Полный текст (1 237 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
اللَّوْح ثمَّ أنزل بذلك قُرْآنًا فَقَالَ ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها وَيعلم مستقرها ومستودعها﴾
فالمؤمن الموقن قد صَار هَذَا الضَّمَان لَهُ مُعَاينَة فاطمأن إِلَى ذَلِك وَلم يَتَعَدَّ إِلَى الْحَرَام وَالَّذِي ضعف يقينه بِغَلَبَة شهواته على إيمَانه فيفتتن وَيَتَعَدَّى إِلَى الْحَرَام والشبهة
قَوْله برا فِي استقامة الْمُؤمن إِذا كَانَ لين الْقلب رَقِيق الْفُؤَاد عطف على الْأَهْل وَالْولد وَالنَّاس كلهم فَإِذا بر وَكَانَ بِهَذِهِ الصّفة لم يُؤمن أَن يزل عَن الْحق وَالصَّوَاب فَيصير الْبر عقوقا
عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ كَانَ يسْتَحبّ أَن يُسَوِّي الرجل بَين وَلَده حَتَّى فِي الْقبْلَة
عَن النُّعْمَان بن بشير عَن النَّبِي ﷺ قَالَ اعدلوا بَين أَوْلَادكُم فِي النخب كَمَا تحبون أَن تعدلوا بَيْنكُم فِي الْبر واللطف
وَعَن النُّعْمَان بن بشير أَن أَبَاهُ نحله غُلَاما فَأتى النَّبِي ﷺ يشهده فَقَالَ كل ولدك نحلته قَالَ لَا قَالَ فاردده
فَقَوله برا فِي استقامة شَرط وثيق وَهُوَ أَن لَا يمازجه الْهوى وَالْبر والملق قرينان مشتبهان
قَوْله نشاطا فِي هدى فالنشاط هُوَ انحلال النَّفس وانبساطها
стр. 1017
والأنشوطة هُوَ العقد إِذا مددته انحل من غير أَن تحله فَإِذا عمل العَبْد عملا كَانَ من النَّفس فِيهِ انقباض وكسل فَإِذا قارنها الْهوى والشهوة نشطت وانحلت فَأمر صَاحب هَذَا أَن يتفقد حَتَّى يكون نشاط نَفسه وانحلالها فِي هدى لَا فِي ضَلَالَة
قَالَ الله تَعَالَى ﴿ويحذركم الله نَفسه﴾ وَقَالَ ﴿وَاعْلَمُوا أَن الله يعلم مَا فِي أَنفسكُم فَاحْذَرُوهُ﴾ أَي أحذروا أَن لَا يتلظى عَلَيْكُم شُعَاع من نور العظمة فَتَصِير السَّمَوَات وَالْأَرْض جَمْرَة وَاحِدَة
فالنشاط يحْتَاج إِلَى الْهدى كَيْلا يفوتهُ الحذر مثل الصَّبِي إِذا رأى معلمه انقبض وتطأطأ فَإِذا افتقده انبسط وابتش وَكَانَ السّلف الصَّالح ينبسطون إِلَى أَهَالِيهمْ وَأَوْلَادهمْ وإخوانهم ويظهرون النشاط فِي الْأُمُور ويتفقدون من أنفسهم الْوُقُوف عِنْد الْحُدُود كي لَا يرتطموا فِي النَّهْي
وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ يُعجبنِي أَن يكون الرجل فِي أَهله كَالصَّبِيِّ فَإِذا بغى مِنْهُ وجد رجلا يَعْنِي إِذا طُولِبَ بِمَا لَا يجوز فِي الْحق وجد صلبا فِي دينه
قَوْله نهيا عَن شَهْوَة فَإِن النَّفس ذَات شهوات فَإِذا أطمعتها فِي وَاحِدَة طمعت فِي أُخْرَى ثمَّ لَا يزَال كَذَلِك حَتَّى تستمر فَتَشْرُد على صَاحبهَا شِرَاد الْبَعِير
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ من السَّرف أَن تَأْكُل كل مَا شِئْت
مَعْنَاهُ أَن النَّفس إِذا اعتادت هَذَا من صَاحبهَا استمرت فَإِذا منعتها لم تقدر على ذَلِك
وَعَن عِكْرِمَة ﵁ أَن النَّفس إِذا أطمعتها طمعت وَإِن آيستها أَيِست وَإِن فوضت إِلَيْهَا ضيعت
стр. 1018
قَوْله رَحْمَة للمجهود فالمجهود أَصْنَاف مجهود فِي المعاش ومجهود فِي الْعِبَادَة ومجهود فِي الْبلَاء فَمن شَأْنه أَن يرحم كل هَؤُلَاءِ
قَوْله إِن الْمُؤمن عياذا لله عياذا الله هُوَ الَّذِي يعيذ عباده من السوء الْمُؤمن الْبَالِغ فِي إيمَانه يعيذ الْعباد بِفضل إيمَانه من جوره فقد أَمنه الْخلق وصاروا مِنْهُ فِي معَاذ لَا يَحِيف على من يبغض أَي بغضه إِيَّاه لَا يحملهُ على أَن يَحِيف عَلَيْهِ وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كونُوا قوامين لله شُهَدَاء بِالْقِسْطِ﴾ الْآيَة
قَوْله لَا يَأْثَم فِيمَن يحب أَي لَا يحملهُ حبه إِيَّاه أَن يَأْثَم فِي جنبه فَإِنَّهُ إِذا كَانَ على غير ذَلِك كَانَ بغضه لغير الله وحبه لغير الله
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لَا يبلغ العَبْد ذرْوَة الْإِيمَان حَتَّى يحب فِي الله وَيبغض فِي الله
فَمن كَانَ حبه فِي الله وبغضه فِي الله لم يحملهُ البغض على أَن يجور وَلَا الْحبّ على أَن يَأْثَم وَمن أحب وَأبْغض لهوى نَفسه جَار على الْمُبْغض وأثم فِي جنب المحبوب قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن من أزواجكم وَأَوْلَادكُمْ عدوا لكم فاحذروهم﴾ وَذَلِكَ أَنهم لما أَرَادوا الْهِجْرَة امْتنع مِنْهُم بعض أَزوَاجهم وَأَوْلَادهمْ فَافْتتنَ بَعضهم بالأزواج وَالْأَوْلَاد فأقاموا وَتركُوا الْهِجْرَة وَمِنْهُم من مضى وتركهم فَنزلت هَذِه الْآيَة فِيمَن أَثم فِي جنب محبوبه من الْأَهْل وَالْولد
قَوْله وَلَا يضيع مَا استودع لِأَنَّهُ يشفق على مَا يؤتمن عَلَيْهِ كشفقته على مَال نَفسه لعَظيم قدر الْأَمَانَة عِنْده
стр. 1019
قَوْله وَلَا يحْسد لِأَن من عرف الله عرف أَنه هُوَ قسم الدُّنْيَا بَين أَهلهَا بحكمة بَالِغَة وَقَالَ ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها وَيعلم مستقرها ومستودعها كل فِي كتاب مُبين﴾ وَلنْ تَمُوت نفس حَتَّى تستوفي رزقها وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا يفتح الله للنَّاس من رَحْمَة فَلَا مُمْسك لَهَا وَمَا يمسك فَلَا مُرْسل لَهُ من بعده﴾ وَقَالَ ﴿وَإِن يردك بِخَير فَلَا راد لفضله﴾
فَمن أَيقَن فِي إيمَانه بِهَذِهِ الْكَلِمَات لم يحْسد النَّاس على فضل أُوتُوا وقنع بِمَا أُوتِيَ
وَرُوِيَ عَن وهب بن مُنَبّه ﵁ أَن الله ﵎ اسْمه كتب التَّوْرَاة بِيَدِهِ فِيهَا عشر كَلِمَات أمره بِهن بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا كتاب الله ﵎ اسْمه كتبه لعَبْدِهِ مُوسَى سبحني وقدسني يَا مُوسَى إِنِّي أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني وَلَا تشرك بِي شَيْئا فَإِنِّي حق القَوْل مني لتلفحن وُجُوه الْمُشْركين النَّار واشكر لي ولوالديك إِلَيّ الْمصير أنسألك فِي عمرك وأقيك المتالف وأحييك حَيَاة طيبَة وأقلبك إِلَى خير مِنْهَا وَلَا تقتل النَّفس الَّتِي حرمت إِلَّا بِالْحَقِّ فتضيق عَلَيْك الأَرْض برحبها وَالسَّمَاء بأقطارها وتبوأ بسخطي وَالنَّار وَلَا تحلف باسمي كَاذِبًا وَلَا آثِما فَإِنِّي لَا أطهر وَلَا أذكى من لم ينزهني ويعظم أسمائي وَلَا تشهد بِمَا لم تع سَمعك وَلم يحفظ عقلك وَلم يعمد عَلَيْك قَلْبك فَإِنِّي وَاقِف أهل الشَّهَادَات يَوْم الْقِيَامَة على شهاداتهم ثمَّ أسائلهم عَنْهَا سؤالا خفِيا وَلَا تحسد النَّاس على مَا آتيتهم من فضلي فَإِنِّي أَنا الْجواد بِالْعَطِيَّةِ أعطي من شِئْت وَأَمْنَع من أردْت وَلَا تنفس عَلَيْهِم نعمي ورزقي وَلَا تَمُدَّن عَيْنَيْك وَلَا تتبعه نَفسك فَإِن الْحَاسِد عَدو لنعمتي
стр. 1020
مضاد لقضائي ساخط لقسيمي الَّذِي أقسم بَين عبَادي وَمن يَك كَذَلِك فلست مِنْهُ وَلَيْسَ مني وَأَنا مِنْهُ بَرِيء وَلَا تزن وَلَا تسرق فأحجب عَنْك وَجْهي ويغلق دون صَوْتك أَبْوَاب السَّمَاء وَلَا تغدر بحليلة جَارك فَإِنَّهُ كبر مقتا عِنْدِي وأحبب للنَّاس مَا تحب لنَفسك واكره لَهُم مَا تكره لنَفسك وَلَا تذبح لغيري فَإِنَّهُ لَيْسَ يصعد إِلَيّ قرْبَان أهل الأَرْض إِلَّا مَا ذكر عَلَيْهِ اسْمِي وتفرغ للسبت وَفرغ لَهُ آنيتك وأسقتك وثورك وحمارك ودوابك وَجَمِيع أهل بَيْتك
وَذكر وهب ﵁ أَن هَذِه الْكَلِمَات الْعشْر الَّتِي كتب الله لمُوسَى ﵇ فِي الألواح مكتوبات فِي الْقُرْآن وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿من يُشْرك بِاللَّه فقد حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة ومأواه النَّار وَمَا للظالمين من أنصار﴾
وَقَالَ الله تَعَالَى فِي الْوَالِدين ﴿أَن اشكر لي ولوالديك إِلَيّ الْمصير﴾
وَقَالَ فِي الْقَاتِل ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا وَغَضب الله عَلَيْهِ ولعنه وَأعد لَهُ عذَابا عَظِيما﴾
قَالَ فِي الْحلف ﴿وَلَا تجْعَلُوا الله عرضة لأيمانكم﴾
وَقَالَ فِي الشَّهَادَة وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم إِن السّمع وَالْبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مسئولا
