← Книги сунны

Книги сунны · id 720

نوادر الأصول في أحاديث الرسول

الحكيم الترمذي

Полный текст (1 237 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

الْمُصِيبَة أحب إِلَيْك من أَن لَو نفيت عَنْك الْمُصِيبَة وَلكُل حق حَقِيقَة وَلَا يبلغ العَبْد حَقِيقَة الْإِيمَان حَتَّى يعلم أَن مَا أَصَابَهُ لم يكن ليخطئه وَأَن مَا أخطأه لم يكن ليصيبه وَلَا يبلغ العَبْد حَقِيقَة الْإِخْلَاص حَتَّى لَا يحب أَن يحمد على شَيْء عمل لله فَهَذَا فعل السَّابِقين ومنزلة أُخْرَى فِي هَذَا الْبَاب أشرف من هَذَا كُله وَهُوَ أَن يحب أَن يحمد ومنبع حبه للحمد حب الله تَعَالَى فَهَذَا يحب أبدا أَن يكتسي حَمده فَيرى عَلَيْهِ تِلْكَ الْكسْوَة وتنطلق الْأَلْسِنَة بذلك الْحَمد لَهُ فَتكون تِلْكَ الْأَلْسِنَة شُهُود الله لَهُ فِي أرضه فَهَذَا أشرف الْمنَازل وَهُوَ الَّذِي سَأَلَ إِبْرَاهِيم ﵇ ربه فَقَالَ ﴿وَاجعَل لي لِسَان صدق فِي الآخرين﴾ أَي الثَّنَاء الْحسن فَأُجِيب إِلَى ذَلِك فَقَالَ ﴿وَتَركنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين﴾ وَمُحَمّد ﷺ فوض ذَلِك إِلَى ربه فزاده فَقَالَ ﴿ورفعنا لَك ذكرك﴾ فقرن ذكره بِذكر نَفسه ثمَّ جعل لأمته من ذَلِك أوفر الْحَظ فَقَالَ مُوسَى ﵇ يَا رب من أولياؤك قَالَ الَّذين إِذا ذكرُوا ذكرت وَإِذا ذكرت ذكرُوا وَقيل يَا رَسُول الله من أَوْلِيَاء الله قَالَ الَّذين إِذا رؤوا ذكر الله عَن أنس ﵁ قَالَ بَينا رَسُول الله ﷺ قَائِم إِذْ مرت بِهِ جَنَازَة فَسَأَلَ عَنْهَا وأثنوا عَلَيْهَا خيرا فَقَالَ وَجَبت ثمَّ مرت بِهِ أُخْرَى فَأَثْنوا عَلَيْهَا شرا فَقَالَ ﵇ وَجَبت فَقُلْنَا يَا رَسُول الله قلت وَجَبت قَالَ إِن الْمُؤمنِينَ شُهُود الله فِي الأَرْض إِذا شهدُوا للْعَبد بِخَير أوجب الله لَهُ الْجنَّة وَإِذا شهدُوا للْعَبد بشر أوجب الله لَهُ النَّار

стр. 1087

وَمَا من عبد يشْهد لَهُ أمة إِلَّا قبل الله شَهَادَتهم وَالْأمة الْوَاحِد إِلَى مَا فَوْقه قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن إِبْرَاهِيم كَانَ أمة﴾ وَقَالَ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من مُسلم يوضع فِي قَبره فيثني عَلَيْهِ ثَلَاثَة أهل بَيت من جِيرَانه خيرا إِلَّا قَالَ الله تَعَالَى لملائكته قد قبلت شَهَادَة عبَادي لعبدي فِيمَا ظهر وغفرت لَهُم مَا لَا يعلمُونَ رَجعْنَا إِلَى ذكر السِّرّ وَالْعَلَانِيَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هِيَ﴾ قَالَ جعل الله صَدَقَة التَّطَوُّع يفضل سرها علانيتها سبعين ضعفا وَجعل صَدَقَة الْفَرِيضَة علانيتها تفضل سرها بِخَمْسَة وَعشْرين ضعفا وَكَذَلِكَ جَمِيع الْفَرَائِض والنوافل فِي الْأَشْيَاء كلهَا وَإِنَّمَا قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ فِيمَا يرى ذَلِك من قَول رَسُول الله ﷺ إِن عمل السِّرّ من التَّطَوُّع يفضل الْعَلَانِيَة بسبعين ضعفا

стр. 1088

وَقَالَ فِي حَدِيث آخر صَلَاة الرجل فِي جمَاعَة يَعْنِي الْفَرِيضَة تزيد على صلَاته وَحده بِخمْس وَعشْرين دَرَجَة وَرُوِيَ عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ ﵁ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هِيَ﴾ قَالَ الْفَرَائِض ﴿وَإِن تخفوها وتؤتوها الْفُقَرَاء﴾ قَالَ التَّطَوُّع وجاد مَا غاص أَبُو جَعْفَر ﵁ وَحقّ لمعدن النُّبُوَّة أَن يكون هَكَذَا وصف الله تَعَالَى إبداء الصَّدَقَة بِالنعْمَةِ فَقَالَ ﴿فَنعما هِيَ﴾ وَإِنَّمَا هِيَ نعم كَقَوْلِك فعل وَهُوَ ضد بئس من الْبُؤْس وَالنعْمَة والبؤس ضدان وكل شَيْء جسم واحتشا وَرطب فَهُوَ نعْمَة وكل شَيْء هزل ويبس فَهُوَ بؤس ثمَّ نسب فعل نعم إِلَى مَا وَلَفظ مَا بَاطِن الْأَشْيَاء كَأَنَّهُ قَالَ إبداء الصَّدَقَة نعم باطنة وَإِنَّمَا نعم الإبداء لِأَنَّهُ فَرِيضَة افترضها الله على عباده دَوَاء لأسقام قُلُوب الْعباد لِأَن الْقُلُوب سقمت بحب المَال وَلذَلِك سمي مَالا لِأَن الْقُلُوب تميل بحبها عَن الله فَأمر بمفارقته على سَبِيل التَّصَدُّق وَهُوَ إِظْهَار صدق الْإِيمَان لِأَن الله تَعَالَى اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة فَسُمي زَكَاة وَالزَّكَاة عبارَة عَن النَّمَاء لِأَن فِيهِ نمو مَا نقص من نور قُلُوبهم وارتحل من بركاتهم عَن الْقُلُوب وتطهرا عَن أدناس الْميل إِلَى المَال من الله تَعَالَى وتنزها عَن حب المَال وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ الْإِيمَان حُلْو نزه فنزهوه وَسمي صَدَقَة لِأَن فِيهِ إِظْهَار صدق الْإِيمَان وَقد حلف رَسُول الله ﷺ فَقَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا نقصت صَدَقَة مَالا قطّ

стр. 1089

وَقَالَ ﵇ حِين تصدق من تمر قدر مد قَبْضَة قَبْضَة وَالشَّيْء مَكَانَهُ على هَيئته فَقيل يَا رَسُول الله نرَاك تُعْطِي وَلَا ينقص فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أما تقرأون وَمَا أنفقتم من شَيْء فَهُوَ يخلفه وَلَكِنَّكُمْ لَا ترَوْنَ الْخلف بقلة الْيَقِين وَقَالَ ﵇ لَو أَن أم إِسْمَاعِيل ﵇ لم تغرف من زَمْزَم لَكَانَ زَمْزَم عينا معينا وَرُوِيَ إِن عَامر بن عبد قيس كَانَ يَأْخُذ عطاءه فِي ثَوْبه ثمَّ يُعْطِيهَا قَبْضَة قَبْضَة فَإِذا بلغ الْمنزل وزن فيوجد كَمَا هُوَ وَكَانَ بَنو أَعْمَامه يَفْعَلُونَ مثل ذَلِك فينقص فَقَالُوا لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ إِنَّكُم تجربون الله وَأَنا لَا أجرب وَسمي المَال خيرا فِي التَّنْزِيل وَالْخَيْر مِنْهُ مَا كَانَ منزوع الْحمة وحمة المَال وسمه حبك لَهُ وَمَا لم ينْزع حمته فَهُوَ مَال لِأَنَّهُ مَال بِقَلْبِه عَن الله قَالَ الله تَعَالَى ﴿فكاتبوهم إِن علمْتُم فيهم خيرا﴾ وَقَالَ ﴿إِنِّي أَحْبَبْت حب الْخَيْر عَن ذكر رَبِّي﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَإنَّهُ لحب الْخَيْر لشديد﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿كتب عَلَيْكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت إِن ترك خيرا﴾

стр. 1090

سَمَّاهُ خيرا عِنْد حُضُور الْمَوْت لِأَنَّهُ عِنْد انطفاء نَار الشَّهَوَات وانطماس حب المَال وَقَالَ ﴿فكاتبوهم إِن علمْتُم فيهم خيرا﴾ لِأَن ذَلِك وَقت عطف وَرَحْمَة من السَّيِّد على عَبده يرغب فِي عتقه من الرّقّ وتأخذه الْحَاجة لِأَن المَال قوام الدّين فَمن أحب المَال لحب الدّين فقد صدق الله فِي إيمَانه وَلم يدْخل عَلَيْهِ فِي حب إيمَانه ممازجة وَلَا شوب وعلامته أَن يكون بِمَا أعطي أَشد فَرحا مِنْهُ بِمَا بَقِي فِي يَده وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى لداود ﵇ يَا دَاوُد هَل تَدْرِي أَي الْمُؤمنِينَ أعظم منزلَة عِنْدِي الَّذِي هُوَ بِمَا أعطي أَشد فَرحا بِمَا حبس وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ لَيست الزهادة فِي الدُّنْيَا بِتَحْرِيم الْحَلَال وَلَا إِضَاعَة المَال وَلَكِن الزهادة أَن لَا تكون بِشَيْء مِمَّا فِي يدك أوثق مِنْك بِمَا فِي يَد الله تَعَالَى وَأَن يكون ثَوَاب الْمُصِيبَة أحب إِلَيْك من أَن لَو نفيت الْمُصِيبَة عَنْك عَن سعيد بن جُبَير ﵁ أَن ملك الْمَوْت أَتَى إِبْرَاهِيم ﵇ فَأخْبرهُ بِأَن لله خَلِيلًا فِي الأَرْض فَقَالَ يَا ملك الْمَوْت من هُوَ حَتَّى أكون لَهُ خَادِمًا قَالَ فَإنَّك أَنْت هُوَ قَالَ بِمَاذَا قَالَ إِنَّك تحب أَن تُعْطِي وَلَا تحب أَن تَأْخُذ

