← Книги сунны

Книги сунны · id 720

نوادر الأصول في أحاديث الرسول

الحكيم الترمذي

Полный текст (1 237 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَمن هَهُنَا مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه أُتِي بِعَسَل قد خيض بِمَاء فَرده وَقَالَ أما إِنِّي لَا أحرمهُ وَلَكِنِّي أتركه تواضعا لله تَعَالَى كَأَنَّهُ رأى أَن النَّفس إِذا أَعْطَيْت شهواتها فَذَاك من الاستكبار وَإِذا منعت فَذَاك من التَّوَاضُع لله تَعَالَى هَذَا فِيمَا حل وَأطلق لَهُ فَكيف بِمَا حرم عَلَيْهِ وان الله تَعَالَى خلق الْجنَّة فحشاها بالنعيم ثَوابًا لأَهْلهَا وَخلق النَّار فحشاها بِالْعَذَابِ عقَابا لأَهْلهَا وَخلق الدُّنْيَا فحشاها بالآفات وَالنَّعِيم محنة وابتلاء ثمَّ خلق الْخلق وَالْجنَّة وَالنَّار فِي غيب مِنْهُم لم يعاينوه فالنعيم والآفات الَّتِي فِي الدُّنْيَا من أنموذج الْآخِرَة ومذاقه فِيهَا وَخلق فِي الأَرْض من عبيده ملوكا أَعْطَاهُم سُلْطَانا أرعب بِهِ الْقُلُوب وَملك بِهِ النُّفُوس قهرا أنموذجا ومثالا لتدبيره وَملكه ونفاذ أمره وَوصف الدَّاريْنِ وَضرب الْأَمْثَال ثمَّ قَالَ ﴿وَتلك الْأَمْثَال نَضْرِبهَا للنَّاس وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ﴾ وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا شَهْوَة وَلَا نعْمَة إِلَّا وَهِي أنموذج الْجنَّة وذوقها ثمَّ من وَرَاء ذَلِك فِيهَا مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر وَلَا سمي للعباد مِنْهَا لم ينتفعوا بِتِلْكَ الْأَسْمَاء لأَنهم لم يعقلوه هَهُنَا وَلَا رَأَوْهُ وَلَا أنموذج لَهَا فِي الدُّنْيَا وَالْجنَّة مائَة دَرَجَة وَإِنَّمَا وصف مِنْهَا ثَلَاث دَرَجَات الذَّهَب وَالْفِضَّة والنور ثمَّ مَا وَرَاء ذَلِك لَا تحتمله الْعُقُول وَلأَهل الْجنَّة تلاق وزيارات ومتحدث من مَوَاطِن الألفة ومجتمع فِي ظلّ طُوبَى ويركبون رفارف والرفرف شَيْء إِذا اسْتَوَى عَلَيْهِ رَفْرَف بِهِ وأهوى بِهِ كالمرجاح يَمِينا وَشمَالًا ورفعا وخفضا يتلذذ مَعَ أنيسه فَإِذا ركبُوا الرفارف أَخذ إسْرَافيل ﵇ فِي السماع

стр. 107

وَقَالَ طَلْحَة بن مطرف ﵁ يُعجبنِي أَن يمر بِي يَوْم النيروز وَأَنا لَا أشعر بِهِ وَمن ذهب يَصُوم فِي ذَلِك الْيَوْم وَيزِيد فِي أَعمال الْبر يتوخى بذلك خلافًا لَهُم فَهَذَا مَذْهَب أَيْضا وَلَكِن الْمَذْهَب الأول وَهُوَ مَا ذكره طَلْحَة بن مصرف أسلم لَهُ فَإِن هَؤُلَاءِ اتخذوه عيدا لنزهتهم وسرورهم وَهَذَا قد اتَّخذهُ عيدا لعبادته والإتخاذ يشبه الاتخاذ وَإِن كَانَ العملان متباينين أَلا ترى أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة وَقَالَ لَا تتخذوه عيدا وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه أُتِي بفالوذج فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا إِنَّه يَوْم نيروز وَذَلِكَ بِأَرْض الْعرَاق قَالَ نورزوا كل يَوْم كَأَنَّهُ أَرَادَ ان لَا يعبأ بِهِ

стр. 108

- الأَصْل الرَّابِع وَالْعشْرُونَ - فِي قَوْله ﷺ احشر أَنا وَأَبُو بكر وَعمر عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أحْشر أَنا وَأَبُو بكر وَعمر هَكَذَا وَأخرج السبابَة وَالْوُسْطَى والبنصر وَأرَاهُ قَالَ وَنحن مشرفون على النَّاس السبابَة من الْأَصَابِع الَّتِي تلِي الابهام وَكَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة تدعى السبابَة لأَنهم كَانُوا يسبون بهَا فَلَمَّا جَاءَ الله تَعَالَى بالاسلام سَموهَا المشيرة وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا يشيرون بهَا إِلَى الله بِالتَّوْحِيدِ وَفِي حَدِيث وَائِل بن حجر سَمَّاهَا السباحة وَلَكِن اللُّغَة سَارَتْ بِمَا كَانَت تعرف فِي الْجَاهِلِيَّة فَغلبَتْ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تَأْكُلُوا بِهَاتَيْنِ وَأَشَارَ بالابهام والمشيرة وَقَالَ كلوا بِثَلَاث فَإِنَّهَا سنة وَلَا تَأْكُلُوا بِخمْس فَإِنَّهَا أَكلَة الْأَعْرَاب فالأكل بالخمس عَلامَة الْحِرْص والاقتحام فِي الطَّعَام وَذَلِكَ مِمَّا يمحق الْبركَة وَيفْسد على أَصْحَابه حَتَّى يعافوه وَالْأكل بإصبعين مِمَّا لَا

стр. 109

يَسْتَوْفِي وَهِي أَكلَة الْمُلُوك وزي أهل النخوة الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ ويمتنعون عَن الْأكل عتوا وتجبرا وصلفا وَإِذا نظرُوا فبلحاظ أَعينهم وَإِذا تكلمُوا فبأشداق أَفْوَاههم وَإِذا سمعُوا فبأصعار خدودهم وَإِذا تناولوا فبأطراف أناملهم وَإِذا مَشوا فبأجنحة صُدُورهمْ وتمطي خواصرهم متبخترين مشْيَة مطيطا بِضَم الْمِيم مدودا بطرا وعلوا وَالْأكل بِثَلَاثَة أَصَابِع تواضع عَن النخوة وعفة عَن الْحِرْص فَالْأول غلو وَالْآخر تَفْرِيط وَمَا بَينهمَا وسط قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ ﵀ ان دين الله وضع على الْقَصْد فَدخل الشَّيْطَان فِيهِ بالإفراط وَالتَّقْصِير فهما سبيلان إِلَى نَار جَهَنَّم وَعنهُ أَن دين الله تَعَالَى وضع دون الغلو وَفَوق التَّقْصِير عَن كَعْب بن عجْرَة ﵁ قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يَأْكُل بِثَلَاث أَصَابِع بالإبهام وَالَّتِي تَلِيهَا وَالْوُسْطَى ثمَّ رَأَيْته لحق أَصَابِعه الثَّلَاث حِين أَرَادَ أَن يمسحها فلعق الْوُسْطَى ثمَّ الَّتِي تَلِيهَا ثمَّ الْإِبْهَام فَأَما قَوْله ﷺ أحْشر أَنا وَأَبُو بكر وَعمر يَوْم الْقِيَامَة هَكَذَا فَهَذَا على درجاتهم فَكَانَت إِشَارَة رَسُول الله ﷺ بأصابعه الثَّلَاث وَرُوِيَ لنا عَن أَصَابِع رَسُول الله ﷺ أَن المشيرة مِنْهَا كَانَت أطول

