← Тафсир

Тафсир · id 713

أقوال الحسين بن الفضل في التفسير

نادية بنت إبراهيم النفيسة

Полный текст (343 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] . [٧٥] قال الحسين بن الفضل: (يعني أهل الإيمان من يؤمن ومن لا يؤمن) . الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٣٢٦ (٢) وزاد القرطبي (٣) (أي ما كنت تدري ما الكتاب ولا أهل الإيمان، وهو من باب حذف المضاف؛ أي من الذي يؤمن؟ أبو طالب أو العباس أو غيرهما). الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٦/ ٥٣. الدراسة الحذف لغة: الإسقاط (٤) واصطلاحاً: إسقاط جزء الكلام أو كله لدليل. (٥) والحذف خلاف الأصل (٦)، ولا تقبل دعواه إلا بدليل (٧) وقد ذكر له أهل العلم شروطاً متعددة لا يحكم به إلا بتوفرها (٨) وقد ذهب الحسين بن الفضل إلى وجود حذفين في قوله تعالى ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ الأول: أهل الإيمان. الثاني: من يقابلهم وهم الكفار. وقد قال البغوي: " يعني شرائع الإيمان ومعالمه (٩) وقال ابن كثير: " أي على التفصيل الذي شرع لك في القرآن (١٠) ". وقوله تعالى في آية يوسف ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ كقوله هنا ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ على أصح التفسيرات. (١١) وقال ابن خزيمة: الإيمان في هذا الموضع الصلاة، ودليله: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] (١٢) وقال السمعاني: " المعروف أن المراد به شرائع الإيمان وهذا قد حُكي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة وغيره من أهل السنة " (١٣)

стр. 247

قال ابن الجوزي: " والقول ما قاله ابن قتيبة وابن خزيمة .. " (١) وقيل غير ذلك (٢) وأما ما ذكره الحسين بن الفضل ﵀ في الآية أنه على حذف مضاف فالجواب: إنَّ من أبواب الحذف أن تحذف المضاف وتقيم المضاف إليه مقامه وتجعل الفعل له (٣) ولكن العرب إنما تحذف من الكلام ما يدل عليه ما ظهر منه، وليس في ظاهر هذا على هذا التأويل دليلٌ على باطنه، فلا بد أن يكون فيما أبقى دليل على ما ألغى فقد تقدم أن الأصل في الكلام هو عدم الحذف وإذا دار الأمر بين الحذف وعدمه كان الحمل على عدمه أولى؛ لأن الأصل عدم التغيير (٤). ولا أرى في الآية دليلاً على قول الحسين ولا حتى قرينةً تشير إليه وقد يكون فيه تعظيمٌ للرسول ﷺ من جهة عدم نسبه إلى عدم معرفة الإيمان - والله أعلم - غاية ما هنالك: اختلاف العلماء في هذه الآية فظاهر الآية يدل على أنه ما كان قبل الوحي متصفاً ﵊ بالإيحاء (٥) مع الإجماع أنه لا يجوز أن يقال إن الرسل كانوا قبل الوحي على الكفر وذكروا في الجواب وجوهاً منها ما ذكره الحسين بن الفضل (٦) ولكن ما أيسر أن يجاب بما ذكره السلف واختاره أهل السنة مما تقدم.

стр. 248

سورة الزخرف قال تعالى ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] [٧٦] قال الحسين بن الفضل: (خالفونا) الكشف والبيان ٨/ ٣٣٨ (١). الدراسة لـ (الأسف) في اللغة معنيان: الأسف بمعنى الحزن، مثل قوله تعالى ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤] ويطلق الأسف على الغضب، والمعنى الأول ممتنع في حق الله والثاني مثبت لله؛ لأن الله تعالى وصف به نفسه، فقال ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (٢). وفي لسان العرب الأسف هو المبالغة في الحزن والغضب (٣) روى البخاري عن ابن عباس ﵄ في معنى (آسفونا) أسخطونا (٤) وروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم (٥) ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ أغضبونا. والتفسيران متقاربان، وقد ذهب إلى هذا المعنى في ﴿آسَفُونَا﴾ جمع من المفسرين كأبي عبيدة (٦) والفراء (٧) والنحاس (٨) والزجاج (٩) والبغوي (١٠) وابن كثير (١١) والشنقيطي (١٢) والسعدي (١٣).

стр. 249

وقال العيني: " وفسر آسفونا بقوله أسخطونا، كذا فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما .. وقيل معناه أغضبونا وقيل خالفونا والكل متقارب " (١). وما ذهب إليه الحسين من تفسير " " آسفونا " بـ " خالفونا " هو من باب بيان سبب الأسف والغضب، فلما كانوا خالفوا حدث الغضب والآسف عليهم.

стр. 250

سورة الجاثية قال تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَّكَرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣] [٧٧] قال الحسين بن الفضل: (في هذه الآية تقديم وتأخير، مجازها: أفرأيت من اتخذ هواه إلهه) . الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٣٦٢ (٢) الدراسة تقدم ذكر معنى قوله (مجازه). اختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ فقال بعضهم: معنى ذلك أفرأيت من اتخذ دينه بهواه، فلا يهوى شيئاً إلا ركبه؛ لأنه لا يؤمن بالله، ولا يحرم ما حرم، ولا يحلل ما حلَّل، إنما دينه ما هويت نفسه يعمل به، وروى هذا المعنى ابن عباس وقتادة (٣) وقال آخرون: بل معنى ذلك: أفرأيت من اتخذ معبوده ما هويت عبادته نفسه من شيء، فقال سعيد بن جبير: كانت قريش تعبد العزى، وهو حجر أبيض، حيناً من الدهر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر فأنزل الله ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (٤). ورجحه ابن جرير في تفسيره وقال: لأن ذلك هو الظاهر من معناه دون غيره (٥) قال ابن كثير: " أي إنما يأتمر بهواه، فمهما رآه حسناً فعله ومهما رآه قبيحاً تركه .. " (٦) وإيضاح أقوال العلماء المذكورة في هذه الآية (٧) أن الواجب الذي يلزم العمل به، هو أن تكون جميع أفعال المكلف مطابقة لما أمر به معبوده جلَّ وعلا، فإذا كانت جميع أفعاله تابعة لما يهواه، فقد صرف ما يستحقه عليه خالقه من العبادة والطاعة إلى هواه، وإذن فكونه اتخذ إلهه هواه في غاية الوضوح (٨).

стр. 251

وإذا عُلم هذا المعنى الذي دلَّت عليه الآية الكريمة و قد بينه في غير هذا الموضع في قوله تعالى ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣] وقال تعالى ذكره ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ ... [فاطر: ٨] فلا يلزم القول بما ذهب إليه الحسين بن الفضل وقد تقدم مراراً الحديث عن أسلوب التقديم والتأخير مما يغني عن إعادته، إلا أن الزركشي ذكر أن هذه الآية داخلة فيما قَُدم والنية به التأخير، وقال: " وأصل الكلام (هواه إلاهه) كما تقول اتخذ الصنم معبوداً، لكن قدَّم المفعول الثاني على الأول للعناية، كما تقول: علمت منطلقاً زيداً، لفضل عنايتك بانطلاقه " (١) وكذلك ذكر أن في هذه الآية قلب إسناد (٢). وقيل: قوله ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ بدلاً من (هواه إلهه) فإنه جعل المفعول الأول ثانياً والثاني أولاً، للتنبيه على أن الهوى أقوى وأوثق عنده من إلهه. (٣) ولذا فإن القول في هذه الآية في التقديم والتأخير لا يؤثر على معنى الآية. قال الزمخشري: " أي: هو مطواع لهوى النفس يتبع ما تدعوه إليه فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه (٤)، وأضاف أبو حيان: " ولهذا يقال: الهوى إله معبود " (٥). قال تعالى ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] . عن أبى هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تسبُّوا الدَّهر فإنَّ الله هو الدهر) (٦) ...