стр. 1091

قَوْله تَعَالَى ﴿إِنِّي أَحْبَبْت حب الْخَيْر عَن ذكر رَبِّي﴾ سَمَّاهُ خيرا لِأَن الله أعطَاهُ تِلْكَ الْخَيل المعروضة عَلَيْهِ بالْعَشي تِلْكَ الصافنات الْجِيَاد فَكَانَت تِلْكَ عَطِيَّة الله تَعَالَى لاحقة بِمَا أعطي من الْملك قَالَ تَعَالَى ﴿هَذَا عطاؤنا فَامْنُنْ أَو أمسك بِغَيْر حِسَاب﴾ قَالَ لَهُ قَائِل فَمَا الَّذِي حل بِهِ من حبه حَتَّى طفق مسحا بِالسوقِ والأعناق فَضرب سوقها وأعناقها قَالَ لِأَنَّهُ شغله حبه إِيَّاهَا عَن صَلَاة الْعَصْر حَتَّى فَاتَتْهُ وَلم يكن حبه حب فتْنَة لِأَنَّهُ أعطي الْملك بِلَا حِسَاب فعصم من الْفِتْنَة وَمَا اعْترض تلذذا إِنَّمَا اعْترض عَطِيَّة الله الَّتِي أَعْطَاهَا بِلَا تبعة وَلَا حِسَاب تلذذا بعطف الله ورأفته ثمَّ لما شغله عَن حب مَا هُوَ أعظم مِنْهُ رمى بِهِ كالمعرض عَنهُ لِأَنَّهُ رأى فِي الصَّلَاة إقبال الله تَعَالَى على عَبده وَلم ير فِي الْعَطِيَّة وَلَا فِي اعتراضه للعطية إقبال الله تَعَالَى فَلَمَّا رأى فَوت الإقبال هَاجَتْ مِنْهُ حرقة فَوت الإقبال فَرمى بِهَذَا وتخلى عَنهُ فَشكر الله لَهُ تِلْكَ الحرقة فَأعْطَاهُ بَدَلا من الْخَيل مَا لم يُعْط أحدا من الْآدَمِيّين وَهُوَ الرّيح قَالَ تَعَالَى ﴿فسخرنا لَهُ الرّيح تجْرِي بأَمْره﴾ الْآيَة وَقَوله تَعَالَى ﴿وَإنَّهُ لحب الْخَيْر لشديد﴾ المَال فِي الأَصْل قوام الْعباد فِي أَمر دينهم بِهِ يصلونَ وَيَصُومُونَ ويزكون وَيَتَصَدَّقُونَ فالأبدان لَا تقوم إِلَّا بِهَذَا المَال وأعمال الْأَركان لَا تقوم إِلَّا بِهَذَا المَال مِنْهُ يطعم وَمِنْه يشرب وَمِنْه يكتسي وَمِنْه يسكن

стр. 1092

من الْحر وَالْبر وَبِه يتوقى الْأَذَى وَالْمَشَقَّة وَيدْفَع الشدائد من الْأَحْوَال قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم الَّتِي جعل الله لكم قيَاما﴾ أعلمك أَن هَذَا قيامك أَي قوامك فِي أَمر دينك ودنياك فالمؤمن دينه ودنياه جَمِيعًا فِي دُنْيَاهُ وَإِن عمل لآخرته فَإِنَّمَا يعْمل فِي دُنْيَاهُ وَإِن عمل لدُنْيَا فَإِنَّمَا يعْمل فِي دُنْيَاهُ فَهَذَا المَال على مَا وَصفنَا حقيق أَن يُسمى خيرا لِأَن الْخيرَات بِهِ تقوم فَإِذا أحبه فَاشْتَدَّ حبه لَهُ فَغير معيب وَلَا ملوم ثمَّ يفْتَرق حبه فَيصير على ضَرْبَيْنِ فَإِن كَانَ حبه لِلْمَالِ من أجل حب الله فَهُوَ مَحْمُود وَإِن كَانَ حبه لَهُ من أجل حب نَفسه الدنية البالية غَدا فِي التُّرَاب فَهُوَ مَذْمُوم لِأَن حبه لَهُ من هَذَا الْوَجْه حب فتْنَة والفتنة تهديه إِلَى النَّار لِأَن ذَلِك الْحبّ شَهْوَة والشهوة بِبَاب النَّار وَقَالَ ﵇ حفت النَّار بالشهوات وَإِن كَانَ من حب الله أحبه فَذَلِك الْحبّ نور على قلبه قَالَ لَهُ قَائِل وَكَيف يكون حب المَال من حب الله تَعَالَى قَالَ علم العَبْد أَن الله تَعَالَى أمره بِأُمُور وَجعل مرضاته فِي تِلْكَ الْأُمُور وَأَن تِلْكَ الْأُمُور لَا تقوم إِلَّا بِالْمَالِ فَمن أحب ربه أحب أمره وابتغاء مرضاته ثمَّ نظر فَإِذا تِلْكَ الْأُمُور لَا تقوم إِلَّا بِالْمَالِ فَلَيْسَ من الْمحَال أَن يحب شَيْئا من أجل حب ربه ثمَّ يعلم أَن ذَلِك الشَّيْء لَا يقوم وَلَا يتهيأ لَهُ إِلَّا بِشَيْء آخر ثمَّ لَا يحب هَذَا الشَّيْء الثَّانِي وَكَيف لَا يحب العَبْد نعْمَة يلتذ بهَا ويجد تِلْكَ النِّعْمَة

стр. 1093

لحمد ربه فَإِذا خلصت إِلَيْهِ لَذَّة ذَلِك الشَّيْء هيجت مِنْهُ ذكر الْمُنعم فأثارت فِي صَدره نورا يجدد حَمده وينكشف لَهُ الغطاء عَن عطف ربه وَرَحمته عَلَيْهِ فَيَزْدَاد بذلك خضوعا وذلة وحياء مِنْهُ وتتراكم عَلَيْهِ أثقال الشُّكْر فالنعم على هَذَا الْوَجْه محقوقة أَن تحب وَمن هَذَا الْقَبِيل مَا أنعم بِهِ على سُلَيْمَان ﵇ وَمن توهم أَنه سَأَلَ ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعده لحب نَفسه ولحب دُنْيَاهُ مَعَ أَن الله تَعَالَى أثنى عَلَيْهِ وَقَالَ ﴿نعم العَبْد إِنَّه أواب﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن لَهُ عندنَا لزلفى وَحسن مآب﴾ وَقَالَ ﴿وَمن ذُريَّته دَاوُد وَسليمَان﴾ ثمَّ قَالَ فِي آخر الْآيَة ﴿أُولَئِكَ الَّذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ فَسَماهُ مهديا وأوابا وَصَاحب زلفة وَحسن مآب فقد رد على الله فَلم يُؤمن عَلَيْهِ الْكفْر عَن جَابر بن عبد الله ﵁ قَالَ لما قتل أبي يَوْم أحد دَعَاني النَّبِي ﷺ فَقَالَ أَتُحِبُّ الدَّرَاهِم قلت نعم قَالَ لَو جَاءَتْنِي دَرَاهِم أَعطيتك هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا فَقبض النَّبِي ﷺ قبل أَن يعطيني فَلَمَّا اسْتخْلف أَبُو بكر أَتَاهُ مَال من الْبَحْرين فدعاني فَقَالَ خُذ كَمَا قَالَ لَك رَسُول الله ﷺ فَأخذت بكفي جَمِيعًا وَأخذت الثَّانِيَة أقل مِنْهُ فَقلت عدوا هَذَا فأعطوني مثله مرَّتَيْنِ فعد فَوجدَ سَبْعمِائة وَخمسين فأعطوني مثلهَا مرَّتَيْنِ

стр. 1094

فَلَو كَانَ حب جَابر ﵁ للدراهم حب النَّفس وَالدُّنْيَا لَكَانَ معيبا وَمَا كَانَ رَسُول الله ﷺ يهديه وَلَكنَّا نظن بجابر الأولى والأحق حَيْثُ نَاطِق بِهَذِهِ الْكَلِمَة رَسُول الله ﷺ ووعده على ذَلِك جزيلا وَقيل لِابْنِ عون أَتُحِبُّ الدَّرَاهِم قَالَ نعم قيل لم ذَاك قَالَ لِأَنَّهَا تنفعنا وَقَالَ كَعْب ﵁ أول من ضرب الدِّينَار وَالدِّرْهَم آدم ﵇ وَقَالَ لَا تصلح الْمَعيشَة إِلَّا بهما وَعَن وهب بن مُنَبّه الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم خَوَاتِيم رب الْعَالمين وَضعهَا الله تَعَالَى معايش لبني آدم لَا يُؤْكَل وَلَا يشرب إِلَّا بهما من جَاءَ بِخَاتم رب الْعَالمين قضيت حَاجته

стр. 1095

- الأَصْل السَّادِس وَالسِّتُّونَ والمائتان - فِي أَن الله تَعَالَى إِنَّمَا ينظر إِلَى الْقُلُوب لِأَن كنوز الْمعرفَة فِيهَا والى الْأَعْمَال عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله لَا ينظر إِلَى صوركُمْ وَلَا إِلَى أَمْوَالكُم وأحسابكم وَلَكِن ينظر إِلَى قُلُوبكُمْ وَأَعْمَالكُمْ قَالَ أَبُو عبد الله إِنَّمَا ينظر إِلَى الْقُلُوب لِأَنَّهَا أوعية الْجَوَاهِر وكنوز الْمعرفَة فِيهَا وَينظر إِلَى أَعمال الْجَوَارِح بِأَن مُبْتَدأ الْأَعْمَال من الْقُلُوب فَإِذا نظر إِلَى الْجَوَاهِر ووجدها طرية سليمَة كهيئتها محروسة من آفَات النَّفس مكنونة عَن تنَاول النَّفس وتلمسها شكر لعَبْدِهِ فزاده فِي الْجَوَاهِر وبصره بأقدارها وأخطارها حَتَّى يزْدَاد بهَا غنى وَمن اسْتغنى بِاللَّه عز

стр. 1096

وَجل فَلَا قوي أقوى مِنْهُ قد آيست النَّفس من إجَابَته إِيَّاهَا وآيس الْعَدو من غوايته وَإِنَّمَا ندب العَبْد إِلَى التَّقْوَى وَصَارَ العَبْد لله وليا بِأَن حرس مَا فِي قلبه من الْمعرفَة لله وصيره فِي وقاية من آفَات النَّفس فَلَا يصل إِلَيْهِ آفاتها من أجل صون تِلْكَ الْجَوَاهِر فَإِن الْعَدو يَأْتِي بأضدادها يُرِيد أَن يَضَعهَا فِي تِلْكَ الْأَمْكِنَة وينفي عَن قلبه مَا وَضعه الله تَعَالَى فَإِن لم يقدر على النَّفْي غطاه بِمَا أورد عَلَيْهِ فَلبس عَلَيْهِ بِمَنْزِلَة رجل فِي يَده جَوَاهِر ودنانير فأكب عَلَيْهِ خائن مخادع يَصْحَبهُ ويخالطه فِي الْأَخْذ والإعطاء فَإِذا أَخذ مِنْهُ جوهرا لينْظر إِلَيْهِ يَأْخُذ ياقوتة حَمْرَاء فَلَا يزَال يقلبها فِي كَفه ينْتَظر بلاهته ويلتمس غرته حَتَّى يُبدلهُ بهَا خرزة حَمْرَاء صَافِيَة تشبهها وَصَاحبه قَلِيل الْبَصَر بالجواهر إِنَّمَا مَعْرفَته بهَا مَا ينظر إِلَيْهِ من ظَاهرهَا وَيَأْخُذ مِنْهُ لؤلؤة فيبدل بهَا عظما صافيا يشبهها وَيَأْخُذ مِنْهُ فيروزجا فيبدله بخزف ملون أَزْرَق صقيل وَيَأْخُذ مِنْهُ زمردة فيبدل بهَا فلقَة من جَوْهَر الزّجاج وَيَأْخُذ مِنْهُ دِينَارا فيبدل بِهِ فلسًا أصفر مدورا فَهُوَ لَا يعرف من الدِّينَار إِلَّا صفرته وتدويره وكتابته وَمن الزمرد إِلَّا خضرته وَمن اللؤلؤة إِلَّا بياضها وَمن الياقوتة إِلَّا حمرتها فَإِذا رأى مثلهَا من الْهَيْئَة لم يُنكر ذَلِك فَكَذَلِك هَذَا الموحد أعطي الْمعرفَة ليوحد وَيتَوَجَّهُ إِلَى الْوَاحِد وَيقبل على الْوَاحِد ويبذل نَفسه لَهُ عبودة ويأتمنه على نَفسه ويتخذه وَكيلا ويفوض إِلَيْهِ أُمُوره وَيتْرك التَّدْبِير عَلَيْهِ ويثق بِهِ ويركن إِلَيْهِ ويتذلل لربوبيته ويتواضع لعظمته ويتزين لبهائه ويتخذه عدَّة لكل نائبة من دنيا وآخرة فَلَمَّا رأى الْعَدو ذَلِك حسده وشمر لاستلاب مَا أعطي العَبْد فَلم يقدر أَن يكابره ويستقبله بالقهر كَمَا قهر الْكفَّار وكابرهم وَلكنه خادعه وأخفى خداعه فِي ظلّ النَّفس فَهُوَ يوسوس إِلَى النَّفس وَالنَّفس توسوس