стр. 110

من الْوُسْطَى والبنصر أقصر من الْوُسْطَى وَذكر الْمنَازل والإشراف على الْخلق وَأَن رَسُول الله ﷺ أعلاهم اشرافا ثمَّ من بعده أَبُو بكر دون رَسُول الله ﷺ فَوق عمر ثمَّ من بعده عمر دون أبي بكر ﵄ فَمن لم يعرف شَأْن أَصَابِع رَسُول الله ﷺ حمل تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث على الانضمام والاقتراب بَعضهم من بعض وَهَذَا معنى بعيد لِأَن حشر رَسُول الله ﷺ حشر الرُّسُل ﵈ وَحشر أبي بكر وَعمر حشر الصديقين رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَكَذَلِكَ مقَامه فِي العرصات هُوَ فِي مقَام النَّبِيين ومقامهما من العرصات مقَام الصديقين عَن مَيْمُونَة بنت كروم ﵂ قَالَت خرجت فِي حجَّة حَجهَا رَسُول الله ﷺ وَلَقَد رَأَيْتنِي أتعجب وَأَنا جَارِيَة من طول إصبعه الَّتِي تلِي الْإِبْهَام على سَائِر أَصَابِعه

стр. 111

- الأَصْل الْخَامِس وَالْعشْرُونَ - فِي أَن الْكِتَابَة قيد للْعلم وَحفظ لَهُ من النسْيَان عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ قيدوا الْعلم بِالْكِتَابَةِ وَفِي الْمَأْثُور من الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ أَن الله تَعَالَى لما خلق آدم خلق لِقَلْبِهِ غاشية تنطبق مرّة وترتفع مرّة فَمَا سمع والغاشية مُرْتَفعَة حفظه وَمَا سمع والغاشية منطبقة نَسيَه عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ لعمر بن الْخطاب ﵁ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مِم يذكر الرجل ومم ينسى فَقَالَ إِن على الْقلب طخاءة كطخاءة الْقَمَر فَإِذا تغشت الْقلب نسي بن آدم مَا كَانَ يذكر وَإِذا تجلت ذكر مَا كَانَ نسي وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَن أول من خطّ بالقلم بعد آدم إِدْرِيس ﵉ وَسمي بذلك لِأَنَّهُ كَانَ يدرس الْكتب وَكتب نوح

стр. 112

عَلَيْهِ السَّلَام ديوَان السَّفِينَة وَكتب الله تَعَالَى التَّوْرَاة لعَبْدِهِ مُوسَى ﵇ قَالَ تَعَالَى وكتبنا لَهُ فِي الألواح من كل شَيْء وَكتب الزبُور من زبر الرجل أَي كتب وَقَالَ تَعَالَى فِي تَنْزِيله وكل شَيْء فَعَلُوهُ فِي الزبر أَي فِي اللَّوْح وَأول مَا بَدَأَ شَأْن الْكِتَابَة بَدَأَ الْقَلَم واللوح فَكتب مَا هُوَ كَائِن وَالْكتاب حق وتدبير من الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ والكتب الْجمع بَين الْحُرُوف وَمِنْه سميت الكتيبة لِأَنَّهَا جمعت فَإِذا قيدت الْمعَانِي بِهَذِهِ الْحُرُوف المخطوطة الَّتِي هِيَ دَلَائِل على الْمعَانِي فَإِن كَانَت مَحْفُوظَة فالكتاب مُسْتَغْنى عَنهُ وَإِن نسيت صَار الْكتاب نعم الْمُسْتَوْدع وَإِن دخل الْقلب ريب فِي ذَلِك نفى الريب واطمأنت النَّفس وَقد أدب الله الْعباد وحثهم على مصالحهم فَقَالَ عز من قَائِل فِي شَأْن المداينة ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا تداينتم﴾ الْآيَة فَاعْلَم أَن الْكِتَابَة قسط عِنْد الله تَعَالَى وَهُوَ الْعدْل يُؤَدِّي مَا ائْتمن واستودع وأقوم للشَّهَادَة أَي أَحْرَى أَن يقوم بهَا وَأبْعد من الشَّك والريبة وَمن هَهُنَا أَخذ طَاوُوس فَقَالَ يَسعهُ أَن يشْهد على خطه وَهُوَ لَا يذكر فَإِذا كَانَ تجار الدُّنْيَا فِي المداينة فِيمَا بَينهم يقيدون الْأَمَانَات المؤجلة لِئَلَّا تدرس ليؤدوها فِي مَوَاقِيت حلهَا ندبهم الله تَعَالَى إِلَيْهِ ودلهم عَلَيْهِ كَانَ تجار الْآخِرَة فِي تَقْيِيد الْأَمَانَات الَّتِي أَخذ الله تَعَالَى الْمِيثَاق فِيهَا أَن يؤدوه وَلَا يكتموه أَحْرَى أَن يحافظوا عَلَيْهَا ويداوموا على إِثْبَاتهَا وَتَقْيِيد رسومها لِئَلَّا تدرس ليؤدوها فِي مواقيتها عِنْد حَاجَة الْخلق إِلَيْهَا فِي نوازلهم فَإِن أَمَانَة الدّين أعظم شَأْنًا من أَمَانَة الدُّنْيَا وَقد ائْتمن الله تَعَالَى

стр. 113

أهل الْأَمْوَال ليحرزوها ويحفظوها ويراقبوا أَمر الله تَعَالَى فِيهَا من صرفهَا فِي وجوهها وَإِخْرَاج حُقُوقهَا وإنفاقها فِي السبل الَّتِي أذن الله تَعَالَى فِيهَا وائتمن الله تَعَالَى أهل الْعلم على مَا أودعهم من نوره وبراهينه وَكتبه وحججه ليحرزوها ويحفظوها ويراقبوا أَمر الله تَعَالَى فِيهَا من صرفهَا فِي وجوهها وَوضع كل شَيْء مِنْهَا موَاضعهَا وَإِخْرَاج حُقُوقهَا لأهل الْحَاجة إِلَيْهَا وإنفاقها فِي السَّبِيل الَّتِي سبلها الله تَعَالَى لَهُم وَلِهَذَا مَا جَاءَ فِي الْخَبَر ان الله تَعَالَى يخْتَص هذَيْن الصِّنْفَيْنِ من جَمِيع الْخلق لِلْحسابِ فَيَقُول للْعُلَمَاء كُنْتُم رُعَاة غنمي وَلأَهل الْأَمْوَال كُنْتُم خزان أرضي فقبلكم الْيَوْم طلبني فالمراعي بيد الْخزَّان والمرعى بيد الرُّعَاة إِذا أرعى الخازن الْغنم رعاه الرَّاعِي وَذَلِكَ أَن مرعى الْغنم دنياهم وَالدُّنْيَا بأيدي الْخزَّان وَالرِّعَايَة بأيدي الرُّعَاة يسوقهم إِلَيْهَا فيرعيهم ويوردهم المَاء حَتَّى يعيشوا وَهُوَ الْعلم الَّذِي بَين لَهُم مِنْهُ وَإِن تردي مترد جبر كسيرته وَإِن عدى الذِّئْب طردهم عَنهُ بالكلاب وَإِن مَال إِلَى منابت السوء من السمُوم القاتلة صرف وُجُوههم عَنْهَا فَهَؤُلَاءِ الرُّعَاة فَهَذَا شَأْن عَظِيم قد قلدوا من أُمُور الْخلق فَوَقَعت شدَّة الْحساب عَلَيْهِم وَإِذا منع الخازن هَلَكت الْغنم وَإِذا ضيع الرَّاعِي هَلَكت وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي الْخَبَر أَنه يُنَادى يَوْم الْقِيَامَة يَا راعي السوء أكلت اللَّحْم وشربت اللَّبن ولبست الصُّوف وَلم تأو لي الضَّالة وَلم تجبر الكسيرة وَلم ترعسها فِي مرعاها الْيَوْم أنتقم مِنْك فَأَما قَول رَسُول الله ﷺ إِن من أَشْرَاط السَّاعَة أَن تُوضَع الأخيار وترفع الأشرار وَأَن تقْرَأ الْمُثَنَّاة على رُؤُوس النَّاس وَمَا