стр. 252

[٧٨] وقال الحسين بن الفضل: (مجازه: فإن الله هو مدهر الدهور) الكشف والبيان ٨/ ٣٦٤ (١) الدراسة الدهر في الأصل اسم لمدة العام من مبدأ وجوده إلى انقضائه وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] ثم يُعبرَّ به عن كل مُدَّة كثيرة، وهو خلاف الزمان، فإن الزمان يقع على المدة القليلة والكثيرة. (٢) وروى أبو هريرة ﵁ قوله ﷺ : (قال الله : يؤذيني ابن آدم، يسبُّ الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلِّب الليل والنهار). (٣) وروى كذلك قوله ﷺ : (لا يقولنَّ أحدُكم يا خيبةَ الدَّهر، فإنَّ الله هو الدَّهر) (٤). قال الإمام الشافعي في تفسير رواية أبى هريرة السَّابق ذكرُها في المتن: تأويل ذلك – والله أعلم – أن العرب كان شأنها أن تسب الدهر وتذمه عند المصائب التي تنزل بهم من موت أو هدم أو ذهاب مال أو غير ذلك من المصائب، وتقول أصابتنا قوارع الدهر، وأبادهم الدهر وأتى عليهم الدهر والليل والنهار يفعل ذلك بهم فيذمون الدهر بذلك ويسبونه. قال رسول الله ﷺ (لا تسبوا الدهر) على أنه الذي يفعل بكم ذلك فإنكم إذا سببتم فاعل ذلك وقع سبكم على الله فهو الفاعل بذلك كله وهو فاعل الأشياء ولا شيء إلا ما شاء الله العلي العظيم ". (٥) وقال أبو عبيد القاسم بن سلاّم: " قوله فإن الله هو الدهر، وهذا لا ينبغي لأحد من أهل الإسلام أن يجهل وجهه، وذلك أن أهل التعطيل يحتجون به على المسلمين ... وإنما تأويله عندي – والله أعلم – أن العرب كان شأنها أن تذم الدهر وتسبه عند المصائب التي تنزل بهم من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك فيقولون أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر وأتى عليهم الدهر فيجعلونه الذي يفعل ذلك فيذمونه عليه وقد ذكروه في أشعارهم " (٦)

стр. 253

ثم ذكر بعضاً من هذه الأشعار وقال: " وقد أخبر الله تعالى بذلك عنهم في كتابه الكريم ثم كذبهم بقولهم فقال: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ قال الله ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ فقال النبي ﷺ (لا تسبُّوا الدهر) على تأويل لا تسبوا الذي يفعل بكم هذه الأشياء ويصيبكم بهذه المصائب فإنكم إذا سببتم فاعلها فإنما يقع السب على الله تعالى؛ لأنه هو الفاعل لها لا الدهر فهذا وجه الحديث إن شاء الله ". (١) وقال الأزهري: " قلتُ: وقد قال الشافعي في تفسير هذا الحديث نحْواً مما قاله أبو عُبيد، واحتجَّ بالأبيات التي ذكرها أبو عبيد، فظننت أبا عبيد عنه أخذ هذا التفسير لأنه أول من فسَّره ". (٢) وإلى هذا التفسير الذي قاله الشافعي ذهب أهل العلم. (٣) وقال الإمام النووي في قوله تعالى: (وأنا الدهر): " فإنه برفع الراء، هذا هو الصواب المعروف الذي قاله الشافعي وأبوعبيد وجماهير المتقدِّمين والمتأخِّرين " (٤). وقال ابن كثير: في قول الشافعي وغيره من الأئمة: " هذا أحسن ما قيل في تفسيره وهو المراد والله أعلم " (٥). وقال النووي: " ومعنى (فإن الله هو الدهر) أي فاعل النوازل والحوادث وخالق الكائنات والله أعلم " (٦). ولقد قال الخطابي في قوله (أنا الدهر): " أي أنا مالك الدهر ومصرِّفُه فحُذف اختصاراً للفظ واتساعاً في المعنى .. " (٧) وقال غيره (٨): معنى قوله (أنا الدهر) أي المدبر أو صاحب الدهر أو مقلبه أو مصرفه، ولهذا عقبه بقوله (بيدي الليل والنهار) (٩) وقال تعالى ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]

стр. 254

والمحصلة من كلام العلماء أن ما قدره الحسين بن الفضل ﵀ تقدير صحيح، فإن الله هو مدهر الدهور، أي: مقلبها ومدبرها، ويكون قوله (فإن الله هو الدهر) على الحقيقة في معناه، وهذا الذي دلَّ عليه السياق والقرائن، وأن في الكلام محذوفاً مقدراً لأنه فسره بقوله (أقلب الليل والنهار)، فليس الكلام على المجاز عنده ـ والله أعلم ـ.

стр. 255

سورة الأحقاف قال تعالى ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ... [الأحقاف: ٣٥] [٧٩] وقيل: هم نجباء الرسل المذكورون في سورة الأنعام وهم ثمانية عشر (١) وهو اختيار الحسين بن الفضل، قال: لقوله في عقبه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] الكشف والبيان للثعلبي (٢) / ٢٥ (٣) الدراسة العزم هو الجِدُّ، عَزَمَ على الأمر يَعْزِمُ عَزْماً ومَعْزَماً. (٤) وأولو العزم: أولو الجدِّ والصبر والثبات (٥). اختلف العلماء في المراد بأولي العزم من الرسل في هذه الآية الكريمة اختلافاً كثيراً (٦). أشهرها أنهم إبراهيم ونوح وموسى وعيسى وخاتم الأنبياء كلهم عليهم صلوات الله وسلامه (٧). كما روى ذلك عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة (٨) وعطاء الخرساني (٩) واختاره الزجاج (١٠).

стр. 256

قال البغوي: " قلتُ: ذكرهم الله على التخصيص في قوله ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] وفي قوله تعالى ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: ١٣] " (١) قال الشنقيطي: " وأشهر الأقوال في ذلك أنهم خمسة .. هم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وعلى هذا القول فالرسل الذين أمر رسول الله ﷺ أن يصبر كما صبروا أربعة فصار هو ﷺ خامسهم" (٢) وعلى هذا تكون (مِن) في قوله: ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ تبعيضية (٣) وهذا ما يدل عليه قول الحسين، وعليه فالرسل أولو عزم وغير أولي عزم (٤). قال ابن عطية: " وقوله ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ من للتبعيض، والمراد من حُفظت له مع قومه شدة ومجاهدة كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم صلى الله عليهم هذا قول عطاء الخرساني وغيره .. " (٥) وقد يحتمل أن يكون المراد بأولي العزم جميع الرسل فتكون (من) في قوله ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ لبيان الجنس والله أعلم. (٦) وقد قال ابن زيد: كل الرسل كانوا أولي عزم لم يتخذ الله رسولاً إلا كان ذا عزم، فاصبر كما صبروا. (٧) ولا يخفى أنه على هذا القول يصح قول الحسين ﵀ فكل الرسل أولو عزم، ثم يقال: إنَّ من هؤلاء من هو أخصُّ بهذه الصفة من غيرهم، وهم الخمسة، والله أعلم.

стр. 257

سورة محمد قال تعالى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: ١٩] [٨٠] قال الحسين بن الفضل: (فازدد علماً على علمك) الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٣٤ (٢) الدراسة قال الزجاج: " والمعنى قد بيَّنَّا ما يدل على أن الله واحد، فاعلم أنه لا إله إلا الله والنبي ﵇ قد علم ذلك، ولكنه خطاب يدخل الناس فيه مع النبي ﷺ كما قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، والمعنى: من عَلِمَ فليقم على ذلك العلم، كما قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] أي ثبتنا على الهداية " (٣). وقال النحاس: " والمخاطبة للنبي ﷺ مخاطبة لأمته، أي: اثبتوا على هذا " (٤) وذهب الزمخشري (٥) وغيره (٦) إلى أن المعنى: فاثبت على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله. وذكر السمعاني أن المعنى من وجهين، أحدهما: أن المراد منه هو الثبات على العلم لا ابتداء العلم، والثاني: أن معناه: فاذكر أنه لا إله إلا الله، فعبَّر عن الذكر بالعلم؛ لحدوثه عنده. (٧) قال ابن كثير في تفسيره: " هذا إخبار بأنه لا إله إلا الله ولا يتأتى كونه أمراً بعلم ذلك، ولهذا عطف عليه بقوله ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٨) وقال النحاس: " وقيل: فاعلم علماً زائداً على علمك لأن الإنسان قد يعلم الشيء من جهات " (٩).

