← Тафсир

Тафсир · id 713

أقوال الحسين بن الفضل في التفسير

نادية بنت إبراهيم النفيسة

Полный текст (343 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قال تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] دعا عبد الله بن طاهر والي خراسان الحسين بن الفضل قال: أشكلت عليَّ ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي، قال: وما هي أيها الأمير، قال: .. وقوله ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، وصحَّ الخبر بأن القلم قد جفَّ وجرى بما هو كائن إلى يوم ... القيامة. (١) [٩١] قال الحسين بن الفضل: .. (وأما قوله ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ فإنها شؤون يعيدها لا شؤون يبديها (٢)، ومجاز الآية سوق المقادير إلى المواقيت، فقام عبد الله بن طاهر، وقبَّل رأسه وسوَّغ خراجه) . الكشف والبيان للثعلبي (٣) / ٣٨٦/ ٣٨٧ (٤). الدراسة قوله ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ الشأن هو الخطب والأمر والحال وجمعه شؤون (٥). قال أبو الدرداء: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ يغفر ذنباً ويكشف كرباً، ويرفع قوماً ويضع آخرين (٦). وقال مجاهد: من شأنه أن يعطي سائلاً، ويفك عانياً، ويجيب داعياً ويشفي سقيماً (٧). وقال الفراء: " في كل يوم أن يميت ميتاً، ويولد مولوداً، ويغني ذا، ويفقر ... ذا، فيمالا يحصى من الفعل " (٨).

стр. 282

فالمفسرون (١) على أنه من شأنه أن يحيي ويميت، ويرزق، ويعزَّ قوماً ويذلَّ قوماً، ويشفي مريضاً، ويفكَّ عانياً، ويفرج مكروباً، ويجيب داعياً، ويعطي سائلاً، ويغفر ذنباً إلى مالا يُحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما يشاء (٢). قال ابن عطية: أي يظهر شأنٌ من قدرته التي قد سبقت في الأزل في ميقاته من الزمن من إحياء وإماته ورفعة وخفض، وغير ذلك من الأمور التي لا يعلم نهايتها إلا هو تعالى " (٣). وقال السعدي: " وهذه الشؤون التي أخبر أنه تعالى ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ هي تقاديره وتدابيره التي قدرها في الأزل وقضاها، لا يزال تعالى يمضيها وينفذها في أوقاتها التي اقتضتها حكمته، وهي أحكامه الدينية التي هي الأمر والنهي، والقدرية التي يجريها على عباده مدة مقامهم في هذه الدار، حتى إذا تمت هذه الخليقة وأفناهم الله تعالى، وأراد تعالى أن ينفذ فيهم أحكام الجزاء، ويريهم من عدله وفضله وكثير إحسانه، ما به يعرفونه ويوحدونه، نقل المكلفين من دار الابتلاء والامتحان إلى دار الحيوان " (٤). فسبحان الكريم الوهاب، الذي عمت مواهبُه أهل الأرض والسموات، والحاصل: أن قول الحسين بن الفضل صحيح وجمعه بين الآية وما ورد من أن القلم قد جفَّ بما هو كائن إلى يوم القيامة صحيح أيضاً، وهنا مسألة دقيقة أشار إليها الحسين بن الفضل وهي التي استشكلت على الأمير وطلب تخريجها من الحسين وبينها ابن عطية والسعدي فيما نقلتُ عنهما، وهي متعلقة بالقدر وكونه لا يبدو له شيء سبحانه فيتغير له المكتوب، بل الأمر أنه يمضي ما قدّره في الكتاب المسطور؛ لأن كل مقادير الأشياء مكتوبة فيه فلقد أمر الله سبحانه القلم ليكتب كل ما هو كائن إلى يوم القيامة ولا بد من وقوعه في وقته. فهو سبحانه قدّر مقادير الخلائق، وكتب أعمال العباد قبل أن يعملوها، ثم إنه يأمر الملائكة بكتابتها بعدما يعملونها، فيقابل بين الكتابة المتقدمة على الوجود والكتابة المتأخرة عنه، فلا يكون بينهما تفاوت. ومعنى جفَّ القلم: أي فرغت الكتابة، وفيه إشارة إلى أن الذي كُتب في اللوح المحفوظ لا يتغير حكمه، فهو كناية عن الفراغ من الكتابة؛ لأن الصحيفة حال كتابتها تكون رطبة أو بعضها وكذلك القلم فإذا انتهت الكتابة جفت الكتابة والقلم (٥)، قال ابن حجر: " قلتُ: وفيه إشارة إلى أن كتابة ذلك انقضت من أمد بعيد ". (٦)

стр. 283

وقد روى البخاري عن أبى هريرة ﵁ قال لي النبي ﷺ : (جفَّ القلم بما أنت ... لاقٍ) (١). وفي حديث جابر عند مسلم (فيما العمل اليوم؟ أفيما جفَّت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نسْتَقْبِل؟ قال: لا بل، فيما جفَّت به الأقلام وجرت به المقادير) (٢). قال النووي: " (جفَّت به الأقلام) أي مضت به المقادير، وسبق علم الله تعالى به وتمت كتابته في اللوح المحفوظ، وجفَّ القلم الذي كتب به وامتنعت فيه الزيادة والنقصان. قال العلماء: وكتاب الله تعالى ولوحه وقلمه والصحف المذكورة في الأحاديث كل ذلك مما يجب الإيمان به، وأما كيفية ذلك وصفته فعلمها إلى الله تعالى. ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] والله أعلم ". (٣) اللهم يا إله العالمين ورب الناس أجمعين، اجعلنا ووالدينا والمسلمين ممن سبق في علمك أنهم من عبادك المؤمنين المقربين، اللهم آمين.

стр. 284

سورة الواقعة قال تعالى ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [للواقعة: ٧٩] [٩٢] قال الحسين بن الفضل: (لا يعرف تفسيره وتأويله إلا من طهَّره الله من الشرك والنفاق) الكشف والبيان للثعلبي (١) / ١٩٢ (٢). الدراسة في قوله تعالى (﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [للواقعة: ٧٨] قولان: ١ - اللوح المحفوظ قاله ابن عباس. ٢ - المصحف، وبه قال مجاهد. (٣) فمن قال إنه اللوح المحفوظ فالمطهرون عنده الملائكة وهذا قول ابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم (٤)، وعلى هذا يكون الكلام خبراً. (٥) واختار كونهم الملائكة البخاري، (٦) ورجحه ابن القيم، ودلّل على هذا الترجيح بعشرة أدلة عزَّز بها اختياره (٧) وهوقول أكثر المفسرين. (٨) ومن قال إنه المصحف ففي المطهرين أقوال: مطهرين من الأحداث، وهذا الذي عليه الجمهور، وظاهر الآية نفي ومعناها نهي (٩) قال الكلبي: من الشرك (١٠)، وهذا القول متناسب مع قول الحسين السابق. وقال الربيع بن أنس: من الذنوب والخطايا. (١١)

