Полный текст (1 237 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
وَمرَّة يَقُول أَلين أَفْئِدَة وأرق قلوبا فَقلب الْمَعْنى واستحال الْكَلَام وَلم يكن عِنْده تَمْيِيز الْحُكَمَاء
وَمثل قَوْله فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ الْبكر تستأذن وَالثَّيِّب تستأمر
فروى ابْن الْمُبَارك ﵁ عَن عَليّ بن الْمُبَارك ﵁ بِهَذَا اللَّفْظ وروى وَكِيع عَن عَليّ بن الْمُبَارك الْبكر تستأمر وَالثَّيِّب تستأذن
فَالَّذِي فقه هَذَا ميز الصَّوَاب من الْخَطَأ فَقَالَ الْبكر تستأذن أَلا ترى أَنه قَالَ إِذْنهَا صماتها وَالثَّيِّب تستأمر حَتَّى تَتَكَلَّم وتأمر فَإِنَّهَا لَا تستحيي فَمن روى أَن الْبكر تستأمر فقد أحَال لِأَن الاستئمار لمن ينْطق بِالْأَمر والاستئذان لمن سُكُوته إِذن فَهُوَ الْبكر فَمن أَرَادَ أَن يُؤَدِّي إِلَى من بعده حَدِيثا قد سَمعه جَازَ لَهُ أَن يُغير لَفظه مَا لم يتَغَيَّر الْمَعْنى وَجَاز لَهُ أَن يَقُول أَخْبرنِي وحَدثني وَكَذَلِكَ إِذا كتب إِلَيْهِ من بَلْدَة أُخْرَى جَازَ أَن يَقُول أَخْبرنِي وحَدثني فَإِن الْخَبَر يكون شفاها وَيكون بِكِتَاب وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي تَنْزِيله ﴿من أَنْبَأَك هَذَا قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيم الْخَبِير﴾
فَإِنَّمَا صَار نبأ وخبرا بوصول علم ذَلِك إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ يجوز أَن يَقُول حَدثنِي بِأَنَّهُ قد حدث إِلَيْهِ الْخَبَر فَسَوَاء حدث شفاها أَو بِكِتَاب وَكَذَلِكَ إِذا نَاوَلَهُ كِتَابه فَقَالَ هَذَا حَدِيثي لَك وَهَذَا خبري إياك فَحدث عني
стр. 1122
وَأخْبر عني جَازَ لَهُ أَن يَقُول حَدثنِي وَأَخْبرنِي وَكَانَ صَادِقا فِي قَوْله لِأَنَّهُ قد أحدث إِلَيْهِ وَأخْبرهُ فَلَيْسَ للممتنع أَن يمْتَنع من هَذَا تورعا ويتفقد الْأَلْفَاظ مستقصيا فِي تحري الصدْق يتَوَهَّم أَن تَرْجَمَة قَوْله أَخْبرنِي وحَدثني لَفظه بالشفتين وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِك فاللفظ لفظ وَالْكَلَام كَلَام وَالْقَوْل قَول والْحَدِيث حَدِيث وَالْخَبَر خبر فَالْقَوْل تَرْجِيع الصَّوْت وَالْكَلَام كلم الْقلب بمعاني الْحُرُوف وَالْخَبَر إِلْقَاء الْمَعْنى إِلَيْك فَسَوَاء أَلْقَاهُ إِلَيْك لفظا أَو كتابا وَقد سمى الله الْقُرْآن فِي تَنْزِيله حَدِيثا حدث بِهِ الْعباد وخاطبهم بِهِ وسمى الَّذِي تحدث فِي الْمَنَام حَدِيثا فَقَالَ ﴿ولنعلمه من تَأْوِيل الْأَحَادِيث﴾
стр. 1123
- الأَصْل التَّاسِع وَالسِّتُّونَ والمائتان
-
فِي فضل الْفَاتِحَة
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الله قَالَ قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ نصفهَا لي وَنِصْفهَا لعبدي يَقُول العَبْد ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ يَقُول الله تَعَالَى حمدني عَبدِي يَقُول العَبْد ﴿الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ يَقُول الله تَعَالَى أثنى عَليّ عَبدِي يَقُول العَبْد ﴿مَالك يَوْم الدّين﴾ يَقُول الله تَعَالَى مجدني عَبدِي يَقُول العَبْد ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ يَقُول الله تَعَالَى هَذِه بيني وَبَين عَبدِي قَالَ يَقُول ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم﴾ إِلَى آخر السُّورَة يَقُول الله تَعَالَى هَذَا لعبدي ولعبدي مَا سَأَلَ
قَالَ أَبُو عبد الله قَوْله قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ فَالصَّلَاة تصلية الْمَرْء بَين يَدي ربه لينال من سبحات وَجهه الْكَرِيم لِأَن العَبْد إِذا وقف بَين يَدي ربه مُصَليا أقبل على الله بِوَجْهِهِ الَّذِي هُوَ مَكَارِم
стр. 1124
بدنه ثمَّ وضع وَجهه بمكارمه على الأَرْض تذللا وتواضعا لوجهه الْكَرِيم وَلذَلِك قَالَ دَاوُد وَغَيره من الْأَنْبِيَاء ﵈ سجد وَجْهي لوجهه الْكَرِيم وَكَانَ من جَزَاء الله لَهُ أَن أقبل عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ فالمصلي هُوَ كالمصطلي بِنَار يقف على النَّار حَتَّى يدفئ جسده من حر النَّار فَأمر الْعباد أَن يقفوا بَين يَدَيْهِ بالإقبال عَلَيْهِ قلبا وبدنا فَيقبل عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ الْكَرِيم فينالهم من سبحات وَجهه مَا يحيي قُلُوبهم من موت الشَّهَوَات ويطهر جوارحهم من أدناس الذُّنُوب فَسمى ذَلِك الْوُقُوف صَلَاة مشتقا من الصلى
فَإِذا وقف العَبْد فَمن أدب الْوُقُوف أَن يترضى ربه بالثناء عَلَيْهِ فيذكر مدائحه وصنائعه ثمَّ يسْأَل حَاجته وَكَانَت لمُحَمد ﷺ ولأمته حظوظ مخزونة عِنْد الله فِي سره وغيبه لَيست لأحد من ولد آدم ﵇ وَلَو أبرزها لمدت الرُّسُل والأمم عينهَا إِلَى تِلْكَ الحظوظ وَظَهَرت الْخُصُومَة وَكَانُوا يَقُولُونَ فِي أنفسهم نَحن عبيدك من طِينَة وَاحِدَة فَمَا هَذِه الحظوظ لَهُم دُوننَا وتحيرت الْمَلَائِكَة فِي شَأْن هَذِه الْأمة فَأسر هَذِه الحظوظ فِي غيبه وَأَلْقَاهَا إِلَى الدُّعَاء ليُخَيل إِلَى الْجَمِيع أَنهم إِنَّمَا نالوها من الدُّعَاء وَفتح لَهُم من بَاب الدُّعَاء مَا لم يفتح لأحد من الْأُمَم وَنزل ﴿وَقَالَ ربكُم ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَعْطَيْت أمتِي مَا لم يُعْط إِلَّا الْأَنْبِيَاء كَانَ الله تَعَالَى إِذا بعث نَبيا قَالَ لَهُ مَا جعل عَلَيْك فِي الدّين من حرج وَقَالَ لهَذِهِ الْأمة ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾
وَكَانَ الله إِذا بعث نَبيا جعله شَهِيدا على قومه وَجعل هَذِه الْأمة شُهَدَاء على النَّاس
стр. 1125
وَكَانَ خَالِد الربعِي يَقُول عجبت لهَذِهِ الْآيَة ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ أَمرهم بِالدُّعَاءِ وَوَعدهمْ الْإِجَابَة وَلَيْسَ بَينهمَا شَرط قَالَ لَهُ قَائِل مثل مَاذَا قَالَ مثل قَوْله ﴿وَبشر الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ فههنا شَرط وَقَوله ﴿بشر الَّذين آمنُوا أَن لَهُم قدم صدق عِنْد رَبهم﴾ لَيْسَ فِيهِ شَرط الْعَمَل وَمثل قَوْله ﴿ادعوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ فههنا شَرط وَقَوله ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ لَيْسَ فِيهِ شَرط وَكَانَت الْأُمَم تفزع إِلَى أنبيائها فِي حوائجهم حَتَّى يسْأَل الْأَنْبِيَاء لَهُم ذَلِك
وَرُوِيَ عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ أوحى الله إِلَى عَبده الْمَسِيح أَن قل لبني إِسْرَائِيل إِنِّي لَا أستجيب لأحد مِنْهُم دَعْوَة ولأحد مِنْهُم قبله مظْلمَة
وَقَالَ فِي حَدِيث آخر يَا عِيسَى قل لبني إِسْرَائِيل أَن لَا يمدوا أَيْديهم بالرغبة إِلَيّ حَتَّى يبرأوا من أنجاس الذُّنُوب
وَقَالَ فِي حَدِيث لمُوسَى ﵇ لَو دَعَاني حَتَّى تَنْقَطِع أوصاله مَا استجبت لَهُ حَتَّى تخرج الذُّنُوب من بَين أَعْضَائِهِ