стр. 258

وقد يكون سبب قول الحسين بهذا القول، هو أنه قد طُلِبَ ممن يعلم أن يعلم، فكان المراد غير العلم الابتدائي، فذهب الحسين إلى أن المراد بالعلم هنا الزيادة من العلم والله أعلم. وطلب الشيء ممن هو متحقق فيه يدل على قدر زائد عن أصله كما يطلب المؤمنون الهداية في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، وكما يطلب الله من المؤمنين الإيمان في مثل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] وهذا يدل على أنه أسلوب قرآني متكرر في أكثر من معنى، وقد جاء في طلب العلم ها هنا. وهذا الذي ذهب إليه الحسين بن الفضل ﵀ له حظه من النظر ولعله اقتبسه من قوله تعالى ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وأراه قريباً من قولهم: "فاثبت على علمك" إلا أنه أضاف الزيادة، والزيادة لا تكون إلا إذا ثبت.

стр. 259

سورة الفتح قال تعالى ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] [٨١] قال الحسين بن الفضل: (يجوز أن يكون الاستثناء من الدخول، لأن بين ... الرؤيا وتصديقها سنة، ومات منهم في السنة أناس، فمجاز الآية: لتدخلنَّ المسجد الحرام كلكم إن شاء الله آمنين) . الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٦٤ (٢) الدراسة قال الحافظ ابن كثير: " كان رسول الله ﷺ قد رأى في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك، وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية لم يشكَّ جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام، فلما وقع ما وقع من قضية الصلح ورجعوا عامهم ذلك على أن يعودوا من قابل، وقع في نفس بعض الصحابة ﵃ من ذلك شئٌ. حتى سأل عمر بن الخطاب ـ ﵁ ـ في ذلك فقال له فيما قال: "أفلم تكن تخبرنا أنَّا سنأتي البيت ونطوف به؟ " قال: بلى أفأخبرك أنك تأتيه عامك هذا؟ قال: لا، قال النبي ﷺ (فإنك آتيه ومطوِّفٌ به) وبهذا أجاب الصديق ﵁ أيضا حذو القذَّة بالقذَّة، ولهذا قال ﵎ ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (٣) واختلف الناس في معنى الاستثناء في هذه الآية. فقال الزجاج: " يخرج على وجهين: أحدهما لتدخُلُنَّ إن أمركم الله، ويجوز وهو حسن أن يكون (إن شاء الله) جرى على ما أمر الله به في كل ما يُفعلُ مُتَوَقَّعاً فقال ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]

стр. 260

وقال أبوعبيدة: إن بمعنى إذ (١) وقال عنه النحاس: " وهذا قول لا يُعرَّجُ عليه ولا يعرف أحدٌ من النحويين (إن) بمعنى (إذ)، وإنما تلك (أن) فغلط وبينهما فصل في اللغة والأحكام " (٢). وحسَّن هذا القول لأبي عبيدة ابن عطية، ولكنه أفاد أن (إن) بمعنى (إذ) غير موجود في لسان العرب (٣) واستبعد قول أبى عبيدة كذلك القرطبي (٤) وقيل: هو استثناء من الملك المخبر للنَّبيِّ ﵇ في نومه فذكر الله تعالى مقالته كما وقعت (٥) فهو حكاية لما قيل للنبي ﷺ . (٦) وقيل: الاستثناء واقع على الأمن (٧). وقال ابن عطية: " وقال بعض العلماء إنما استثنى من حيث كل واحد من الناس متى رد هذا الوعد إلى نفسه أمكن أن يتم الوعد فيه وأن لا يتم، إذ قد يموت الإنسان أو يمرض أو يغيب وكل واحد في ذاته محتاج إلى الاستثناء، فلذلك استثنى في الجملة إذ فيهم ولا بد من يموت أو يمرض " (٨). وقال النحاس: (وقيل الاستتثناء لمن مات منهم أو قتل) (٩) وهذا ما يتضمنه قول الحسين بن الفضل وجوَّز أن يكون الاستثناء من الدخول مع أن هناك من قال بل من الأمن، لأن الدخول لم يكن فيه شك (١٠). وأجاب ابن عطية بأنه لا فرق، لأن الله تعالى قد أخبر بهما ووقت الثقة بالأمرين فالاستثناء من أيهما كان فهو استثناء من واجب، ولا يخفى أن الحسين لم يجزم في قوله السابق ويقطع بأن الأستثناء من الدخول بل جوّزه، فكأنه علم بجواز غيره ـ والله أعلم ـ قال الزمخشري: " وأن يريد: لتدخلن جميعاً ـ إن شاء الله ـ ولم يمت منكم أحد " (١١).

стр. 261

وقال الزركشي موافقاً لبعض قول الحسين: " وأما قوله ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ فالاستثناء مع تحقق الدخول تأدباً بأدب الله في المشيئة، والاستثناء من الداخلين، لا من الرؤيا، لأنه كان بين الرؤيا وتصديقها سنة، ومات بينهما خلق كثير، فكأنه قال: كلكم إن شاء الله ". (١) وقول الحسين في هذه الآية له وجهه وقوته، ولا يستبعد معناه في الاستثناء ... ـ والله أعلم - ولقد ذكر ابن كثير في معنى قوله ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أن هذا لتحقيق الخبر وتوكيده وليس هذا من الاستثناء في شيء (٢) ومعلوم أن اللغة تسوغ إباحة الاستثناء في الشيء المستقبل، وإن لم يشك في كونه لدلالة هذه الآية (٣) والاستثناء يكون في الواجبات التي لا بد من وقوعها.

стр. 262

سورة الذاريات قال تعالى ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: ٥٠] [٨٢] قال الحسين بن الفضل (احترزوا من كلِّ شيء دون الله، فمن فرَّ إلى غيره لم يمتنع منه) الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٢٤٧ (٢) الدراسة قوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ الفاء والراء أصول ثلاثة، فالأول الانكشاف وما يقاربُه من الكشف عن الشيء والثاني: جنس الحيوان، والثالث: دال على خفة وطيش. فالأول قولهم: فرَّ عن أسنانه، وافترَّ الإنسان إذا تبسَّم. والأصل الثاني: الفَرير: ولد البقرة والثالث: الفرْ فَرة: الطيش والخفة. (٣) وقال الجوهري: " فرَّ يفِرُّ فِرَارًاً: هرب ". (٤) وقال البخاري: " من الله إليه " (٥) وفسره الفراء: من معصيته إلى طاعته (٦) وابن جرير بقوله: " فاهربوا أيها الناس من عقاب الله إلى رحمته بالإيمان به، واتباع أوامره، والعمل بطاعته " (٧). وقال الزجاج: " المعنى: ففروا إلى الله من الشرك بالله ومن معاصيه إليه " (٨) قال النحاس: " أي إلى طاعته ورحمته من معصيته وعقابه " (٩) وقال السمعاني: " أي من معصيتة إلى طاعته ويقال من سخطه إلى رحمته ومن عقابه إلى عفوه " (١٠). وذكر المفسرون معاني كلها تدور حول ما ذُكر (١١). ولم يذكر هنا تعالى ذكره الذي منه الهروب. ليكون ـ والعلم عند الله ـ عاماً كأنه يقول: كلُّ ما عدا اللهَ عدوُّكم، ففروا إلى الله من كل ما عداه (١٢).