стр. 285

وقال الفراء: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به. (١) وقريبٌ من قول الفراء هذا قول الحسين السابق، ولعل الأولى ـ والله أعلم ـ جواز كل ما ذُكر في معنى الآية. وقد أخبر جَلَّ ثناؤه ـ أنه لا يمس الكتاب المكنون إلا المطهرون فعم بخبره المطهرين، ولم يخصص بعضاَ دون بعض فالملائكة من المطهرين والرسل والأنبياء من المطهرين وكل من كان مطهراً من الذنوب فهو مما استثني دخل في قوله ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٢) وظاهر الآية متعلق بالمسِّ الحسي فنبهت على أنه لا يجوز أن يمس القرآن إلا طاهر. مع العلم أن تفسير الحسين ﵀ السابق يدخل في باب الإشارة والقياس، وهذا ما ذهب إليه ابن القيم، فقال: " ودلَّت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة وحرام على القلب المتلوث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال معانيه وأن يفهمه كما ينبغي .. " (٣)

стр. 286

سورة الحديد قال تعالى ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] [٩٣] قال الحسين بن الفضل: (هو الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، والظاهر بلا اقتراب، والباطن بلا احتجاب) الكشف والبيان للثعلبي ١/ ٢٣٢ (١) الدراسة اُختُلِف في معاني أسماء الله (٢) (الأول والآخر والظاهر والباطن) وقد بينها رسول الله ﷺ شرحاً يغني عن قول كل قائل، فقال في صحيح مسلم من حديث أبى هريرة (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر) (٣) قال الفراء: " يريد الأول قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء، والظاهر على كل شيء علماً وكذلك الباطن على كل شيء علماً " (٤) وقال ابن جرير: " (هو الأول) قبل كل شيء بغير حدّ، (والآخر) يقول: والآخر بعد كل شيء بغير نهاية وإنما قيل ذلك كذلك؛ لأنه كان ولا شيء موجود سواه، وهو كائن بعد فناء الأشياء كلها، كما قال جلَّ ثناؤه: كل شيء هالك إلا وجهه، وقوله (والظاهر) يقول: وهو الظاهر على كل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلى منه (والباطن) يقول: وهو الباطن جميع الأشياء، فلا شيء أقرب إلى شيءٍ منه، كما قال ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] (٥). وقال الزجاج: (الأول) وهو موضوع التقدم والسبق. ومعنى وصفنا الله تعالى بأنه أوّل: هو متقدم للحوادث بأوقات لا نهاية لها، فالأشياء كلها وُجدت بعده، وقد سبقها كلَّها، وكان رسول الله ﷺ يقول في دعائه (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء) والآخر هو المتأخر عن الأشياء كلها ويبقى بعدها، والظاهر هو الذي ظهر للعقول بحججه وبراهين وجوده وأدلة وحدانيته هذا إن أخذته من الظهور، وإن أخذته من قول العرب ظهر فلان فوق السطح إذا علا (٦) .. إلى أن قال: الباطن هو العالم ببطانة الشيء، يقال: بَطنْتُ فلاناً وخبرتُه: إذا عرفت باطنه وظاهره، والله تعالى عارفٌ ببواطن الأمور وظواهرها، فهو ذو الظاهر وذو الباطن " (٧)

стр. 287

وقال الخطابي: " الأول هو السابق للأشياء كلها ... الآخر هو الباقي بعد فناء الخلق، وليس معنى الآخر ماله الانتهاء، كما ليس معنى الأول ماله الابتداء، فهو الأول والآخر وليس لكونه أولُ ولا آخرُ. (الظاهر) هو الظاهر بحججه الباهرة وبراهينه النيرة وبشواهد أعلامه الدالة على ثبوت ربو بيته وصحة وحدانيته ويكون الظاهر فوق كل شيء بقدرته، وقد يكون الظهور بمعنى العلو، ويكون بمعنى الغلبة .. (الباطن) هو المحتجب عن أبصار الخلق وهو الذي لا يستولي عليه توهم الكيفية، وقد يكون معنى الظهور والبطون احتجابه عن أبصار الناظرين وتجليه لبصائر المتفكرين ويكون معناه: العَالم بما ظهر من الأمور والمطلع على ما بطن من الغيوب " (١) وقال البيهقي في (الاعتقاد): " الأول هو الذي لا ابتداء لوجوده، الآخر هو الذي لا انتهاء لوجوده .. الباطن هو الذي لا يستولي عليه توهم الكيفية وقد يكون الظاهر بمعنى العالم بما ظهر من الأمور، والباطن بمعنى المطلع على ما بطن من الغيوب وهما من صفات الذات " (٢) وفي نونية ابن القيم: هُوَ أَوَّلٌ هُوَ آخرٌ قَادرٌ مُتَكَلِّمٌ ... هُوَ بَاطِنٌ هيَ أَرْبَعٌ بِوزَانِ مَا قَبْلَهُ شَيْءٌ كَذَا مَا بَعْدَهُ ... شَيْءٌ تَعَالى الله ذُو السُّلْطَانِ مَا فَوْقهُ شَيْءٌ كَذَا مَا دُونَهُ ... شَيْءٌ وَذَا تَفْسيُر ذي الْبُرْهَان فَانْظُرْ إلَى تَفْسيرِه بِتَدَبُّرٍ ... وتَبَصُّرٍ وَتَعَقُّلٍ لمَعَانِ فَانْظُرْ إلَى مَا فِيهِ مِنْ أنْوَاعِ مَعـ ــ ... ــــــرِفَةٍ لِخَالقِنَا الْعَظِيمِ الشَّانِ (٣) فهذه أربعة أسماء متقابلة في الزَّمان والمكان، تفيد إحاطة الله بكل شيء أولاً وآخراً، وكذلك في المكان، ففيه الإحاطة الزمانية والإحاطة المكانية. (٤)

стр. 288

وفي قول الحسين بن الفضل هو الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء فواضح. فالأولية مطلقة، ولا نهاية لآخريته . وأما قوله (والظاهر بلا اقتراب) فلعل المعنى أنه عالٍ على كل شيء ولكنه معنا بعلمه بلا اقتراب منا بذاته. (والظهر خلاف البطن، والظاهر هو خلاف الباطن، والظهير: المعين، ومنه قوله تعالى ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] وَظهَر الشيء بالفتح ظُهُوراً: تبيَّن. وظهرتُ على الرجل: غلبته، وظهرت البيت: علوته) (١) وقوله (الباطن بلا احتجاب) البطن: خلاف الظهر وهو مذكر، وِبطانَةُ الثوب: خلاف ظِهارته، وبطنتُ الوادي دخلته وبطنتُ هذا الأمر عرفت باطنه، وبطانة الرجل وليجَتُهُ (٢) وقد يحمل على أنه سبحانه لا يخفى عليه شيء، مطلع على كل شيء ولو لم يره خلقه. وفي شرح العقيدة الواسطية: " (والباطن) أي الذي ليس دونه شيء، كما فَّسره الرسول ﷺ : بطن سبحانه بعلمه فلا يحجبه شيء " (٣) ولكنِّي أرى أنه من الأفضل عدم إطلاق مثل هذه العبارات أعني بها عبارات الحسين بن الفضل حتى ولو كانت صحيحة ذلك لأنها تُعبِّد طرقاً كثيرة وتفتح أبواباً عديدة لأهل الزيغ والانحراف، فمثل هذه الألفاظ حمَّالة؛ فقد يُفهم منها معنى بحين يفهم منها الآخر معنى ثانياً - والله أعلم -. قال تعالى ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لحديد: ٢٣] [٩٤] قال الحسين بن الفضل: (حمد (٤) الله المؤمنين بهذه الآية على مضض (٥) الصبر على الفائت وترك الفرح بالآتي والرضا بقضائه تعالى في الحالين جميعاً) . الكشف والبيان ٢/ ٣٠٠ (٦)