فَإِنَّمَا خص الله هَذِه الْأمة من بَين الْأُمَم بِمَا أطلق لَهُم من الدُّعَاء وَرفع الشَّرْط الَّذِي كَانَ مِنْهُ على بني إِسْرَائِيل ليصل إِلَيْهِم تِلْكَ الحظوظ الَّتِي سبقت لَهُم من الله الْحسنى من قبل دُعَائِهِمْ فَأَعْطَاهُمْ من الْيَقِين مَا نفذ
стр. 1126
بقلوبهم إِلَى مَحل الْإِجَابَة والإجابة هِيَ جوبة الدُّعَاء أَن ينجاب لَهُم عَن الْحجاب دعاؤهم بِنور الْيَقِين الَّذِي فضلوا بِهِ
وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ أَعْطَيْت أمتِي من الْيَقِين مَا لم يُعْط أمة وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله وَاسع عليم﴾ أَي وَاسع لمن أعطي عليم بِمن هُوَ أهل لذَلِك يخْتَص برحمته من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم)
فالاستجابة والإجابة هُوَ أَن ينفذ دُعَاء العَبْد بِقُوَّة نور الْيَقِين حَتَّى ينجاب الْحجاب فَيجوز الدعْوَة إِلَى الله تَعَالَى فيقف بَين يَدَيْهِ مقتضيا للْحَاجة وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنِّي قريب أُجِيب دَعْوَة الداع إِذا دعان﴾ أَي أجعَل لدعوته جوبة وَهُوَ المستقر حَتَّى تقتضيني الْحَظ الَّذِي وضعت لَهُ بَين يَدي فأقضي أَي أمضي لَهُ من بَين يَدي حَتَّى يصل إِلَيْهِ وَلَو لم يكن حَظّ لم ينل شَيْئا وَلم أترك دَعوته مُهْملَة بل ذخرت لَهُ ذخيرة إِذا قدم عَلَيْهَا ودانه لم يستجب لَهُ لما يرى من فضل تِلْكَ الذَّخِيرَة على مَا يسْأَل
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ ادعوا الله وَأَنْتُم موقنون بالإجابة
أَي مَعكُمْ نور الْيَقِين حَتَّى ينجاب لكم الْحجاب وتنفذ الدعْوَة إِلَى
стр. 1127
رَبهَا فَلَمَّا كَانَ شَأْن هَذِه الحظوظ على مَا وَصفنَا وَأحب الله أَن يوصلها إِلَيْهِم من طَرِيق دُعَائِهِمْ هيأ لَهُم فَاتِحَة الْكتاب فأنزلها على هَذِه الْأمة دون سَائِر الْأُمَم وخصهم بهَا كَمَا خصهم بِالدُّعَاءِ فَجعل نصفهَا دُعَاء وَنِصْفهَا ثَنَاء ليثني العَبْد بقوله تَعَالَى ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ إِلَى قَوْله ﴿إياك نعْبد﴾ ثمَّ يرفع حَاجته من قَوْله ﴿وَإِيَّاك نستعين﴾ إِلَى آخرهَا ثمَّ أَعْطَاهُم آمين
خصهم من بَين سَائِر الْأُمَم ليصير التَّأْمِين طابعا على دُعَائِهِمْ فيختم بِهِ فَأنْزل عَلَيْهِم فَاتِحَة الْكتاب وخزنها عَن الْأُمَم ليثنوا عَلَيْهِ بأبلغ الثَّنَاء ويسألوه أوجز الْمسَائِل فَفِي ذَلِك الثَّنَاء مجمع الثَّنَاء وَفِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة مجمع الْحَاجَات وَهَذَا لَا يعقله إِلَّا أَهله ثمَّ وَضعهَا فِي التَّنْزِيل وسماها الْقُرْآن الْعَظِيم فَقَالَ ﴿وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم﴾
فَروِيَ عَن أبي هُرَيْرَة عَن أبي بن كَعْب ﵄ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا السَّبع المثاني وَإِنَّهَا الْقُرْآن الْعَظِيم يَعْنِي فَاتِحَة الْكتاب
فوفر الله حَظّ مُحَمَّد ﷺ وحظوظ أمته فِي حَظه وبرز بذلك على الْخلق فَجعل ذَلِك الْحَظ كُله فِي
стр. 1128
﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ ﴿الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ ﴿مَالك يَوْم الدّين﴾ ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم﴾ ﴿صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾
فختمها ب آمين فَجعل مفتاحها بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وختمها آمين ووضعها فِي أم الْكتاب الَّذِي لم يطلع عَلَيْهِ أحد فِي الْحجب مَعَ الْحِكْمَة وَالرَّحْمَة بَين يَدَيْهِ ثمَّ أصدرها مَعَ سَائِر الْكتب من أم الْكتاب إِلَى اللَّوْح الْمَحْفُوظ ثمَّ أنزل الْكتب إِلَى الرُّسُل إِلَى الْأُمَم وَاسْتثنى هَذِه الصُّورَة مِنْهَا فخزنها عَن الرُّسُل والأمم وادخرها لمُحَمد ﷺ وَأمته وصيرت هَذِه الصُّورَة كَلِمَات حروفها مؤلفة منتظمة تِلْكَ الْحُرُوف لجَمِيع حُرُوف الْقُرْآن فسميت أم الْكتاب لِأَن الْكتاب استخرج مِنْهَا وَسميت مثاني لِأَنَّهَا استثنيت من الرُّسُل ﵈ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني﴾ أَي سبع آيَات مِمَّا استثنيناه من الْكتب فإدخرناه لَك وَلِأُمَّتِك
وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ الْآيَة السَّابِعَة بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ بِنَحْوِ من ذَلِك
قَالَ لَهُ قَائِل فَكيف إِذا قَرَأَهَا الإِمَام افتتحها ب الْحَمد لله وَلَا يجْهر ب بِسم الله قَالَ إِن عِلّة مثل هَذَا لَا يدْرك إِلَّا بالْخبر
عَن سعيد بن جُبَير ﵁ قَالَ كَانَ الْمُشْركُونَ يحْضرُون الْمَسْجِد فَإِذا قَرَأَ رَسُول الله ﷺ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم قَالُوا هَذَا مُحَمَّد يذكر رَحْمَن الْيَمَامَة يعنون مُسَيْلمَة فَأمر أَن يُخَافت بِسم الله
стр. 1129
الرَّحْمَن الرَّحِيم وَنزلت ﴿وَلَا تجْهر بصلاتك وَلَا تخَافت بهَا﴾
فَبَقيَ إِلَى يَوْمنَا هَذَا على ذَلِك الرَّسْم وَإِن زَالَت الْعلَّة كَمَا بَقِي الرمل فِي الطّواف وَإِن زَالَت الْعلَّة وَبقيت المخافتة فِي صَلَاة النَّهَار وَإِن زَالَت الْعلَّة فَجعل الله عظم الدُّعَاء وَجُمْلَته مَوْضُوعا فِي هَذِه الصُّورَة نصفهَا فِيهِ مجمع الثَّنَاء وَنِصْفهَا فِيهِ مجمع الْحَاجَات ثمَّ قَالَ فِي آيَة أُخْرَى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ فَأنْزل هَذِه السُّورَة لنتلوها ولندعو بهَا
فَكَمَا خزن هَذِه السُّورَة عَن سَائِر الْأُمَم كَذَلِك خزن قَوْله ادْعُونِي أسجب لكم عَن سَائِر الْأُمَم
فَكَانَت الْأُمَم تفزع إِلَى أنبيائها فِي وَقت الْحَاجة وَإِنَّمَا كَانَت هَذِه للأنبياء ﵈ فَجعل لسَانك مُطلقًا بِالدُّعَاءِ وكفيك مبسوطتين بالتناول وَجعل هَذَا الدُّعَاء الَّذِي فِي هَذِه السُّورَة أفضل من الَّذِي تَدْعُو بِهِ لِأَن هَذَا كَلَام قد تكلم بِهِ رب الْعَالمين جلّ وَعز فبينه وَبَين مَا تَدْعُو بِهِ من كَلَام نَفسك بون بعيد وَإِنَّمَا أطلق الله لهَذِهِ الْأمة وَفتح لَهُم بَاب الدُّعَاء لينيلهم الحظوظ الَّتِي جعل لَهُم فِي الْغَيْب كي إِذا وصلت إِلَيْهِم فظهرت عَلَيْهِم تِلْكَ الْأَشْيَاء ظن الْخلق أَنهم نالوها من قبل الدُّعَاء وَلذَلِك قيل لَيْسَ شَيْء أكْرم على الله من الدُّعَاء وَصَارَ للدُّعَاء من السُّلْطَان مَا يرد الْقَضَاء
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن نفع حذر من قدر فَإِن الدُّعَاء ينفع مِمَّا نزل وَمِمَّا لم ينزل فَعَلَيْكُم عباد الله بِالدُّعَاءِ
стр. 1130
عَن ثَوْبَان ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يرد الْقدر إِلَّا الدُّعَاء وَلَا يزِيد فِي الْعُمر إِلَّا الْبر وَإِن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يُصِيبهُ وَالله أعلم
стр. 1131
- الأَصْل السبعون والمائتان
-
فِي أَن من لَا يرحم لَا يرحم
عَن جرير بن عبد الله ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من لَا يرحم النَّاس لَا يرحمه الله
