← Книги сунны

Книги сунны · id 720

نوادر الأصول في أحاديث الرسول

الحكيم الترمذي

Полный текст (1 237 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

- الأَصْل الرَّابِع وَالْخَمْسُونَ والمائتان - فِي سر كلمة التَّقْوَى عَن الطُّفَيْل بن أبي بن كَعْب عَن أَبِيه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول وألزمهم كلمة التَّقْوَى لَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ أَبُو عبد الله إِنَّمَا سميت كلمة التَّقْوَى لِأَن العَبْد إِذا نطق بهَا إِنَّمَا ينْطق عَن نور التَّوْحِيد الَّذِي فِي قلبه فَإِذا انْتهى إِلَى الصِّرَاط صَار ذَلِك النُّور لَهُ وقاية من النَّار وَذَلِكَ النُّور برد يخمد لَهب النَّار لِأَن ذَلِك النُّور نور الرَّحْمَة وَتلك الرَّحْمَة هِيَ حَظّ الْمُؤمن من ربه فَإِذا نَالَ العَبْد تِلْكَ الرَّحْمَة أشرق الْقلب بِنور التَّوْحِيد وأضاء الصَّدْر من ذَلِك الْإِشْرَاق ونطق اللِّسَان عَن نور وضوء فَإِذا انْتهى إِلَى الصِّرَاط صَار ذَلِك النُّور والضوء وقاية فالنور يخمد مَا تَحت قَدَمَيْهِ والضوء يضيء لَهُ أَمَامه وينفرج لَهُ الطَّرِيق عَن تِلْكَ الظلمَة الَّتِي على الصِّرَاط

стр. 982

من سَواد النَّار فَلذَلِك قيل كلمة التَّقْوَى لِأَنَّهُ بهَا يَتَّقِي من النَّار فكلمة لَا إِلَه إِلَّا الله أَولهَا نفي الشّرك وَآخِرهَا تعلق بِاللَّه فَلَا يقدر العَبْد أَن يتَعَلَّق بِاللَّه حَتَّى يلْزمه الله وَإِنَّمَا يلْزمه الله بَعْدَمَا يَجْعَل لَهُ إِلَيْهِ سَبِيلا فَإِذا رحم عبدا فتح لَهُ من قلبه الطَّرِيق إِلَيْهِ حَتَّى إِذا صَار الْقلب مَحل التَّوْحِيد فهناك يلْزمه الله نور الْكَلِمَة فيصدر الْقلب عَن الله بتوحيده إِلَى النَّفس حَتَّى تطمئِن النَّفس وتسكن إِلَى ذَلِك وتستقر عَن التَّرَدُّد والجولان فِي طلب معبود سواهُ فيستقر الْقلب وَالنَّفس جَمِيعًا للعبودة لَهُ لما يَأْمر وَينْهى فَصَارَ تعلقهَا جَمِيعًا بِهِ فِي العبودة وَهُوَ قَوْله ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى لَا انفصام لَهَا﴾ فَهَذِهِ عقدَة الْقلب وطمأنينة النَّفس ثمَّ بعد ذَلِك تمْضِي النَّفس فِي شهواتها حلا وحراما وَهِي مَعَ ذَلِك بِاللَّه مطمئنة أَنه معبوده على إِضْمَار أَنَّهَا تقضي شهواتها وتعود إِلَى مَكَانهَا ثَانِيَة وَأما الْقلب فَهُوَ مُنكر لذَلِك مستمسك بعروته مقهور فِي سُلْطَان النَّفس حَتَّى إِذا أقبل الله على العَبْد بِالرَّحْمَةِ وَأَعْطَاهُ سُلْطَان التَّوْبَة خمدت نَار الشَّهْوَة وَخرج الْقلب من آثَار النَّفس فالعروة الوثقى هِيَ ذَلِك النُّور الَّذِي ألزم الله قلب العَبْد فَاسْتَمْسك بِهِ وَقَوي لَا انفصام لَهَا فَإِذا انْتهى إِلَى الصِّرَاط صَار ذَلِك النُّور وقاية لَهُ من تَحت قدمه وَصَارَ الضَّوْء أَمَامه يطْرق لَهُ فِي الظلمَة حَتَّى يجوزها وَقد قُلْنَا بدءا أَن كلمة لَا إِلَه إِلَّا الله أَولهَا نفي الشّرك وَآخِرهَا تعلق بِاللَّه وَإِنَّمَا يتَعَلَّق بِاللَّه إِذا اسْتكْمل التَّقْوَى وَذَلِكَ أَن الشّرك على ضَرْبَيْنِ شرك عبودة وشرك الْأَسْبَاب وَكِلَاهُمَا علاقَة وَهُوَ مُشْتَقّ من الشّرك الَّذِي ينصب فَيتَعَلَّق بِهِ الصَّيْد فَإِنَّمَا ينصب الشّرك ويلقى هُنَاكَ حبوب ينخدع الطَّائِر لِحَاجَتِهِ إِلَيْهَا حَتَّى يَقع فِيهِ فَيتَعَلَّق وَكَذَلِكَ

стр. 983

السّمك إِنَّمَا يَقع فِي حبالته لشَهْوَة بَطْنه وَكَذَلِكَ الْآدَمِيّ إِنَّمَا يَقع فِي حبالة الْعَدو حَتَّى يتَوَلَّى دون الله إِلَهًا ويتخذه معبودا لشَهْوَة نَفسه يَشْتَهِي أَن يعاين معبوده فيلتذ بِالْعبَادَة فَطلب معبوده فَلَمَّا لم يجده مده الْعَدو إِلَى شَيْء وَصَوت لَهُ من جَوْفه وزينه لَهُ فالتذ بِصَوْتِهِ فعبده فَهُوَ يعبد الشَّيْطَان وَلَا يدْرِي بِحَيْثُ أَنه يعبد ذَلِك الوثن وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى لَهُم يَوْم الْقِيَامَة ألم أَعهد إِلَيْكُم يَا بني آدم أَلا تعبدوا الشَّيْطَان إِنَّه لكم عَدو مُبين وَقَالَ واستنفزز من اسْتَطَعْت مِنْهُم بصوتك واجلب قَالَ لَهُ قَائِل مَا ذَلِك الصَّوْت قَالَ ذَلِك صَوت أعْطى الْعَدو ليفتن بِهِ الْآدَمِيّين أَي يهيج الحرقة الَّتِي فِي جَوف الْآدَمِيّ قَالَ الْقَائِل وَمَا تِلْكَ الحرقة قَالَ تِلْكَ حرقة الْفَرح الَّذِي خلق من النَّار فَوضع بِبَاب النَّار وحفت النَّار بِهِ وَهُوَ الشَّهَوَات فَمن سَمعهَا من المخذولين فقد سباه وَمن سَمعهَا من الْمُوَحِّدين لم يقدر أَن يسبيه لِأَن الله تَعَالَى من عَلَيْهِ بِالرشد وَمن من عَلَيْهِ بِالرشد فقد كره إِلَيْهِ الْكفْر والفسوق والعصيان أُولَئِكَ هم الراشدون فضلا من الله ونعمة وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رشده من قبل﴾ فَمن أُوتِيَ الرشد لم يتلذذ بذلك الصَّوْت وَمن وجد قلبه خَالِيا عَن ذَلِك سباه أَلا ترى أَن الْمُوَحِّدين لما سمعُوا صَوته فِي المزامير وَالْمَعَازِف افتتنوا بِهِ وَلَوْلَا أَنه يمازج بِصَوْتِهِ ذَلِك الصَّوْت من المعازف مَا التذوا بِهِ وَقد كره الله الْكفْر إِلَى الْمُؤمن وَلم يكن إِلَيْهِ المعازف وَأمره بالمجاهدة فَإِذا جَاهد فتح لَهُ فِي الْغَيْب فنال من الْأَنْوَار مَا لَا تَجِد لَهُ هَذِه المعازف إِلَيْهِ سَبِيلا لِأَن الَّذِي فِي جَوْفه من الشَّهْوَة

стр. 984

قد مَاتَ فَلم يجد الْعَدو إِلَيْهِ سَبِيلا وَقبل ذَلِك إِنَّمَا كَانَ يلتذ بِصَوْت المعازف الممازج لصوت الْعَدو والمهيج لما فِي جَوْفه فَلَمَّا وَقع فِي منَازِل الْقرْبَة مَاتَت شَهْوَته وخشع قلبه من جلال الله تَعَالَى لم يجد الْعَدو إِلَيْهِ سَبِيلا فَصَارَت لَذَّة قلبه فِي حبه فدقت حلاوة جَمِيع الْأَشْيَاء عِنْده وَصَارَت جَمِيع الْأَشْيَاء مرفوضة وَإِنَّمَا يتَعَلَّق الْقلب بِاللَّه إِذا نجا من تعلقه بالشهوات والمشيآت والإرادات فَهَذِهِ كلهَا شرك الْأَسْبَاب فَإِذا تخلص من هَذَا الشّرك لم يبْق لَهُ مُتَعَلق الْقلب بِاللَّه فَعندهَا صدق الله فِي مقَالَته لَا إِلَه إِلَّا الله وَتلك الْمقَالة تملأ الكفة من الْمِيزَان حَتَّى تستميل بالسموات وَالْأَرْض وَمن فيهمَا من الْخلق عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ قَالَ مُوسَى ﵇ رب عَلمنِي شَيْئا أذكرك بِهِ وأدعوك بِهِ قَالَ قل يَا مُوسَى لَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ كل عِبَادك يَقُول هَكَذَا قَالَ قل لَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله إِنَّمَا أُرِيد شَيْئا تخصني بِهِ قَالَ يَا مُوسَى لَو أَن السَّمَوَات السَّبع وعمارهن وَالْأَرضين السَّبع فِي كفة وَلَا إِلَه إِلَّا الله فِي كفة لمالت بِهن لَا إِلَه إِلَّا الله

стр. 985

- الأَصْل الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ والمائتان - فِي آيَة الْكُرْسِيّ وَمَا يحرس بِهِ عَن أبي بن كَعْب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَا أَبَا الْمُنْذر أَيَّة آيَة مَعَك من كتاب الله أعظم قلت ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم﴾ قَالَ فَضرب فِي صَدْرِي فَقَالَ لِيهن لَك الْعلم أَبَا الْمُنْذر فوالذي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ إِن لهَذِهِ الْآيَة للسانا وشفتين تقدس الْملك عِنْد سَاق الْعَرْش أنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة وَجعل ثَوَابهَا لِقَارِئِهَا عَاجلا وآجلا أما فِي العاجل فَهِيَ تحرس من قَرَأَهَا من الْآفَات فَإِن الله تَعَالَى خلق آدم فَأحْسن خلقه وَقَالَ فِي تَنْزِيله ﴿لقد خلقنَا الْإِنْسَان فِي أحسن تَقْوِيم﴾ فَمن ذَا يقدر على صفة حسن تَقْدِيره وَقَالَ ﴿الَّذِي خلقك فسواك فعدلك فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك﴾