стр. 289

الدراسة ذكر تعالى أنه ما أصاب من مصيبة في الآفاق أو في أنفسكم إلا قد كُتب ذلك في العلم الأول من قبل أن تخلق نفوسكم، وهذا أمر عظيم تذهل عنده القلوب وتعجز عن إدراكه العقول، ولكنه على الله يسير (١). وأخبرهم جل في علاه – عن ذلك لأجل أن تتقرر تلك القاعدة عندهم فلا يأسَوا على ما فاتهم ولا يفرحوا بما آتاهم؛ لأنَّ كلَّ ذلك مقدر عند الله الحكيم العليم. عن ابن عباس: (لكيلا لا تأسَوا على ما فاتكم) قال: الصبر عند المصيبة، والشكر عند النعمة وقال: ليس أحد إلا يحزن ويفرح، ولكن من أصابته مصيبة فجعلها صبراً، ومن أصابه خير فجعله شكراً. وعن ابن زيد في قوله تعالى ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ قال: لا تأسوا على ما فاتكم من الدنيا، ولا تفرحوا بما آتاكم منها (٢). وقال جعفر بن محمد الصادق: يا ابن آدم مالك تأسف على مفقود لا يرده إليك الفوت، ومالك تفرح بموجود لا يتركه في يدك الموت (٣) وفي نفس الأمر الحزن والفرح المنهيِّ عنهما هما اللذان يُتعدى فيهما إلى ما لا يجوز. ويُعلم مما سبق صحة قول الحسين ﵀ فلا تفرح يا ابن آدم بما أتاك ويلحقك من جراء ذلك مشقة، ولا تكترث بما فاتك وأرض بما قسم الله لك في الحالين لأن كل ما جرى عليك مكتوب ومقدر ـ والحمد لله رب العالمين ـ

стр. 290

سورة التغابن قال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ... [التغابن: ٢] . [٩٥] (إن الله سبحانه خلق الخلق ثم كفروا وآمنو، قالوا وتمام الكلام عند قوله ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ثم وصفهم ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ وهو مثل قوله ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥] الآية قالوا: فالله خلقهم والمشي فعلهم، وهذا اختيار الحسين بن الفضل) . الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٣٢٦ (٢) الدراسة قال ابن عباس: "إن الله خلق بني آدم مؤمناً وكافراً، ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمناً وكافراً" (٣)، وهناك ما يعضد هذا القول فقد قال ﷺ : (إنَّ الغلام الذي قتله ـ الخضر ﵇ طُبِعَ كافراً) (٤). وقال تعالى ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧]. عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (وَكّل الله بالرحم ملكاً فيقول: أي ربِّ نطفهٌ، أي ربِّ علقة، أي ربِّ مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: ايْ ربِّ ذكرٌ أم أنثى؟ أشقيٌّ أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيُكتب كذلك في بطن أمه) (٥). وقال جماعة: معنى الآية: إن الله خلق الخلق ثم كفروا وآمنوا؛ لأن الله تعالى ذكر الخلق وتمَّ الكلام، ثم وصفهم بفعلهم، فقال: ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ كما قال الله ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ ... [النور: ٤٥] والله خلقهم والمشيُ فِعلهم، ثم اختلفوا في تأويلها:

стр. 291

ذكر عبد الله ابن عباس فمنكم كافر يؤمن ومنكم مؤمن يكفر. وقال أبو سعيد الخدري ﵁: فمنكم كافر في حياته مؤمن في العاقبة ومنكم مؤمن في حياته كافر في العاقبة (١) قال الزجاج: "وجائزٌ أن يكون: ﴿خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ أي مؤمن بأن الله خلقه وكافر بأن الله خلقه (٢). ودليل ذلك قوله سبحانه ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] وقال ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: ٣٧] (٣) وجملة القول فيه: أن الله خلق الكافر، وكفرُه فعلٌ له وكسبٌ، وخلق المؤمن، وإيمانه فعلٌ له وكسبٌ، فلكل واحد من الفريقين كسب واختيار، وكسبه واختياره بتقدير الله ومشيئته، فالمؤمن من بعد خلق الله إياه يختار الإيمان؛ لأن الله تعالى أراد ذلك منه وقدَّره عليه وعلمه منه، والكافر بعد خلق الله تعالى إيَّاه يختار الكفر؛ لأن الله تعالى أراد ذلك منه وقدَّره عليه وعلمه منه، وهذا طريق أهل السنة والجماعة، من سلكه أصاب الحق وسَلِم من الجبر والقدر. قاله البغوي (٤). وذكر القرطبي أن هذا هو ما عليه الأئمة والجمهور من الأمة (٥). قال ابن تيمية: " وتؤمن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره. والإيمان بالقدر على درجتين كل درجة تتضمن شيئين: الأولى: الإيمان بأن الله علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلاً، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، فأول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام وطويت الصحف " (٦)

стр. 292

إلى أن قال: " فما مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسوله ونهاهم عن معصيتة. وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم، وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره، ويُخرجون عن أفعال الله وأحكامه حِكَمها ومصالحها " (١). قال الإمام مالك بن أنس: (ما أضلّ من كذب بالقدر، لو لم يكن عليهم فيه حجة إلا قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ لكفى بها حجة (٢).

стр. 293

سورة الطلاق قال تعالى ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] [٩٦] قال الحسين بن الفضل: (﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في أداء الفراض ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ من العقوبة ويرزقه الثواب من حيث لا يحتسب) . الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٣٣٧ (٢) الدراسة قال عكرمة والضحاك: ومن يتق الله فيطلِّق للسنة يجعل له مخرجاً إلى الرجعة (٣) وقال ابن عباس: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ يقول: نجاته من كل كرب في الدنيا والآخره ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. وقال ابن مسعود: يعلم أنه من عند الله، وأن الله هو الذي يعطي ويمنع. وقال قتادة: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ من شبهات الأمور والكرب عند الموت ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ من حيث لا يرجو ولا يؤمل (٤).

стр. 294

وقال الحسن: مخرجاً عما نهاه عنه. وقال أبو العالية: مخرجاً من كل شدة (١). وقيل غير ذلك. (٢) وقال الزجاج. " معناه يجعل له مخرجاً من الحرام إلى الحلال، وقيل من النار إلى الجنة، ويرزقه من حيث لا يحتسب معناه ـ والله أعلم ـ أنه إذا اتقى الله وآثر الحلال والصبر على أهله إن كان ذا ضيقةٍ فتح الله عليه ورزقه من حيث لا يحتسب، وجائز أن يكون إذا اتقى الله في طلاقه، وآثرما عند الله وجرى في ذلك على السنة رزقه الله أهلاً بدل أهله ". (٣) والظاهر والله أعلم في الآية أنها على العموم ولا وجه للتخصيص بنوع خاص ويدخل ما فيه السياق دخولاً أولياً (٤)، ولذا فإن الآية تشمل قول الحسين وغيره. ـ والله أعلم ـ

стр. 295

سورة المزمل قال تعالى ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] [٩٧] روى الثعلبي عن إبي إسحاق إبراهيم بن مضارب بن إبراهيم يقول: سمعت الحسين بن الفضل وسئل عن هذه الآية، فقال: (معناها إنا سنلقي عليك قولاً خفيفاً على اللسان ثقيلاً في الميزان) . الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٦٠ (٢). الدراسة اختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ فقال الحسن: العمل به، قال: إن الرجل ليَهذُّ (٣) السورة، ولكن العمل به ثقيل. وقال قتادة: ثقيل والله فرائضه وحدوده. وقال ابن زيد: هو والله ثقيل مبارك القرآن، كما ثقل في الدنيا ثَقُل في الموازين يوم القيامة. (٤) وقال الفراء: ليس بالخفيف ولا السَّفساف (٥)؛ لأنه كلام ربنا ﵎ (٦). واختار ابن جرير أنه ثقيل على الوجهين ثقيل محمله، ثقيل العمل بحدوده ... وفرائضه، فهو كما وصفه جلَّ ثناؤه بأنه قول ثقيل. (٧) وفي الآية أطلق وصف الثقيل ولم يقيِّده بنوع من الثقل، وما ذكره المفسرون فإنه نوع من أنواعه يحتمله وصف " ثقيلاً " فجائز أن يكون ثقيلاً في الميزان، لمن عمل به، وجائز أن يكون ثقيلاً في التكاليف، وجائز أن يكون ثقيلاً حال نزوله على النبي ﷺ ، والله أعلم (٨).

