← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 715

المقدمة في الأصول - ابن القصار - ت السليماني

ابن القصار

Полный текст (194 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

باب الكلام في وجوب أدلة السمع قال اقاضي ﵀: قد بينا قول مالك ﵀ في بطلان التقليد، ووجوب الرجوع إلى الأصول ومعانيها، فمن الأصول السمعية عند مالك: الكتاب، والسنة، والإجماع، والاستدلالات منها والقياس عليها.

стр. 37

فصل في الكتاب وكتاب الله هو الذي كما وصفه الله تعالى فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ ـ ٤٢]. وقال تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢]. وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٧ ـ ١٨]. وقال : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. أي معاونا.

стр. 38

فقطع عذر الخلق به وبإعجازه، وظهر عجزهم على أن يأتوا بسورة من مثله، فثبتت آياته، ولزمت حجته.

стр. 39

فصل في السنة وأم سنة الرسول ﷺ ، فأصل ذلك في كتاب الله ، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]. وقال : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢]. وقال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ... ﴾ إلى قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الآية [النور: ٦٣]. وقال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. وقال : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]

стр. 40

وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ... ﴾ إلى قوله ﴿تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. فأوجب الله علينا طاعة رسوله، كما أوجب علينا طاعة نفسه سبحانه، وقرن طاعته بطاعته، وامر بأخذ ما أتى به، والانتهاء عما نهى عنه. وأخبر أنه ولَاّه بيان ما أنزل إليه فقال : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]. وقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ ـ ٤]. إلى آيات كثيرة تدلعلى وجوب السنة كوجوب الكتاب.

стр. 41

فصل في الإجماع وأما الإجماع فأصله في كتاب الله أيضا، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]

стр. 42

وقال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣]. فأمر تعالى باتباع سبيل المؤمنين، وحذر من ترك اتباعهم، كما حذر من ترك اتباع الرسول ﷺ ، وأمر بطاعة أولي الأمر منهم وجعلها مقرونة بطاعة الله رسوله ﵇.

стр. 43

فقيل في أولي الأمر منهم: إنهم العلماء. وقيل: أمراء السرايا، وهو من العلماء أيضا. فيحتمل أن تكون الآية عامة في العلماء وأمراء السرايا، على أن

стр. 44

أمراء السرايا من جملة العلماء؛ لأنه لم يكن يولي عليهم إلا علماء الصحابة وفقهاؤهم، فأمر الله تعالى يالرد إليهم واتباع سبيلهم فصح أنهم حجة لا يجوز خلافهم. فهذه أصول السمع، وأصلها كلها في الكتاب كما رأيت، وهي كلها مضافة إلى بيان الكتاب لقوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى﴾ [النحل:٨٩]. وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وعلى هذا إضافة ما جمع عليه مما لا يوجد له في الكتاب نص ولا في السنة ذكر؛ لأن الكتاب أمر بقبول ذلك كله، فوجبت حجة جميعه، وهكذا تقليد من لزم تقليده من أولى الأمر وهو العلماء كما ذكرنا.

стр. 45

فصل في الاستدلال والقياس ثم دل الكتاب على الاستنباط والاستدلال في غير موضع، قال الله : ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢]. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٨]

стр. 46

فكان في ذلك دليل على الانتزاع من الأصول، وألحاق المسكوت عنه بالمذكور على وجه الاعتبار، وهذا هو باب القياس والاجتهاد، وأَصْله في الكتاب، وهو أيضا مضاف إلى بيانه. وليس شيء من الأحكام يخرج عن الكتاب نصا، وعن السنة والاجماع والقياس، وقد انطوى تحت بيان الكتاب ذلك كله، وفي ذلك بيان معنى قوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى﴾ [النحل:٨٩]. وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وقوله: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس:٥٧]. والله أعلم.

стр. 47

فصل في القياس ومذهب مالك ﵀ القول بالقياس، وقد بينا الحجة له. والدليل أيضا على صحة القياس، وهو إجماع الصحابة ﵃ على تسويغ بعضهم لبعض القول بالقياس والاستعمال له في الحوادث، حتى أن بعضهم شبه بالشجرة، وبعضهم شبه بالنهر في مسائل الجد والإخوة، ويقول ابن عباس؛ ((لو لم يعتبر الإنسان

стр. 48

في العقل إلا بالأصابع)) وغيرذلك مما يطول ذكره مما هو مشهور عنهم، ولم ينكر أحد منهم على الآخر ما ذهب إليه من جهة القياس، فدل على إجماعهم على القول بالقياس وعلى صحته وأنه مما يتوصل به إلى علم الحوادث مع ما ذكرناه من دلائل الكتاب والسنة والاجماع على صحته ووجوب القول به، وبالله التوفيق.

