← Книги сунны

Книги сунны · id 720

نوادر الأصول في أحاديث الرسول

الحكيم الترمذي

Полный текст (1 237 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

أهل الْجنَّة بِبَاب الْجنَّة لم يموتوا وَقَالَ تَعَالَى فِي تَنْزِيله ﴿وَإِن الدَّار الْآخِرَة لهي الْحَيَوَان﴾ فههنا حَيَاة وَفِي الدَّار الْآخِرَة حَيَوَان فَهَذِهِ الْحَيَاة الَّتِي فِي الرّوح قَليلَة وَالْمَاء الَّذِي فِي الْجنَّة وَالنّهر الَّذِي بِبَاب الْجنَّة لاغتسال أهل الْجنَّة يَوْم يدْخلُونَهَا كُله من مَاء الْحَيَوَان وَالْمَاء الَّذِي تَحت الْعَرْش بَحر راكد على مِقْدَار أرزاق الْعباد وَهُوَ من مَاء الْحَيَوَان وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى وَجَعَلنَا من المَاء كل شَيْء حَيّ فَإِذا أنزل الله إِلَى الأَرْض مِنْهُ أَحْيَا بِهِ الأَرْض وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى وأنزلنا من السَّمَاء مَاء مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جنَّات وَحب الحصيد ثمَّ قَالَ ﴿وَمن آيَاته أَنَّك ترى الأَرْض خاشعة﴾ أَي ميتَة لَا تتحرك ﴿فَإِذا أنزلنَا عَلَيْهَا المَاء اهتزت وربت﴾ فاهتزازها وربوها وحركتها من الْحَيَاة الَّتِي دخلت فِيهَا ثمَّ قَالَ ﴿إِن الَّذِي أَحْيَاهَا﴾ يَعْنِي الأَرْض ﴿لمحيي الْمَوْتَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أحيينا بِهِ بَلْدَة مَيتا﴾ فَإِنَّمَا إحْيَاء الأَرْض بِمَاء الْحَيَوَان وَينزل الله تَعَالَى على أهل الْقُبُور قبل نفخة الصُّور من مَاء الْحَيَوَان حَتَّى تنْبت أَجْسَادهم وتحياهم ثمَّ يبْعَث الْأَرْوَاح وهم فِي قُبُورهم يتحركون قَالَ لَهُ قَائِل وَكَيف يتحركون بِلَا روح قَالَ بِالْحَيَاةِ الَّتِي نالتهم من ذَلِك المَاء ويتحركون كَمَا تحركت الأَرْض بِمَاء الْحَيَاة

стр. 1052

﴿اهتزت وربت﴾ وإهتزازها بِالْحَيَاةِ الَّتِي نَالَتْ أَغْصَان الْأَشْجَار حَتَّى أورقت وكل شَيْء يَتَحَرَّك إِنَّمَا يَتَحَرَّك بِالْحَيَاةِ فالروح أوفر الْأَشْيَاء حظا من هَذِه الْحَيَاة لِأَنَّهُ خرج من روح الْحَيَاة الْأَصْلِيّ ثمَّ من بعد ذَلِك أوفر الْأَشْيَاء حظا من الْحَيَاة بعد الرّوح هَذِه النَّفس فالنفوس لجَمِيع الدَّوَابّ والبهائم والطيور وَفضل الْآدَمِيّ بِالروحِ للْخدمَة لِأَنَّهُ خَادِم ربه وَسَائِر الْخلق سخرة للآدمي فالروح بِمَا فِيهِ من الْحَيَاة يَدْعُو الْقلب إِلَى الطَّاعَة وَالنَّفس بِمَا فِيهَا من الْحَيَاة تَدْعُو إِلَى الشَّهَوَات والأفراح وَالْقلب أَمِير على الْجَوَارِح وَعَن أمره يصدرن إِلَى الْأَعْمَال فالأمير يَأْمر بِقُوَّة الْمعرفَة وَالْعلم بِاللَّه فَقَوله من ملك نَفسه فالملك للقلب على النَّفس فَمن كَانَ قلبه مَالِكًا لنَفسِهِ فِي هَذِه الْأَحَايِين الْأَرْبَع حِين الرَّغْبَة وَحين الرهبة وَحين الشَّهْوَة وَحين الْغَضَب فقد حرم على النَّار واختسأ شَيْطَانه لِأَن الدُّنْيَا كلهَا فِي هَذِه الْأَرْبَع فَإِذا ملك الْقلب النَّفس بِقُوَّة الْمعرفَة وَالْعلم بِاللَّه فَإِن للمعرفة وَالْعلم سُلْطَانا عَظِيما وجنودا كثيفة وكنوزا جمة للجنود فقد دقَّتْ دُنْيَاهُ فِي عينه وصغرت وتلاشت حَتَّى صَارَت كالهباء وَمن ملكت نَفسه قلبه بِقُوَّة الْهوى وسلطان هَذِه الْأَرْبَع وحدتها وغليانها صَارَت دُنْيَاهُ فِي عينه كل شُعْبَة مِنْهَا كالجبال أَو كالبحور وَعظم فِي عينه شَأْنهَا وشأن أَحْوَال نَفسه فِيهَا وَصَارَت الْآخِرَة فِي عينه كَالْحلمِ فَإِن المحتلم يتعشق فِي مَنَامه على جَارِيَة حسناء ويثب إِلَيْهَا ويلقي نَفسه عَلَيْهَا من شدَّة الشبق لِأَن شَيْطَانه يُرِيد ذَلِك ويخدع نَفسه البلهاء فِيمَا مثل لَهَا فِي مَنَامه فَإِذا إنتبه وجد نَفسه خَالِيا مِمَّا رأى وَإِذا هُوَ لم يزدْ على أَن بَال فِي فرَاشه فَهَذَا لم يزدْ على أَن ضحك بِهِ الشَّيْطَان فَهَذِهِ صفة من يتعشق على الجنات من شَهْوَة نَفسه لسَمَاع الْأذن لَا بحياة الْقلب وَإِذا هُوَ ميت على الدُّنْيَا من حبها ويعظمها تَعْظِيمًا لَا ينَام وَلَا ينيم حرصا وأشرا وشرها وبطرا حَتَّى يَأْخُذهَا من الشُّبُهَات بتضييع

стр. 1053

الْأَمَانَات والتفريط فِي الْفَرَائِض ونسيان الْمَوْت والمعاد والقبر وَالْقِيَامَة والحساب بَين يَدي الله تَعَالَى وَقطع النَّار على الجسور وَيمْنَع الْحُقُوق ويعرض عَن مواعظ الله وَإِذا تَلا الْقُرْآن فَكَأَنَّمَا ينشد شعرًا أَو يَحْكِي كَلَام النَّاس لَا يَتَحَرَّك قلبه لوعد وَلَا لنبأ من أنباء الْقُرْآن وَلَا تَدْمَع عينه وَلَا يدْرِي مَا تَلا إِنَّمَا همه أَن يطيب نَفسه بِأَنِّي قَرَأت وتلوت فَهُوَ فِي مثل هَذَا الْقلب الخرب ممتلئ من الْغِشّ والغل والحقد وَطلب الْعُلُوّ والتعزز والتجبر والتكبر وإهمال الْجَوَارِح وتضييع الْبركَة على الْجَوَارِح السَّبع وَهِي الْمِيثَاق يتعشق على الْحور ويتلمظ على فواكه الْجنَّة ويتشمم برياحين الْجنان من بعد لسَمَاع الْأذن أبله من الأبالهة زبونا من زبون الشَّيْطَان أَحمَق من حمقى أهل الغي لَيْسَ من الْحَيَاة فِي قلبه أَن إِذا سمع بِذكر الْجنَّة قَالَ الْجنَّة دَار الله فغمض عَيْنَيْهِ حَيَاء من الله تَعَالَى وَقَالَ مثلي يصلح لدار الله وَأَنا لَا أصلح لدار أَمِير الْمُؤمنِينَ الَّذِي هُوَ عَبده فِي الدُّنْيَا ثمَّ دَمَعَتْ عَيناهُ وَاحْتَرَقَ جَوْفه مَخَافَة الْفَوْت والبعد من الله تَعَالَى لفوتها وأخذته الْحَسْرَة والندامة حَتَّى أَدَّاهُ ذَلِك إِلَى التضرع والحزن الدَّائِم والتوقي والتورع وَملك النَّفس فَهَذِهِ النَّفس بفضلتها هِيَ كالمحتلم الَّذِي وَصفنَا أَنه إِذا انتبه استحيا من نَفسه بِمَا سخر بِهِ شَيْطَانه وَوجد فِي نَفسه حسرة حَيْثُ رأى نَفسه خَالِيَة عَمَّا رأى فِي مَنَامه فَهُوَ بَين حسرة وحياء كَذَلِك هُوَ المتعشق بفضلته إِذا قدم على الله استحيا مِنْهُ حَتَّى يتصبب عرقا وتحسرت نَفسه إِذا رأى مَا فَاتَهُ من مَوْعُود الله للمطيعين الأتقياء فَمن آتَاهُ الله الْمعرفَة إِذا تذكر الْجنَّة بَكَى حَيَاء من الله أَن رأى جسدا توسخ وتدنس الْوَسخ من الآثام والدنس من الْعُيُوب وَرَأى الْجنَّة مُقَدَّسَة بقدس الله مطهرة بطهر الله مسفرة تضحك إِلَى أَوْلِيَاء الله تَعَالَى فَرجع إِلَى قلبه فَرَآهُ مَعَ الأوساخ والأدناس فاستحيى من الله وَبكى على أَيَّامه الَّتِي عطلها على اكْتِسَاب رضوَان الله واكتسب بهَا معاصي الله فَهَذَا لَهُ

стр. 1054

الرَّجَاء كل الرَّجَاء إِذا قدم على الله وَالنَّفس فِي هَذِه الْأَرْبَعَة صورتهَا عَجِيبَة إِذا اشتهت فصورتها كالريشة تهب بهَا الرّيح وشهوة الْأَشْيَاء مُتَفَاوِتَة وَفَرح النَّفس بِكُل شَهْوَة على قدرهَا والشهوة فِي الأول واللذة فِي الآخر وَإِنَّمَا قيل شَهْوَة لهشاشة النَّفس والميل إِلَى ذَلِك الشَّيْء والمبادرة إِلَيْهِ لخوف الْفَوْت فَتلك هشاشة يُقَال هش واهتش وشهى واشتهى فالشهوة مَأْخُوذَة من هُنَاكَ واللذة إِذا نَالَ الشَّيْء فَانْتهى إِلَى آخِره فذل ذَلِك الهيج وَسكن سُلْطَان الهشاشة يُقَال لذ وذل والذل انكسار وسكونها عَن الاهتياج والاغتلام والغلي فَأول الشَّهْوَة كلظى النَّار ولهبها ودخانها وَآخره وَهِي اللَّذَّة كالجمرة الَّتِي بعد مَا كَانَت تتلظى سكن ضرامها ولهبها وَصَارَت خامدة علاها الرماد فصورة النَّفس فِي الشَّهْوَة كريشة هبت بهَا ريح نكباء فَهِيَ تدير النَّفس دوران الرَّحَى وَصُورَة النَّفس فِي الرَّغْبَة كعطشان يكَاد يقطع عُنُقه من الْعَطش فَإِذا رأى المَاء عبه عبا يكَاد يلتهم التهاما أَو كجائع غرثان وجد طَعَاما فالتقمه وبلعه بلعا من غير مضغ وَصُورَة النَّفس فِي الرهبة كالعلق فِي الديدان بَيْنَمَا هِيَ منبسطة مِقْدَار إِصْبَع طَوِيلَة إِذْ هِيَ منقبضة مِقْدَار فتر وكالقنفذ من الْهَوَام بَيْنَمَا هِيَ منبسطة ترى صورتهَا وخلقتها إِذا هِيَ منقبضة كالكرة قد اقشعرت وشكست لضيق خلقهَا وكالكلب اللهثان المخلوع الْفُؤَاد من الْجُبْن وكاللبدة البالية الملقاة ذلا وجبنا وَصُورَة النَّفس فِي الْغَضَب كالأسد الَّذِي يفترس ويمزق وَيقْعد عَلَيْهِ وَمرَّة كالنمر يثب وثبة من لَا يهاب وَلَا يُبَالِي فيمزق وَيكسر ويبدد فَإِذا كَانَ الْقلب أَمِيرا وللأمير كنوز وجنود فقد ملك النَّفس فَذهب سُلْطَان النَّفس وأفعالها فحفظ الْقلب بعقله ومعرفته وبعلمه بِاللَّه حُدُود الله فِي هَذِه الْأَحَايِين الْأَرْبَعَة فَإِذا اهتاجت الشَّهْوَة من النَّفس أَعْطَاهَا الْقلب بِمِقْدَار مَا أذن الله لَهَا فِيهِ وَأحل لَهَا ومنعها مَا حرم عَلَيْهَا واستوثق مِنْهَا حَتَّى لَا يتطاير شررها ويشتعل نيرانها فِي الْعُرُوق حَتَّى لَا