стр. 1021
وَقَالَ فِي الْحَسَد ﴿أم يحسدون النَّاس على مَا آتَاهُم الله من فَضله﴾
وَقَالَ فِي الزِّنَا وَلَا تقربُوا الزِّنَا إِنَّه كَانَ فَاحِشَة ومقتا وساء سَبِيلا
وَقَالَ فِي السّرقَة ﴿وَالسَّارِق والسارقة﴾ الْآيَة
وَقَالَ فِي حَلِيلَة الْجَار ﴿وَالْمُحصنَات من النِّسَاء إِلَّا مَا ملكت أَيْمَانكُم كتاب الله عَلَيْكُم وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم﴾
وَقَالَ فِي التحاب بَين النَّاس ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة﴾
وَقَالَ ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم﴾
وَقَالَ فِي الذَّبَائِح ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ وَإنَّهُ لفسق﴾
وَقَالَ فِي السبت ﴿وَلَقَد علمْتُم الَّذين اعتدوا مِنْكُم فِي السبت فَقُلْنَا لَهُم كونُوا قردة خَاسِئِينَ﴾
فَمن عادى نعْمَة الله بحسده وَسخط أمره وضاد قَضَاءَهُ فمعرفته فِي
стр. 1022
سجن مظلم وسويداء قلبه لَا أَدْرِي أتبقى مَعَه حَتَّى يخْتم لَهُ بهَا أم يسلب فَيَمُوت كَافِرًا عدوا لله وَإِن تفضل الله عَلَيْهِ بِأَن يَتْرُكهَا عَلَيْهِ وَختم لَهُ بهَا لَا أَدْرِي مَتى ينجو من النَّار
قَوْله لَا يطعن فالطعن قد يكون من الْحَسَد وَقد يكون من الْغيرَة والغيرة من إِبْلِيس فِي صدر الْآدَمِيّ كالعذرة من الْآدَمِيّ فَحق على كل مُؤمن أَن يعاف من الْغيرَة فَإِذا طعن فقد هتك السّتْر وَإِنَّمَا يطعن فِي ستر الله وَلَو أَن رجلا طعن فِي ستر ملك من عُظَمَاء مُلُوك الدُّنْيَا لخاطر بِنَفسِهِ وأهلكها فَكيف بستر الله لِأَن الْمُؤمن فِي سبعين سترا من الله
عَن الْحسن الْبَصْرِيّ عَن سلمَان قَالَ الْمُؤمن فِي سبعين حِجَابا من نور فَإِذا عمل خَطِيئَة ثمَّ تناساها حَتَّى يعْمل أُخْرَى هتك عَنهُ حِجَابا فَإِذا عمل كَبِيرَة هتك عَنهُ الْحجب كلهَا إِلَّا حجاب الْحيَاء وَهُوَ أعظمها حِجَابا فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ ورد تِلْكَ الْحجب كلهَا فَإِن عمل خَطِيئَة بعد الْكَبَائِر ثمَّ تناساها حَتَّى يعْمل أُخْرَى قبل أَن يَتُوب هتك عَنهُ حجاب الْحيَاء فَلم يلقه إِلَّا مقيتا ممقتا فَإِذا كَانَ مقيتا ممقتا نزعت مِنْهُ الْأَمَانَة فَإِذا نزعت مِنْهُ الْأَمَانَة لم يلقه إِلَّا خائنا مخونا فَإِذا كَانَ خائنا مخونا نزعت مِنْهُ الرَّحْمَة فَإِذا نزعت مِنْهُ الرَّحْمَة لم تلقه إِلَّا فظا غليظا فَإِذا كَانَ فظا غليظا نزعت مِنْهُ ربقة الْإِيمَان فَإِذا نزعت مِنْهُ ربقة الْإِيمَان لم تلقه إِلَّا لعينا ملعنا شَيْطَانا رجيما
عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ مَا من رجلَيْنِ مُسلمين إِلَّا بَينهمَا من الله ستر فَإِذا قَالَ أَحدهمَا لصَاحبه هجرا هتك ستر الله
قَوْله لَا يلعن اللَّعْنَة إِذا خرجت من العَبْد اسْتَأْذَنت رَبهَا فَإِذا صَارَت إِلَى من رجمت إِلَيْهِ فَلم تَجِد مساغا رجعت إِلَى رَبهَا فَقَالَت رب إِنِّي لم أجد مساغا فَأمرت بِالرُّجُوعِ إِلَى صَاحبهَا
стр. 1023
قَوْله يعْتَرف بِالْحَقِّ وَإِن لم يشْهد عَلَيْهِ فالمؤمن أَسِير الْحق يعلم أَن الشَّاهِد عَلَيْهِ علام الغيوب وَقد أَيقَن بِمَا أنزل عَلَيْهِ من قَوْله ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ من عمل إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُم شُهُودًا إِذْ تفيضون فِيهِ﴾ فقد اجْتمع على قلبه أَمْرَانِ اثْنَان الْعلم وَالشَّهَادَة فَأَخَذته هَيْبَة الْعلم وحياء الشَّهَادَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالله يعلم متقلبكم ومثواكم﴾ وَقَالَ ﴿ألم يعلم بِأَن الله يرى﴾ فَلَا يحوج الموقن بِهَذَا إِلَى أَن يشْهدُوا عَلَيْهِ فَهُوَ معترف بِالْحَقِّ أبدا لَهُ أَو عَلَيْهِ
عَن عَائِشَة ﵂ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَتَدْرُونَ من السَّابِقُونَ إِلَى ظلّ الله يَوْم الْقِيَامَة قَالُوا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ الَّذين إِذا أعْطوا الْحق قبلوه وَإِذا سئلوا بذلوه وحكموا النَّاس كحكمهم لأَنْفُسِهِمْ
قَوْله لَا يتنابز بِالْأَلْقَابِ فالنبز من شَأْن البطالين الَّذين رفعوا عَن أنفسهم البال وشرهت نُفُوسهم إِلَى التَّلَذُّذ بالبطالات وَفِي ذَلِك حقارة للْمُؤْمِنين
وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة ﵁ أَنه قَالَ لَهُ رجل يَا أصلع فَقَالَ لقد كنت غَنِيا عَن لعنة الْمَلَائِكَة
وَبلغ من تَعْظِيم حق الْمُؤمن أَن يكنى وَيَدعِي بالكنية لِأَن الِاسْم قد نالته البذلة فِي صغره فَلَمَّا بلغ وَحل مَحل الإجلال جعلت لَهُ دَعْوَة طرية مَرْفُوعَة عَن البذلة فكنى عَن الِاسْم بِشَيْء آخر تَعْظِيمًا لَهُ
стр. 1024
وَكَانَت الْأَعْرَاب لجفائهم ينادون يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد فَنزل ﴿لَا تجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُول بَيْنكُم كدعاء بَعْضكُم بَعْضًا﴾ فَعَلمُوا أَن يَقُولُوا يَا نَبِي الله وَكَانَت كنيته أَبَا الْقَاسِم وَلَو دعِي بِتِلْكَ الكنية لَكَانَ مدعوا بِمَا قد ابتذل قبل النُّبُوَّة
قَوْله فِي الصَّلَاة متخشعا الْخُشُوع من فعل الْقلب فَإِذا علم الْقلب أَيْن قَامَ وَلمن قَامَ تخشع وَإِذا استقام الْقلب ذلت النَّفس وَإِذا ذلت النَّفس هدأت الْجَوَارِح
وَلما رأى رَسُول الله ﷺ رجلا يعبث بلحيته فِي صلَاته قَالَ لَو خشع قلبه لخشعت جوارحه
قَوْله إِلَى الزَّكَاة مسرعا فالسرعة هِيَ من حَيَاة الْقلب يعلم أَن المَال ميال بالقلوب عَن الله فَإِذا مَال الْقلب عَن الله بِشَيْء نزعت الْبركَة من ذَلِك الشَّيْء فَأمر بالتصدق مِنْهُ ليظْهر صدق إيمَانه بِأَنِّي لما ملت إِلَى هَذَا المَال وأحببته ملت عَنهُ إِلَى الله تَعَالَى بِهَذِهِ الْعَطِيَّة وَبِأَن أخرجته من ملكي فسميت صَدَقَة ثمَّ سميت زَكَاة لِأَن المَال بِسَبَب هَذِه الْعَطِيَّة عَادَتْ إِلَيْهِ الْبركَة فزكى وطهر العَبْد من الْميل عَن الله فزكى
قَوْله فِي الزلازل وقورا الْوَقار يثقل قلب العَبْد فَإِذا نالته زَلْزَلَة بَين بلوى وَشدَّة لم تستفزه وَلم يَتَكَفَّأ يَمِينا وَشمَالًا وَالْوَقار إكليل الْإِيمَان
قَالَ زيد بن أسلم إِن على الْحق نورا وعَلى الْإِيمَان وقارا
قَالَ دَاوُد ﵇ إلهي دلَّنِي على عمل إِذا أَنا عملته نلْت بِهِ
стр. 1025
وقارك فَأوحى الله إِلَيْهِ يَا دَاوُد أحبب الْمُؤمنِينَ من أَجلي وَلَا يزَال لسَانك رطبا من ذكري واعمل لي حَتَّى كَأَنَّك تراني
قَوْله فِي الرخَاء شكُورًا لِأَن وَقت الرخَاء النَّفس سَاكِنة وَالْقلب مَفْتُوح الْبَاب مشرق النُّور منكشف الغطاء فَإِذا تنَاول النِّعْمَة على نور من ربه كَانَ شكُورًا وَمن كَانَ فِي الرخَاء شكُورًا كَانَ فِي الْبلَاء صبورا
قَوْله قانعا بِالَّذِي لَهُ القناعة ثَوَاب الله العاجل للْعَبد بِمَا أطاعه وَهِي طيب النَّفس والحياة الطّيبَة
قَالَ الله تَعَالَى ﴿من عمل صَالحا من ذكر أَو أُنْثَى وَهُوَ مُؤمن فلنحيينه حَيَاة طيبَة﴾ وَهِي أَن يمْلَأ قلبه غنى حَتَّى يكون غَنِيا بِاللَّه أغناه الله
وَقَالَ ﷺ من اسْتغنى بِاللَّه أغناه الله
وَقَالَ ﷺ لَيْسَ الْغنى عَن كَثْرَة الْعرض إِنَّمَا الْغنى غنى النَّفس
عَن زيد بن رَافع الْمدنِي رفع الحَدِيث إِلَى رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِن الله أنزل فِي بعض مَا أنزل من الْكتب قسما يقسمهُ يَقُول وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وجمالي وعلوي ودنوي وارتفاع مَكَاني لمن آثر هواي على هَوَاهُ لأجمعن لَهُ شَمله ولأكفينه مَا أهمه ولأجعلن غناهُ فِي نَفسه ولأضمنن السَّمَوَات وَالْأَرْض رزقه ولأتجرن لَهُ من وَرَاء تِجَارَة كل تَاجر وَلمن آثر هَوَاهُ
стр. 1026
على هواي لأشتتن عَلَيْهِ أمره ولأجعلن فقره بَين عَيْنَيْهِ ولأحضرنه همومه الْحَاضِر مِنْهَا وَالْغَائِب وَالْقَدِيم مِنْهَا والْحَدِيث حَتَّى لَا يدْرِي من أَيْن يَجِيئهُ وَمن أَيْن يَأْخُذهُ
