. (١) وقال ابن عطية: " وجوابه محذوف تقديره عند الكسائي (تذهب نفسك حسرات عليهم) ويمكن أن يتقدر كمن اهتدى، ونحو هذا من التقدير، وأحسنها ما دل اللفظ بعد عليه ". (٢) ثالثها: كمن لم يزين له سوء عمله، والمعنى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ من الفريقين اللذين تقدم ذكرهما، كمن لم يزين له، ثم كأن النبي ﷺ لما قيل له ذلك، قال: لا، فقيل: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ (٣) قال الشوكاني: " وهذا أولى لموافقته لفظاً ومعنى". (٤) قال ابن تيمية: " قلت: نظير هذه الآية من المحذوف: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ كمن ليس كذلك إلى أن قال: " وقد قيل في هذه الآية أن المحذوف: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ فرأى الباطل حقاً؟ والقبيح حسناً كمن هداه الله فرأى الحق حقاً والباطل باطلاً والقبيح قبيحاً والحسن حسناً، وقيل: جوابه تحت قوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾: لكن يرد عليه أن يقال: الاستفهام ما معناه إلا أن تقدر. أي: هذا تقدر أن تهديه أو ربك، أو تقدر أن تجزيه كما قال ... ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣] ولهذا قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٥).

стр. 223

وبعد إمكانية هذه التقديرات، ولأدلةٍ دلت عليها، يستغنى عن قول الحسين بتقديم ما حقه التأخير أو تأخير ما حقه التقديم. وطالما أنَّ الآية واضحة المعنى، مفهومة المراد، من غير تقديم أو تأخير فلا داعي له. لبقائها على الأصل، وقد ناقشتُ القول في هذا الأسلوب فأرجو أن يكون الصواب فيما ذكرت. ولعل الدَّاعي لقول الحسين هو النظرة العربية البحتة ــ والله أعلم ــ. وقد قال الآلوسي: " ويفهم من كلام الطيبي أن فاء (فلا تذهب) جزائية وفاء (فإنَّ الله) للتعليل، وأن الجملة مقدَّمة من تأخير فقد قال إنه ﷺ كان حريصاً على إيمان القوم وأن يسلك الضالين في زمرة المهتدين فقيل له ﵊ على سبيل الإنكار لذلك: أفمن زين له سوء عمله من هذين الفريقين، كمن لم يزين له فلا بد أن يقر بالنفي ويقول لا، فحينئذ يقال له فإذا كان كذلك فلا تذهب نفسك عليهم حسرات فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فقدم وأخر. انتهى وفيه نظر " (١) والحسرات هي أشد الندامة. (٢)

стр. 224

سورة الصافات قال تعالى ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] [٦٦] قال الحسين بن الفضل: (العجب من الله إنكار الشيء وتعظيمه، وهو لغة العرب وقد جاء في الخبر (عجب ربكم من ألّكم وقنوطكم) (١). الكشف والبيان للثعلبي (٢) / ١٩. (٣) الدراسة العجب هو إنكار ما يَرِدُ عليك لقلة اعتياده. (٤) قال الراغب: " العجب والتعجب حالة تعرض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء، ولهذا قال بعض الحكماء: العجب ما لا يعرف سببه ". (٥) واختلف القراء في ضم التاء وفتحها من قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ فقرأ حمزة والكسائي: بضم التاء (بل عجبتُ). وقرأ الباقون: بفتح التاء (بل عجبتَ) (٦). وحجة من فتح التاء أنه جعله مخاطبة للنبي - ﷺ فالعجب مضاف إليه، والمعنى بل عجبت أنت يا محمد (٧).

стр. 225

قال قتادة: عجب محمد ﵊ من هذا القرآن حين أُعطيه وسخر منه أهل الضلالة (١). وعلى قراءة الضم: فقال الزجاج: " ومن قرأ عجبتُ فهو إخبار من الله، وقد أنكر قومٌ هذه القراءة وقالوا: الله لا يعجب. وإنكارهم هذا غلط، لأن القراءة والرواية كثيرة والعجب من الله خلافُه من الآدميين: كما قال: ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠] ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] ... ، وأصل العجب في اللغة: أن الإنسان إذا رأى ما ينكره ويقل مثله، قال: عجبت من كذا وكذا، وكذا إذا فعل الآدميون ما ينكره الله جاز أن يقول فيه عجبتُ. والله قد علم الشيء قبل كونه، ولكن الإنكار إنما يقع والعجب الذي يلزم به الحجة عند وقوع الشيء ". (٢) وقال الفراء: " قرأها الناس بنصب التاء ورفعها، والرفع أحبُّ إلىَّ؛ لأنها قراءة عليٍّ وابن مسعود (٣) وعبد الله بن عباس. والعجب إن أسند إلى الله فليس معناه من الله كمعناه من العباد ألا ترى أنه قال: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، وليس السُّخْرية من الله كمعناه من العباد وكذلك قوله ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ليس ذلك من الله كمعناه من العباد ففي ذلك بيان لكسر قول شريح (٤)، وإن كان جائزاً، لأن المفسرين قالوا: " بل عجب يا محمد ويسخرون هم، فهذا وجه النصب " (٥).