стр. 49

باب القول في الخصوص والعموم قال اقاضي ﵀: من مذهب مالك ﵀ القول بالعموم، وقد نص عليه في كتابه في مسائله، حيث يقول محتجا لإيجابه اللعان بين كل زوجين لعموم إيجاب الله ذلك بين الأزواج. وكذلك قال وقد سئل عن عدة الصغيرة من الوفاة، واحتج بقوله

стр. 50

تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٣٢]. وقد احتج لقوله: إن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد سواء كان جامعا أو غيره بقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. قا لمالك: ((فعم الله الله سبحانه المساجد كلها ولم يخص مسجدا من مسجد)). وحكم هذا الباب عنده أن الخطاب إذا ورد باللفظ العام نظر، فإن وجد دليل يخص اللفظ كان اللفظ كان مقصورا عليه، وإن لم يوجد دليل يخصه أجري الكلام على عمومه.

стр. 51

ووجه ذلك: أن فطرة اللسان في العام الذي وصفته، احتمال الخصوص، إذ لم يكن محتملا لذلك لكانت عينه توجب أن يجري حكمه على جميع ما اشتمل عليه، ولو كانت عينه توجب ذلك لم يجز أن يوجد في الخطاب لفظ عام اريد به الخصوص، ولا جاز أن يقوم دليل على خصوص لفظ عام، وفي وجونا الأمر بخلاف ذلك دليل على أن عين اللفظ لا يوجب العموم، وإذا كان ذلك كذلك علم احتماله، ومتى علم أنه محتمل لم يجز الإقدام على الحكم به دون البحث والنظر في المراد به والمعنى الذي يخرج عليه؛ لأن الله عز وجل

стр. 52

أمرنا باتباع كتابه وسنة رسوله ﵇، والاعتبار بهما والرد إليهما، وذلك كله كالآية الواحدة فلا يجوز ترك شيء من ذلك مع القدرة عليه. وإذا لم يجز ذلك وجب أن ننظر ولا نهجم بالتنفيذ قبل التأمل، كما لا نبادر في الكلام التصل إلى أن ينتهى على آخره فننظر هل يتبعه استثناء ام لا؟. وكذلك الكتاب والسنة والأصول كلها كالآية الواحدة، ولا يجوز أن نبادر إلى التنفيذ حتى نتدبر وننظر، فإن وجدنا دليلا يخص حملنا الخطاب عليه، وإن لم نجد فقد حصل الأمر، والمراد به التنفيذ، وإنما جعلت الأسماء دلائل على المسميات، وقد ورد اللفظ مشتملا

стр. 53

على مسميات فليس بعضها أولى من بعض فيقدم عليه، فهو على عمومه، والحكم جار على جميع ما انطوى عليه؛ لأن قضية العقول: أن كل متساويين فحكمها واحد من حيث تساويا إلا بأن يخص أحدهما بمعنى يوجب غفراده عن صاحبه، فإذا عدم دليل الإفراد فلا حكم إلا التسوية، إذ ليس أحدهما أولى من الآخر، وإذا كان هذا، صح ما قلناه في العموم والخصوص، وبالله التوفيق.

стр. 54

باب الكلام في الأوامر والنواهي عند مالك ﵀ أن الأوامر على الوجوب إذا وردت

стр. 55

من مفروض الطاعة. وقد احتج ـ حيث سئل عن تتميم ما يدخل فيه من القرب ـ بقوله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وبقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]

стр. 56

والدليل على صحة ذلك: هو أن المفروض الطاعة اذا قال لمن تلزمه طاعته: ((افعل)) لم يعقل منه ((لا تفعل)) ولا ما في معناه ولا ((توقف)) ولا ما في معناه، ولا ((أنت مخير)) ولا في ما معناه، فلم يبق إلا إيجاب الفعل وإنجازه من المأمور به فدل على أن الأوامر على الوجوب إذا تجردت عن القرائن التي تدل على الندب وغيره، والله أعلم.

стр. 57

باب القول في أفعال النبي ﷺ - ومذهب مالك ﵀ أن أفعال النبي ﷺ على

стр. 58

الوجوب، وقد قال في مواضع كثيرة محتجا بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. وسواء كان ذلك حظرا أو إباحة، حتى يتبين أنه ﵇ مخصوص بذلك دوننا. وقد أسقط مالك ﵁ زكاة الخضروات اقتداء بأنها لم يأخذها النبي ﷺ ، فدل على أن أفعاله ﷺ عنده على الوجوب.