стр. 1097

إِلَى الْقلب فَإِذا كَانَ الْقلب أبله ورفض الكياسة وَكَانَ مستثقلا فِي نوم البلاهة والغفلة انخدع لما يُورد الْعَدو فَأوردهُ على توحيده شرك الْأَسْبَاب بَدَلا وبالتوجه إِلَيْهِ توجها إِلَى أَوْلِيَاء الْأَسْبَاب وبالإقبال إِلَيْهِ إقبالا على أَحْوَال النَّفس وببذل النَّفس لَهُ عبودة بذل النَّفس لمناه وشهواته وبائتمانه على نَفسه إئتمان مَا جمع وحوى من الدُّنْيَا وباتخاذه وَكيلا إتخاذ علمه وبصره وحذقه بالأمور وَكيلا وبالتفويض إِلَيْهِ تفويضا إِلَى تَدْبيره وقوته مقتدرا وبالركون إِلَيْهِ ركونا إِلَى خدمه فَلبس مَا أعطي من الْكُنُوز بِهَذِهِ الْأَشْيَاء فَانْقَطَعت قوته ومادة مَعْرفَته من الله تَعَالَى فَأَي مغبون أعظم غبنا من هَذَا فبعدا لَهُ لِأَنَّهُ قد ترك نصيحة الله لَهُ فَإِنَّهُ أنزل عَلَيْهِ نصيحته تَنْزِيلا فَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تلهكم أَمْوَالكُم وَلَا أَوْلَادكُم عَن ذكر الله وَمن يفعل ذَلِك فَأُولَئِك هم الخاسرون﴾ فَإِنَّمَا يذكر الله تَعَالَى من وَحده فِي جَمِيع أُمُوره دينا وَدُنْيا وَتوجه إِلَيْهِ فِي جَمِيع نوائبه وحوائجه وَأَقْبل عَلَيْهِ بِكُل همومه وبذل لَهُ نَفسه بذل من يعلم أَنه مَمْلُوك مَخْلُوق من تُرَاب ممنون عَلَيْهِ بخلقه وبعظائم المنن وائتمنه على نَفسه سكونا إِلَيْهِ واتخذه وَكيلا فاستراح من المخاوف وفوض إِلَيْهِ وَقعد بِبَابِهِ ينْتَظر خُرُوج تَدْبيره إِلَيْهِ وركن إِلَيْهِ ركون من اسْتندَ إِلَى جبل شامخ لَا يقدر أَن يُؤْتِي من قبله وَاطْمَأَنَّ فَمن ألهاه حب مَاله وَولده عَن ذكر الله بِهَذِهِ الْأَشْيَاء فخسر أَنه أعظم من أَن يُوصف لِأَنَّهُ خدع فأبدل بِمَا أعطي من الْجَوَاهِر الخرز والخزف والزجاج وَالْعِظَام والفلوس فليت شعري فِي أَي وَاد بَقِي توحيده وَفِي أَي وَاد هُوَ أُولَئِكَ ينادون من مَكَان بعيد عَن أبي معبد بن حبَان أَو عَن حبَان بن حجر قَالَ قَالَ رَسُول الله

стр. 1098

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَأْتِي على النَّاس زمَان الْقُرْآن فِي وَاد وهم فِي وَاد غَيره فَإِنَّمَا صَار فِي وَاد لِأَن جواهرهم ودنانيرهم قد صَارَت خرزا وخزفا وفلوسا وعظاما وزجاجا فالقرآن كَلَام رب الْعَالمين جرى إِلَيْهِم من أصل الْجَوَاهِر ليعقلوا عَنهُ كَلَامه بأنوار تِلْكَ الْجَوَاهِر فَإِذا خدعهم الْعَدو بنفخة الْكبر فيهم ونفثة الشَّهْوَة وسلطان الْهوى صَارَت هَذِه الْأَشْيَاء بَدَلا فَلم يُوجد للخرز والخزف والفلوس أنوار تشرق ليستنير الصَّدْر لكَلَام رب الْعَالمين أَو يتَرَاءَى لعين الْفُؤَاد فِي ظلمات الْكبر تِلْكَ الْمعَانِي واللطائف هَيْهَات مَا أبعد مَا وَقع الْقَوْم انخدعوا لِلْعَدو بخيانة نُفُوسهم حَتَّى أهلكهم قَالَ الله تَعَالَى ﴿سأصرف عَن آياتي الَّذين يتكبرون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق﴾ تِلْكَ قُلُوب عز رَبِّي وَجل عَن أَن ينظر إِلَيْهَا حَتَّى يزين فِيهَا الخرز والحصى والخزف بدل الْفُلُوس وَتلك الْجَوَاهِر وَتلك قُلُوب صرفهَا الله عَن آيَاته ودلائله فعميت وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور تِلْكَ قُلُوب أعرض الله عَنْهَا وشغلها بِمَا كثر عَلَيْهَا من دنياها الخربة من زينتها ولهوها ولعبها ومتاع غرورها تِلْكَ قُلُوب فرحت بِنَفسِهَا ودنياها الدنية وشهواتها الردية فطمسها الله عَن الْفَرح بِهِ والقلوب المطموسة معرض عَنْهَا خَالِقهَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿من قبل أَن نطمس وُجُوهًا فنردها على أدبارها﴾ وَإِذا أعرض الله عَن قلب صَار الصَّدْر كنهار غربت شمسه وَإِذا أظلم الصَّدْر انقبض الْقلب وذبل وافتقر وَصَارَ أَسِير النَّفس فالفرح بِاللَّه برد يُطْفِئ حرارة النَّفس وشعاع ينير الصَّدْر وحياة تهزم جَمِيع الشَّهَوَات

стр. 1099

ولطافة تجْرِي فِي جَمِيع عروقك حَتَّى تتأدى إِلَى مخ أعظمك وحلاوة تسكرك عَن كل حلاوة دونهَا وَلَذَّة تلهيك عَن كل لَذَّة دونهَا وبشرى يغرق فِيهَا جَمِيع آمال قَلْبك وهيمان فِي تِلْكَ الْبُشْرَى يدق الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فِي جنبها والفرح بأحوال النَّفس لَهُ حرارة تحرق وَجه الْقلب وساحته وَهِي الصَّدْر حَتَّى يصير للقلب حزونة كحزونة الأَرْض فَيُصْبِح حَزينًا على فَوت الدُّنْيَا رُوِيَ عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ ﵁ من أصبح حَزينًا على الدُّنْيَا أصبح ساخطا على ربه وَعَن فرقد السنجي قَالَ قَرَأت فِي التَّوْرَاة من أصبح حَزينًا على الدُّنْيَا أصبح ساخطا على ربه وَمن تضعضع لغنى ذهب ثلثا دينه وَمن نزلت بِهِ مُصِيبَة فشكاها إِلَى النَّاس فَإِنَّمَا يشكو ربه والفرح بأحوال النَّفس إِذا اضطرم عَلَيْهِ نيران الْحِرْص امْتَلَأَ الجو من دخانها حَتَّى يصير صَدره كالليل الدامس وتعمى بصيرته والفرح بأحوال النَّفس لَهُ سُلْطَان يُمِيت الْقلب ويحيي النَّفس وتهتز الشَّهَوَات بِتِلْكَ الْحَرَارَة فَهُوَ يستحيي من الْخلق وَلَا يستحيي من خالقه كَمَا قَالَ فِي تَنْزِيله ﴿يستخفون من النَّاس وَلَا يستخفون من الله وَهُوَ مَعَهم إِذْ يبيتُونَ مَا لَا يرضى من القَوْل﴾ وَله حلاوة تسكر عَن الله وَبرد كبرد السم يدب فِي الْعُرُوق ويحذر عَن الْإِيمَان بِاللَّه ويصيرك كَأَنَّك خَال عَنهُ ويشتمل على روحك حَتَّى يتَغَيَّر إِلَى طبع النَّفس وكدورتها وَله لَذَّة تلهيك عَن الله تَعَالَى وَعَن يَوْم الْمِيثَاق وَيَوْم الميعاد لوفاء الْمِيثَاق وَله آمال كَاذِبَة وأماني خادعة يهيم فِيهَا هيمان المحتلم يثب على كل مفروح من الدُّنْيَا وثبان المحتلم على

стр. 1100

جَارِيَة قد عَشِقَهَا فَإِذا انتبه وجد نَفسه عَمَّا وثب إِلَيْهِ خَالِيا وَفِي فرَاشه بائلا كَذَلِك الْفَرح بالدنيا إِذا قبض روحه يجد نَفسه خَالِيا من أفراح النَّفس ودنياها يقدم على ربه جنبا قد بَال فِي دينه وعبوديته وراث فِيهَا كروث الْحمار الَّذِي قد حمل عَن الله أسفارا على ظَهره من قبل أَن يتَطَهَّر بِمَاء النَّدَم والكيس نظر إِلَى هَذَا الْحَال فاقشعر مِنْهَا وَرجع إِلَى نَفسه فَوَجَدَهَا كَرِيمَة حرَّة تنقاد وتسلس بِلَا كزازة فَقَامَ على السَّاق متشمرا فِي تصفية قلبه وتطهيره ليرق ويجلى فَإِن الْمرْآة إِذا جليت فقابلها نور الشَّمْس تولد من بَينهمَا إشراق يضيء الْبَيْت مِنْهُ فَكَذَلِك الْقلب إِذا جلى ثمَّ يُلَاحظ نور الملكوت أَضَاء الصَّدْر وامتلأ من شعاعه فَأَبْصَرت عينا الْفُؤَاد بَاطِن أُمُور الله فِي خلقه فَذَاك قلب قد اسْتكْمل الزِّينَة والبهاء بِمَا سبق من الطَّهَارَة والصفاء فَصَارَ قلبه مَوضِع نظر الله من بَين خلقه فَكلما نظر إِلَى قلبه زَاده بِهِ فَرحا وَله حبا وَمِنْه قربا واكتنفه بِالرَّحْمَةِ عَن سهل بن سعد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن لله تَعَالَى فِي الأَرْض أواني أَلا وَهِي الْقُلُوب فأحبها إِلَى الله أرقها وأصفاها وأصلبها أرقها للإخوان وأصفاها من الذُّنُوب وأصلبها فِي ذَات الله فَمن كَانَ لَهُ قلب صَالح تَحَنن الله عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يصلح إِذا سكنت النَّفس بشهواتها والهوى بجُنُوده وَاطْمَأَنَّ الْقلب أَمِيرا على الْجَوَارِح نَافِذا سُلْطَانه فَعندهَا يحظى العَبْد من الله الحنان فَإِذا تَحَنن عَلَيْهِ وجد الْقلب ريح الرأفة فَيَزْدَاد طمأنينة إِلَى ربه واهتاجت آماله فَيَأْخُذ فِي السّير إِلَيْهِ فَعنده تظهر الْكُنُوز وَإِذا اسْتغنى الْقلب بالكنوز وصل العَبْد إِلَى زِينَة الْأَعْمَال وإنفاق الْكُنُوز لمحاسن الْأَخْلَاق ومحمود الفعال فَعِنْدَ ذَلِك ينظر الله إِلَى قلبه وَإِلَى أَعماله