стр. 986

فَأخْرج تقويمه وتسويته وتعديله من بَاب الرَّحْمَة وَأخرج تركيب الصُّورَة من بَاب الْمَشِيئَة ثمَّ فَضله بِالروحِ وقرنه بِالنَّفسِ وَجعل فيهمَا الْحَيَاة للحراك للعبودة ثمَّ جعل تِلْكَ الْبضْعَة الجوفاء خزانته وَهِي الْقلب وَجعل لَهَا عينين تبصران الْغَيْب وأذنين يستمعان وحيه وَكَلَامه وَجعل لَهَا بَابا إِلَى الصَّدْر للسراج المتوقد شعاعه فِي الصَّدْر وَجعل تِلْكَ الْبضْعَة معدنا لجواهر التَّوْحِيد من الحكم الْبَالِغَة والعلوم الْعَالِيَة ثمَّ خلق الْآفَات فِي ذَلِك الْيَوْم الَّذِي خلقه وَهُوَ يَوْم الْجُمُعَة ليقابل كل شَيْء من صنعه الْجَمِيل فِي آدم وَولده فِي الظَّاهِر مِنْهُ وَالْبَاطِن آفَة ذَلِك الشَّيْء ليَكُون الْآدَمِيّ حامدا لَهُ شاكرا يرتبط الصنع الْجَمِيل بِالْحَمْد وَالشُّكْر ويحذر من الآفة وَلما صَار للْعَبد هفوات وغفلات من نزغات الْعَدو ونفثاته ونفخاته من أجل الشَّهْوَة المركبة فِيهِ والهوا الهفافة فِيهَا لَا هبوب تِلْكَ الشَّهَوَات وهما سلَاح الْعَدو وسبيله إِلَى الْآدَمِيّ جعل كلمة الله الْعليا وَهِي كلمة لَا إِلَه إِلَّا الله وَهِي كلمة التَّقْوَى تقيه آفَات الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَإِنَّمَا تدخل الْآفَات من التَّقْصِير فِي الشُّكْر قَالَ تَعَالَى ﴿ذَلِك بِأَن الله لم يَك مغيرا نعْمَة أنعمها على قوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾ وَجَاء فِي الْخَبَر عَن الله تَعَالَى من قَوْله لبني إِسْرَائِيل إِنِّي أبتدئ عبَادي بنعمتي فَإِن قبلوا أتممت وَإِن شكروا زِدْت وَإِن غيروا نقلت وَإِن بدلُوا غضِبت قَالَ نوف الْبكالِي آيَة الْكُرْسِيّ تدعى فِي التَّوْرَاة ولية الله وتدعى قَارِئهَا فِي ملكوت السَّمَوَات عَزِيزًا وَكَانَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁ إِذا دخل بَيته قَرَأَ آيَة الْكُرْسِيّ فِي زَوَايَا بَيته الْأَرْبَع كَأَنَّهُ

стр. 987

يلْتَمس بذلك أَن يكون لَهَا حارسا من جوانبه الْأَرْبَعَة وَأَن يَنْفِي الشَّيْطَان من زَوَايَا بَيته وَرُوِيَ عَن عمر ﵁ أَنه صارع جنيا فصرعه عمر فَقَالَ لَهُ الجني خل عني أعلمك مَا تمتنعون بِهِ منا فَقَالَ إِنَّكُم تمتنعون منا بِآيَة الْكُرْسِيّ وَقَالَ الله تَعَالَى من قَرَأَ آيَة الْكُرْسِيّ فِي دبر كل صَلَاة أَعْطيته ثَوَاب الْأَنْبِيَاء مَعْنَاهُ ثَوَاب عمل الْأَنْبِيَاء فَأَما ثَوَاب النُّبُوَّة فَلَيْسَ لأحد إِلَّا للأنبياء ﵈ وَقَالَ جِبْرَائِيل ﵇ لمُوسَى ﵇ إِن رَبك يَقُول من قَالَ فِي دبر كل صَلَاة مَكْتُوبَة مرّة وَاحِدَة اللَّهُمَّ إِنِّي أقدم إِلَيْك بَين يَدي كل نفس ولمحة ولحظة وطرفة يطرف بهَا أهل السَّمَوَات وَأهل الأَرْض وكل شَيْء هُوَ من علمك كَائِن أَو قد كَانَ أقدم إِلَيْك بَين يَدي ذَلِك كُله الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم إِلَى آخرهَا فَإِن اللَّيْل وَالنَّهَار أَربع وَعِشْرُونَ سَاعَة لَيْسَ مِنْهَا سَاعَة إِلَّا يصعد إِلَيّ مِنْهُ سَبْعُونَ ألف ألف حَسَنَة حَتَّى ينْفخ فِي الصُّور وتشتغل الْمَلَائِكَة وَلما عجز عَن إحصاء هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي أجمل ذكرهَا على الِانْفِرَاد وَقَالَ أقدم بَين هَذِه الْأَشْيَاء أَنه الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ كَأَنَّهُ يُؤَدِّي مَعْنَاهُ إِلَى أَنه قديم لم يزل حَيّ حييت بِهِ الْأَشْيَاء فتحركت قيوم قَامَت بِهِ الْأَشْيَاء فاستقرت الشفع ضم الشَّيْء إِلَى الشَّيْء يُقَال شفع إِلَيْهِ أَي رفع إِلَيْهِ شخصه وَحَاجته وَكَانَ فِي البدء وترا وكل الْأَشْيَاء لَا تكون إِلَّا بِإِذْنِهِ وَإِنَّمَا يخص الدُّعَاء لِأَن الله تَعَالَى أذن فِيهِ فَقَالَ ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ وَقَالَ فِي سَائِر الْأَعْمَال إِنَّمَا يتَقَبَّل

стр. 988

الله من الْمُتَّقِينَ) ﴿مَا بَين أَيْديهم﴾ الْآخِرَة و ﴿مَا خَلفهم﴾ الدُّنْيَا وَقيل بِالْعَكْسِ عَن ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وسع كرسيه السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ أَي علمه مَعْنَاهُ وسع ذَلِك الْعلم الَّذِي عِنْد الْكُرْسِيّ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَإِنَّمَا وضع الله علمه بحركات الْخلق هُنَاكَ ثمَّ قرن الْحِفْظ بذلك الْعلم فَكَمَا لَا يؤوده علم الحركات لَا يؤوده حفظهما أما قَوْله إِن لَهَا لِسَانا وشفتين مَعْنَاهُ أَن قِرَاءَة الْقَارئ بهَا يصعد إِلَى الرَّحْمَن فتقدس مليكه عِنْد سَاق الْعَرْش وَالتَّقْدِيس سُؤال الحراسة لِقَارِئِهَا لِأَن القدوس بِهِ يتقدس الْأَشْيَاء فَإِذا تقدست بقيت على هيئتها وتحصنت من الْآفَات فقراءة العَبْد الْآيَة اعْتِرَاف بِمَا تَضَمَّنت بِهِ من صِفَاته وتجديد الْإِيمَان بِهِ فَيَقَع لقرَاءَته حُرْمَة تَنْتَهِي إِلَى سَاق الْعَرْش فتقدس فَجعل ثَوَاب التَّقْدِيس حراسة العَبْد لكل مَا هيأ الله لَهُ من الْحَال المحمودة والموعود فِيهَا وَالله أعلم

стр. 989

- الأَصْل السَّادِس وَالْخَمْسُونَ والمائتان - فِي زَمْزَم واشتقاقه وَهِي من الْجنَّة عَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ زَمْزَم لما شربت لَهُ زَمْزَم بِئْر إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم ﵉ أنبطه الله لَهُ غياثا فِي وَقت الِاضْطِرَار والإشراف على الْمَوْت بَعْدَمَا كَانَ يتمايل عطشا فَبعث الله تَعَالَى جِبْرَائِيل ﵇ فأدار بِطرف جنَاحه على تِلْكَ الْبقْعَة ثمَّ دَفعهَا بعقبه دفْعَة فانفتقت عَن المَاء من عين من الْجنَّة من قبل الرُّكْن الَّذِي يستلمه النَّاس الْيَوْم وزمزم هزمة جِبْرَائِيل عَلَيْهِ

стр. 990

السَّلَام بعقبه اشْتقت من الهزمة والهزمة الدفعة وَمِنْه الْهَزِيمَة وَقَوله ﴿فهزموهم بِإِذن الله﴾ أَي دفعوهم وكسروهم عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ بَيْنَمَا عبد الْمطلب نَائِم فِي الْحجر إِذْ أَتَى فَقيل لَهُ احْفِرْ برة قَالَ وَمَا برة ثمَّ ذهب عَنهُ حَتَّى إِذا كَانَ الْغَد نَام إِلَى مضجعه ذَلِك فَأتى فَقيل لَهُ أحفر مضنونة قَالَ وَمَا مضنونة ثمَّ ذهب عَنهُ حَتَّى إِذا كَانَ الْغَد نَام فِي مضجعه فَأتى فَقيل لَهُ احْفِرْ طيبَة ثمَّ ذهب عَنهُ فَلَمَّا كَانَ الْغَد عَاد لمضجعه فَنَامَ فِيهِ فَأتى فَقيل لَهُ أحفر زَمْزَم قَالَ وَمَا زَمْزَم قَالَ لَا تنزف وَلَا تذم ثمَّ نعت لَهُ موضعهَا فَقَامَ فحفر حَيْثُ نعت لَهُ فَقَالَت لَهُ قُرَيْش مَا هَذَا يَا عبد الْمطلب قَالَ أمرت بِحَفر زَمْزَم فَلَمَّا كشف عَنهُ وَأبْصر الطوى قَالُوا يَا عبد الْمطلب إِن لنا حَقًا فِيهَا مَعَك إِنَّهَا بِئْر أَبينَا إِسْمَاعِيل قَالَ مَا هِيَ لكم لقد خصصت بهَا دونكم فحفرها فَهَذِهِ الْأَشْيَاء الَّتِي ذكرت لعبد الْمطلب فِي مَنَامه دليلة على مَا فِيهَا فَأَما قَوْله برة فَمَعْنَاه أَنَّهَا تعطيك الصدْق من نَفسهَا لِأَنَّهَا من الْجنَّة وكل شَيْء من الْجنَّة فَإِن الْأَشْيَاء المشتهات كائنة جَمِيعهَا فِي الْوَاحِد مِنْهَا وَذَلِكَ قَوْله وهم فِيمَا اشتهت أنفسهم خَالدُونَ وَقَالَ ﴿فِيهَا مَا تشْتَهي أَنفسكُم﴾