وَكَانَ حق هَذِه الْكَلِمَة فِي الْأَعْرَاب أَن يُقَال قنعا بِالَّذِي لَهُ وَلَكِن الروَاة رُبمَا لحنوا فِي الْأَدَاء
وَلذَلِك قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ أهلكتهم العجمة وَقيل لِلْحسنِ إِنَّك لَا تلحن قَالَ إِنِّي سبقت اللّحن والقانع السَّائِل يُقَال قنع يقنع قنوعا أَي سَأَلَ وقنع يقنع قناعة أَي رَضِي
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وأطعموا القانع والمعتر﴾
وَقَالَ الشَّاعِر
(لمَال الْمَرْء يصلحه فيغني … مفاقرة أعف من القنوع) أَي من السُّؤَال
قَوْله لَا يجمع فِي القنط القنط حرارة الْحِرْص وَإِذا جمع كَذَلِك لم يَدعه الْحِرْص أَن يتورع فِي مكاسبه
عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْمُؤمن كيس فطن حذر وقاف متثبت لَا يعجل عَالم ورع وَالْمُنَافِق همزَة لُمزَة حطمة كحاطب ليل لَا يُبَالِي من أَيْن كسب وفيم أنْفق
سُئِلَ ابْن عَبَّاس ﵄ عَن أبي بكر ﵁ فَقَالَ كَانَ كالخير كُله من رجل كَانَ فِيهِ حِدة
стр. 1027
وَسُئِلَ عَن عمر ﵁ فَقَالَ كَانَ كالطير الحذر الَّذِي يرى أَن لَهُ فِي كل طَرِيق شركا يَأْخُذهُ
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من طلب الدُّنْيَا حَلَالا واستعفافا على الْمَسْأَلَة وسعيا على عِيَاله وتعطفا على جَاره جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وَوَجهه كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر وَمن طلب الدُّنْيَا حَلَالا مفاخرا مكاثرا مرائيا لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان
قَوْله لَا يغلبه الشُّح عَن مَعْرُوف يُريدهُ الشُّح أقوى من الْبُخْل لِأَن الشُّح يَدْعُو إِلَى أَن يَأْخُذ مَال غَيره وَمَا حرم عَلَيْهِ وَيمْنَع حُقُوق الله فِي مَاله وَالْبخل يَدْعُو إِلَى أَن يمْنَع الْمَعْرُوف من مَاله وَالشح إِنَّمَا هُوَ من شح والحاء مِنْهُ مضاعفة إِنَّمَا هُوَ شاح يشوح أدغمت الْألف فِي الْحَاء فشددت وَقَوله حاش يحوش هُوَ أَن يطرد الصَّيْد من النواحي إِلَى الصَّائِد وَكَذَلِكَ الْحِرْص يجمع أَسبَاب المنال إِلَى ملكه فالحوش فِي فعل الظَّاهِر وَالشح فِي فعل الْبَاطِن وَالْبخل والخلب بِمَعْنى إِلَّا أَن الخلب أَن يُخَادع النَّاس فِي معاملاته وَالْبخل أَن يُخَادع ربه فِي مُعَامَلَته على الْمَعْرُوف
قَوْله يخالط النَّاس كي يعلم يَعْنِي لَا يخالطهم مُخَالطَة استرواح إِلَيْهِم وَأنس بهم وَلَكِن مُخَالطَة خبْرَة وَاعْتِبَار وحذر وَأخذ بالحزم
رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه كَانَ يسْأَل النَّاس عَمَّا فِي النَّاس وَكَانَ سُؤَاله على هَذِه الْجِهَة لَا للتجسس
قَوْله يناطقهم كي يفهم أَي يفهم أَحْوَالهم وأمورهم لِأَن الْأَسْرَار إِنَّمَا تظهر بالمناطقة وَلذَلِك قيل إِنَّمَا الْمَرْء بأصغريه وهما الْقلب وَاللِّسَان فَإِذا ناطقهم عرف كلا على دَرَجَته وَلم يناطقهم لشَهْوَة الْكَلَام
стр. 1028
جزَافا بل يناطق الْحُكَمَاء لِيَزْدَادَ بِاللَّه علما والعامة ليفهم أَحْوَالهم
قَوْله وَإِن ظلم أَو بغى عَلَيْهِ صَبر حَتَّى يكون الرَّحْمَن هُوَ الَّذِي ينتصر لَهُ الصَّبْر الْحَبْس وَمِنْه المصبورة وَهُوَ أَن ينصب طائرا غَرضا ويرميه وَالْمُؤمن يعرف أَن الله عدل يَأْخُذ من الظَّالِم فَإِذا ظلم وجد الله مَلِيًّا فِي الِانْتِصَار وَأما فِي الْبَغي فَإِن صَبر فقد أَخذ بِبَاب السَّلامَة فَإِن انتصر فقد أثنى الله على الْمُنْتَصر فَقَالَ وَإِذا أَصَابَهُم الْبَغي هم ينتصرون الْمُنْتَصر ينتصر لحق الله لَا لنَفسِهِ فَإِن خَافَ أَن تشركه النَّفس فَيَأْخُذ بحظها فالصبر أسلم
стр. 1029
- الأَصْل التَّاسِع وَالْخَمْسُونَ والمائتان
-
فِي دفع الوسوسة
عَن أبي الْمليح عَن أَبِيه أَن رجلا أَتَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إِنِّي أَدخل فِي صَلَاتي فَمَا أَدْرِي على شفع أنفتل أم على وتر من وَسْوَسَة أَجدهَا فِي صَدْرِي فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا وجدت ذَلِك فاطعن إصبعك هَذَا يَعْنِي السبابَة فِي فخذك الْيُسْرَى وَقل بِسم الله فَإِنَّهَا سكين الشَّيْطَان أَو مدية الشَّيْطَان
وَمَعْنَاهُ أَن الطعنة بالسبابة مدية الشَّيْطَان إِذا كَانَ مبتدأها بِسم الله والمدية السكين الَّذِي لَهُ وَجْهَان كالخنجر فِي الْمِقْدَار إِلَّا إِنَّهَا ذَات وَجْهَيْن فب (أسم الله تخلص تِلْكَ الطعنة بالسبابة إِلَى الشَّيْطَان فينال مِنْهُ فَخذه وساقيه حَتَّى يصير مقْعدا زَمنا فَذَلِك أَن الوسواس جَاءَ صفة فِي الحَدِيث كَيفَ هُوَ من الْآدَمِيّ
عَن عُثْمَان بن أبي العَاصِي ﵁ أَنه شكا إِلَى رَسُول الله ﷺ من الوسواس فَقَالَ ذَاك شَيْطَان يُقَال لَهُ خنزب فَإِذا
стр. 1030
أحسست بِشَيْء مِنْهُ فاتفل عَن شمالك ثَلَاثًا ثمَّ تعوذ بِاللَّه مِنْهُ
عَن أبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي ﵁ قَالَ سَأَلت الله أَن يريني الشَّيْطَان ومكانه من ابْن آدم فرأيته يَدَاهُ فِي يَدَيْهِ وَرجلَاهُ فِي رجلَيْهِ متشاعب فِي جسده غير أَن لَهُ خطما كخطم الْكَلْب فَإِذا ذكر الله خنس ونكص وَإِذا سكت عَن ذكر الله أَخذ بِقَلْبِه
فعلى نَحْو مَا وصف أَبُو ثَعْلَبَة أَنه متشاعب فِي الْجَسَد أَن فِي كل عُضْو مِنْهُ لشعبة مِنْهُ
عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود أَنه قَالَ بَعْدَمَا كبر سني وضعفت مَا أمنت من الزِّنَا وَمَا يؤمنني أَن يدْخل الشَّيْطَان ذكري فيؤيده فَهَذَا القَوْل ينبئك أَنه يتشعب فِي الْجَسَد
عَن الْأَعْمَش عَن جثيمة أَنه كَانَ يَقُول يَقُول الشَّيْطَان كَيفَ ينجو مني ابْن آدم وَأَنا فِي صَدره وَإِذا غضب طرت حَتَّى أكون فِي رَأسه
إِنَّمَا يطير إِلَى الرَّأْس فِي وَقت الْغَضَب لِأَن الْعقل فِي الرَّأْس وإشراقه من الرَّأْس إِلَى الصَّدْر لينْظر عين الْفُؤَاد بِنور الْعقل فيميز بَين الْأُمُور وَيُدبر فَإِذا رأى الشَّيْطَان الْغَضَب قد هاج من الْآدَمِيّ طَار إِلَى رَأسه حَتَّى يحجب الْعقل عَن أَن يشرق فِي الصَّدْر
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ الشَّيْطَان يجْرِي من ابْن آدم مجْرى الدَّم
стр. 1031
فمجرى الدَّم هِيَ الْعُرُوق الْمُشْتَملَة على جَمِيع الْجَسَد فَدلَّ هَذِه الْأَحَادِيث أَن الشَّيْطَان متشاعب فِي الْجَسَد ثمَّ سُلْطَانه ومقعده فِي الصَّدْر وَقت الوسوسة
عَن يحيى بن أبي كثير قَالَ الوسواس لَهُ بَاب فِي صدر ابْن آدم يوسوس إِلَيْهِ مِنْهُ
عَن وهب بن مُنَبّه إِن إِبْلِيس وضع ابْنا لَهُ بَين يَدي حَوَّاء وَقَالَ اكفليه فجَاء آدم ﵇ فَقَالَ مَا هَذَا يَا حَوَّاء قَالَت جَاءَ عدونا إِبْلِيس بِهَذَا وَقَالَ لي اكفليه فَقَالَ ألم أقل لَك لَا تطيعيه فِي شَيْء هُوَ الَّذِي غرنا حَتَّى وقعنا فِي الْمعْصِيَة وَعمد إِلَى الْوَلَد فَقَطعه أَرْبَعَة أَربَاع وعلق كل ربع على شَجَرَة غيظا لَهُ فجَاء إِبْلِيس فَقَالَ يَا حَوَّاء أَيْن ابْني فَأَخْبَرته بِمَا صنع آدم ﵇ فَقَالَ يَا خناس فحيى فَأَجَابَهُ فجَاء بِهِ إِلَى حَوَّاء وَقَالَ اكفليه فجَاء آدم ﵇ فحرقه بالنَّار وذر رماده فِي الْبَحْر فجَاء إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة فَقَالَ يَا حَوَّاء أَيْن ابْني فَأَخْبَرته بِفعل آدم بِهِ فَذهب إِلَى الْبَحْر فَقَالَ يَا خناس فحيى فَأَجَابَهُ فجَاء بِهِ إِلَى حَوَّاء الثَّالِثَة وَقَالَ اكفليه فَنظر إِلَيْهِ آدم فذبحه وشواه وأكلاه جَمِيعًا فجَاء إِبْلِيس فَسَأَلَهَا فَأَخْبَرته حَوَّاء فَقَالَ يَا خناس فحيى فَأَجَابَهُ فجَاء بِهِ من جَوف آدم وحواء فَقَالَ إِبْلِيس هَذَا الَّذِي أردْت وَهَذَا مسكنك فِي صدر ولد آدم وَهُوَ ملتقم قلب ابْن آدم مَا دَامَ غافلا يوسوس فَإِذا ذكر الله لفظ قلبه وانخنس
عَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الشَّيْطَان ملتقم قلب ابْن