стр. 1101

- الأَصْل السَّابِع وَالسِّتُّونَ والمائتان - فِي فضل الْعلم بِاللَّه عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله أَي الْأَعْمَال أفضل قَالَ الْعلم بِاللَّه ثمَّ أَتَاهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك قَالَ يَا رَسُول الله إِنَّمَا أَسأَلك عَن الْعَمَل قَالَ إِن الْعلم ينفعك مَعَه قَلِيل الْعَمَل وَكَثِيره فَإِن الْجَهْل لَا ينفعك مَعَه قَلِيل الْعَمَل وَلَا كَثِيره قَالَ أَبُو عبد الله ﵁ فالعلم ثَلَاثَة أَنْوَاع علم بِاللَّه وَعلم بتدبير الله وربوبيته وَعلم بِأَمْر الله وَرُوِيَ عَن عِيسَى ﵇ أَنه قَالَ الْعلمَاء ثَلَاثَة عَالم بِاللَّه لَيْسَ بعالم بِأَمْر الله وعالم بِأَمْر الله لَيْسَ بعالم بِاللَّه وعالم بِاللَّه عَالم بِأَمْر الله كَأَن عِيسَى ﵇ جعل الْعلم بتدبيره وربوبيته مَعَ الْعلم بِاللَّه علما وَاحِدًا وَإِنَّمَا صيرناه ثَلَاثَة أَنْوَاع لأَنا أردنَا أَن يتَمَيَّز عِنْد من لَا يعقله علم الله من علم التَّدْبِير لِأَن علم التَّدْبِير للعباد وَهُوَ دَاخل فِي بَاب العبودة وَعلم الله هُوَ الثَّنَاء الَّذِي يظْهر على الْأَلْسِنَة من الْقُلُوب فالعلم رَأس كل أَمر وَخلق الله الْخلق أصنافا ثمَّ أعْطى كل شَيْء علمه الَّذِي

стр. 1102

يَنْبَغِي لَهُ فبالعلم يعرف ربه وبالعلم يعبد ربه وَهُوَ جَوَاب مُوسَى ﵇ لفرعون حَيْثُ قَالَ ﴿فَمن رَبكُمَا يَا مُوسَى﴾ قَالَ رَبنَا الَّذِي أعطي كل شَيْء من خلقه ثمَّ هدى أَي أَعْطَاهُم خلقهمْ ثمَّ هدَاهُم من خلقهمْ وَمن كَونهم وَمن يملكهم وبمن قوامهم فالهدى هُوَ الْعلم الَّذِي أعْطى كل شَيْء خلقه حَتَّى هدَاهُم إِلَى نَفسه فالعرش فَمن دونه إِلَى الثرى كلهم أَعْطَاهُم خلقهمْ ثمَّ عرفهم نَفسه وهداهم خلق كل شَيْء فَوضع فِيهِ الْحَيَاة وَأَعْطَاهُمْ الْعلم بِهِ واقتضاهم الْقُنُوت لَهُ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَله من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض كل لَهُ قانتون﴾ والقنوت الركود بَين يَدَيْهِ فِي مقَامه الَّذِي أَقَامَهُ ثمَّ بَدَأَ خلق آدم ﵇ وَذريته فَجعل الْأَشْيَاء سخرة للآدميين وضع فِيهَا تِلْكَ الْأَشْيَاء الَّتِي فِيهَا مَنَافِع الْآدَمِيّين وقوام مَعَايشهمْ وَأَعْطَاهَا علم إِخْرَاج ذَلِك إِلَى الْأُمِّيين بِمِقْدَار مَعْلُوم وَوزن مَعْلُوم وَفِي وَقت مَعْلُوم وَفِي مَوضِع مَعْلُوم فالعرش مقصد الْقُلُوب وَالسَّمَوَات ظلال أبدانهم وَمَوْضِع أَرْزَاقهم وتدبير أُمُورهم بِمَا فِيهَا من الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم والرياح وَالْحر وَالْبرد وَاللَّيْل وَالنَّهَار وَمَا فِي الأَرْض كلهَا سخرة لبني آدم فهم كلهم إِلَى الثرى مسخرون موكلون بِإِخْرَاج مَا وضع فيهم من الْمَنَافِع إِلَى الْآدَمِيّين وَأَعْطَاهُمْ الْعلم على قدر ذَلِك من الْحَاجة إِلَى إِخْرَاج السخرة إِلَيْهِم وَخلق الْآدَمِيّين للْخدمَة وَوضع فيهم أنواره ليخرج الْخدمَة لله من بَاطِنه فالحاجة بالآدمي إِلَى الْعلم بِاللَّه تَعَالَى حسب مَا لَهُ خلق فَانْظُر كم بَين السخرة والخدمة فالسخرة لنا والخدمة لله تَعَالَى فَلَو أَن أَحَدنَا أقيم لخدمة ملك من مُلُوك الدُّنْيَا لعظم شَأْنه وَاحْتَاجَ إِلَى علم كثير وأدب

стр. 1103

عَظِيم وكياسة وافرة حَتَّى يصلح لخدمته ولدوام الْقيام بَين يَدَيْهِ ماثلا ليله ونهاره حَتَّى لَا يضيع شَيْئا من خدمته فَكيف بِمَالك الْمُلُوك وَرب الْعِزَّة واله الْعَالمين فعلى حسب ذَلِك الَّذِي خلقنَا لَهُ أَعْطَانَا من الْعلم وأوتينا من الْعلم مَا عجزت الْمَلَائِكَة عَنهُ وَقَالَت ﴿سُبْحَانَكَ لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا﴾ فَعِنْدَ هَذَا ﴿قَالَ يَا آدم أنبئهم بِأَسْمَائِهِمْ﴾ فَنحْن خلقنَا لما لم يخلق هَؤُلَاءِ فَهَؤُلَاءِ للسخرة لنا وللوكالة لإِخْرَاج الْمَنَافِع إِلَيْنَا لنقيم عبودته بأركاننا بِقُوَّة تِلْكَ الْمَنَافِع ولنتمثل بقلوبنا بَين يَدَيْهِ على مِثَال الخدم لَا تَبْرَح قُلُوبنَا بَين يَدَيْهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ فَلَو لم تصل هَذِه الْمَنَافِع إِلَيْنَا من قبل المسخرين الموكلين بِنَا لشغلت النَّفس منا بحوائجها وضروراتها قلوبها فتزيلها عَن موَاضعهَا فَلَا تكَاد تثبت فخلق لنا مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا وسخر لنا مَا فِي السَّمَوَات فَقَالَ ﴿هُوَ الَّذِي خلق لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا﴾ وَقَالَ ﴿وسخر لكم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ﴾ فَإِذا إنقضت العبودة ذهبت السخرة وأعيد من خلق من التُّرَاب إِلَى التُّرَاب وَمن خلق من النَّار والنور رَجَعَ إِلَى معادنهما فَعندهَا يستقبلك مَنَافِع لَا تَنْقَطِع فِي دَار السَّلَام أَو مضار فِي دَار الهوان لَا تَنْقَطِع إِمَّا ملكا محبورا وَإِمَّا عبدا آبقا مَدْحُورًا فأوتي هَؤُلَاءِ علم السخرة وأوتينا علم

стр. 1104

الْخدمَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا﴾ الْآيَة فَلَمَّا نَالَ الْعلم بِاللَّه وَالْعلم بتدبير الله يسرت عَلَيْهِ الْخدمَة لِأَن هذَيْن النَّوْعَيْنِ يهديانه للْخدمَة قَالَ لَهُ قَائِل مَا الْخدمَة وَمَا علمهَا قَالَ أما الْخدمَة فالقنوت بقلبك بَين يَدَيْهِ ماثلا منتصبا كالمتشمر فِي قراطق الْخدمَة مخفا مبادرا مسارعا مركبك فِي جَمِيع أمورك وَأما علم الْخدمَة فَعلم البساطين قَالَ لَهُ قَائِل وَمَا البساطان قَالَ بِسَاط الْقُدْرَة وبساط العبودة فَإِذا طالعت بِسَاط الْقُدْرَة بعقل وافر ثمَّ طالعت بِسَاط العبودة بكياسة وحذق حَتَّى أدْركْت تَدْبيره فِي العبودة وباطن أمره وَنَهْيه وَعلل التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم لماذا أحل ولماذا حرم فبعلم بِسَاط الْقُدْرَة تملك نَفسك وبعلم بِسَاط العبودة تملك جوارحك وخواطر قَلْبك فَلم يقتض الله الْعباد شَيْئا لم يعطهم فالأشياء كلهَا من عِنْد الله كَانَ الله وَلَا شَيْء مَعَه فَبسط بِسَاط الربوبية من بَاب الْقُدْرَة وَبسط بِسَاط العبودة من بَاب العظمة ثمَّ كَانَ آخر خلقه الْإِنْسَان ابْتَدَأَ خلقه من التُّرَاب وَجمع ترابه بِالْمَاءِ فعجنه ثمَّ صوره وَركب جسده وَجعله أجوف ثمَّ وضع فِيهِ الرّوح وَالنَّفس والحياة وَالْقُوَّة وَالْعلم والمعرفة والذهن والفهم والفطنة وَالْحِفْظ وَالْعقل والكياسة وَالصَّبْر والشهوة وَالرَّحْمَة والرأفة واللطف وَالْحب والفرح وَالْغَضَب والسخط ثمَّ اقْتَضَاهُ اسْتِعْمَال ذَلِك كُله وإبرازه من بَاطِنه إِلَى ظَاهر جوارحه فَيكون اعمالا عَلَيْهَا يُثَاب ويعاقب وَفتح لعَيْنِي قلبه طَرِيقا إِلَى الْمظهر للمعاملة لتفيض مِنْهُ أرزاقه وعطاياه وَمَا يدر عَلَيْهِ من رَحمته وَمن ربوبيته وَخلق الْعَدو وَأَعْطَاهُ السَّبِيل إِلَى أجوافنا فَيجْرِي فِي عروقنا ومسكنه فِي صدورنا وَجعل جنده وَعظم قوته فِي الْهوى والهوى مثير الشَّهَوَات ودواعي الْآدَمِيّ إِلَى مكابد الْعَدو وغروره فَمن لم يُعْطه روحا

стр. 1105

أَو قُوَّة أَو علما أَو ذهنا أَو شَيْئا من هَذِه الْأَشْيَاء لم يقتضه مَا يخرج لَهُ من ذَلِك الشَّيْء كَمَا لَو أَنه لم يعطك الْقَائِمَة لم يقتضك الصَّلَاة قَائِما وَلَو لم يعطك الْقُوَّة لم يقتضك الصَّوْم وَلَو لم يعطك المَال لم يقتضك الزَّكَاة وَلَا الْحَج وَلَو لم يعطك الْكسْوَة أجزئ عَنْك الصَّلَاة عُريَانا وَلَو لم يعطك المَاء أجزئ عَنْك التَّيَمُّم فَكَذَلِك مَا فِي الْبَاطِن كل شَيْء لم يعطك لم يقتضك اسْتِعْمَاله وإبرازه عَنْك وكل شَيْء أعطاكه وَوَضعه فِيك فَإِنَّمَا أَعْطَاك لتبرزه فَيكون رَبك مَحْمُودًا على مَا وضع فِيك ناشرا فِي خلقه جماله ومحاسن فعاله وَتَكون عَلَيْهِ مثابا مكرما فَإِذا منعته إبرازك إِيَّاه فقد ظلمت نَفسك وضيعتها وضاعت عَنْك الْأَشْيَاء الَّتِي وَضعهَا فِيك فالقلب أَمِير على الْجَوَارِح وَالروح مُعَلّق بالوتين وَهُوَ عرق الْقلب والحياة فِي الرّوح وَكلما زيد من الْحَيَاة حيى الْقلب وَزَاد علمه ومعرفته وانبسط ذَلِك الْعلم فِي الصَّدْر وتميزت الْأَشْيَاء وتدبر الْعقل فِي صَدره فميز الْحسن من السَّيئ فالعلم إِلَى الذِّهْن وَالتَّدْبِير والتمييز إِلَى الْعقل فَجعل للقلب عينين وَجعل لَهما طَرِيقا إِلَى الْمظهر وَهُوَ الْعَرْش وَمد بصر قَلْبك إِلَى مظهر نور الْعلم بِاللَّه والمعرفة لله حَتَّى يرجع بَصَره إِلَى صدرك بِعلم عَزِيز وَأُمُور مُسْتَقِرَّة يعلم كنهها وكيفيتها وَوضع الشَّهَوَات فِي الْجوف ففوران الشَّهَوَات لَهَا دُخان وغيوم لِأَنَّهَا من بَاب النَّار وجالبها وناقلها الْهوى فَإِذا صَارَت إِلَى الصَّدْر صَار الصَّدْر كَيَوْم مغيم قد حَال بَين نور الشَّمْس وَبَين قَلْبك فَإلَى أَيْن تهتدي وَأي طَرِيق تسلك فِي ذَلِك الْغَيْم وَأي شَيْء تتوقى حَتَّى لَا تتردى فِيهِ مَعَ ذَلِك الدُّخان وَأي أَرض مشاكة تتجنبها حَتَّى لَا تقع فِيهَا وَأي مزبلة تحيد عَنْهَا حَتَّى لَا تتلوث فِي أقذارها فَإِذا سكنت الغيوم وَذهب الفوران وبرزت الشَّمْس فأشرقت اهتديت للطريق وتتجنب الْآفَات لِأَنَّهَا صَارَت رَأْي الْعين فَإِذا ذهبت الغيوم ورميت ببصر الْعين الَّذِي على الْفُؤَاد امْتَدَّ الْبَصَر إِلَى ذَلِك الَّذِي