стр. 114

شددت الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم فِي ذَلِك فَقَالُوا كتاب مَعَ كتاب الله فَإِن ذَلِك مِمَّا كَانَت الْيَهُود فعلته وَقد وصف الله تَعَالَى فِي تَنْزِيله الْكَرِيم فَقَالَ فويل للَّذين يَكْتُبُونَ الْكتاب بِأَيْدِيهِم ثمَّ يَقُولُونَ هَذَا من عِنْد الله ليشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا وَذَلِكَ أَنه لما درس الْأَمر فيهم وَسَاءَتْ رَغْبَة عُلَمَائهمْ أَقبلُوا على الدُّنْيَا حرصا وجمعا فطلبوا شَيْئا يصرف وُجُوه النَّاس إِلَيْهِم فأحدثوا فِي شريعتهم وبدلوا وألحقوا ذَلِك بِالتَّوْرَاةِ وَقَالُوا لسفهائهم هَذَا من عِنْد الله ليقبلوها عَنْهُم فتتأكد رياستهم وينالوا بِهِ حطام الدُّنْيَا وَكَانَ مِمَّا أَحْدَثُوا فِيهِ أَن قَالُوا لَيْسَ علينا فِي الْأُمِّيين سَبِيل وهم الْعَرَب أَي مَا أَخذنَا من أَمْوَالهم فَهُوَ حل لنا وَكَانَ مِمَّا أَحْدَثُوا فِيهِ أَن قَالُوا لَا يضرنا ذَنْب فَنحْن أحباؤه وأبناؤه تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَإِنَّمَا كَانَ فِي التَّوْرَاة يَا أحباري وَيَا أَبنَاء رُسُلِي فغيروه وَكَتَبُوا يَا أحبائي وَيَا أبنائي فَأنْزل الله تَعَالَى تكذيبهم ﴿وَقَالَت الْيَهُود وَالنَّصَارَى نَحن أَبنَاء الله وأحباؤه قل فَلم يعذبكم بذنوبكم﴾ فَقَالَت لن يعذبنا وَإِن عذبنا فأربعين يَوْمًا مِقْدَار أَيَّام الْعجل فَأنْزل الله تَعَالَى وَقَالُوا لن تمسنا النارإلا أَيَّامًا مَعْدُودَة قل أتخذتم عِنْد الله عهدا فَلَنْ يخلف الله عَهده أم تَقولُونَ على الله مَالا تعلمُونَ بلَى من كسب سَيِّئَة الأية فحذر الرَّسُول ﷺ هَذِه الْأمة لما قد علم مَا يكون فِي آخرالزمان فَحَذَّرَهُمْ أَن يحدثوا من تِلْقَاء أنفسهم مُعَارضا لكتاب الله تَعَالَى

стр. 115

فيضلوا بِهِ النَّاس والمثناة مَا ثني من الْكتاب ليصرف وُجُوه النَّاس عَن كتاب الله تَعَالَى فَأَما إِثْبَات الْكتاب وَمَا سمعُوا من الرَّسُول ﷺ من تَفْسِيره وَبَيَانه وَشَرحه فمحمود قَالَ ﷺ أَلا وَإِنِّي أُوتيت الْكتاب وَمثله فَلَا يتكئن أحدكُم على أَن يَقُول مَا وجدنَا فِي كتاب الله أَخذنَا بِهِ وَمَا لم نجد تَرَكْنَاهُ فِي كَلَام نَحْو هَذَا وَكَانَ الَّذين يَأْخُذُونَ عَن رَسُول الله ﷺ أهل بصائر ويقين وتجلية قُلُوب ويحفظون عَنهُ فَلَمَّا صَارُوا إِلَى الْقرن الَّذِي يَلِيهِ وَظَهَرت الْفِتَن احْتِيجَ الى إثْبَاته فِي الْكتب فَمنهمْ من هاب ذَلِك لِأَنَّهُ رَآهُ حَدثا وأمرا لم يكن على عهد رَسُول الله ﷺ فهاب أَن يكون بِدعَة وَمِنْهُم من تجاسر عَلَيْهِ لما رأى فِيهِ من النَّفْع كَمَا تجاسر أَبُو بكر ﵁ على جمع الْقُرْآن وهابه عمر ﵁ وَقَالَ أنفعل مَا لم يفعل رَسُول الله ﷺ قَالَ عمر ﵁ فَلم يزل يرادني فِي ذَلِك حَتَّى شرح الله صَدْرِي لذَلِك كَمَا شرح صَدره فَجمعُوا على تأليفه أبي بن كَعْب وقراء الْقُرْآن ﵃ فَكَذَلِك هَذِه الْكتب لم يزل النَّاس كلما مضى قرن احوج إِلَى تَقْيِيده وَبَيَانه وَشَرحه لِأَن الْعلم فِي إدبار وَالْجهل فِي إقبال حَتَّى غلب الْجَهْل وأحاط بالخلق الْبلَاء ونجمت قُرُون الْبدع فأحوج مَا كَانُوا إِلَى شَرحه وَبَيَانه فِي هَذَا الْوَقْت وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَقد أذن رَسُول الله ﷺ لغير وَاحِد من أَصْحَابه فِي ذَلِك رضوَان الله عَلَيْهِم

стр. 116

عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رجلا شكى إِلَى رَسُول الله ﷺ سوء الْحِفْظ فَقَالَ اسْتَعِنْ بيمينك عَن عبد الله بن عَمْرو ﵁ أَنه اسْتَأْذن رَسُول الله ﷺ فِي صحيفَة يكْتب فِيهَا مَا سمع مِنْهُ فَأذن لَهُ عَن عبد الله بن عَمْرو أَنه قَالَ يَا رَسُول الله أكتب مَا أسمع مِنْك قَالَ نعم قَالَ عِنْد الْغَضَب والرضى قَالَ نعم فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَن أَقُول إِلَّا حَقًا عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ خطب حَيْثُ افْتتح مَكَّة شرفها الله فَقَامَ رجل من أهل الْيمن يُقَال لَهُ أَبُو شاه فَقَالَ اكْتُبْ هَذَا لي يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اكتبوه لأبي شاه يَعْنِي تِلْكَ الْخطْبَة عَن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ قَالَ قيدوا الْعلم قُلْنَا وَمَا تَقْيِيده قَالَ علمُوا وتعلموا واستنسخوه فَإِنَّهُ يُوشك أَن يذهب الْعلمَاء وَيبقى الْقُرَّاء لَا يُجَاوز قِرَاءَة أحدهم تراقيه

стр. 117

- الأَصْل السَّادِس وَالْعشْرُونَ - فِي ذكر فتاني الْقَبْر عَن عبد الله بن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ ذكر يَوْمًا فتاني الْقَبْر فَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ أترد إِلَيْنَا عقولنا يَا رَسُول الله قَالَ نعم كهيئتكم الْيَوْم فَقَالَ عمر ﵁ فَفِي فِيهِ الْحجر الْمُؤمن كريم على ربه يدل بزلفاه على خلقه فَمن عرض لَهُ بِسوء عَارضه بِإِذن الله معتزا بِاللَّه وَكَيف لَا يكون هَكَذَا وَقد أوصى الله تَعَالَى فِي تَنْزِيله الْكَرِيم ﴿وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ وَلَكِن الْمُنَافِقين لَا يعلمُونَ﴾ اعْلَم أَن الْمُنَافِقين لَا يعلمُونَ هَذَا فَأَما الْمُؤْمِنُونَ فقد بَان لَهُم أَن الله تَعَالَى قد أعزهم وَبَان لَهُم عِنْد أنفسهم أَنهم إِنَّمَا يعتزون بِاللَّه تَعَالَى فعمر