قَالَ أَبُو عبد الله الرَّحْمَة مَوْضُوعَة فِي الْآدَمِيّ فأوفرهم حظا مِنْهَا أرحمهم لنَفسِهِ ولخلقه فَإِذا رحم نَفسه جنبها الْمعاصِي والمساخط وَطلب لَهَا حسن عواقب الْأُمُور ليحسن مَنْزِلَته عِنْد ربه فينزله غَدا دَاره الْحسنى وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ فبالرحمة يتخطى إِلَى الْإِحْسَان إِلَى نَفسه وَمِنْهَا يتخطى إِلَى الْإِحْسَان إِلَيْهِم وكل من رَحمته رق قَلْبك لَهُ ودعتك الرقة إِلَى الْإِحْسَان إِلَيْهِ والعطف عَلَيْهِ بدوام الْإِحْسَان وَمن أنجس حَظه من الرَّحْمَة غلظ قلبه وَصَارَ فظا فَإِذا غلظ قلبه لم يرق لنَفسِهِ وَلَا لأحد من خلقه قَالَ الله تَعَالَى فبمَا رَحْمَة من الله لنت لَهُم وَلَو
стр. 1132
كنت فظا غليظ الْقلب لانفضوا من حولك فَاعْفُ عَنْهُم واستغفر لَهُم وشاورهم
فالشديد يشدد على نَفسه فِي الْأَحْوَال ويعسر ويضيق وَكَذَلِكَ على الْخلق فَهُوَ من نَفسه فِي تَعب والخلق مِنْهُ فِي أَذَى واللين لِأَن قلبه وَرطب بِمَاء الرَّحْمَة وانتشف مَاء الرَّحْمَة يبوسة نَفسه وأذهب حزازتها وكزازتها وأذهب قسوة قلبه فَمن لم يكن لَهُ وفارة حَظّ من الرَّحْمَة وجدته حَدِيد النَّفس يَابِس الْخلق قاسي الْقلب مكدود الرّوح مظلم الصَّدْر عَابس الْوَجْه مُنكر الطلعة ذَاهِبًا بِنَفسِهِ تيها وعظمة غليظ الرَّقَبَة سمين الْكَلَام عَظِيم النِّفَاق قَلِيل الذّكر لله تَعَالَى ولدار الْآخِرَة ولهادم اللَّذَّات
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت أَتَى رَسُول الله ﷺ بصبي فَقبله فَقَالَ رجل أتقبل هَذَا مَا قبلت صَبيا قطّ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَمَا أملك إِن كَانَ الله نزع من قَلْبك الرَّحْمَة
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ خليلي وصفيى أَبُو الْقَاسِم ﷺ مَا نزعت الرَّحْمَة إِلَّا من شقي
وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵂ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 1133
الراحمون يرحمهم الرَّحْمَن ارْحَمْ من فِي الأَرْض يَرْحَمك من فِي السَّمَاء
فالرحمة الْمَكْتُوبَة على نَفسه مائَة رَحْمَة والمقسومة مِنْهَا وَاحِدَة بَين خلقه فِيمَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ فالواحدة الَّتِي قسمهَا بَين خلقه احتظى مِنْهَا الْآدَمِيّ وَسَائِر الْأُمَم حَتَّى الطُّيُور والوحوش والبهائم فَتلك رَحْمَة الْعَطف فبها يتعاطفون قد اشْترك فِيهَا البرر والفاجر وَالْوَلِيّ والعدو وَأما هَذِه الرَّحْمَة الَّتِي وَصفنَا بدءا فَهِيَ رَحْمَة الْإِيمَان مَأْخُوذَة من الرَّحْمَة الْعُظْمَى الَّتِي مِنْهَا بَدَت تِلْكَ الْمِائَة فأوفرهم حظا من الْمعرفَة بِاللَّه وَالْعلم بِهِ أوفرهم حظا من الْقرْبَة وأوفرهم حظا من الْقرْبَة أوفرهم حظا من الرَّحْمَة فَكلما كَانَ الْقلب أقرب إِلَى الله كَانَ أَلين وفؤاده أرق وَكلما تبَاعد الْقلب من الله بِمَعْصِيَة يَأْتِيهَا كَانَ قلبه أقسى وَأبْعد من الرَّحْمَة أَلا يرى إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فبمَا نقضهم ميثاقهم لعناهم وَجَعَلنَا قُلُوبهم قاسية﴾
فَإِنَّمَا قست قُلُوبهم بالتباعد من الله من أجل نقض الْمِيثَاق وَذَلِكَ لما قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا رَحِيم قَالُوا يَا رَسُول الله كلنا يرحم قَالَ لَيْسَ رَحْمَة أحدكُم خويصته يَعْنِي أَهله وَولده وَلَكِن حَتَّى يرحم الْعَامَّة فرحمتك الخويصة هِيَ رَحْمَة الْعَطف من الرَّحْمَة المقسومة بَين خلقه ورحمتك الْعَامَّة من رَحْمَة الْمعرفَة بِاللَّه تَعَالَى
стр. 1134
- الأَصْل الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ والمائتان
-
فِي جمع الهموم وتشعبها
عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ سَمِعت نَبِيكُم ﷺ يَقُول من جعل الهموم هما وَاحِدًا كَفاهُ الله هم آخرته وَمن تشعبت بِهِ الهموم فِي أَحْوَال الدُّنْيَا لم يبال الله فِي أَي أَوديتهَا وَقع
قَالَ أَبُو عبد الله رَضِي عَنهُ الله فالهم للقلب وَهُوَ أَمِير الْجَسَد وَهُوَ وعَاء كنوز الْمعرفَة وَمِنْهَا يفرق على جنده فالعقل وَالْحِفْظ والذهن والفهم والفطنة وَالروح هَؤُلَاءِ كلهم مرتزقة من عِنْد الْقلب وَالْقلب ينْفق عَلَيْهِم من كنزه الَّذِي أعطي وَهُوَ الْمعرفَة بِاللَّه تَعَالَى وَالْعلم بِهِ فَإِذا جَاءَتْهُ هموم أَحْوَال النَّفس فقد تشعب قلبه شعبًا وشغل الْقلب بشعبها فضيع الْكَنْز وَفرق الْجند وَبَقِي مأسورا فِي يَدي النَّفس وَأَحْوَالهَا فَلم يبال الله فِي أَي أَوديتهَا من تِلْكَ الشعوب هلك لِأَن هموم
стр. 1135
النَّفس ووساوس الْعَدو تخوفك بالرزق وتخوفك بأحوال الدُّنْيَا وَتَقَلُّبهَا وترغبك فِي الْجمع وَالْمَنْع وَتحل فِي قَلْبك مَا فِيهِ مصرعك وهلاكك وتزين لَك أَحْوَال الدُّنْيَا فَهَذِهِ كلهَا سموم قاتلة للقلب فَمن تخلى من هَذِه الهموم كلهَا حَتَّى صَارَت همومه كلهَا هما وَاحِدًا كَفاهُ الله الهموم من أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة والهم دَبِيب الْقلب وَهُوَ على وَجْهَيْن أَحدهمَا هم دَبِيب وَهُوَ متجاوز عَنهُ وَالْآخر هم حُلُول
فالقلب إِذا بَدَت لَهُ خاطرة دب إِلَيْهَا ثمَّ يبْقى فِي الطَّرِيق متحيرا عَاجِزا قد انسد عَلَيْهِ الطَّرِيق فَهَذَا هم يتَجَاوَز عَنهُ والهم الآخر يدب الْقلب بالخاطرة إِلَى الشَّيْء الَّذِي بَدَأَ حَتَّى يَنْتَهِي منتهاه فَيحل بِهِ فحلوله عزم وإضمار فَإِن كَانَت سَيِّئَة صَار قد هم بسيئة فَهِيَ وَإِن لم تكْتب عَلَيْهِ قد انحط عَن دَرَجَته لِأَنَّهُ قد عزم على مَعْصِيّة فَهَذَا هم حُلُول الْقلب وَإِنَّمَا يصير همه هما وَاحِدًا إِذا نسي نَفسه وَأَحْوَالهَا وَهُوَ أَن ينْكَشف لَهُ الغطاء عَن الْمعرفَة بِاللَّه تَعَالَى حَتَّى يرى الله كَافِيا لَهُ فِي كل أَمر من دنيا وآخرة فَعندهَا يرفع باله عَن التَّدْبِير لنَفسِهِ ويلقي ذَلِك كُله إِلَى الله تَعَالَى تفويضا ويراقب مَاذَا يخرج لَهُ من تَدْبيره سَاعَة فساعة
فتدبير الله تَعَالَى لِلْمُؤمنِ أَعلَى من تَدْبيره لنَفسِهِ فَإِذا رفض العَبْد تَدْبيره وَأَقْبل على مُحَافظَة تَدْبِير الله فِي كل وَقت مَاذَا يظْهر لَهُ فقد استراح فَإِنَّمَا همه فِي كل سَاعَة التوخي لمحاب الله فِي كل أَمر من متقلبه فَإِنَّهُ إِنَّمَا خلقه عبدا ليَكُون لَهُ عبدا عَارِفًا لَهُ عَالما بِهِ فَينْظر بِعَين الْمعرفَة وَالْعلم إِلَى عَظمته وجلاله وبهائه وكبريائه وسلطانه وَرَحمته وَإِلَى ملكه وتدبيره فَيقر عينه ويمتلئ قلبه فَرحا بِهِ فَعندهَا تظهر محبته على قلبه ويشتاق إِلَى لِقَائِه ويتبرم بحياته ويقلق بمكانه ينْتَظر مَتى يدعى فيجيب فَهُوَ مسجون برمق الْحَيَاة وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ الدُّنْيَا سجن الْمُؤمن وسنته
стр. 1136