стр. 1032
آدم فَإِذا ذكر الله خنس عَنهُ وَإِذا نسي الْتَقم قلبه
وَأما التفل الَّذِي أَمر رَسُول الله ﷺ بِهِ أَن يتفل عَن يسَاره فَإِن التفلة واصلة إِلَى وَجه الشَّيْطَان فَيصير قروحا وَكَذَلِكَ رمي الْجمار إِنَّمَا يرْمى رَأس الشَّيْطَان ومطلعه حَيْثُ طلع لآدَم ﵇ ثمَّ لخليل الله ﵇ فَبَقيت سنة لِأَن تِلْكَ الطلعة مِنْهُ كائنة لكل مُسلم حَاج فَإِذا رمي الْجمار شدخ رَأسه وطلعته حَتَّى يختسئ وَإِنَّمَا أَمر بِسبع حَصَيَات لِأَنَّهُ اطلع رَأسه من سبع أَرضين وَنَفسه موثقة فِي سِجِّين وَلذَلِك سجنه تَحت الأَرْض السَّابِعَة فبكل حَصَاة يختسئ فِي الأَرْض حَتَّى يبلغ خسئاته بالحصاة السَّابِعَة الأَرْض السَّابِعَة إِلَى مستقره فَكَذَلِك التفلة مَعَ تعوذك بِاللَّه يرد الَّذِي جَاءَ بِهِ من النزعة والوسوسة كالنار إِلَى وَجهه فيحرق فَيصير قروحا
وَرُوِيَ عَن الرّبيع بن خَيْثَم أَنه قصت عَلَيْهِ رُؤْيا مُنكرَة وَذَلِكَ أَنه أَتَاهُ آتٍ فَقَالَ إِنِّي رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَن قَائِلا يَقُول أخبر الرّبيع أَنه من أهل النَّار فتفل عَن يسَاره ثَلَاثًا وَقَالَ أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم فَرَأى ذَلِك الرجل فِي مَنَامه فِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة كَأَن رجلا جَاءَ بكلب فأقامه بَين يَدَيْهِ وَفِي عُنُقه حَبل وعَلى جَبهته قُرُوح فَقَالَ هَذَا ذَلِك الشَّيْطَان الَّذِي أَرَاك فِي مَنَامك رُؤْيا الرّبيع وَهَذِه القروح تِلْكَ التفلات الثَّلَاث الَّتِي كَانَت مِنْهُ
стр. 1033
- الأَصْل المائتان وَالسِّتُّونَ
-
فِي أَن كَمَال الْمَرْء فِي سبع
عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كمل من الرِّجَال كثير وَلم يكمل من النِّسَاء إِلَّا مَرْيَم بنت عمرَان وآسية بنت مُزَاحم وَفضل عَائِشَة على النِّسَاء كفضل الثَّرِيد على الطَّعَام
كَمَال الْمَرْء فِي الْعلم وَالْحق وَالْعدْل وَالصَّوَاب والصدق وَالْأَدب واللبق وَذَلِكَ أَنه إِذا لم يعلم فَهُوَ جَاهِل بِأَمْر الله فَإِذا علم أَمر الله احْتَاجَ أَن يكون محقا فَيعْمل بذلك الْعلم فَإِذا عمل بذلك احْتَاجَ إِلَى إِصَابَة الصَّوَاب فِي ذَلِك الْعَمَل بِأَن لَا يكون فِي غير وقته كَالصَّلَاةِ عِنْد
стр. 1034
طُلُوع الشَّمْس وَترك إِجَابَة الْأُم فِي الصَّلَاة والغزو بِغَيْر إِذن أَبَوَيْهِ وَقبل ذَلِك احْتَاجَ إِلَى الْعدْل بِأَن يكون يُرِيد بِهِ وَجه الله فِي ذَلِك الْعَمَل فَإِذا عدل احْتَاجَ إِلَى الصدْق أَن لَا يلْتَفت إِلَى نَفسه فَيُوجب لَهَا ثَوابًا فتحتجب عَنهُ الْمِنَّة فَيصير معجبا فَإِذا صدق العبودة احْتَاجَ إِلَى الْأَدَب حَتَّى يعمله كَأَن الله يرَاهُ بوقار وسكينة وهيبة ويقظة فَإِن الْأَدَب بِسَاط الْعَمَل وَإِذا قَامَ الْأَدَب احْتَاجَ إِلَى اللبق وَإِنَّمَا يدْرك اللبق بحياة الْقلب بِاللَّه فَهَذَا الْكَامِل لِأَنَّهُ يعْمل على الْمُشَاهدَة على بَصِيرَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿بل الْإِنْسَان على نَفسه بَصِيرَة وَلَو ألْقى معاذيره﴾ أَي لَا يقبل عذره لِأَنَّهُ أعطي البصيرة فأعماها بهوى النَّفس والبصيرة للقلب من نور معرفَة الْفطْرَة والعمى من دُخان النَّفس وحريق الشَّهَوَات وظلمتها
ثمَّ من الله على مختاريه من ولد آدم من كل ألف وَاحِد فَوضع فِيهِ الْخَيْر حَتَّى صَار مُخْتَارًا ثمَّ من عَلَيْهِ بِنور التَّوْحِيد وَفِي جَوف ذَلِك النُّور نور الْمحبَّة فَلَمَّا وجدت النَّفس حلاوة نور الْمحبَّة رفضت حلاوة عبَادَة الْأَوْثَان وقبح عِنْده الشّرك وقويت بصيرته فهتكت كل حجاب بَينه وَبَين ربه وصدرت أَعماله من صَدره إِلَى الْأَركان على مُشَاهدَة النَّفس ومعاينة الْقلب مَحل الْمَقَادِير وَالْقَضَاء من ملك الجبروت وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿قل هَذِه سبيلي أَدْعُو إِلَى الله على بَصِيرَة أَنا وَمن اتبعني وَسُبْحَان الله وَمَا أَنا من الْمُشْركين﴾
فَلم يَجْعَل الدُّعَاء على بَصِيرَة إِلَّا لتابعي مُحَمَّد ﷺ وتابعوه من هَاجر عَمَّا نهى الله عَنهُ وَنصر الْحق فِي كل موطن وَكَانَ لَهُ السَّبق فَهَذَا عبد قد ﵁ وَأَعْطَاهُ حبه فَأَحبهُ فاحتدت بصيرته حَتَّى انْتَهَت إِلَى الْمقَام بَين يَدي الله فباطن الْأَشْيَاء لَهُ مُعَاينَة كظاهر الْأَشْيَاء لأهل الْغَفْلَة
стр. 1035
قَالَ رَسُول الله ﷺ اتَّقوا فراسة الْمُؤمن فَإِنَّهُ ينظر بِنور الله
وَقَالَ ﷺ فِي الحَدِيث الَّذِي يأثره عَن جبرئيل ﵇ عَن الله تَعَالَى إِنَّه قَالَ مَا تقرب إِلَيّ عَبدِي بِمثل أَدَاء فرائضي وَإنَّهُ ليتقرب إِلَيّ بعد ذَلِك بالنوافل حَتَّى أحبه فَإِذا أحببته كنت سَمعه الَّذِي بِهِ يسمع وبصره الَّذِي بِهِ يبصر وَلسَانه الَّذِي بِهِ ينْطق وَيَده الَّتِي بهَا يبطش وَرجله الَّتِي بهَا يمشي وفؤاده الَّذِي بِهِ يعقل فَبِي يسْتَعْمل هَذِه الْأَشْيَاء
فَإِذا أدّى الْفَرَائِض وَهُوَ إِقَامَة الْأَمر وَالنَّهْي فقد هَاجر وَإِذا تنفل بعد إِقَامَة الْأَمر وَالنَّهْي فقد نصر الْحق وَإِذا قطع العلائق نَالَ السَّبق لِأَنَّهُ قد انفلت من المتعلقين فَعَاد إِلَى ربه فَهَذَا التَّابِع بِإِحْسَان قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ﴾
فالسبق والأولية فِي كل أَمر وَعمل لهَذِهِ الطَّبَقَة الَّتِي هَاجَرت عَن الآثام ونصرت الْحق فهم أهل الرضاء ومحبو الله لأَنهم اتبعُوا رَأس المحبين مُحَمَّدًا ﷺ فنالوا من تِلْكَ الْمحبَّة الَّتِي أعْطى مُحَمَّد ﷺ وَقَالَ فِي
стр. 1036
تَنْزِيله ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله وَيغْفر لكم﴾ فَجعل اتِّبَاع مُحَمَّد ﷺ علما لمحبة الله فَمن اتبعهُ صدقا نَالَ حبه صدقا
عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ قَالَ على الْبر وَالتَّقوى والتواضع وذلة النَّفس
فالبر وَالتَّقوى هُوَ الْهِجْرَة الَّتِي ذَكرنَاهَا والتواضع هُوَ السَّبق لِأَن من تواضع رَفعه الله وذلة النَّفس نصْرَة الْحق
قَالَ لَهُ قَائِل وَكَيف صَار نصْرَة الْحق فِي النَّوَافِل دون الْفَرَائِض قَالَ إِن نصْرَة الْحق مِنْهُ فِي الْفَرَائِض منكمنة لِأَنَّهُ إِن ترك الْفَرَائِض فخوف الْوَعيد يحملهُ على الْقيام بهَا فَمَا دَامَ يُؤَدِّي الْفَرَائِض فَهُوَ نَاصِر للحق وَلَكِن النُّصْرَة منكمنة لِأَنَّهُ رُبمَا أَدَّاهَا من خوف الْعقَاب والوعيد فَإِذا تنفل فقد انكشفت النُّصْرَة لِأَنَّهُ يعْمل لَا من خوف الْوَعيد إِنَّمَا يُرِيد أَن يتودد ويتقرب ويتحبب إِلَى ربه أَلا ترى أَنه قَالَ فِي حَدِيثه وَإنَّهُ ليتقرب إِلَيّ بعد ذَلِك بالنوافل حَتَّى أحبه فَإِنَّمَا أوجب لَهُ حبه بِمَا تحبب إِلَيْهِ بالنوافل فقد تقرب العَبْد بالفرائض وتحبب وَلَكِن كَانَ ذَلِك مِنْهُ منكمنا لِأَن خوف الْوَعيد قد مازجه فبالنوافل ظهر مَا كَانَ منكمنا فأظهر لَهُ حبه فأوجبه لَهُ
عَن جَابر ﵁ قَالَ جَاءَ الْعَبَّاس إِلَى رَسُول الله ﷺ وَعَلِيهِ ثِيَاب بيض فَتَبَسَّمَ رَسُول الله ﷺ فِي وَجهه فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا الْجمال قَالَ صَوَاب القَوْل بِالْحَقِّ قَالَ فَمَا الْكَمَال قَالَ حسن الفعال بِالصّدقِ
стр. 1037
عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِي ﷺ بِمثلِهِ غير أَنه زَاد فِيهِ فَرَآهُ تَبَسم فَقَالَ مَا يضحكك يَا رَسُول الله أضْحك الله سنك قَالَ يضحكني جمالك قَالَ وَمَا الْجمال يَا رَسُول الله فَذكر بَقِيَّة الحَدِيث
فَهَذَا الْكَمَال مَوْجُود فِي الرِّجَال بِفضل الْعُقُول وتفاوتها لِأَن الْمعرفَة مَعَ الْعقل وَالنِّسَاء منقوصات فِي الْعقل وَلذَلِك صَارَت شَهَادَة امْرَأتَيْنِ تعدل شَهَادَة رجل