стр. 226

والصحيح أنهما قراءتان مشهورتان بأيهما قرأ القارئ فمصيب مع اختلاف معنييهما، فقد عجب محمد مما أعطاه الله من الفضل وسخر منه أهل الشرك بالله، وقد عجب ربنا من عظم ما قاله المشركون في الله وسخر المشركون بما قالوه، والمعنى بالضم: بل عظم عندي وكبر اتخاذهم لي شريكاً، وتكذيبهم تنزيلي وهم يسخرون (١) وبذلك يعلم أن هذه الآية الكريمة على قراءة الأخوين فيها إثبات العجب لله تعالى ذكره فهي إذاً من آيات الصفات مع هذه القراءة، وقد تقدم في آخر سورة الأعراف الحديث عن صفة الاستواء ومذهب السلف في الإيمان بها والقول في بعض الصفات كالقول في الكل. والعجب كذلك صفة من صفات الله الثابتة لله بالكتاب والسنة وإجماع السلف فقد روى البخاري عن أبى هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل) (٢)، وعنه ﵁ قوله ﷺ (قد عجب الله من صنيعكما بضيْفِكُما الليلة) (٣) وغيره مما روي (٤). وفي هذا رد على الجهمية وغيرهم الذين ينفون العجب ويؤوِّلون ذلك بتأويلات فاسدة. و العجب من الصفات الفعلية فنثبتها لله على حسب ما جاءت به الأدلة وليس في إثباتها محذور البتة، فإنه عجب ليس كمثله شيء، فالقول في الصفات كالقول في الذات، فكما أننا نعتقد أن لله ذاتاً لا يشبهها ذوات المخلوقين، فالصفات يحذى فيها حذو الذات. (٥) قال أبو حنيفة: " لا يشبه شيئاً من الأشياء من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته الذاتية والفعلية .. والفعل صفة في الأزل والفاعل هو الله تعالى، والفعل صفة في الأزل والمفعول مخلوق، وفعل الله تعالى غير مخلوق وصفاته في الأزل غير محدثة ولا مخلوقة، فمن قال: إنها مخلوقة، أو محدثة، أو وقف، أو شكَّ فيها فهو كافر بالله تعالى. " (٦)

стр. 227

وهو عجب حقيقي يليق بالله . والتعجب كما يدل على بغض الفعل كقوله ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥] وقوله ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ فقد يدل على محبة الله للفعل (١) وقد يدلّ على غير ذلك. (٢) ومن المهم معرفته أن العجب نوعان: أحدهما: أن يكون صادراً عن خفاء السبب على المتعجب فيندهش له ويستعظمه ويتعجب منه، وهذا النوع مستحيل على الله لأنه لا يخفى عليه شيء الثاني: أن يكون سببه خروج الشيء عن نظائره أو كما ينبغي أن يكون عليه مع علم المتعجب، وهذا هو الثابت لله تعالى. (٣) قال ابن تيمية: " فلا يجوز عليه أن لا يعلم سبب ما تعجب منه، بل يتعجب لخروجه عن نظائره تعظيماً له. والله تعالى يعظم ما هو عظيم، إما لعظم سببه أو لعظمته .. ولهذا قال تعالى ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ على قراءة الضم، فهنا هو عجب من كفرهم مع وضوح الأدلة ". (٤) وبعد هذا البيان في وجوب الإيمان بهذه الصفة لله تعالى. أقولُ إن قول الحسين هذا يدل على قراءته (عجبتُ) بالضم، وقد ذكر أن العجب في لغة العرب الإنكار وهذا يصح لغةً، لكن جعله تفسيراً لصفة العجب التي اتصف الله بها، هذا لا يجوز، فنثبت أن الله يعجب عجباً حقيقياً يليق بجلاله وعظمته، ومن لوازمه تعظيم الشيء ولذا نقول: إنَّ تفسير هذه الصفة بلازمها قول يخالف النص، ويخالف طريقة السلف، وليس عليه دليل صريح والتعبير بالإنكار هروب من معنى مشكل في عقولهم وللأسف وقعوا في معنى مشكل مثله وهو الإنكار. والله أسأل أن يثبتنا ويهدينا.

стр. 228

قال تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ [الصافات: ١٠٧] [٦٧] قال الحسين بن الفصل: (لأنه كان من عند الله . الكشف والبيان للثعلبي (١) / ١٠٠ (٢). الدراسة فدى الله تعالى ذكره – ابن خليله إبراهيم ﵇ بذبحٍ، (والذبح بكسر الذال: الشيءُ الذي يُذبح). (٣) ووصفه بأنه عظيم. قال الجوهري: " عَظُمَ الشيء عِظَمَا: كَبُرَ فهو عظيم " (٤). وقال النحاس: " العظيم في اللغة: يكون للكبير والشريف، وأهل التفسير على أنه ههنا للشريف، أي المتقبل ". (٥) وروي عن مجاهد: العظيم: المتقبل. (٦) وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: لأنه رعى في الجنة أربعين خريفاً. (٧) وقال الحسن: لأنه ذبح على دين إبراهيم وسننه. (٨) وقال القرطبي: " (عظيم) أي عظيم القدر ولم يرد عظيم الجثة، وإنما عظم قدره لأنه فدى به الذبيح، أو لأنه متقبَّل .. " (٩) وقال ابن عاشور: " بمعنى شرف قدر هذا الذِّبح، وهو أن الله فدى به ابن رسولٍ، وأبقى به من سيكون رسولاً فعِظمه بعظم أثره، ولأنه سخره الله لإبراهيم في ذلك الوقت وذلك المكان " (١٠) وقيل غير ذلك. (١١) وذهب الحسين إلى وصفه بعظيم؛ لأنه من عند الله جل ثناؤه، وهذا من باب الوصف المعنوي فهو عظيم من جهة القدر، فاكتسب العظمة من كونه مصدر مجيئه من عند الله ، وأظنه معنى وجيه في بيان الوصف، ولكنه ـ والله أعلم ـ ليس السبب الوحيد في تخصيص الوصف. وذكر الزمخشري في (عظيم) أنه ضخم الجثة سمين وهي السنة في الأضاحي .. (١٢) وعلى كل حال فلم يكن بودي أن أسرد الأقوال في معنى (عظيم)؛ لأن الله تعالى عمَّ وصفه دون تخصيص، فيفهم كما عمَّ – – ولكني اضطررت لذلك من أجل إتمام دراسة هذا القول، والحمد لله الذي لم يرتِّب على معرفة المراد من الوصف مقصداً مهمَّاً في الدين، ولو كان كذلك لحدده جلَّ وعزَّ.

стр. 229

قال الطبري: " ولا قول في ذلك أصحُّ مما قال الله جلَّ ثناؤه: وهو أن يقال: فداه الله بذبح عظيم، وذلك أن الله عمَّ وصفه إياه بالعظم دون تخصيصه، فهو كما عمَّه به " (١).