стр. 991

وكل شَيْء من الْجنَّة مَوْجُود فِي وَاحِد مِنْهَا جَمِيع الشَّهَوَات أَلا ترى الْعَينَيْنِ النضاختين المذكورتين فِي الْقُرْآن تنضخان بألوان الْأَشْيَاء إِن اشْتهى ولي الله من تِلْكَ الْعين طَعَاما نضخت وَإِن اشْتهى شرابًا نضخت وَإِن اشْتهى جواري نضخت وَإِن اشْتهى دَوَاب نضخت مسرجة ملجمة وَبِذَلِك جَاءَ الْخَبَر وَرُوِيَ فِي الْخَبَر أَيْضا أَن السحابة تقف على رؤوسهم فينطق مَاؤُهَا فتمطر عَلَيْهِم مَا يشتهون وَإِن الْأَشْجَار تنطق والأقداح تطير فتغترف بِمِقْدَار شَهْوَة الشَّارِب وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿قدروها تَقْديرا﴾ أَي لَا يفضل عَن الرّيّ وَلَا ينقص مِنْهُ وَإِن الرجل مِنْهُم ليمشي فِي بيوتاته ويصعد إِلَى قصوره وَبِيَدِهِ قضيب فيشير بِهِ إِلَى المَاء فَيجْرِي مَعَه حَيْثُ مَا دَار فِي مَنَازِله على مستوى الأَرْض فِي غير أخدُود ويصعد حَيْثُ مَا صعد من أَعلَى قصوره وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يشرب بهَا عباد الله يفجرونها تفجيرا﴾ وَإِن الثَّوْب الَّذِي يلْبسهُ ولي الله يَتلون عَلَيْهِ فِي الْيَوْم الْوَاحِد سبعين لونا كلما خطر بِبَالِهِ لون تغير لِبَاسه وتلون عَلَيْهِ بِمَا اشتهت نَفسه وَكَذَلِكَ فِيمَا يطعم وَيشْرب كلما تمنى أَو خطر بِبَالِهِ شَيْء تغير ذَلِك الشَّيْء الَّذِي فِي فِيهِ يمضغه إِلَى طعم مَا خطر بِبَالِهِ فَهَذَا كُله وَفَاء رَبنَا لعَبْدِهِ حَيْثُ قَالَ وهم فِيمَا اشتهت أنفسهم خَالدُونَ لأَنهم ردوا شهوات نُفُوسهم فِي الدُّنْيَا فَشكر الله لَهُم فِي دَاره فَكلما تناولوا بِشَهْوَة من طَعَام أَو شراب أَو لِبَاس أَو مركب

стр. 992

أَو شَيْء من الْأَشْيَاء فخطر ببالهم فِي ذَلِك الشَّيْء شَهْوَة غَيرهَا تحول ذَلِك الشَّيْء إِلَى مَا اشتهت أنفسهم لِئَلَّا يتنغص عَلَيْهِم عيشهم وَلَا يتكدر عَلَيْهِم عَطاء رَبهم لِأَن الله تَعَالَى وعد فِي تَنْزِيله أَن الْجنَّة عَطاء غير مجذوذ أَي غير مُنْقَطع وَلَو كَانَ إِذا خطر بِبَالِهِ شَيْء احْتج إِلَى مُدَّة ومهلة حَتَّى يَنَالهُ لم يكن فِي ذَلِك وَفَاء بالوعد فَجعل الله الْجنَّة وَنَعِيمهَا لَهُ نهمة كلما خطرت بِبَالِهِ شَهْوَة فِي شَيْء تحولت لَهُ تِلْكَ فِي أسْرع من طرفَة عين إِلَى الشَّهْوَة الْأُخْرَى وَفَاء لَهُ بِمَا وعد ليَكُون عَطاء غير مجذوذ دَائِما أبدا أَلا يرى أَنه يَأْتِي زَوجته وَهِي بكر فَإِذا قضى مِنْهَا شَهْوَته عَادَتْ بكرا على حَالهَا فَهَكَذَا شَأْن الْجنَّة فَإِذا خرجت من الْجنَّة إِلَى الدُّنْيَا تِلْكَ الْأَشْيَاء تَغَيَّرت أحوالها لِأَن الْجنَّة مُحرمَة على الْآدَمِيّين حَتَّى يَذُوقُوا الْمَوْت أَلا ترى أَن الْحجر الْأسود فِي الرُّكْن كَانَ يضيء كَالشَّمْسِ فاسود لأدناس الْآدَمِيّين وسترت زينته عَنْهُم فَهُوَ فِي الْبَاطِن كَهَيْئَته وَلكنه مَسْتُور وَلَو دق فَصَارَ رضيضا لم تَجدهُ إِلَّا أسود فِي رَأْي الْعين وَهُوَ فِي الْبَاطِن على هَيئته عَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن رَسُول الله ﷺ لَوْلَا مَا ضيع من الرُّكْن من أنجاس الْجَاهِلِيَّة وأرجاسها وأيدي الظلمَة والأثمة لاستشفى بِهِ من كل عاهة ولألفاه الْيَوْم كَهَيْئَته يَوْم خلقه الله وَإِنَّمَا غَيره الله بِالسَّوَادِ لِئَلَّا ينظر أهل الدُّنْيَا إِلَى زِينَة الْجنَّة وَإِنَّهَا لياقوتة بَيْضَاء من ياقوت الْجنَّة وَضعه الله لآدَم حِين أنزلهُ فِي مَوضِع الْكَعْبَة قبل أَن تكون وَالْأَرْض يَوْمئِذٍ طَاهِرَة لم يعْمل عَلَيْهَا شَيْء من الْمعاصِي وَلَيْسَ لَهَا أهل ينجسونها وَوضع لَهَا صفا من الْمَلَائِكَة على أَطْرَاف الْحرم يحرسونه من جَان الأَرْض وسكانها يَوْمئِذٍ الْجِنّ وَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُم أَن ينْظرُوا إِلَيْهِ لِأَنَّهُ شَيْء من الْجنَّة وَمن نظر إِلَى الْجنَّة دَخلهَا

стр. 993

وهم على أَطْرَاف الْحرم حَيْثُ أَعْلَامه الْيَوْم محدقون بِهِ من كل جَانب فَلذَلِك حرم وَسمي الْحرم وَعَن وهب بن مُنَبّه قَالَ كَانَ الرُّكْن كرسيا لآدَم ﵇ يجلس عَلَيْهِ فالركن حجر من الفردوس بَعثه الله يَوْم أَخذ الْمِيثَاق فَوَضعه بَينه وَبَين الْعباد ليبايعوه على ذَلِك الْحجر فيمسحونه بأيدهم بيعَة لله وَلذَلِك أَمر باستلامه عَن أبي وليد الْقرشِي قَالَ سَمِعت فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن ﵄ تَقول لما أَخذ الله مِيثَاق الْعباد جعله فِي الْحجر فَمن الْوَفَاء لله بالعهد استلام الْحجر فَكَذَلِك مَاء زَمْزَم هُوَ بهيئته على مَا فِي الْجنَّة من حلاوته ولذته ولونه إِلَّا أَنه مُمْتَنع أَن يُوجد للشاربين تِلْكَ الْهَيْئَة الَّتِي فِيهِ من الْجنَّة لإغاثة ولد خَلِيل الله ﵉ لِأَن إِبْرَاهِيم صلوَات الله عَلَيْهِ لما ولى نادته هَاجر يَا إِبْرَاهِيم إِلَى من تكلنا قَالَ إِلَى الله تَعَالَى فَكَانَ خَلِيل الله صَادِقا فِي قَوْله فوفى الله لَهُ بصدقه وأغاث وَلَده فِي وَقت الِاضْطِرَار وَبَقِي ذَلِك الغياث لمن بعده وَذَلِكَ قَول رَسُول الله ﷺ زَمْزَم لما شربت لَهُ فالغياث أَمر جَامع ينعكس ويطرد من جَمِيع الْأُمُور فَإِذا نَاب العَبْد نائبة كائنة مَا كَانَت فنواه وقصده وجد ذَلِك الْغَوْث فِيهِ مَوْجُودا وَإِنَّمَا يَنَالهُ العَبْد على قدر نِيَّته قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ ﵀ إِنَّمَا الرقي وَالدُّعَاء بِالنِّيَّةِ فالنية تبلغ العَبْد عناصر الْأَشْيَاء والنيات على قدر طَهَارَة الْقُلُوب وسعيها إِلَى رَبهَا فِي تِلْكَ الْمَرَاتِب وَتَفْسِير النِّيَّة النهوض يُقَال ناء ينوء أَي نَهَضَ ينْهض فالنية نهوض الْقلب بعقله ومعرفته إِلَى الله فعلى قدر

стр. 994

الْعقل والمعرفة يقدر الْقلب على السَّعْي والطيران إِلَى الله فالشارب لزمزم إِن شرب لشبع أشبعه الله وَإِن شربه لري أرواه الله وَإِن شربه لشفاء شفَاه الله وَإِن شربه لسوء خلق حسنه الله وَإِن شربه لضيق صدر شَرحه الله وَإِن شرب لانفلاق ظلمات الصَّدْر فلقه الله وَإِن شربه لغنى النَّفس أغناه الله وَإِن شربه لحَاجَة قَضَاهَا الله وَإِن شربه لأمر نابه كَفاهُ الله وَإِن شربه للكربة كشفها الله وَإِن شربه لنصرة نَصره الله وبأية نِيَّة شربهَا من أَبْوَاب الْخَيْر وَالصَّلَاح وفى الله لَهُ بذلك لِأَنَّهُ اسْتَغَاثَ بِمَا أظهره الله تَعَالَى من جنته غياثا فَأَما قَوْله مضنونة فَإِنَّمَا سميت لِأَنَّهَا قد ضن بهَا عَمَّن قبله من الْآدَمِيّين فجاد الله بهَا على أَب الْعَرَب إِسْمَاعِيل ﵇ لتبقى مكرمتها فِي وَلَده مُحَمَّد ﷺ وَفِي أمته وَأما قَوْله طيبَة فَإِنَّهَا طابت بِذَات الله خلقهَا بِيَدِهِ ثمَّ طابت بجود الله وبعطفه على ولد خَلِيله صلوَات الله عَلَيْهِمَا

стр. 995

- الأَصْل السَّابِع وَالْخَمْسُونَ والمائتان - فِي سر الدُّعَاء عِنْد المضجع عَن أبي رمثة الْأَنمَارِي قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا أَخذ مضجعه قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر لي ذَنبي واخسأ شيطاني وَفك رهاني وَثقل ميزاني واجعلني فِي النداء الْأَعْلَى أَمر بالاستغفار فَقَالَ فِي تَنْزِيله ﴿واستغفر لذنبك وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ فالمغفرة دَرَجَات بَعْضهَا أَعلَى من بعض فمغفرة الرُّسُل ﵈ أَعلَى من مغْفرَة من دونهم ومغفرة مُحَمَّد ﷺ أَعْلَاهَا أَلا ترى أَنه جَاءَ عَنهُ أَنه قَالَ إِن لي دَعْوَة أخرتها إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَإِن إِبْرَاهِيم ﵇ ليرغب إِلَيّ فِي ذَلِك الْيَوْم وَقَالَ إِذا زفرت النَّار على أهل الْموقف قَالَ الْأَنْبِيَاء وَالرسل ﵈ نَفسِي نَفسِي وَقَالَ نَبينَا مُحَمَّد ﷺ أمتِي أمتِي