стр. 1055

يُجَاوز الْحُدُود لِأَن قُوَّة النَّفس فِي الْعُرُوق وَأَعْطَاهَا من الرَّغْبَة مَا أحل الله لَهَا وصيره لَهَا غنى وَقُوَّة فِي دينهَا ودنياها واستوثق فِي جنبيها حَتَّى لَا يفِيض من مجاريها وينطفح من الْجَانِبَيْنِ فينبثق من المجاري وَمن الرهبة بِمِقْدَار مَا حذر الله أَن يرهب وقواها فِي جنبها وأمدها وشجعها بِقُوَّة الْعلم وأيدها بالمعرفة بِاللَّه وَأَعْطَاهَا من الْغَضَب بِمِقْدَار مَا أطلق الله لَهَا من ذَلِك فَلَا يحملهَا غَضَبهَا على أَن يُجَاوز الْحُدُود فِي الْأُمُور وَلَا يتَعَدَّى إِلَى الظُّلم وَيكون مَعَ غَضَبهَا متمسكة بِالْعَدْلِ وَلَا يتعداه إِلَى جور فَصَاحب هَذِه الصَّفْقَة هُوَ الَّذِي قَالَ رَسُول الله ﷺ أَربع من كن فِيهِ حرمه الله على النَّار وَإِذا خلا الْقلب من هَذِه الْمعرفَة وَالْعلم صَار أَسِيرًا للنَّفس بعد أَن كَانَ أَمِيرا عَلَيْهَا وَذهب سُلْطَانه وَصَارَ مَمْلُوكا للنَّفس فبرزت الشَّهْوَة فِي وَقتهَا فأحرقت وَالرَّغْبَة فِي وَقتهَا فأفسدت والرهبة فِي وَقتهَا فأضرمت وَالْغَضَب فِي وقته فتسلط فجَاء الخراب والضياع وَالْفساد فَهَذَا ملك النَّفس للقلب وَذَاكَ ملك الْقلب للنَّفس عَن النُّعْمَان بن بشير ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا إِن فِي الْجَسَد مُضْغَة إِذا صلحت صلح الْجَسَد كُله وَإِذا فَسدتْ فسد الْجَسَد كُله أَلا وَهِي الْقلب

стр. 1056

فالقلب ملك بصلاحه يصلح الْجَسَد لِأَن التَّدْبِير إِلَيْهِ وَالنَّفس تحب الْملك وتشتهيه وتباري الْقلب فَهِيَ تطلب الفرصة وَإِذا نَالَتْ تملكت على الْقلب فأفسدته وبفساده يفْسد الْجَسَد بِمَنْزِلَة أَمِير وَقع فِي الْجَيْش وخارجي قد ملك على الْبَلَد فَضَاعَت الْحُدُود وَالْأَحْكَام وَخَربَتْ الكورة وَظهر الظُّلم والعدوان والحريق والغارات فالحريق الْمعاصِي والغارات غارات كنوز الْقلب وَصَارَ الصَّدْر كُله مَعْدن الْجَهْل والشره والبطر والشهوة وَالْكبر والعلو والحرص والحسد والحقد وأخلاق الْكفْر وَقد أَمر الله بمجاهدة النَّفس فَقَالَ ﴿وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده﴾ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْجِهَاد جهادان وأفضلهما جِهَاد النَّفس وَإِذا التقى الْقلب وَالنَّفس للمحاربة هَذَا بِجُنُود الله من الْعلم وَالْعقل والمعرفة والفهم والفطنة وَالْحِفْظ والكياسة وَحسن التَّدْبِير والحراسة فأشرقت هَذِه الْأَنْوَار واشتعلت شعاعاتها فِي النَّفس بِجُنُود الْعَدو من الْهوى والشهوة وَالْغَضَب وَالرَّغْبَة وَالْكبر والحرص وَالْمَكْر والخديعة والمدد من الزِّينَة والأفراح فاضطربا وتحاربا فَذَلِك وَقت يباهي الله تَعَالَى بِعَبْدِهِ مَلَائكَته والنصرة مَوْضُوعَة فِي ملك الْمَشِيئَة فِي حجاب الْقُدْرَة فَإِذا رأى الْهوى النُّصْرَة ذل وَانْهَزَمَ الْعَدو بجُنُوده وَأَقْبل بجمعه وَجُنُوده على النَّفس حَتَّى أسرها وحبسها فِي سجنه وَقعد أَمِيرا وَجمع جُنُوده وقواده الَّذين ذكرنَا فِي الأَصْل الْمُتَقَدّم وَهِي الْأَخْلَاق وَفتح بَاب بيُوت الْأَمْوَال والخزائن ورزق الْجنُود من الْأَمْوَال وَزَادَهُمْ من الخزائن فِي الْآلَة وَالْعدة فَهَذَا ملك الْقلب للنَّفس حِين تغْضب وَحين ترغب وَحين ترهب وَحين تشْتَهي قد خسأ شيطانها وَحرمت جوارحها على النَّار كَمَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 1057

وَإِذا التقى الْقلب وَالنَّفس للمحاربة والتقى الْجَمْعَانِ كَانَت صفته كجبرئيل مَعَ مُحَمَّد ﷺ يَوْم بدر وإبليس مَعَ الْكفَّار يشجعهم وَيُقَوِّي أَمرهم ويعدهم ويمنيهم فَلَمَّا رأى جبرئيل نكص على عَقِبَيْهِ هَارِبا وَقَالَ ﴿إِنِّي أرى مَا لَا ترَوْنَ إِنِّي أَخَاف الله﴾ وَإِنَّمَا خَافَ الْأسر أَن يأسره جبرئيل فيفضحه ويريه النَّاس فهرب وَترك الْجمع وَكَذَلِكَ الْهوى لما رأى الْمعرفَة بسلطانها قد أَقبلت وَالْعقل على مقدمتها وَالْعلم بِاللَّه مُحِيط بالعسكر والجنود نكص الْهوى على عَقِبَيْهِ وتبرأ من الْجنُود ثمَّ من بعد هَذَا ملك آخر لأولياء الله وَهُوَ أَن يحصل الْقلب فِي سُلْطَان قَبضه الله ويملكه الله ويستعمله فَإِذا تعدى فِي الظَّاهِر لم يفْسد وَلم يخرب وَلم يخبر أحد أَن يَسْتَعْمِلهُ بتغيير لِأَن ذَلِك حد الله فِي الْبَاطِن وَقد خَفِي على الْخلق وَالْحَد عِنْدهم فِي الظَّاهِر غير ذَلِك فَهَذَا قلب غلب عَلَيْهِ سُلْطَان القبضة فملكه وَاسْتَعْملهُ الله فِي قَبضته كَمَا اسْتعْمل الْخضر فِي خرق السَّفِينَة وَقتل الْغُلَام وَكَانَ ذَلِك فِي الْبَاطِن حد الله وَفِي الظَّاهِر مخفيا عِنْد الْخلق وَلذَلِك أنكرهُ مُوسَى ﵇ فَهَذِهِ قُلُوب ملكهَا سُلْطَان القبضة وَتلك قُلُوب ملكهَا سُلْطَان الْحق والقلوب الَّتِي ذكرنَا بدءا ملكهَا سُلْطَان النَّفس وَمِمَّا يُحَقّق مَا قُلْنَا مَا رُوِيَ عَن عَليّ ﵁ أَنه مر بِرَجُل وَهُوَ يُقَاوم امْرَأَة فأصغى إِلَيْهِ سَمعه فَأنْكر مَا سَمعه مِنْهُ فَشَجَّهُ فجَاء الرجل إِلَى عمر ﵁ والدماء تسيل فَقَالَ وَيحك من فعل بك قَالَ عَليّ فَقَالَ عمر مَا هَذَا يَا أَبَا الْحسن فَقص عَلَيْهِ فَقَالَ عمر أصابتك عين من عُيُون الله إِن لله فِي الأَرْض عيُونا وَإِن عليا من عُيُون الله

стр. 1058

- الأَصْل الثَّالِث وَالسِّتُّونَ والمائتان - فِي حَقِيقَة الْفِقْه وفضيلته عَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أفضل الْعِبَادَة الْفِقْه وَأفضل الدّين الْوَرع وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ ﷺ مَا عبد الله بِشَيْء أفضل من فقه فِي دين ولفقيه وَاحِد أَشد على الشَّيْطَان من ألف عَابِد وَلكُل شَيْء عماد وعماد هَذَا الدّين الْفِقْه وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين

стр. 1059

قَالَ أَبُو عبد الله الْفِقْه مُشْتَقّ من التفقؤ وَهُوَ انكشاف الغطاء عَن الشَّيْء يُقَال تفقأت الثَّمَرَة عَن أكمامها وتفقأ الْحبّ عَمَّا فِيهِ وفقأ عينه إِذا انخرق الْحجاب وانكشف عَن الحدقة فعلوم الْأَشْيَاء فِي الصَّدْر مجتمعة متراكمة بَعْضهَا على بعض فإحساس الْقلب من ذَلِك الْعلم هُوَ علم الْقلب أَدَّاهُ إِلَى الذِّهْن وَإِلَى الْحِفْظ عِنْد الْحَاجة كنبعان الْعين ينفجر مِنْهُ الشَّيْء بعد الشَّيْء فَمَا دَامَ هَكَذَا فَهُوَ سَاكن خامد لَا قُوَّة لَهُ فَإِذا تصور فِي الصَّدْر لعين الْفُؤَاد قوي الْقلب بذلك الَّذِي تصور فَذَلِك علم مستتر وَفِي الْقلب بَقِيَّة من الضعْف والخمود فَإِذا انْكَشَفَ الغطاء عَن الصُّورَة الَّتِي تصورت فِي الصَّدْر فَذَلِك الْفِقْه لِأَنَّهُ حِين تصور فِي الصدد أحس الْقلب بِتِلْكَ الصُّورَة علما وَلم يرهَا لِأَن الغطاء بَينه وَبَين الْعلم قَائِم وَهُوَ ظلمَة الْهوى فَهُوَ عَالم بذلك الشَّيْء يترجمه بِلِسَانِهِ ويتضمنه بحفظه وتمثل صورته لعقله وَلَيْسَت لَهُ قُوَّة ينْتَصب قلبه لذَلِك ويتشمر لفعله ويطمئن إِلَيْهِ حرارة الْعلم وقوته فَإِذا انْكَشَفَ الغطاء عَن تِلْكَ الصُّورَة الَّتِي صورها عقله صَار عيَانًا للفؤاد فَيُقَال لذَلِك العيان علم الْيَقِين قَالَ الله تَعَالَى ﴿كلا لَو تعلمُونَ علم الْيَقِين لترون الْجَحِيم ثمَّ لترونها عين الْيَقِين﴾ فعين الْيَقِين يَوْم الْقِيَامَة وَعلم الْيَقِين فِي الدُّنْيَا فِي الصَّدْر فَسَماهُ رُؤْيَة ليعلم أَن هَذِه رُؤْيَة عين الْفُؤَاد وَتلك فِي الْآخِرَة رُؤْيَة عين الرَّأْس