فالآدمي إِذا أَسِنَت ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَعيشَة وَاشْتَدَّ الْعَيْش فَهُوَ ينْتَظر الخصب وَالسعَة والمسجون وَإِن أحاطت بِهِ نعم الدُّنْيَا فِي سجنه فعينه شاخصة إِلَى بَاب السجْن مَتى يخلى عَنهُ فَيخرج عَنهُ فالمؤمن اشتاق إِلَى لِقَاء من عرفه بِمَا ذكرنَا فَضَاقَ بِالْحَيَاةِ فِي الدُّنْيَا وانتظر الدعْوَة فهمه فِي الدُّنْيَا هم وَاحِد وَهُوَ أَن يلْتَمس محاب الله فِي كل أَمر دق أَو جلّ فَيكون ظَاهر أمره حركات فِي طَاعَة الله وباطن تِلْكَ الحركات حب الله تَعَالَى بِهِ يغلي قلبه فَهُوَ الَّذِي جعل همه هما وَاحِدًا وَانْقطع من الْخلق إِلَى الله تَعَالَى فَمن الْعباد يصعد إِلَى الله أَعمال الْجَوَارِح وَمن هَذَا أنوار الْحبّ مَعَ كل نفس فنور هَذَا متواتر صاعد إِلَى السَّمَاء وأنوار الْعمَّال مُنْقَطِعَة قَالَ الله ﵎ ﷺ ﴿وَاذْكُر اسْم رَبك وتبتل إِلَيْهِ تبتيلا رب الْمشرق وَالْمغْرب لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فاتخذه وَكيلا﴾
فاسم الرب هُوَ الِاسْم الْأَعْظَم الْمكنون الَّذِي مِنْهُ خرجت الْأَسْمَاء فَمن وصل إِلَى ذَلِك الِاسْم الْمكنون وانكشف لَهُ الغطا عَنهُ فقد تبتل إِلَيْهِ وَانْقطع عَن الْخلق واتخذه وَكيلا فَعندهَا بطلت وكَالَة النَّفس وتعطلت الهموم وانتصب ذَلِك الْهم الْوَاحِد بَين عَيْني فُؤَاده فاستكمل الصَّدْر نورا فتتابعت أنوار حبه متواترة إِلَى العلى
عَن عمرَان بن حُصَيْن ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من
стр. 1137
انْقَطع إِلَى الله كَفاهُ الله مُؤْنَته ورزقه من حَيْثُ لَا يحْتَسب وَمن انْقَطع إِلَى الدُّنْيَا وَكله الله إِلَيْهَا
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن لله مَلَائِكَة موكلين بأرزاق بني آدم ثمَّ قَالَ لَهُم أَيّمَا عبد وجدتموه جعل الْهم هما وَاحِدًا فضمنوا رزقه السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالطير وَبني آدم وَأَيّمَا عبد وجدتموه طلبه فَإِن تحرى الْعدْل فطيبوا لَهُ ويسروا وَإِن تعدى إِلَى غير ذَلِك فَخلوا بَينه وَبَين مَا يُرِيد ثمَّ لَا ينَال فَوق الدرجَة الَّتِي كتبتها لَهُ
стр. 1138
- الأَصْل الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ والمائتان
-
فِي الاعتزاز بِالْعَبدِ
عَن سعيد بن الْمسيب ﵁ قَالَ سَمِعت عمر بن الْخطاب ﵁ يَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من اعتز بالعبيد أذله الله
الاعتزاز بالعبيد مفتاحه حب الْعِزّ وَطَلَبه فَإِذا طلب الْعِزّ للدنيا طلبه من العبيد فَترك الْعَمَل بِالْحَقِّ وَالْقَوْل بِالْحَقِّ لينال ذَلِك الْعِزّ فعاقبة أمره الذلة فَإِن الله تَعَالَى يُمْهل المخذول حَتَّى يَنْتَهِي بِهِ خذلانه إِلَى أَن يسْتَحق لِبَاس الذل وَإِن الله تَعَالَى أظهر عزه وَأخرج إِلَى الْعباد إِزَار الْعِزّ ليجعل لَهُم من ذَلِك حظا فَإِنَّمَا سَمَّاهُ إزارا ليعقل الْعباد عَنهُ أَن هَذِه قُوَّة أخرجهَا إِلَى الْعباد ليقووا بِهِ على الْأَعْدَاء وليقوى بِهِ المحق على الْمُبْطل والأزر هُوَ الْقُوَّة وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿كزرع أخرج شطأه فآزره﴾ أَي قواه
والإرز مَوْضِعه من الْآدَمِيّين من الْوسط يتزرون على أوساطهم ليقووا
стр. 1139
وَلذَلِك سمي إزارا لِأَنَّهُ قُوَّة الْمَرْء فَمن أسلم وَجهه لله أوجب لَهُ حظا من ذَلِك الْعِزّ وَمن أعرض عَنهُ فأشرك بِهِ غَيره فِي ملكه حرمه عزه وَمن احتظى بذلك الْعِزّ فقد تزكّى والزكاء النَّمَاء والاحتشاء والاكتناز فالمؤمن زكي محتش مكتنز وَالْكَافِر خَال خاو رخو ضَعِيف
فَمن ازْدَادَ لله تَسْلِيمًا وَإِلَيْهِ طمأنينة فِي الْأَحْوَال كلهَا ازْدَادَ نموا واحتشاء واكتنازا قَالَ الله تَعَالَى ﴿قد أَفْلح من تزكّى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن تزكّى فَإِنَّمَا يتزكى لنَفسِهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكى مِنْكُم من أحد أبدا وَلَكِن الله يُزكي من يَشَاء فَمن تزكّى فبفضله وَرَحمته تزكّى وَهُوَ نور التَّوْحِيد
ثمَّ قواه حَتَّى رَبِّي ذَلِك النُّور بالشكر واستوجب الْمَزِيد وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يَأْته مُؤمنا قد عمل الصَّالِحَات فَأُولَئِك لَهُم الدَّرَجَات العلى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ﴾
فقوى رَسُوله وَالْمُؤمنِينَ بِتِلْكَ الْعِزَّة الَّتِي أخرجهَا من عزه وَسَماهُ عزة وَسَماهُ إزارا ليعلم الْعباد أَنَّهَا قُوَّة لَهُم كل يحتظي مِنْهُ على قدر بذل نَفسه لله فِي الائتمار بِمَا يَأْمُرهُ وَوضع لَهُ نَفسه بِالْأَرْضِ ذلة وخشوعا فِي الِانْتِهَاء عَمَّا نهوا عَنهُ وَترك مشيئآته فِي أَحْوَاله كلهَا لمشيئته فعلى قدر ذَلِك يسْتَوْجب الْحَظ من تِلْكَ الْعِزَّة فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿سُبْحَانَ رَبك رب الْعِزَّة عَمَّا يصفونَ وَسَلام على الْمُرْسلين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين﴾
стр. 1140
- الأَصْل الثَّالِث وَالسَّبْعُونَ والمائتان
-
فِي من يقص وَتَحْقِيق الْقَصَص
عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يقص إِلَّا أَمِير أَو مَأْمُور أَو مرائي
الْقَصَص اسْم جَامع دخلت فِيهِ الموعظة والتذكرة والدعوة إِلَى الله والنشر عَن الله مننه وإحسانه ثمَّ سمي ذَلِك قصصا من أجل أَن قلب هَذَا يقْتَصّ أثرا لكل شَيْء وَيُشِير بِقَلْبِه إِلَى شَيْء ثمَّ يعبر إشارات قلبه بِلِسَانِهِ لِلْخلقِ فَهُوَ قاص عَلَيْهِم لتِلْك الْأَشْيَاء أثرا أثرا فَهَذِهِ كَلِمَات لَزِمت أَشْيَاء كَثِيرَة مِمَّا تشابهت صورها بَعْضهَا بِبَعْض فَيُقَال قصّ أَثَره وَهُوَ أَن يتبع أَثَره وَيُقَال قصّ خَبره وَهُوَ أَن يتبع بِقَلْبِه صفة ذَلِك الشَّيْء الَّذِي يخبر بِهِ فَيتبع الصّفة شَيْئا بعد شَيْء وَيُقَال قصّ شعره وظفره وَهُوَ أَن يتبع بِمَا زَاد من شعره وظفره خُرُوجًا من جسده فَيتبع ذَلِك فأزاله عَنهُ
فالدعاء إِلَى الله بِالْمَوْعِظَةِ والتذكرة لمن وصل إِلَى الله قلبا وَكَانَ
стр. 1141
مَرْكَز قلبه الْحق وَالْعدْل وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن قوم مُوسَى أمة يهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِه يعدلُونَ﴾
فقوم مُوسَى ﵇ أعْطوا ذَلِك فِي عزلة من الْخلق من ورائهم الرمل من نَاحيَة الْمشرق حَيْثُ لَا يخلص إِلَيْهِم أحد ولقيهم رَسُول الله ﷺ لَيْلَة أسرِي بِهِ فعلمهم الْقُرْآن وَعرض عَلَيْهِم الشَّرِيعَة فقبلوها فَأعْطيت هَذِه الْأمة فِي الْجَمَاعَة والعامة مَا أعطي أُولَئِكَ فِي الْعُزْلَة فَسَارُوا فِي الْجَمَاعَة بِمَا سَار أُولَئِكَ فِي الْعُزْلَة بِفضل يقينهم ووصول قُلُوبهم إِلَى الله فمركب قُلُوبهم الْحق وطريقهم إِلَى الله على الْعدْل فِي ذَلِك الْحق وهم أُمَرَاء الدّين فِي كل وَقت وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾
فالقصص لَهُم وَلمن يرونه أَهلا لذَلِك الْمقَام وَالثَّالِث مرائي متكلف مَذْمُوم فَهُوَ دخيل لَا يجب أَن يسمع مِنْهُ
стр. 1142
- الأَصْل الرَّابِع وَالسَّبْعُونَ والمائتان
-
فِي محبَّة الْأَسْبَاب وَمَعْرِفَة الشّرك والتوحيد فِيهَا
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الشّرك أخْفى على أمتِي من دَبِيب الذَّر على الصَّفَا