стр. 118

رَضِي الله عَنهُ حِين ذكر لَهُ فتاني الْقَبْر كَأَنَّهُ غاظه ذَلِك من فعل الفتانين فَفَزعَ إِلَى الله تَعَالَى وَسَأَلَ الرَّسُول ﷺ فَإِنَّمَا كَانَ يجد الْخَبَر من الْغَيْب على لِسَانه أترد إِلَيْنَا عقولنا فَلَمَّا قَالَ نعم كهيئتكم الْيَوْم أنطقته الجرأة الدَّالَّة لَا جرْأَة الحماقة وجرأة الدَّالَّة من الْيَقَظَة والمعرفة وجرأة الحماقة من الْجَهْل والغفلة فَقَالَ فَفِي فِيهِ الْحجر أَي أَنه إِذا كَانَ عَقْلِي الَّذِي معي الْيَوْم يرد عَليّ كَهَيْئَته الْيَوْم معي أسكته بِحسن الْجَواب فَكَأَنِّي ألقمته الْحجر أَي بجوابي وَبِمَا أعطي من سُلْطَان الْحق ونفاذ بَصِيرَة الْعقل لِأَنَّهُ نظر فَوَجَدَهُ كَأَنَّهُ أعطي سُلْطَان الامتحان وَنظر إِلَى نَفسه فَوَجَدَهُ قد أعطي سُلْطَان الْحق ونوره فَلم يبال بِهِ وَخلق خلقَة مُنكرَة وَسمي مُنْكرا لذَلِك وسمى صَاحبه نكيرا وَقد وصفهما رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أعينهما كالبرق الخاطف وأصواتهما كالرعد القاصف وشعورهما تَحت أقدامهما يحفران الأَرْض بأنيابهما فَإِذا كَانَ فِي الْقلب من سُلْطَان الْمعرفَة مَا لَا يهاب مُلُوك الدُّنْيَا وسائرها مَا ينفر مِنْهُ الْقُلُوب فَإِنَّهُ لَا يهاب مُنْكرا ونكيرا وَقَالَ عمر ﵁ فِي رِوَايَة إِذا أكفيهما يَا رَسُول الله وَعَن عبد الله بن عمر ﵄ أَنه خرج فِي سفر لَهُ فَإِذا الْجَمَاعَة على طَرِيق فَقَالَ مَا هَذِه الْجَمَاعَة قَالُوا أَسد قطع الطَّرِيق قَالَ فَنزل وَمَشى إِلَيْهِ حَتَّى قفده بِيَدِهِ ونحاه عَن الطَّرِيق ثمَّ قَالَ مَا كذب رَسُول الله ﷺ قَالَ إِنَّمَا يُسَلط على ابْن آدم من خافه ابْن آدم وَلَو أَن ابْن آدم لم يرج إِلَّا الله لم يكله الله إِلَى أحد غَيره وَحَدِيث ابْن عمر ﵄ يدل على أَن كلا إِنَّمَا يرد إِلَيْهِ عقله الَّذِي خرج بِهِ من الدُّنْيَا على تِلْكَ الْهَيْئَة وَبَين الْعُقُول تفَاوت فَإِذا كَانَ عقل الرجل وافرا فَاسْتَقْبلهُ هول من أهوال الدُّنْيَا من ذِي سُلْطَان أَو

стр. 119

غَيره فاستقام وَلم يدهش وَلم تصبه الْحيرَة فِي أمره كَانَ يَوْمئِذٍ مردودا عَلَيْهِ ذَلِك الْعقل فَإِذا استقبله هول فتاني الْقَبْر لم يدهش وَلم يتحير وَمن كَانَ عقله الْيَوْم مَا إِذا حل بِهِ شَيْء من ذَلِك الْوَجْه دهش وتحير وَلم يثبت على الإستقامة حَتَّى مَال كَانَ إِذا إستقبله هول فتاني الْقَبْر هُنَاكَ مثل ذَلِك وان الله تَعَالَى يلطف لعَبْدِهِ الْمُؤمن وينصره ويثبته فِي الْأَحَايِين كلهَا قَالَ عز من قَائِل ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾ فعلى قدر ثباته فِي الدُّنْيَا يكون ثباته فِي الْقَبْر عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه ذكر حَدِيث الصُّور فَقَالَ فِي آخر ذَلِك بقول الله تَعَالَى لملك الْمَوْت ﵇ من بَقِي فَيَقُول بقيت أَنْت الْحَيّ القيوم الَّذِي لَا يَمُوت وَبَقِي عَبدك ملك الْمَوْت فَيَقُول يَا ملك الْمَوْت أَنْت خلق من خلقي خلقتك لما ترى فقد مَاتَ الْخلق كلهم فمت ثمَّ لَا تحيى أبدا وَقد امتننع كثير من الروَاة من رِوَايَة هَذَا الْحَرْف ثمَّ لَا تحيى أبدا وهاب هَذِه الْكَلِمَة وَذَلِكَ مبلغ علمه فَنَظَرْنَا فِي هَذَا الْحَرْف فَوَجَدنَا أَن الله تَعَالَى يحب الْمُؤمن وَمن حبه إِيَّاه رزقه الْإِيمَان والمعرفة فقمن أَن يتْرك إحْيَاء ملك الْمَوْت ﵇ كَرَامَة للْمُؤْمِنين فَإِن كل من لَقِي من أحد شدَّة ثقل عَلَيْهِ النّظر إِلَيْهِ فَكيف بِمن قَتله وَقطع روحه من كل مفصل حَتَّى نَزعه أَلا ترى أَنه كَانَ يَأْتِيهم عيَانًا فَشَتَمُوهُ وآذوه فَشَكا إِلَى الله فصير أَمر فِي خَفَاء وهيأ لَهُم الْأَسْبَاب من

стр. 120

الْأَمْرَاض والعلل لكَي يدرس ذكر ملك الْمَوْت ﵇ عَن قُلُوبهم وألسنتهم وَيَقُولُونَ مَاتَ فلَان بعلة كَذَا أَلا ترى أَنه لطمه مُوسَى ﵇ ففقأ عينه فَرجع يشكو إِلَى الله وَإِنَّمَا فَقَأَ عين الصُّورَة الَّتِي كَانَ أَتَاهُ فِيهَا وَهَذَا عِنْد من يجهل مَعْنَاهُ مُنكر مَرْفُوع مُتَّهم رُوَاته وَكَيف يتهم رُوَاته وَقد روته الْأَئِمَّة من غير وَجه عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ كَانَ ملك الْمَوْت يَأْتِي النَّاس عيَانًا حَتَّى أَتَى مُوسَى ﵇ فَلَطَمَهُ ففقأ عينه فَرجع ملك الْمَوْت إِلَى ربه فَقَالَ يَا رب إِن عَبدك مُوسَى فعل بِي مَا ترى وَلَوْلَا كرامته عَلَيْك لشققت عَلَيْهِ قَالَ إرجع إِلَى عَبدِي مُوسَى فَقل لَهُ فليضع يَده على متن ثَوْر فخيره بِكُل شَعْرَة توازي كَفه أَن يعِيش سنة فَقَالَ مُوسَى ﵇ يَا ملك الْمَوْت فَمَا بعد ذَلِك فَقَالَ الْمَوْت قَالَ فَمن الْآن قَالَ فشمه شمة فَقبض روحه فَرد عَلَيْهِ بَصَره فَكَانَ يَأْتِي النَّاس بعد ذَلِك فِي خُفْيَة وَإِنَّمَا استجاز ذَلِك مُوسَى ﵇ لِأَنَّهُ كليم الله تَعَالَى كَأَنَّهُ رأى أَن من اجترأ عَلَيْهِ وَمد يدا بالأذى إِلَيْهِ فقد عظم الْخطب فِيهِ وَإِنَّمَا اعتز بِاللَّه تَعَالَى وَرغب فِي عِبَادَته ودعوة الْخلق إِلَيْهِ لَا شحا على الْحَيَاة وحرصا على الدُّنْيَا وتلذذا بهَا

стр. 121

- الأَصْل السَّابِع وَالْعشْرُونَ - فِي أَن من السّنة مُشَاركَة الجليس فِي الْهَدِيَّة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا أَتَى أحدكُم بهدية فجلساؤه شركاؤه فِيهَا فالجلساء هم الَّذين داموا على مجالستهم مَعَك وفاوضوك فِي أمورك فَلَيْسَ كل من جلس إِلَيْك فَهُوَ جليسك كَمَا يُقَال أكيلك وشريبك وحريفك ووزيرك وَلَيْسَ كل من أكل مَعَك مرّة أَو وازرك على أَمر مرّة بأكيل أَو وَزِير فَإِذا أهْدى لَك فَلهُ من الْحق أَن تحذي لَهُ مِنْهَا لِأَن