стр. 1060

فَهَذَا الَّذِي انْكَشَفَ لَهُ الغطاء وانفقأ الْحجاب عَن مَكْنُون الْعلم أبْصر بِعَين الْفُؤَاد صُورَة ذَلِك الشَّيْء المعبأ فَسمى ذَلِك فقها وَإِنَّمَا هُوَ فِي الأَصْل فقىء الْيَاء مَهْمُوزَة فأبدلت بِالْهَمْزَةِ هَاء فَقيل فقه قَالَ الله تَعَالَى فِيمَا يَحْكِي عَن قَول شُعَيْب ﵇ حَيْثُ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قوم يَا قوم بَقِيَّة الله خير لكم ﴿وَيَا قوم اسْتَغْفرُوا ربكُم﴾ وَيَا قوم لَا يجرمنكم شقاقي وَكَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا ذكر شعيبا ﵇ يَقُول ذَاك خطيب الْأَنْبِيَاء لحسن دُعَائِهِ قومه ومراجعته وتلطفه فِي الدعْوَة فَقَالَ فِي آخر ذَلِك قَالُوا يَا شُعَيْب مَا نفقه كثيرا مِمَّا تَقول فَمن فقه قلبه مَا يُقَال لَهُ تبين عَلَيْهِ أَثَره فَهَؤُلَاءِ الَّذين انتحلوا هَذَا الرَّأْي وَأَكْثرُوا فِيهِ الْخَوْض سموا هَذَا فقها وخيل إِلَيْهِم أَن هَذَا هُوَ الَّذِي مَا عبد الله بِمثلِهِ وَهُوَ هَذِه الْمسَائِل الَّتِي عِنْدهم فَقَط وَلَا يعلمُونَ أَن أستاذيهم تكلمُوا بهَا ثمَّ قَالُوا وَدِدْنَا أَنا نجونا مِنْهَا كفافا لَا لنا وَلَا علينا مثل إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَالْحسن وَابْن سِيرِين ﵏ فِي زمانهم وَأبي حنيفَة وسُفْيَان وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك ﵏ فِي زمانهم فَكل تمنى الْخَلَاص مِنْهُ لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ وَهَؤُلَاء أَعرضُوا عَن سَائِر الْعُلُوم الَّتِي حَاجَة النَّاس إِلَيْهَا فِي كل وَقت وَصَارَ هَذَا النَّوْع فتْنَة لَهُم فتراه طول الدَّهْر يَقُول يجوز وَلَا يجوز يدْخل فِيمَا بَينه وَبَين عباده مَعَ الْحيرَة فِي ذَلِك وَلَا يدْرِي أصواب هُوَ أم خطأ ثمَّ ترَاهُ فِي خَاصَّة أمره وَدينه عوج كُله فإقباله على نَفسه حَتَّى يكف مِنْهَا مَا لَا يجوز خير لَهُ من إهماله نَفسه وإقباله على إصْلَاح النَّاس ذَلِك ليعلم أَنه مفتون وَكَانَ

стр. 1061

المتقدمون أولى بالشفقة على الْأمة والحرص على الدّين والنصيحة لله فشغلهم إصْلَاح أنفسهم عَن الْخَوْض فِي هَذِه الْأَشْيَاء حَتَّى يلهيه عَن عُيُوب نَفسه وَيُقَال لهَذَا المعجب إِن كَانَت هَذِه الْفَضَائِل لمن تفقه فِي هَذَا النَّوْع الْوَاحِد وَكَيف إِذا فقهت كَلَام رب الْعَالمين الَّذِي أدب بِهِ عبيده ووعظهم وَعطف بِهِ عَلَيْهِم كي يجعلهم غَدا ملوكا فِي دَار السَّلَام فَمن فقه عَن الله قَوْله ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره﴾ أمسك عَن الصَّغِير وَالْكَبِير والدقيق والجليل من الشَّرّ وَلم يستحقر مَا دق من الْخَيْر وَصغر وَلم يستهن بِهِ وأمات هَذَا الْوَعيد من نَفسه البطالات كلهَا أَلا ترى إِلَى الْأَعرَابِي الَّذِي سمع من رَسُول الله ﷺ هَذِه السُّورَة قَامَ وَركب رَاحِلَته وَقَالَ حسبي حسبي وَمر على وَجهه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ فقه الْأَعرَابِي فَهَكَذَا يكون الْفِقْه وَمن فقه مَا فِي السُّورَة من شَأْن الأَرْض وأخبارها عَن السرائر وَذكر الصَّدْر من بَين يَدي الله ﴿أشتاتا ليروا أَعْمَالهم﴾ ثمَّ وجد أَعماله موزونة بمثاقيل الذَّر من الْخَيْر وَالشَّر كَيفَ لَا يكون هَذَا حَسبه فِيمَا بَينه وَبَين الله وَمن فقه عَن الله قَوْله ﴿وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة﴾ الْآيَة فَكيف لَا يكون هَذَا حَسبه فِيمَا بَينه وَبَين الْعباد حَتَّى ينصف الْخلق من نَفسه وَيُؤَدِّي إِلَى كل ذِي حق حَقه من نَفسه وَمَاله وَمن فقه عَن الله قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله﴾

стр. 1062

رزقها) الْآيَة كَيفَ لَا يكون هَذَا حَسبه فِيمَا بَينه وَبَين معاشه وَلَا يخرج هم الرزق من قلبه حَتَّى يَثِق بربه ويطمئن إِلَى ضَمَانه وَمن فقه عَن الله قَوْله وَمَا أنفقتم من شَيْء فَهُوَ يخلفه كَيفَ لَا يكون هَذَا حَسبه من الثِّقَة بخلفه حَتَّى لَا يجد فِي وَقت الْإِنْفَاق ضيقا فِي صَدره وَلَا حرارة فِي نَفسه وَمن فقه عَن الله قَوْله ﴿زين للنَّاس حب الشَّهَوَات من النِّسَاء﴾ الْآيَة كَيفَ لَا يكون هَذَا حَسبه فِي نُزُوله على مَا اخْتَار لَهُ ربه حَتَّى يلهو عَن حب هَذِه الشَّهَوَات ويتشمر فِي طلب الَّذِي أعلمهُ الله أَنه خير من ذَلِك وَمن فقه عَن الله قَوْله ﴿إِنَّا جعلنَا مَا على الأَرْض زِينَة لَهَا لنبلوهم أَيهمْ أحسن عملا﴾ و ﴿إِنَّا لَا نضيع أجر من أحسن عملا﴾ ﴿إِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ كَيفَ لَا يكون هَذَا حَسبه فِي مُعَامَلَته ربه حَتَّى ينكمش فِي الْإِحْسَان وَمن فقه عَن الله قَوْله ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ كَيفَ لَا يكون هَذَا حَسبه حَتَّى يعلم أَنه خلق للعبودة وَأَن عبودته فِي جَمِيع حركاته كلهَا فَإِن كَانَت حركاته مِمَّا حسنها الله فِي تَنْزِيله وعَلى أَلْسِنَة رسله فقد عَبده وَإِن كَانَت سَيِّئَة فقد ترك عبودته

стр. 1063

وَمن فقه عَن الله تَعَالَى قَوْله ﴿مَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَن كثير﴾ كَيفَ لَا يكون هَذَا حَسبه حَتَّى تهون عَلَيْهِ المصائب كَأَنَّهُ قَالَ إِنَّمَا قاصصتك بِهَذِهِ الْمُصِيبَة بِشَيْء يسير من ذنوبك حَتَّى أنبهك من رقدتك وَمن فقه عَن الله قَوْله ﴿وَإِن يمسسك الله بضر فَلَا كاشف لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يردك بِخَير فَلَا راد لفضله﴾ كَيفَ لَا يكون هَذَا حَسبه حَتَّى يَنْقَطِع رجاؤه عَن المخلوقين وَيصير حرا من رق نَفسه وَمن تبصبص خلقه وتخلص من تعيير الله حَيْثُ عير الْمُنَافِقين فَقَالَ ﴿لَأَنْتُم أَشد رهبة فِي صُدُورهمْ من الله ذَلِك بِأَنَّهُم قوم لَا يفقهُونَ﴾ برِئ من الْفِقْه من كَانَ رهبته من المخلوقين غالبة على رهبته من الله وَقَالَ فِي الْمُنَافِقين ﴿هم الَّذين يَقُولُونَ لَا تنفقوا على من عِنْد رَسُول الله حَتَّى يَنْفضوا وَللَّه خَزَائِن السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلَكِن الْمُنَافِقين لَا يفقهُونَ﴾ فَمن رأى حَاجته ورزقه من الدُّنْيَا بيد الْخلق دون الله حَتَّى يضيع حُقُوقه ويداهن فِي دينه فقد برأه الْقُرْآن من الْفِقْه وَمن فقه عَن الله قَوْله ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ كَيفَ لَا يكون هَذَا حَسبه حَتَّى يعلم أَن الله أكْرمه بغاية الْكَرَامَة فَلَو أَن ملكا كتب إِلَى عبد من عبيده ارْفَعْ إِلَيّ حوائجك لامتلأ سُرُورًا واتكل على هَذَا الْكتاب مَعَ أَنه عبد مثله لَا يقدر على شَيْء فِي الْحَقِيقَة

стр. 1064

فَهَذَا كتاب رب الْعَالمين ينْطق بِأَن الله تَعَالَى قَالَ هَذَا وَلم يُخرجهُ مخرج الْأَمر وَلَكِن أبرزه فِي معرض القَوْل فَقَالَ ﴿وَقَالَ ربكُم ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ فَمن يعلم مَا فِي حَشْو هَذِه الْكَلِمَة اشتفى بِهِ ثمَّ إِذا دَعَا دَعَا على يَقِين من الْإِجَابَة ثمَّ ينْتَظر الْوَقْت كَمَا قَالَ الله لمُوسَى وَهَارُون ﵉ ﴿قد أجيبت دعوتكما فاستقيما وَلَا تتبعان سَبِيل الَّذين لَا يعلمُونَ﴾ أَي أَن سَبِيل الَّذين لَا يعلمُونَ الاستعجال وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يزَال العَبْد بِخَير مَا لم يستعجل ربه قيل كَيفَ يستعجل ربه يَا رَسُول الله فَقَالَ يَقُول دَعَوْت فَلم تستجب لي فَهَل استعجاله إِلَّا من قلَّة فقهه لَا يعي أَن ربه قد خار لَهُ حِين يَأْتِي وقته فيعطيه أَكثر مِمَّا سَأَلَ وَرُوِيَ فِي الْخَبَر عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِذا دَعَا العَبْد قَالَ الله تَعَالَى يَا جبرئيل احْبِسْ حَاجَة عَبدِي فَإِنِّي أحب صَوته وَقد أَجَبْته إِلَى مَا سَأَلَ فَإِذا فقه هَذَا لم يستبطئ إجَابَته وَلم يستعجل ربه فالفقه فِي هَذَا لَا فِي تِلْكَ المخاتلات والخدائع الَّتِي يجدهَا العبيد الاباق فِي سيرهم إِلَى الله