عَن معقل بن يسَار ﵁ قَالَ قَالَ أَبُو بكر ﵁ وَشهد بِهِ على رَسُول الله ﷺ قَالَ ذكر الشّرك فَقَالَ هُوَ أخْفى فِيكُم من دَبِيب النَّمْل وسأدلك على شَيْء إِذا فعلت أذهب عَنْك صغَار الشّرك وكباره تَقول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك أَن أشرك بك فِيمَا أعلم وأستغفرك لما لَا أعلم تَقُولهَا ثَلَاث مَرَّات
عَن ابْن جريج قَالَ بَلغنِي أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لأبي بكر الشّرك أخْفى فِيكُم من دَبِيب النَّمْل فَقَالَ أَبُو بكر هَل الشّرك إِلَّا مَا عبد من دون
стр. 1143
الله قَالَ يَا أَبَا بكر الشّرك أخْفى فِيكُم من دَبِيب النَّمْل إِن من الشّرك أَن يَقُول الرجل مَا شَاءَ الله وشئت وَمن الند أَن يَقُول الرجل لَوْلَا فلَان لَقَتَلَنِي فلَان أَفلا أدلك على مَا يذهب الله عَنْك بِهِ صغَار الشّرك وكباره قَالَ بلَى يَا رَسُول الله قَالَ تَقول كل يَوْم ثَلَاث مَرَّات اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك أَن أشرك بك وَأَنا أعلم وأستغفرك لما لَا أعلم
عَن حُذَيْفَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ قد كنت أكره لكم أَن تَقولُوا مَا شَاءَ الله وَشاء مُحَمَّد وَلَكِن قُولُوا مَا شَاءَ الله ثمَّ مَا شَاءَ مُحَمَّد
قَالَ أَبُو عبد الله الرب وَاحِد وَجعل ربوبيته فِي الْغَيْب وَخلق الْعباد فِي الْغَيْب وأوله قُلُوبهم إِلَيْهِ فَأقر كلهم بالعبودة لَهُ وعَلى ذَلِك فطرهم فكلهم يفزعون عِنْد الْحَاجة إِلَى اسْمه الله الَّذِي جعل موله قُلُوبهم فَثَبت فريق مِنْهُم على إخلاصه وأشرك فريق وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذا ركبُوا فِي الْفلك دعوا الله مُخلصين لَهُ الدّين فَلَمَّا نجاهم إِلَى الْبر إِذا هم يشركُونَ﴾ ﴿ليكفروا بِمَا آتَيْنَاهُم وليتمتعوا فَسَوف يعلمُونَ﴾
فَجعل أُمُور الْعباد كلهَا يوصلها إِلَيْهِم فِي الْغَيْب قد ستر أُمُوره بالأسباب فَقَالَ أَنا الرَّزَّاق ثمَّ جعل أَرْزَاقهم فِي مَاء الْحَيَوَان تَحت الْعَرْش ثمَّ وكل مَلَائكَته بالقطر ثمَّ السَّحَاب لقبوله وسخر الرِّيَاح لتحمل كثيف السَّحَاب ركاما ويبسط كَيفَ يَشَاء ثمَّ أَمر السَّحَاب أَن يدر الْقطر مَطَرا ثمَّ أَمر الأَرْض أَن تقبل ودائع الْقطر ثمَّ أمرهَا أَن تنفجر
стр. 1144
عَن ذَلِك الْقطر فِي أَصْلَب مَوضِع مِنْهَا من أَجْوَاف الصخور من الْجبَال وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿أنزل من السَّمَاء مَاء فسلكه ينابيع فِي الأَرْض﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وفجرنا فِيهَا من الْعُيُون﴾
ثمَّ على الْآدَمِيّين أَن يحرثوا الأَرْض ثمَّ أَمر الأَرْض أَن تنْبت من كل زوج بهيج وَقَالَ تَعَالَى أَفَرَأَيْتُم مَا تَحْرُثُونَ ءأنتم تزرعونه أم نَحن الزارعون
ثمَّ أَمر الشَّمْس أَن تسير بحرها على وَجه الأَرْض لتربية هَذِه الثِّمَار والنبات ثمَّ أَمر الرّيح عِنْد الْحَصاد أَن تَذْرُوهُ ثمَّ على الْآدَمِيّين طحنه وخبزه وَأنزل النَّار وَجعلهَا فِي الشّجر الْأَخْضَر وَقَالَ فِي تَنْزِيله هُوَ الَّذِي جعل لكم من الشّجر الْأَخْضَر نَارا
فَالنَّار مَوْجُودَة فِي كل شَجَرَة خَشَبَة تَحْتك بِالْأُخْرَى فتوري نَارا وَقَالَ أَفَرَأَيْتُم النَّار الَّتِي تورون ءأنتم أنشأتم شجرتها أم نَحن المنشئون نَحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين
وَمن اللبَاس غزل قطنه ونسجه وغسله وخياطته حَتَّى يكتسوا وَكَذَلِكَ سَائِر الْأَشْيَاء الَّتِي أضطر إِلَيْهَا الْآدَمِيّ فَهَذِهِ كلهَا أَسبَاب والآدمي يرى مَا ظهر من هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي ذكرنَا وَفِي بَاطِنهَا ربوبيته وَهُوَ الَّذِي دبر هَذَا كُله من الْقُدْرَة وأمضى التَّدْبِير بمشيئته وأوصل إِلَى الْعباد قَضيته فِي خَفَاء والعباد إِنَّمَا يرَوْنَ الْمَطَر وَالْحر وَالْبرد والرياح وَالْأَرْض وَالْمَاء وَالزَّرْع والحصاد وَالْأَيْدِي الَّتِي تتداوله وربوبيته فِي
стр. 1145
جَمِيع الْأَشْيَاء قَائِمَة لَا يكون شَيْء إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا يقوم إِلَّا بِهِ وَلَا يَدُوم إِلَّا بِهِ فقلوب الْآدَمِيّين ونفوسهم معلقَة بالأسباب الَّتِي يرونها فَإِذا احتاجوا إِلَى شَيْء طلبُوا ذَلِك الشَّيْء من مظانه الَّذِي هُنَاكَ عاينوه فَمن الله على الْمُوَحِّدين بمعرفتهم أَن الرب وَاحِد والوله بالقلوب فِي الْحَوَائِج إِلَى الْوَاحِد الَّذِي اسْمه الله الَّذِي خرجت الْأَشْيَاء من ذَلِك الِاسْم
وَلذَلِك أمروا أَن يبدأوا فِي كل أَمر بقول بِسم الله كَأَنَّهُ يَقُول هَذَا الشَّيْء بِهَذَا الِاسْم خرج وَمن حرم الْمِنَّة بَقِي مَعَ الْأَسْبَاب قُلُوبهم معلقَة بهَا مَفْتُونَة فِيهَا فاتخذوا دونه أَوْلِيَاء فعبدوه ثمَّ قَالُوا ﴿مَا نعبدهم إِلَّا ليقربونا إِلَى الله زلفى﴾ وَقَالَت الرُّسُل لَهُم ﴿أتعبدون من دون الله مَا لَا يملك لكم ضرا وَلَا نفعا﴾ حَتَّى قَالَ إِبْرَاهِيم ﵇ ﴿أُفٍّ لكم وَلما تَعْبدُونَ من دون الله﴾ والأف كلمة للشتم والصنعة
وَأنزل على الْمُؤمنِينَ وَحيا يثبت قُلُوبهم وَيُعلمهُم الْحجَّة فَقَالَ ﴿وإلهكم إِلَه وَاحِد لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ فَقَالَ الْمُشْركُونَ أرنا آيَة فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿إِن فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ إِلَى قَوْله ﴿لآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾
فَأعْلم أَن الْعقل يدل عَلَيْهِ فِيمَا أَرَاهُم من قدرته وَقَالَ ﴿مَا اتخذ الله من ولد وَمَا كَانَ مَعَه من إِلَه إِذا لذهب كل إِلَه بِمَا خلق ولعلا بَعضهم على بعض سُبْحَانَ الله عَمَّا يصفونَ﴾
стр. 1146
وَأهل الْيَقِين طلبُوا الْأَشْيَاء من المظان نفسا وجسدا وَمن الله قلبا ويقينا وإخلاصا قمن ضعف يقينه كَانَ السَّبَب بَين عَيْنَيْهِ فَإِذا طلب شَيْئا طلبه من السَّبَب قلبا ونفسا وَإِذا فَاتَهُ مِنْهَا شَيْء تلهف وأسف على الْفَوْت وَلَام وذم وَتردد فِي اضْطِرَاب حَتَّى يخرج دينه ويسقم إيمَانه وَإِذا صَار إِلَى القَوْل يَقُول لَا يكون إِلَّا مَا شَاءَ الله وَلَا يكون إِلَّا مَا قدر الله وَإِلَّا مَا قضى الله وَإِذا قضى فَلَا يقوم شَيْء وَلَا يَدُوم إِلَّا بِاللَّه فَإِذا علم أَن الْكَوْن من الله والدوام بِاللَّه كَانَ هَذَا من علم التَّوْحِيد وَإِنَّمَا هُوَ كلحظة ثمَّ يخفي فِي صَدره هَذَا الْعلم حَتَّى لَا يشرق نوره وَإِنَّمَا كَانَت شررة أَو كلمحة أَو برقة ثمَّ ذهبت وَبَقِي العَبْد مَعَ شرك السَّبَب فَكلما لحظ العَبْد إِلَى شَيْء من هَذِه الْأَسْبَاب دونه فقد أَتَى بالشرك فَإِذا رأى السَّحَاب استبشر وَإِذا أنبت الأَرْض ابتهج ثمَّ فَرح وأشر وبطر لِأَن قلبه فِي غَفلَة عَن الله فَهَذَا قلب الموحد وقلب الْكَافِر فِي غلفة فَقلب الْمُؤمن الْمُتَعَلّق بالأسباب غافل وقلب الْكَافِر أغلف فالغلفة غلاف الْقلب والغفلة حجاب الْقلب وَهُوَ هَذِه الْأَسْبَاب الَّتِي ذكرنَا وَقد انْشَقَّ عَنهُ الغلاف الَّذِي كَانَ فِي وَقت الْكفْر وَبقيت الْغَفْلَة فَهَذِهِ الْغَفْلَة لَا يذهبها إِلَّا ذكر الله تَعَالَى فَلَا يزَال الذّكر الدَّائِم يذيبها بحرارة الْحَيَاة الَّتِي يُزَاد الْقلب بِالذكر حَتَّى يهتك حجب الْأَسْبَاب كلهَا وَيذْهب الخفاء وَيصير الْأُمُور كالمعاينة لَهُ فَهُوَ يمْضِي فِي الْأَسْبَاب وَلَا يغْفل عَن الله فيقبلها من عِنْده فَإِذا هَاجَتْ الرّيح استبشر بصنع الله لِأَنَّهُ علم أَنه هُوَ الَّذِي أرسلها بشرا بَين يَدي رَحمته وَإِذا رأى تراكم السَّحَاب استبشر بصنع الله ثمَّ يرى الْمَطَر سقيا كَمَا قَالَ وأنزلنا من السَّمَاء مَاء فأسقيناكموه إِلَى غير ذَلِك