стр. 996

فَهَذَا لعلو دَرَجَته فِي الْمَغْفِرَة أَمر أَن يسْتَغْفر فَلم يزل ذَلِك دأبه بعد مَا بشره الله تَعَالَى فِي سُورَة الْفَتْح بقوله ﴿ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر﴾ فَنزلت عَلَيْهِ فِي آخر أمره ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح﴾ إِلَى آخر السُّورَة وَإِنَّمَا نزلت هَذِه بعد فتح مَكَّة والبشرى بالمغفرة فِي سُورَة إِنَّا فتحنا قبل ذَلِك بِنَحْوِ من سِنِين وَذَلِكَ عِنْد فتح خَيْبَر فَلم يزل ذَلِك دأبه وَلم يُفَارق الاسْتِغْفَار إِلَى أَن قَبضه الله إِلَيْهِ وَمن يُحِيط بالمغفرة إِلَّا الله فَكلما استكثر العَبْد من سؤالها كَانَ مِنْهَا أوفر حظا وَرُوِيَ فِي الْخَبَر الْمَأْثُور أَن الاسْتِغْفَار يخرج يَوْم الْقِيَامَة يُنَادي يَا رب حَقي فَيَقُول خُذ حَقك فيحتفل أَهله ويجتحفهم وَرُوِيَ أَن دَاوُد ﵇ خرج يَسْتَسْقِي فَلَمَّا انْتهى إِلَى الْبر إِذْ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر لنا وَرجع فَمَا تنام آخر النَّاس حَتَّى رَجَعَ أَوَّلهمْ فكأنهم استقلوا ذَلِك مِنْهُ فَأوحى إِلَيْهِ أَن قل لقَوْمك إِنِّي من أَغفر لَهُ مغْفرَة وَاحِدَة أصلح لَهُ بهَا أَمر دُنْيَاهُ وآخرته قَوْله أخسأ شيطاني فَإِنَّهُ رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا وَقد وكل بِهِ قرينه من الشَّيْطَان قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن الله أعانني عَلَيْهِ فَأسلم ثمَّ تَأَول بَعضهم هَذِه الْكَلِمَة فَقَالَ أَي أسلم من كَيده ودواهيه وَنَفر أَن يحمل مَعْنَاهُ على الْإِسْلَام وَلَيْسَ ذَلِك بِصَحِيح لِأَن قَوْله أسلم مَفْتُوح الْمِيم مَعْنَاهُ انْقَادَ وَأعْطى بيدَيْهِ سلما كَقَوْلِه تَعَالَى

стр. 997

﴿قَالَت الْأَعْرَاب آمنا قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا﴾ أَي أعطينا بِأَيْدِينَا سلما كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وألقوا إِلَى الله يَوْمئِذٍ السّلم﴾ أَي أعْطوا بِأَيْدِيهِم وألقوا إِلَى الله أنفسهم تَسْلِيمًا فَقَوله أخسأ شيطاني أَي أَنَّك إِذا أخسأته خسئ فَلم يبْق مَعَه شَرّ وَلَا كيد والخسأ فِي لُغَة الْعَرَب الْفَرد والزكا الزَّوْج وكل شَيْء انْضَمَّ إِلَيْهِ شَيْء فزواجه فَهُوَ زكا وَمِنْه سميت الزَّكَاة فِي المَال زَكَاة يُقَال زكى الزَّرْع وَقَوله ذَلِك أزكى لكم وَقَوله مَا زكى مِنْكُم من أحد أبدا وَمِنْه قَوْله وويل للْمُشْرِكين اللَّذين لَا يُؤْتونَ الزَّكَاة أَي لَا يُؤْتونَ كلمة لَا إِلَه إِلَّا الله فيخسئون من نورها فهم خسا أَي فَرد خَال عَن النُّور وَالْخَيْر فَيَقُول الله لَهُم فِي النَّار إخسأوا فِيهَا وَلَا تكَلمُون أَي كونُوا فِي خلاء مني وَمن رَحْمَتي وعطفي فَعندهَا يَنْقَطِع الْكَلَام والنداء ويطبق عَلَيْهِم فَلَا يبْقى لَهُم من الرب شَيْء فَذَلِك الْحَال أخلى خلاء فَقَوله أخسأ شيطاني أَي أخله من جَمِيع الشَّرّ حَتَّى لَا يكيدني بِشَيْء قَوْله فك رهاني فَإِن النُّفُوس حظها من الدُّنْيَا النِّعْمَة نعْمَة الْبَصَر ونعمة السّمع ونعمة اللِّسَان ونعمة سَائِر الْجَوَارِح وَسَائِر النَّعيم الَّتِي تربى بهَا الْجَوَارِح وحظها من رَبهَا الْحَيَاة وَالْعلم والذهن والمعرفة وَالْعقل وَالْحِفْظ والفطنة وَالْقُوَّة فالنفوس مرتهنة بِالنعَم وَإِنَّمَا يفكها الشُّكْر فَعلم الرَّسُول ﷺ أَن الْعباد لَا يبلغون كنه الشُّكْر فَفَزعَ إِلَى

стр. 998

ربه أَن يتَوَلَّى فك رهانه بجوده وفضله وَقَالَ فِي تَنْزِيله ﴿كل امْرِئ بِمَا كسب رهين﴾ وَقَالَ ﴿كل نفس بِمَا كسبت رهينة إِلَّا أَصْحَاب الْيَمين﴾ فأصحاب الْيَمين هم الموحدون وحدوا الله بقلوبهم ثمَّ أبرزوا ذَلِك التَّوْحِيد على ألسنتهم فنطقوا بِلَا إِلَه إِلَّا الله فَاقْتضى الله عباده الْوَفَاء بصدقها وصدقها مَسْتُور عَن الْخلق وَعند الله ظَاهر فاقتضاهم حفظ الْجَوَارِح السَّبع عَن المناهي وَأَدَاء الْفَرَائِض ليبرز صدق الصَّادِق وَكذب الْكَاذِب وكل الْمُوَحِّدين قد أخذُوا بِسَهْم من سِهَام يمن الْيَمين كل على قدر صدقه فَأول أَصْحَاب الْيَمين الرُّسُل ﵈ وَآخرهمْ من أَتَى الله بِكَلِمَة التَّوْحِيد نطقا بهَا لَيْسَ مَعَه وَرَاء ذَلِك شَيْء وَأَصْحَاب الدَّرَجَات فِيمَا بَين ذَلِك وكل من أَتَى الله مَعَ هَذِه الْكَلِمَة بِشَيْء من أَعمال الْبر من حفظ جارحة وَأَدَاء فَرِيضَة وَاحِدَة فقد أَتَى بِسَهْم من الشُّكْر وعَلى قدر ذَلِك الشُّكْر فك رهانه وَبقيت سَائِر السِّهَام عَلَيْهِ غرما وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى ﴿إِن عَذَابهَا كَانَ غراما﴾ فأوفرهم حظا من حفظ الْجَوَارِح وَأَدَاء الْفَرَائِض أوفرهم حظا من الشُّكْر وهم الرُّسُل ﵈ وهم مَعَ هَذَا مقصرون عَن أنفسهم فِي الشُّكْر قَالَ الله تَعَالَى ﴿كلا لما يقْض مَا أمره﴾ أَي لن يبلغ أحد أَن يقْضِي أمره على كنهه وَكَيف يقدر آدَمِيّ على أَن يخرج من لَحْمه وَدَمه الَّذِي أَصله من التُّرَاب وَمَعَهُ شهوات نَفسه ووساوسها أَن يبلغ بِهِ كنه أمره الَّذِي هُوَ أَهله هَيْهَات فالآدميون عجزوا عَن ذَلِك فَلذَلِك فزع إِلَى ربه فَقَالَ

стр. 999

فك رهاني حَتَّى يكون الَّذِي عجز عَنهُ الآدميون هُوَ الَّذِي يفكه بجوده فينجو من رهائن الشُّكْر أَلا ترى إِلَى قَول مُوسَى ﵇ يَا رب أسبغت عَليّ النعم فشكرتك عَلَيْهَا فَكيف لي بشكر شكرك قَالَ يَا مُوسَى تعلمت الْعلم الَّذِي لَا يفوقه علم بحسبك أَن تعلم أَن ذَلِك من عِنْدِي فَهَذَا مَوضِع الْعَجز فَإِذا بلغ العَبْد مَوضِع الْعَجز فزع إِلَى الله حَتَّى يجود عَلَيْهِ بِمَا بَقِي عَلَيْهِ من الشُّكْر ففكه من رَهنه قَوْله ثقل ميزاني فالرسل فِي ستر الله الْأَعْظَم فَإِذا نصبت الموازين امْتَلَأت الكفتان من ورع أَعمال النُّبُوَّة وأفعال الرسَالَة والصدق لِسَان موازينهم فَأهل الْموقف فِي أَشد الْأَهْوَال فِي ذَلِك الْوَقْت لِأَن الرَّحْمَة لم تخرج بعد من الْحجب إِلَيْهِم والرب غَضْبَان أسفا محتجب عَن خلقه لشرك الْمُشْركين وَعبادَة الْأَوْثَان وفرية المفترين فَإِذا نصبت مَوَازِين الرُّسُل وطارت أنوار أَعْمَالهم من الْمِيزَان إِلَى الله تَعَالَى سكن الْغَضَب وَرَضي عَنْهُم الرب وَخرجت الرَّحْمَة من الْحجب إِلَى أهل التَّوْحِيد فأحاطت بهم فَصَارَ الموحدون فِي سرادقها فَعندهَا يُوزن أَفعَال الْعباد إِنَّمَا قَالَ ثقل ميزاني أَي وفر عَليّ أنوار النُّبُوَّة والرسالة حَتَّى أكون أعظمهم نورا وأشدهم صدقا حَتَّى يكون عَمَلي هُوَ الَّذِي يسكن غضبك على خلقك وَيخرج الرَّحْمَة إِلَى الْمُوَحِّدين قَوْله واجعلني فِي النداء الْأَعْلَى فَإِن الْأَنْبِيَاء ﵈ فِي الْموقف لَهُم مَرَاتِب على نَحْو مقاماتهم بقلوبهم فَمن كَانَ أقرب منزلَة بِقَلْبِه فِي الدُّنْيَا فَهُوَ أَعلَى مرتبَة هُنَاكَ فأعلى البداء هم السَّابِقُونَ الَّذِي يبْدَأ بهم فَكَانَ هَذَا دعاؤه حَتَّى بشر بالْمقَام الْمَحْمُود قَالَ مُجَاهِد ﴿عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا﴾ قَالَ يجلسه على عَرْشه

стр. 1000

٤ -

стр. 1001

- الأَصْل الثَّامِن وَالْخَمْسُونَ والمائتان - فِي أَخْلَاق الْمعرفَة عَن الْحسن ﵁ أَنه قَالَ من لم يحفظ هَذَا الحَدِيث كَانَ نقصا من مروءته وعقله قُلْنَا وَمَا ذَاك يَا أَبَا سعيد قَالَ فَبكى وَأَنْشَأَ يحدثنا فَقَالَ لَو أَن رجلا من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين اطلع من بَاب مَسْجِدكُمْ هَذَا مَا أدْرك شَيْئا مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مَا أَنْتُم عَلَيْهِ إِلَّا قبلتكم هَذِه ثمَّ قَالَ هلك النَّاس ثَلَاثًا قَول وَلَا فعل وَمَعْرِفَة وَلَا صَبر وَنَفس وَلَا صدق مَا لي أرى رجَالًا وَلَا أرى عقولا وَأرى أجسادا وَلَا أرى قلوبا دخلُوا فِي الدّين ثمَّ خَرجُوا وحرموا ثمَّ استحلوا وَعرفُوا ثمَّ أَنْكَرُوا وَإِنَّمَا دين أحدهم على لِسَانه وَلَئِن سَأَلته هَل تؤمن بِيَوْم الْحساب قَالَ نعم كذب وَمَالك يَوْم الدّين إِن من أَخْلَاق الْمُؤمن قُوَّة فِي دين وحزما فِي لين وإيمانا فِي يَقِين وحرصا فِي علم وشفقة فِي معة وحلما فِي علم وقصدا فِي غنى وتحملا فِي فاقه وتخرجا فِي طمع وكسبا من حَلَال