стр. 1065

فِي مَعَايشهمْ من نهب الدُّنْيَا حرصا وجمعا وتضييعا لدين الله وَرُبمَا يكون صَاحب هَذَا مِمَّن خدعته نَفسه فَيَقُول أَنا أشتغل بتسوية أُمُور النَّاس فيهمل أَمر نَفسه لمحبة أَن ينزل الْخلق كلهم على قَوْله ويصدروا عَن مشيئآته فَإِذا هُوَ جَبَّار عَاتٍ قد رمي بالعبودة وتشبه بالأرباب فِي تَسْوِيَة أُمُورهم على الاقتدار

стр. 1066

- الأَصْل الرَّابِع وَالسِّتُّونَ والمائتان - فِي سر غفرانك بعد الْفَرَاغ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا خرج من الْخَلَاء قَالَ غفرانك قَوْله غفرانك طلب الْمَغْفِرَة على قالب فعلان وَهُوَ أعظم القوالب وأوفرها كَأَنَّهُ طلب الْمَغْفِرَة الوافرة لِأَنَّهُ نظر إِلَى أَمر عَظِيم وَذَلِكَ أَن آدم ﵇ عجن الله طينته وخمرها وصوره وخلقه بِيَدِهِ وَنفخ فِيهِ من روحه عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ خلق الله آدم ﵇ من تُرَاب وعجنه بِمَاء من مَاء الْجنَّة فَلم يكن يصلح لَهُ مَكَان يَلِيق بِهِ من هَذِه المكارم إِلَّا دَاره فَتوجه وكلله وختمه بِخَاتم الْملك وكساه ونظفه وَوَضعه على سَرِير هُوَ وَزَوجته وَأمر مَلَائكَته بحملها إِلَى دَاره وَلم يَزَالَا فِي دَاره طاهرين بِاللَّه فرحين مسرورين

стр. 1067

مكرمين حَتَّى إِذا جَاءَ وَقت الشقوة وَغلب الْقَضَاء وَالْقدر على جَمِيع مَا أعطاهما وخلص الْعَدو إِلَيْهِمَا فأكلا بِأَمْر الْعَدو وَصَارَت تِلْكَ الْأكلَة فرْصَة إِبْلِيس مِنْهُمَا والمأكول حَظه مِنْهُمَا فصارا عاريين من جَمِيع هَذِه الكرامات وَأَخْرَجَا مذمومين وَصَارَ مُسْتَقر تِلْكَ الْأكلَة سُلْطَان إِبْلِيس ومملكته وَالشَّيْء الْمَأْكُول منتنا وَإِنَّمَا أنتن لكينونة الْعَدو ونجاسته وكفره فِيهَا فَكلما ظهر من ذَلِك الْموضع بَوْل أَو غَائِط أَو ريح أَمر بِالْوضُوءِ وَغسل ذَلِك الْمَكَان فالوضوء من توضئة الْأَعْضَاء الَّتِي هِيَ جَوَانِب الْجَسَد حَتَّى تصير وضيئة فَإِنَّمَا لاحظ رَسُول الله ﷺ حِين خرج من الْخَلَاء ذَلِك الَّذِي حل بِأَبِيهِ فورثه عَنهُ فَظهر ذَلِك عَلَيْهِ فالتجأ إِلَى عَظِيم الْمَغْفِرَة فَقَالَ غفرانك أَي إِنَّمَا القينا من تِلْكَ الْخَطِيئَة فَلَو أَن رجلا وقف تَحت ميزاب الْكَعْبَة حَتَّى جرى من الْمِيزَاب فَتَلقاهُ نغبة من المَاء الَّذِي نزل من السَّمَاء وَلم يمازجه شَيْء من الدُّنْيَا فَدخل جَوْفه ثمَّ خرج من هَذِه المخارج لأمر بِالْغسْلِ وَالْوُضُوء وَحكم لَهُ بِحكم النَّجَاسَة لِأَن هَذَا المَاء صَار إِلَى الْمعدة فِي مجاورة الْعَدو الَّذِي جعل لَهُ السَّبِيل إِلَى الْآدَمِيّ كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الشَّيْطَان يجْرِي من ابْن آدم مجْرى الدَّم قَالُوا ومنك يَا رَسُول الله قَالَ ومني إِلَّا أَن الله أعانني عَلَيْهِ فَأسلم فمستقره تَحت الْمعدة على مطحن الْعلف ثمَّ يجْرِي مَعَ الدَّم فِي الْعُرُوق سُلْطَانه فالمتنبه إِذا دخل الْخَلَاء وأحس حَيَاة قلبه بِمَا يخرج مِنْهُ إستحيا وَعرف أَن هَذَا مِيرَاث تِلْكَ الْخَطِيئَة وَذكر بَدو أمره وَأَنه بِسَبَب تِلْكَ الْخَطِيئَة ألقِي إِلَى الدُّنْيَا وقارف غَيرهَا من الْخَطَايَا فالتجأ إِلَى سُؤال الغفران وَلذَلِك كَانَ رَسُول الله ﷺ يقنع رَأسه

стр. 1068

عَن حبيب بن صَالح ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا دخل الْمرْفق لبس حذاءه وغطى رَأسه وَرُوِيَ عَن أبي بكر الصّديق ﵁ أَنه قَالَ إِنِّي لأدخل الكنيف فأقنع رَأْسِي حَيَاء من الله تَعَالَى فَهَذِهِ مُلَاحظَة الرُّسُل والأنبياء والأولياء ﵈ وَأما الْعَامَّة فهم لَا يرَوْنَ هَذَا بقلوبهم وَلَا يعرفونه وَإِنَّمَا أدبوا بِالْحَمْد أَن يَقُولُوا الْحَمد لله الَّذِي أذهب عني الْأَذَى وعافاني فَردُّوا إِلَى حَال النَّفس ونعمة الله عَلَيْهِم عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا أَتَى الْخَلَاء قَالَ اللَّهُمَّ أذهب عني الرجس النَّجس الْخَبيث المخبث الشَّيْطَان الرَّجِيم فَإِذا خرج من الْخَلَاء قَالَ الْحَمد لله الَّذِي أذهب عني الْأَذَى وعافاني فَهَذَا فعل رَسُول الله ﷺ فِيمَا بَينه وَبَين الْأمة فَأَما الْكَلِمَة الأولى فَفِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ شَأْن الكبراء كَلَامهم فِي الْبَاطِن مَعَ الله تَعَالَى غير كَلَامهم فِي الظَّاهِر قَالَ لَهُ قَائِل مثل مَاذَا قَالَ فِي الظَّاهِر مَعَ الْخلق يَقُولُونَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَفِي الْبَاطِن مَعَه يَقُولُونَ لَا إِلَه إِلَّا الله فَقَط وَفِي الظَّاهِر

стр. 1069

يَقُولُونَ الْحَمد لله الَّذِي أَطْعمنِي وسقاني وأشبعني وأرواني وكساني وَلَو شَاءَ أجاعني وأظمأني وأعراني وَفِي الْبَاطِن يَقُول الْحَمد لله فَقَط وَفِي الظَّاهِر يَقُولُونَ مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لَا يَشَاء لَا يكون وَفِي الْبَاطِن يَقُولُونَ مَا شَاءَ الله ينشرون مَعَ الْخلق عَن الله تَعَالَى ذكر ربوبيته والهيته وصنائعه ليَكُون ذَلِك منشورا مَشْهُورا وَفِي الْبَاطِن إِذا قَالُوا لَا إِلَه إِلَّا الله بقيت قُلُوبهم فِي الوهيته وَلَا يلتفتون إِلَى شرك الشُّرَكَاء فَإِن الْقُلُوب الوالهة يصعب عَلَيْهَا الِالْتِفَات إِلَى غَيره وَكَذَلِكَ فِي الْحَمد إِذا رفعوا الْحَمد إِلَيْهِ بقلوبهم صَعب عَلَيْهِم أَن يلتفتوا إِلَى النِّعْمَة وَكَذَا فِي الْمَشِيئَة إِذا وَقَعُوا فِي بحرها ارْتَفع عَنْهُم ذكر كَانَ وَيكون وَعَن ابْن مقَاتل ﵁ قَالَ كَانَ ابْن سِيرِين ﵀ إِذا خرج من الكنيف فَلم يره أحد خر سَاجِدا باكيا بِمَا أنعم الله عَلَيْهِ أَن سهل لَهُ خُرُوج الْأَذَى

стр. 1070

- الأَصْل الْخَامِس وَالسِّتُّونَ والمائتان - فِي سر الْعَمَل وعلانيته عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله إِنِّي كنت أُصَلِّي فِي بَيْتِي فَأسرهُ فَاطلع عَليّ رجل فَأَعْجَبَنِي فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَك أَجْرَانِ أجر السِّرّ وَأجر الْعَلَانِيَة قَالَ أَبُو عبد الله هَذَا رجل نَاصح الله فِي خلقه أسر الْعَمَل لَا عَن ضعف يَقِين وَلَكِن خلا بربه يناجيه فَلَمَّا اطلع عَلَيْهِ أعجبه رُؤْيَته إِيَّاه كي ينتدب لمثله ويقتدي بِهِ وَلم تعْمل فِيهِ رُؤْيَته فتتحرك من نَفسه شَهْوَة الْمَدْح لقُوَّة يقينه

стр. 1071

وَرُوِيَ معمر عَن زيد رَفعه إِلَى رَسُول الله ﷺ خير أَعمالكُم الَّتِي تحبون أَن يعلم بهَا قَالَ زيد وَالَّذِي يكتمها ليسلم رَفعه زيد إِلَى رَسُول الله ﷺ وَقد أثنى الله على قوم فسماهم عباد الرَّحْمَن وَبَين أَن مثواهم غرف الْجنَّة وَعدد خصالهم الَّتِي أثنى بهَا عَلَيْهِم ثمَّ حكى عَن دُعَائِهِمْ قَوْله تَعَالَى ﴿هَب لنا من أَزوَاجنَا وَذُرِّيَّاتنَا قُرَّة أعين واجعلنا لِلْمُتقين إِمَامًا﴾ سَأَلُوهُ أَن يجعلهم أَئِمَّة لمن يَقْتَدِي بهم فَلَا يكون أَمر هَذَا مكتوما وَكَيف يؤتم بِهِ إِن أسر الْعَمَل فَهَؤُلَاءِ نصحاء الله وَالدُّعَاء إِلَى الله يدعونَ إِلَى الله بأقوالهم وبأفعالهم الَّتِي يظهرونها على أعين الْخلق يحدون الْخلق على ذَلِك وَإِنَّمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة لَك أَجْرَانِ أجر السِّرّ وَأجر الْعَلَانِيَة لِأَنَّهُ نوى بالسر أمرا وبالعلانية أمرا وَلَو لم يكن هَكَذَا لم يكْتب لَهُ أَجْرَانِ فَإِنَّهُ لَا أجر لمن لَا نِيَّة لَهُ فَهَذَا عبد نوى أَن يسر بِعَمَلِهِ ليخلو بربه كي لَا يشكره عَلَيْهِ أحد غَيره ثمَّ لما اطلع عَلَيْهِ نوى أَن ينْتَفع بِهِ غَيره بِأَن يَقْتَدِي بِهِ فالسر مضاعف على الْعَلَانِيَة بسبعين ضعفا وَعَلَانِيَة هَذَا مضاعفة على سره بسبعين ضعفا لِأَن سره خلوه بربه كَيْلا يشكره عَلَيْهِ أحد غير ربه وإعلانه نصحه لَهُ فِي عباده لَيْسَ لَهُ فِي وَقت سره الْتِفَات إِلَى مدح النَّاس فيهرب مِنْهُ وَلَا فِي عَلَانِيَته الْمنزلَة عِنْد النَّاس وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ السِّرّ أفضل من الْعَلَانِيَة وَالْعَلَانِيَة أفضل لمن أَرَادَ بِهِ الِاقْتِدَاء