فَأهل الْيَقِين هتكوا هَذِه الْحجب بِقُوَّة نور الْيَقِين حَتَّى انْكَشَفَ لَهُم الغطاء وَفضل الله هَذِه الْأمة بِالْيَقِينِ حَتَّى صَار مَا بَقِي مِنْهُم من الشّرك
стр. 1147
أخْفى من دَبِيب النَّمْل فِي الْقلَّة والرقة فَهَذَا مدح لهَذِهِ الْأمة لِأَن شرك الْأَسْبَاب ذاب فيهم وتلاشى بِفضل يقينهم حَتَّى صَار أخْفى من دَبِيب النَّمْل لِأَن دَبِيب النَّمْل لَا يُؤثر على الصَّفَا وَكَذَلِكَ مَا بَقِي من الْأَسْبَاب لَا يُؤثر على أهل الْيَقِين لِأَن قُلُوبهم صلبت بِالْيَقِينِ وَصَارَ كزير الْحَدِيد والصخر
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ الشّرك أخْفى من دَبِيب النَّمْل على الصَّفَا فِي اللَّيْلَة الظلماء وَأَدْنَاهُ أَن يحب على شَيْء من الْجور أَو يبغض على شَيْء من الْعدْل وَهل الدّين إِلَّا الْحبّ فِي الله والبغض فِي الله قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾
فَأَما قَوْله أَن يحب على الْجور وَيبغض على الْعدْل إِنَّمَا يحب على الْجور رَجَاء الْمَنْفَعَة مِنْهُ وَيبغض على الْعدْل خوف الْمضرَّة ورجاء الْمَنْفَعَة
عَن وهب بن أبان عَن عبد الله بن عمر قَالَ خرج عبد الله ابْن عمر ﵄ فِي سفر لَهُ فَإِذا بِجَمَاعَة على طَرِيق فَقَالَ مَا هَذِه الْجَمَاعَة قَالُوا أَسد قطع الطَّرِيق فَنزل فَمشى إِلَيْهِ حَتَّى قفده بِيَدِهِ ونحاه عَن الطَّرِيق ثمَّ قَالَ مَا كذب رَسُول الله ﷺ قَالَ إِنَّمَا يُسَلط على ابْن آدم من خافه ابْن آدم وَلَو أَن ابْن آدم لم يخف غير الله لم يُسَلط الله عَلَيْهِ غَيره وَإِنَّمَا وكل ابْن آدم إِلَى من رجاه ابْن آدم وَلَو أَن ابْن آدم لم يرج إِلَّا الله لم يكله الله إِلَى غَيره
وَإِنَّمَا هُوَ شرك وَشك وَالشَّكّ هُوَ ضيق الصَّدْر فَإِذا أحست النَّفس
стр. 1148
بمكروه فِي الْأَمر انتفخت الرئة للجبن الَّذِي حل بهَا فَضَاقَ الصَّدْر حَتَّى زحزح الْقلب عَن مَكَانَهُ فَإِذا ضَاقَ على الْقلب مَكَانَهُ ضَاقَ مَوضِع التَّدْبِير وَهُوَ الصَّدْر لِأَن عَيْني الْفُؤَاد مفتوحتان فِي الصَّدْر وَعند الْعَينَيْنِ تَدْبِير الْأُمُور ثمَّ يصدر إِلَى الْجَوَارِح وَلذَلِك سمي صَدرا لِأَن الْأُمُور تصدر من هُنَاكَ
وَإِنَّمَا سمي شكا لِأَن ذَلِك النَّائِب من الْأَمر يشك سَعَة الصَّدْر كَمَا يشك الثَّوْب الْمَبْسُوط فَيجمع بعضه إِلَى بعض ويشك بشوكة أَو بإبرة أَو يخيط فَيُقَال شكّ الثَّوْب وَهُوَ مَشْكُوك فَإِذا انتفخت الرئة بِمَا خطر على بَال الْقلب من الخواطر وضاق على الْقلب مَكَانَهُ ترحل الْقلب عَن مستقره وتذبذب وَكَانَ كالدلو الْمُعَلق أَو الْقنْدِيل الْمُعَلق فَإِذا تحرّك الْقنْدِيل اضْطربَ الْإِشْرَاق فَصَارَ بعضه ظلا وَبَعضه إشراقا فَفِي الظل الضَّلَالَة وَفِي الْإِشْرَاق الْهدى فَكلما تراكمت الأظلة انقبض الصَّدْر فَصَارَ مشكوكا كَالثَّوْبِ الَّذِي شكّ وَقبض بعضه إِلَى بعض فَصَارَ متراكما بعضه على بعض وَصَارَت لَهُ زَوَايَا كَذَلِك الصَّدْر إِذا انقبض حدثت لَهُ فِي زواياه أظلة فَمِنْهَا يضل عَن الله ويفتقد الْهدى وَأما الشّرك فَهُوَ مَأْخُوذ من الشّرك والشرك حَبل فِيهِ معاليق يعلق بهَا أرجل الطير أَو أعناقها أَو أَجْنِحَتهَا حَتَّى تُؤْخَذ صيدا فَكَذَلِك الْأَسْبَاب الَّتِي وضعت فِيهَا حاجات الْآدَمِيّ فَتلك الْأَسْبَاب تَأْخُذ بِقَلْبِه لِأَن شَهْوَة تِلْكَ الْأَشْيَاء فِي نَفسه فَإِذا اشتهاها لَهُ أحبها فَإِذا وصل حبها إِلَى قلبه ثمَّ رأى الْقلب تِلْكَ الْأَشْيَاء من تِلْكَ أحب تِلْكَ الْأَسْبَاب من أجل تِلْكَ الْأَشْيَاء وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿زين للنَّاس حب الشَّهَوَات﴾ ثمَّ عدد الشَّهَوَات فَقَالَ ﴿من النِّسَاء والبنين﴾ الْآيَة
فالشك ضيق الصَّدْر والشرك تعلق الْقلب بالشَّيْء وَإِنَّمَا يُوسع الْقلب
стр. 1149
نور الْيَقِين فَكلما كَانَ الصَّدْر بِالْيَقِينِ أنور كَانَ أوسع وَأكْثر انشراحا فباليقين ينجو العَبْد من وبال الشَّك وبالإخلاص ينجو من وبال الشّرك فَعندهَا يَتَوَلَّاهُ الله وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى لداود ﵇ يَا دَاوُد هَل تَدْرِي مَتى أتولاهم إِذا طهروا قُلُوبهم من الشّرك ونزعوا من قُلُوبهم الشَّك فخلق الْآدَمِيّ والأسباب مشتبكة بِهِ لَا يرى مسببا إِلَّا فِي غيب وربوبية الرب قَائِمَة فِي ذَلِك الْغَيْب وَفِي جَمِيع الْأَسْبَاب لَا تكون إِلَّا بِهِ فَالله مكونها وَبِاللَّهِ يَدُوم مَا كَون والآدمي لم ير التكوين وَلَا التدويم إِلَّا رُؤْيَة الْإِيمَان بِالْغَيْبِ فاستقر قلبه إِيمَانًا بذلك ثمَّ جَاءَت النَّفس بشكها وشركها فأوردت وَلَو رجعت على الْقلب حَتَّى صَار الْقلب ذَا شكّ وشرك فَلَا يزَال صَاحبهَا يضيع هَذَا الْأَمر ويهمله حَتَّى يحل العقد وَمِنْه عقدَة الْإِيمَان فيكفر وَالَّذِي أغاثه الله وأيده لما رأى ضعف الْيَقِين وانقياد الْقلب للنَّفس بِمَا أوردت عَلَيْهِ فزع إِلَى الله حَتَّى قواه وأيده فَإِذا رزق الله عبدا نور الْيَقِين وَنور التَّوْحِيد صَار الْقلب موقنا مخلصا فبقوة هذَيْن يمحو خواطر النَّفس فِي الصَّدْر تِلْكَ الخواطر الَّتِي تورد شكا وشركا فاستقام الْقلب وصلب واستقرت النَّفس منقادة للقلب فَإِذا صَار بِهَذَا الْحَال خَفِي ذَلِك الشَّك والشرك فَلم يُؤثر مَا بَقِي من ذَلِك فِي قُلُوبهم كَمَا لَا يُؤثر دَبِيب النَّمْل على الصَّفَا لِأَن الَّذِي خَفِي من الْبَقِيَّة لَا يقدر أَن يزعزع النَّفس أَو يشغل الْقلب عَن الله
أَلا ترى أَنه قَالَ فِي حَدِيث أبي بكر ﵁ أَفلا أدلك يَا أَبَا بكر على مَا يذهب الله بِهِ صغَار الشّرك وكباره عَنْك قَالَ بلَى رَسُول الله قَالَ تَقول كل يَوْم ثَلَاث مَرَّات اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك أَن أشرك بك وَأَنا أعلم وأستغفرك لما لَا أعلم
فصغار الشّرك مثل قَول الرجل مَا شَاءَ الله وشئت وَمن الند أَن يَقُول لَوْلَا فلَان لَكَانَ كَذَا وَكَذَا
стр. 1150
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إيَّاكُمْ واللو فَإِن اللو يفتح عمل الشَّيْطَان
واللو مِفْتَاح الحسرات وَإِذا تحسر الْقلب تعرى عَن خلع الله
عَن عبد الله ﵁ قَالَ جَاءَ رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله أَي الذَّنب أعظم قَالَ أَن تجْعَل لَهُ ندا وَهُوَ خلقك