стр. 122

كرامتك كرامته وَهُوَ من أهل وَصِيَّة الله تَعَالَى بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ فَقَالَ ﴿والصاحب بالجنب﴾ قيل فِي التَّفْسِير رفيقك فِي السّفر وجليسك فِي الْحَضَر وامرأتك الَّتِي تضاجعك عَن مَالك بن دِينَار ﵁ قَالَ يَقُول الله تَعَالَى إِنِّي لأهم بِعَذَاب أهل الأَرْض فَإِذا نظرت إِلَى جلساء الْقُرْآن وعمار الْمَسَاجِد وولدان الْإِسْلَام يسكن غَضَبي فَلَيْسَ كل من قَرَأَ الْقُرْآن فَهُوَ جليس الْقُرْآن إِنَّمَا الجليس من جالسه الْقُرْآن وفاوضه وأبدا لَهُ عَن أسراره وعجائبه وبواطنه وَإِنَّمَا يكون هَذَا لمن انْتَفَى عَنهُ جور قلبه وَذَهَبت خِيَانَة نَفسه فَأَمنهُ الْقُرْآن فارتبع فِي صَدره وَتكشف لَهُ عَن زينته وبهائه وَكَذَلِكَ عمار الْمَسَاجِد لَيْسَ كل من أنْفق فِي مَسْجِد أَو رمه فَهُوَ من الْعمار إِنَّمَا عمار الْمَسَاجِد من عمرها بِذكرِهِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ الْآيَة فجليس الْقُرْآن من جالسه الْقُرْآن فَإِذا وجدالقلب طَاهِرا جالسه الْقُرْآن وكشف عَن وَجهه فَإِن وَجهه بَاطِنه وَهَذَا ظَهره الَّذِي يعقله النَّاس وَمِنْه مَا قيل لرَسُول الله ﷺ إِنَّا لنجد لقراءتك لَذَّة يَا رَسُول الله مَا لَا نجد لقِرَاءَة أحد قَالَ لأنكم تقرأونه لظهر وَأَنا أقرأه لبطن فَلَا يكْشف عَن وَجهه إِلَّا الْأمين الَّذِي لَا يخونه

стр. 123

وَمثله كَمثل عروس مزين مد يَده إِلَيْهَا دنس متلوث فِي الْمَزَابِل متلطخ بالأقذار وَهِي تعرض عَنهُ أَنَفَة وتعافه وتقذره فَإِذا تطهر ثمَّ تزين فقد أدّى حَقّهَا أَقبلت إِلَيْهِ بوجهها ففاوضته وَصَارَت لَهُ جليسة فَكَذَلِك الْقُرْآن لَهُ ظهر وبطن فوجهه مِمَّا يَلِي بَطْنه والزينة والبهاء وَالْحسن فِي الْوَجْه فَلَا يكون جَلِيسا إِلَّا من تطهر من الذُّنُوب ظَاهرا وَبَاطنا وتزين بِالطَّاعَةِ ظَاهرا وَبَاطنا فَعندهَا يأمنه الْقُرْآن فيتحلى لَهُ بزينته وبهائه ومواعظه وَحكمه وَمَا حشى الله تَعَالَى فِيهِ من الْمَنّ واللطف لِعِبَادِهِ وَحرَام على من لَيْسَ هَذِه صفته أَن ينَال ذَلِك وَكَيف ينَال الْبر واللطف عبد آبق من مَوْلَاهُ هارب على وَجهه لَا يزْدَاد على تجدّد الْأَيَّام إِلَّا هربا بِنَفسِهِ إِنَّمَا ينَال الْبر إِذا أقبل إِلَيْهِ من إباقه تَائِبًا نَادِما فيمكث فِي التَّوْبَة مُدَّة يظْهر لَهُ نصحه فهناك فليتوقع بره ولطفه فَكَذَلِك هَذَا كَيفَ ينَال الْبر واللطف من الله تَعَالَى من قلبه مكب على حطام الدُّنْيَا وَقَضَاء الشَّهَوَات وَإِنَّمَا الْبر واللطف لِلْمُتقين والمحسنين وَقَالَ تَعَالَى ﴿سأصرف عَن آياتي الَّذين يتكبرون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق﴾ وَعَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من تواضع لله دَرَجَة رَفعه الله دَرَجَة وَمن تواضع لله دَرَجَات رَفعه الله دَرَجَات حَتَّى يَجعله فِي أعلا عليين وَمن تكبر على الله دَرَجَة وَضعه الله دَرَجَة وَمن تكبر على الله دَرَجَات وَضعه الله دَرَجَات حَتَّى يَجعله فِي أَسْفَل سافلين

стр. 124

فالمتكبر بِغَيْر الْحق هُوَ الَّذِي يقْضِي نهمته وشهوته وَلَا يُبَالِي أذن الله لَهُ فِيهَا أَو لم يَأْذَن فَهُوَ من الله تَعَالَى على عُقُوبَة أَن يضيعه فَكيف ينيله الْبر واللطف الَّذِي يرِيه أحباءه فِي تَنْزِيله الْكَرِيم بل إِذا تلاه صرف قلبه عَنْهَا فَلَا يعيه وَلَا يفهمهُ كَمَا صرف هَذَا بِقَلْبِه عَن الله تَعَالَى إِلَى نَفسه ودنياه وَرُوِيَ فِي التَّفْسِير فِي قَوْله تَعَالَى ﴿سأصرف عَن آياتي الَّذين يتكبرون فِي الأَرْض﴾ قَالَ أنزع عَنْهُم فهم الْقُرْآن فَلَا يفهمونه وَلَا يحدون لَهُ حلاوة وَلَا لذاذة وَذَلِكَ أَن الْفَهم نور إِذا ورد على الْقلب دنس الْمعاصِي ارتحل النُّور فتحير عَن فهمه وَرُوِيَ فِي الحَدِيث أَنه قَالَ يَأْتِي على النَّاس زمَان يخلق الْقُرْآن فِي صُدُورهمْ حَتَّى يتهافت مثل الثَّوْب الْخلق الْبَالِي

стр. 125

- الأَصْل الثَّامِن وَالْعشْرُونَ - فِي سر إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ بَيْنَمَا رجل يمشي فِي الطَّرِيق إِذا أبْصر بِغُصْن شوك فَقَالَ وَالله لأرفعهن هَذَا لَا يُصِيب أحدا من الْمُسلمين فرفعه فغفر لَهُ قَالَ أَبُو عبد الله لَيْسَ بِرَفْع الْغُصْن نَالَ الْمَغْفِرَة فِيمَا نعلمهُ وَلَكِن بِتِلْكَ الرَّحْمَة الَّتِي عَم بهَا الْمُسلمين فَشكر الله لَهُ عطفه ورأفته بهم عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ بَيْنَمَا عبد لم يعْمل لله خيرا قطّ مر على بِئْر فَشرب فَإِذا هُوَ بكلب يَلْهَث عطشا فغرف لَهُ بخفه فَسَقَاهُ فَشكر الله لَهُ ذَلِك فغفر لَهُ وبينما عبد لم يعْمل لله