стр. 1072

وَإِنَّمَا صَار عمل السِّرّ مضاعفا على الْعَلَانِيَة بسبعين ضعفا من جِهَات فجهة مِنْهَا إِن الَّذِي يسرها إِنَّمَا أسرها ليصفو لَهُ لِأَنَّهُ إِذا أحست نَفسه بشعور النَّاس بِهِ علمت أَنه ينَال بذلك عِنْد الْخلق رفْعَة وكرامة وَصَارَت لَهُ من الْقلب منزلَة تقضي حَوَائِجه ويعظم فرحت بذلك فَإِذا هُوَ يطْلب الْجَزَاء من الله تَعَالَى وَالثَّوَاب من الْخلق فَهَذَا الَّذِي فِي نَفسه هَذِه الْفِتْنَة كائنة يُجَاهد نَفسه فِي وَقت الْعَمَل إِذا أعلن بِهِ حَتَّى يُنكر عَلَيْهَا ذَلِك وَلَا يرضى وَلَا يقبل مِنْهَا هَذِه الوساوس فَإِن أغفل المجاهدة طرفَة عين وجد نَفسه فِي عين هَذِه الْفِتْنَة فَصَاحب هَذَا ضَعِيف الْيَقِين وَإِذا هرب من الإعلان فَأسرهُ ضوعف لَهُ عمله بسبعين ضعفا لِأَنَّهُ يفرغ لله قلبه من أشغال النَّفس فَإِذا أعلنها نصحا لله تَعَالَى فِي عباده وحبا لِأَن يعبده الْخلق صَار السبعون مضاعفا الضعْف الَّذِي لَا يُحْصِيه إِلَّا الله تَعَالَى فَإِذا لم يكن من رجال الإعلان وَلم يبلغ قلبه من الْمنَازل محلا تَمُوت فتْنَة نَفسه ويفتقد مِنْهَا حب الْمَدْح من الْخلق وَفَرح الرياسة والعلو أمسك عَن الإعلان وأسره وَصفا الْعَمَل لصَاحبه بِتِلْكَ النِّيَّة الصادقة وسلمت النِّيَّة بِمَا أسره فَهَذَا الْوَجْه للمقتصدين وَوجه آخر للسابقين المقربين فَإِذا أسر الْعَمَل إِنَّمَا يسره ليخلو بربه فِي تِلْكَ الطَّاعَة فَإِن الله تَعَالَى مَوْجُود بِكُل مَكَان وَفِي كل طَاعَة فَإِذا أسر الْعَمَل وخلا بربه برز لَهُ وجوده فِي صَدره بَين عَيْني فُؤَاده فَمن يقدر أَن يصف ذَلِك البروز وَتلك الْحَلَاوَة وَذَلِكَ الطّيب وَمن يقدر أَن يصف تصور الْقلب فِي أَحْوَاله وهشاشة النَّفس فِي أحوالها وَهُوَ قَول رَسُول الله ﷺ حَيْثُ سَأَلَهُ جِبْرَائِيل ﵇ مَا الْإِيمَان وَمَا الْإِسْلَام وَمَا الْإِحْسَان فَأَجَابَهُ فِي كل مَسْأَلَة وَقَالَ فِي الْإِحْسَان أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك قَالَ فَإِذا فعلت ذَلِك فَأَنا محسن قَالَ نعم قَالَ صدقت قَالَ فعجبنا من تَصْدِيقه لَهُ لأَنهم لم يعرفوا

стр. 1073

أَنه جِبْرَائِيل حَتَّى أخْبرهُم رَسُول الله ﷺ بعد ذَلِك وَرُوِيَ عَن ابْن عمر ﵄ أَنه لحقه ابْن الزبير فِي الطّواف فَخَطب إِلَيْهِ ابْنَته وَلم يكلمهُ ابْن عمر فَلَمَّا قدما الْمَدِينَة ولقيه عُرْوَة قَالَ لَهُ ابْن عمر إِنَّك كَلَّمتنِي فِي الطّواف بِمَا كَلَّمتنِي وَإِنَّا كُنَّا نتراءى الله بَين أَعيننَا فَهَل لَك فِيمَا سَأَلت قَالَ نعم فَزَوجهُ وَعَن أبي بن كَعْب ﵁ قَالَ كنت جَالِسا فِي الْمَسْجِد فَدخل رجل فَقَرَأَ قِرَاءَة أنكرتها عَلَيْهِ ثمَّ جَاءَ آخر فَقَرَأَ سوى قِرَاءَة صَاحبه فَلَمَّا انصرفا دَخَلنَا جَمِيعًا على رَسُول الله ﷺ فَأَخْبَرته بذلك فَقَالَ رَسُول الله ﷺ للرجل إقرأ فَقَرَأَ ثمَّ قَالَ للْآخر إقرأ فَقَرَأَ فَقَالَ أحسنتما أَو أصبْتُمَا فَلَمَّا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ قد حسن قراءتهما سقط فِي نَفسِي وودت أَنِّي كنت فِي الْجَاهِلِيَّة فَلَمَّا رأى رَسُول الله ﷺ مَا غشيني ضرب بِيَدِهِ فِي صَدْرِي ففضت عرقا وَكَأَنِّي أنظر إِلَى الله فرقا فَقَالَ يَا أبي إِن رَبِّي أرسل إِلَيّ أَن أَقرَأ الْقُرْآن على حرف فَرددت إِلَيْهِ أَي رب هون على أمتِي فَرده إِلَيّ الثَّانِيَة أَن إقرأ على حرفين فَقلت يَا رب هون على أمتِي فَرده إِلَيّ الثَّالِثَة إِن إقرأه على سَبْعَة أحرف وَلَك بِكُل ردة رَددتهَا مَسْأَلَة تسألينها فَقلت اللَّهُمَّ إغفر لأمتي مرَّتَيْنِ وأخرت الثَّالِثَة إِلَى يَوْم يرغب إِلَيّ فِيهِ الْخلق حَتَّى إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام

стр. 1074

وَعَن عبد الْعَزِيز بن أبي رواد ﵁ رَفعه إِلَى رَسُول الله ﷺ فِي قصَّة حَارِثَة حَيْثُ قَالَ لَهُ كَيفَ أَصبَحت يَا حَارِثَة قَالَ مُؤمنا حَقًا قَالَ مَا حَقِيقَة إيمانك قَالَ كَأَنِّي أنظر إِلَى الله فَوق عَرْشه هَذَا فِي رِوَايَة عبد الْعَزِيز وَعَن أنس ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ وَقَالَ فِي حَدِيثه كَأَنِّي أنظر إِلَى عرش رَبِّي بارزا رَجعْنَا إِلَى ذكر صفة السَّابِقين المقربين إِنَّه إِذا أسر الْعَمَل خلا بربه فِي الْعَمَل فبرز لَهُ وجوده على الْقلب فِي الصَّدْر وَالْأول المقتصد أسر الْعَمَل فَخَلا بِطَاعَتِهِ وعبودته لَا بربه فبرز لَهُ توحيده على قلبه فِي صَدره فالمقتصد يتَوَلَّى تربية عمله التَّوْحِيد وَالسَّابِق يتَوَلَّى تربية عمله ربه الْجواد الْكَرِيم فَإِذا أسر السَّابِق الَّذِي هَذِه صفته عملا من أَعماله فَإِنَّمَا يسره ليخلو بربه فيجده فِي الْعَمَل وَذَلِكَ قَول عَامر بن عبد قيس مَا نظرت إِلَى شَيْء إِلَّا رَأَيْت الله أقرب مِنْهُ وَقَول مُحَمَّد بن وَاسع مَا نظرت إِلَى شَيْء إِلَّا رَأَيْت الله فِيهِ فقد تبَاين قولاهما مَعَ رفْعَة قوليهما وجلالة حظيهما فِي الْقَوْلَيْنِ فَإِذا وجده السَّابِق فِي الْعَمَل عمل على مُشَاهدَة الْقلب فَعَظمهُ وَحسنه وَبَالغ فِيهِ ثمَّ جعله من وَرَاء ظَهره فَلم يلْتَفت إِلَيْهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يسره من أجل شَيْئَيْنِ أَحدهمَا أَنه يُرِيد أَي يُطْفِئ نَار شوقه إِلَى ربه بِوُجُودِهِ فِي الْعَمَل لِأَنَّهُ إِذا وجده فَأول مَا يلاقي قلبه برد الرَّحْمَة وقرة الْعين فَإِذا قرت عينه وناله برد الرَّحْمَة انطفت نَار الشوق وسكنت فَهَذَا وَجه

стр. 1075

وَوجه آخر أَن عين قلبه مَادَّة إِلَى جَلَاله وعظمته يسْأَل بذلك نزاهة الْيَقِين فَيَزْدَاد حَيَاة بِاللَّه وَلم يسره يُرِيد بذلك تصفيته مِمَّا يخالط من فتْنَة النَّفس لِأَن نفس هَذَا قد مَاتَت وافتقدت وساوسها قَالَ لَهُ قَائِل هَذَا لم لم يعلن الْعَمَل حَتَّى يَقْتَضِي بِهِ الْخلق قَالَ صَاحب هَذَا قد لَهَا عَن الثَّوَاب وَوَلِهَ بالماجد الْكَرِيم وَمن وَجه آخر يسره يُرِيد بذلك أَن يغيبه عَن أعين الْخلق فَإِنَّهُم إِذا رَأَوْا صَلَاة وصوما وَصدقَة رَأَوْا زِينَة وبهاء وزهدا ونزاهة وسخاء فأكرموه وعظموا مَنْزِلَته فَإِنَّمَا يسر أَعماله لِئَلَّا يكْتَسب بهَا من الْخلق هَذِه الْمنزلَة غيرَة لرَبه وَإِذا أسرها من هَذَا الْوَجْه كَانَ مِمَّن يباهي الله بِهِ مَلَائكَته وَقَالَ هَذَا عَبدِي حَقًا وَلم يكن الله ليباهي بِهِ ويثني عَلَيْهِ ثمَّ لَا يفِيدهُ شَيْئا وَأول مَا يفِيدهُ أَن ينشر ثَنَاؤُهُ الَّذِي أثنى بِهِ عَلَيْهِ فِي مَلَائكَته على قُلُوب أهل الأَرْض حَتَّى ينْظرُوا إِلَيْهِ بِتِلْكَ الْعين وتتناسم الْأَرْوَاح بِرُؤْيَتِهِ وتتباشر الْقُلُوب بلقائه وتلتذ الْعُيُون الشاخصة بِالنّظرِ إِلَيْهِ قَالَ عِيسَى ﵇ إِذا كَانَ يَوْم صَوْم أحدكُم فليدهن شَفَتَيْه وَإِذا تصدق فليخف يَمِينه عَن شِمَاله وَإِذا صلى فليدل على بَابه ستره فَإِن الله تَعَالَى يقسم الثَّنَاء كَمَا يقسم الرزق فَهَذِهِ وُجُوه إسراره للْعَمَل وَإِذا أعلنه فَإِنَّمَا يعلنه حبا لِأَن يعبد الله فِي أرضه بِمثل مَا يعبده نصيحا لله فِي ذَاته وَفِي دينه وَفِي كِتَابه وَرَسُوله وخلقه وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا إِن الدّين هُوَ النَّصِيحَة ثَلَاث مَرَّات