فالند هُوَ شَبيه بالضد لِأَن الضِّدّ صُورَة إبِْطَال من يضاده والند من الندو وَهُوَ التباعد والنفار مَعْنَاهُ أَن تجْعَل من دونه دافعا عَنْك فَلَا يدْفع عَنْك إِلَّا من ولي خلقك
وَجَاء فِي الحَدِيث وَمن الند أَن يَقُول لَوْلَا فلَان لَقَتَلَنِي فلَان وَإِنَّمَا صَار أعظم الذُّنُوب لِأَنَّهُ يضعف الْيَقِين وَيعْمل فِي حل الْعقْدَة وَسَائِر الذُّنُوب يعْمل فِي قَضَاء النهمة والتلذذ بالشهوات
وَمعنى قَوْله ﵇ الشّرك أخْفى فِي أمتِي من دَبِيب النَّمْل على الصَّفَا أَن هَذِه الْأمة لما خصوا بِهِ من الْيَقِين لَا يُؤثر فيهم مَا بَقِي
стр. 1151
من الشّرك إِلَّا مَا يخفى أَثَره وَالْخَبَر سيق فِي معرض مدحهم وَإِظْهَار فَضلهمْ على سَائِر الْأُمَم وَلَيْسَ كَمَا يتوهمه قوم أَن المُرَاد من الْخَبَر أَن الشّرك يخفى عَلَيْهِم لغمارتهم وجهلهم لِأَنَّهُ مَا جَاءَ فِي الحَدِيث أَن الشّرك أخْفى فِي الْآدَمِيّين وَلكنه قَالَ أخْفى فِي أمتِي مَا بَال هَذِه الْأمة يخفى عَلَيْهَا من الشّرك مَا لَا يخفى على بني إِسْرَائِيل ويقين هَذِه الْأمة أوفر قَالَ ﵇ مَا أَعْطَيْت أمة من الْيَقِين مَا أَعْطَيْت أمتِي
وَإِنَّمَا معنى الْخَبَر أَن هَذِه الْأمة لليقين الَّذِي نالوه من فضل الله وَرَحمته يذيب خواطر الشَّك والشرك فِي صُدُورهمْ فتدق وتخفى حَتَّى لَا ترى وتضعف حَتَّى لَا يُؤثر كَونهَا على الْقلب كَمَا لَا يُؤثر دَبِيب الذَّر على الصَّفَا وَأما كبار الشّرك فَهُوَ أَن يعْمل بِطَاعَة الله يُرِيد بِهِ غير الله رَجَاء اتِّخَاذ الْمنزلَة عِنْده فَهَذَا موحد قد غلب عَلَيْهِ الْجَهْل فأمل غَيره وَإِذا رَجَعَ إِلَى توحيده علم أَنه لَا يملك أحد نفعا وَلَا ضرا دون الله
رئي شَدَّاد بن أَوْس فِي مُصَلَّاهُ وَهُوَ يبكي قيل مَا أبكاك يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن قَالَ حَدِيث سمعته من رَسُول الله ﷺ قيل وَمَا هُوَ قَالَ بَينا أَنا عِنْد رَسُول الله ﷺ يَوْمًا إِذْ رَأَيْت بِوَجْهِهِ أمرا سَاءَنِي قلت بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله مَا الَّذِي أرى بِوَجْهِك قَالَ أَمر أتخوفه على أمتِي من بعدِي قلت وَمَا هُوَ قَالَ الشّرك والشهوة الْخفية قلت يَا رَسُول الله وتشرك أمتك من بعْدك قَالَ يَا شَدَّاد أما إنَّهُمَا لَا يعْبدُونَ شمسا وَلَا حجرا وَلَا وثنا وَلَكنهُمْ يراءون بأعمالهم قلت يَا رَسُول الله والرياء شرك هُوَ قَالَ نعم قلت فَمَا الشَّهْوَة الْخفية قَالَ يصبح أحدهم صَائِما فتعرض لَهُ شَهْوَة من شهوات الدُّنْيَا فيفطر
стр. 1152
وَقَالَ الْحسن ﵁ الرِّيَاء شرك
قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه فليعمل عملا صَالحا وَلَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدا﴾
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه خرج ذَات يَوْم إِلَى أَصْحَابه وهم يتناجون فَقَالَ مَا هَذَا النَّجْوَى قَالُوا يَا رَسُول الله كُنَّا نتحدث عَن فتْنَة الْمَسِيح الدَّجَّال فَقَالَ ﵇ أَلا أخْبركُم بأعظم فتْنَة من الدَّجَّال رجل يعْمل لمَكَان رجل
стр. 1153
- الأَصْل الْخَامِس وَالسَّبْعُونَ والمائتان
-
فِي غياث الْعباد فِي أَربع السُّلْطَان وَالْقُرْآن وَأهل الْإِيمَان وأشرف الْمَكَان الْكَعْبَة
عَن عبد الله بن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ السُّلْطَان ظلّ الله يأوي إِلَيْهِ كل مظلوم من عباده فَإِذا عدل كَانَ لَهُ الْأجر وعَلى الرّعية الشُّكْر وَإِذا جَار كَانَ عَلَيْهِ الإصر وعَلى الرّعية الصَّبْر وَإِذا جارت الْوُلَاة قحطت السَّمَاء وَإِذا منعت الزَّكَاة هَلَكت الْمَوَاشِي وَإِذا ظهر الزِّنَا ظهر الْفقر والمسكنة وَإِذا خفرت الذِّمَّة أديل الْكفَّار
قَالَ أَبُو عبد الله ﵁ إِن الله تَعَالَى أغاث عباده فِي أرضه
стр. 1154
بِأَرْبَع بِالْقُرْآنِ وَهُوَ كَلَامه كي يهتدوا بِهِ إِلَى الله تَعَالَى وبالسلطان وَهُوَ ظله كي يتمانعوا بِهِ عَمَّا فِي أَيْديهم من المهجة وَالْمَال والأهل وَالْولد وبالإيمان وَفِيه نور كي يهتدوا بِهِ إِلَى خالقهم وَبِالْكَعْبَةِ وَهِي أشرف الْبُنيان كي يفوزوا بِالرَّحْمَةِ الَّتِي فِيهَا إِذا طافوا بهَا فَإِذا قصدُوا الله جعلُوا نوره مرْآة قُلُوبهم فَيَنْظُرُونَ فِيهَا إِلَى عجائب مَا أبرز من ملكه من لدن عَرْشه إِلَى الثرى وَإِلَى عجائب تَدْبيره فيهم وَإِلَى قدرته عَلَيْهِم فأداهم ذَلِك النّظر بِقُوَّة ذَلِك النُّور إِلَى عَظمته وجلاله ونفاد قدرته وَإِلَى جوده وَكَرمه ولطفه وَعطفه عَلَيْهِم وبره بهم وعظيم مننه فامتلأت صُدُورهمْ وَقُلُوبهمْ بِهِ غنى وقويت أركانهم للْقِيَام بأموره وانقادت نُفُوسهم واستسلمت لله وَإِذا قصدُوا الْقُرْآن جعلُوا بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم علما لعسكر الْقُرْآن فَإِن الْقُرْآن بِمَنْزِلَة جند وعسكر فِيهِ ألوان الأسلحة وآلات الْحَرْب وَالْعدة فِيهِ يحارب الْهوى وَالنَّفس والعدو وَيبْطل مكائدهم قَالَ تَعَالَى ﴿فَمن اتبع هُدَايَ فَلَا يضل وَلَا يشقى﴾
وبسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم قسم من رَبنَا عِنْد رَأس كل سُورَة يقسم لِعِبَادِهِ أَن هَذَا الَّذِي وصفت لكم يَا عبَادي فِي هَذِه السُّورَة حق وَأَنِّي أَفِي لكم بِجَمِيعِ مَا ضمنت فِي هَذِه السُّورَة من وعدي ولطفي وبري ثمَّ حض الشَّيْء الَّذِي بِهِ عظمت فتْنَة الْعباد وَهُوَ الرزق فخصه بقسم آخر فَقَالَ ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْض إِنَّه لحق مثل مَا أَنكُمْ تنطقون﴾
وَإِذا قصدُوا الْكَعْبَة لاذوا بهَا وجددوا بيعَة الْإِسْلَام الَّذِي دنسوه وأخلقوه باستلام الْحجر الَّذِي فِيهِ بيعتهم حِين استخرجهم من الأصلاب للميثاق
стр. 1155
وَإِذا قصدُوا السُّلْطَان ارتبعوا فِي ظله وسكنت نُفُوسهم فِي المستراح من ذَلِك الظل فَإِن الظُّلم لَهُ وهج وحرارة تحرق الأجواف وتظمأ الأكباد فَإِذا رَأَتْ الْغنم الظل وأحست بِالْمَاءِ اندفعت فِي السّير وصيرته مفزعا فَإِذا صَارَت إِلَى الظل مَعَ الظمأ والعطش الشَّديد لم تَجِد المَاء فَبَقيت على اليبس وَوجدت الذئاب قد سبقن إِلَى الظل وقعدن بِمَرْصَد للغنم فَمَا ظن الْعَاقِل بِتِلْكَ الْغنم مَاذَا يكون حَالهَا وَمَا ظَنّه بِرَبّ الْغنم مَاذَا يَقُول لِلرَّاعِي وَعَسَى أَن يَقُول لَهُ ألم يكن مَعَك أسلحة وحراس تطرد الذئاب عَن هَذَا المستراح وَكَيف سددت مجْرى الْعُيُون حَتَّى عطشت الْغنم
وَأما قَوْله إِذا جارت الْوُلَاة قحطت السَّمَاء مَعْنَاهُ انْقِطَاع الْمَطَر من مَاء الْحَيَوَان الَّذِي ينزل من تَحت الْعَرْش من بَحر الأرزاق إِلَى السَّمَاء فِي الأبزن والأبزن هُوَ مستنقع المَاء فِي السَّمَاء فَإِذا أصَاب السَّمَاء الْقَحْط انْقَطع عَن الأَرْض الْقطر فَإِذا انْقَطع الْقطر مَاتَت الأَرْض فَلم تنْبت لِأَن الأَرْض إِنَّمَا تنْبت بحياتها وحياتها من مَاء الْحَيَوَان فَإِذا جارت الْوُلَاة ذهب الْعدْل عَن الأَرْض وَإِذا ذهب الْعدْل منعت الْحَيَاة مَاء الْحَيَوَان عَن أَن يقطر فالوالي فاصل بَين الْحق وَالْبَاطِل فَإِذا ذهب الْفَاصِل انْقَطَعت الرَّحْمَة