стр. 230

سورة ص قال تعالى ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣] . [٦٨] قال الحسين بن الفضل: (هذا تعريض للتفهيم والتنبيه؛ لأنه لم يكن هناك نعاج ولا بغي، وإنما هو كقول الناس: ضرب زيدٌ عمراً وظلم عمروٌ زيداً، واشترى بكر داراً، وما كان هناك ضرب ولا ظلم ولا شراء) . الكشف والبيان للثعلبي (١) / ١٩٧ (٢) الدراسة ذكر بعض المفسرين في قصة داود ﵇ أخباراً تقشعر منها الأبدان ولا توافق عقلاً ولا نقلاً، ثم إنهم جعلوها تفسيراً لهذه الآيات من سورة ص (٣) ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (٤)

стр. 231

قال القاضي عياض: " وأما قصة داود ﵇ فلا يجب أن يُلتفت إلى ما سطره فيه الأخباريون عن أهل الكتاب الذين بدَّلوا وغيَّروا، ونقله بعض المفسرين ولم ينصَّ الله على شيء من ذلك ولا ورَدَ في حديث صحيح، والذي نص الله عليه قوله وَظَن ﴿دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص: ٢٤] إلى قوله: ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] (١) وقال ابن كثير في تفسيره: " قد ذكر المفسرون ههنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه ... " (٢) وقال في البداية والنهاية: " وقد ذكر كثير من المفسرين، من السَّلف والخلف، ههنا قصصاً وأخباراً أكثرها إسرائيليات، ومنها ما هو مكذوب لا محالة ". (٣) وقال الشنقيطي: " واعلم أن ما يذكره كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة، مما لا يليق بمنصب داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كله راجع إلى الإسرائيليات، فلا ثقة به، ولا معوّل عليه، وما جاء منه مرفوعاً إلى النبي ﷺ لا يصح منه شيء ". (٤) ولكي يستقيم التفسير على ضوء ما أوردوه، ذكروا أن المقصود بالنعجة هنا المرأة ودلَّلوا على ذلك من اللغة. (٥) وإلى نفي ما أضيف في الأخبار إلى داود ذهب جمع من المحققين، وقيل إن الخصمين اللذين اختصما إليه رجلان في نتاج غنم على ظاهر الآية. (٦) قال أبو حيان: " والظاهر: إبقاء لفظ النعجة على حقيقتها من كونها أنثى الضأن، ولا يكنى بها عن المرأة، ولا ضرورة تدعو إلى ذلك، ثم قال: " والذي يُذهب إليه ما دلّ عليه ظاهر الآية من أن المتسورين المحراب كانوا من الإنس دخلوا عليه من غير المدخل، وفي غير وقت جلوسه للحكم، وأنه فزع منهم ظاناً أنهم يغتالونه إذ كان منفرداً في محرابه لعبادة ربه، فلما اتضح له أنهم جاؤوا في حكومة، وبرز منهم اثنان للتحاكم كما قصّ الله تعالى وأن داود ﵇ ظنّ دخولهم عليه في ذلك الوقت ومن تلك الجهة إنقاذ من الله له أن يغتالوه فلم يقع ما كان ظنه، فاستغفر من ذلك الظن حيث أخلف، ولم يكن يقع مظنونه، ... " (٧)

стр. 232

وذكر أبو شهبة أن الرجلين خصمان حقيقة، وليسا ملكين كما زعموا، والنعاج على حقيقتها، وليس ثمة رموز ولا إشارات، وهذا التأويل هو الذي يوافق نظم القرآن ويتفق وعصمة الأنبياء فالواجب: الأخذ به، ونبذ الخرافات والأباطيل التي هي من صنع بني إسرائيل، وتلقفها القصاص وأمثالهم مما لا علم عندهم، ولا تمييز بين الغث والسمين، ثم ذكر بعض الأقوال التي وردت في صنع داود الذي فتن بسببه، ثم قال: " وهذه الأقوال الثلاثة ونحوها لست منها على ثلج، ولا اطمئنان، فإنها وإن كانت لا تُخلُّ بالعصمة لكنها تخدشها، ثم هي لا تليق بالصفوة المختارة من الخلق، وهم الأنبياء فالوجه الجدير بالقبول في تفسير الآيات هو الأول، فعُضَّ عليه، واشدد به يديك " (١) وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد في كتابه (قصص الأنبياء القصص الحق) قصة عشق داود المرأة فقهر زوجها ليتنازل له عنها وسعيه ﵇ في قتله وفي تفسير النعجة في الآية بأنها المرأة: " إن هذا تفسير مماطل باطل فاسد كاسد وإفك مبتدع يأباه لنفسه السوقة والرعاع، ومكر يهودي تمجُّه الأسماع وتنفر منه الطباع، وأذكر هنا أن سياق القرآن يأباه فإن الله ﵎ ذكر في مقدمة هذه السورة إلى قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ [ص.: ١٦] ما لقيه رسول الله ﷺ من أذى قومه وتمالئهم عليه واستهزائهم به فأمره الله بالصبر على ما يقولون، وأمره بأن يذكر قصة العبد الصالح الأواب داود ﵇ ... " (٢) ثم فسّر القصة على ظاهرها وبعدها: " وكأن الله تعالى يقول لشيخ المرسلين وإمام المتقين وسيد أولي العزم محمد ﷺ إياك أن تفزع من تهديدات قريش لك، واذكر قصة أخيك العبد الصالح الأواب داود ﵇ عندما تسور المحراب متخاصمون .. " (٣) ثم ذكر أنه لا ذكر للمرأة أبداً في هذه القصة. وذكر أن إطلاق النعجة على المرأة ليس بالوضع العربي وإنما يأتي على سبيل التشبيه ببقرة الوحش لا بأنثى الضأن، ثم قال: " أما قول البخاري ﵀ في كتاب أحاديث الأنبياء من صحيحه " (٤) يقال للمرأة نعجة، ويقال لها أيضاً شاة فقد أشار الحافظ ابن حجر في فتح الباري. (٥) إلى أنه استقى ذلك من أبي عبيدة معمر بن المثنى حيث قال: قال أبو عبيدة في قوله ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ أي امرأة " (٦). فوجه هذا القول على حسب رؤيته لذلك. (٧)