стр. 1076

قيل لمن قَالَ لله ولكتابه وَلأمة الْمُسلمين وعامتهم رَوَاهُ تَمِيم الدَّارِيّ فنصيحته لله من ذَاته أَن تكون عينه مَادَّة إِلَى عَظمَة الله وَفِي دينه إِلَى حسن تَدْبيره وَفِي كِتَابه إِلَى الْعَمَل بِمَا فِيهِ وَفِي رَسُوله إِلَى إتباعه وَفِي الْعَامَّة إِلَى حملهمْ على مَا فِيهِ نجاتهم وَقَالَ رَسُول الله ﷺ خِيَار عباد الله الَّذين يحببون الله إِلَى عباده وَيُحَبِّبُونَ الْعباد إِلَى الله ويمشون لله فِي الأَرْض نصحا قَوْله يحببون الله إِلَى عباده أَي يذكرونهم آلَاء الله ونعمه وإحسانه وَيُحَبِّبُونَ الْعباد إِلَى الله أَي يأمرونهم بِالطَّاعَةِ حَتَّى يطيعوه فيحبهم ويمشون لله فِي الأَرْض دعاة إِلَى الله وَإِلَى دينه فالدعاة إِلَى الله دأبهم فِي شهرهم ودهرهم أَن يعلنوا الْخَيْر كي يَقْتَدِي النَّاس بهم وَلذَلِك أثنى الله تَعَالَى على من سَأَلَهُ فَقَالَ ﴿واجعلنا لِلْمُتقين إِمَامًا﴾ وَإِذا أَسرُّوا فَالْوَجْه الَّذِي وَصفنَا فهم على مفرق الطَّرِيقَيْنِ وهم على كلا الطَّرِيقَيْنِ مستقيمون وجيهون عِنْد الله عَن أنس بن مَالك ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لما خلق الله الأَرْض جعلت تميد فخلق الْجبَال فَألْقى عَلَيْهَا فاستقرت فتعجبت الْمَلَائِكَة من شدَّة الْجبَال فَقَالَت يَا رب هَل من خلقك شَيْء

стр. 1077

أَشد من الْجبَال قَالَ نعم الْحَدِيد قَالَت يَا رب هَل من خلقك شَيْء أَشد من الْحَدِيد قَالَ نعم النَّار قَالَت يَا رب هَل من خلقك شَيْء أَشد من النَّار قَالَ نعم المَاء قَالَت يَا رب هَل من خلقك شَيْء أَشد من المَاء قَالَ نعم التُّرَاب قَالَت يَا رب هَل من خلقك شَيْء أَشد من التُّرَاب قَالَ نعم الرّيح قَالَت يَا رب هَل من خلقك شَيْء أَشد من الرّيح قَالَ نعم الْإِنْسَان يتَصَدَّق بِيَمِينِهِ يخفيه من شِمَاله هَذِه رِوَايَة أنس ﵁ وروى عَليّ ﵁ هَذَا الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ عِنْدَمَا بلغ ذكر خلق الْإِنْسَان فِي هَذَا الحَدِيث ثمَّ خلق الْإِنْسَان يغلب الرّيح يتقيها بِيَدِهِ ثمَّ خلق النّوم يغلب الْإِنْسَان ثمَّ خلق الْهم يغلب النّوم فأشد خلق رَبك الْهم فَحَدِيث عَليّ ﵁ مُوَافق لحَدِيث أنس ﵁ لِأَنَّهُ إِذا صَار يتَصَدَّق سرا يخفي ذَلِك السِّرّ بِيَمِينِهِ من شِمَاله كَانَ قَوِيا وَهَذَا تَمْثِيل فاليمين هِيَ الْقلب وَالشمَال هِيَ النَّفس أَلا ترى أَن الطَّاعَة تخرج من إِيمَان الْقلب والمعاصي من شهوات النَّفس فَتَأْوِيل هَذِه الْكَلِمَة عندنَا الَّذِي قَالَ يتَصَدَّق بِيَمِينِهِ يخفيها من شِمَاله أَي يتَصَدَّق بِقَلْبِه ويخفيها من نَفسه فالإيمان فِي الْقلب والهوى فِي النَّفس فَإِذا أخفاها من الْهوى فَهَذَا الْإِنْسَان يغلب الرّيح يتقيها بِيَدِهِ كَمَا وَصفه عَليّ ﵁ لِأَن الْهوى تنفس النَّار فَهُوَ ريح يخرج مِنْهَا فتمر بِبَاب النَّار فَتحمل الشَّهَوَات إِلَى الْآدَمِيّ إِلَى الْموضع الَّذِي قد ركب فِي الْآدَمِيّ من تِلْكَ الشَّهْوَة حَتَّى يثيرها فيشتغل فِي الْعُرُوق وَيَأْخُذ الْقلب فمرجع الرِّوَايَتَيْنِ إِلَى شَيْء وَاحِد وَهُوَ أَن يعْمل عملا مبتدأه من الْإِيمَان من الْقلب فيسره من الْهوى وإسراره أَن لَا يلْتَفت إِلَيْهِ حَتَّى يعجب بِهِ أَو يرى لنَفسِهِ عملا فيتكل عَلَيْهِ وَإِذا تعلق بِالْأَعْمَالِ نزع يَده من التَّعَلُّق بِالرَّحْمَةِ فوكله الله إِلَى نَفسه وَعَمله وَمِنْهَا بَدَأَ هَلَاكه وَلذَلِك قَالَ الله

стр. 1078

تَعَالَى يَا دَاوُد بشر المذنبين وأنذر الصديقين قَالَ وَكَيف ذَاك يَا رب قَالَ بشر المذنبين أَن لَا يتعاظمني ذَنْب أغفره وأنذر الصديقين أَنه لَيْسَ مِنْهُم أحد أنصبه لِلْحسابِ وأقيمه على عدلي إِلَّا هلك فالملتفت إِلَى أَعماله يُرِيد أَن ينجو من ربه بِأَعْمَالِهِ وَإِذا هُوَ هلك وَهَذَا قَول رَسُول الله ﷺ لَيْسَ أحد مِنْكُم ينجيه عمله قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله برحمته وَالَّذِي يغلب الرّيح هُوَ الَّذِي يغلب هَوَاهُ فِي كل بر يعْمل لله تَعَالَى وَأثر الْأُمُور عِنْده مَا ثقل عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يعلم أَنه أصفى وَأَبْرَأ من هيئآت النَّفس وموردات الْهوى فَهُوَ يجْتَهد أَن يخفيه من نَفسه فَأَما المقربون فَإِنَّهُم عمِلُوا لله كَأَنَّهُمْ يرونه فَلَو أَن أحدهم صَار لَهُ عمل الْأَوَّلين والآخرين لتلاشى فِي عينه إِذا صَار قبالة عَظمَة الله وجلاله وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن حَدِيث عَليّ ﵁ مُوَافق لحَدِيث أنس من أجل أَن النّوم فِي الظَّاهِر يغلب الْإِنْسَان وَفِي الْبَاطِن النّوم هُوَ الْغَفْلَة لَا غَفلَة الْقلب وَلَكِن غَفلَة النَّفس عَن أحوالها فِي الدُّنْيَا فَإِذا جَاءَت الْغَفْلَة نَام الْقلب عَن شهوات النَّفس وَأَحْوَالهَا وأفراحها فَإِذا جَاءَ الْهم طَار النّوم فحيى الْقلب بِاللَّه فَذَاك الْهم فِي الظَّاهِر هُوَ أَحْوَال النَّفس وَفِي الْبَاطِن هم ربه فَلذَلِك قدر أَن يتَصَدَّق بِقَلْبِه ويخفيها من نَفسه لِأَن صفته إِن قطع همه بربه عَنهُ نومَة الْغَفْلَة فَرجع الْكَلَام إِلَى مَا قُلْنَا إِن الْمُؤمن إِذا صَار

стр. 1079

بِهَذِهِ الصّفة كَانَ أَشد وَأقوى من الْأَرْضين وَالْجِبَال وَالْحَدِيد وَالنَّار وَالْمَاء وَالرِّيح فَهُوَ أَشد خلق ربه لِأَن ذَلِك الْهم هم النَّفس من أَحْوَال الدُّنْيَا يطرد النّوم وينفيه وهم الْقلب من أَحْوَاله فِي الملكوت يطرد عَنهُ النّوم نوم الْقلب ونوم الْعين فالهم قد غلب هَذِه الْأَشْيَاء فَلذَلِك قَالَ ابْن مَسْعُود لعمر ﵄ إِنَّا نجد أَن عمل الْمُؤمن فِي يَوْم وَاحِد أثقل من سبع سموات وَسبع أَرضين وَقَالَ مُوسَى ﵇ فِيمَا رُوِيَ عَنهُ يَا رب إِنِّي أجد صفة قوم فِي قُلُوبهم من النُّور أَمْثَال الْجبَال الرواسِي تكَاد الْبَهَائِم تَخِر لَهُم سجدا إِذا رأتهم من النُّور الَّذِي فِي قُلُوبهم قَالَ يَا مُوسَى تِلْكَ قُلُوب طوائف من أمة مُحَمَّد إِنَّمَا بلغُوا ذَلِك بِإِقْبَالِهِمْ على أنفسهم وذمهم لَهَا وَإِنَّمَا هلك من هلك من قَوْمك بالعجب بِأَنْفسِهِم وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِن لله مَلَائِكَة موكلين بأرزاق بني آدم ثمَّ قَالَ لَهُم أَيّمَا عبد وجدتموه جعل الْهم هما وَاحِدًا فضمنوا رزقه السَّمَوَات وَالْأَرضين وَالطير وَبني آدم فَأَما قَول عِيسَى ﵇ إِن الله يقسم الثَّنَاء كَمَا يقسم الرزق فَإِنَّمَا يقسم الثَّنَاء على الْقُلُوب على أقدار مَحل الْعباد عِنْده وَإِنَّمَا يحل الْعباد عِنْده حَيْثُ يحلونَ رَبهم من قُلُوبهم قَالَ رَسُول الله ﷺ من أحب أَن يعلم مَا مَنْزِلَته عِنْد الله فَلْينْظر مَا منزلَة ربه عِنْده فَإِن الله ينزل العَبْد من نَفسه حَيْثُ أنزلهُ العَبْد من قلبه فقلوب الْخلق فِي قَبضته وَبَين اصبعين من أَصَابِعه فَيرى الْقُلُوب مَحل العَبْد من صدق العبودة حَتَّى يُحِبهُ العبيد وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى إِن الَّذين

стр. 1080

آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَيجْعَلُ لَهُم الرَّحْمَن ودا) وَقَالَ رَسُول الله ﷺ من هاب الله أهاب الله مِنْهُ كل شَيْء وَمن خَافَ الله أَخَاف الله مِنْهُ كل شَيْء وَمن أحبه حببه الله إِلَى عباده وَأثْنى عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى لمُوسَى ﵇ ﴿وألقيت عَلَيْك محبَّة مني﴾ وَقَوله تَعَالَى عِنْد ذكر أنبيائه ﴿وَتَركنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين﴾ فَإِنَّمَا ينزل الثَّنَاء على الْقُلُوب وَيظْهر السمات على الشَّخْص قيل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وألقيت عَلَيْك محبَّة﴾ قَالَ الْحَلَاوَة والملاحة وَعَن الزُّهْرِيّ قَالَ يعْطى الصَّادِق ثُلثي الْحَلَاوَة والمهابة والطلاوة وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن قَوْله تَعَالَى ﴿سَيجْعَلُ لَهُم الرَّحْمَن ودا﴾ قَالَ إِن الله أعْطى الْمُؤمن الْمحبَّة والمقة والمهابة فِي صُدُور الصَّالِحين وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ أَوْلِيَاء الله الَّذين إِذا رؤوا ذكر الله