стр. 296

وكل ذلك ثابت في القرآن الكريم، وقد بين تعالى أن هذا الثقل يخففه الله على المؤمنين كما قال تعالى ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] (١) وعلى هذا فقول الحسين داخلٌ في معنى الآية. وقد أشار في قوله (ثقيلاً في الميزان) إلى العمل به. قال ﷺ : (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنه والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ﴿الم﴾ حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) (٢) قال الزجاج: " و يجوز على مذهب أهل اللغة أن يكون معناه أنه قول له وَزْنٌ في صحته وبيانه ونفعه " (٣).

стр. 297

سورة المدثر قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣١] . [٩٨] قال الحسين بن الفضل: (هذه السورة مكية، ولم يكن بمكة نفاق ألبته، فالمرض في هذه الآية الخلاف لا النفاق) . الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٤٧ (٢). الدراسة سورة المدثر مكية، بل إن هناك من قال بأنها أول ما نزل من القرآن. (٣) وقال تعالى فيها ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شك ونفاق قاله أكثر المفسرين (٤) والمرض: هو الخروج عن الاعتدال الخاص بالإنسان وذلك ضربان، الأول: مرض جسمي وهو المذكور في قوله ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]

стр. 298

والثاني: عبارة من الرَّذائل كالجهل والجبن والبخل والنفاق، وغيرها من الرذائل الخلقية (١). وتفسير المرض عند أهل الوجوه والنظائر على أربعة أوجه: وهي الشك، والفجور والجراح، والمرض بعينه. (٢) والمراد بالمرض هنا ـ والعلم عند الله ـ النفاق. قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف ذكر الذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون، والسورة مكية ولم يكن بمكة نفاق، وإنما نجم بالمدينة؟ قلتُ: معناه وليقول المنافقون الذين ينجمون في مستقبل الزمان بالمدينة بعد الهجرة " (٣). وقد فهم الحسين أنه مجرد الشك، فالمرض في هذه الآية الخلاف وهو الاضطراب وضعف الإيمان، كما ذكره ابن عطية وغيره. قال ابن عاشور: " والمرض في القلوب: هو سوء النية في القرآن والرسول ﷺ ، وهؤلاء هم الذين لم يزالوا في تردد بين أن يسلموا وأن يبقوا على الشرك .. وليس المراد بالذين في قلوبهم مرض المنافقون؛ لأن المنافقين ما ظهروا إلا في المدينة بعد الهجرة والآية مكية ". (٤) والذي فهمه السلف من قوله ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أنه النفاق كالطبري (٥) والسمرقندي (٦) والبغوي (٧) وابن كثير (٨) وغيرهم. وهذا الفهم منهم هو أخص من مجرد الشك، وهذا الذي أميل إليه في تفسير الآية وعليه ففهم الحسين للآية فهمٌ خاصٌّ به.

стр. 299

سورة الإنسان قال تعالى ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] [٩٩] قال الحسين بن الفضل: (على حبِّ إطعام الطعام) (١) الكشف والبيان ١/ ١٤٣ (٢) الدراسة قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ قيل على حب الله تعالى، وجعلوا الضمير عائداً إلى الله لدلالة السياق عليه، والأظهر أن الضمير عائد على الطعام، أي: ويطعمون الطعام في حال محبتهم وشهوتهم له، قاله مجاهد ومقاتل واختاره ابن جرير (٣) كقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ... [البقرة: ١٧٧]. وكقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ٩٢] (٤) وذكر ابن عطية (٥) وأبو حيان (٦) أن الأول أمدح لهم، لأن فيه معنى الإيثار على النفس وعلى الاحتمال الثاني فقد يفعله الأغنياء أكثر وقال ابن عطية: "وقال الحسين بن الفضل: الضمير عائد على الإطعام أي محبين في فعلهم ذلك لا رياء فيه ولا تكلف " (٧) وإذا كان الأظهر عود الضمير على الطعام وهو قول الجمهور (٨) وقد دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] ثم إن الآية التي بعدها مباشرة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩] في معنى حب الله مما يجعل الأولى للطعام، وهذه لله، والتأسيس أولى من التوكيد ـ والله أعلم ـ (٩)

стр. 300

والواقع أن قول الحسين يدل على أن الضمير عائد على الطعام وهو الراجح، إلا أنه جعله على تقدير مضاف (إطعام الطعام)، وقد يكون ـ والله أعلم ـ أن هذا داخلٌ في معنى الآية فهم آثروا الطعام على حاجتهم إليه وحبهم له وهم في نفس الأمر محبون لهذا العمل الجليل الذي يدخل الجنة وهو إطعام الطعام.

стр. 301

سورة المطففين قال تعالى ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] [١٠٠] قال الحسين بن الفضل: (كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته) الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٣٧٨ (٢) الدراسة دلّت هذه الآية على أعظم نعيم، يفوز به أهل الجنة، ألا وهو رؤية الله الكريم المنان، ومسألة (رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة) من أشد المسائل على أهل البدعة والضلال وهدى الله أهل السنة والجماعة إلى الحق فأجمعوا قاطبة على إثبات رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، والأدلة على ذلك واضحة وصريحة، وقد قرِّر العلماء هذه المسألة وأوضحوا أدلتها فبينوا وأناروا الطريق لسالكيه. وأرى أن موضوع (الرؤية) أبرز من أن أظهره أو أتحدث عمَّن خالف فيه أو أحيل إلى مراجع فيه، فهو ـ والحمد لله ـ من الوضوح أوضح من أن يطال الكلام فيه. سئل الإمام مالك عن هذه الآية فقال: لمَّا حجب الله الفجار عن رؤيته دلَّ أنه ليتجلى للمؤمنين حتى يروه (٣). وقال الإمام الشافعي في قوله ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ " فلما حجبهم في السخط كان في هذا دليل على أنهم يرونه في الرِّضا ". (٤) قال الحافظ ابن كثير: "وهذا الذي قاله الشافعي ﵀ في غاية الحسن وهو استدلال بمفهوم هذه الآية، كما دل عليه منطوق قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .. " (٥) وروى ابن جرير عن الحسن قوله: يكشف الحجاب فينظر إليه المؤمنون كل يوم غُدْوة وعشية، أو كلاماً هذا معناه. وقد روي عن قتادة: هو لا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. (٦) وقال ابن جرير: " فالصواب أن يقال: " هم محجوبون عن رؤيته، وعن كرامته، إذا كان الخبر عاماً لا دلالة على خصوصه " (٧)