стр. 233

وأما عن قول الحسين فيدل على أن للمرأة علاقة بفتنة داود ﵇ وأن الذين جاؤوه لم يريدوا النعجة المعروفة، بل ذكروها رمزاً والمقصود هو المرأة. ولكن هل النازلة لها علاقة بالمرأة فإن صحّت، فالذي ذهب إليه الحسين صحيح فالملائكة عرَّضوا للتفهيم فهو أدعى للتنبيه على الخطأ من أن يبادره به صريحاً، وهو من أحسن التعريض. (١) وقد يقال بوجود الفتنة على جهة الإجمال دون الدخول في التفاصيل التي لا تصح من جهة النقل. والله جلّ ثناؤه لم يذكر هذا الذنب الذي صدر من داود ﵇، لعدم الحاجة إلى ذكره، فالتعرض له من باب التكلف، وإنما الفائدة ما قصه الله علينا من لطفه به وتوبته وإنابته، وأنه ارتفع محله، فكان بعد التوبة أحسن منه قبلها. (٢) قال تعالى ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] . [٦٩] قال الحسين بن الفضل: (سألني عبد الله بن طاهر وهو الوالي عن قوله سبحانه (فخرّ راكعاً) هل يقال للراكع خرَّ ؟ قلت: لا، قال: فما معنى الآية؟ قلت: معناها فخرَّ بعد أن كان راكعاً، أي سجد). الكشف والبيان للثعلبي (٣) / ١٩٧ (٤)

стр. 234

الدراسة قال الجوهري: " وخرَّ لله ساجداً يَخِرّ خُرُورَاً، أي سقط ". (١) ومعنى خرَّ: سقط سقوطاً يسمع منه خرير، والخرير: يقال لصوت الماء والريح وغير ذلك مما يسقط من علو. وقوله تعالى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] فاستعمال الخرِّ تنبيه على اجتماع أمرين: السقوط وحصول الصوت منهم بالتسبيح. (٢) والركوع هو الانحناء بقصد التعظيم دون الوصول إلى الأرض. (٣) وفسروه هنا بالسجود (٤). قال الطبري: " وخرَّ ساجداً لله (٥) وذكر ابن العربي أنه لا خلاف بين العلماء أن الركوع هاهنا السجود لأنه أخوه، إذ كل ركوع سجود وكل سجود ركوع وقال: " فإن السجود هو الميل والركوع هو الانحناء وأحدهما يدل على الآخر ولكنه قد يختص كل واحد منهما بهيئة، ثم جاء على تسمية أحدهما بالآخر فسمي السجود ركوعاً " (٦) وقال ابن عاشور: " قلتُ: الخلاف موجود " (٧) وقال الحسن: لأنه لا يكون ساجداً حتى يركع. (٨) وقيل إنه عبر عن السجود بالركوع (٩) لجامع الإنحناء. قال الزمخشري: " وعبر بالراكع عن الساجد، لأنه ينحني ويخضع كالساجد" (١٠). أو ذكره لأنه أول أحوال الخرور (١١) وقيل في معنى الآية غير ذلك. (١٢) والآية كما قال الرازي في تفسيره تدل على الركوع وقال: " وأما السجود فقد ثبت بالأخبار " (١٣). وقال الآلوسي: " وقال الحسين بن الفضل: أي خرَّ من ركوعه أي سجد بعد أن كان راكعاً، وظاهره إبقاء الركوع على حقيقته، وجعل (خرَّ) بمعنى سجد " (١٤)

стр. 235

وإذا عُلم أن قوله (خرَّ) أي ألقى بنفسه نحو الأرض متطامناً متواضعاً، والركوع والسجود الانخفاض والترامي نحو الأرض وخصصتها الشرائع على هيئات مخصوصة. (١) نتج عنه احتمال المعنى لما ذكر وقيل، مع أن قول الحسين بن الفضل قريب من قول الحسن. قال ابن كثير: " أي ساجداً .. ويحتمل أنه ركع أولاً ثم سجد بعد ذلك " (٢) وفي نظري أن رأيه في أنه لا يقال للراكع (خرّ) يحتاج إلى مزيد تأمل لأن (خرّ) معناها لغة السقوط فينطبق على الركوع والسجود ولو كان في السجود أعم قال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]. والله تعالى أعلم. قال تعالى ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤)﴾ [ص: ٧٧]. [٧٠] قال الحسين بن الفضل: (وهذا تأويل صحيح؛ لأن إبليس تجبر وافتخر بالخلقه فغير الله تعالى خلقه: فاسودَّ بعد ما كان أبيضَ، وقبُح بعد ما كان حسناً، وأظلم بعد أن كان نورانياً). الكشف والبيان للثعلبي (٣) / ٢٨٣ (٤). الدراسة قال تعالى في سورة الأعراف ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾ وفي سورة الحجر ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤)﴾ وقال تعالى كذلك هنا ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ وقوله ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ يعني من الجنة، وهذا هو اختيار الطبري (٥) والنحاس (٦) والقرطبي (٧) وغيرهم. (٨) قال ابن كثير: " فاستنكف عن السجود لآدم وخاصم ربّه فيه، وادعى أنه خير من آدم فإنه مخلوق من نار وآدم خلق من طين والنار خير من الطين في زعمه وقد أخطأ في ذلك وخالف أمر الله تعالى وكفر بذلك فأبعده الله وأرغم أنفه وطرده عن باب رحمته، ومحل أنسه، وحضرة قدسه " (٩).