стр. 1081

وَرُوِيَ فِي حَدِيث آخر قَالَ مُوسَى يَا رب من أوليائك قَالَ الَّذين إِذا ذكرُوا ذكرت وَإِذا ذكرت ذكرُوا وَقيل يَا رَسُول الله من نجالس قَالَ خياركم قيل وَمن خيارنا يَا رَسُول الله قَالَ من يذكركم بِاللَّه رُؤْيَته وَيزِيد فِي عَمَلكُمْ مَنْطِقه ويزهدكم فِي الدُّنْيَا عمله فقسمة الرزق على التَّدْبِير فِي الْبَاطِن وَقِسْمَة الثَّنَاء على منَازِل الْعباد فِي الْبَاطِن فِي كينونتهم لَهُ عبيدا وتسليمهم إِلَيْهِ نفوسا ولأمره انقيادا ولأسمائه علما فيورثهم خشوعا وطمأنينة وثقة فَإِذا هِبته هابك الْخلق وَإِذا عَظمته عظمك الْخلق وَإِذا أحببته أحبك الْخلق وَإِذا وثقت بِهِ وثق بك الْخلق واطمأنت نُفُوسهم إِلَيْك وَإِذا أنست بِهِ أنس بك الْخلق وَإِذا نزهته نظر إِلَيْك الْخلق بِعَين النزاهة وَالطَّهَارَة يَحْكِي لقلوب الْخلق عَن قَلْبك مَا يرَاهُ من قَلْبك فَإِن شِئْت فازدد وَإِن شِئْت فانقص فَإِنَّمَا تنقص من حَظّ نَفسك فمنتهى قسْمَة الثَّنَاء أَن خلط ذكره بِذكرِهِ وَجعل على شخصه طلاوة سماته فَإِذا رَأَوْهُ ذكرُوا الله قَالَ لَهُ قَائِل وَمَا تِلْكَ السمات قَالَ سمات الحظوظ قَالَ حظوظ من مَاذَا قَالَ حَتَّى تخرج من المهد وتنفطم عَن الرَّضَاع فَعندهَا تعرف السمات إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ وَمَا المهد وَمَا الْفِطَام قَالَ الْإِنْسَان من حِين يُولد فَهُوَ رَاكب هَوَاهُ غير مفارق لشهواته ونهماته فَهُوَ فِي مهد مناه كَالصَّبِيِّ فِي المهد يُرِيد فِي كل أَمر أَن يبر ويلطف لَهُ ويعطف عَلَيْهِ وَيعْمل بهواه ويعلل كَالصَّبِيِّ ويداري ويوافق فِي شيئآته هَذَا حَاله إِلَى أَن يشيخ وَيكبر وَيدخل فِي عبودة قَبره لم يدْخل الله تَعَالَى قطّ وَلَا تولى الله قطّ ولَايَة الْحق إِنَّمَا تولاه ولَايَة التَّوْحِيد وَحده بِمَا من عَلَيْهِ من عقد الْإِيمَان وَقبل مِنْهُ الْإِيمَان وَالْإِسْلَام أَن يكون مطمئن الْقلب فِي الله تَعَالَى فِي كل حَال سَاكِنا عِنْد أَحْكَامه مُسلما إِلَيْهِ جَمِيع جوارحه عِنْد أمره وَنَهْيه ثمَّ هُوَ عبد

стр. 1082

آبق منخلع العذار مستبد حرون جموح إِذا أمره تثاقل وحرن وَإِذا نَهَاهُ جمح وَإِذا قسم لَهُ بِحسن تَدْبيره من الْأَحْوَال أرسل مشفريه كمشفري الْبَعِير وَعَبس وَجهه وانقبض انقباض الْقُنْفُذ وَإِذا حكم عَلَيْهِ التوى وذلل بقدميه الأَرْض فَهَذَا عبد دُنْيَاهُ وَعبد بَطْنه وَعبد فرجه وشهواته ومناه فَمَتَى يقدر هَذَا أَن يعظم حُقُوق الله ويعظم أمره ويتذلل لَهُ عبودة وَمَتى يصير هَذَا عَالما بِاللَّه عَارِفًا لَهُ وبمننه وإحسانه شاكرا خَاشِعًا خَائفًا لزوَال النِّعْمَة مستحييا مِنْهُ هَيْهَات مَا أبعد هَذَا فَهَذَا رَضِيع فِي المهد فَلْينْظر أَيْن يكون من تِلْكَ الْعَرَصَة الْعَظِيم شَأْنهَا وَمن تِلْكَ الصُّفُوف كَمَا يكون الصَّبِي من محافل الدُّنْيَا مَعَ مخاطه وأدناسه وأوساخه ولهوه ولعبه من وَرَاء الْبَاب لَا يعبأ بِهِ وَلَا يهيأ لَهُ مجْلِس وَالَّذِي فطم حَتَّى تأدب وشب وَأخذ الزِّينَة والهيئة والبهاء واللباس وَالْأَدب أَيْن يقْعد فَلذَلِك من فطم نَفسه عَن الشَّهَوَات وَعَن ارتضاع حلاوة الدُّنْيَا وَرمى بعلل نَفسه وَرفع باله عَن الْخلق مَاذَا يُقَال لَهُ وماذا يكون أعْتقهُ الله من رق النَّفس بأنوار الْهدى وحشا صَدره من أنوار الحظوظ ووسمه بسماته فالدنيا كلهَا تَحت قدمه والخلق من وَرَاء ظَهره وَالله نصب عينه يتخطى على أَعْنَاق الْخلق فِي الْموقف إِلَى الله يسْبق الصُّفُوف صفا صفا وَيُقَال لَهُ ادن حَتَّى يغبطه الناظرون إِلَيْهِ من أهل الْقرْيَة وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو مَالك الْأَشْعَرِيّ ﵁ قَالَ خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ اعقلوا وَاعْلَمُوا أَن لله عبادا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاء وَلَا شُهَدَاء يَغْبِطهُمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاء لِمَكَانِهِمْ وقربهم من الله فَقَامَ أَعْرَابِي فَقَالَ يَا رَسُول الله من هم حلهم لنا فسر وَجه رَسُول الله ﷺ لقَوْل الْأَعرَابِي فَقَالَ هم قوم لم تصل مِنْهُم أَرْحَام مُتَقَارِبَة من أفناء النَّاس ونوازع الْقَبَائِل تحَابوا فِي جلال الله وتصافوا فِيهِ وتزاوروا فِيهِ وتباذلوا فِيهِ يضع الله لَهُم مَنَابِر من نور فَيَجْلِسُونَ عَلَيْهَا وَإِن ثِيَابهمْ لنُور ووجوههم نور لَا يخَافُونَ إِذا خَافَ النَّاس وَلَا يفزعون إِذا فزع النَّاس

стр. 1083

أُولَئِكَ أَوْلِيَاء الله لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الله تَعَالَى إِذا أحب عبدا أثنى عَلَيْهِ من الْخَيْر مثل عمله سبع مَرَّات وَإِذا أبْغض عبدا أثنى عَلَيْهِ مثل عمله من الشَّرّ سبع مَرَّات وَعَن أبي الْهَيْثَم قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله إِذا أحب عبدا أثنى عَلَيْهِ بسبعة أَضْعَاف من الْخَيْر لم يعمله وَإِذا أبْغض عبدا أثنى عَلَيْهِ بسبعة أَضْعَاف من الشَّرّ لم يعمله عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ هَل تَدْرُونَ من الْمُؤمن قَالُوا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ الْمُؤمن من لَا يَمُوت حَتَّى يمْلَأ مسامعه مِمَّا يحب وَلَو أَن عبدا اتَّقى الله فِي بَيت فِي جَوف بَيت إِلَى سبعين بَيْتا على كل بَيت بَاب من حَدِيد ألبسهُ الله تَعَالَى رِدَاء عمله حَتَّى يتحدث بِهِ النَّاس وَيزِيدُونَ وَالْكَلَام مثل ذَلِك فِي فجوره قيل وَكَيف يزِيدُونَ يَا رَسُول الله قَالَ إِن التقى لَو اسْتَطَاعَ أَن يزِيد فِي بره لزاد والفاجر لَو يَسْتَطِيع أَن يزِيد فِي فجوره لزاد وَقَالَ ﵇ نِيَّة الْمُؤمن أبلغ من عمله

стр. 1084

وَعَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ يَقُول الله لعَبْدِهِ يَوْم الْقِيَامَة عَبدِي عبدتني أكرمك النَّاس ووضعوك على رؤوسهم زهدت فِي الدُّنْيَا رَاحَة تعجلتها هَل واليت لي وليا أَو عاديت لي عدوا عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ يُؤْتى يَوْم الْقِيَامَة بِعَبْد محسن فِي نَفسه لَا يرى أَن لَهُ سَيِّئَة فَيُقَال لَهُ هَل كنت توالي أوليائي قَالَ يَا رب كنت من النَّاس سلما قَالَ فَهَل كنت تعادي أعدائي قَالَ يَا رب إِنِّي لم أكن أحب أَن يكون بيني وَبَين أحد شَيْء فَيَقُول وَعِزَّتِي لَا ينَال رَحْمَتي من لم يوال أوليائي وَلم يُعَاد أعدائي فَأَما الَّذِي يفعل وَيُحب أَن يحمد فَهُوَ على وَجْهَيْن فَإِن كَانَ حبه للحمد لِأَن يَعْلُو بذلك مَنْزِلَته عِنْد الْخلق فَهَذَا فتْنَة وَإِن كَانَ حبه للحمد من نزاهة نَفسه وَشرف قلبه فِي الدّين يطْلب الْجمال والهيئة وَالله جميل يحب الْجمال فَإِن طلبه فِي أُمُوره أَن يحمد فَهُوَ مَحْمُود لِأَنَّهُ لم يطْلب بذلك الْحَمد دنيا وَإِنَّمَا طلب بِهِ مسكة الدّين والعصمة لِئَلَّا يذل فِي خلقه فيذل دينه وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ لَيْسَ الْمُؤمن أَن يذل نَفسه وَقَالَ فِي خطبَته طُوبَى لمن تواضع فِي غير مذلة قَالَ بشر الثَّعْلَبِيّ كنت جَالِسا عِنْد أبي الدَّرْدَاء ﵁ فَمر

стр. 1085

بِنَا ابْن الحنظلة رجل من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَكَانَ رجلا متوحدا قل مَا يُجَالس النَّاس إِنَّمَا هُوَ صَلَاة فَإِذا انْصَرف إِنَّمَا هُوَ تَسْبِيح وتكبير وتهليل حَتَّى يَأْتِي أَهله فَمر بِنَا فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء كلمنا كلمة تنفعنا وَلَا تَضُرك فَقَالَ بعث رَسُول الله ﷺ سَرِيَّة فَقدمت فَقَالَ رجل لَو رَأَيْتنَا حِين لَقينَا الْعَدو فطعن فلَان فلَانا فَقَالَ خُذْهَا وَأَنا الْغُلَام الْغِفَارِيّ وَرجل إِلَى جنبه فَقَالَ كَيفَ ترى قَالَ مَا أرَاهُ إِلَّا أبطل أجره قَالَ الآخر لَا أرى بذلك بَأْسا فتنازعا فِي ذَلِك حَتَّى سمع رَسُول الله ﷺ فَقَالَ سُبْحَانَ الله لَا بَأْس أَن يُؤجر ويحمد فسر بذلك أَبُو الدَّرْدَاء فَقَالَ أَنْت سَمِعت هَذَا فَجعل يَقُول نعم وَعَن معَاذ بن جبل ﵁ قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله إِنِّي حب أَن أَحْمد كَأَنَّهُ يخَاف على نَفسه قَالَ وَمَا يمنعك أَن تعيش حميدا وَتَمُوت فَقِيرا وَإِنَّمَا بعثت لأتمم محَاسِن الْأَخْلَاق وَفِي رِوَايَة أُخْرَى أَن هَذَا الرجل الَّذِي سَأَلَ رَسُول الله ﷺ هُوَ ثَابت ابْن قيس بن شماس فَهَذَا يحب الْحَمد لشرف نَفسه وللتجمل هربا من الذَّم ونزاهة من دناءة النَّفس لِأَن الْحَمد والذم ضدان فَإِذا فقد الْحَمد ظهر الذَّم وَأما الَّذِي يحب الْحَمد للمباهاة وَطلب الْعُلُوّ فَذَلِك مَذْمُوم قَالَ الله تَعَالَى ﴿تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا للَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيُحِبُّونَ أَن يحْمَدُوا بِمَا لم يَفْعَلُوا﴾ وَعَن أبي ذَر الْغِفَارِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَيْسَ الزهادة فِي الدُّنْيَا بِتَحْرِيم الْحَلَال وَلَا إِضَاعَة المَال وَلَكِن الزهادة أَن لَا تكون بِشَيْء مِمَّا فِي يدك أوثق مِنْك بِمَا فِي يَد الله تَعَالَى وَأَن يكون ثَوَاب