стр. 302

وقال النحاس في تقديرهم عن كرامة ربّهم: " وهذا خطأ على مذهب النحويين منهم الخليل (١) وسيبويه، ولا يجوز عندهما ولا عند غيرهما من النحويين: جاءني زيدٌ، بمعنى جاءني غلامه وجاءتني كرامته ". (٢) وحاصل القول أن قول الحسين ﵀ هو قولٌ صحيح وهو على مذهب أهل السنة في إثبات الرؤية لأن الله تعالى إذا حجب الكل لم يكن هذا عذاباً لهم ولكن مفهوم قوله ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أن المؤمنين غير محجوبين عن رؤيته فسيرونه حقاً ـ نسأل الله من فضله ـ قال الزجاج: " وفي هذه الآية دليل على أن الله يُرى في الآخرة لولا ذلك لما كان في هذه الآية فائدة، ولا خست منزلة الكفار بأنهم يحجبون عن الله . وقال تعالى في المؤمنين ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فأعلم الله أن المؤمنين: ينظرون إلى الله، وأن الكفار يحجبون عنه" (٣) وسبب حجبهم هذا عن رؤية ربهم أنهم حجبوا أنفسهم في الدنيا عن توحيده واتباع أنبيائه ولذا حجبوا عن رؤيته في الآخرة. قال الشيخ ابن عثيمين: " وذلك في يوم القيامة فإنهم يحجبون عن رؤية الله كما حُجبوا عن رؤية شريعته وآياته، فرأوا أنها أساطير الأولين" (٤).

стр. 303

سورة البروج قال تعالى ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] [١٠١] قال الحسين بن الفضل: (الشاهد: هذه الأمة، والمشهود: سائر الأمم بيانه: قوله سبحانه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ... [االبقرة: ١٤٣]) الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٤٣٣ (٢) الدراسة أقسم الله تعالى بالشاهد والمشهود واختلف المفسرون في معناهما على أقوال فقال عليٌّ وأبوهريرة وابن عباس ﵃ وغيرهم: الشاهد هو يوم الجمعة وقالوا المشهود هو يوم عرفة (٣)، وهذا القول هو الذي عليه الأكثرون. (٤) وقال آخرون: الشاهد: هو محمد ﷺ والمشهود هو يوم القيامة. وقال آخرون: الشاهد: الإنسان، والمشهود: يوم القيامة. وقال بعضهم: الشاهد: محمد ﷺ ، والمشهود: يوم الجمعة. وقيل: الشاهد: الله، والمشهود: يوم القيامة. وقيل: الشاهد: يوم الأضحى، والمشهود: يوم الجمعة. وقيل: الشاهد يوم الأضحى، والمشهود يوم عرفة. (٥) وبعد ما ذكر هذه الأقوال في (الشاهد والمشهود) الإمام الطبري قال: " والصواب من القول في ذلك عندنا: أن يقال: إن الله أقسم بشاهد شَهد، ومشهود شُهد، ولم يخبرنا مع إقسامه بذلك أيَّ شاهد وأيّ مشهود أراد، وكل الذي ذكرنا أن العلماء قالوا: هو المعنىّ ممّا يستحقّ أن يقال له " شاهد ومشهود " (٦). والظاهر ـ والله أعلم ـ أن الآية على العموم فشاهد ومشهود نكرتان تشملان كل ما ذُكر ويدخل في معنى الآية كذلك ما قاله الحسين بن الفضل. فقد قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ ... [النساء: ٤١].

стр. 304

وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ... [النور: ٢٤]. وحتى إنه ورد عن النبي ﷺ قال فيما رواه البخاري ومسلم (وإنَّ هذا المال خضرة حلوة، فنِعم صاحب المسلم ما أعطي منه المسكين واليتيم وابن السبيل) أو كما قال النبي ﷺ (وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيداً عليه يوم القيامة). (١) وهناك من الشهادات ما يدخل في المعنى أيضاً كشهادة الشجر والحجر وغيرهما للمؤذن ممَّا يسمعه وشهادة الأرض على الإنسان بما عمل المشار إليه في قوله تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] وشهادة القرآن لصاحبه وغير ذلك مما يدخل في المعنى وكله واقعٌ بالفعل.

стр. 305

سورة الفجر قال تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] [١٠٢] قال الحسين بن الفضل: (الشفع: درجات الجنة، لأنها ثمان، والوتر دركات النار، لأنها سبع، كأنّ الله تعالى أقسم بالجنة والنار) . الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٥٣٢ (٢) الدراسة ذُكر في معنى الشفع والوتر أقوالٌ كثيرة جداً حتى قال الزمخشري: " وقد أكثروا في الشفع والوتر حتى كادوا يستوعبون أجناس ما يقعان فيه، وذلك قليل الطائل جدير بالتلهي عنه". (٣) وذكر فيها ابن جرير في تفسيره نحواً من أربعة أقوال: ١ - الشفع: يوم النحر، والوتر، يوم عرفة. ٢ - الشفع: اليومان بعد النحر، والوتر: اليوم الثالث. ٣ - ... الصلاة المكتوبة منها الشفع كصلاة الفجر والظهر، ومنها الوتر كصلاة المغرب. ٤ - الشفع: الخلق كله والوتر: الله. (٤) ورجح الأخير الشنقيطي ودللَّ لذلك. (٥) ولم يجزم الطبري بواحد منها وقال: " إن الله ـ تعالى ذكره ـ أقسم بالشفع والوتر، ولم يخصص نوعاً من الشفع ولا من الوتر دون نوع بخبر ولا عقل، وكل شفع ووتر فهو مما أقسم به مما قال أهل التأويل إنه داخل في قسمه هذا، لعموم قسمه بذلك ". (٦) أما عن قول الحسين بن الفضل فلعل الصحيح هو ما نقله ابن عطية عنه حيث نسب إليه قوله " الشفع أبواب الجنة لأنها ثمانية أبواب، والوتر أبواب النار لأنها سبعة أبواب ". (٧) ففي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ قال: " ما منكم من أحد يتوضأ فيُبلغ ـ أو فيُسبغُ ـ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء ". (٨)

стр. 306

وقال تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ [الحجر: ٤٤]، و هكذا فعدد أبواب الجنة ثمانية ثابت في السنة وعدد أبواب النار سبعة ثابت في النص القرآني الكريم. وأما عن الدرجات فالمعلوم بالنص أنها مائة درجة فقد روى البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ قال: " إن في الجنة مائة درجة أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدَّرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنَّه أوسط الجنة، وأعلى الجنة وفوقه عرش الرَّحمن ومنه تفجَّرُ أنهار الجنة " (١) وروي أن رسول الله ﷺ قال: " في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مائة عام" (٢). فلا أعلم أن درجات الجنة ثمانية أو أبواب النار سبعة ولذ قلت لعل الصحيح ما نقله عنه ابن عطية، وأقول: إن كان مقصده هو أبواب الجنة وأبواب النار فكأنه أقسم بالجنة والنار فمقالته تلك قد تدخل في معنى الآية، خصوصاً وأن القسم بالشفع والوتر مطلق لم يحدَّد بنوع من الشفع أو الوتر يصدق عليه أنه شفع أو وتر فهو داخل في عموم هذين اللفظين. وعلى هذا يكون قول الحسين في الآية قولاً صحيحاً ـ والله أعلم ـ.