فَأَما مَرْيَم بنت عمرَان وآسية بنت مُزَاحم فَإِنَّهُمَا برزتا على النِّسَاء بِمَا أعطيتا فكملتا قَالَ لَهُ قَائِل فَمَاذَا أعطيتا حَتَّى كملتا قَالَ أعطيتا السَّبِيل إِلَى الْوُصُول إِلَى الله ثمَّ الِاتِّصَال بِهِ وَذَلِكَ مَا ندب الله إِلَيْهِ عباده الْمُؤمنِينَ فَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وابتغوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة وَجَاهدُوا فِي سَبيله لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾
وَفِيمَا قصّ الله علينا من نبأهما دَلِيل على كمالهما من قَوْله ﴿ضرب الله مثلا﴾ أَي صفة للَّذين آمنُوا ليتمثلوه فيطلبوا هَذَا الْمِثَال من أنفسهم ﴿امْرَأَة فِرْعَوْن إِذْ قَالَت رب ابْن لي عنْدك بَيْتا فِي الْجنَّة﴾ والعند فِي اللُّغَة أقرب الْقرب بَين يَدَيْهِ فَسَأَلت رَبهَا مُسْتَقرًّا بَين يَدَيْهِ فِي دَاره فِي مَكَان الْقرْبَة فَلم تسْأَل ذَلِك إِلَّا وَقد طالعت نور الْقرْبَة ثمَّ قَالَت ﴿ونجني من فِرْعَوْن وَعَمله﴾
سَأَلت أَن يخلصها من سُلْطَان فِرْعَوْن حَتَّى لَا يجتمعا فِي شَأْن البضاع على رَائِحَة الشّرك وَلذَلِك حرم الله على الْمُؤمنِينَ مشركات النِّسَاء حَتَّى لَا يجْتَمع رَائِحَة التَّوْحِيد مَعَ رَائِحَة الشّرك وأباح نسَاء أهل
стр. 1038
الْكتاب لِأَنَّهُنَّ من الْكفَّار غير مشركات ثمَّ قَالَ وَمَرْيَم ابنت عمرَان الَّتِي أحصنت فرجهَا فنفخنا فِيهِ من رُوحنَا وصدقت بِكَلِمَات رَبهَا وَكتبه
فالتصديق بِالْكَلِمَةِ أعظم الْأَشْيَاء لِأَنَّهَا لم تعاين الْمَلَائِكَة وَإِنَّمَا سَمِعت صَوت الْبُشْرَى ﴿إِن الله يبشرك بِكَلِمَة مِنْهُ﴾ فصدقت وَلم تردد فسماها الله صديقَة فِي تَنْزِيله فَقَالَ ﴿وَأمه صديقَة﴾
فبالاتصال بلغ الْعباد أَعلَى منَازِل الصديقين فَلَا ينالهم فِي أَمر الله حيرة أَلا ترى أَن سارة لما بشرت بِإسْحَاق كَيفَ اضْطَرَبَتْ حَتَّى أنْكرت الْمَلَائِكَة من قَوْلهَا إِن هَذَا لشَيْء عَجِيب قَالُوا أَتَعْجَبِينَ من أَمر الله فَتبين هَهُنَا مِنْهَا نقص وَتبين الْكَمَال من مَرْيَم حَيْثُ بشرت بِالْكَلِمَةِ من قَوْله ﴿إِن الله يبشرك بِكَلِمَة مِنْهُ اسْمه الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم وجيها فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمن المقربين ويكلم النَّاس فِي المهد وكهلا وَمن الصَّالِحين﴾
فَعندهَا قَالَت ﴿رب أَنى يكون لي ولد وَلم يمسسني بشر﴾ فَإِنَّمَا سَأَلت من أَيْن هَذَا الْوَلَد لِأَنَّهُ قد جاءها من أَمر الله مَا لَيْسَ فِي الْبشر مثله وَالَّذِي جَاءَ من أَمر سارة لَيْسَ بمستنكر قد يكون مثله فِي الْبشر أَلا ترى أَنه لما جَاءَ الْوَلَد من إِبْرَاهِيم وَسَارة لم يفتتن الْخلق بِهِ ومجيء عِيسَى ﵇ فتْنَة على المفتونين
стр. 1039
- الأَصْل الْحَادِي وَالسِّتُّونَ والمائتان
-
فِي أَخْلَاق الله الْمِائَة والسبعة عشر
عَن عبد الله بن رَاشد قَالَ حَدثنِي مولَايَ عَن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن لله مائَة وَسَبْعَة عشر خلقا من أَتَى بِوَاحِدَة مِنْهُنَّ دخل الْجنَّة
وَعَن مَرْوَان يَقُول سَمِعت عُثْمَان بن عَفَّان يَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن لله تَعَالَى مائَة وَسَبْعَة عشر خلقا من جَاءَ بِخلق مِنْهَا دخل الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب فَقُلْنَا بَينهَا لنا قَالَ كظم الغيظ وَالْعَفو عِنْد الْمقدرَة والصلة عَن القطيعة والحلم عِنْد السَّفه وَالْوَقار عِنْد الطيش ووفاء الْحق عِنْد الْجُحُود وَالْإِطْعَام عِنْد الْجُوع والعطية عِنْد الْمَنْع والإصلاح عِنْد الْفساد والتجاوز عَن الْمُسِيء والعطف على الظَّالِم وَقبُول المعذرة والإبانة للحق والتجافي عَن دَار الْغرُور وَترك التَّمَادِي فِي الْبَاطِل أَلا وَلَيْسَ فِي أَخْلَاق الله شَيْء أحب إِلَيْهِ من الْجُود وَالْكَرم فَإِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا وَفقه لأخلاقه فتخلق بهَا وَإِذا أَرَادَ الله بِعَبْد شرا خلى
стр. 1040
بَينه وَبَين أَخْلَاق إِبْلِيس وَإِن من أَخْلَاق إِبْلِيس أَن يغْضب فَلَا يرضى وَأَن يسمع فيحقد وشراهية النَّفس وهنتها وَأخذ مَا لَيْسَ لَهَا ونزقها إِلَى اللَّهْو وَالْبَاطِل إِلَّا وَإِن إِبْلِيس لَيْسَ هُوَ على أحد أَشد مِنْهُ على الْقُرَّاء الَّذين هم عِنْد أنفسهم قراء لَا يزَال فِيمَا بَينهم يذهب وَيَجِيء حَتَّى يُورث بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء فَلَو قلت حَقًا مَا أقل من يجْتَمع مِنْهُم غَدا فِي الْآخِرَة إِلَّا قوم عطف بَعضهم على بعض وَتركُوا الحقد وَالْغَضَب وألحوا فِي الطّلبَة إِلَى الله أَن يقبلهم وَيقبل معذرتهم
قَالَ أَبُو عبد الله فالأخلاق مَوْضُوعَة فِي الطَّبْع ومعقلها فِي الصَّدْر وَمثل ذَلِك مثل ملك لَهُ خزانَة وقواد ومملكة فَإِن كَانَت الخزانة قَليلَة كنوزها وكورته صَغِيرَة ضَاقَ بهؤلاء القواد وَقَالَ بَعضهم لبَعض هَذَا ملك لَهُ اسْم الخزانة والكنوز وَلَيْسَ لكنوزه مَادَّة يجْرِي علينا ويعيننا حَتَّى نتَّخذ عدَّة لِلْعَدو الَّذِي بِمَرْصَد منا وَمن ملكنا هَذَا وَلَيْسَت لَهُ مملكة فسيحة تَنْتَشِر فِيهَا فَيَأْخُذ كل قَائِد منا نَاحيَة من المملكة فيدبر أَمر الْملك فِي أهل ناحيته فتعالوا ننتقل عَن هَذَا إِلَى ملك لمملكته فسحة ومنتشر فنتسع فِي نَوَاحِيهَا فيقود الجيوش إِلَى أَعمالنَا فَإِن الْعَدو بِمَرْصَد وَلَا نَأْمَن أَن ينتهز منا فرْصَة فالملك هُوَ الْقلب وخزانته جَوف الْقلب فِيهِ كنوز الْمعرفَة وجواهر الْعلم بِاللَّه وَالْعقل وزيره والصدر فسحته وساحته ومملكته والأخلاق قواده والأركان رَعيته ونواحيه وَهِي الْجَوَارِح السَّبع فَهَؤُلَاءِ القواد هم الْأَخْلَاق فِي الصَّدْر قواد الْملك قيام بَين عَيْني الْفُؤَاد وَالْعقل شعاعه يشرق بَين عَيْني الْفُؤَاد يدبر أَمر الْقلب وَالنَّفس فِي الْجوف رابضة فِي مَكَانهَا تطلب الْملك وترصد لإنتهاز الفرصة ليخرج على الْملك لِأَن شَهْوَة الإمرة فِيهَا والهوى بِبَاب النَّفس يتلهف عطشا ويتلظى بَين يَدي بَصِيرَة النَّفس وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِن النَّفس لأمارة بالسوء﴾ وَهِي أبدا فِي طلب الْإِمَارَة لتتملك وتتأمر على الْجَوَارِح
стр. 1041
فَإِذا خطرت الخاطرة فِي الصَّدْر بَين عَيْني الْفُؤَاد نظر الْعقل فَإِن رَآهَا حَسَنَة وأمرا رشيدا قدر ودبر مَاذَا يُرَاد وَكم يُرَاد وَمَتى يُرَاد وَإِلَى مَتى يُرَاد وَإِن رَآهَا سَيِّئَة وغيا نفاها من الصَّدْر فَفِي هَذَا الْوَقْت للنَّفس مُنَازعَة مَعَ الْقلب والهوى مَعَ الْعقل فِي هَذِه الخاطرة النَّفس تشْتَهي والهوى يزعج النَّفس ويشجعها والعدو يزين ويمني ويغر فَإِذا جَاءَ مدد الْأَخْلَاق بَطل تَزْيِين الْعَدو وأمانيه وانكشف غروره وَأدبر الْهوى قهقرى وَجَاء مدد كنوز الْمعرفَة وَمد الْملك يَده إِلَى جَوَاهِر الْعلم بِاللَّه فِي الخزانة فانمحقت المخاطرة وأسبابها وجنودها وأعوانها فَإِن الخاطرة كَانَت طَلِيعَة النَّفس والهوى والعدو هَذَا إِن كَانَت خاطرة الغي وَإِن كَانَت رشدا كَانَت طَلِيعَة الْحق عز هَذَا الْملك ومنعته وقوام مَمْلَكَته بِهَذِهِ الْكُنُوز وَهَؤُلَاء القواد وَهِي الْأَخْلَاق الَّتِي أحدقت بِالْقَلْبِ فَإِذا دبر الْعقل وَقدر مَا رَآهُ حسنا أَمْضَاهُ الْقلب لِأَن محَاسِن الْأَخْلَاق كائنة فِي الطَّبْع وَالنَّفس تتماسك فِي الْأَمر وتنقاد للقلب بالطبع فَإِذا كَانَ الْخلق بالطبع ظهر ذَلِك الْخلق وسلطانه فِي الصَّدْر حَتَّى يقوى الْقلب بِهِ فَيخرج من الصَّدْر إِلَى الْأَركان ذَلِك الخاطر الَّذِي قدره الْعقل فعلا حسنا مُقَدرا مُدبرا فِي يسر بِلَا عسر وَلَا تلجلج وَلَا تردد وَلَا تَقْدِيم وَلَا تَأْخِير وَلَا غلو وَلَا تَقْصِير وَلَا الْتِفَات إِلَى رشوة النَّفس من طَرِيق الثَّوَاب والعلائق لِأَن الْأَخْلَاق تصير النَّفس حرَّة سخية وسخاوتها حريتها والسخاء والخساء بِمَعْنى وَاحِد إِلَّا أَن الخساء هُوَ الْبعيد من الْأَشْيَاء والسخاء هُوَ انْفِرَاد النَّفس من الشَّيْء وعتقها من رقها والخسا والزكا هما ضدان والخسا الْفَرد والزكا الزَّوْج وهما مقصوران غير ممدودين فَجَمِيع محَاسِن الْأَخْلَاق تؤول إِلَى الْجُود وَالْكَرم والسخاء فَإِذا سخت النَّفس تكرمت وَإِذا تكرمت جَادَتْ