стр. 126

تَعَالَى خيرا قطّ فَمر على غُصْن شوك فأماطه عَن الطَّرِيق فغفر الله لَهُ وبينما عبد لم يعْمل لله تَعَالَى خيرا قطّ فَفرق فَخرج هَارِبا فَجعل يُنَادي يَا أَرض اشفعي لي وَيَا سَمَاء اشفعي لي وَيَا كَذَا اشفعي لي حَتَّى أَصَابَهُ الْعَطش فَوَقع فَلَمَّا أَفَاق قيل لَهُ قُم فقد شفع لَك من قبل فرقك من الله تَعَالَى قَالَ أَبُو عبد الله فَإِنَّمَا غفر لَهُ من أجل الرَّحْمَة الَّتِي رحم بهَا الْكَلْب وَإِنَّمَا غفر لَهُ من أجل الْفرق الَّذِي حل بِقَلْبِه لِأَنَّهُ عمل فِيهِ حَتَّى فَارق الْمعاصِي أصلا فَتَركه بالجوارح فعلا وَتَركه قلبا ونفسا فطهر الظَّاهِر وَالْبَاطِن واماتت مِنْهُ شَهْوَة كل مَعْصِيّة وَالَّذِي يتْرك الْمعاصِي بجوارحه وشهوتها فِي قلبه وَنَفسه تنازعه إِلَى ذَلِك فَإِنَّهُ طهر ظَاهره فَلم يطهر بَاطِنه فَلم يستكمل التَّوْبَة بحقيقتها وَلما أنزل الله تَعَالَى على نبيه ﷺ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا قوا أَنفسكُم وأهليكم نَارا وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة﴾ قَالَ فَلَمَّا تَلَاهَا رَسُول الله ﷺ على أَصْحَابه رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ خر فَتى مغشيا عَلَيْهِ فَوضع رَسُول الله ﷺ يَده على فُؤَاده فَإِذا هُوَ يَتَحَرَّك قَالَ يَا فَتى قل لَا إِلَه إِلَّا الله فأفاق الْفَتى وَهُوَ يَقُولهَا فبشره رَسُول الله ﷺ بِالْجنَّةِ فَقَالَ أَصْحَابه يَا رَسُول الله أَمن بَيْننَا فَقَالَ ﷺ أما سَمِعْتُمْ الله يَقُول ﴿ذَلِك لمن خَافَ مقَامي وَخَافَ وَعِيد﴾ والرهب هرب الْقلب من هول سُلْطَان الله وَهُوَ أكبر من الْخَوْف وَالْخَوْف خيفته وانزعاجه والرغب التهاب الْقلب حرصا على الشَّيْء وَهُوَ أَعلَى من الطمع

стр. 127

- الأَصْل التَّاسِع وَالْعشْرُونَ - فِي النَّظَافَة عَن عبد الله بن بشر الْمَازِني ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ قصوا أظافيركم وادفنوا قلاماتكم ونقوا براجمكم ونظفوا لثاتكم من الطَّعَام وتسننوا وَلَا تدْخلُوا عَليّ قخرا بخرا أما قصّ الْأَظْفَار فَلِأَنَّهَا تخدش وتضر وَهُوَ مجمع الْوَسخ وَرُبمَا أجنب وَلَا يصل المَاء إِلَى الْبشرَة من الْوَسخ فَلَا يزَال جنبا والأظافير جمع الأظفور والأظفار جمع الظفر وَفِي حَدِيث رَسُول الله ﷺ أَنه سَهَا فِي صلَاته فَقَالَ وَمَا لي لَا أوهم وَرفع أحدكُم بَين ظفره وأنملته ويسألني أحدكُم عَن خبر السَّمَاء وَفِي أظافيره الْجَنَابَة والتفث وَأما دفن القلامة فَإِن جَسَد الْمُؤمن ذُو حُرْمَة فَمَا سقط مِنْهُ فحظه من

стр. 128

الْحُرْمَة قَائِم وَقد أَمر رَسُول الله ﷺ بدفن دَمه حَيْثُ احْتجم كَيْلا يبْحَث عَنهُ الْكلاب وَعَن عبد الله بن الزبير ﵁ أَنه أَتَى رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يحتجم فَلَمَّا فرغ قَالَ يَا عبد الله بن الزبير اذْهَبْ ببهذا الدَّم فاهرقه حَيْثُ لَا يراك أحد فَلَمَّا برز عمد إِلَى الدَّم فشربه فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ يَا عبد الله مَا صنعت بِهِ قَالَ جعلته فِي أخْفى مَكَان ظَنَنْت أَنه خَافَ على النَّاس قَالَ لَعَلَّك شربته قَالَ نعم قَالَ لم شربت الدَّم ويل للنَّاس مِنْك وويل لَك من النَّاس عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت كَانَ رَسُول الله ﷺ يَأْمر بدفن سَبْعَة أَشْيَاء من الْإِنْسَان الشّعْر وَالظفر وَالدَّم والحيضة وَالسّن والقلفة والمشيمة والبرجمة ظهر عقدَة كل مفصل وَهُوَ مجمع الدَّرن والراجبة قصب الإصبع مَا بَين العقدتين فَلِكُل إِصْبَع برجمتان وَثَلَاث رواجب إِلَّا الْإِبْهَام فَإِن لَهَا برجمة وراجبتين أَمر بتنقيتها لِئَلَّا تدرن فيحول درن تِلْكَ الْفُصُول بَين المَاء والبشرة وَتبقى الْجَنَابَة واللثة هِيَ اللحمة فَوق الْأَسْنَان وَدون الْأَسْنَان وَهِي منابتها والعمور اللحمة القليلة بَين السنين وَاحِدهَا عمر أَمر بتنظيفها لِئَلَّا يبْقى فِيهَا وضر الطَّعَام فتتغير النكهة وتنكر الرَّائِحَة وَقَوله تسننوا أَي استاكوا مَأْخُوذ من السن أَي نظفوا السن وَقَوله لَا تدْخلُوا عَليّ قخرا بخرا الْمَحْفُوظ عِنْدِي قلحا وقحلا والأقلح الَّذِي اصْفَرَّتْ أَسْنَانه حَتَّى بخرت من بَاطِنهَا وَلَا نَعْرِف القخر والبخر إِلَّا الَّذِي نجد لَهُ رَائِحَة مُنكرَة يُقَال رجل أبخر وَرِجَال بخر

стр. 129

- الأَصْل الثَّلَاثُونَ - فِي أدب الصُّحْبَة عَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَيْسَ من أمتِي من لم يجل كَبِيرنَا وَيرْحَم صَغِيرنَا وَيعرف لعالمنا حَقه فالإجلال للكبير هُوَ حق سنه الله تَعَالَى أَنه تقلب فِي العبودة لله تَعَالَى فِي مُدَّة طَوِيلَة وَالرَّحْمَة للصَّغِير هُوَ مُوَافقَة لله تَعَالَى بِأَنَّهُ رَحمَه وَرفع عَنهُ العبودة فَلم يؤاخذه بِحِفْظ حد وَلَا حكم وَمَعْرِفَة حق الْعَالم هُوَ حق الْعلم أَن يعرف قدره بِمَا رفع الله من قدره وآتاه الْعلم قَالَ تَعَالَى ﴿يرفع الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات﴾ فَيعرف درجاته الَّتِي رفع رفع الله لَهُ بِمَا آتَاهُ من الْعلم

стр. 130

- الأَصْل الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ - فِي حَقِيقَة الاستيداع وسره عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا أردْت سفرا أَو تخرج مَكَانا فَقل لأهْلك أستودعكم الله الَّذِي لَا يخيب ودائعه عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لعمر إِن الله إِذا استودع شَيْئا حفظه أصل الْوَدِيعَة هُوَ التّرْك والتخلي عَن الشَّيْء وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى﴾ أَي مَا تَركك وَإِن الله تَعَالَى جعل الْأُمُور إِنَّمَا تقوم بالأسباب محنة وبلوى لينْظر من ينفذ قلبه من الْأَسْبَاب إِلَى ولي الْأَسْبَاب وَمن يتَعَلَّق بهَا فَيكون قلبه سبيا من سبي الْأَسْبَاب فَيكون مثله كَمَا ذكر الله تَعَالَى فِي تَنْزِيله فَقَالَ