стр. 307

سورة الشرح قال تعالى ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] [١٠٣] قال الحسين ابن الفضل: (يعني الخطأ والسهو) . الكشف والبيان للثعلبي (١) / ١٣٤ (٢) الدراسة الوزر: الحِمْلُ الثقيل من الإثم، وقد وَزَرَ يَزِر، وهو: وازر، والمفعول: موزور. والوزير: الذي يسْتَوْزِره الملكُ، فيَستعينُ برأيه، وحالته: الوزارة. وأوزار الحرب: آلتها، لا تُفرد، ولو أفْرِد لقيل وِزْر، لأن يرجع إلى الحمل الثقيل (٣). وقال مجاهد (٤) وقتادة وابن زيد والحسين وجمهور المفسرين: الوزر هنا، الذنوب (٥). وقد أُفرد هنا وأُطلق ولم يُبيَّن ما هو نوعه، فاختلف فيه المفسرون: فقال: قتادة: كانت للنبي ﷺ ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. وقال الضحاك: يعني الشرك الذي كان فيه. قال الفراء: " يقول: إثم الجاهلية " (٦). وقال القرطبي: " أي وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية، لأنه كان ﷺ في كثير من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنماً ولا وثناً " (٧) وقال ابن جرير: " وغفرنا لك ما سلف من ذنوبك، وحططنا عنك ثقل أيام الجاهلية التي كنت فيها (٨). وقال الزجاج: " أي وضعنا عنك إثمك أن غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر " (٩) وهذا قول مجمل. وذكر البغوي (١٠) وابن كثير (١١) في تفسيرهما أن قوله تعالى ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ هي كقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] قال أبو حيان في قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾: "كناية عن عصمته من الذنوب وتطهيره من الأدناس " (١٢).

стр. 308

وذهب قوم إلى أن هذا تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها، سهل الله ذلك عليه حتى تيسرت له (١). وأجاب الحسين بأنه الخطأ والسهو (٢)، ولعل مقالته تلك صدرت بسبب المبالغة في تنزيهه ﷺ ـ والله أعلم ـ. وهذه مسألة لها تعلق بمسألة عصمة الأنبياء، والمعروف عن أهل السنة والجماعة أنهم يقولون بعصمة الأنبياء من كل ما ينافي الرسالة كالكذب، والخيانة، والشرك .. وأما الذنوب فإنها يجوز وقوعها ولكن لا يُقَرُّون عليها بل يُوفَّقون للتوبة، ويكون حالهم بعد التوبة أكمل من حالهم قبلها، وكأن الحسين لا يرى ذلك، فالأصل أن الوزر هو الذنب والإثم وحمله هو على الخطأ والنسيان، وهذا لا إثم فيه ولا وزر، وهذا ليس بصريح من كلام الحسين بن الفضل. والآية واضحة الدلالة في أن الله تعالى غفر للنبي ﷺ وزره وخطيئته حتى بقي مغفوراً له، فمغفرة الذنوب المتقدمة والمتأخرة ثابتة بهذا النص وغيره قال تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وهذا من خصائص الرسول ﷺ فلا أحد من الناس يغفر له ما تقدم وما تأخر إلا رسول الله محمد ﷺ .

стр. 309

سورة التكاثر قال تعالى ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] [١٠٤] قال الحسين بن الفضل: (تخفيف الشرائع وتيسير القرآن) . الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٣٨٤ (٢) الدراسة النعمة هي الحالة الحسنة (٣) والنعماء اسم النعمة، والنعيم: الخفضُ والدَّعة. (٤) والنعيم: النعمة الكثيرة (٥). وأطلق النعيم المسؤول عنه في الآية ولم يحدده تعالى فاختلف فيه على أقوال كثيرة. (٦) منها ما ذكره الطبري (٧): ١/ الأمن والصحة، روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ (نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ) (٨) ٢/ الإدراك بحواس السمع والبصر، قال تعالى ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]. ٣/ العافية. ٤/ بعض ما يطعمه الإنسان أو يشربه. عن أبي هريرة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: (ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة) قالا: الجوع، يا رسول الله قال: (وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، قوموا) فقاموا معه، فأتى رجلاً من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة، قالت: مرحباً وأهلاً؛ فقال لها رسول الله ﷺ : أين فلان قالت: ذهب يستعذبُ لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه ثم قال: الحمد لله، ما أحد اليوم أكرم أضيافاً منِّي، فانطلق فجاءهم بعذق، فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذه وأخذ المُدْية، فقال له رسول الله ﷺ : (إياك والحلوب).

стр. 310

فذبح لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربُوا، فلما أن شبعوا ورووا، قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: (والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم) (١) ٥/ كل شيءٍ من لذة الدنيا وهو قول مجاهد. ولعل هذا الأخير هو أشملها. ثم ذكر الطبري أن الله أخبر أنه سائل هؤلاء القوم عن النعيم دون تخصيص في خبره نوع من النعيم دون نوع، بل عمَّ الخبر في ذلك عن الجميع فهو سائلهم كما قال عن جميع النعيم، لا عن بعض دون بعض. (٢) وقال النحاس: " وظاهر الكلام يدل على أنه عام، وأن الإنسان مسؤول عن كل نعيم تنعَّم به في الدنيا من أين اكتسبه؟ وما قصد به؟ وهل فَعَلَ ما غيره أولى منه؟ .. " (٣) وأمَّا عمَّن يُسأل ـ والعلم عند الله ـ أن الكل يُسأل (المؤمن والكافر) فسؤال الكافر سؤال توبيخ وسؤال المؤمن سؤال إكرام وتشريف (٤) قال القرطبي: " قلتُ: هذا القول حسن " (٥) والشاهد في هذه الآية هو ما قاله الحسين فإنه يدخل في النعيم نعمة التشريع والتخفيف عمَّا كان على الأمم الماضية، وفي مقدمة النعم نعمة الإسلام ومصدرها القرآن وتيسيره من أجلِّ النعم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ... [الحج: ٤٨] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] والقرآن من النعم التي سيسأل عنها العبد قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. والظاهر أنَّ النعيم عامٌّ، وما ذُكر من الأقوال فهي أمثلة لنوعٍ من النعيم، ومن ثَمَّ يكون قول الحسين مثالاً من أفراد هذا العموم.

стр. 311

وإذا كان الظاهر في الآية أنها على العموم فهي تتضمن قول الحسين، ولعل الأقوال المتقدمة أوضح في المعنى ـ والله تعالى أعلم ـ قال القرطبي: " والأقوال المتقدمة أظهر ـ والله أعلم ـ " (١).

стр. 312

سورة الكوثر قال تعالى ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] [١٠٥] قال الحسين بن الفضل: (الكوثر شيئان: تيسير القرآن، وتخفيف الشرائع). الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٤٤٣ (٢) الدراسة اختلف أهل التأويل في الكوثر، فقيل علمٌ على نهر في الجنة أعطاه الله لنبيه محمد ﷺ روى البخاري قول النبي ﷺ (أتيتُ على نهر حافَّتاه قباب اللؤلؤ مجوَّف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر). (٣) وقيل هو حوض النبي ﷺ روى الإمام مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قوله: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسماً فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: (أُنزلت علي آنفاً سورة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٢)﴾ ثم قال: (أتدرون ما الكوثر؟) فقلنا الله ورسوله أعلم قال: (فإنَّه نهرٌ وعدنيه ربِّي عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيُخْتَلج (٤) العبد منهم، فأقول: ربِّ إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدثوا بعدك) (٥). وقال ابن عباس في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه (٦) وقيل لسعيد بن جبير فإن الناس يزعمون أنه نهرٌ في الجنة؟ فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه. (٧) وعلى هذا فالكوثر وصفٌ، وهو الخير الكثير، ومن جملته النهر الذي أعطيه النبي ﷺ . قال عكرمة: الخير الذي أعطاه الله: النبوة والإسلام وروى عنه قوله في الكوثر: ما أعطي النبي من الخير: النبوة والقرآن (٨).