فأخلاق الله تَعَالَى أخرجهَا لِعِبَادِهِ من بَاب الْقُدْرَة وخزنها للعباد فِي الخزائن وَقسمهَا على أَسْمَائِهِ الْحسنى وَأَمْثَاله الْعليا فَإِذا أَرَادَ
стр. 1042
بِعَبْد خيرا منحه مِنْهَا خلقا ليدر عَلَيْهِ من ذَلِك الْخلق فعلا حسنا جميلا بهيا فجبله فِي بطن أمه على ذَلِك الْخلق وَإِذا لم يكن مجبولا بذلك الْخلق فِي بطن أمه قدر لَهُ علم ذَلِك وَحسنه وبهاءه ليتخلق العَبْد بذلك وتخلقه أَن يحمل نَفسه على فعل ذَلِك الْخلق حَتَّى تعتاد نَفسه ذَلِك
وَرُوِيَ عَن وهب بن مُنَبّه أَنه قَالَ من داوم على خلق أَرْبَعِينَ يَوْمًا صَار ذَلِك لَهُ خلقا أَي بَقِي مَعَه ذَلِك وَلَا يكون أَصْلِيًّا لِأَن المجبول عَلَيْهِ منحه الله تَعَالَى وهديته وَإِذا أهدي لَهُ ثَبت لَهُ ذَلِك وَكَانَت نَفسه معجونة بذلك الْخلق والرب لَا يرتجع فِي هديته
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من أدْرك التَّكْبِيرَة الأولى فِي صَلَاة الْجَمَاعَة أَرْبَعِينَ يَوْمًا كتب لَهُ عتق من النَّار
عَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من صلى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جمَاعَة لَا تفوته الرَّكْعَة الأولى كتب لَهُ عتق من النَّار
стр. 1043
فَهَذَا إِذا صَار الْمَشْي إِلَى جمَاعَة أَرْبَعِينَ يَوْمًا خلقا فَكَذَلِك سَائِر الْأَخْلَاق لِأَن الْأَخْلَاق احْتِمَال أثقال المكاره وَالْمَشْي إِلَى الْجَمَاعَة احْتِمَال مَكْرُوه لِأَنَّهُ لَو شَاءَ صلاهَا فِي بَيته فَلَمَّا أَمر بِالْمَشْيِ إِلَى الْجَمَاعَة احْتمل أثقال الْمَكْرُوه فَقدر لَهُ رَسُول الله ﷺ مِقْدَار أَرْبَعِينَ يَوْمًا ليصير لَهُ خلقا وَيسْقط عَنهُ الأثقال لِأَن سوء الْخلق فِي طلب الرَّاحَة وَإِن هَذِه الْأَخْلَاق تفضل الله بهَا على عبيده على قدر مَنَازِلهمْ عِنْده فمنح أنبياءه مِنْهَا فَمنهمْ من أعطَاهُ مِنْهَا خمْسا وَمِنْهُم من أعطَاهُ مِنْهَا عشرا أَو عشْرين وَأكْثر من ذَلِك وَأَقل فَمن زَاد مِنْهَا ظهر حسن مُعَامَلَته ربه وَحسن مُعَامَلَته خلقه على قدر تِلْكَ الْأَخْلَاق وَمن نَقصه مِنْهَا ظهر عَلَيْهِ ذَلِك وَلذَلِك ابْتُلِيَ يُونُس ﵇ بِمَا ابْتُلِيَ بِهِ حَتَّى صَار ذَنبا وسجنه فِي بطن الْحُوت حَتَّى طهره وَجعل مَا حل بِهِ موعظة للموحدين وَإِنَّمَا سَمَّاهُ آبقا فِي تَنْزِيله ﴿أبق إِلَى الْفلك المشحون﴾ لتضايق أخلاقه وَترك احْتِمَال أثقال الْخلق فِي ذَات الله تَعَالَى فعتب الله عَلَيْهِ ثمَّ اجتباه بعطفه وَرَحمته وهذبه بكرمه
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ بعثت لأتمم مَكَارِم الْأَخْلَاق
فأنبأنا فِي قَوْله هَذَا أَن الرُّسُل قد مَضَت وَلم تتمم هَذِه الْأَخْلَاق كَأَنَّهُ بقيت عَلَيْهِم من هَذَا الْعدَد بَقِيَّة فَأمر أَن يتممها فأعلمنا فِي قَوْله هَذَا أَن تِلْكَ الْأَخْلَاق الَّتِي كَانَت فِي الرُّسُل فِيهِ ثمَّ هُوَ مَبْعُوث لإتمام مَا بَقِي مِنْهَا ليقدم على الله بِجَمِيعِ أخلاقه الَّتِي ذَكرنَاهَا مائَة وَسَبْعَة عشر خلقا فَلَا يجوز لنا أَن نتوهم عَلَيْهِ أَنه بعث لأمر فَقدم على ربه وَهُوَ غير متمم
стр. 1044
لَهُ وَمن أشرق فِي صَدره نور اسْم من أَسمَاء الله كَانَت لَهُ تِلْكَ الْأَخْلَاق الَّتِي لذَلِك الِاسْم هَذَا للمجبولين وَمن تخلق بذلك الْخلق وَلم يكن جبل عَلَيْهِ كَانَ تخلقه طَهَارَة لصدره وَقَلبه من دنس الْخلق السَّيئ الَّذِي هُوَ ضد هَذَا الْخلق فَإِذا تطهر من سيئ الْأَخْلَاق لتخلقه بمحاسن الْأَخْلَاق بِجهْد وكد شكر الله لَهُ ذَلِك فَوجدَ قلبه طَرِيقا إِلَى ذَلِك الِاسْم وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا وَإِن الله لمع الْمُحْسِنِينَ﴾ أحسن الله أخلاقه جهدا فَكَانَ الله مَعَه بالتأييد والنصرة والعون حَتَّى تمت المجاهدة فَشكر الله لَهُ ذَلِك فهداه السَّبِيل إِلَيْهِ بِأَن كشف عَنهُ السوء حَتَّى أشرق فِي صَدره نور ذَلِك وَهُوَ قَوْله تَعَالَى أَمن يُجيب الْمُضْطَر إِذا دَعَاهُ ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأَرْض
وَإِذا كشف السوء صلح للخلافة فِي دينه وَوَجَب عَلَيْك طَاعَته وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾
فَلذَلِك قيل فِي حِكْمَة الْحُكَمَاء الْمَعْرُوفَة فِي صفاء الْأَخْلَاق وطهارة الْقلب فَإِذا طهر الْقلب من الريب وصفت الْأَخْلَاق من الدنس والكدورة نَالَ العَبْد الْمعرفَة الَّتِي فِي الْقرْبَة والوصول إِلَى ربه فَإِذا وصل الْقلب إِلَى ربه دَان لَهُ فَعندهَا أصَاب الدّين الَّذِي يدين الله بِهِ
وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ الْخلق وعَاء الدّين رَوَاهُ أنس بن مَالك ﵁ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 1045
فالدين هُوَ خضوع الْقلب مُشْتَقّ من الدون الوضوع فَإِذا تواضع الْقلب وخشعت النَّفس وَأَلْقَتْ بِيَدَيْهَا لله سلما فَذَلِك دين العَبْد فَإِذا أمره بِأَمْر ائتمر وَإِذا نَهَاهُ انْتهى وَإِذا قسم لَهُ من الدُّنْيَا قنع وَإِذا حكم عَلَيْهِ بِحَال رَضِي محبوبا كَانَ أَو مَكْرُوها فَهَذِهِ عبودة العَبْد وَإِنَّمَا قدر العَبْد على إِقَامَة العبودة فِي هَذِه الْأَشْيَاء بخشعة النَّفس وخضعة الْقلب وتواضعه فَذَلِك دينه وَإِنَّمَا قَالَ الْخلق وعَاء الدّين لِأَن ذَلِك الْخلق إِذا كَانَ للْعَبد مثل الْجُود والسخاء وَالْكَرم كَانَت النَّفس حرَّة من رق الْهوى وَالْقلب حرا من رق النَّفس فهان عَلَيْهِ التَّوَاضُع والخضوع لله والقناعة بِمَا قسم والرضاء بِمَا حكم والائتمار بأَمْره والانتهاء عَن نَهْيه وَإِنَّمَا يسر عَلَيْهِ إِقَامَة الدّين من أجل ذَلِك الْخلق فَإِذا كَانَ للْعَبد ذَلِك الْخلق كَانَ وعَاء لدينِهِ من ذَلِك الْخلق يخرج لَهُ الدّين وَهُوَ الخضوع والخشوع وبذل النَّفس لله وَاحْتِمَال أثقال الْمَكْرُوه وَلما كَانَ هَذَا الْإِسْلَام أشرف الْأَدْيَان أعطَاهُ أقوى الْأَخْلَاق وَأَشْرَفهَا وَهُوَ الْحيَاء
عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن لكل دين خلقا وَخلق الْإِسْلَام الْحيَاء
وَالْحيَاء أَصله من الْحَيَاة فَإِذا حيى الْقلب بِاللَّه استحيى وَكلما ازْدَادَ حَيَاة بِاللَّه ازْدَادَ حَيَاء مِنْهُ أَلا ترى أَن المستحيي يعرق فِي وَقت الْحيَاء فعرقه من حرارة الْحَيَاة الَّتِي هَاجَتْ من الرّوح فَمن هيجانه يفور الرّوح بِتِلْكَ الْحَرَارَة فيعرق الْجَسَد مِنْهُ ويعرق مِنْهُ مَا علا لِأَن سُلْطَان الْحيَاء فِي الْوَجْه والصدر
стр. 1046
عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت إِن جِبْرَائِيل ﵇ نزل على النَّبِي ﷺ وَبَين يَدَيْهِ شَيْء من حبوب يَأْكُلهُ مُتكئا فَجَلَسَ يتصبب عرقا فَقُمْت إِلَيْهِ فَجعلت أَمسَح الْعرق عَن وَجهه وَأَقُول بأمي وَأبي يَا رَسُول الله مَا لَك قَالَ إِن جِبْرَائِيل ﵇ أَتَانِي وَأَنا آكل مُتكئا فَقَالَ يَسُرك أَن تكون ملكا فهالني قَوْله قَالَت عَائِشَة ﵂ فَمَا رَأَيْت النَّبِي ﵇ أكل مُتكئا بعد ذَلِك حَتَّى فَارق الدُّنْيَا
وَإِنَّمَا تصبب عرقا لفوران حرارة حَيَاته بِاللَّه فَكلما كَانَ حَيَاة الْقلب بِاللَّه أعظم كَانَ تَسْلِيمه لله أَكثر وأوفر وَنَفسه أساس للانقياد لِأَن الْإِسْلَام هُوَ تَسْلِيم النَّفس لله وَالدّين خضوعها وانقيادها فَلذَلِك صَار الْحيَاء خلقا لِلْإِسْلَامِ ووعاء للدّين يستحيي فيتواضع ويستحيي فيخضع ويستحيي فيبذل نَفسه لله وَلَا يبخل بهَا عَلَيْهِ وَمن الْحيَاء انكسار النَّفس وَذَهَاب رجوليتها أَلا ترى أَن الْمَرْأَة لما فضلت على الرجل بِتِسْعَة وَتِسْعين جُزْءا من الْحيَاء كَيفَ كسرت شهوتها الَّتِي فضلت بهَا على الرجل