стр. 263

ومعلوم أن الفرار من الله لا يكون إلا إليه، وكل من خفته فررت منه إلا الله فإذا خفته فررت إليه. قال ابن كثير في قوله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ أي الجؤوا إليه واعتمدوا في أموركم عليه (١). وإذا تقرر ما سبق في معنى الآية يتبين بُعد ما ذكره الحسين في تفسيرها، والله أعلم. إلا إذا حمل الكلام على أن العبد يحترز من عبادة كل أحد سوى الله فيكون على هذه هرب وفرّ من الشرك إلى التوحيد وهذا معنى صحيح في الآية. ثم إنه ذكر في معنى (فرُّوا) (احترزوا) وهذا ليس معنىً صحيحاً في معنى (فرّ) وقد ذكرت في أول هذه الدراسة الأصل لهذه الكلمة لأجل أن يتبين أن الحسين ﵀ لم يتبين في أصل الكلمة ما ذكره. وفرَّ: هرب إلا إذا لم يكن يقصد المعنى المباشر وأتى بالذي يترتب على الفرار وهو الاحتراز من كل من هو غير الله. وجاء الأمر هنا بلفظ الفرار لينبّه على أن وراء الناس عقاباً وعذاباً، وأمراً حقه أن يفر عنه، فجمعت لفظة (ففروا) بين التحذير والاستدعاء وينظر إلى هذا المعنى قول النبي ﷺ : (لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك) (٢). ذكر ذلك ابن عطية (٣) وقال أبوحيان: " وهو تفسير حسن " (٤) والله تعالى أعلى وأعلم. قال تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] [٨٣] قال الحسين بن الفضل: (هو الاستعباد الظاهر، وليس هذا على القدر؛ لأنه لو قدَّر عليهم عبادته لما عصوه ولما عبدوا غيره، وإنما هو كقوله تعالى: ... ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] ثم قال: ... ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩] ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] ووجه الآية في الجملة أن الله تعالى لم يخلقهم للعبادة خلق جبلَّة وإجبار، وإنما خلقهم خلق تكليف واختبار، فمن وفقه وسدَّده أقامه للعبادة التي خُلق لها، ومن خذله وطرده، حرمه إياها واستعمله لما خلقه له، كقوله ﷺ (اعملوا فكلٌّ ميسرٌ لما خُلق له) (٥) والله أعلم) .

стр. 264

الكشف والبيان ١/ ٢٥١/ ٢٥٢ (١) الدراسة قال البخاري: " ما خلقت أهل السعادة من أهل الفريقين إلا ليوحدون (٢). وقال بعضهم: خلقهم ليفعلوا، ففعل بعضٌ وترك بعض (٣)، وليس فيه حجة لأهل القدر (٤). " (٥) وهذا التفسير من البخاري هو نص قول الفراء. (٦)

стр. 265

وإن قيل ما الفرق بين هذين التأويلين؟ فالجواب: أن الأول لفظ عام أُريد به الخصوص وهو أن المراد أهل السعادة من الفريقين، والثاني على عمومه، بمعنى خلقهم معَدِّين لذلك لكن منهم من أطاع ومنهم من عصى (١) وفي الآية تأويلات أخرى يطول ذكرها (٢). قال ابن حجر في تفسير البخاري السابق: (وليس فيه حجة لأهل القدر: " فيريد المعتزلة (٣)؛ لأن محصل الجواب أن المراد بالخلق خلق التكليف لا خلق الجبلة فمن وافقه عمل لما خلق له ومن خذله خالف، والمعتزلة احتجوا بالآية المذكورة على أن ارادة الله لا تتعلق به، والجواب أنه لايلزم من كون الشيء معلَّلاً بشيء أن يكون ذلك الشيء مراداً وأن لا يكون غيره مراداً .. " (٤) وأجد أنه من المفيد جداً في هذا المقام إيراد ما ذكره ابن تيمية في الآية بعد ما نصر كون الآية على عمومها ثم قال: " ومن هنا يتبين معنى الآية، فإن قوله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ يشبه قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله: ﴿لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧) وقوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧] وقوله ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] وكذلك قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] فهو لم يرسله إلا ليطاع، ثم قد يطاع وقد يعصى.

стр. 266

وكذلك ما خلقهم إلا للعبادة، ثم قد يعبدون وقد لا يعبدون. ومثل هذا كثير في القرآن، يبين أنه فعل ما فعل ليكبروه وليعدلوا، ولا يظلموا، وليعلموا ما هو متصف به، وغيره مما أمر الله به العباد، وأحبه لهم ورضيه منهم، وفيه سعادتهم وكمالهم وصلاحهم وفلاحهم إذا فعلوا، ثم منهم من يفعل ذلك ومنهم من لا يفعله. وهو سبحانه لم يقل إنه فعل الأول ليفعل هو الثاني، ولا ليفعل بهم الثاني فلم يذكر أنه خلقهم ليجعلهم هم عابدين، فإن ما فعله من الأسباب لما يفعله هو من الغايات يجب أن يفعله لا محالة، ويمتنع أن يفعله أمراً ليفعل أمراً ثانياً ولا يفعل الأمر الثاني، ولكن ذكر أنه فعل الأول ليفعلوا هم الثاني، فيكونون هم الفاعلين له فيحصل بفعلهم سعادتهم، وما يحبه ويرضاه لهم، فيحصل ما يحبُّه هو وما يحبونه هم، كما تقدم أن كل ما خلقه وأمر به غايته محبوبة لله ولعباده، وفيه حكمة له، وفيه رحمة لعباده " (١) قال البغوي: " ومعنى العبادة في اللغة: التذلل والانقياد، فكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله، متذلل لمشيئته لا يملك أحد لنفسه خروجا عمَّا خُلق عليه " (٢) والذي يتضح من قول الحسين ﵀ أنه يذهب إلى كون الآية عامة في الثَّقلين. قال ابن عطية: " وتحتمل الآية أن يكون المعنى ما خلقت الجنّ والإنس إلا مُعَدِّين ليعبدون، وكأن الآية تعديد نعمه، أي خلقت لهم حواساً وعقولاً وأجساماً منقادة نحو العبادة وهذا كما نقول البقر مخلوقة للحرث والخيل للحرب، وقد يكون منهما مالا يحارب به أصلاً فالمعنى أنَّ الإعداد في خلق هؤلاء إنما هو للعبادة لكن بعضهم تكسب صرف نفسه عن ذلك، ويؤيد هذا المنزع قول النبي ﷺ (اعملوا فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلق له) ". (٣) وقال العيني: " ومعنى الآية في الجملة أن الله تعالى لم يخلقهم للعبادة خلق جبلة واختيار وإنما خلقهم لها خلق تكليف واختبار، فمن وفقه وسدده أقام العبادة التي خلق لها ومن خذله وطرده حرمها وعمل بما خلق له كقوله: ﷺ (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) وفي نفس الأمر هذا سر لا يطلع عليه غير الله تعالى، وقال ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٤) [الأنبياء: ٢٣]

стр. 267

سورة النجم قال تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] [٨٤] قال الحسين بن الفضل: (في الآية تقديم وتأخير، مجازها: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى؟ ومعنى الآية: أفرأيتم أيها الزاعمون أن اللات والعزى ومناة بنات الله ؟) الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٣٤٨ (٢) الدراسة قوله ﴿الثَّالِثَةَ﴾ نعت لمناة وهي ثالثة الصنمين في الذكر، الأخرى نعت لها (٣) وقال الثعلبي: " العرب لا تقول للثالثة الأخرى، وإنما الأخرى نعت للثانية فيكون في المعنى وجهان (٤): أحدهما: أن ذلك لو فاق رؤوس الآي كقوله ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨] ولم يقل أخر، قاله الخليل (٥). والوجه الثاني: هو ما قاله الحسين بن الفضل. وقال الزمخشري: ﴿الْأُخْرَى﴾ ذم وهي المتأخرة الوضيعة المقدار، كقوله تعالى ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٨] أي وضعاؤهم لرؤسائهم وأشرافهم، ويجوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم للات والعزى" (٦). وأجاب أبو حيان: ولفظ آخر ومؤنثه (أخرى) لم يوضعا للذم ولا للمدح، إنما يدلان على معنى (غير)، إلا أنَّ من شرطهما أن يكونا من جنس ما قبلهما، لو قلت: مررت برجل وآخر لم يدل إلا على معنى (غير)، لا على ذم ولا على مدح ". (٧) وعند أبي البقاء: (الأخرى) توكيد؛ لأن الثالثة لا تكون إلا أخرى (٨). وقال ابن عطية: " قال تعالى ﴿الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ فأكدها بهاتين الصفتين كما تقول رأيت فلاناً وفلاناً ثم تذكر ثالثاً أجلَّ منهما، فتقول وفلاناً الآخر الذي من أمره وشأنه، ولفظة آخر وأخرى يوصف به الثالث من المعدودات وذلك نص في ... الآية .. " (٩)