стр. 1002

وَبرا فِي استقامة ونشاطا فِي هدى ونهيا عَن شَهْوَة وَرَحْمَة لمجهود وَإِن الْمُؤمن عياذا لله لَا يَحِيف على من يبغض وَلَا يَأْثَم فِيمَن يحب وَلَا يضيع مَا استودع وَلَا يحْسد وَلَا يطعن وَلَا يلعن ويعترف بِالْحَقِّ وَإِن لم يشْهد عَلَيْهِ وَلَا يتنابز بِالْأَلْقَابِ فِي الصَّلَاة متخشعا إِلَى الزَّكَاة مسرعا فِي الزلازل وقورا فِي الرخَاء شكُورًا قانعا بِالَّذِي لَهُ لَا يَدعِي مَا لَيْسَ لَهُ لَا يجمع فِي القنط وَلَا يغلبه الشُّح عَن مَعْرُوف يُريدهُ يخالط النَّاس كي يعلم ويناطق النَّاس كي يفهم وَإِن ظلم أَو بغى عَلَيْهِ صَبر حَتَّى يكون هُوَ الَّذِي ينتصر لَهُ ثمَّ قَالَ الْحسن وعظني بِهَذَا الحَدِيث جُنْدُب بن عبد الله وَقَالَ جُنْدُب وعظني بِهَذَا الحَدِيث رَسُول الله ﷺ وَقَالَ حق على كل مُسلم حفظه وتعلمه هَذِه الْخِصَال كلهَا من أَخْلَاق الْمعرفَة فَمن ترقى فِي دَرَجَات الْمعرفَة احتظى فِي كل دَرَجَة بِخلق من أخلاقها قَوْله قُوَّة فِي دين فالدين خضوع الْقلب وذبول النَّفس وكل شَيْء اتضع لشَيْء فقد دَان لَهُ وَمِنْه سمي الدون فَقيل هَذَا دون ذَاك أَي تَحْتَهُ وأوضع مِنْهُ فانقياد الْقلب وتوضيع النَّفس للحق وَهُوَ الدّين فَقلب الْآدَمِيّ كثيف غليظ وَنَفسه صفيقة ممتنعة بِمَا فِيهَا من الْكبر فَإِذا جَاءَت الْمعرفَة بأنوارها ذَابَتْ تِلْكَ الكثافة وانتشفت الصفاقة والفظاظة لَان الْقلب ورق الْفُؤَاد وَلذَلِك قَالَ ﵇ أَتَاكُم أهل الْيمن أَلين قلوبا وأرق أَفْئِدَة

стр. 1003

وَإِنَّمَا تلين الْقُلُوب لرطوبة الرَّحْمَة الَّتِي جَاءَت مَعَ الْمعرفَة لِأَن الْمعرفَة لَا ينالها العَبْد إِلَّا برحمة الله فَإِذا لَان الْقلب برطوبة الرَّحْمَة ورق الْفُؤَاد بحرارة النُّور ضعف الْقلب وذبلت النَّفس فَاحْتَاجَ إِلَى صلابة فَكَانَ من صنع الله تَعَالَى للْعَبد أَن أعطَاهُ من هَذِه الْأَنْوَار الثَّلَاثَة حَتَّى دَان الْقلب لله وَهُوَ نور الرَّحْمَة وَنور الْحَيَاة وَنور العظمة فبنور الرَّحْمَة يلين الْقلب وينقاد بِنور الْحَيَاة ينصب لله عبودة وبنور العظمة يتصلب وَيثبت إِذا جَاءَتْهُ أمواج الشَّهَوَات ليزيله عَن مركزه ومقامه لِأَن العَبْد دعِي إِلَى العبودة فَمن أجَاب ولان قلبه فَإِنَّمَا لَان وَأجَاب بِنور الرَّحْمَة الَّذِي ناله وَالَّذِي لم ينله ذَلِك قسا قلبه أَي يبس بِمَنْزِلَة غُصْن شَجَرَة يابسة إِذا مددته انْكَسَرَ فَإِذا كَانَ الْقلب رطبا فمددته انْقَادَ وانمال ثمَّ لما أَمر هَذَا العَبْد أَن يكون منتصبا بَين يَدي خالقه لعبودته أيد بِالْحَيَاةِ فِي كبده حَتَّى يتكبد ويقوى للانتصاب وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿لقد خلقنَا الْإِنْسَان فِي كبد﴾ قَالَ منتصبا فقوة الْحَيَاة فِي الكبد وَمن تِلْكَ الْقُوَّة ينْتَصب قلبه لله تَعَالَى ثمَّ يحْتَاج إِلَى ثبات عِنْد الزلازل لِأَن الشَّهَوَات إِذا هَاجَتْ بأمواجها وهبوب رياحها فِي عروق النَّفس وَقعت الرجفة فِي النَّفس والزلزلة فِي الْقلب بِمَنْزِلَة سفينة فِي بَحر قد علت أمواجه فَصَارَت السَّفِينَة تتكفأ بِمَا فِيهَا فَكَذَلِك يصير الْقلب وَإِذا صَار هَكَذَا وَهن وذل فَيحْتَاج هَذَا الْقلب إِلَى ثبات فَإِذا أيد بِنور العظمة صلب وَثَبت وَلذَلِك مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ مَا رزق عبد شَيْئا أفضل من إِيمَان صلب وَعَن سهل بن سعد قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن لله فِي الأَرْض أواني

стр. 1004

أَلا وَهِي الْقُلُوب وأحبها إِلَى الله أرقاها وأصفاها وأصلبها أرقاها للإخوان وأصفاها من الذُّنُوب وأصلبها فِي ذَات الله تَعَالَى قَوْله وحزما فِي لين فَإِن اللين يظْهر على الْأَركان فَإِذا كَانَ أَصله من الْقلب كَانَ من السكينَة وَإِذا كَانَ أَصله من النَّفس كَانَ من الكسل فَإِذا كَانَ من الكسل انتشرت أُمُور دينه ودنياه وتبددت وضاعت وَإِذا كَانَ من السكينَة ثقل الْقلب بثقل السكينَة فسكنت الْجَوَارِح وَإِذا سكنت الْجَوَارِح من ثقل الْقلب ظهر الحزم فِي الْأُمُور والحزم هُوَ اجْتِمَاع الْأُمُور فَيرى أَمر دينه ودنياه كلهَا محكمَة قد جمعت حزمة حزمة قَوْله وإيمانا فِي يَقِين فَإِن الْمُوَحِّدين من الله عَلَيْهِم بِنور التَّوْحِيد فوحدوه ثمَّ للنَّفس فِي الْأَسْبَاب مرتع فَإِذا تعلّقت بِسَبَب من الْأَسْبَاب لم تنْتَقض عقدَة التَّوْحِيد لِأَنَّهَا معقودة بالعقدة الْعُظْمَى وَهِي العروة الوثقى الَّتِي لَا انفصام لَهَا وَلَكِن دخل النَّقْص فِي نوره الْمشرق فِي صدر فَصَارَ محجوبا عَن الله وَبَقِي مَعَ الْأَسْبَاب فتراه الدَّهْر من خوف الرزق مضطربا وَمن خشيَة الْخلق ذاهلا وَمن الطمع فِيمَا لديهم أَسِيرًا وَلَا يعْمل لله إِلَّا كأجير السوء فَهَذَا موحد دني سفل وَلَا يقدر على الْوَفَاء والتوفير لما نطق لِسَانه يَقُول الْحَمد لله على نعْمَته ثمَّ ترَاهُ كفورا فِي الْفِعْل وَيَقُول الله أكبر ثمَّ يتكبر على حق الله وَيَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله ثمَّ توله قلبه إِلَى الْأَسْبَاب فتراه عيير أهل الدُّنْيَا وَيَقُول لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه ثمَّ يقتدر فِي الْأُمُور وَيَقُول صلى الله على مُحَمَّد ثمَّ يوهن عرى مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد ﷺ بالسيرة المذمومة وَالْأَفْعَال السَّيئَة وَيَقُول يَا رب ثمَّ ينازعه فِي تَدْبيره فِي ربوبيته

стр. 1005

وَيَقُول توكلت على الله ثمَّ يتَّخذ من دونه أَوْلِيَاء فَيتَعَلَّق بهم لنوائبه وحوائجه وَيَقُول فوضت أَمْرِي إِلَى الله ثمَّ يعرض عَن تَدْبيره ويشتغل بتدبير نَفسه وَيَقُول اللَّهُمَّ خر لي فَإِذا خار تسخط وتلوى وَيَقُول حسبي الله ثمَّ ترَاهُ يركن إِلَى كل ظلوم قَالَ الله تَعَالَى وَلَا تركنوا إِلَى الَّذين ظلمُوا فتمسكم النَّار فَهَذَا مَعَ هَذِه العقارب قد يُسمى باسم الْإِيمَان باعترافه وتوحيده وقبوله الْإِسْلَام وَلَكِن الْحساب طَوِيل وَالْعَذَاب أَلِيم فِي الْقَبْر وَالْقِيَامَة وعَلى الجسر فَيحْتَاج مَعَ هَذَا الْإِيمَان إِلَى يَقِين فَإِذا نَالَ الْيَقِين تخلص من هَذِه العقارب وَصَارَ موحدا شاكرا لله خَالِصا متواضعا والها إِلَيْهِ فِي كل حَاجَة مفوضا ملقيا نَفسه بيدَيْهِ سلما فيتولى الله ويتولاه الله قد عز رَسُول الله ﷺ ووقره وَنَصره وَاتبع النُّور الَّذِي أنزل مَعَه أُولَئِكَ هم المفلحون وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ ﵁ إِن عمر ﵁ لم يغلب النَّاس بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وَلَكِن بالزهد وَالْيَقِين وَقَالَ بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ أَن أَبَا بكر ﵁ لم يفضل النَّاس بِكَثْرَة صَوْم وَلَا صَلَاة وَإِنَّمَا فَضلهمْ بِشَيْء كَانَ فِي قلبه وَقَالَ ﷺ خير مَا ألقِي فِي الْقلب الْيَقِين وَقَالَ ﷺ مَا أَعْطَيْت أمة من الْيَقِين مَا أَعْطَيْت أمتِي وَقَالَ صَلَاح أول هَذِه الْأمة بالزهد وَالْيَقِين وَفَسَاد آخرهَا بالبخل