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ إِن الْمَرْأَة فضلت على الرجل بِتِسْعَة وَتِسْعين جُزْءا من الشَّهْوَة وفضلت من الْحيَاء بِتِسْعَة وَتِسْعين جُزْءا لتكسر تِلْكَ الشَّهَوَات مَا فضلت بِهِ من أَجزَاء الْحيَاء
стр. 1047
فقد بَان لَك أَن الْحيَاء يكسر وَيذْهب بِالْقُوَّةِ والجلادة والصلابة من النَّفس وَإِذا كَانَ ذَلِك يُقَوي الْقلب لِأَن الْحيَاء من الْحَيَاة بِاللَّه والحياة بِاللَّه من نفس الْمعرفَة فَأَما مَا ذكرنَا من شَأْن المجبول على خلق وَمن شَأْن الممنوح المتخلق بِهِ فَروِيَ عَن الْعَلَاء بن كثير أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن محَاسِن الْأَخْلَاق مخزونة عِنْد الله فَإِذا أحب الله عبدا منحه مِنْهَا خلقا حسنا أَو خلقا صَالحا
وَعَن هود الْعَبْدي القصري عَن جده قَالَ بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ يحدث أَصْحَابه إِذْ قَالَ لَهُم إِنَّه سيطلع عَلَيْكُم من هَذَا الْوَجْه ركب هم من خير أهل الْمشرق فَقَامَ عمر بن الْخطاب ﵁ فَتوجه فِي ذَلِك الْوَجْه فلقي ثَلَاثَة عشر رَاكِبًا فَرَحَّبَ وَقرب وَقَالَ من الْقَوْم قَالُوا نفر من عبد الْقَيْس قَالَ فَمَا أقدمكم هَذِه الْبِلَاد التِّجَارَة قَالُوا لَا قَالَ أفتبيعون سُيُوفكُمْ هَذِه قَالُوا لَا فلعلكم إِنَّمَا قدمتم فِي طلب هَذَا الرجل قَالُوا أجل فَمشى مَعَهم يُحَدِّثهُمْ حَتَّى إِذا نظر إِلَى النَّبِي ﷺ قَالَ هَذَا صَاحبكُم الَّذِي تطلبونه فَرمى الْقَوْم بِأَنْفسِهِم عَن رحالهم فَمنهمْ من سعى وَمِنْهُم من هرول وَمِنْهُم من مَشى حَتَّى أَتَوا النَّبِي ﷺ فَأخذُوا بِيَدِهِ فقبلوها وقعدوا إِلَيْهِ وَبَقِي الْأَشَج هُوَ أَصْغَر الْقَوْم فَأَنَاخَ الْإِبِل وعقلها وَجمع مَتَاع الْقَوْم ثمَّ أقبل يمشي على تؤدة حَتَّى أَتَى النَّبِي ﵇ فَأخذ بِيَدِهِ فقبلها فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ فِيك خصلتان يحبهما الله وَرَسُوله قَالَ وَمَا هما يَا رَسُول الله قَالَ الأناءة والتؤدة قَالَ يَا نَبِي الله أجبلا جبلت عَلَيْهِ أم تخلقا مني قَالَ لَا بل جبلا جبلت عَلَيْهِ فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي جبلني على مَا يحب الله وَرَسُوله
стр. 1048
وَأَقْبل الْقَوْم قبل تمرات يأكلونها فَجعل النَّبِي ﷺ يُخْبِرهُمْ بهَا يُسمى لَهُم هَذَا كَذَا وَهَذَا كَذَا قَالُوا أجل يَا نَبِي الله مَا نَحن بِأَعْلَم بأسمائها مِنْك قَالَ أجل فَقَالُوا لرجل أطعمنَا من بَقِيَّة الْقوس الَّذِي بَقِي من نوطك والقوس قِطْعَة تمر فَأَتَاهُم بالبرني فَقَالَ رَسُول الله ﷺ هَذَا البرني إِمَّا أَنه من خير تمركم لكم إِمَّا أَنه دَوَاء لَا دَاء فِيهِ
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ قلَّة الْحيَاء كفر
وَالْكفْر غطاء على الْقلب فَإِذا حل الغطاء بِالْقَلْبِ ذهب الْحيَاء وَمَات الْقلب وَإِذا انْكَشَفَ الغطاء فَإِنَّمَا ينْكَشف لِحَيَاتِهِ بِاللَّه فَإِذا حيى استحيا وَلذَلِك قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة الْحيَاء أَخُو التَّقْوَى وَلَا يخَاف العَبْد أبدا حَتَّى يستحيي وَهل دخل أهل التَّقْوَى فِي التَّقْوَى وَفِي أَمر الله إِلَّا من الْحيَاء
وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ أَشد حَيَاء من الْعَذْرَاء فِي خدرها
وَقَالَ أَبُو بكر ﵁ اسْتَحْيوا من الله فَإِنِّي لأدخل الكنيف فأقنع رَأْسِي حَيَاء من الله تَعَالَى
رَجعْنَا إِلَى مُبْتَدأ مَا وَصفنَا من شَأْن الْمثل الْمَضْرُوب قُلْنَا فَإِذا أَرَادَ العَبْد أَن يتخلق بِخلق من هَذِه الْأَخْلَاق احْتَاجَ إِلَى أَن يُمكن لَهُ فِي الصَّدْر الَّذِي هُوَ ساحة الْقلب فَمن كَانَ أوسع صَدرا كَانَ بِمَنْزِلَة من كَانَ أوسع مملكة من المَال حَتَّى تَجِد قواد الْملك منفسحا فَيَأْخُذ كل قَائِد نَاحيَة
стр. 1049
فيتملك فِيهَا على حشمه فَإِذا اتَّسع صَدره أَخذ كل خلق من هَذِه الْأَخْلَاق نَاحيَة من صَدره وَتمكن فِيهِ ويسهل على الْقلب إِنْفَاذ أَمر الله وَإِذ ضَاقَ صَدره لم يسْتَقرّ فِيهِ خلق بِمَنْزِلَة أُولَئِكَ القواد لما لم يَجدوا فسحة انتقلوا إِلَى ملك آخر أوسع مملكة مِنْهُ وأوفر كنوزا وَلذَلِك سَأَلَ مُوسَى ﵇ أول مَا سَأَلَ حِين بَعثه إِلَى فِرْعَوْن فَقَالَ ﴿رب اشرح لي صَدْرِي وَيسر لي أَمْرِي﴾ فبشرح الصَّدْر قدر على احْتِمَال أثقال الْمَكْرُوه حَيْثُ احْتَاجَ إِلَى أَن يسْتَقْبل فِرْعَوْن بالمكاره قد هرب مِنْهُ خوفًا من الْقَتْل
ومبتدأ هَذَا الْأَمر أَن يعْمل فِي توسيع الصَّدْر حَتَّى تصير لَهُ هَذِه الْأَخْلَاق وتوسعه أَن يتْرك الشَّهَوَات والنهمات وَيجْعَل المكاره على النَّفس حَتَّى تصير مدبوغة فَعندهَا تطهر الْأَخْلَاق ويشرق أنوار الْأَسْمَاء فِي صَدره فَعنده يغزر علمه بِاللَّه تَعَالَى فيعيش عبدا غَنِيا بِاللَّه مَا عَاشَ
стр. 1050
- الأَصْل الثَّانِي وَالسِّتُّونَ والمائتان
-
فِي صُورَة النَّفس وإحيائها
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَربع من كن فِيهِ حرمه الله تَعَالَى على النَّار وَحفظه من الشَّيْطَان من ملك نَفسه حِين يرغب وَحين يرهب وَحين يغْضب وَحين يَشْتَهِي وَأَرْبع من كن فِيهِ نشر الله عَلَيْهِ رَحمته وَأدْخلهُ فِي محبته من آوى مِسْكينا ورحم ضَعِيفا ورفق بالملوك وَأنْفق على الْوَالِدين
قَالَ أَبُو عبد الله فَالنَّفْس فِي هَذَا الْجَسَد ومعدنها فِي الْبَطن ثمَّ هِيَ متفشية فِي جَمِيع الْجَسَد وَالروح معدنه فِي الرَّأْس ثمَّ هُوَ منفش فِي جَمِيع الْجَسَد والجسد قالب للروح وَالنَّفس كليهمَا والحياة مَوْضُوعَة فِي كليهمَا وحياة الرّوح أقوى وَأكْثر وأخلص وأصفى من حَيَاة النَّفس وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن الرّوح يَأْمر بِالطَّاعَةِ وَذَلِكَ لِأَن حَيَاته أَكثر وَأقوى لِأَن أَصله من روح الْحَيَوَان الَّذِي مَاء الْحَيَوَان مِنْهُ الَّذِي إِذا شرب مِنْهُ
стр. 1051
أهل الْجنَّة بِبَاب الْجنَّة لم يموتوا وَقَالَ تَعَالَى فِي تَنْزِيله ﴿وَإِن الدَّار الْآخِرَة لهي الْحَيَوَان﴾ فههنا حَيَاة وَفِي الدَّار الْآخِرَة حَيَوَان
فَهَذِهِ الْحَيَاة الَّتِي فِي الرّوح قَليلَة وَالْمَاء الَّذِي فِي الْجنَّة وَالنّهر الَّذِي بِبَاب الْجنَّة لاغتسال أهل الْجنَّة يَوْم يدْخلُونَهَا كُله من مَاء الْحَيَوَان وَالْمَاء الَّذِي تَحت الْعَرْش بَحر راكد على مِقْدَار أرزاق الْعباد وَهُوَ من مَاء الْحَيَوَان وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى وَجَعَلنَا من المَاء كل شَيْء حَيّ
فَإِذا أنزل الله إِلَى الأَرْض مِنْهُ أَحْيَا بِهِ الأَرْض وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى وأنزلنا من السَّمَاء مَاء مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جنَّات وَحب الحصيد
ثمَّ قَالَ ﴿وَمن آيَاته أَنَّك ترى الأَرْض خاشعة﴾ أَي ميتَة لَا تتحرك ﴿فَإِذا أنزلنَا عَلَيْهَا المَاء اهتزت وربت﴾ فاهتزازها وربوها وحركتها من الْحَيَاة الَّتِي دخلت فِيهَا
ثمَّ قَالَ ﴿إِن الَّذِي أَحْيَاهَا﴾ يَعْنِي الأَرْض ﴿لمحيي الْمَوْتَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أحيينا بِهِ بَلْدَة مَيتا﴾ فَإِنَّمَا إحْيَاء الأَرْض بِمَاء الْحَيَوَان
وَينزل الله تَعَالَى على أهل الْقُبُور قبل نفخة الصُّور من مَاء الْحَيَوَان حَتَّى تنْبت أَجْسَادهم وتحياهم ثمَّ يبْعَث الْأَرْوَاح وهم فِي قُبُورهم يتحركون قَالَ لَهُ قَائِل وَكَيف يتحركون بِلَا روح قَالَ بِالْحَيَاةِ الَّتِي نالتهم من ذَلِك المَاء ويتحركون كَمَا تحركت الأَرْض بِمَاء الْحَيَاة
стр. 1052
﴿اهتزت وربت﴾ وإهتزازها بِالْحَيَاةِ الَّتِي نَالَتْ أَغْصَان الْأَشْجَار حَتَّى أورقت وكل شَيْء يَتَحَرَّك إِنَّمَا يَتَحَرَّك بِالْحَيَاةِ