стр. 131

﴿ضرب الله مثلا رجلا فِيهِ شُرَكَاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل﴾ فَهَذَا فِي الظَّاهِر تَجِد رجلا يعبد أصناما ورجلا سلما للْوَاحِد القهار وَفِي الْبَاطِن رجلا فِي قلبه شُرَكَاء متشاكسون وَهِي شهواته الَّتِي تغلي فِي صَدره فقد سبى قلبه أَسبَاب تِلْكَ الشَّهَوَات ورجلا قد انْفَرد قلبه للْوَاحِد وخلا من جَمِيع الْأَسْبَاب وَمَاتَتْ نَفسه من الشَّهَوَات ﴿هَل يستويان مثلا﴾ ثمَّ قَالَ ﴿الْحَمد لله بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَتلك الْأَمْثَال نَضْرِبهَا للنَّاس وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ﴾ فَأهل الظَّاهِر لم يعبروا عَن الْأَسْبَاب إِلَى وَليهَا فضيعوا حُقُوقه وركبوا مساخظه وَأهل الْيَقِين يعلمُونَ ربوبيته قَائِمَة فِي الْأَسْبَاب فَلَا تطرف عين وَلَا ينبض عرق وَلَا تحس حاسة إِلَّا بِإِذْنِهِ وقوام الْأَشْيَاء ودوامها بِهِ فاحتدت أبصار قُلُوبهم بِنور الْيَقِين فنفذت إِلَى تَدْبِير ولي الْأَسْبَاب فاستوطنت على الْقرْبَة عاكفة على رَبهَا وَوَلَّتْ الْأَسْبَاب ظهرا فَهُوَ يمْضِي فِي الْأَسْبَاب كَسَائِر الْخلق والأسباب لَا تَأْخُذهُ وَلَا تفتن قلبه لِأَن قلبه بَين يَدي الْخَالِق مبهوت فِي جَلَاله وعظمته والأسباب من وَرَاء ظَهره فَهُوَ يمْضِي فِيهَا وَلَا يلْتَفت إِلَيْهَا وَإِنَّمَا تأخذالأسباب من استنزلته نَفسه وَصَارَ قلبه سبيا لنَفسِهِ وأسيرا من أسرائه فَإِذا خلف شَيْئا فِي مَكَان أَرَادَ أَن يغيب عَنهُ واستودع الله ذَلِك الشَّيْء فَهد امنه فِي ذَلِك الْوَقْت تخل وتبرؤ من حفظه ومراقبته لِأَنَّهُ

стр. 132

مَا دَامَ مَعَه فَهُوَ فِي نَفسه يحْسب أَنه هُوَ الَّذِي يحفظه ويكلؤه ويرعاه وَهُوَ يَقُول مَعَ هَذَا ﴿الله خير حَافِظًا﴾ وَلَكِن هَذَا القَوْل مِنْهُ قَول الْمُوَحِّدين لَا قَول الموقنين ثمَّ اذا خَلفه فِي حرز أَو فِي حراسة غَيره أَو أخفاه فِي مَوضِع فقد وَكله إِلَى ذَلِك الْحِرْز والحراسة وَإِذا جعله هَكَذَا ثمَّ مَعَ هَذَا أودعهُ ربه فقد وَكله إِلَى الله وتبرأ من حفظه وَحفظ حرزه وحارسه وتخلى مِنْهُ مضى فِي تَدْبِير الْآدَمِيّين أَن يحرزوا أَو يحرسوا ثمَّ وَكله إِلَى الله تَعَالَى فَوَجَدَهُ مَلِيًّا وفيا كَرِيمًا وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من توكل على الله كَفاهُ وَقَالَ ﷺ من سره أَن يكون أقوى النَّاس فَليَتَوَكَّل على الله فَإِنَّهُ إِذا توكل قوي قلبه وَلم يبال بِأحد وَذَهَبت مخاوفه وَقَالَ ﴿وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه﴾ وَقَالَ ﷺ من انْقَطع إِلَى الله كَفاهُ وان الله أعْطى الْخلق علم الْأُمُور وَعلم أَسبَابهَا وَعلم حيلها وَأَعْطَاهَا الْقُوَّة وَمَعْرِفَة التَّصَرُّف فِي ذَلِك وَلم يُغْنِهِم عَن نَفسه بِمَا أَعْطَاهُم فالغافل الأحمق يرى أَن مَا أعطي من هَذِه الْأَشْيَاء يقتدر بهَا فِي الْأُمُور ويتملك

стр. 133

فيريه الله تَعَالَى ضعفه وَفَقره وعجزه ويعرفه أَنه لَا يقوم لَهُ شَيْء إِلَّا بِهِ وان الْأَسْبَاب الَّتِي أَعْطَاهَا كلهَا لَهُ عجزة ضعفاء مثله وَإِذا قَالَ العَبْد لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه تَبرأ من الْأَسْبَاب وتخلى من وبالها فَجَاءَتْهُ الْقُوَّة والعصمة والغياث والتأييد وَالرَّحْمَة قَالَ المُصَنّف ﵀ حَدثنَا عبيد بن إِسْحَاق الْعَطَّار الْكُوفِي قَالَ حَدثنَا عَاصِم بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب ﵃ قَالَ حَدثنِي زيد بن أسلم عَن أَبِيه قَالَ بَيْنَمَا عمر ﵁ يعرض النَّاس إِذا هُوَ بِرَجُل مَعَه ابْنه فَقَالَ لَهُ عمر وَيحك حَدثنِي مَا رَأَيْت غرابا بغراب أشبه بِهَذَا مِنْك قَالَ أما وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا وَلدته أمه إِلَّا ميتَة فَاسْتَوَى لَهُ عمر ﵁ فَقَالَ وَيحك حَدثنِي قَالَ خرجت فِي غزَاة وَأمه حَامِل بِهِ فَقَالَت تخرج وتدعني على هَذَا الْحَال حَامِلا مُثقلًا قلت أستودع الله مَا فِي بَطْنك قَالَ فغبت ثمَّ قدمت فَإِذا بَابي مغلق قلت فُلَانَة قَالُوا مَاتَت فَذَهَبت الى قبرها أبْكِي فَلَمَّا كَانَ من اللَّيْل قعدت مَعَ بني عمي أتحدث وَلَيْسَ يسترنا من البقيع شَيْء فَرفعت لي نَار بَين الْقُبُور فَقلت لبني عمي مَا هَذِه النَّار فَتَفَرَّقُوا عني فَأتيت أقربهم مني فَسَأَلته فَقَالَ نرى على قبر فُلَانَة كل لَيْلَة نَارا فَقلت إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون أما وَالله إِن كَانَت لصوامة قَوَّامَة

стр. 134

عفيفة مسلمة انْطلق بِنَا فَأخذت فأسا فَإِذا الْقَبْر منفرج وَهِي جالسة وَهَذَا يدب حولهَا وناداني مُنَاد من السَّمَاء أَيهَا الْمُسْتَوْدع ربه وديعته خُذ وديعتك أما لَو اسْتوْدعت أمه لوجدتها فَأَخَذته وَعَاد الْقَبْر كَمَا كَانَ فَهُوَ وَالله هَذَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ عبيد فَحدثت بِهَذَا الحَدِيث مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْعمريّ فَقَالَ هَذَا وَالله الْحق وَقد سَمِعت عَم أبي عَاصِم يذكرهُ وَقَالَ وَرَأَيْت ابْن ابْن هَذَا الرجل بِالْكُوفَةِ وَقَالَ لي موالينا هُوَ هَذَا

стр. 135

- الأَصْل الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ - فِي بطاقة الْبُهْتَان وَبَيَان الِاحْتِرَاز مِنْهُ عَن ابْن عَمْرو ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يجاء بِالْعَبدِ يَوْم الْقِيَامَة فتوضع حَسَنَاته فِي كفة وسيئآته فِي كفة فترجح السَّيِّئَات فتجيء بطاقة فَتَقَع فِي كفة الْحَسَنَات فترجح بهَا فَيَقُول يَا رب مَا هَذِه البطاقة فَمَا من عمل عملته فِي ليلِي ونهاري إِلَّا وَقد اسْتقْبلت بِهِ قَالَ هَذَا مَا قيل فِيك وَأَنت مِنْهُ بَرِيء قَالَ فينجو بذلك وَرُوِيَ فِي الْخَبَر أَن دَاوُد ﵇ سَأَلَ سُلَيْمَان ﵇ مَا أثقل شَيْء فَقَالَ الْبُهْتَان على البريء عَن عَليّ كرم الله وَجهه الْبُهْتَان على البريء أثقل من السَّمَوَات