стр. 268

وقيل: لأنها كانت مرتبة عند المشركين في التعظيم بعد اللات والعزى فالكلام على نسقه. (١) وذكر ابن عاشور أن الأحسن في قوله ﴿الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ أنه جرى على أسلوب العرب فإنهم إذا أخبروا عن متعدد وكان فيه من يظنّ أنه غير داخل في الخبر لعظمة أو تباعد عن التلبس بمثل ما تلبس به نظراؤه أن يختموا الخبر فيقولوا: (وفلان هو الآخر) ووجهه هنا أن عُبَّاد مناة كثيرون في قبائل العرب فنبه على أن كثرة عبدتها لا يزيدها قوة على بقية الأصنام في مقام إبطال إلهيتها وكل ذلك جارٍ مجرى التهكم والتسفيه (٢). وأما من ناحية قول الحسين فهو من شقين: الأول: وفيه التقديم والتأخير والثاني: ما ذكره في معنى الآية وهذا لا إشكال في صحته (٣). والإشكال يكمن في تخريجه لمناة الثالثة الأخرى وجعل الكلام على التقديم والتأخير وقد تكرر هذا الأسلوب وتبين ما فيه. وأكتفي بعدم الحاجة إلى مثل هذا القول بقول السمين الحلبي: " وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير. أي: العزى الأخرى ومناة الثالثة، ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن الأصل عدمه " (٤).

стр. 269

قال تعالى ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢] [٨٥] قال الحسين بن الفضل: (اللمم النظر من غير تعمُّد فهو مغفور، فإن أعاد النظر فليس بلمم وهو ذنب) الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٣٥٩ (٢) الدراسة الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر (٣) بنص القرآن والسنة وإجماع السلف. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. وأصل اللمم والإلمام: ما يعمله الإنسان الحين بعد الحين، ولا يكون إعادة، ولا إقامة (٤). وهي الصغائر التي لا يسلم منها إلا من عصمه الله. (٥) واختلف العلماء في معنى هذه الآية، فقال قوم: هذا استثناء متصل، واللمم من الكبائر والفواحش، ومعنى الآية: إلا أن يلم بالفاحشة مرة ثم يتوب، ويقع الوقعة ثم ينتهي وهو قول أبي هريرة ومجاهد والحسن ورواية عطاء عن ابن عباس، وقال آخرون: هو استثناء منقطع معناه: لكن اللمم، ولم يجعلوا اللمم من الكبائر والفواحش، ثم اختلفوا في معناه: فقال بعضهم: هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذُهم الله به، وذلك أنَّ المشركين قالوا للمسلمين: إنهم كانوا يعملون معنا بالأمس؟ فأنزل الله هذه الآية، وهذا قول زيد بن ثابت (٦) وزيد بن أسلم. وقال بعضهم: "هو صغار الذنوب كالنظرة والغمزة والقبلة وما كان دون الزنا " وذلك قول ابن مسعود وأبي هريرة والشعبي ورواية عن ابن عباس (٧). وفي رواية ابن عباس أنَّ اللَّمم هو دون حدّ الدنيا وحدّ الآخرة (٨). وذكر العلماء غير ذلك في معنى اللمم (٩). والجمهور على أنه استثناء من الكبائر، وهو منقطع أي لكن يقع منهم اللَّمم (١٠). ورجَّح الطبري بأنه استثناء منقطع، ووجَّه المعنى إلى ما دون الكبائر ودون الفواحش الموجبة للحدود في الدنيا والعذاب في الآخرة، فإن ذلك معفوٌّ لهم عنه وذلك نظير قوله جل ثناؤه ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] (١١).

стр. 270

وقال النحاس: " ومن أصح ما قيل فيه وأجمعه لأقوال العلماء أنه الصغائر ويكون مأخوذاً من لممتُ بالشيء إذا قلَّلت نيلَهُ " (١). قال ابن القيم: " والصحيح: قول الجمهور: إن اللمم صغائر الذنوب، كالنظرة والغمزة والقبلة، ونحو ذلك. هذا قول جمهور الصحابة ومن بعدهم. وهو قول أبى هريرة وعبد الله بن مسعود وابن عباس .. ولا ينافي هذا قول أبي هريرة، وابن عباس في الرواية الأخرى (إنه يُلم بالكبيرة ثم لا يعود إليها) فإن (اللمم) إما أنه يتناول هذا وهذا، ويكون على وجهين. كما قال الكلبي (٢)، أو أن أبا هريرة. وابن عباس ألحقا من ارتكب الكبيرة مرة واحدة، ولم يُصرّ عليها، بل حصلت منه فلتةً في عمره باللمم، ورأيا أنها إنما تتغلظ وتكبر وتعظم في حق من تكررت منه مراراً عديدة. وهذا من فقه الصحابة ﵃ وغور علومهم .. " (٣) وإذا تقرر ما سبق علم أن الحسين بن الفضل يذهب إلى ما ذهب إليه الجمهور بالجملة، ولعلَّه ذكر النظرة كمثال للصغائر وهي نظرة الفجأة كما نسب ذلك إليه ابن عطية (٤)، وزاد عليه إذا عاود النظر فلا يغفر. وقد يكون هذا معنى الإصرار لأنه قيل: لا صغيرة مع الإصرار ـ والله أعلم ـ وقد نسب الفراء هذا القول إلى الكلبيِّ (٥).

стр. 271

قال تعالى ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] [٨٦] قال الحسين بن الفضل: (وَفَّى بشأن الأضياف حتى سُمِّيَ أبا الأضياف) الكشف والبيان. ٩/ ١٥٢ (١) الدراسة يقول تعالى ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ الذي وفَّى من أرسل إليه ما أرسل به، واختلف أهل التاويل في معنى الذي وفَّى. فقال سعيد بن جبير وقتادة وغيرهما (٢): وفَّى طاعة الله ورسالاته إلى خلقه (٣). ورواية عن ابن عباس: وفَّى بما رأى في المنام من ذبح ابنه (٤). وهو قول الربيع (٥) وقال مجاهد: وفَّى بما فرض عليه (٦). وقيل: وفَّى ربه عمل يومه (٧). وقيل غير ذلك (٨). والتوفية هي الإتمام (٩). ورجح الطبري أنه وفَّى جميع شرائع الإسلام وجميع ما أمر به من الطاعة. وقال: " لأن الله ـ تعالى ذكره ـ أخبر عنه أنه وفَّى فعمَّ بالخبر عن توفيته جميع الطاعة، ولم يخصص بعضاً دون بعض، وذكر التوفية على العموم ولو صحَّ عن المعصوم ﷺ خبر لم نَعْدُ القول به إلى غيره" (١٠). وقال النحاس: " وأولى ما قيل في معنى الآية بالصواب ما دل عليه عمومها أي وفَّى بكل ما افتُرِض عليه بشرائع الإسلام، ووفَّى في العربية للتكثير ". (١١) ولم يذكر متعلق (وفَّى) ليتناول كل ما يصلح أن يكون متعلقاً له، كتبليغ الرسالة والاستقلال بأعباء الرسالة والصبر على ذبح ولده وصبره كذلك على فراق إسماعيل وأمه وعلى نار نمروذ، وقيامه بأضيافه وخدمته إياهم بنفسه (١٢)، وقد قال الحسن: ما أمره الله بشيء إلا وفَّى به (١٣). وعلى هذا فقول الحسين مما يتناوله قوله (وفَّى) كما يتناول غيره، فالآية أعم وبكثير مما خصه الحسين بن الفضل، ولعله ذكره كمثال لتمام وفائه. فلا أظن يفوت على سعة علمه بالمعاني ما المترتب على إطلاق (وفَّى) من تناول كل وفاء وأيضاً في تشديد (وفَّى) مبالغة في الوفاء، ولذا ذكرتُ أنه ربما ذكر قوله هذا على سبيل التمثيل ـ والله أعلم ـ