وَأما قَوْله إِذا منعت الزَّكَاة هَلَكت الْمَوَاشِي فَإِن الزَّكَاة نمو المَال والنمو من الْبركَة وَإِذا منعت الزَّكَاة دنس المَال وَلَا بَقَاء للبركة مَعَ الدنس وَإِذا ارتحلت الْبركَة عَن شَيْء هلك ذَلِك الشَّيْء
وَأما قَوْله إِذا ظهر الزِّنَا ظهر الْفقر فَمن أجل أَن الْغنى من فضل الله تَعَالَى وَالْفضل لأهل الْفَرح بِاللَّه وبعطائه والمناكحة بمحاب الله وبأمره وحبه يلتقي الزَّوْجَانِ على الأفراح بِاللَّه وعدهم الله بذلك فِي تَنْزِيله الْغَنِيّ
стр. 1156
من فَضله فَقَالَ ﴿وَأنْكحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم وَالصَّالِحِينَ﴾ الْآيَة وَبَين فِي الْآيَة من أَيْن يغنيهم فَقَالَ ﴿من فَضله﴾ وَالْفضل قبل الْقِسْمَة
وَلذَلِك قَالَ عمر ﵁ مَا وجدنَا الطّلب للغنى فِي مثل الْبَاءَة وتلا هَذِه الْآيَة
فَإِذا زنى فقد آثر الْفَرح الَّذِي هُوَ من قبل الْعَدو السابي لِقَلْبِهِ على الْفَرح الَّذِي ندب الله إِلَيْهِ عباده فَقَالَ ﴿قل بِفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾ فَذهب الْفضل والغنى لِأَنَّهُ قد جاوره من يدنسه
وَأما قَوْله إِذا أخفرت الذِّمَّة أديل الْكفَّار لِأَن الْمُؤمن عَاهَدَ الله بِالْوَفَاءِ بِذِمَّتِهِ فَإِذا أَخْفَر نقض الْعَهْد وَإِذا نقض الْعَهْد وَهِي عقدَة الْمعرفَة لِأَن الْمعرفَة مقرونة بالعهد معقودة بِهِ فبنقض الْعَهْد يخَاف انحلال العقد وَمن قبل الانحلال تذْهب هَيْبَة الْإِسْلَام ويقذف الوهن فِي الْقُلُوب
عَن ثَوْبَان مولى النَّبِي ﵇ قَالَ سَمِعت النَّبِي ﵇ قَالَ ليتداعى عَلَيْكُم الْأُمَم كَمَا يتداعى الْأكلَة إِلَى قصعتها قلت يَا رَسُول الله وَمن قلَّة بِنَا يَوْمئِذٍ قَالَ لَا بل أَنْتُم كثير وَلَكِنَّكُمْ غثاء كغثاء السَّيْل وَلَينْزَعَنَّ الله المهابة من صُدُور عَدوكُمْ مِنْكُم وليقذفن فِي قُلُوبكُمْ الوهن فَقلت يَا رَسُول الله وَمَا الوهن قَالَ حب الدُّنْيَا وَكَرَاهَة الْمَوْت
стр. 1157
- الأَصْل السَّادِس وَالسَّبْعُونَ والمائتان
-
فِي مَا ترَاءى للحكيم فِي منَازِل الْقرْبَة مجاوبات لِلْآيَةِ الَّتِي فِيهَا السَّجْدَة
عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا سجد قَالَ سجد لَك سوَادِي وخيالي وآمن بك فُؤَادِي أَبُوء بنعمتك عَليّ وأبوء بذنبي هَذَا مَا جنيت على نَفسِي فَاغْفِر لي إِنَّه لَا يغْفر الذَّنب الْعَظِيم إِلَّا أَنْت
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت كَانَ رَسُول الله ﷺ يَقُول فِي سُجُود الْقُرْآن بِاللَّيْلِ مرَارًا سجد وَجْهي للَّذي خلقه وصوره وشق سَمعه وبصره بحوله وقوته
стр. 1158
عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يقْرَأ فِي سُجُوده اللَّهُمَّ اغْفِر لي ذَنبي كُله دقيقه وجليله أَوله وَآخره سره وعلانيته
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول فِي سُجُوده أعوذ بعفوك من عقابك وَأَعُوذ برضاك من سخطك وَأَعُوذ بك مِنْك جلّ وَجهك لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك يَا عَظِيم فَقلت يَا رَسُول الله لقد سَمِعتك تَقول فِي سجودك شَيْئا مَا سَمِعتك تذكره قَالَ وَقد علمت ذَلِك قلت نعم قَالَ تعلميهن وعلميهن فَإِن جِبْرَائِيل ﵇ أَمرنِي أَن أكررهن فِي السُّجُود
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله رَأَيْتنِي هَذِه اللَّيْلَة فِيمَا يرى النَّائِم كَأَنِّي أُصَلِّي خلف شَجَرَة وَرَأَيْت كَأَنِّي قَرَأت السَّجْدَة فسجدت فَرَأَيْت الشَّجَرَة مَكَانهَا سجدت لسجودي وَهِي تَقول اللَّهُمَّ اكْتُبْ لي بهَا عنْدك أجرا وضع عني بهَا وزرا وَاجْعَلْهَا لي عنْدك ذخْرا واقبلها مني كَمَا قبلت من عَبدك دَاوُد ﵇
قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ فَقَرَأَ رَسُول الله ﷺ السَّجْدَة ثمَّ سجد فَسَمعته يَقُول كَمَا قَالَ الرجل عَن قَول الشَّجَرَة
стр. 1159
- الأَصْل السَّابِع وَالسَّبْعُونَ والمائتان
-
فِي الْحِكْمَة فِي فتاني الْقَبْر
عَن عبد الله بن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ ذكر يَوْمًا فتاني الْقَبْر فَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ أترد إِلَيْنَا عقولنا يَا رَسُول الله قَالَ نعم كهيئتكم الْيَوْم فَقَالَ عمر ﵁ فَفِي فِيهِ الْحجر
قَالَ أَبُو عبد الله ﵁ قد فسرنا هَذَا الحَدِيث فِي الأَصْل السَّادِس وَالْعِشْرين وَبقيت علينا نُكْتَة لم نأت على تَفْسِيرهَا وَذَلِكَ أَنا سئلنا مَا سَبَب هَذِه الْفِتْنَة فِي الْقَبْر وَقد انْقَطَعت العبودة عِنْد خُرُوج الرّوح إِلَى الله موحدا وانكشف الغطاء وَالْجَوَاب فِي ذَلِك وَالله أعلم أَن الله تَعَالَى من على الْمُوَحِّدين الْمُؤمنِينَ بمعرفته وتوحيده وَذَلِكَ من فَضله وَرَحمته وخاب الْآخرُونَ عَن فَضله وَرَحمته وَكَانَ يبْعَث الرَّسُول بعد الرَّسُول إِلَى الْأُمَم فَكَانَ الْمَمْنُون عَلَيْهِ يُؤمن بِهِ وَيتبع الرَّسُول فِي شَرِيعَته والخائب يكذب الرَّسُول ويتخذ من دون الله وليا يعبده فَكَانَ يمهلهم حَتَّى يُرِيهم الْآيَات ثمَّ إِذا لم يُؤمنُوا بعث عَلَيْهِم عذَابا ودمرهم
стр. 1160
ثمَّ ينشئ قرنا آخر فَكَانَ هَذَا سنة الله فِي الَّذين خلوا من قبل وَقَالَ فِي تَنْزِيله عِنْدَمَا قصّ نبأ نوح وَإِبْرَاهِيم وَعَاد وَثَمُود وَشُعَيْب ومُوسَى وَفرْعَوْن ثمَّ قَالَ ﴿فكلا أَخذنَا بِذَنبِهِ فَمنهمْ من أرسلنَا عَلَيْهِ حاصبا وَمِنْهُم من أَخَذته الصَّيْحَة وَمِنْهُم من خسفنا بِهِ الأَرْض وَمِنْهُم من أغرقنا﴾ ثمَّ بعث الله مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولا فَقَالَ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة للْعَالمين﴾
وَكَانَ من رَحمته أَن أعطَاهُ السَّيْف بدل الْعَذَاب الَّذِي كَانَ يَأْتِي الْأُمَم بَغْتَة فيهلكهم كي يخوفهم بِالسَّيْفِ حَتَّى يدخلُوا فِي الْإِسْلَام طَوْعًا وَكرها إِذا مرنت نُفُوسهم الكارهة فِي الدّين على شَرِيعَة الْإِسْلَام انقادت وأطاعت وزايلهم الْغِشّ والنفاق وَمِنْهُم من لم يزل النِّفَاق فيهم إِلَى أَن مَاتَ فَستر الله عَلَيْهِم ذَلِك فَكَانَ المُنَافِقُونَ يخالطون الْمُسلمين فِي مناكحاتهم ومواريثهم ومغازيهم ومعاملاتهم والنفاق فِي الْقلب وَلم يكن قبل ذَلِك نفاق إِنَّمَا كَانَ تَصْدِيق وَتَكْذيب لِأَنَّهُ لم يكن هُنَاكَ تخويف بِالسَّيْفِ فَكَانَ المكذبون يجهرون بالتكذيب حَتَّى يَأْتِيهم عَذَاب الله بَغْتَة فَلَمَّا جَاءَت هَذِه الْأمة وخوفوا بِالسَّيْفِ دخلُوا فِي الدّين طَوْعًا وَكرها فَجَاءَهُمْ الِابْتِلَاء فِي الْقَبْر ليظْهر نصْرَة الله للمطيع فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا الثَّابِت فِي قبُوله الْإِسْلَام ويلقن الْجَواب عِنْد السُّؤَال ويضل الله الظَّالِم الَّذِي كَانَ مَعَ النِّفَاق أَيَّام الْحَيَاة
يُحَقّق مَا قُلْنَا مَا رُوِيَ عَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ هَذِه الْأمة تبتلى فِي قبورها
следующие страницы →