стр. 313

وقال الحسن هو القرآن (١)، وقيلت أقوالٌ كثيرة غير ذلك. (٢) قال الخليل بن أحمد: " والكوثر نهر في الجنة يتشعبُ منه أكثر أنهار الجنة " .. ويقال: بل الكوثر: الخير الكثير الذي أعطاه الله النبي ﷺ " (٣) وقال الزجاج: " وقال أهل اللغة: الكوثر فوعل من الكثرة، ومعناه الخير الكثير، وجميع ما جاء في تفسير هذا قد أعطيه النَّبيُّ ﵇، قد أعطي الإسلام والنبوة وإظهار الدين الذي أتى به على كلِّ دين، والنصر على عدوه والشفاعة ومالا يحصى ممّا أعطيه، وقد أعطي الجنة على قدر فضله على أهل الجنة " (٤) ورجح الطبري أنه اسم النهر الذي أعطيه رسول الله ﷺ في الجنة، وصفه الله بالكثرة، لعظم قدره، ودلَّل على ذلك (٥). وقال البغوي: " والمعروف أنه نهر في الجنة أعطاه الله رسوله ﷺ كما جاء في الحديث ". (٦) وقال القرطبي: " قلتُ: أصح هذه الأقوال الأول والثاني، لأنه ثابت عن النبي ﷺ نص في الكوثر، ... وجميع ما قيل بعد ذلك في تفسيره قد أعطيه رسول الله ﷺ زيادة على حوضه ﷺ تسليماً كثيراً " (٧) وقال أبو حيان: " وينبغي حمل هذه الأقوال على التمثيل لا أن الكوثر منحصر في واحد منها ". (٨) قال ابن تيمية " وقوله تعالى ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ تدل هذه الآية على عطية كثيرة صادرة عن معط كبير غني واسع " إلى أن قال: " وحذف موصوف الكوثر ليكون أبلغ في العموم، لما فيه من عدم التعيين، وأتى بالصفة أي أنه قال ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ فوصفه بالكوثر، والكوثر المعروف إنما هو نهر في الجنة كما وردت به الأحاديث الصحيحة الصريحة، وقال ابن عباس: الكوثر إنما هو من الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه، وإذا كان أقل أهل الجنة من له فيها مثل الدنيا عشر مرات، فما الظن بما لرسول الله ﷺ مما أعده الله له فيها، فالكوثر علامة وأمارة على تعدد ما أعده الله له من الخيرات واتصالها وزيادتها أو سمو المنزلة وارتفاعها، وإن ذلك النهر وهو الكوثر أعظم أنهار الجنة وأطيبها ماء، وأعذبها، وأحلاها وأعلاها". (٩)

стр. 314

والذي تطمئن إليه النفس أن الكوثر، هو الخير الكثير ولا شكَّ في كون النهر والحوض من جملته بل إنهما من أولى ما يدخل فيه ـ والعلم عن الله تعالى ـ. وبالنسبة لقول الحسين فقد مرَّ معنَا في سورة التكاثر قوله في النعيم أنه (تخفيف الشرائع وتيسر القرآن) والنعيم من الخير الذي يعطيه الله العبد. فكأني أراه جعل تخفيف الشرائع وتيسير القرآن نعمة على الأمة وعلى النبي خاصة كذلك وهذا صحيح ولكن أن يكون المقصود من الآية فلا أظن، وأستطيع أن أقول: إنه من الخير الذي أُعطيَهُ رسول الله ﷺ بل إن القرآن الكريم من أعظم الخير الذي أوتيه ﷺ وقد قال تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقال تعالى ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقال ﷺ (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) (١) و في رواية مسلم إن الله تعالى قال: (قد فعلت) (٢).

стр. 315

سورة الإخلاص قال تعالى ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] [١٠٦] قال الحسين بن الفضل: (هو الأزليُّ بلا ابتداء) . الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٥٦٥. [١٠٧] وقال أيضاً (هو الذي يحكم ما يريد ويفعل ما يشاء، ولا معقب لحكمه، ولا رادّ لقضائه) الكشف والبيان للثعلبي (٢) / ٥٦٦ (٣). الدراسة قال الجوهري: " الصمد: المكان المرتفع الغليظ .. والمصمد: لغة في المصمت، وهو الذي لا جَوف له. والصِّماد: عِفاصُ القارورة. وصَمَدَه يَصْمُدُه صَمْدَاً، أي قصَده والصمد: السيِّد، لأنه يُصْمَدُ إليه في الحوائج .. " (٤). قال أبو عبيدة: " هو الذي يُصْمَد إليه، ليس فوقه أحد والعرب كذلك تسمِّي أشرافها " (٥). وقال البخاري: " والعرب تُسَمِّي أشْرافها الصمد ". (٦) وذكر ابن جرير في معنى الصمد أقوالاً عدة (٧): فعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما: الذي ليس بأجوف، وقال الشعبي: الذي لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب. وقال عكرمة: الذي لم يخرج منه شيء. وقال أبو العالية: الذي لم يلد (٨) ولم يولد لأنه ليس شيء يلد إلا سيورث ولاشيء يولد إلا سيموت، فأخبرهم تعالى ذكره أنه لا يورث ولا يموت. وقال آخرون: هو السيد الذي قد انتهى سؤدده. قال ابن عباس: في قوله (الصمد) السيد الذي قد كمُل سُؤدَده، والشريف الذي قد كمُل في شرفه، والعظيم الذي قد عظُم في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد وهو الله سبحانه هذه صفته، لا تنبغي إلا له (٩)

стр. 316

وقال الحسن وقتادة: الباقي بعد خلقه. وروي عن قتادة: الدائم. (١) وذهب الطبري إلى انه السيد الذي يُصْمَدُ إليه، الذي لا أحد فوقه. (٢) وقال الزجاج " وتفسير السيد الذي ينتهي إليه السؤدد .. وقيل الصمد الذي لا جوف له، وقيل الصمد الذي صَمَدَ له كلُّ شيء والذي خلق الأشياء كلها، لا يستغني عنه شيء وكلُّها تدل على وحدانيته وهذه الصفات كلها يجوز أن تكون لله " (٣). وقال في (تفسير الأسماء): " قد مرَّ في كتاب التفسير جميع ما فيه مما جاء به الأثر وأصحُّه أنه السيد المصمود إليه في الحوائج ". (٤) وقال الخطابي: " الصمد هو السيِّد، الذي يُصمد إليه في الأمور، ويقصد في الحوائج والنوازل، وأصل الصمد: القصد، يقال للرجل اصمد صَمْد فلان، أي: اقصد قَصْده، وجاء في التفسير: أن (الصمد) الذي قد انتهى سؤدده، وقيل الصمد: الدائم، وقيل: " الباقي بعد فناء الخلق، وأصح هذه الوجوه ما شهد له معنى الاشتقاق ـ والله أعلم ـ " (٥). وذهب القرطبي (٦) وابن عطية (٧) وغيرهما إلى أن الصحيح هو ما ذهب إليه الزجاج وغيره. بل أطبق عليه أهل اللغة وجمهور أهل التفسير. (٨) قال ابن تيمية في تفسير (الصمد): " والاسم (الصمد) فيه للسلف أقوال متعددة قد يُظن أنها مختلفة وليس كذلك، بل كلها صواب. والمشهور منها قولان: أحدهما: أن الصمد هو الذي لا جوف له. والثاني: أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج، والأول هو قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين وطائفة من أهل اللغة، والثاني قول طائفة من السلف والخلف، وجمهور اللُّغويين، .. " (٩). قال ابن كثير: " وقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني في كتاب (السنة) له بعد إيراده كثيراً من هذه الأقوال في تفسير الصمد: وكلُّ هذه صحيحةٌ وهي صفات ربنا هو الذي يصمد إليه في الحوائج وهو الذي قد انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه .. " (١٠)