стр. 236

وقال بعضهم: يعني من السموات، (١) و في قوله تعالى: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٣] دلالة على أنه كان في السماء. وهذا القول حقيقة الأمر قريبٌ من الأول إلا أنه أعم منه. قال السعدي: " أي من السماء والمحل الكريم " (٢) وقيل غير ذلك. (٣) ونسب الثعلبي إلى الحسن وأبي العالية قولهم في ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ أي من الخِلْقَة التي أنت فيها. (٤) وصحّح هذا التأويل الحسين بن الفضل بقوله السابق. قال ابن عطية: " فقالت فرقة أمره بالخروج من الجنة، وقالت فرقة من السماء، وحكى الثعلبي عن الحسن وأبي العالية أن قوله (منها) يريد به الخلقة التي أنت فيها، ومن صفات الكرامة التي كانت له، قال الحسين بن الفضل: ورجعت له أضدادها. وعلى القول الأول فإنما أمره أمراً يقتضي بعده عن السماء ولا خلاف أنه أهبط إلى الأرض. " (٥) وقد ذكر بعض المفسرين نحواً من قول الحسين بدون نسبته، ويصدرونه بقولهم (قيل) (٦) وأجده تأويلاً غريباً، ويحتاج إلى نقل صحيح لأنه يتعلق بالمغيبات ولا سبيل إلى معرفة الأمور المغيبة وهي الأمور التي لا يمكن إدراكها بطريق الاجتهاد وقوة الاستنباط إلا بوحي من قرآن أو سنة، وله الحمد وحده أنه لم يتعلق بمعرفته حكم تكليفي، والله أعلم بالصواب.

стр. 237

قال تعالى ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] [٧١] قال الحسين بن الفضل: (هذه ناسخة لقوله ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] . الكشف والبيان ١/ ٢٨٥ (١) الدراسة هذه الآية الكريمة في الشورى تدل على أنه ﷺ لا يسأل أمته أجراً على تبليغ ما جاءهم به من خيري الدنيا والآخرة، ونظيرها قوله تعالى ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٥٧] وقوله ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٩٠] وعدم طلب الأجر على التبليغ هو دأب الأنبياء ﵈ كما قال تعالى ... ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ [يس: ٢٠ - ٢١]. وقد ذكر الحسين أن آية (ص) هذه ناسخة لآية الشورى. وتقدم في أول سورة التوبة معنى النسخ، عند السلف وعند المتأخرين فإذا حُمل النسخ هنا على المعروف عند السلف، كان المراد ـ والله أعلم ـ التقييد، ففي آية (ص) نفى أن يكون يسألهم، وفي آية الشورى سألهم المودة في القربى، فهي مقيدة للإطلاق الذي في الآية الأولى. أما إذا كان مقصده (بالنسخ) المعنى المعروف عند المتأخرين: فللمفسرين فيها أقوال (٢): الأول: أن الاستثناء في الآية متصل أي من الجنس فعلى هذا يكون سائلاً أجراً، وقيل نُسخت بقوله ﴿مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ: ٤٧] (٣).

стр. 238

وقال عن هذا النسخ الشنقيطي ﵀: " ضعيف والعلم عند الله تعالى " (١). وقيل منسوخة بقوله: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [ص: ٨٦] (٢) والى هذا ذهب الحسين بن الفضل. والثاني: أنه استثناء من غير الأول ـ منقطع ـ لأنَّ الأنبياء لا يسألون على تبليغهم أجراً. والمعنى: إلا أن تودُّوني في قرابتي منكم، وقد روى هذا المعنى الشعبيُّ وغيره عن ابن عباس وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة (٣)، أي لا أسألكم عليه أجراً، لكن أذكركم قرابتي فيكم. ومثل هذا يسميه البلاغيون تأكيد المدح بما يشبه الذم، وهذا هو القول الصحيح في الآية (٤)، واختاره ابن جرير (٥) والزجاج (٦). قال ابن الجوزي: " هذا هو الصحيح، ولا يتوجه على هذا نسخ أصلاً (٧). وروى ابن جرير عن سعيد بن جبير وغيره معنى آخر وهو لا أسألكم على ما جئتكم به أجراً إلا أن تودُّوا قرابتي (٨)، أي لكن أذكركم الله في قرابتي فاحفظوني فيهم. (٩). وذكر الحسن كذلك أنها محكمة ووجَّه معناها. (١٠) وحسَّنه النحاس وذكر أنه من أجمع الأقوال وأبينها (١١). وعلى هذه المعاني فلا إشكال ولا داعي للقول بالنسخ قال الثعلبي في الكشف والبيان: " وقال قوم: هذه الآية منسوخة فإنما نزلت بمكة وكان المشركون يؤذون رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى هذه الآية وأمرهم فيها بمودة رسول الله ﷺ وصلة رحمه، فلما هاجر إلى المدينة وآواه الأنصار وعزروه ونصروه أحب الله تعالى أن يلحقه بإخوانه من الأنبياء ﵈ حيث قال ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] فأنزل الله تعالى عليه ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧]

стр. 239

فهي منسوخة بهذه الآية وبقوله ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. وقوله ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ﴾ [يوسف: ١٠٤] وقوله: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [المؤمنون: ٧٢] وقوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] وإلى هذا ذهب الضحاك بن مزاحم والحسين بن الفضل وهذا قولٌ غير قوي ولا مرضيٍّ، لأن ما حكينا من أقاويل أهل التأويل في هذه الآية لا يجوز أن يكون واحداً منها منسوخاً (١). وذكر نحوه البغوي في تفسيره و قال: " وهذا قول غير مرضي؛ لأن مودة النبي ﷺ وكفّ الأذى عنه، ومودة أقاربه، والتقرب إلى الله بالطاعة والعمل الصالح من فرائض الدين، وهذه أقاويل السلف في معنى الآية، فلا يجوز المصير إلى نسخ شيء من هذه الأشياء. " (٢) وقال ابن حجر عن آية الشورى: " وزعم بعضهم أن هذه الآية منسوخة ورده الثعلبي بأن الآية دالة على الأمر بالتودد إلى الله بطاعته أو باتباع نبيه أو صلة رحمه بترك أذيته أو صلة أقاربه من أجله وكل ذلك مستمر الحكم غير منسوخ إلى أن قال" وقد قيل: إنَّ هذه الآية نسخت بقوله ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [ص: ٨٦] ويحتمل أن يكون هذا عاماً، خُصَّ بما دلت عليه آية الباب (٣) ومقصده ﵀ بأن الباب آية الشورى وهكذا يتبين أن الجمع ممكن ولا حاجة للقول بالنسخ إذا كان المراد: النسخ الاصطلاحي ـ والله أعلم ـ