стр. 272

قال تعالى ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨]. [٨٧] وأما الجامع بين قوله ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [العنكبوت: ١٣] ... ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكوب: ١٣] فهو ما قال الحسين بن الفضل (﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ طوعاً ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ كرهاً. الكشف والبيان ٢/ ٣٧٣ (١) الدراسة في معنى قوله تعالى ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي كل نفس ظلمت نفسها بكفر أو بشيء من الذنوب فإنما الإثم عليها لا يحمله عنها أحد كما قال تعالى ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨] (٢) فإن قيل: ما وجه تحمُّلهم بعض أوزار غيرهم المنصوص عليها بقوله ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] وقوله ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ مع أن الله تعالى يقول: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ويقول ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ إلى غير ذلك من الآيات. فالجواب ـ والله أعلم ـ أن رؤساء الضلال وقادتهم تحملوا وزرين، أحدهما: وزر ضلال أنفسهم. والثاني: وزر إضلالهم غيرهم؛ لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً، وإنما أخذ بعمل غيره لأنه هو الذي سنَّه وتسبب فيه، فعوقب عليه من هذه الجهة لأنه من فعله، فصار إذن غير مناف لقوله: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣)

стр. 273

والذي يظهر ـ والله أعلم ـ أن الآية الأولى التي قال فيها: " طوعاً " أنه أراد أنه لا تزر نفس وزر أخرى ابتداءً، فالله لا يحملها ما لا تعمله، أما إذا أضلت غيرها فقد حملت هذا الوزر، وستحمل وزر من أضلته " كرهاً: أي رغماً عنها. قال تعالى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] [٨٨] دعا عبد الله بن طاهر، والي خراسان الحسين بن الفضل فقال له: أشكلت عليَّ ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي قال: وما هنَّ أيها الأمير قال: .. وقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ فما بال الأضعاف، فقال الحسين بن الفضل: (وأما قوله ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ يعني من طريق العدل. ومجاز الآية: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ عدلاً وَلي أن أجزيهُ بواحدةٍ ألفاً) . الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٣٧٦/ ٣٧٧ (٢). الدراسة قال الزجاج: " ومعناه، ليس للإنسان إلا جزاء سعيه، إن عَمل خيراً جُزي خيراً، وإن عمل شرَّاً جُزي شراً " (٣). واختلف العلماء في هذه الآية على أقوال: (٤) قال عكرمة: كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى، فاما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم، لما روي أن امرأة دفعت صبياً لها فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: (نعم ولك أجر) (٥). وقال رجل للنبي ﷺ : إن أمي افتُلِتت نفسها، فهل لها أجر إن تصدقتُ عنها؟ قال: (نعم). (٦) وقال الربيع بن أنس: أن المراد بالانسان ها هنا الكافر، فأما المؤمن فله ما سعى، وما سُعي له. (٧)

стр. 274

قال القرطبي في قول الربيع هذا: " قلتُ: وكثير من الأحاديث يدل على هذا القول، وأن المؤمن يصل إليه ثواب العمل الصالح من غيره (١) .. وليس في الصدقة اختلاف، كما في صدْر كتاب مسلم عن عبد الله بن المبارك (٢) وفي الصحيح: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث) وفيه (أو ولد صالح يدعو له) (٣) وهذا كله تفضل من الله ، كما أن زيادة الأضعاف فضل منه، كتب لهم بالحسنة الواحدة عشراً إلى سبعمائة ضعف إلى ألف ألف حسنة، كما قيل لأبي هريرة: أسمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألف ألف حسنة) فقال سمعته يقول: (إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة) (٤) فهذا تفضُّل. وطريق العدل ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ " (٥) قال ابن تيمية بعد أن ذكر قول الربيع بن أنس: " قلتُ: وهذا أيضاً ضعيف جداً، فإن الذي في صحف إبراهيم وموسى لا يختصُّ به الكافر، وقوله بعده ... ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ الآيات، يتناول المؤمن قطعاً، وهو ضمير الإنسان بل لو قيل: إنه يتناول المؤمن دون الكافر لكان أرجح من العكس، مع أن حكم العدل لا فرق فيه بين مؤمن وكافر، وما استحقَّه المؤمن بخصوصه فهو بإيمانه ومن سعيه " (٦).

стр. 275

وقال أبو حيان " الظاهر أن الإنسان يشمل المؤمن والكافر " (١) وقد أوضح الله تعالى في آيات من كتابه معنى هذه الآية في سورة النجم كقوله تعالى ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] وقوله ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] وقوله ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤] ثم إن آية النجم السابقة دلّت على أن الإنسان لا يستحق أجراً إلا على سعيه بنفسه، ولم تتعرض هذه الآية لانتفاعه بسعي غيره بنفي ولا إثبات؛ لأن قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ قد دلّت اللام فيه على أنه لا يستحق ولا يملك شيئاً إلا بسعيه، ولم تتعرض لنفي الانتفاع بما ليس ملكاً له ولا مستحقاً له (٢) كما أنه ليس للإنسان من المال إلا ما هو في ملكه وتحت يده، ولا يلزم من ذلك، أن لا يملك ما وهبه له الغير من ماله الذي يملكه (٣). وقال ابن عطية (والتحرير عندي في هذه الآية أن ملاك المعنى هو في اللام من قوله (للإنسان) فإذا حققت الشيء الذي هو حق الإنسان يقول فيه لي كذا لم يجده إلا سعيه، وما بعده من رحمة ثم شفاعة أو رعاية أب صالح أو ابن صالح أو تضعيف حسنات أو تغمد بفضل ورحمة دون هذا كله فليس هو للإنسان ولا يسعه أن يقول لي كذا إلا على تجوز وإلحاق بما هو له حقيقة " (٤) وأجاب الشوكاني بأن الآية عموم مخصوص بمثل قوله تعالى: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] وبمثل ما ورد في شفاعة الأنبياء والملائكة للعباد ومشروعية دعاء الأحياء للأموات ونحو ذلك، وأن كل ما قام الدليل عليه من أن الإنسان ينتفع به وهو من غير سعيه كان مخصصاً لما في هذه الآية من العموم. (٥)

стр. 276

قلتُ: وما أحسن هذا الجواب. وأما بالنسبة لما ذكره الحسين بن الفضل فلا يخفى ما تضمنه قول القرطبي السابق من تأييد لمعنى ما ذكره، وكان جمعه بين قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] وبين هذه الآية موفقاً ومسدداً ـ والله أعلم ـ. ومعلوم رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين فلا يجازي بالسيئة إلا مثلها وأما الحسنة فيضاعفها إلى ما شاء وهو الواسع العليم، ولا أظن أن مثل هذا يحتاج إلى مزيد بيان وتدليل. هذا من ناحية التوفيق أما من ناحية كونه تفسيراً للآية فقد قال ابن تيمية: " ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ من طريق العدل، وأما من باب الفضل فجائز أن يزيده الله ما شاء. قاله الحسين بن الفضل، وهو أمثل من غيره من الأقوال، ومعناه صحيح، لكنه لم يفسر الآية، فإن قوله ﴿لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ﴾ نفي عام فليس له إلا ذلك، وهذا هو العدل، ثم إن الله قد ينفعه ويرحمه بغير سعيه من جهة فضله " (١)

стр. 277

سورة الرحمن قال تعالى ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٧] [٨٩] قال الحسين بن الفضل: (الميزان: القرآن) . (١) الكشف والبيان (٢) / ٤٧٨ (٣) الدراسة قوله: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ فيه قولان: أحدهما أنه العدل قاله أكثر الناس ومنهم مجاهد والسدي (٤) والفراء (٥) والطبري (٦) والزجاج (٧) وهذا؛ لأن المعادلة موازنة الأشياء (٨) ومعنى الآية (أنه وضع العدل بين خلقه في الأرض). وثانيهما: أنه الميزان المعروف ليتناصف الناس في الحقوق، قاله الحسن، وقتادة، والضحاك (٩). والظاهر في الميزان أنه كل ما يوزن به الأشياء وتعرف به مقاديرها، وإن اختلفت الآلآت، فجعله تعالى حاكماً بالسوية في الأخذ والإعطاء. وعلى الأول: تكون الآلآت بعض ما يندرج في العدل (١٠)؛ لأن إقامة الوزن بالقسط من العدل والانصاف. قال السمرقندي: " أُنزل الميزان للخلق يوزن به، وإنما أُنزل في زمان نوح ولم يكن قبل ذلك ميزان ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ لكي لا تظلموا. ويقال (وضع الميزان) يعني أنزل العدل في الأرض ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ يعني لكيلا تميلوا عن العدل " (١١).