стр. 1006

والأمل وَلَا يظْهر الْبُخْل والأمل إِلَّا من فقد الْيَقِين سَاءَ ظنهم برَبهمْ فبخلوا وتلذذوا بشهوات الدُّنْيَا فَحَدثُوا أنفسهم بالأماني الكاذبة قَوْله حرصا فِي علم قد اتجه على وَجْهَيْن وَجه مِنْهُمَا أَن الْعلم بَحر فَإِذا دخله طَالبه فتوسطه فَلم ير لَهُ ساحلا وَلَا مُنْتَهى وسأم فَيحْتَاج إِلَى حرص يُعينهُ على ذَلِك وَيذْهب بملالته والحرص إِنَّمَا صَار مذموما فِي أَمر الدُّنْيَا لِأَن النَّفس كلما أَعْطَيْت دَرَجَة من الدُّنْيَا نزعت إِلَى أَعلَى مِنْهَا وَهُوَ فِي طلب الدُّنْيَا مَذْمُوم وَلِأَنَّهُ لَا يقنع بِمَا قدر لَهُ فِي اللَّوْح من الرزق الَّذِي قد فرغ الله مِنْهُ لكل نفس والحرص فِي طلب الْعلم مَحْمُود لِأَنَّهُ يترقى بِعِلْمِهِ بِقَلْبِه إِلَى علام الغيوب فَكلما نَالَ دَرَجه قربت مَنْزِلَته عِنْد ربه قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات﴾ وَقَالَ ﵇ إِن يَوْمًا لَا أزداد فِيهِ علما يقربنِي إِلَى الله تَعَالَى لَا بورك لي فِي طُلُوع شمس ذَلِك الْيَوْم فالحرص فِي طلب الْعلم يرقى بِصَاحِبِهِ والحرص فِي طلب الدُّنْيَا يحط بِصَاحِبِهِ وَالْوَجْه الآخر من الْحِرْص أَنه يحرص على الْبر وَالتَّقوى فَيحْتَاج ذَلِك الْحِرْص إِلَى الْعلم لِئَلَّا يتَعَدَّى بِهِ حرصه فِي بره وتقواه إِلَى السُّقُوط فِي التَّهْلُكَة فيبر بِمَا يصير عقوقا وَيَتَّقِي بِمَا يصير وَسْوَسَة وَيعْمل الْبر غير مُصِيب للحق كَمَا فعل جريج الراهب فِي بره وكما فعلت بَنو إِسْرَائِيل فِي تقواهم عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَن جريج

стр. 1007

الراهب كَانَ متعبدا فِي صومعة زمن بني إِسْرَائِيل وَكَانَت لَهُ أم تَأتيه فتناديه فَتَقول يَا جريج فَيقطع صلَاته فيكلمها فَأَتَتْهُ يَوْمًا فَجعلت تناديه يَا جريج فَجعل لَا يكلمها وَلَا يقطع صلَاته وَيَقُول يَا رب أُمِّي وصلاتك فَلَا يكلمها فَلَمَّا رَأَتْ الْعَجُوز ذَلِك جزعت وَقَالَت اللَّهُمَّ إِن كَانَ جريج يسمع كَلَامي وَلَا يكلمني فَلَا تمته حَتَّى ينظر فِي أَمِين المومسات وَكَانَت راعية وراع يأويان إِلَى ديره فَوَقع بهَا الرَّاعِي فَحملت وَكَانَت أهل الْقرْيَة يعظمون الزناء إعظاما شَدِيدا فَلَمَّا ولدت أخذوها فَقَالُوا مِمَّن ولدت قَالَت من جريج الراهب نزل فَوَقع بِي فَحملت فَأَتَاهُ قومه فَنَادَوْهُ يَا جريج فَجعل يَقُول يَا رب قومِي وصلاتك وَجعل لَا يكلمهم فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك ضربوا صومعته بالفئوس فَلَمَّا رأى ذَلِك نزل إِلَيْهِم فَقَالَ مَا لكم قَالُوا ذكرت هَذِه أَنَّهَا ولدت مِنْك فَضَحِك ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ وضع يَده على رَأس الْمَوْلُود فَقَالَ من أَبوك فَقَالَ الرَّاعِي الَّذِي كَانَ يأوي مَعهَا إِلَى ديرك فَلَمَّا رأى قومه ذَلِك جزعوا مِمَّا صَنَعُوا بِهِ وَقَالُوا دَعْنَا نَبْنِي لَك صومعتك ونعيدها لَك من ذهب وَفِضة فَقَالَ لَا أعيدوها على مَا كَانَت فَقَالَ لَهُ قومه لم ضحِكت وَنحن نُرِيد مَا نُرِيد من الْقَتْل والشتم قَالَ ذكرت دَعْوَة والدتي أَلا أَمُوت حَتَّى أنظر فِي أعين المومسات فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو دعت الله أَن يخزيه لأخزاه وَلكنهَا دعت أَن ينظر فَنظر قَالَ مُجَاهِد كَانَ الْمَوْلُود أحد الثَّلَاثَة الَّذين تكلمُوا فِي المهد عَن يزِيد بن حَوْشَب الفِهري عَن أَبِيه قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 1008

يَقُول لَو كَانَ جريج الراهب فَقِيها عَالما لعلم أَن إِجَابَة أمه من عبَادَة ربه عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ جَاءَ عُثْمَان بن مَظْعُون إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله غلبني حَدِيث النَّفس فَلم أحب أَن أحدث شَيْئا حَتَّى أذكر ذَلِك لَك فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ وَمَا تحدثك بِهِ نَفسك يَا عُثْمَان قَالَ تُحَدِّثنِي نَفسِي أَن أختصي فَقَالَ مهلا يَا عُثْمَان فَإِن خصاء أمتِي الصّيام قَالَ يَا رَسُول الله فَإِن نَفسِي تُحَدِّثنِي بِأَن أترهب فِي رُؤُوس الْجبَال قَالَ مهلا يَا عُثْمَان فَإِن ترهب أمتِي الْجُلُوس فِي الْمَسَاجِد انتظارا للصَّلَاة قَالَ يَا رَسُول الله فَإِن نَفسِي تُحَدِّثنِي أَن أسيح فِي الْجبَال قَالَ مهلا يَا عُثْمَان فَإِن سياحة أمتِي الْغَزْو فِي سَبِيل الله وَالْعمْرَة وَالْحج قَالَ يَا رَسُول الله فَإِن نَفسِي تُحَدِّثنِي بِأَن أخرج من مَالِي كُله قَالَ مهلا يَا عُثْمَان فَإِن صدقتك يَوْمًا بِيَوْم وتكف نَفسك وَعِيَالك وترحم الْمِسْكِين واليتيم فتطعمه أفضل من ذَلِك قَالَ يَا رَسُول الله فَإِن نَفسِي تُحَدِّثنِي بِأَن أطلق خَوْلَة امْرَأَتي قَالَ مهلا يَا عُثْمَان فَإِن الْهِجْرَة فِي أمتِي من هجر مَا حرم الله عَلَيْهِ أَو هَاجر إِلَيّ فِي حَياتِي أَو زار قَبْرِي بعد موتِي أَو مَاتَ لَهُ امْرَأَتَانِ وَثَلَاث وَأَرْبع قَالَ يَا رَسُول الله فَإِن نهيتني أَن أطلقها فَإِن نَفسِي تُحَدِّثنِي بِأَن لَا أغشاها قَالَ مهلا يَا عُثْمَان فَإِن الرجل الْمُسلم إِذا غشي أَهله أَو مَا ملكت يَمِينه فَلم يكن من وقعته تِلْكَ ولد كَانَ لَهُ وصيف فِي الْجنَّة وَإِن كَانَ من وقعته ولد فَمَاتَ قبله كَانَ لَهُ فرطا وشفيعا يَوْم الْقِيَامَة وَإِن مَاتَ بعده كَانَ لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة قَالَ يَا رَسُول الله فَإِن نَفسِي تُحَدِّثنِي بِأَن لَا آكل اللَّحْم قَالَ مهلا يَا عُثْمَان فَإِنِّي

стр. 1009

أحب اللَّحْم ولآكله إِذا وجدته وَلَو سَأَلت رَبِّي أَن يطعمنيه فِي كل يَوْم لأطعمنيه قَالَ يَا رَسُول الله فَإِن نَفسِي تُحَدِّثنِي بِأَن لَا أمس الطّيب قَالَ مهلا يَا عُثْمَان فَإِن جِبْرَائِيل ﵇ أَتَانِي بالطيب غبا وَقَالَ يَوْم الْجُمُعَة لَا مترك لَهُ يَا عُثْمَان لَا ترغب عَن سنتي وَمن رغب عَن سنتي فَمَاتَ قبل أَن يَتُوب ضربت الْمَلَائِكَة وَجهه عَن حَوْضِي يَوْم الْقِيَامَة وَأما تقوى بني إِسْرَائِيل فَروِيَ عَن جَامع بن شَدَّاد قَالَ أتيت أَبَا بكر ابْن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام بِمَكَّة فَقلت يَرْحَمك الله إِذا خرجنَا فَأكل بَعْضنَا الْخبز وَتَركه بَعْضنَا كَرَاهِيَة لَهُ فَكيف ترى فَقَالَ أَيهَا النَّاس لَا تغلوا فِي دينكُمْ مرَّتَيْنِ حَدثنِي أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أَن عِيسَى بن مَرْيَم ﵇ ندب قومه بِخبْز وَلحم وشراب ثمَّ أرسل إِلَيْهِم فَدَعَاهُمْ فَأَقْبَلُوا يمسحون أَيْديهم بملاء الْكَتَّان باغين فَقَالُوا لَا نَأْكُل من هَذَا اللَّحْم لِأَن كبشه رضع من كَلْبه وَلَا نَأْكُل من هَذَا الْخبز لِأَن سنبله نَبتَت فِي مزبلة وَلَا نشرب من هَذَا الشَّرَاب لِأَن حبله نَبتَت فِي مَقْبرَة قَالَ فَلم ترهم يَا ابْن أخي حبب إِلَيْهِم اللَّحْم حَتَّى أَنهم ليأكلون الْخصي من حبهم اللَّحْم وَإِن الفويسقة تقع فِي إِنَاء أحدهم فيخرجها وَيشْرب من حبه الشَّرَاب وَإنَّهُ لَا يصلح لَهُ شَيْء إِلَّا بمزبلة ثمَّ الْتفت إِلَى مولى لَهُ فَقَالَ وَلم يكن من أحب زادنا إِلَيْنَا الْخبز عَن أبي قلَابَة قَالَ بلغ النَّبِي ﵇ أَن أُنَاسًا من أَصْحَابه احتموا النِّسَاء وَاللَّحم فأوعد النَّبِي ﷺ فِيهِ وَعدا شَدِيدا حَتَّى ذكر الْقَتْل فَقَالَ لَو تقدّمت فِيهِ لقتلت ثمَّ قَالَ إِنِّي لم أرسل بالرهبانية إِن خير الدّين عِنْد الله الحنيفية السمحة وَإِنَّمَا هَلَكت من قبلكُمْ من أهل الْكتاب بِالتَّشْدِيدِ فَتلك بقاياهم فِي الصوامع والديار اعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ

стр. 1010

شَيْئا وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وحجوا واعتمروا واستقيموا يستقم لكم فمحتاج الْحَرِيص على الْبر وَالتَّقوى إِلَى الْعلم حَتَّى يمسك حرصه عَن التَّعَدِّي وَذَلِكَ صدق الْحِرْص الَّذِي قَالَ عبد الله بن مَسْعُود لعمر بن الْخطاب ﵄ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن فِي هَذِه الْأمة من يبلغ عمله فِي الْمِيزَان مَا يكون عمل يَوْم وَلَيْلَة أثقل من سبع سموات فَقَالَ بِمَ ذَلِك يَا ابْن أم عبد قَالَ بِصدق الْيَقِين وبصدق الْوَرع وبصدق الْحِرْص على الْبر وَالتَّقوى قَوْله شَفَقَة فِي معة فالشفقة تَحَنن الرأفة والإكباب على من يشفق عَلَيْهِ والمعة هِيَ الحاوية مُشْتَقَّة من المعاء معاء الْبَطن فَإِذا كَانَت الشَّفَقَة بِغَيْر معة انتشرت وفسدت وَإِذا كَانَت فِي معة كَانَت الشَّفَقَة فِي حصن فَلم ينتشر وَلم يفْسد لِأَن هُنَاكَ شَيْئا يحويها قَالَ لَهُ قَائِل وَمَا ذَلِك الشَّيْء قَالَ تَعْظِيم حق الله فَإِذا أشفقت على حق الله تَعَالَى كَانَت تِلْكَ الشَّفَقَة حاوية لهَذِهِ الشَّفَقَة فَلَا ينتشر وَلَا ينبثق وَلَا يتَعَدَّى إِلَى الْفساد أَلا يرى أَن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ جزعوا عِنْد الْحُدُود فِي مُبْتَدأ أَمرهم فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿لَا تأخذكم بهما رأفة فِي دين الله إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ وَجلد عمر ﵁ ابْنه فَقَالَ يَا أَبَت قتلتني فَقَالَ إِذا لقِيت رَبك فاخبره أَنا نُقِيم الْحُدُود وكلم رَسُول الله ﷺ فِي فَاطِمَة المخزومية حَيْثُ أَرَادَ قطعهَا فِي سَرقَة

стр. 1011

فَغَضب فَقَالَ وَالله لَو كَانَت فَاطِمَة بنت مُحَمَّد لقطعتها ثمَّ نزل من الْمِنْبَر فقطعها قَوْله حلما فِي علم فالحلم سَعَة الْخلق وَإِذا توسع الْمَرْء فِي أخلاقه وَلم يكن لَهُ علم افْتقدَ الْهدى وضل لِأَن توسعه يَرْمِي بِهِ إِلَى نهمات النَّفس فَيحْتَاج إِلَى علم يقف بِهِ على الْحُدُود وَإِذا كَانَ لَهُ علم وَلم يكن هُنَاكَ حلم سَاءَ خلقه وتكبر بِعِلْمِهِ لِأَن الْعلم لَهُ حلاوة وَلكُل حلاوة شَره فيضيق أخلاقه وَيَرْمِي بِهِ ضيق إِلَى شَره النَّفس وحدتها فَيكون صَاحب عنف وخرق فِي الْأُمُور فيضيع علمه قَالَ الشّعبِيّ مَا أضيف شَيْء إِلَى شَيْء أزين من حلم إِلَى علم وَقيل الْحلم أرفع من الْعقل لِأَن الله تَعَالَى تسمى بالحلم وَلم يتسم بِالْعقلِ عَن الْحسن ﵁ مَا سَمِعت الله نحل عباده شَيْئا أقل من الْحلم قَالَ ﴿إِن إِبْرَاهِيم لحليم﴾ وَقَالَ ﴿فبشرناه بِغُلَام حَلِيم﴾ فالحلم سَعَة الْخلق وَالْعقل عقال عَن التَّعَدِّي فِي أخلاقه والواسع فِي

стр. 1012

أخلاقه حر عَن رق النَّفس وَلذَلِك قَالَ عِيسَى ﵇ لبني إِسْرَائِيل لَا عبيد أنقياء وَلَا أَحْرَار كرماء فالحليم كريم أَيْنَمَا انْقَادَ والحليم يحْتَمل أثقال الْأَمر وَالنَّهْي بِلَا كبد وَلَا مجاهدة فَكَانَ إِبْرَاهِيم ﵇ مِمَّن احْتمل الأثقال ابْتُلِيَ بالنَّار وابتلي بِالْهِجْرَةِ والغربة وابتلي بسارة وابتلي بالختان وابتلي بِذبح الْوَلَد فجاد بِنَفسِهِ وَولده فَقَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن إِبْرَاهِيم لحليم أَواه منيب﴾ قَوْله قصدا فِي غنى الْقَصْد الْقسْط إِلَّا أَن الْقَصْد فِي الْأَفْعَال والأعمال والقسط فِي الأوزان قَالَ الله تَعَالَى ﴿واقصد فِي مشيك﴾ أَي الْمَشْي الْوسط لَا الوهن الكسلان وَلَا السَّرِيع العجلان وَرُوِيَ أَن الرَّسُول ﷺ جَاءَهُ ضيف فَبَيْنَمَا هُوَ قَاعد عِنْده إِذْ جَاءَهُ الرَّاعِي على يَده بهمة قد وَلَدهَا فَقَالَ لَهُ اذْبَحْ شَاة ثمَّ قَالَ للضيف لَا تحسبن أَنا من أَجلك ذبحنا وَلَكِن لنا شِيَاه مائَة فَإِذا ولد الرَّاعِي بهمة ذبحنا مَكَانهَا شَاة فَهَكَذَا الْقَصْد إِن الله إِذا رزقه اقتصد قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمنهمْ ظَالِم لنَفسِهِ وَمِنْهُم مقتصد وَمِنْهُم سَابق بالخيرات﴾ قَالَ ﵇ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اعْمَلُوا آل دَاوُد شكرا﴾ من كَانَ فِيهِ ثَلَاث خِصَال فقد أُوتِيَ مَا أُوتِيَ آل دَاوُد خشيَة الله فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة وَالْقَصْد فِي الْغنى والفقر وَالْعدْل فِي الْغَضَب والرضاء

стр. 1013

قَوْله تجملا فِي فاقة رأى رَسُول الله ﷺ رجلا ثائرا شعره فَقَالَ لم يشوه أحدكُم نَفسه وَرَأى آخر فِي ثِيَاب وسخة فَقَالَ أما يملك هَذَا مَا يغسل ثِيَابه وَقَالَ إِن الله نظيف يحب النَّظَافَة وَقَالَ نظفوا أفنيتكم فَإِن الْيَهُود لَا ينظفون فالفقير صَاحب الْفَاقَة إِذا كَانَ حَيّ الْقلب صَاحب تقوى وجدته فِي نظافة وهيئة من نظر إِلَيْهِ لم يوحشه وَمن جالسه لم يثقل عَلَيْهِ وَلم يتأذ بِهِ يَأْخُذ شعره ويقلم أظافره وَيغسل أدرانه ويبيض أثوابه ويتطيب وينظف مَجْلِسه ويكنس بَيته وَلَيْسَ لذَلِك كثير مُؤنَة وَإِنَّمَا يهملها من يهملها لنذالة النَّفس ودناءتها لَا لِأَنَّهُ لَا يجد وَالْقلب إِذا مَاتَ لم يلْتَمس النظافات والطهارات وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يرْبط الْحجر على بَطْنه من الْجُوع وَلَا يتْرك الطّيب ويعاهد أَحْوَال نَفسه وَكَانَ لَا تُفَارِقهُ الْمرْآة والسواك والمقراض فِي السّفر والحضر وَكَانَ إِذا أَرَادَ أَن يخرج إِلَى النَّاس نظر فِي ركوة فِيهَا مَاء فيسوي من لحيته وَشعر رَأسه وَيَقُول إِن الله جميل يحب الْجمال عَن مَكْحُول عَن عَائِشَة ﵂ فَمن أغفل ذَلِك وَرفع البال عَن نَفسه سَاءَ منظره ووحشت هَيئته فَأدْخل على إخوانه من الْمُؤمنِينَ الْغم والهم من أَجله وَكَانَ ذَلِك كالشكوى إِلَى الْعباد من ربه وَإِذا تجمل فِي فاقته كَانَ كالكاتم مصيبته الشاكر لرَبه المتحمد إِلَى خلقه

стр. 1014

وَرُوِيَ عَن عمرَان بن الْحصين ﵁ أَنه لبس الْخَزّ فَقيل لَهُ تلبس الْخَزّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِذا أنعم الله على عَبده أحب أَن يرى أثر ذَلِك عَلَيْهِ وَقد لبس رَسُول الله ﷺ ثوبا جَدِيدا فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي كساني مَا أواري بِهِ عورتي وأتجمل بِهِ فِي النَّاس فَهَذَا التجمل فِي النَّاس لَا للنَّاس إِنَّمَا هُوَ لله شكرا لَهُ ونشرا للجميل عَنهُ وَإِذا أَصَابَته مُصِيبَة سترهَا وكتمها وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من كتم مصيبته أَرْبَعِينَ يَوْمًا يخرج من الذُّنُوب كَيَوْم وَلدته أمه وَرُوِيَ عَن عَليّ بن الْحُسَيْن ﵁ أَنه لدغته عقرب فَصَبر فِي ذَلِك الوجع ليلته إِلَى الصَّباح كَاتِما لَهُ لِئَلَّا يعلم بِهِ أحد فَلَمَّا أصبح أعتق رَقَبَة شكرا لله أَن أعطَاهُ الصَّبْر حَتَّى قدر على كِتْمَانه وَالْعَبْد الْحَيّ الْقلب إِذا أنعم الله تَعَالَى عَلَيْهِ نعْمَة نشرها عِنْد خلقه قولا وفعلا وَإِذا نكب نكبة سترهَا وكتمها لِئَلَّا يرى الْعباد من أَحْوَال نَفسه مَا يتحير الْعباد فِيهِ من سوء الْحَال لِأَن الله تَعَالَى مَعْرُوف بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا رَأَوْا سوءا

стр. 1015

تحيروا حَتَّى يرجِعوا إِلَى إِيمَانهم بِهِ أَنه عدل لَا يظلم وَلَا يجور وَلذَلِك اسْترْجع أهل الْمُصِيبَة لأَنهم عِنْدَمَا يصابون تأخذهم الْحيرَة فِي أول الصدمة وَإِذا ذكرُوا رَبهم استرجعوا معنى قَوْلهم ﴿إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ أَي رَجعْنَا إِلَيْك من حيرتنا وَعلمنَا أَن ذَلِك لَك وَأَن فعلك هَذَا بِنَا خير كُله قَوْله تحرجا عَن الطمع فالطمع فِيمَا فِي أَيدي الْخلق هُوَ انْقِطَاع عَن الله والمنقطع عَن الله مخذول خائب لِأَنَّهُ عبد بَطْنه وفرجه وشهواته والطمع والرجاء مقترنان إِلَّا أَن الرَّجَاء صفة فعله أَن يمد الْقلب عُنُقه إِلَى شَيْء والطمع وجود الْقلب طعم ذَلِك الشَّيْء الَّذِي رجاه فَهَذَا فتْنَة وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ نَعُوذ بِاللَّه من طمع يهدي إِلَى طبع فالطمع إِذا عمل فِي الْقلب وَتمكن فِيهِ طبع على قلبه لِأَنَّهُ يوله قلبه إِلَى الْخلق عَن الله فتراه يتملق لهَذَا ويمدح ذَاك فِي وَجهه وَيتبع هَذَا فَيصير كَالْعَبْدِ لَهُ فكم من حق يضيعه وَكم من أَمر يسكت عَن الْحق فِيهِ فَإِذا نطق نطق بالهوى فَهَذَا قلب قد خرب وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى يَا دَاوُد مَا من عبد يعتصم بِخلق دوني إِلَّا أسخطت الأَرْض من تَحت قَدَمَيْهِ وَقطعت أَسبَاب السَّمَاء من فَوْقه وَقَالَ الله تَعَالَى لمُوسَى ﵇ من رجا غَيْرِي وكلته إِلَيْهِ وَمن وكلته إِلَيْهِ فليستعد للفتنة وَالْبَلَاء قَوْله كسبا من حَلَال كل نفس قد فرغ الله من رزقها وأثبته فِي