стр. 317

وإن كان الأمر كذلك فقول الحسين الأول يقرب من قول قتادة (الدائم) والثاني صحيح في نفسه بلا شك وهو من لوازم معنى الصمَّد، لكن كونه تفسيراً للصمد فلعلَّ هذا لا يدل عليه معنى (الصمد) لغة إلا أنه من صفات ذلك الإله الذي يُصْمَدُ إليه في الحوائج وهو متعلق بقول ابن عباس (السيد الذي قد كمل في سُؤدده، والشريف .. ) ـ والله أعلم ـ.

стр. 318

سورة الفلق قال تعالى ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥] [١٠٨] قال الحسين بن الفضل: (جمع الله الشرور في هذه السورة وختمها بالحسد ليُعلم أنَّه أخسُّ الطبائع) . الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٥٨٩ (٢) الدراسة أمر الله تعالى نبيه بأن يستعيذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر الليل إذا دخل ومن شر السواحر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد، والحسد هو: تمنِّي زوال نعمة من مستحقٍّ لها. وربما كان مع ذلك سعيٌ في إزالتها (٣) وذكر القرطبي أنه تمنَّى زوال نعمة المحسود وإن لم يصر للحاسد مثلها. (٤) وقد ذكر الله تعالى في هذه السورة العظيمة أنواع الشرور عموماً، ثمَّ خصَّ الليل إذا دخل وغشى الدنيا بظلامه، والسحر الخفي الذي لا يُعلم، والحاسد إذا حسد والعائن كذلك يعين في خفاء مع أن هذه الثلاثة داخلة في قوله تعالى ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾. قال الزمخشري: في قوله ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ "تعميمٌ، أي كلُّ ما يستعاذ منه، فما معنى الاستعاذة بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد؟ قلتُ: قد خص شر هؤلاء من كل شر لخفاء أمره، وأنه يلحق الإنسان من حيث لا يعلم، كأنما يغتال به" (٥). وقال القرطبي: "هذه سورة دالةٌ على أن الله سبحانه خالق كل شر، وأمر نبيه ﷺ أن يتعوَّذ من جميع الشرور، فقال ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ وجعل خاتمة ذلك الحسد، تنبيهاً على عظمه، وكثرة ضرره، والحاسد عدوُّ نعمة الله " (٦). قال الشوكاني: " ذكر الله سبحانه في هذه السورة إرشاد رسوله ﷺ إلى الاستعاذة من شر كل مخلوقاته على العموم، ثم ذكر بعض الشرور على الخصوص مع اندراجه تحت العموم لزيادة شره ومزيد ضره، وهو الفاسق والنفاثات والحاسد، فكان هؤلاء لما فيهم من مزيد الشر حقيقون بإفراد كل واحد منهم بالذكر " (٧). والحسد هو شرٌ مذموم، وهو من أقبح الصفات وأول ذنب عصي الله به، قال القرطبيُّ: " والحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، وأول ذنب عُصىَ به في الأرض، فحسد إبليسُ آدمَ وحسد قابيلُ هابيلَ، و الحاسد ممقوت مبغوض مطرود ملعون ". (٨)

стр. 319

وتأمل ما الذى جرّه الحسد على إبليس. وأخيراً: أذكرُ أن قول الحسين في هذه السورة قول طيب واستنباط رائق، وقد أصاب وأجاد فيما ذكره ـ والله تعالى أعلى وأعلم ـ.

стр. 320

الخاتمة الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصَّالحات والصَّلاة والسَّلام على النَّبيِّ المصطفى المرسل رحمةً للعالمين وخاتم النّبيِّين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فقياماً بالواجب العلمي الذي تصديت له فتحمَّلتُه، حاولتُ بقدر الاستطاعة جمع ودراسة أقوال الحسين بن الفضل في التفسير. وكان من أهم نتائج هذا البحث الأمور التالية: • أن الحسين بن الفضل ﵀ عاش في عصر اتسم بالتفكك والاضطراب من الناحية السياسية والاجتماعية، أما من الناحية العلمية فقد كان عصراً مزدهراً بالعلم والعلماء وخاصة في موطنه (نيسابور) حيث العلماء متوافرون، والمدارس منتشرة، والمساجد تغص بحِلق العلم، حتى كانت نيسابور تُقْصد لطلب العلم مما كان له أكبر الأثر على الحسين بن الفضل، ولعله كان من ثمرات تلك الحركة العلمية المزدهرة مؤلفٌ خاصٌّ في المعاني للحسين بن الفضل. • ... من المعلوم أن الحسين بن الفضل عاصر علماءً أفذاذاً كباراً في اللغة، وغيرها، مما كان له الأثر البالغ في بلوغه شأواً عظيماً في العلم. • يتضح وبجلاء أنه أبحر في علم المعاني إلى حدٍّ أصبح فيه كالملهم، وتجد هذا في ثناء الأئمة عليه. • ... مما جعل لتفسيره مكانة رفيعة يُحتاج إلى فهمها، إلا أنه وللأسف لم يصل كاملاً. ويبقى أن الله كتب على البشر النقص مهما بلغوا من المكانة والرفعة في العلم. فالحسين ﵀ والذي كانت عنايته باللغة لها النصيب الأكبر في ـ تفسيراته السابقة ـ قد يتوسع بالتفسير فيها وبأساليبها مما كان له الأثر الواضح في تحميل بعض آيات الله ما لا تحتمل، وتكليفها ما معناها غنيٌّ عنه، كإضمار محذوف، أو تقديم مؤخر أو العكس، وأهم من ذلك عدم التزامه بالمعتقد الصحيح لأهل السنة في بعض تفسيراته لبعض الآيات التي تمس العقيدة، وغير ذلك من التفسيرات الغريبة. • وُجد عنده فيما وصلنا شيء من التفسير بالمأثور، ولو أنه ذكر حديثاً قد يكون لا يصح عن المصطفى ﷺ وآخر لم يثبت رفعه إليه ﵊. • لا يخفى على المطلع على أقواله ندرة استشهاده بأقوال الصحابة والتابعين. • على حسب اطلاعي رأيت أن أول ناقل عنه هو الثعلبي وكأنه ينقل عن كتبه. • أكثر بعضُ المفسرين كالثعلبي والبغوي والقرطبي وغيرهم من نقل أقواله في كتبهم إلا أنني لم أجد تلك العناية اللائقة بخدمة تفسيرات الحسين من قبَل كثير من العلماء.
следующие страницы →