стр. 240

سورة غافر قال تعالى ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر: ٧٤] . [٧٢] قال الحسين بن الفضل: (يعني لم نكن نصنع من شيء، أي: ضاعت عبادتنا لها، فلم نكن نصنع شيئاً) . الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٥٥١ (٢) الدراسة قال تعالى ﴿قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [غافر: ٧٣] فأجاب المساكين عند ذلك، فقالوا: ضلُّوا عنا: أي عدلوا عنا، فأخذوا غير طريقنا، وتركونا في هذا البلاء، بل ما ضلوا عنا، ولكنا لم نكن ندعو من قبل شيئاً: أي لم نكن نعبد شيئاً (٣) كما تقول: حسبتُ أن فلاناً شيء، فإذا هو ليس بشيء إذا خبرته فلم تر عنده خيراً. (٤) لأنهم أرادوا أن الأصنام لم تكن شيئاً؛ لأنها لم تكن تضر ولا تنفع وهو قول الأكثرين. (٥) قال القرطبي: " وليس هذا إنكاراً لعبادة الأصنام، بل هو اعتراف بأن عبادتهم الأصنام كانت باطلة ". (٦) والذي فهمته من قول الحسين أنه داخل في هذا المعنى - والله أعلم - ويجوز أن يكون المعنى كما ذكره بعضهم بأن قولهم هذا على وجه الجحود كقوله جلت عظمته ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] (٧) وإلى هذا ذهب ابن كثير (٨)، فهؤلاء كذبوا وأنكروا أنهم عبدوا غير الله.

стр. 241

قال ابن عطية: " ثم تضطرب أقوالهم ويفزعون إلى الكذب فيقولون بل لم نكن ندعو من قبل شيئاً، وهذا من أشد الاختلاط وأبين الفساد في الدهر والنظر .. " (١) ولقد ذهب الحسين إلى معنى صحيح في الآية والله أعلم، وجائر محتمل ما ذهب إليه بعض المفسرين من المعنى الآخر قال السعدي ﵀: " يحتمل أن مرادهم بذلك الإنكار وظنوا أنه ينفعهم ويفيدهم، ويحتمل وهو ـ الأظهر ـ أن مرادهم بذلك الإقرار على بطلان إلهية ما كانوا يعبدون، وأنه ليس لله شريك في الحقيقة، وإنما هم ضالون مخطئون بعبادة معدوم الإلهية. " (٢)

стр. 242

سورة الشورى قال تعالى ﴿حم (١) عسق﴾ [الشورى: ١، ٢] [٧٣] روى الثعلبي عن أبى بكر المؤمن (١) قوله: (سألت الحسين بن الفضل لِمَ قطع ﴿حم (١) عسق﴾ ولم تقطع ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] ﴿المر﴾ [الرعد: ١] ... ﴿المص﴾ [الأعراف: ١]؟ قال: لكونها من سور أوائلها (حم)، فجرت مجرى نظائرها قبلها وبعدها، وكان (حم) مبتدأ، و (عسق) خبره، ولأنها آيتان، وعدت أخواتها التي كتبت موصولة آية واحدة). الكشف والبيان للثعلبي (٢) / ٣٠١ (٣) الدراسة تقدم في ﴿الم﴾ [البقرة: ١] قول الحسين أنها من المتشابه ثم إنه بين رأيه هنا في سبب تقطيع ﴿حم (١) عسق﴾ بينما لم تقطع ﴿المص﴾ ﴿المر﴾ ﴿كهيعص﴾ طرداً للأولى بأخواتها الست سور الحواميم (٤) وهي (غافر، فصلت، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف)؟ وأعرب (حم) مبتدأ وخبره (عسق). وفُصلت كذلك لكونها آيتين لا آية واحدة كـ ﴿كهيعص﴾ (٥) وعلى هذا الإعراب وعَدُّهما آيتين يكون ﴿حم (١) عسق﴾ (٢) اسمين للسورة وأما إن كان اسماً واحداً فالفصل لتطابق سائر الحواميم (٦) ووصلت الميم بالراء في طالعة سورة الرعد، وكما وصلت الميم بالصاد في افتتاحية الأعراف وكما وصلت العين بالصاد في أول مريم؛ لأن ما بعد الميم في السور الثلاث حرف واحد فاتصاله بما قبله أولى بخلاف ما في هذه السورة فإنه ثلاثة حروف تشبه كلمة فكانت أولى بالانفصال. (٧) وقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في ﴿كهيعص﴾ وأخواتها أنها حروف التهجي لا غير، واختلفوا في (حم) فأخرجها بعضهم من حيز الحروف وجعلها فعلاً وقال: معناها حُمَّ، أي قُضي ما هو كائن (٨)