стр. 59

وقال الله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] والأمر على الوجوب، فوجب اتباعه ﵇ في قوله وفعله. وكذلك قال عمر ﵁ لما قبل الحجر: ((لإني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولكني رأيت رسول الله ﷺ قبلك)). وكذلك خلعت الصحابة ﵃ نعالهم لدخول الكعبة وقالوا: ((رأينا رسول الله ﷺ خلع نعليه لدخولها)).

стр. 60

فدل على ان أفعاله ﷺ كانت عندهم على الوجوب إلا أن يقوم دليل الخصوص، والله أعلم.

стр. 61

باب الكلام في الأخبار والقول في خبر التواتر ومذهب مالك ﵀ قبول الخبر الذي قد اشتهر واستغني عن ذكر عدد ناقليه لكثرتهم، كمواقيت الصلاة، وأركان الحج التي لا يتم إلا بها، وتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وأشباه ذلك من الشرائع التي تواترت الأخبار بها عن رسول الله ﷺ . وهذا هو الخبر المتواتر الذي يوجب العلم، ويقطع العذر، ويشهد على مخبره بالصدق، ويرتفع معه الريب، وهذا مما لا خلاف فيه بين فقهاء الأمصار وسائر الأمة، ولا ينكره إلا من خرج عن الجماعة، ومرق من الدين، وخالف ما عليه جميع المسلمين. ولأن بمثله تعرف أخبار الأنبياء والرسل والممالك والدول والأيام والأسلاف، وما لم نشاهد من البلدان مثل: الصين، وخرسان. فمن

стр. 62

أنكر ذلك لزمه أن يتوقف عن معرفة هذه الأشياء، ومن توقف عن هذا بان عوار مذهبه، وقبح طريقته، وعناده ومكابرته، وخروجه عما عليه جميع العقلاء، وكفى بهذا بطلانا وفسادا، وبالله التوفيق.

стр. 63

باب القول في خبر الواحد العدل ومذهب مالك ﵀ قبول خبر الواحد العدل وأنه يوجب العمل دون القطع على غيبه، وبه قال جميع الفقهاء. وقد احتج مالك لذلك في المتبايعين بالخيار ما لم

стр. 64

يفترقا، وكذلك في غسل الإناء من ولوغ الكلب، وفي مواضع كثيرة. والدليل على وجوب العمل به قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦]. فدل على أن العدل لا يتثبت في خبره، إذ لو كان الفاسق والعدل سواء، لم يكن لتخصيص الفاسق بالذكر فائدة.

стр. 65

وإنما لم يقطع على غيبه؛ العلم لا يحصل من جهته، إذ لم كان يحصل من جهته العلم لوجب أن يستوي فيه كل من سمعه كما يستوون في العلم بمخبر خبر التواتر، فلما كنا نجد أنفسنا غير عالمين بصحة مخبره، دل على أنه لا يقطع على مغيبه، وأنه بخلاف خبر التواتر، فصار خبر الواحد بمنزلة الشاهد الذي قد أمرنا بقبول شهادته، وإن كنا لا نقطع على صدقه. فإن قيل بأن في سياق الآية ما يوجب التوقف عن خبره، وهو قوله : ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات:٦] والجهالة قد تدخل في خبر العدل من حيث كان خبره لا يقطع على مغيبه، من حيث كان السهو والغلط والكذب جائزا عليه. قيل: الجهالة في هذا الموضع هي السفاهة، وفعل ما لا يجوز فعله مما يقع التوبيخ والذم عليه، وقد جاز التوبيخ على الجهل في بعض المواضع ولو كانت الجاهلة لا تكون إلا بمعنى الغلط، لقبح الذم والتوبيخ على فعلها. والدليل على صحة هذا التأويل قوله : ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦]. والندم إنما يكون على ارتكاب المنهي عنه.

стр. 66

والدليل أيضا على ذلك هو أنه لوكانت العلة في وجوب التوقف عنه في الجهل لخبره لم يجز قبول خبر الشاهدين لهذه العلة، فلما أجاز الله سبحانه ذلك وأمر بقبوله، دل على فساد قول من رد خبر الواحد بذلك، والله أعلم.

стр. 67

باب القول في الخبر المرسل ومذهب مالك ﵀ قبول الخبر المرسل إذا كان مرسله عدلا عارفا بما أرسل، كما يقبل المسند

стр. 68

وقد احتج به في مواضع كثيرة حيث أرسل الخبر في اليمين مع الشاهد وعمل به. وكذلك أرسل الحديث في الشفعة للشريك وعمل به.