стр. 1106

جعل لَك الطَّرِيق إِلَيْهِ فَجعلت ببصر عَيْنك فِي ملكوت الْعَرْش فَرجع إِلَى الْقلب بالعجائب من تِلْكَ الْمشَاهد ووقفت على تَدْبِير عَظِيم من أَمر الله تَعَالَى فِي شَأْنك فَكل حَرَكَة ظَهرت مِنْك فَإِنَّمَا يظهرها الْحَيَاة وكل حَرَكَة ظَهرت مِنْك بِغَيْر ذكرالله فقد فاتك من الْخدمَة بِقَدرِهَا وبقسطها يفقدك ذكر الله تَعَالَى إياك وَلذَلِك قَالَ ﷺ لَيْسَ يتحسر أهل الْجنَّة على شَيْء إِلَّا على سَاعَة مرت لم يذكرُوا الله فِيهَا روى ذَلِك معَاذ بن جبل ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ سِيرُوا سبق المفردون قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا المفردون قَالَ هم المتهترون بِذكر الله حط الذّكر عَنْهُم أوزارهم فَوَرَدُوا الْقِيَامَة خفافا وَعَن أبي جَعْفَر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَشد الْأَعْمَال ثَلَاثَة ذكر الله على كل حَال ومواساة الْأَخ من مَالك والإنصاف من مَالك فأدوم النَّاس على الذّكر أوفرهم للْخدمَة لَكنا لَا نقدر على مداومة الذّكر مَعَ كل طرفَة وَمَعَ كل نفس إِنَّمَا هَذَا للْمَلَائكَة الَّذين عروا من الشَّهَوَات وَنحن لَا نقدر على مَا قدرت عَلَيْهِ لِأَن آفَات الْجَسَد من الْجُوع والعطش والآلام تشغلنا وتذهلنا فَرضِي منا أَن يكون

стр. 1107

ذكره مَعَ اسْتِعْمَال كل جارحة لَا مَعَ كل حَرَكَة وَذَلِكَ الْجَوَارِح السَّبع الكواسب للخير وَالشَّر وَهِي السّمع وَالْبَصَر وَاللِّسَان وَالْيَد والقدم والبطن والفرج فَإِذا ذكرنَا مَعَ تَحْرِيك كل جارحة بِخَير فَرضِي بِهِ ذَكرْنَاهُ بِنِعْمَة تِلْكَ الْجَارِحَة علينا فَهَذَا ذكر يترقى بِهِ العَبْد دَرَجَات حَتَّى يبلغ منَازِل المقربين الَّذين يَدُوم ذكرهم على كل حَال لِأَن قُلُوبهم قد ملكتها عَظمَة الله وسبتها محبته وَأما من دونهم فَإِذا حرك جارحة من هَذِه الْجَوَارِح السَّبع بِتِلْكَ الْحَيَاة الَّتِي فِيهَا فَإِنَّمَا يحركها بِالْقَلْبِ وَالْقلب أَمِير وَذَلِكَ التحريك مِنْهُ اسْتِعْمَال لَهَا فَإِذا قصد الْخَيْر فَإِنَّمَا يقْصد ذكر الله وإياه أَرَادَ وَإِذا قصد الشَّرّ بِمَا دَعَاهُ إِلَيْهِ للهوى والشهوة فقد حاد عَن الله تَعَالَى وَاسْتعْمل إمارته فِي طَرِيق الْجور فجار على جوارحه وظلم نَفسه حَيْثُ أرادها وَأوجب لَهَا النَّار وحرمها ثَوَاب الله والحركات الَّتِي ذكرنَا أَولا الَّتِي خرجت من أَرْكَانه من غير اسْتِعْمَال لَهَا بِقَلْبِه مَعَ كل نفس وَمَعَ كل طرفَة لَا تبعة عَلَيْهِ فِيهَا لِأَنَّهَا حركات الْحَيَاة لَيْسَ فِيهَا أَمر وَلَا نهي مثل نظرة الْفجأَة لِأَن عَيْنَيْك مفتوحتان فَلَيْسَ عَلَيْك تبعة فِي وُقُوع بَصرك على الْأَشْيَاء الَّتِي ترَاهَا بِأول النظرة حَتَّى تستعمله بقلبك وَكَذَلِكَ تقلبك فِي مَقْعَدك من قبض يَد وَبسط واتكاء واحتباء وَأَشْبَاه ذَلِك هَذَا مِمَّا لَا يمْتَنع مِنْهُ الْآدَمِيّ من الحركات فَإِن ظَهرت مِنْك فِي سَاعَات تمر بك فَإِن كَانَ قَلْبك غافلا عَن الله كَانَت خدمَة قد فاتتك وثواب ضَاعَ عَنْك الْمُنعم يجْرِي عَلَيْك رزقه ويذكرك بادرار نعمه عَلَيْك وَقد ضيعت فِي ذَلِك الْوَقْت الْخدمَة فَهُوَ فِي ذكرك وَأَنت عَنهُ فِي غفلتك فَإِن لم تتبع بالتبعات لحقتك الْحَسْرَة الَّتِي قَالَ رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا يتحسر أهل الْجنَّة فِي الْموقف لَا فِي الْجنَّة لما عرضت عَلَيْهِم أَيَّام الدُّنْيَا وماذا خرج لَهُم من ذكر الله تَعَالَى

стр. 1108

أما ثَوَاب عمل الْأَركان من قُصُور الْجنَّة وَنَعِيمهَا وثواب الذّكر من فَرح الله بِالْعَبدِ وحبه لَهُ وتقريبه والبسط مِنْهُ ثمَّ نظرُوا إِلَى السَّاعَة الْأُخْرَى الَّتِي لم يذكرُوا الله فِيهَا وَقد حرمُوا ثَوَابهَا والمسخرون قد عمِلُوا أَعْمَالهم وأوصلوا مَنَافِع السخرة إِلَى هَذَا الْآدَمِيّ فَضَاعَت الْخدمَة عَن الْآدَمِيّ بِقدر مَا غَابَ عَن قلبه ذكره وَلَو طرفَة أَو لَحْظَة وَذَلِكَ مَوْضُوع عَن الْآدَمِيّ لِأَنَّهُ خلق فِي غيب وَالْمَلَائِكَة فِي جهر وكشف وعروا عَن الشَّهَوَات والآدمي مبتلى بهَا فَهُوَ نسَاء خطاء عجول فَلَمَّا خلق الله تَعَالَى خلقنَا هَكَذَا رحمنا وَعطف علينا فأعطانا فِي الْقُلُوب من الْعلم بِهِ مَا أَنبأَنَا فِي كِتَابه أَن الْمَلَائِكَة عجزت عَن ذَلِك الْعلم ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا﴾ فالملائكة يطالعون بعيون أَجْسَادهم مَا تَحت الْعَرْش وَقُلُوب الْآدَمِيّين تطالع مَا وَرَاء الْحجب من عظائم الْأُمُور الَّتِي لَا تَدور الْأَلْسِنَة بذكرها ثمَّ الآدميون على ضَرْبَيْنِ ضرب أهمل الْقلب حَتَّى خرجت الحركات مِنْهُ بِغَيْر ذكر وَلَا نِيَّة فِيمَا أذن الله لَهُ من الْأكل وَالنَّوْم وَالشرب فَهُوَ فِي ذَلِك الْوَقْت مضيع للْخدمَة بطال فتعظم حسرته وَالضَّرْب الآخر أهمل الْقلب حَتَّى خرجت حركات فِي أَمر لم يَأْذَن بِهِ الله تَعَالَى فَصَارَ ذَنبا ومعصية فَذهب العَبْد بِالرَّقَبَةِ أكل رزقه وأبق فَاجْتمع عَلَيْهِ أَمْرَانِ فَوت ذهَاب الْخدمَة وعار الْإِبَاق فَهُوَ أعظم حسرة وَأَشد عُقُوبَة فَلَمَّا علم الله تَعَالَى أَن ذَلِك نَازل بعبيده لم يؤيسهم من رَحمته بل ترك لَهُم بَابَيْنِ مفتوحين بَابا عَن الْيَمين وَهُوَ بَاب التَّوْبَة وبابا تجاهه وَهُوَ بَاب الدُّعَاء وَبسط يَده فَتَركهَا مبسوطة لمن رَجَعَ إِلَيْهِ وَبَايَعَهُ على رد الرَّقَبَة وبذل النَّفس عَن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله لَا

стр. 1109

ينَام وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن ينَام باسط يَده لمسيء النَّهَار أَن يَتُوب بِاللَّيْلِ ولمسيء اللَّيْل أَن يَتُوب بِالنَّهَارِ حجابه النَّار لَو كشفها لأحرقت سبحات وَجهه كل شَيْء أدْركهُ بَصَره فَإِذا تَابَ وَأقَام على سَوَاء الطَّرِيق أشرق لَهُ نوران نور الْحق وَنور الْعدْل فنور الْحق يمنعك عَن الْبَاطِل وَالْمَعْصِيَة وَنور الْعدْل يمسكك عَن الْميل فِي الْحق وَهُوَ أَن تكون فِي الطَّاعَة مرائيا أَو متصنعا أَو مداهنا فتذهب عَن الاسْتقَامَة وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن قوم مُوسَى أمة يهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِه يعدلُونَ﴾ فَإِذا ظَفرت بِهَذَيْنِ النورين وَكَانَا لَك فلزمتهما فَأَنت فِي كل أَمر يحدث يخرج حركاتك إِلَى الْجَوَارِح من قلب محق عدل فَهَذَا قد أكل رزقه وَقبض مَنَافِعه من المسخرين وَأدّى إِلَى الله تَعَالَى خدمته وَفِي خلال ذَلِك يسْتَغْفر للتقصير الَّذِي يتخوف مِنْهُ فَلم يبْق لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْض وَلَا للشمس وَالْقَمَر وَاللَّيْل وَالنَّهَار عَلَيْهِ تبعة وَلَا خُصُومَة وَمن كَانَ بِخِلَاف ذَلِك فَهَؤُلَاءِ كلهم خصماؤه فويل لَهُ من أرضه الَّتِي يدْفن فِيهَا مَاذَا تعْمل بِهِ وَكَيف تعصره عصرا وَكَيف تضغطه ضغطا وَمن سمائه الَّتِي يصعد بِرُوحِهِ إِلَيْهَا وَمن مَلَائِكَة الله حَيْثُ يمر بِرُوحِهِ عَلَيْهِم وَمن جَمِيع خلقه المسخرين لَهُ يَقُولُونَ قد اسْتَرَحْنَا من هَذَا العَبْد الْآبِق وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ مستريح ومستراح مِنْهُ فالمستريح من غفر لَهُ والمستراح مِنْهُ من هَؤُلَاءِ خصماؤه يَقُولُونَ أوصلنا إِلَيْك السخرة فَأَيْنَ الْخدمَة فَمن تَابَ وتطهر تولاه الله تَعَالَى