стр. 243

وقال أبو حيان " وذكر المفسرون في ﴿حم (١) عسق﴾ أقوالاً مضطربة لا يصح منها شيء كعادتهم في هذه الفواتح ضربنا عن ذكرها صفحاً (١). قال الرازي: " اعلم أن الكلام في أمثال هذه الفواتح معلوم إلا أن في هذا الموضع سؤالين زائدين: الأول: أن يقال إن هذه السور السبعة مُصدَّرةٌ بقوله (حم) فما السبب في اختصاص هذه السور بمزيد (عسق). الثاني: أنهم أجمعوا على أنه لا يفصل بين (كهيعص) وههنا يُفصل بين (حم) وبين (عسق) فما السبب فيه: اعلم أن الكلام في أمثال هذه الفواتح يضيق ويفتح باب المجازفات مما لا سبيل إليه فالأولى أن يفوض علمها إلى الله. (٢) وهذا الذي أميل إليه في هذه المسألة وتطمئن إليه نفسي ـ والله أعلم ـ قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩] [٧٤] قال الحسين بن الفضل: (في القرآن وتيسيره) الكشف والبيان للثعلبي (٣) / ٣٠٨ (٤) الدراسة يقال لَطَف به وله بالفتح يَلْطفُ لُطفاً إذ ارفق به (٥)، واللطف: البر والتكرمة وأم لطيفة بولدها تُلْطف إلطافاً ... وأنا لطيف بهذا الأمر، أي رفيق بمداراته (٦) ولَطُف الشيء يلْطُفُ لطَافة: أي صغُر فهو لطيف (٧). وأصل اللطف في الكلام خفاء المسلك ودقة المذهب (٨) واللطيف من الكلام ما غمض معناه وخفي (٩) واللطيف اسم فاعل من لطف، وهو من أسماء الله وقد ورد في القرآن الكريم سبع مرات (١٠)

стр. 244

قال ابن القيم في نونيته: وَهْوَ اللَّطيفُ بعَبْدهِ وَلعبْدِهِ ... واللُّطْفُ في أوْصَافه نَوْعَانِ إِدْرَاكُ أسْرَارِ الأُمُورِ بِخِبْرَةٍ ... وَاللُّطْفُ عِنْدَ مَواقعِ الِإحْسَانِ فَيُرِيكَ عِزَّتَهُ وَيُبْدِي لُطْفَهُ ... وَالْعَبْدُ في الْغَفَلَاتِ عنْ ذَا الشَّانِ (١) قال الخطابي: " (اللطيف) هو البَرُّ بعباده، الذي يلطف لهم من حيث لا يعلمون، ويسبِّب لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون كقوله سبحانه ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩] (٢) وقال الراغب: " وقد يُعبَّر باللطائف عما لا تدركه الحاسة، ويصح أن يكون وصف الله تعالى به على هذا الوجه وأن يكون لمعرفته بدقائق الأمور، وأن يكون لرفقه بالعباد في هدايتهم، قال تعالى: ﴿الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف: ١٠٠] (٢) وفي قوله تعالى ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ قال ابن عباس حفيَّ بهم وقال عكرمة: بارٌّ بهم وقال السدي: رفيق وقال مقاتل: لطيف بالبرِّ والفاجر، حيث لم يهلكهم جوعاً بمعاصيهم، يدل عليه قوله: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ وكل من رزقه الله من مؤمن وكافر وذي روح فهو ممكن يشاء الله أن يرزقه. وقال: جعفر الصادق: اللطف في الرزق من وجهين، أحدهما: أنه جعل رزقك من الطيبات. والثاني: أنه لم يدفعه إليك بمرة واحدة (٣) وذكر الزجاج أن وصف الله بهذا الوصف يفيد أنه المحسن إلى عباده في خفاء وستر من حيث لا يعلمون، ويسبب لهم أسباب معيشتهم من حيث لا يحتسبون وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] (٤)

стр. 245

وقال ابن جرير: " الله ذو لطف بعباده، يرزق من يشاء فيوسع عليه ويقتر على من يشاء منهم (١)، ذكر الشوكاني أنه يجري لطفه على عباده في كل أمورهم ومن جملة ذلك الرزق الذي يعيشون في الدنيا وهو معنى قوله ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ منهم كيف يشاء فيوسع على هذا ويضيق على هذا (٢). وعلى هذا فلطفه سبحانه يجري في كل الأمور ويدخل فيها بل ومن أعظمها هدايتهم. ومن لطفه أن أنزل عليهم كتاباً يستنيرون بأحكامه ويهتدون به ليرشدوا ويفلحوا فكل حال هي أقوم في العقائد والأخلاق والأعمال والسياسات .. فإن القرآن يهدي إليها وما أحسن ما قاله السعدي في تفسير هذه الآية: " يخبر تعالى بلطفه بعباده ليعرفوه ويحبوه ويتعرضوا للطفه وكرمه، واللطف من أوصافه تعالى، معناه: الذي يدرك الضمائر والسرائر، الذي يوصل عباده ـ وخصوصاً المؤمنين ـ إلى ما فيه الخير لهم من حيث لا يعلمون ولا يحتسبون. فمن لطفه بعبده المؤمن، أن هداه إلى الخير هداية لا تخطر بباله، بما يسَّر له من الأسباب الداعية إلى ذلك، من فطرته على محبة الحق والانقياد له وإيزاعه تعالى لملائكته الكرام، أن يثبتوا عباده المؤمنين، ويحثوهم على الخير، ويلقوا في قلوبهم من تزيين الحق ما يكون داعياً لاتباعه. ومن لطفه أن أمر المؤمنين بالعبادات الاجتماعية، التي بها تقوى عزائمهم وتنبعث هممهم، ويحصل منهم التنافس على الخير والرغبة فيه، واقتداء بعضهم ببعض. ومن لطفه، أن قيَّض لعبده كل سبب يعوقه ويحول بينه وبين المعاصي، حتى إنه تعالى إذا علم أن الدنيا والمال والرياسة ونحوها مما يتنافس فيه أهل الدنيا، تقطع عبده عن طاعته، أو تحمله الغفلة عنه، أو على معصية صرفها عنه، وقدر عليه رزقه ولهذا قال هنا: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ بحسب اقتضاء حكمته ولطفه (٣). والجدير بالذكر أن الآية أعم وبكثير ممَّا فهمته من قول الحسين ﵀ مع أن قوله من أولى ما يدخل في الآية من معانٍ.