فالروح أوفر الْأَشْيَاء حظا من هَذِه الْحَيَاة لِأَنَّهُ خرج من روح الْحَيَاة الْأَصْلِيّ ثمَّ من بعد ذَلِك أوفر الْأَشْيَاء حظا من الْحَيَاة بعد الرّوح هَذِه النَّفس فالنفوس لجَمِيع الدَّوَابّ والبهائم والطيور وَفضل الْآدَمِيّ بِالروحِ للْخدمَة لِأَنَّهُ خَادِم ربه وَسَائِر الْخلق سخرة للآدمي فالروح بِمَا فِيهِ من الْحَيَاة يَدْعُو الْقلب إِلَى الطَّاعَة وَالنَّفس بِمَا فِيهَا من الْحَيَاة تَدْعُو إِلَى الشَّهَوَات والأفراح وَالْقلب أَمِير على الْجَوَارِح وَعَن أمره يصدرن إِلَى الْأَعْمَال فالأمير يَأْمر بِقُوَّة الْمعرفَة وَالْعلم بِاللَّه
فَقَوله من ملك نَفسه فالملك للقلب على النَّفس فَمن كَانَ قلبه مَالِكًا لنَفسِهِ فِي هَذِه الْأَحَايِين الْأَرْبَع حِين الرَّغْبَة وَحين الرهبة وَحين الشَّهْوَة وَحين الْغَضَب فقد حرم على النَّار واختسأ شَيْطَانه لِأَن الدُّنْيَا كلهَا فِي هَذِه الْأَرْبَع فَإِذا ملك الْقلب النَّفس بِقُوَّة الْمعرفَة وَالْعلم بِاللَّه فَإِن للمعرفة وَالْعلم سُلْطَانا عَظِيما وجنودا كثيفة وكنوزا جمة للجنود فقد دقَّتْ دُنْيَاهُ فِي عينه وصغرت وتلاشت حَتَّى صَارَت كالهباء وَمن ملكت نَفسه قلبه بِقُوَّة الْهوى وسلطان هَذِه الْأَرْبَع وحدتها وغليانها صَارَت دُنْيَاهُ فِي عينه كل شُعْبَة مِنْهَا كالجبال أَو كالبحور وَعظم فِي عينه شَأْنهَا وشأن أَحْوَال نَفسه فِيهَا وَصَارَت الْآخِرَة فِي عينه كَالْحلمِ فَإِن المحتلم يتعشق فِي مَنَامه على جَارِيَة حسناء ويثب إِلَيْهَا ويلقي نَفسه عَلَيْهَا من شدَّة الشبق لِأَن شَيْطَانه يُرِيد ذَلِك ويخدع نَفسه البلهاء فِيمَا مثل لَهَا فِي مَنَامه فَإِذا إنتبه وجد نَفسه خَالِيا مِمَّا رأى وَإِذا هُوَ لم يزدْ على أَن بَال فِي فرَاشه فَهَذَا لم يزدْ على أَن ضحك بِهِ الشَّيْطَان
فَهَذِهِ صفة من يتعشق على الجنات من شَهْوَة نَفسه لسَمَاع الْأذن لَا بحياة الْقلب وَإِذا هُوَ ميت على الدُّنْيَا من حبها ويعظمها تَعْظِيمًا لَا ينَام وَلَا ينيم حرصا وأشرا وشرها وبطرا حَتَّى يَأْخُذهَا من الشُّبُهَات بتضييع
стр. 1053
الْأَمَانَات والتفريط فِي الْفَرَائِض ونسيان الْمَوْت والمعاد والقبر وَالْقِيَامَة والحساب بَين يَدي الله تَعَالَى وَقطع النَّار على الجسور وَيمْنَع الْحُقُوق ويعرض عَن مواعظ الله وَإِذا تَلا الْقُرْآن فَكَأَنَّمَا ينشد شعرًا أَو يَحْكِي كَلَام النَّاس لَا يَتَحَرَّك قلبه لوعد وَلَا لنبأ من أنباء الْقُرْآن وَلَا تَدْمَع عينه وَلَا يدْرِي مَا تَلا إِنَّمَا همه أَن يطيب نَفسه بِأَنِّي قَرَأت وتلوت فَهُوَ فِي مثل هَذَا الْقلب الخرب ممتلئ من الْغِشّ والغل والحقد وَطلب الْعُلُوّ والتعزز والتجبر والتكبر وإهمال الْجَوَارِح وتضييع الْبركَة على الْجَوَارِح السَّبع وَهِي الْمِيثَاق يتعشق على الْحور ويتلمظ على فواكه الْجنَّة ويتشمم برياحين الْجنان من بعد لسَمَاع الْأذن أبله من الأبالهة زبونا من زبون الشَّيْطَان أَحمَق من حمقى أهل الغي لَيْسَ من الْحَيَاة فِي قلبه أَن إِذا سمع بِذكر الْجنَّة قَالَ الْجنَّة دَار الله فغمض عَيْنَيْهِ حَيَاء من الله تَعَالَى وَقَالَ مثلي يصلح لدار الله وَأَنا لَا أصلح لدار أَمِير الْمُؤمنِينَ الَّذِي هُوَ عَبده فِي الدُّنْيَا ثمَّ دَمَعَتْ عَيناهُ وَاحْتَرَقَ جَوْفه مَخَافَة الْفَوْت والبعد من الله تَعَالَى لفوتها وأخذته الْحَسْرَة والندامة حَتَّى أَدَّاهُ ذَلِك إِلَى التضرع والحزن الدَّائِم والتوقي والتورع وَملك النَّفس
فَهَذِهِ النَّفس بفضلتها هِيَ كالمحتلم الَّذِي وَصفنَا أَنه إِذا انتبه استحيا من نَفسه بِمَا سخر بِهِ شَيْطَانه وَوجد فِي نَفسه حسرة حَيْثُ رأى نَفسه خَالِيَة عَمَّا رأى فِي مَنَامه فَهُوَ بَين حسرة وحياء
كَذَلِك هُوَ المتعشق بفضلته إِذا قدم على الله استحيا مِنْهُ حَتَّى يتصبب عرقا وتحسرت نَفسه إِذا رأى مَا فَاتَهُ من مَوْعُود الله للمطيعين الأتقياء فَمن آتَاهُ الله الْمعرفَة إِذا تذكر الْجنَّة بَكَى حَيَاء من الله أَن رأى جسدا توسخ وتدنس الْوَسخ من الآثام والدنس من الْعُيُوب وَرَأى الْجنَّة مُقَدَّسَة بقدس الله مطهرة بطهر الله مسفرة تضحك إِلَى أَوْلِيَاء الله تَعَالَى فَرجع إِلَى قلبه فَرَآهُ مَعَ الأوساخ والأدناس فاستحيى من الله وَبكى على أَيَّامه الَّتِي عطلها على اكْتِسَاب رضوَان الله واكتسب بهَا معاصي الله فَهَذَا لَهُ
стр. 1054
الرَّجَاء كل الرَّجَاء إِذا قدم على الله وَالنَّفس فِي هَذِه الْأَرْبَعَة صورتهَا عَجِيبَة إِذا اشتهت فصورتها كالريشة تهب بهَا الرّيح وشهوة الْأَشْيَاء مُتَفَاوِتَة وَفَرح النَّفس بِكُل شَهْوَة على قدرهَا والشهوة فِي الأول واللذة فِي الآخر وَإِنَّمَا قيل شَهْوَة لهشاشة النَّفس والميل إِلَى ذَلِك الشَّيْء والمبادرة إِلَيْهِ لخوف الْفَوْت فَتلك هشاشة يُقَال هش واهتش وشهى واشتهى فالشهوة مَأْخُوذَة من هُنَاكَ واللذة إِذا نَالَ الشَّيْء فَانْتهى إِلَى آخِره فذل ذَلِك الهيج وَسكن سُلْطَان الهشاشة يُقَال لذ وذل والذل انكسار وسكونها عَن الاهتياج والاغتلام والغلي فَأول الشَّهْوَة كلظى النَّار ولهبها ودخانها وَآخره وَهِي اللَّذَّة كالجمرة الَّتِي بعد مَا كَانَت تتلظى سكن ضرامها ولهبها وَصَارَت خامدة علاها الرماد
فصورة النَّفس فِي الشَّهْوَة كريشة هبت بهَا ريح نكباء فَهِيَ تدير النَّفس دوران الرَّحَى وَصُورَة النَّفس فِي الرَّغْبَة كعطشان يكَاد يقطع عُنُقه من الْعَطش فَإِذا رأى المَاء عبه عبا يكَاد يلتهم التهاما أَو كجائع غرثان وجد طَعَاما فالتقمه وبلعه بلعا من غير مضغ وَصُورَة النَّفس فِي الرهبة كالعلق فِي الديدان بَيْنَمَا هِيَ منبسطة مِقْدَار إِصْبَع طَوِيلَة إِذْ هِيَ منقبضة مِقْدَار فتر وكالقنفذ من الْهَوَام بَيْنَمَا هِيَ منبسطة ترى صورتهَا وخلقتها إِذا هِيَ منقبضة كالكرة قد اقشعرت وشكست لضيق خلقهَا وكالكلب اللهثان المخلوع الْفُؤَاد من الْجُبْن وكاللبدة البالية الملقاة ذلا وجبنا
وَصُورَة النَّفس فِي الْغَضَب كالأسد الَّذِي يفترس ويمزق وَيقْعد عَلَيْهِ وَمرَّة كالنمر يثب وثبة من لَا يهاب وَلَا يُبَالِي فيمزق وَيكسر ويبدد
فَإِذا كَانَ الْقلب أَمِيرا وللأمير كنوز وجنود فقد ملك النَّفس فَذهب سُلْطَان النَّفس وأفعالها فحفظ الْقلب بعقله ومعرفته وبعلمه بِاللَّه حُدُود الله فِي هَذِه الْأَحَايِين الْأَرْبَعَة فَإِذا اهتاجت الشَّهْوَة من النَّفس أَعْطَاهَا الْقلب بِمِقْدَار مَا أذن الله لَهَا فِيهِ وَأحل لَهَا ومنعها مَا حرم عَلَيْهَا واستوثق مِنْهَا حَتَّى لَا يتطاير شررها ويشتعل نيرانها فِي الْعُرُوق حَتَّى لَا
стр. 1055
يُجَاوز الْحُدُود لِأَن قُوَّة النَّفس فِي الْعُرُوق وَأَعْطَاهَا من الرَّغْبَة مَا أحل الله لَهَا وصيره لَهَا غنى وَقُوَّة فِي دينهَا ودنياها واستوثق فِي جنبيها حَتَّى لَا يفِيض من مجاريها وينطفح من الْجَانِبَيْنِ فينبثق من المجاري وَمن الرهبة بِمِقْدَار مَا حذر الله أَن يرهب وقواها فِي جنبها وأمدها وشجعها بِقُوَّة الْعلم وأيدها بالمعرفة بِاللَّه وَأَعْطَاهَا من الْغَضَب بِمِقْدَار مَا أطلق الله لَهَا من ذَلِك فَلَا يحملهَا غَضَبهَا على أَن يُجَاوز الْحُدُود فِي الْأُمُور وَلَا يتَعَدَّى إِلَى الظُّلم وَيكون مَعَ غَضَبهَا متمسكة بِالْعَدْلِ وَلَا يتعداه إِلَى جور فَصَاحب هَذِه الصَّفْقَة هُوَ الَّذِي قَالَ رَسُول الله ﷺ أَربع من كن فِيهِ حرمه الله على النَّار
وَإِذا خلا الْقلب من هَذِه الْمعرفَة وَالْعلم صَار أَسِيرًا للنَّفس بعد أَن كَانَ أَمِيرا عَلَيْهَا وَذهب سُلْطَانه وَصَارَ مَمْلُوكا للنَّفس فبرزت الشَّهْوَة فِي وَقتهَا فأحرقت وَالرَّغْبَة فِي وَقتهَا فأفسدت والرهبة فِي وَقتهَا فأضرمت وَالْغَضَب فِي وقته فتسلط فجَاء الخراب والضياع وَالْفساد فَهَذَا ملك النَّفس للقلب وَذَاكَ ملك الْقلب للنَّفس
عَن النُّعْمَان بن بشير ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا إِن فِي الْجَسَد مُضْغَة إِذا صلحت صلح الْجَسَد كُله وَإِذا فَسدتْ فسد الْجَسَد كُله أَلا وَهِي الْقلب
следующие страницы →