стр. 278

والميزان المعروف جزء من الميزان الذي يعبر به عن العدل بين العباد، فالله تعالى قد وضع الميزان، أي: العدل بين الناس في الأقوال والأفعال ويدخل فيه الميزان المعروف والمكيال والمقادير وغيرها ولا إشكال عندي في هذا، وقد رجح الشنقيطي كون الميزان في هذه الآية الآلة المعروفة، ودلّل عليه بالتعبير بالوضع لا الإنزال كما في قوله تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧] ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ ... [الحديد ٢٥] (١) وذكر ابن الجوزي في الآية ثلاثة أقوال، وجعل ثالثها هو قول الحسين بن الفضل (٢) ولو تُتَدَبَّر الآيات لوجدت أنه تعالى (بدأ أولاً بالعلم فذكر فيه أشرف أنواع العلوم، وهو القرآن ثم ذكر ما به التعديل في الأمور وهو الميزان كقوله تعالى ... ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾) [الحديد: ٢٥]. (٣) ولعل هذا مما يؤيد القولين السابقين. قال القرطبي: " أي وضع في الأرض العدل الذي أمر به، يقال: وضع الله الشريعة، ووضع فلان كذا أي ألقاه، وقيل: على هذا الميزان: القرآن، لأن فيه بيان ما يحتاج، وهو قول الحسين بن الفضل (٤) ولا منافاة بين العدل والقرآن؛ لأن الثاني متضمن للأول بلا ريب، لكن كونه المقصود والمراد بالآية ففيه نظر، لأمور: الأول: كونه غيرَ ظاهر اللفظ، فظاهر اللفظ يدل على أن الميزان الآلة التي يوزن بها. الثاني: أن قوله بعدها ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ لا يتناسب مع كونه القرآن. الثالث: أن تفسيره بهذا فيه انفراد؛ إذ لم يقل به غيره، والجمهور على خلافه. والله أعلم.

стр. 279

قال تعالى ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] [٩٠] قال الحسين بن الفضل: (التكرير لطرد الغفلة وتأكيد الحجة) الكشف والبيان للثعلبي. (١) / ٤٧٨ (٢) الدراسة فائدة التكرير توكيد التقرير بما لله تعالى من نعمة جمَّة على المخاطبين وتعريض بتوبيخهم على إشراكهم بالله أصناماً لا نعمة لها على أحد، وكلها دلائل على تفرد الإلهية. (٣) قال ابن قتيبه: " وأما تكرار الكلام من جنس واحد وبعضُه يجزئ عن بعض، كتكراره في ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وفي سورة الرحمن فقد أعلمتك أن القرآن نزل بلسان القوم، وعلى مذاهبهم، ومن مذاهبهم التكرار: إرادة التوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار: إرادة التخفيف والإيجاز، لأن افتتان المتكلم والخطيب في الفنون، وخروجه عن شيء أي شيء ـ أحسن من اقتصاره في المقام على فن واحد وقد يقول القائل في كلامه: والله لا أفعله، ثم والله لا أفعله، إذا أراد التوكيد وحسْم الأطماع من أن يفعله. كما يقول: والله أفعله، بإضمار (لا) إذا أراد الاختصار " (٤). وقال في موضع آخر: وأما تكرار: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ فإنه عدَّد في هذه السورة نعماءه، وأذْكرَ عباده آلاءه ونبههم على قدرته ولطفه بخلقه، ثم أتبع ذكر كل خلَّة وصفها بهذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين، ليُفَهّمهم النعم ويُقرِّرهم بها، وهذا كقولك للرجل أجل أحسنتَ إليه دهرك وتابعت عنده الأيادي، وهو في ذلك يُنكرك ويَكفرك: ألم أبوِّئك منزلاً وأنت طريد؟ أفتنكر هذا؟ وألم أحملك وأنت راجل؟ ألم أحج بك وأنت صَرُورة (٥)؟ أفتنكر هذا؟ " (٦). فقول الحسين (لطرد الغفلة) تنبيه على أن التكرار يجعل القارئ أو السامع ينشط للسمَّاع، وهناك بعض أشعار العرب التي فيها تكرار تُعَدُّ من مليح الشعر، ونفيس المعاني المرتبطة بالمقام، فالتكرار له ارتباط بالمقام، فلما كان هناك مقام تعداد نعم حسن تكرار هذه العبارة قال الشريف المرتضى (٧): " وهذا كثير من كلام العرب وأشعارهم، قال مهلهل بن ربيعة (٨) على أن ليسَ عِدْلاً من كُليبٍ ... إذا طُردَ اليتيمُ عن الجزورِ على أن ليسَ عِدْلاً من كُليبٍ ... إذا ما ضِيم جيرانُ المُجيرِ على أن ليسَ عِدْلاً من كُليبٍ ... إذا رجَفاَ العِضَاه من الدَّبُورِ إلى أن قال: " وقال الحارث بن عُباد. (٩) قَرِّبا مَرْبَطَ النَّعامة مِنِّي ... لَقِحتْ حَرْبُ وائل عن حِيالِ ثم كرر قوله (قربا مربط النعامة) في أبيات كثيرة من القصيدة للمعنى الذي ذكرناه.

стр. 280

وقالت ابنة عم النعمان بن بشير (١) ترثي زوجها: وحدَّثني أصحابُه أنَّ مالكاً ... أقام ونادَى صَحْبُهُ برَحيلِ وحدَّثني أصحابُه أنَّ مالكاً ... ضَروبٌ بنصل السيفِ غيرُ نكولِ وحدَّثني أصحابُه أنَّ مالكاً ... جَوَادٌ بما في الرَّحْل غيرُ بخيل وحدَّثني أصحابُه أنَّ مالكاً ... خفيفٌ على الحُدَّاثِ غيرُ ثقيل وحدَّثني أصحابُه أنَّ مالكاً ... صَرُومٌ كماضي الشفرتين صقيلِ وهذا المعنى أكثر من أن نحصيه. (٢) وذكر الحسين أنه كذلك لتأكيد الحجة وهذا كاد أن يكون مجمعاً عليه. قال القرطبي: " فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير، واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلق خلق " (٣). وذكر الزركشي أن من فوائد التكرير تعدد المتعلق، وقال: " كما في قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ فإنها وإن تعدَّدت، فكل واحد منها متعلق بما ... قبله، وإن الله تعالى خاطب بها الثقلين من الإنس والجن وعدّد عليهم نعمه التي خلقها لهم فكلما ذكر فصلاً من فصول النعم طلب إقرارهم واقتضاهم الشكر عليه، وهم أنواع مختلفة، وصور شتى .. (٤) وفي كتاب (أسرار التكرار في القرآن): " كرر الآية إحدى وثلاثين مرة ثمانية منها ذكرت عقيب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله وبدائع صنعه ومبدأ الخلق ومعادهم ثم سبعة منها عقيب آيات فيها ذكر النار وشدائدها على عدد أبواب جهنم وحسن ذكر الآلاء عقيبها؛ لأنَّ في صرفها ودفعها نعماً توازي النعم المذكورة، أو لأنها حلت بالأعداد وذلك بعد أكبر النعماء وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنان وأهلها على عدد أبواب الجنة الثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها استحق كلتا الثمانيتين من الله ووقاه السبعة السابقة والله تعالى أعلم " (٥).