стр. 246

قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] . [٧٥] قال الحسين بن الفضل: (يعني أهل الإيمان من يؤمن ومن لا يؤمن) . الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٣٢٦ (٢) وزاد القرطبي (٣) (أي ما كنت تدري ما الكتاب ولا أهل الإيمان، وهو من باب حذف المضاف؛ أي من الذي يؤمن؟ أبو طالب أو العباس أو غيرهما). الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٦/ ٥٣. الدراسة الحذف لغة: الإسقاط (٤) واصطلاحاً: إسقاط جزء الكلام أو كله لدليل. (٥) والحذف خلاف الأصل (٦)، ولا تقبل دعواه إلا بدليل (٧) وقد ذكر له أهل العلم شروطاً متعددة لا يحكم به إلا بتوفرها (٨) وقد ذهب الحسين بن الفضل إلى وجود حذفين في قوله تعالى ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ الأول: أهل الإيمان. الثاني: من يقابلهم وهم الكفار. وقد قال البغوي: " يعني شرائع الإيمان ومعالمه (٩) وقال ابن كثير: " أي على التفصيل الذي شرع لك في القرآن (١٠) ". وقوله تعالى في آية يوسف ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ كقوله هنا ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ على أصح التفسيرات. (١١) وقال ابن خزيمة: الإيمان في هذا الموضع الصلاة، ودليله: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] (١٢) وقال السمعاني: " المعروف أن المراد به شرائع الإيمان وهذا قد حُكي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة وغيره من أهل السنة " (١٣)

стр. 247

قال ابن الجوزي: " والقول ما قاله ابن قتيبة وابن خزيمة .. " (١) وقيل غير ذلك (٢) وأما ما ذكره الحسين بن الفضل ﵀ في الآية أنه على حذف مضاف فالجواب: إنَّ من أبواب الحذف أن تحذف المضاف وتقيم المضاف إليه مقامه وتجعل الفعل له (٣) ولكن العرب إنما تحذف من الكلام ما يدل عليه ما ظهر منه، وليس في ظاهر هذا على هذا التأويل دليلٌ على باطنه، فلا بد أن يكون فيما أبقى دليل على ما ألغى فقد تقدم أن الأصل في الكلام هو عدم الحذف وإذا دار الأمر بين الحذف وعدمه كان الحمل على عدمه أولى؛ لأن الأصل عدم التغيير (٤). ولا أرى في الآية دليلاً على قول الحسين ولا حتى قرينةً تشير إليه وقد يكون فيه تعظيمٌ للرسول ﷺ من جهة عدم نسبه إلى عدم معرفة الإيمان - والله أعلم - غاية ما هنالك: اختلاف العلماء في هذه الآية فظاهر الآية يدل على أنه ما كان قبل الوحي متصفاً ﵊ بالإيحاء (٥) مع الإجماع أنه لا يجوز أن يقال إن الرسل كانوا قبل الوحي على الكفر وذكروا في الجواب وجوهاً منها ما ذكره الحسين بن الفضل (٦) ولكن ما أيسر أن يجاب بما ذكره السلف واختاره أهل السنة مما تقدم.

стр. 248

سورة الزخرف قال تعالى ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] [٧٦] قال الحسين بن الفضل: (خالفونا) الكشف والبيان ٨/ ٣٣٨ (١). الدراسة لـ (الأسف) في اللغة معنيان: الأسف بمعنى الحزن، مثل قوله تعالى ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤] ويطلق الأسف على الغضب، والمعنى الأول ممتنع في حق الله والثاني مثبت لله؛ لأن الله تعالى وصف به نفسه، فقال ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (٢). وفي لسان العرب الأسف هو المبالغة في الحزن والغضب (٣) روى البخاري عن ابن عباس ﵄ في معنى (آسفونا) أسخطونا (٤) وروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم (٥) ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ أغضبونا. والتفسيران متقاربان، وقد ذهب إلى هذا المعنى في ﴿آسَفُونَا﴾ جمع من المفسرين كأبي عبيدة (٦) والفراء (٧) والنحاس (٨) والزجاج (٩) والبغوي (١٠) وابن كثير (١١) والشنقيطي (١٢) والسعدي (١٣).

стр. 249

وقال العيني: " وفسر آسفونا بقوله أسخطونا، كذا فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما .. وقيل معناه أغضبونا وقيل خالفونا والكل متقارب " (١). وما ذهب إليه الحسين من تفسير " " آسفونا " بـ " خالفونا " هو من باب بيان سبب الأسف والغضب، فلما كانوا خالفوا حدث الغضب والآسف عليهم.

стр. 250

سورة الجاثية قال تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَّكَرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣] [٧٧] قال الحسين بن الفضل: (في هذه الآية تقديم وتأخير، مجازها: أفرأيت من اتخذ هواه إلهه) . الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٣٦٢ (٢) الدراسة تقدم ذكر معنى قوله (مجازه). اختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ فقال بعضهم: معنى ذلك أفرأيت من اتخذ دينه بهواه، فلا يهوى شيئاً إلا ركبه؛ لأنه لا يؤمن بالله، ولا يحرم ما حرم، ولا يحلل ما حلَّل، إنما دينه ما هويت نفسه يعمل به، وروى هذا المعنى ابن عباس وقتادة (٣) وقال آخرون: بل معنى ذلك: أفرأيت من اتخذ معبوده ما هويت عبادته نفسه من شيء، فقال سعيد بن جبير: كانت قريش تعبد العزى، وهو حجر أبيض، حيناً من الدهر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر فأنزل الله ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (٤). ورجحه ابن جرير في تفسيره وقال: لأن ذلك هو الظاهر من معناه دون غيره (٥) قال ابن كثير: " أي إنما يأتمر بهواه، فمهما رآه حسناً فعله ومهما رآه قبيحاً تركه .. " (٦) وإيضاح أقوال العلماء المذكورة في هذه الآية (٧) أن الواجب الذي يلزم العمل به، هو أن تكون جميع أفعال المكلف مطابقة لما أمر به معبوده جلَّ وعلا، فإذا كانت جميع أفعاله تابعة لما يهواه، فقد صرف ما يستحقه عليه خالقه من العبادة والطاعة إلى هواه، وإذن فكونه اتخذ إلهه هواه في غاية الوضوح (٨).
следующие страницы →