стр. 1016

اللَّوْح ثمَّ أنزل بذلك قُرْآنًا فَقَالَ ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها وَيعلم مستقرها ومستودعها﴾ فالمؤمن الموقن قد صَار هَذَا الضَّمَان لَهُ مُعَاينَة فاطمأن إِلَى ذَلِك وَلم يَتَعَدَّ إِلَى الْحَرَام وَالَّذِي ضعف يقينه بِغَلَبَة شهواته على إيمَانه فيفتتن وَيَتَعَدَّى إِلَى الْحَرَام والشبهة قَوْله برا فِي استقامة الْمُؤمن إِذا كَانَ لين الْقلب رَقِيق الْفُؤَاد عطف على الْأَهْل وَالْولد وَالنَّاس كلهم فَإِذا بر وَكَانَ بِهَذِهِ الصّفة لم يُؤمن أَن يزل عَن الْحق وَالصَّوَاب فَيصير الْبر عقوقا عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ كَانَ يسْتَحبّ أَن يُسَوِّي الرجل بَين وَلَده حَتَّى فِي الْقبْلَة عَن النُّعْمَان بن بشير عَن النَّبِي ﷺ قَالَ اعدلوا بَين أَوْلَادكُم فِي النخب كَمَا تحبون أَن تعدلوا بَيْنكُم فِي الْبر واللطف وَعَن النُّعْمَان بن بشير أَن أَبَاهُ نحله غُلَاما فَأتى النَّبِي ﷺ يشهده فَقَالَ كل ولدك نحلته قَالَ لَا قَالَ فاردده فَقَوله برا فِي استقامة شَرط وثيق وَهُوَ أَن لَا يمازجه الْهوى وَالْبر والملق قرينان مشتبهان قَوْله نشاطا فِي هدى فالنشاط هُوَ انحلال النَّفس وانبساطها

стр. 1017

والأنشوطة هُوَ العقد إِذا مددته انحل من غير أَن تحله فَإِذا عمل العَبْد عملا كَانَ من النَّفس فِيهِ انقباض وكسل فَإِذا قارنها الْهوى والشهوة نشطت وانحلت فَأمر صَاحب هَذَا أَن يتفقد حَتَّى يكون نشاط نَفسه وانحلالها فِي هدى لَا فِي ضَلَالَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿ويحذركم الله نَفسه﴾ وَقَالَ ﴿وَاعْلَمُوا أَن الله يعلم مَا فِي أَنفسكُم فَاحْذَرُوهُ﴾ أَي أحذروا أَن لَا يتلظى عَلَيْكُم شُعَاع من نور العظمة فَتَصِير السَّمَوَات وَالْأَرْض جَمْرَة وَاحِدَة فالنشاط يحْتَاج إِلَى الْهدى كَيْلا يفوتهُ الحذر مثل الصَّبِي إِذا رأى معلمه انقبض وتطأطأ فَإِذا افتقده انبسط وابتش وَكَانَ السّلف الصَّالح ينبسطون إِلَى أَهَالِيهمْ وَأَوْلَادهمْ وإخوانهم ويظهرون النشاط فِي الْأُمُور ويتفقدون من أنفسهم الْوُقُوف عِنْد الْحُدُود كي لَا يرتطموا فِي النَّهْي وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ يُعجبنِي أَن يكون الرجل فِي أَهله كَالصَّبِيِّ فَإِذا بغى مِنْهُ وجد رجلا يَعْنِي إِذا طُولِبَ بِمَا لَا يجوز فِي الْحق وجد صلبا فِي دينه قَوْله نهيا عَن شَهْوَة فَإِن النَّفس ذَات شهوات فَإِذا أطمعتها فِي وَاحِدَة طمعت فِي أُخْرَى ثمَّ لَا يزَال كَذَلِك حَتَّى تستمر فَتَشْرُد على صَاحبهَا شِرَاد الْبَعِير وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ من السَّرف أَن تَأْكُل كل مَا شِئْت مَعْنَاهُ أَن النَّفس إِذا اعتادت هَذَا من صَاحبهَا استمرت فَإِذا منعتها لم تقدر على ذَلِك وَعَن عِكْرِمَة ﵁ أَن النَّفس إِذا أطمعتها طمعت وَإِن آيستها أَيِست وَإِن فوضت إِلَيْهَا ضيعت

стр. 1018

قَوْله رَحْمَة للمجهود فالمجهود أَصْنَاف مجهود فِي المعاش ومجهود فِي الْعِبَادَة ومجهود فِي الْبلَاء فَمن شَأْنه أَن يرحم كل هَؤُلَاءِ قَوْله إِن الْمُؤمن عياذا لله عياذا الله هُوَ الَّذِي يعيذ عباده من السوء الْمُؤمن الْبَالِغ فِي إيمَانه يعيذ الْعباد بِفضل إيمَانه من جوره فقد أَمنه الْخلق وصاروا مِنْهُ فِي معَاذ لَا يَحِيف على من يبغض أَي بغضه إِيَّاه لَا يحملهُ على أَن يَحِيف عَلَيْهِ وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كونُوا قوامين لله شُهَدَاء بِالْقِسْطِ﴾ الْآيَة قَوْله لَا يَأْثَم فِيمَن يحب أَي لَا يحملهُ حبه إِيَّاه أَن يَأْثَم فِي جنبه فَإِنَّهُ إِذا كَانَ على غير ذَلِك كَانَ بغضه لغير الله وحبه لغير الله وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لَا يبلغ العَبْد ذرْوَة الْإِيمَان حَتَّى يحب فِي الله وَيبغض فِي الله فَمن كَانَ حبه فِي الله وبغضه فِي الله لم يحملهُ البغض على أَن يجور وَلَا الْحبّ على أَن يَأْثَم وَمن أحب وَأبْغض لهوى نَفسه جَار على الْمُبْغض وأثم فِي جنب المحبوب قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن من أزواجكم وَأَوْلَادكُمْ عدوا لكم فاحذروهم﴾ وَذَلِكَ أَنهم لما أَرَادوا الْهِجْرَة امْتنع مِنْهُم بعض أَزوَاجهم وَأَوْلَادهمْ فَافْتتنَ بَعضهم بالأزواج وَالْأَوْلَاد فأقاموا وَتركُوا الْهِجْرَة وَمِنْهُم من مضى وتركهم فَنزلت هَذِه الْآيَة فِيمَن أَثم فِي جنب محبوبه من الْأَهْل وَالْولد قَوْله وَلَا يضيع مَا استودع لِأَنَّهُ يشفق على مَا يؤتمن عَلَيْهِ كشفقته على مَال نَفسه لعَظيم قدر الْأَمَانَة عِنْده

стр. 1019

قَوْله وَلَا يحْسد لِأَن من عرف الله عرف أَنه هُوَ قسم الدُّنْيَا بَين أَهلهَا بحكمة بَالِغَة وَقَالَ ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها وَيعلم مستقرها ومستودعها كل فِي كتاب مُبين﴾ وَلنْ تَمُوت نفس حَتَّى تستوفي رزقها وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا يفتح الله للنَّاس من رَحْمَة فَلَا مُمْسك لَهَا وَمَا يمسك فَلَا مُرْسل لَهُ من بعده﴾ وَقَالَ ﴿وَإِن يردك بِخَير فَلَا راد لفضله﴾ فَمن أَيقَن فِي إيمَانه بِهَذِهِ الْكَلِمَات لم يحْسد النَّاس على فضل أُوتُوا وقنع بِمَا أُوتِيَ وَرُوِيَ عَن وهب بن مُنَبّه ﵁ أَن الله ﵎ اسْمه كتب التَّوْرَاة بِيَدِهِ فِيهَا عشر كَلِمَات أمره بِهن بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا كتاب الله ﵎ اسْمه كتبه لعَبْدِهِ مُوسَى سبحني وقدسني يَا مُوسَى إِنِّي أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني وَلَا تشرك بِي شَيْئا فَإِنِّي حق القَوْل مني لتلفحن وُجُوه الْمُشْركين النَّار واشكر لي ولوالديك إِلَيّ الْمصير أنسألك فِي عمرك وأقيك المتالف وأحييك حَيَاة طيبَة وأقلبك إِلَى خير مِنْهَا وَلَا تقتل النَّفس الَّتِي حرمت إِلَّا بِالْحَقِّ فتضيق عَلَيْك الأَرْض برحبها وَالسَّمَاء بأقطارها وتبوأ بسخطي وَالنَّار وَلَا تحلف باسمي كَاذِبًا وَلَا آثِما فَإِنِّي لَا أطهر وَلَا أذكى من لم ينزهني ويعظم أسمائي وَلَا تشهد بِمَا لم تع سَمعك وَلم يحفظ عقلك وَلم يعمد عَلَيْك قَلْبك فَإِنِّي وَاقِف أهل الشَّهَادَات يَوْم الْقِيَامَة على شهاداتهم ثمَّ أسائلهم عَنْهَا سؤالا خفِيا وَلَا تحسد النَّاس على مَا آتيتهم من فضلي فَإِنِّي أَنا الْجواد بِالْعَطِيَّةِ أعطي من شِئْت وَأَمْنَع من أردْت وَلَا تنفس عَلَيْهِم نعمي ورزقي وَلَا تَمُدَّن عَيْنَيْك وَلَا تتبعه نَفسك فَإِن الْحَاسِد عَدو لنعمتي

стр. 1020

مضاد لقضائي ساخط لقسيمي الَّذِي أقسم بَين عبَادي وَمن يَك كَذَلِك فلست مِنْهُ وَلَيْسَ مني وَأَنا مِنْهُ بَرِيء وَلَا تزن وَلَا تسرق فأحجب عَنْك وَجْهي ويغلق دون صَوْتك أَبْوَاب السَّمَاء وَلَا تغدر بحليلة جَارك فَإِنَّهُ كبر مقتا عِنْدِي وأحبب للنَّاس مَا تحب لنَفسك واكره لَهُم مَا تكره لنَفسك وَلَا تذبح لغيري فَإِنَّهُ لَيْسَ يصعد إِلَيّ قرْبَان أهل الأَرْض إِلَّا مَا ذكر عَلَيْهِ اسْمِي وتفرغ للسبت وَفرغ لَهُ آنيتك وأسقتك وثورك وحمارك ودوابك وَجَمِيع أهل بَيْتك وَذكر وهب ﵁ أَن هَذِه الْكَلِمَات الْعشْر الَّتِي كتب الله لمُوسَى ﵇ فِي الألواح مكتوبات فِي الْقُرْآن وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿من يُشْرك بِاللَّه فقد حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة ومأواه النَّار وَمَا للظالمين من أنصار﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى فِي الْوَالِدين ﴿أَن اشكر لي ولوالديك إِلَيّ الْمصير﴾ وَقَالَ فِي الْقَاتِل ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا وَغَضب الله عَلَيْهِ ولعنه وَأعد لَهُ عذَابا عَظِيما﴾ قَالَ فِي الْحلف ﴿وَلَا تجْعَلُوا الله عرضة لأيمانكم﴾ وَقَالَ فِي الشَّهَادَة وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم إِن السّمع وَالْبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مسئولا
следующие страницы →