стр. 1110

واتخذه حبيبا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله يحب التوابين وَيُحب المتطهرين﴾ ثمَّ أرْضى عَنهُ خصماءه رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ يُنَادي مُنَاد يَوْم الْقِيَامَة أَلا من كَانَ لله وليا فليعتزل ثمَّ يَقُول أَنا ضَامِن لمن ادّعى قبلهم حَقًا فَهَؤُلَاءِ الَّذين ضمن لَهُم آدميون ونادى جِبْرَائِيل ﵇ بحب الله لَهُ فبرأه من تبعة أهل السخرة وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن صَلَاتكُمْ عَليّ معروضة يَوْم الْجُمُعَة فَأَكْثرُوا عَليّ الصَّلَاة فَقَالَ قَائِل كَيفَ وَقد رممت فَقَالَ إِنَّا معاشر الْأَنْبِيَاء حرم الله على الأَرْض أَجْسَادنَا أَن تأكلها أخبر عَن حَال الْأَنْبِيَاء ﵈ أَن الأَرْض تبرأت مِنْهُم وَلم تتبعهم مِمَّا أكلُوا فِيهَا لأَنهم تناولوا مَا تناولوا مِنْهَا بِالْحَقِّ وَالْعدْل يُحَقّق مَا قُلْنَا حَدِيث جَابر بن عبد الله أَن شُهَدَاء أحد لما نقلوا عَن قُبُورهم إِلَى مَوضِع آخر فِي زمن مُعَاوِيَة حَيْثُ أَرَادَ أَن يجْرِي المَاء فِي ذَلِك الْموضع أخرجُوا عَن قُبُورهم بعد نَحْو من أَرْبَعِينَ سنة رطابا حَتَّى أَصَابَت المسحاة قدم حَمْزَة ﵁ فانبعث دَمًا طريا وَقد حذر الله عَن الْميل عَن الْحق وَاتِّبَاع الْهوى قَالَ تَعَالَى يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع

стр. 1111

الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله إِن الَّذين يضلون عَن سَبِيل الله لَهُم عَذَاب شَدِيد بِمَا نسوا يَوْم الْحساب) أعلمنَا أَن نِسْيَان يَوْم الْحساب يجرئنا على اسْتِعْمَال الْهوى وَترك الحذر من الْعلم بالهوى وَأَعْلَمنَا فِي آيَة أُخْرَى أَن فِي يَوْم الْحساب إبلاء السرائر واستخراج حَاصِل الصُّدُور فَإِن قَالَ قَائِل إِن الله تَعَالَى وضع فِي علما وَمَعْرِفَة وَقُوَّة وذهنا وَغير ذَلِك من الْأَشْيَاء وَلَكِن مَنَعَنِي الْإِذْن فَبَقيَ هَذِه الْأَشْيَاء فِي غير عاملة وَلَا مستعملة فَمن حجَّة الله تَعَالَى أَن يَقُول إِنَّمَا أَعطيتك هَذِه الْأَشْيَاء ووضعتها فِي وعائك والوعاء هُوَ الْقلب وَالنَّفس فَإِذا ذهبت بقلبك ونفسك عني وَأَقْبَلت على الشَّهَوَات وَاسْتِعْمَال الْهوى فقد ذهبت بِالنَّفسِ وَبِمَا فِيهَا من هَذِه الْأَشْيَاء الْمَوْضُوعَة فِيك وَهِي نعم مني فِيك فَلَمَّا غيرت بِأَن ذهبت بِنَفْسِك انْقَطع الْإِذْن وَبقيت الْأَشْيَاء غير عاملة وَقَالَ فِي تَنْزِيله ﴿ذَلِك بِأَن الله لم يَك مغيرا نعْمَة أنعمها على قوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾ وَإِذا ذهبت بروحك وحياتك وقوتك وعلمك وذهنك وفهمك وفطنتك وحلمك وبصرك وكياستك فمازجتها بالهوى والهوى دنس قد خرج من النَّار وَمر بالشهوات فاحتملها إِلَى شهوتك الْمَوْضُوعَة فِي نَفسك فأثارها فأغبر عَلَيْك صدرك وَبقيت عينا الْفُؤَاد فِي الصَّدْر فِي ذَلِك الْغُبَار تائهة فغيرت النعم بِأَن قطعت الْإِذْن عَنْك فَإِن وقفت نَفسك بَين يَدي بِمَا فِيهَا من الْأَشْيَاء الْمَوْضُوعَة فقد بذلت نَفسك لي وصرت أَمينا من أمنائي فَأَذنت للأشياء الْمَوْضُوعَة فِيك إِذْنا عَاما لَا يحْتَاج إِلَى أَن تستأذنني فِي كل أَمر مِثَال هَذَا العَبْد الْمَحْجُور الَّذِي لم يوثق بأمانته فَإِنَّهُ يحْتَاج فِي كل تصرف إِلَى إِذن خَاص وَلَا يلْزم السَّيِّد ضَمَان مَا اسْتَدَانَ

стр. 1112

بِغَيْر إِذْنه بل تعلق رقبته فِي يَوْم الْعتْق وَالْعَبْد الَّذِي يوثق بأمانته يكون مَأْذُونا مُطلقًا تَاجِرًا أَمينا فَلَا يحْتَاج فِي كل تصرف إِلَى إِذن خَاص وكل مَا يركبه من الدُّيُون يلْزم السَّيِّد كَذَلِك عَبدِي الْمُتَّهم الَّذِي لَا يبْذل لي نَفسه أحجر عَلَيْهِ لأضبطه أما إِذا بذل لي نَفسه وتخلى من الْهوى والشهوة اجتبيته وهديته كَمَا وصف خَلِيله ﴿شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه﴾ فَهُوَ فِي قَبْضَة الله يَسْتَعْمِلهُ على مَشِيئَته ومحبته فَإِذا نطقوا فِيهِ نطقوا وَإِذا نظرُوا فبه نظرُوا وَإِذا سمعُوا فبه سمعُوا وَإِذا بطشوا فبه بطشوا وَإِذا مَشوا فبه مَشوا وَإِذا تدبروا فبه تعلقوا كَذَلِك جَاءَ عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة ﵂ عَن رَسُول الله ﷺ عَن جِبْرَائِيل صلوَات الله عَلَيْهِ عَن الله ﵎ قَالَ لَهُ قَائِل وَمَا بذل النَّفس لرَبه قَالَ أَن يتْرك جَمِيع مشيئآته لمشيئته فَإِن الله تَعَالَى خلقه لما شَاءَ لَا لما شَاءَ العَبْد ودبر لَهُ من أَمر دُنْيَاهُ مَا علم أَن صَلَاحه فِيهِ فَإِذا ترك العَبْد مَشِيئَته فَصَارَت عينا قلبه شاخصتين إِلَى مَا يبرز لَهُ من الْغَيْب فَرضِي بِهِ وَقد فوض إِلَيْهِ قبل ذَلِك أُمُور فقد بذل لَهُ نَفسه وزالت عَنهُ التُّهْمَة وَصَارَ أَمينا من أمنائه فَأذن لجَمِيع مَا وضع فِيهِ أَن يعملوا أَعْمَالهم فِي الْبَاطِن ويؤدوا إِلَيْهِ ثمراتهم فَصَارَ عبدا مَأْذُونا تَدور رحى حركاته بالقطب وَهُوَ الْإِذْن وَعند ذَلِك صَارَت مَشِيئَة ربه فِي مَشِيئَته فَمَتَى مَا شَاءَ شَيْئا أنفذه وَكَأن ذَلِك الشَّيْء الَّذِي شَاءَ العَبْد مَشِيئَة ربه فَهُوَ الَّذِي يقسم على ربه عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كم من أَشْعَث أغبر ذِي طمرين لَا يؤبه لَهُ لَو أقسم على ربه لَأَبَره

стр. 1113

فَإِن كَانَ من حجَّة العَبْد أَن يَقُول وضعت فِي الْعقل وَالْعلم وَالْقُوَّة والحياة وَلَكِن حبست عني الْإِذْن وَهَذِه الْأَشْيَاء كلهَا جنود الْقلب وَالْقلب أَمِير فَمن حجَّة الرب تَعَالَى أَن يَقُول إِنِّي وضعت هَذَا فِيك لتَكون النَّفس لي وقائمة بَين يَدي فخانت وزاغت وَلم تنظر إِلَى مشيئتي وتدبيري الَّذِي سبق خلقهَا والخائن كَالْعَبْدِ الْمَحْجُور يُطلق لَهُ الْإِذْن فِي شَيْء وَلَا يُطلق فِي شَيْء لِأَنَّهُ يفْسد وَلَا يضْبط قَالَ تَعَالَى فِي تَنْزِيله ﴿وَمَا كَانَ لنَفس أَن تَمُوت إِلَّا بِإِذن الله﴾ فالإذن للنَّفس بِمَا وضع فِيهَا فَإِن قَالَ العَبْد مخاصما فَهَل أقدر أَن أبذل نَفسِي وأترك مشيئتي إِلَّا بِمَا تُعْطِينِي فَإنَّك وضعت فِي الشَّهَوَات وَإِنَّمَا زاغت بِي حلاوة شهواتي وَقُوَّة هواني فَمن حجَّة الرب تَعَالَى أَن يَقُول أَعطيتك حلاوة معرفتي وَقُوَّة الْحَيَاة بِي وقائمة من عِنْدِي وتعلقا بحبلي فَهَلا جررت حلاوة شهواتك إِلَى حلاوة معرفتي بِقُوَّة تِلْكَ الْحَيَاة وبثبات تِلْكَ الْقَائِمَة ورسوخ قدمك فِي الْقَائِمَة حَتَّى تنغمر حلاوة شهواتك فِي حلاوة معرفتي وتعلقك بحبلي حَتَّى لَا يقدر الْهوى أَن يمد بك فههنا تَنْقَطِع الْحجَّة وتتحير العبيد فالمؤمنون من الله عَلَيْهِم فِي السّير بمشيئته وَلَيْسَ لأحد فِي الْمَشِيئَة مُنَازعَة أَن يَقُول لم شِئْت لفُلَان وَلم تشأ لي وَكَذَلِكَ الْمحبَّة فخلق الله الْخلق فِي ظلمَة ثمَّ رش عَلَيْهِم من نوره فَلَمَّا أصَاب من أصَاب بمشيئته وَأَخْطَأ من أَخطَأ بمشيئته فقد علم من يُصِيبهُ مِمَّن يخطئه فَلَمَّا أبرز السُّلْطَان النَّفر الَّذين لم ينالوا من ذَلِك الرش شَيْئا فتباعدوا فَلَمَّا خَرجُوا من صلب آدم عَلَيْهِ السَّلَام