стр. 281

قال تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] دعا عبد الله بن طاهر والي خراسان الحسين بن الفضل قال: أشكلت عليَّ ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي، قال: وما هي أيها الأمير، قال: .. وقوله ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، وصحَّ الخبر بأن القلم قد جفَّ وجرى بما هو كائن إلى يوم ... القيامة. (١) [٩١] قال الحسين بن الفضل: .. (وأما قوله ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ فإنها شؤون يعيدها لا شؤون يبديها (٢)، ومجاز الآية سوق المقادير إلى المواقيت، فقام عبد الله بن طاهر، وقبَّل رأسه وسوَّغ خراجه) . الكشف والبيان للثعلبي (٣) / ٣٨٦/ ٣٨٧ (٤). الدراسة قوله ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ الشأن هو الخطب والأمر والحال وجمعه شؤون (٥). قال أبو الدرداء: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ يغفر ذنباً ويكشف كرباً، ويرفع قوماً ويضع آخرين (٦). وقال مجاهد: من شأنه أن يعطي سائلاً، ويفك عانياً، ويجيب داعياً ويشفي سقيماً (٧). وقال الفراء: " في كل يوم أن يميت ميتاً، ويولد مولوداً، ويغني ذا، ويفقر ... ذا، فيمالا يحصى من الفعل " (٨).

стр. 282

فالمفسرون (١) على أنه من شأنه أن يحيي ويميت، ويرزق، ويعزَّ قوماً ويذلَّ قوماً، ويشفي مريضاً، ويفكَّ عانياً، ويفرج مكروباً، ويجيب داعياً، ويعطي سائلاً، ويغفر ذنباً إلى مالا يُحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما يشاء (٢). قال ابن عطية: أي يظهر شأنٌ من قدرته التي قد سبقت في الأزل في ميقاته من الزمن من إحياء وإماته ورفعة وخفض، وغير ذلك من الأمور التي لا يعلم نهايتها إلا هو تعالى " (٣). وقال السعدي: " وهذه الشؤون التي أخبر أنه تعالى ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ هي تقاديره وتدابيره التي قدرها في الأزل وقضاها، لا يزال تعالى يمضيها وينفذها في أوقاتها التي اقتضتها حكمته، وهي أحكامه الدينية التي هي الأمر والنهي، والقدرية التي يجريها على عباده مدة مقامهم في هذه الدار، حتى إذا تمت هذه الخليقة وأفناهم الله تعالى، وأراد تعالى أن ينفذ فيهم أحكام الجزاء، ويريهم من عدله وفضله وكثير إحسانه، ما به يعرفونه ويوحدونه، نقل المكلفين من دار الابتلاء والامتحان إلى دار الحيوان " (٤). فسبحان الكريم الوهاب، الذي عمت مواهبُه أهل الأرض والسموات، والحاصل: أن قول الحسين بن الفضل صحيح وجمعه بين الآية وما ورد من أن القلم قد جفَّ بما هو كائن إلى يوم القيامة صحيح أيضاً، وهنا مسألة دقيقة أشار إليها الحسين بن الفضل وهي التي استشكلت على الأمير وطلب تخريجها من الحسين وبينها ابن عطية والسعدي فيما نقلتُ عنهما، وهي متعلقة بالقدر وكونه لا يبدو له شيء سبحانه فيتغير له المكتوب، بل الأمر أنه يمضي ما قدّره في الكتاب المسطور؛ لأن كل مقادير الأشياء مكتوبة فيه فلقد أمر الله سبحانه القلم ليكتب كل ما هو كائن إلى يوم القيامة ولا بد من وقوعه في وقته. فهو سبحانه قدّر مقادير الخلائق، وكتب أعمال العباد قبل أن يعملوها، ثم إنه يأمر الملائكة بكتابتها بعدما يعملونها، فيقابل بين الكتابة المتقدمة على الوجود والكتابة المتأخرة عنه، فلا يكون بينهما تفاوت. ومعنى جفَّ القلم: أي فرغت الكتابة، وفيه إشارة إلى أن الذي كُتب في اللوح المحفوظ لا يتغير حكمه، فهو كناية عن الفراغ من الكتابة؛ لأن الصحيفة حال كتابتها تكون رطبة أو بعضها وكذلك القلم فإذا انتهت الكتابة جفت الكتابة والقلم (٥)، قال ابن حجر: " قلتُ: وفيه إشارة إلى أن كتابة ذلك انقضت من أمد بعيد ". (٦)

стр. 283

وقد روى البخاري عن أبى هريرة ﵁ قال لي النبي ﷺ : (جفَّ القلم بما أنت ... لاقٍ) (١). وفي حديث جابر عند مسلم (فيما العمل اليوم؟ أفيما جفَّت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نسْتَقْبِل؟ قال: لا بل، فيما جفَّت به الأقلام وجرت به المقادير) (٢). قال النووي: " (جفَّت به الأقلام) أي مضت به المقادير، وسبق علم الله تعالى به وتمت كتابته في اللوح المحفوظ، وجفَّ القلم الذي كتب به وامتنعت فيه الزيادة والنقصان. قال العلماء: وكتاب الله تعالى ولوحه وقلمه والصحف المذكورة في الأحاديث كل ذلك مما يجب الإيمان به، وأما كيفية ذلك وصفته فعلمها إلى الله تعالى. ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] والله أعلم ". (٣) اللهم يا إله العالمين ورب الناس أجمعين، اجعلنا ووالدينا والمسلمين ممن سبق في علمك أنهم من عبادك المؤمنين المقربين، اللهم آمين.

стр. 284

سورة الواقعة قال تعالى ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [للواقعة: ٧٩] [٩٢] قال الحسين بن الفضل: (لا يعرف تفسيره وتأويله إلا من طهَّره الله من الشرك والنفاق) الكشف والبيان للثعلبي (١) / ١٩٢ (٢). الدراسة في قوله تعالى (﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [للواقعة: ٧٨] قولان: ١ - اللوح المحفوظ قاله ابن عباس. ٢ - المصحف، وبه قال مجاهد. (٣) فمن قال إنه اللوح المحفوظ فالمطهرون عنده الملائكة وهذا قول ابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم (٤)، وعلى هذا يكون الكلام خبراً. (٥) واختار كونهم الملائكة البخاري، (٦) ورجحه ابن القيم، ودلّل على هذا الترجيح بعشرة أدلة عزَّز بها اختياره (٧) وهوقول أكثر المفسرين. (٨) ومن قال إنه المصحف ففي المطهرين أقوال: مطهرين من الأحداث، وهذا الذي عليه الجمهور، وظاهر الآية نفي ومعناها نهي (٩) قال الكلبي: من الشرك (١٠)، وهذا القول متناسب مع قول الحسين السابق. وقال الربيع بن أنس: من الذنوب والخطايا. (١١)

стр. 285

وقال الفراء: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به. (١) وقريبٌ من قول الفراء هذا قول الحسين السابق، ولعل الأولى ـ والله أعلم ـ جواز كل ما ذُكر في معنى الآية. وقد أخبر جَلَّ ثناؤه ـ أنه لا يمس الكتاب المكنون إلا المطهرون فعم بخبره المطهرين، ولم يخصص بعضاَ دون بعض فالملائكة من المطهرين والرسل والأنبياء من المطهرين وكل من كان مطهراً من الذنوب فهو مما استثني دخل في قوله ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٢) وظاهر الآية متعلق بالمسِّ الحسي فنبهت على أنه لا يجوز أن يمس القرآن إلا طاهر. مع العلم أن تفسير الحسين ﵀ السابق يدخل في باب الإشارة والقياس، وهذا ما ذهب إليه ابن القيم، فقال: " ودلَّت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة وحرام على القلب المتلوث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال معانيه وأن يفهمه كما ينبغي .. " (٣)
следующие страницы →