стр. 69

وكذلك أرسل الخبر في ناقة البراء وسائر جنايات المواشي، وعمل بذلك. والحجة له قول: أن المرسل إذا كان عدلا متيقظا فقد أسقط عنا بعدالته وتيقظه تعدل ما لم يذكره لنا ممن روى عنه، وناب منابنا وكفانا اتماس عدالة من نقل عنه، فوجب لمن وجب تقليده في عدالته أن يقلده في أنه لايروي عن غير عدل ثقة، وقد علم أنه إذا صرح بالذكر من روى عنه فقد وكل الاجتهاد إلينا لنعتبر حاله بأنفسنا، وأنه إذا أضرب عن ذكره

стр. 70

قد استبد بعلم من خفي علينا من عدالته، ولن يعمل على ذلك من كان مرضيا عندنا ضابطا متيقظا إلا وقد بالغ في الثقة ممن روى عنه، ولن يقول قال رسول الله ﷺ إلا من حيث يصح عنده أن النبي ﷺ قاله، ولم يزل أصحاب رسول اله ﷺ يرسلون ويخبر بعضهم بعضا فيذكرون من أخبرهم تارة، ويستغنون عن ذكره أخرى، وكذلك التابعون بعدهم وتابعوهم، فدل على صحة ما قلناه وأنه إجماع من الفقهاء، والمحدثون يستعملونه في كل عصر وزمان فوجب أنه جهة معمول به، والله أعلم.

стр. 71

باب الكلام في إجناع أهل المدينة وعلمهم قد تقدم أن مذهب مالك ﵀ وسائر العلماء القول بإجماع الأمة، ومن مذهب مالك ﵀ العلم على إجماع أهل المدينة فيما طريقه التوقيف من الرسول ﷺ ، أو أن يكون الغالب منه أنه عن توقيف منه ﵊ كإسقاط زكاة

стр. 72

الخضروات؛ لأنه معلوم أنها قد كانت في وقت النبي ﷺ ولم ينقل أنه أخذ منهاالزكاة، وإجماع أهل المدينة على ذلك، فعمل عليه وإن خالفهم غيرهم. وقد احتج مالك ﵀ بذلك في مسائل يكثر تعدادها حيث يقول: ((الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا))، وهذا من خبر التواتر الذي قد بينا أنه مذهبه. وحجته في أنهم أولى من غيرهم فيما طريقه النقل عن النبي ﷺ -

стр. 73

أن الرسول ﵇ كانت هجرته إلى المدينة، ومقامه بها، ونزول الوحي عليه فيها، واستقرار الأحكام والشرائع بها، وأهلها مشاهدون لذلك كله عالمون به، لا يخفى عنهم شيء منه، وكانت حاله ﷺ معهم إلى أن قبض على أوجه: ١ ـ إما أن يأمرهم بالأمر فيفعلونه. ٢ ـ أو يفعل الأمر فيتبعونه. ٣ ـ أو يشاهدهم على أمر فيقرهم عليه. فلما كانت هذه المنزلة منه ﵊ حتى اقطع التنزبل، وقبض من بينهم ﷺ فمحال أن يذهب عليهم وهم مع هذه الصفة ما يستدركه غيرهم؛ لأن غيرهم ممن ظعن منهم إلى المواضع هم الأقل، فالأخبار عنهم أخبار آحاد؛ لأن عددهم مضبوط، وأخبار أهل المدينة أخبار تواتر فكانت أولى من أخبار الآحاد.

стр. 74

فإن قيل: فقد نقلت إلى أهل المدينة أشياء كانت من النبي ﷺ في مغازيه لم يكونوا علموها قبل ذلك من النبي ﷺ ؟. قيل: الذين نقلوا إليهم ذلك عن النبي ﷺ هم من أهل المدينة، فلم يخرج النقل عنهم. فإن قيل: قفد كانت منه ﷺ أشياء بمكة لما حج لم تكن بالمدينة؟. قيل: قد معه أهل المدينة في حجته، فهم شاهدوه أيضا بمكة ونقلوا عنه ما كان منه في حجه وغيره.

стр. 75

فإن قيل: فإن اتفق لأهل مكة مثل خبر أهل المدينة في إجماعهم لأنهم قد شاهدوا النبي ﷺ كما شاهده أهل المدينة فإذا اتفقوا على شيء من توقيف أو ما الغالب منه أن يكون على توقيف، فهل يجب أن يقبل ذلك منهم؟. قيل: إن اتفق لهم ذلك كانوا هم وأهل المدينة سواء فيما نقلوه عنه ﷺ ، ولكن لا يكاد أن ينفق هذا لغير أهل المدينة في أن يكون خبرهم طرفاه كوسطه لا يتخلله أخبار الآحاد؛ لأن أخبار غيرهم وإن نقلها جماعة يتخللها أخبار الآحاد في طرفيها أو في وسطها فخرجت بذلك عن أن تكون تواترا. وأهل المدينة يحصل لهم في فعلهم صفة التواتر، فلهذا كان خبرهم مقدما على خبر غيرهم، والله أعلم.
следующие страницы →