стр. 1086

الْمُصِيبَة أحب إِلَيْك من أَن لَو نفيت عَنْك الْمُصِيبَة وَلكُل حق حَقِيقَة وَلَا يبلغ العَبْد حَقِيقَة الْإِيمَان حَتَّى يعلم أَن مَا أَصَابَهُ لم يكن ليخطئه وَأَن مَا أخطأه لم يكن ليصيبه وَلَا يبلغ العَبْد حَقِيقَة الْإِخْلَاص حَتَّى لَا يحب أَن يحمد على شَيْء عمل لله فَهَذَا فعل السَّابِقين ومنزلة أُخْرَى فِي هَذَا الْبَاب أشرف من هَذَا كُله وَهُوَ أَن يحب أَن يحمد ومنبع حبه للحمد حب الله تَعَالَى فَهَذَا يحب أبدا أَن يكتسي حَمده فَيرى عَلَيْهِ تِلْكَ الْكسْوَة وتنطلق الْأَلْسِنَة بذلك الْحَمد لَهُ فَتكون تِلْكَ الْأَلْسِنَة شُهُود الله لَهُ فِي أرضه فَهَذَا أشرف الْمنَازل وَهُوَ الَّذِي سَأَلَ إِبْرَاهِيم ﵇ ربه فَقَالَ ﴿وَاجعَل لي لِسَان صدق فِي الآخرين﴾ أَي الثَّنَاء الْحسن فَأُجِيب إِلَى ذَلِك فَقَالَ ﴿وَتَركنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين﴾ وَمُحَمّد ﷺ فوض ذَلِك إِلَى ربه فزاده فَقَالَ ﴿ورفعنا لَك ذكرك﴾ فقرن ذكره بِذكر نَفسه ثمَّ جعل لأمته من ذَلِك أوفر الْحَظ فَقَالَ مُوسَى ﵇ يَا رب من أولياؤك قَالَ الَّذين إِذا ذكرُوا ذكرت وَإِذا ذكرت ذكرُوا وَقيل يَا رَسُول الله من أَوْلِيَاء الله قَالَ الَّذين إِذا رؤوا ذكر الله عَن أنس ﵁ قَالَ بَينا رَسُول الله ﷺ قَائِم إِذْ مرت بِهِ جَنَازَة فَسَأَلَ عَنْهَا وأثنوا عَلَيْهَا خيرا فَقَالَ وَجَبت ثمَّ مرت بِهِ أُخْرَى فَأَثْنوا عَلَيْهَا شرا فَقَالَ ﵇ وَجَبت فَقُلْنَا يَا رَسُول الله قلت وَجَبت قَالَ إِن الْمُؤمنِينَ شُهُود الله فِي الأَرْض إِذا شهدُوا للْعَبد بِخَير أوجب الله لَهُ الْجنَّة وَإِذا شهدُوا للْعَبد بشر أوجب الله لَهُ النَّار

стр. 1087

وَمَا من عبد يشْهد لَهُ أمة إِلَّا قبل الله شَهَادَتهم وَالْأمة الْوَاحِد إِلَى مَا فَوْقه قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن إِبْرَاهِيم كَانَ أمة﴾ وَقَالَ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من مُسلم يوضع فِي قَبره فيثني عَلَيْهِ ثَلَاثَة أهل بَيت من جِيرَانه خيرا إِلَّا قَالَ الله تَعَالَى لملائكته قد قبلت شَهَادَة عبَادي لعبدي فِيمَا ظهر وغفرت لَهُم مَا لَا يعلمُونَ رَجعْنَا إِلَى ذكر السِّرّ وَالْعَلَانِيَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هِيَ﴾ قَالَ جعل الله صَدَقَة التَّطَوُّع يفضل سرها علانيتها سبعين ضعفا وَجعل صَدَقَة الْفَرِيضَة علانيتها تفضل سرها بِخَمْسَة وَعشْرين ضعفا وَكَذَلِكَ جَمِيع الْفَرَائِض والنوافل فِي الْأَشْيَاء كلهَا وَإِنَّمَا قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ فِيمَا يرى ذَلِك من قَول رَسُول الله ﷺ إِن عمل السِّرّ من التَّطَوُّع يفضل الْعَلَانِيَة بسبعين ضعفا

стр. 1088

وَقَالَ فِي حَدِيث آخر صَلَاة الرجل فِي جمَاعَة يَعْنِي الْفَرِيضَة تزيد على صلَاته وَحده بِخمْس وَعشْرين دَرَجَة وَرُوِيَ عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ ﵁ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هِيَ﴾ قَالَ الْفَرَائِض ﴿وَإِن تخفوها وتؤتوها الْفُقَرَاء﴾ قَالَ التَّطَوُّع وجاد مَا غاص أَبُو جَعْفَر ﵁ وَحقّ لمعدن النُّبُوَّة أَن يكون هَكَذَا وصف الله تَعَالَى إبداء الصَّدَقَة بِالنعْمَةِ فَقَالَ ﴿فَنعما هِيَ﴾ وَإِنَّمَا هِيَ نعم كَقَوْلِك فعل وَهُوَ ضد بئس من الْبُؤْس وَالنعْمَة والبؤس ضدان وكل شَيْء جسم واحتشا وَرطب فَهُوَ نعْمَة وكل شَيْء هزل ويبس فَهُوَ بؤس ثمَّ نسب فعل نعم إِلَى مَا وَلَفظ مَا بَاطِن الْأَشْيَاء كَأَنَّهُ قَالَ إبداء الصَّدَقَة نعم باطنة وَإِنَّمَا نعم الإبداء لِأَنَّهُ فَرِيضَة افترضها الله على عباده دَوَاء لأسقام قُلُوب الْعباد لِأَن الْقُلُوب سقمت بحب المَال وَلذَلِك سمي مَالا لِأَن الْقُلُوب تميل بحبها عَن الله فَأمر بمفارقته على سَبِيل التَّصَدُّق وَهُوَ إِظْهَار صدق الْإِيمَان لِأَن الله تَعَالَى اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة فَسُمي زَكَاة وَالزَّكَاة عبارَة عَن النَّمَاء لِأَن فِيهِ نمو مَا نقص من نور قُلُوبهم وارتحل من بركاتهم عَن الْقُلُوب وتطهرا عَن أدناس الْميل إِلَى المَال من الله تَعَالَى وتنزها عَن حب المَال وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ الْإِيمَان حُلْو نزه فنزهوه وَسمي صَدَقَة لِأَن فِيهِ إِظْهَار صدق الْإِيمَان وَقد حلف رَسُول الله ﷺ فَقَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا نقصت صَدَقَة مَالا قطّ

стр. 1089

وَقَالَ ﵇ حِين تصدق من تمر قدر مد قَبْضَة قَبْضَة وَالشَّيْء مَكَانَهُ على هَيئته فَقيل يَا رَسُول الله نرَاك تُعْطِي وَلَا ينقص فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أما تقرأون وَمَا أنفقتم من شَيْء فَهُوَ يخلفه وَلَكِنَّكُمْ لَا ترَوْنَ الْخلف بقلة الْيَقِين وَقَالَ ﵇ لَو أَن أم إِسْمَاعِيل ﵇ لم تغرف من زَمْزَم لَكَانَ زَمْزَم عينا معينا وَرُوِيَ إِن عَامر بن عبد قيس كَانَ يَأْخُذ عطاءه فِي ثَوْبه ثمَّ يُعْطِيهَا قَبْضَة قَبْضَة فَإِذا بلغ الْمنزل وزن فيوجد كَمَا هُوَ وَكَانَ بَنو أَعْمَامه يَفْعَلُونَ مثل ذَلِك فينقص فَقَالُوا لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ إِنَّكُم تجربون الله وَأَنا لَا أجرب وَسمي المَال خيرا فِي التَّنْزِيل وَالْخَيْر مِنْهُ مَا كَانَ منزوع الْحمة وحمة المَال وسمه حبك لَهُ وَمَا لم ينْزع حمته فَهُوَ مَال لِأَنَّهُ مَال بِقَلْبِه عَن الله قَالَ الله تَعَالَى ﴿فكاتبوهم إِن علمْتُم فيهم خيرا﴾ وَقَالَ ﴿إِنِّي أَحْبَبْت حب الْخَيْر عَن ذكر رَبِّي﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَإنَّهُ لحب الْخَيْر لشديد﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿كتب عَلَيْكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت إِن ترك خيرا﴾

стр. 1090

سَمَّاهُ خيرا عِنْد حُضُور الْمَوْت لِأَنَّهُ عِنْد انطفاء نَار الشَّهَوَات وانطماس حب المَال وَقَالَ ﴿فكاتبوهم إِن علمْتُم فيهم خيرا﴾ لِأَن ذَلِك وَقت عطف وَرَحْمَة من السَّيِّد على عَبده يرغب فِي عتقه من الرّقّ وتأخذه الْحَاجة لِأَن المَال قوام الدّين فَمن أحب المَال لحب الدّين فقد صدق الله فِي إيمَانه وَلم يدْخل عَلَيْهِ فِي حب إيمَانه ممازجة وَلَا شوب وعلامته أَن يكون بِمَا أعطي أَشد فَرحا مِنْهُ بِمَا بَقِي فِي يَده وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى لداود ﵇ يَا دَاوُد هَل تَدْرِي أَي الْمُؤمنِينَ أعظم منزلَة عِنْدِي الَّذِي هُوَ بِمَا أعطي أَشد فَرحا بِمَا حبس وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ لَيست الزهادة فِي الدُّنْيَا بِتَحْرِيم الْحَلَال وَلَا إِضَاعَة المَال وَلَكِن الزهادة أَن لَا تكون بِشَيْء مِمَّا فِي يدك أوثق مِنْك بِمَا فِي يَد الله تَعَالَى وَأَن يكون ثَوَاب الْمُصِيبَة أحب إِلَيْك من أَن لَو نفيت الْمُصِيبَة عَنْك عَن سعيد بن جُبَير ﵁ أَن ملك الْمَوْت أَتَى إِبْرَاهِيم ﵇ فَأخْبرهُ بِأَن لله خَلِيلًا فِي الأَرْض فَقَالَ يَا ملك الْمَوْت من هُوَ حَتَّى أكون لَهُ خَادِمًا قَالَ فَإنَّك أَنْت هُوَ قَالَ بِمَاذَا قَالَ إِنَّك تحب أَن تُعْطِي وَلَا تحب أَن تَأْخُذ
следующие страницы →