стр. 1114

خَرجُوا سُودًا عميا عَن الله فأقروا بِهِ كرها على وَجه التقية وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَله أسلم من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها﴾ كَذَلِك هَؤُلَاءِ الموحدون أَعْطَاهُم كلهم آلَات الطَّاعَة فِي الْبَاطِن من الْعلم والذهن وَالْعقل ثمَّ لم يعطهم مَا بِهِ يبذلون أنفسهم لَهُ حَتَّى لَا يشاءون شَيْئا إِلَّا مَا شَاءَ الله من أجل الشَّهَوَات الَّتِي ركبت فيهم لِأَن للشهوات حلاوة وَإِنَّمَا أعطي ذَلِك من يذل نَفسه لله وَقطع عَن نَفسه حب الشَّهَوَات مُجَاهدًا لنَفسِهِ مُحَاربًا لهواه مَادًّا بِقَلْبِه إِلَى ربه ضرعا باكيا تجْرِي دُمُوعه على خديه فَمرَّة يجثو وَمرَّة ينْتَصب وَمرَّة يضع خَدّه بِالْأَرْضِ وَمرَّة يَدْعُو وَمرَّة يتملق حَتَّى رَحمَه ربه واطلع على صدق بذله فَمن عَلَيْهِ بذلك الْحبّ الَّذِي هُوَ أصل الْحبّ عِنْده فأحياه بذلك وأذاقه من حلاوته مَا جرف كل حلاوة فِي نَفسه كالسيل الَّذِي يَجِيء فَيجْرِي بالكناسات وَمَا فِيهَا وبالمزابل بِمَا فِيهَا من الأقذار وَالْمَيتَات فَصَارَت بقاعا طَاهِرَة فَكَذَلِك صدر هَذَا العَبْد بِمَا نَالَ من هَذَا الْحبّ فَذَهَبت مشيئآته بحب خالقه فَصَارَ مَأْذُونا بِجَمِيعِ مَا فِيهِ من الْأَشْيَاء الْمَوْضُوعَة فِيهِ حَتَّى أينعت ثمراتها ونورت عمالاتها على الْجَوَارِح ثمَّ صيره فِي أَحْوَال الدُّنْيَا مقسمًا على ربه فِي ملكه قَالَ الله تَعَالَى ﴿أهم يقسمون رَحْمَة رَبك نَحن قسمنا بَينهم معيشتهم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ فرتب لتارك الْمَشِيئَة مرتبَة الْقِسْمَة أَن يتَنَاوَل من ملكه حَاجته من خَزَائِن تِلْكَ الْحَاجة بِقَلْبِه ثمَّ يرفعهُ إِلَى ربه متمسكا ينْتَظر مَشِيئَته فَيجْعَل الرب مَشِيئَته فِي مَشِيئَة عَبده فَذَلِك قَول رَسُول الله ﷺ لَو أقسم على الله لأبر قسمه

стр. 1115

فإقسامه أَن يَأْخُذ العَبْد من الْقِسْمَة بمشيئته فيمضي أَخذه وإقسامه فَهَذَا الْحبّ بمشيئته يُعْطي ويمن لَيْسَ لأحد أَن يَقُول لم شِئْت لَهُ وَلم تشأ لي وَلم أحببته وَلم تحبني عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله تَعَالَى إِذا أحب عبدا قَالَ يَا جِبْرَائِيل إِنِّي أحب فلَانا فَأَحبهُ فَيُحِبهُ جِبْرَائِيل ﵇ فَيُوضَع لَهُ الْقبُول فِي الأَرْض فالعلم بِاللَّه يؤدبك فِي باطنك وَالْعلم بتدبير الله يؤدبك فِي ظاهرك قَالَ لَهُ قَائِل كَيفَ يؤدبه فِي الْبَاطِن قَالَ يَجْعَل ذَلِك الْعلم مراقبا لله فيقف بِهِ على حُدُود المراقبة فِي الْأُمُور كلهَا ويورثه الْحيَاء مِنْهُ وَيقف بِهِ على مهابة أسرار الله ويرضي نَفسه رضَا فِي أثقال الْأَعْمَال حَتَّى يُؤَدِّيه إِلَى التَّعَلُّق بِهِ فِي كل الْأَحْوَال قَالَ فَكيف يؤدبه علم التَّدْبِير فِي ظَاهره قَالَ إِذا علم التَّدْبِير تصور لَهُ صور الْأَعْمَال فَرَأى مَرَاتِب الْأَعْمَال عِنْد الله فَالصَّلَاة إقبال العَبْد على الله وَالزَّكَاة فرار من شرك النَّفس وَالصَّوْم وثاق النَّفس ورباطها لله وَالْجهَاد حمية وتعصب لله وَالْحج وَفَاء الْبيعَة الأولى وتجديد بيعَة أُخْرَى وَالْجُمُعَة قبُول ضِيَافَة الله وَتَنَاول جوائزه والأعياد اعْتِرَاض العبيد على الله ومجالس الذّكر تملق العبيد لله ومرتع فِي رياض الله ومؤآخاة الْمُؤمنِينَ ومعاطاتهم مرمة عَسْكَر الله وَالدُّعَاء إِلَى الله نصيحة الله وَالرَّغْبَة إِلَى الله افتقار العَبْد إِلَى الله فَانْظُر إِلَى مَا نطق بِهِ التَّنْزِيل وَإِلَى مَا جَاءَت بِهِ الْأَخْبَار عَن الرَّسُول ﵇ من ثَوَاب

стр. 1116

هَذِه الْأَشْيَاء وَحسن الْجَزَاء هَل يشبه بعضه بَعْضًا فَإِذا نظرت إِلَى ذَلِك علمت أَن بَينهُنَّ تَفَاوتا وَإِنَّمَا اخْتلفت مثوباتها لاخْتِلَاف صورها وَمن التَّدْبِير خرجت الصُّور فَمن عرف هَذِه الصُّور من الْأَعْمَال فَإِنَّمَا يعرفهَا بِالْعلمِ بتدبير الله تَعَالَى فعلى حِسَاب ذَلِك يُقيم حرمتهَا ويضعها موَاضعهَا أَلا يرى أَن رَسُول الله ﷺ كَيفَ كَانَ إِذا صلى يُعْطي كل عُضْو مِنْهُ حَقه من الصَّلَاة وَلذَلِك قَالَ عمر ﵁ أعْطوا مرافقكم حظها من السُّجُود مَعْنَاهُ أَن لَا يبسط ذراعيها فَيبْطل حظها من السُّجُود وَقَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ لِأَن يرضى إبهامي رضَا أحب إِلَيّ من أَن أستقبل بهما غير الْقبْلَة إِذا وضعت كفي بِالْأَرْضِ فِي حَال السُّجُود وَكَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا صلى الْفَرِيضَة لم يصل فِي مَكَانَهُ شَيْئا من التَّطَوُّع إِقَامَة لحُرْمَة الْفَرِيضَة وَكَانَ إِذا تطوع تياسر وَيَأْمُر بذلك وَلَا يتيامن إِقَامَة لحُرْمَة الْيَمين وَكَانَ إِذا صلى إِلَى عَمُود أَو سَارِيَة أَو عصى جعله على حَاجِبه الْأَيْسَر وَلم يَجعله نصب عَيْنَيْهِ إِقَامَة لحُرْمَة القبالة وَكَانَ عَليّ ﵁ إِذا سلم خفض تسليمته الْأُخْرَى قَلِيلا من التسليمة الأولى لحُرْمَة كَاتب الْيَمين وَأَشْبَاه ذَلِك مَحْفُوظَة عِنْدهم

стр. 1117

- الأَصْل الثَّامِن وَالسِّتُّونَ والمائتان - فِي سر رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ نضر الله امْرأ سمع منا حَدِيثا فَبَلغهُ كَمَا سمع منا فَإِنَّهُ رب مبلغ هُوَ أوعى لَهُ من سامع عَن زيد بن ثَابت ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول نضر الله امْرأ سمع منا حَدِيثا فَبَلغهُ غَيره فَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ وَرب حَامِل فقه غير فَقِيه عَن جُبَير بن مطعم ﵁ قَالَ قَامَ رَسُول الله ﷺ بالحيف من منى فَقَالَ نضر الله عبدا سمع مَقَالَتي فوعاها ثمَّ أَدَّاهَا إِلَى من لم يسْمعهَا فَرب حَامِل فقه لافقه لَهُ وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ

стр. 1118

قَالَ أَبُو عبد الله اقْتضى الْعلمَاء الْأَدَاء وتبليغ الْعلم فَلَو كَانَ اللَّازِم لَهُم أَن يؤدوا تِلْكَ الْأَلْفَاظ الَّتِي بلغت أسماعهم باعيانها بِلَا زِيَادَة وَلَا نُقْصَان وَلَا تَقْدِيم وَلَا تَأْخِير لكانوا يستودعونها الصُّحُف كَمَا فعل رَسُول الله ﷺ بِالْقُرْآنِ فَكَانَ إِذا انْزِلْ الْوَحْي دَعَا الْكَاتِب فَكَتبهُ مَعَ مَا توكل الله لَهُ بجمعه وقرآنه فَقَالَ ﴿إِن علينا جمعه وقرآنه﴾ وَقَالَ ﴿وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ فَكَانَ الْوَحْي محروسا مَعَ الحرس يَكْتُبهُ رَسُول الله ﷺ وَلَو كَانَت هَذِه الْأَحَادِيث سَبِيلهَا هَكَذَا لكتبها أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَهَل جَاءَنَا عَن أحد مِنْهُم أَنه فعل ذَلِك وَجَاء عَن عبد الله بن عمر ﵄ أَنه اسْتَأْذن رَسُول الله ﷺ فِي صحيفَة فَأذن لَهُ وَأما سَائِر الْأَخْبَار فانهم تلقنوها مِنْهُ حفظا وأدوها حفظا فَكَانُوا يقدمُونَ ويؤخرون وتختلف أَلْفَاظ الرِّوَايَة فِيمَا لَا يتَغَيَّر مَعْنَاهُ فَلَا يُنكر ذَلِك مِنْهُم وَلَا يرَوْنَ بذلك بَأْسا وَرُوِيَ أَنه لما قَالَ رَسُول الله ﷺ من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار

стр. 1119

أمسك أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ عَن الرِّوَايَة مَخَافَة تغير الْأَلْفَاظ ثمَّ سَأَلُوهُ عَن ذَلِك فهداهم السَّبِيل وأوضح لَهُم الطَّرِيق عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الرجل يحدث بِالْحَدِيثِ فَيقدم وَيُؤَخر وَيزِيد وَينْقص قَالَ إِذا أصَاب الْمَعْنى فَلَا بَأْس عَن عبد الله بن أكمية ﵁ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُول الله إِنَّا نسْمع الحَدِيث فَلَا نؤديه كَمَا سمعنَا قَالَ مَا لم تحرموا حَلَالا وَلَا تحللوا حَرَامًا وأصبتم الْمَعْنى فَلَا بَأْس عَن مَكْحُول قَالَ خرجنَا إِلَى وَاثِلَة بن الْأَسْقَع فَقُلْنَا يَا أَبَا الْأَسْقَع حَدثنَا بِحَدِيث غض لَا تقدم فِيهِ وَلَا تُؤخر حَتَّى كأنا نَسْمَعهُ من رَسُول الله ﷺ قَالَ فَغَضب الشَّيْخ وَكَانَ شَيخا كَبِيرا فَقَالَ أجلسوني فأجلس فَقَالَ أما مِنْكُم أحد قَامَ فِي لَيْلَة بِشَيْء من الْقُرْآن قُلْنَا مَا منا إِلَّا من قَامَ بِمَا رزق الله تَعَالَى قَالَ فَكَأَن أحدكُم حَالفا بِاللَّه مَا قدم حرفا من كتاب الله وَلَا أَخّرهُ إِنَّا كُنَّا أمسكنا عَن الحَدِيث على عهد رَسُول الله ﷺ حَتَّى سمعناه يَقُول إِنَّه لَا بَأْس بِالْحَدِيثِ قدمت فِيهِ أَو أخرت إِذا أصبت مَعْنَاهُ ثمَّ لما تداولت هَذِه الْأَحَادِيث طَبَقَات الْقُرُون واشتبهت عَلَيْهِم أصُول الْعلم وَهِي الْحِكْمَة وافتقدوا غور الْأُمُور كثر التَّخْلِيط بِحَال الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان والتقديم وَالتَّأْخِير فالحكماء ميزوا رِوَايَة الروَاة صحيحها من سقيمها قَالَ لَهُ قَائِل مثل مَاذَا قَالَ مثل مَا رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله

стр. 1120

عَنهُ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ أَتَاكُم أهل الْيمن أَلين قلوبا وأرق أَفْئِدَة فميزت الْحُكَمَاء بَين اللَّفْظَيْنِ وحكموا لكل وَاحِد بِالصَّوَابِ وَذَلِكَ أَن الْقلب هُوَ الْبضْعَة الْبَاطِنَة والفؤاد الْبضْعَة الظَّاهِرَة الَّتِي فِيهَا العينان والأذنان والنور فِي الْقلب ويتأدى إِلَى الْفُؤَاد فالرؤية للفؤاد والتقلب للقلب وَلذَلِك سمي قلبا وَالله تَعَالَى يقلبه وَفِي الدُّعَاء يَا مُقَلِّب الْقُلُوب ثَبت قلبِي وَقَالَ ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾ وَلَكِن أصل التقليب للقلب وَإِن نَالَ الْفُؤَاد مِنْهُ حظا وَلذَلِك لم يسم قلبا وَسمي فؤادا وَنسب الرُّؤْيَة إِلَى الْفُؤَاد فَقَالَ ﴿مَا كذب الْفُؤَاد مَا رأى﴾ لِأَن الْعَينَيْنِ على الْفُؤَاد يُقَال هَذَا خبز فئيد لخبز مِلَّة لِأَن لَهُ ظَاهرا وَبَاطنا وَظَاهره مفشي عَلَيْهِ فاللين للقلب والرقة للفؤاد لِأَنَّهُ إِذا دخل النُّور الْقلب بِالرَّحْمَةِ دخل فرطب الْقلب بِالرَّحْمَةِ ولان ثمَّ لَا يزَال ذَلِك النُّور يعْمل فِي ذَلِك الْقلب بحره وحريقه حَتَّى يرقق هَذِه الْبضْعَة الطاهرة لذوب تِلْكَ اللحمة فَمن زيد فِي نور قلبه كَانَ أرق لفؤاده لذوب تِلْكَ الْبضْعَة من فُؤَاده واللين من قلبه لرطوبة الرَّحْمَة فَإِنَّمَا وصف أهل الْيمن بذلك وَأخْبر بحظهم من الله فَمن لم يصل إِلَى معرفَة هَذَا الَّذِي وَصفنَا وَكَانَت رِوَايَته حفظا اشْتبهَ عَلَيْهِ الْأَمر فَمرَّة يَقُول أَلين قلوبا أرق أَفْئِدَة

стр. 1121

وَمرَّة يَقُول أَلين أَفْئِدَة وأرق قلوبا فَقلب الْمَعْنى واستحال الْكَلَام وَلم يكن عِنْده تَمْيِيز الْحُكَمَاء وَمثل قَوْله فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ الْبكر تستأذن وَالثَّيِّب تستأمر فروى ابْن الْمُبَارك ﵁ عَن عَليّ بن الْمُبَارك ﵁ بِهَذَا اللَّفْظ وروى وَكِيع عَن عَليّ بن الْمُبَارك الْبكر تستأمر وَالثَّيِّب تستأذن فَالَّذِي فقه هَذَا ميز الصَّوَاب من الْخَطَأ فَقَالَ الْبكر تستأذن أَلا ترى أَنه قَالَ إِذْنهَا صماتها وَالثَّيِّب تستأمر حَتَّى تَتَكَلَّم وتأمر فَإِنَّهَا لَا تستحيي فَمن روى أَن الْبكر تستأمر فقد أحَال لِأَن الاستئمار لمن ينْطق بِالْأَمر والاستئذان لمن سُكُوته إِذن فَهُوَ الْبكر فَمن أَرَادَ أَن يُؤَدِّي إِلَى من بعده حَدِيثا قد سَمعه جَازَ لَهُ أَن يُغير لَفظه مَا لم يتَغَيَّر الْمَعْنى وَجَاز لَهُ أَن يَقُول أَخْبرنِي وحَدثني وَكَذَلِكَ إِذا كتب إِلَيْهِ من بَلْدَة أُخْرَى جَازَ أَن يَقُول أَخْبرنِي وحَدثني فَإِن الْخَبَر يكون شفاها وَيكون بِكِتَاب وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي تَنْزِيله ﴿من أَنْبَأَك هَذَا قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيم الْخَبِير﴾ فَإِنَّمَا صَار نبأ وخبرا بوصول علم ذَلِك إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ يجوز أَن يَقُول حَدثنِي بِأَنَّهُ قد حدث إِلَيْهِ الْخَبَر فَسَوَاء حدث شفاها أَو بِكِتَاب وَكَذَلِكَ إِذا نَاوَلَهُ كِتَابه فَقَالَ هَذَا حَدِيثي لَك وَهَذَا خبري إياك فَحدث عني

стр. 1122

وَأخْبر عني جَازَ لَهُ أَن يَقُول حَدثنِي وَأَخْبرنِي وَكَانَ صَادِقا فِي قَوْله لِأَنَّهُ قد أحدث إِلَيْهِ وَأخْبرهُ فَلَيْسَ للممتنع أَن يمْتَنع من هَذَا تورعا ويتفقد الْأَلْفَاظ مستقصيا فِي تحري الصدْق يتَوَهَّم أَن تَرْجَمَة قَوْله أَخْبرنِي وحَدثني لَفظه بالشفتين وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِك فاللفظ لفظ وَالْكَلَام كَلَام وَالْقَوْل قَول والْحَدِيث حَدِيث وَالْخَبَر خبر فَالْقَوْل تَرْجِيع الصَّوْت وَالْكَلَام كلم الْقلب بمعاني الْحُرُوف وَالْخَبَر إِلْقَاء الْمَعْنى إِلَيْك فَسَوَاء أَلْقَاهُ إِلَيْك لفظا أَو كتابا وَقد سمى الله الْقُرْآن فِي تَنْزِيله حَدِيثا حدث بِهِ الْعباد وخاطبهم بِهِ وسمى الَّذِي تحدث فِي الْمَنَام حَدِيثا فَقَالَ ﴿ولنعلمه من تَأْوِيل الْأَحَادِيث﴾

стр. 1123

- الأَصْل التَّاسِع وَالسِّتُّونَ والمائتان - فِي فضل الْفَاتِحَة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الله قَالَ قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ نصفهَا لي وَنِصْفهَا لعبدي يَقُول العَبْد ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ يَقُول الله تَعَالَى حمدني عَبدِي يَقُول العَبْد ﴿الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ يَقُول الله تَعَالَى أثنى عَليّ عَبدِي يَقُول العَبْد ﴿مَالك يَوْم الدّين﴾ يَقُول الله تَعَالَى مجدني عَبدِي يَقُول العَبْد ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ يَقُول الله تَعَالَى هَذِه بيني وَبَين عَبدِي قَالَ يَقُول ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم﴾ إِلَى آخر السُّورَة يَقُول الله تَعَالَى هَذَا لعبدي ولعبدي مَا سَأَلَ قَالَ أَبُو عبد الله قَوْله قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ فَالصَّلَاة تصلية الْمَرْء بَين يَدي ربه لينال من سبحات وَجهه الْكَرِيم لِأَن العَبْد إِذا وقف بَين يَدي ربه مُصَليا أقبل على الله بِوَجْهِهِ الَّذِي هُوَ مَكَارِم

стр. 1124

بدنه ثمَّ وضع وَجهه بمكارمه على الأَرْض تذللا وتواضعا لوجهه الْكَرِيم وَلذَلِك قَالَ دَاوُد وَغَيره من الْأَنْبِيَاء ﵈ سجد وَجْهي لوجهه الْكَرِيم وَكَانَ من جَزَاء الله لَهُ أَن أقبل عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ فالمصلي هُوَ كالمصطلي بِنَار يقف على النَّار حَتَّى يدفئ جسده من حر النَّار فَأمر الْعباد أَن يقفوا بَين يَدَيْهِ بالإقبال عَلَيْهِ قلبا وبدنا فَيقبل عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ الْكَرِيم فينالهم من سبحات وَجهه مَا يحيي قُلُوبهم من موت الشَّهَوَات ويطهر جوارحهم من أدناس الذُّنُوب فَسمى ذَلِك الْوُقُوف صَلَاة مشتقا من الصلى فَإِذا وقف العَبْد فَمن أدب الْوُقُوف أَن يترضى ربه بالثناء عَلَيْهِ فيذكر مدائحه وصنائعه ثمَّ يسْأَل حَاجته وَكَانَت لمُحَمد ﷺ ولأمته حظوظ مخزونة عِنْد الله فِي سره وغيبه لَيست لأحد من ولد آدم ﵇ وَلَو أبرزها لمدت الرُّسُل والأمم عينهَا إِلَى تِلْكَ الحظوظ وَظَهَرت الْخُصُومَة وَكَانُوا يَقُولُونَ فِي أنفسهم نَحن عبيدك من طِينَة وَاحِدَة فَمَا هَذِه الحظوظ لَهُم دُوننَا وتحيرت الْمَلَائِكَة فِي شَأْن هَذِه الْأمة فَأسر هَذِه الحظوظ فِي غيبه وَأَلْقَاهَا إِلَى الدُّعَاء ليُخَيل إِلَى الْجَمِيع أَنهم إِنَّمَا نالوها من الدُّعَاء وَفتح لَهُم من بَاب الدُّعَاء مَا لم يفتح لأحد من الْأُمَم وَنزل ﴿وَقَالَ ربكُم ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَعْطَيْت أمتِي مَا لم يُعْط إِلَّا الْأَنْبِيَاء كَانَ الله تَعَالَى إِذا بعث نَبيا قَالَ لَهُ مَا جعل عَلَيْك فِي الدّين من حرج وَقَالَ لهَذِهِ الْأمة ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ وَكَانَ الله إِذا بعث نَبيا جعله شَهِيدا على قومه وَجعل هَذِه الْأمة شُهَدَاء على النَّاس

стр. 1125

وَكَانَ خَالِد الربعِي يَقُول عجبت لهَذِهِ الْآيَة ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ أَمرهم بِالدُّعَاءِ وَوَعدهمْ الْإِجَابَة وَلَيْسَ بَينهمَا شَرط قَالَ لَهُ قَائِل مثل مَاذَا قَالَ مثل قَوْله ﴿وَبشر الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ فههنا شَرط وَقَوله ﴿بشر الَّذين آمنُوا أَن لَهُم قدم صدق عِنْد رَبهم﴾ لَيْسَ فِيهِ شَرط الْعَمَل وَمثل قَوْله ﴿ادعوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ فههنا شَرط وَقَوله ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ لَيْسَ فِيهِ شَرط وَكَانَت الْأُمَم تفزع إِلَى أنبيائها فِي حوائجهم حَتَّى يسْأَل الْأَنْبِيَاء لَهُم ذَلِك وَرُوِيَ عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ أوحى الله إِلَى عَبده الْمَسِيح أَن قل لبني إِسْرَائِيل إِنِّي لَا أستجيب لأحد مِنْهُم دَعْوَة ولأحد مِنْهُم قبله مظْلمَة وَقَالَ فِي حَدِيث آخر يَا عِيسَى قل لبني إِسْرَائِيل أَن لَا يمدوا أَيْديهم بالرغبة إِلَيّ حَتَّى يبرأوا من أنجاس الذُّنُوب وَقَالَ فِي حَدِيث لمُوسَى ﵇ لَو دَعَاني حَتَّى تَنْقَطِع أوصاله مَا استجبت لَهُ حَتَّى تخرج الذُّنُوب من بَين أَعْضَائِهِ فَإِنَّمَا خص الله هَذِه الْأمة من بَين الْأُمَم بِمَا أطلق لَهُم من الدُّعَاء وَرفع الشَّرْط الَّذِي كَانَ مِنْهُ على بني إِسْرَائِيل ليصل إِلَيْهِم تِلْكَ الحظوظ الَّتِي سبقت لَهُم من الله الْحسنى من قبل دُعَائِهِمْ فَأَعْطَاهُمْ من الْيَقِين مَا نفذ
следующие страницы →