стр. 136

وَإِنَّمَا صَار هَكَذَا لِأَن الْآدَمِيّ ائْتمن على جوارحه السَّبع ووكل برعايتهن أَيَّام الْحَيَاة لِئَلَّا تدنس حَتَّى يقدم على الله تَعَالَى وَهُوَ مقدس يصلح لدار الْقُدس وَأَن يكون مجاورا للقدوس وزائرا لَهُ فَإِذا رعاهن هَذَا الْمُؤمن ثمَّ ضيع مِنْهُ مَا ضيع من غَفلَة أَو زلَّة أَو فتْنَة فَمن وَرَائه النَّدَم والإقلاع وَالِاسْتِغْفَار وَبَاب التَّوْبَة مَفْتُوح فَإِذا رعى العَبْد هَذِه الْجَوَارِح فَقَالَ هَذَا فِي عرضه مَا هُوَ بري مِنْهُ فقد خونه فِي أَمَانَة الله تَعَالَى عِنْده وَلم يخن ورماه بداهية هُوَ فِيهَا ساع بِهِ إِلَى الله تَعَالَى وَغير مَقْبُولَة سعايته لِأَن علام الغيوب مطلع على كذبه وَكتب فِي شُهَدَاء الزُّور وَقد نهى الله تَعَالَى عَنهُ وقرنه بالشرك فَقَالَ تَعَالَى ﴿فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان وَاجْتَنبُوا قَول الزُّور﴾ وَقَالَ ﷺ الْبُهْتَان عدل بالشرك بِاللَّه وَسمي بهتانا لِأَنَّهُ يبهت الْقلب ويحيره من ظلمته فَإِن الظُّلم ظلمات وَإِذا بهت الْقلب وتحير فِي الظلمَة ذهبت الْهِدَايَة والبصيرة وَهُوَ بِمَنْزِلَة الشَّمْس إِذا انكسفت فتهافت نورها فَيصير الَّذِي نيل من عرضه بِهَذَا الْبُهْتَان عِنْد الله تَعَالَى بِحَال رَحْمَة حَيْثُ أُصِيب من عرضه وخلص الْأَلَم إِلَى قلبه وَإِذا كَانَ بَرِيئًا فَهُوَ أوجع لِقَلْبِهِ

стр. 137

- الأَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ - فِي سر الاحتجاب وَبَيَان حكمه عَن نَبهَان مولى أم سَلمَة ﵄ أَنه حدث أَن أم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ حدثته أَنَّهَا كَانَت عِنْد رَسُول الله ﷺ ومَيْمُونَة قَالَت بَينا نَحن عِنْده إِذا أقبل إِبْنِ أم مَكْتُوم فَدخل عَلَيْهِ وَذَلِكَ بعد أَن أَمر بالحجاب فَقَالَ رَسُول الله ﷺ احتجبا مِنْهُ فَقُلْنَا يَا رَسُول الله أَلَيْسَ هُوَ الْأَعْمَى لَا يُبصرنَا وَلَا يعرفنا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أفعمياوان أَنْتُمَا ألستما تبصرانه قَالَ أَبُو عبد الله إِنَّمَا ضرب الْحجاب عَلَيْهِنَّ كَرَامَة لرَسُول الله ﷺ وإجلالا لَهُ وصير الله تَعَالَى أَزوَاجه أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ ليحرمن على من بعده وَقد تكلم بَعضهم فِي حَيَاته بِشَيْء من تزويجهن فَنزلت

стр. 138

﴿مَا كَانَ لكم أَن تُؤْذُوا رَسُول الله وَلَا أَن تنْكِحُوا أَزوَاجه من بعده أبدا إِن ذَلِكُم كَانَ عِنْد الله عَظِيما﴾ وَنزلت ﴿النَّبِي أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ فَانْقَطع الْخطاب الَّذِي كَانَ فِيمَا بَينهم والطمع فِي شأنهن فصرن أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَلَيْسَ الْمُؤْمِنُونَ بِمحرم لَهُنَّ وَذَلِكَ ليعلم أَنه إِنَّمَا صرن إمهات الْمُؤمنِينَ ليحرمن على الرِّجَال من بعده وَلَيْسَ الرِّجَال بِمحرم لَهُنَّ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعا فَاسْأَلُوهُنَّ من وَرَاء حجاب ذَلِكُم أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾ فَكَمَا حظر على الرِّجَال النّظر إلَيْهِنَّ فَكَذَلِك حظر عَلَيْهِنَّ النّظر إِلَى الرِّجَال فَبين عِلّة الْحجاب أَنه إِنَّمَا أُرِيد بذلك طَهَارَة قُلُوب الصِّنْفَيْنِ جَمِيعًا قُلُوب الرِّجَال مِنْهُنَّ وقلوبهن من الرِّجَال وَرُوِيَ فِي الْخَبَر أَن الْحسن وَالْحُسَيْن ﵄ كَانَا لَا يريان أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَإِنَّمَا كَانَ يدْخل عَلَيْهِنَّ محارمهن من النّسَب وَالرّضَاع ومماليكهن

стр. 139

- الأَصْل الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ - فِي حَقِيقَة النظرتين عَن أبي امامة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ مَا من مُسلم ينظر إِلَى محَاسِن امْرَأَة أول مرّة ثمَّ يغض بَصَره إِلَّا أحدث الله لَهُ عبَادَة يجد حلاوتها فالنظرة الأولى نظرة الرّوح والنظرة الثَّانِيَة نظرة النَّفس لِأَن الْإِنْسَان خلق مَفْتُوح الْعين عمول ناظراه لحاظ هَكَذَا وَهَكَذَا فَهُوَ مَأْذُون لَهُ فِي ذَلِك لِأَن من شَأْن الْعين أَن تطرف وتفتح فَإِذا وَقع بَصَره على شَيْء فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء لِأَن قلبه لم يعْمل شَيْئا فَإِذا عمل بَصَره فَإِنَّمَا يُعلمهُ والابتداء من الْقلب حَتَّى تعْمل الْعين فَذَاك نظر تكلّف فَهُوَ مسئول عَنهُ وَالْأول مَرْفُوع عَنهُ فَلذَلِك قَالَ ينظر إِلَى محَاسِن امْرَأَة أول مرّة ثمَّ يغض بَصَره لِأَنَّهُ لما وَقع بَصَره على المحاسن أول مرّة وَجب عَلَيْهِ أَن يغض فالغض فعل الْعين فَعَلَيهِ يُثَاب وَالْفَتْح وَالنَّظَر بعد ذَلِك فعل الْعين فَعَلَيهِ يُعَاقب يُقَال إِن بصر الْعين مُتَّصِل ببصر الرّوح من دَاخل فَلذَلِك

стр. 140

قيل الْحيَاء فِي الْعَينَيْنِ لِأَن الْحيَاء من فعل الرّوح وَلذَلِك قيل لَا تَطْلُبن إِلَى أعمى حَاجَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ لَا تَطْلُبن إِلَى أعمى حَاجَة وَإِذا طلبت الْحَاجة فَاسْتقْبل الرجل بِوَجْهِك فَإِن الْحيَاء فِي الْعَينَيْنِ وَلَا تطلبنها لَيْلًا وباكر فِي حَاجَتك فَإِن رَسُول الله ﷺ قَالَ اللَّهُمَّ بَارك لأمتي فِي بكورها فَلَمَّا غض بَصَره عَمَّا لَا يخل فانما صان روحه أَن تتدنس وقمع نَفسه عَن أَن تلذ بِشَهْوَة فَأعْطِي نورا ثَوابًا عَاجلا فَوجدَ حلاوة الْعِبَادَة عَن أبي امامة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ النّظر إِلَى محَاسِن الْمَرْأَة سهم مَسْمُوم من سِهَام الشَّيْطَان فَمن صرف بَصَره عَنْهَا أبدله الله تَعَالَى عبَادَة يجد حلاوتها

стр. 141

- الأَصْل الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ - فِي أَن الْحَسَنَة بِعشْرَة عَن أبي أَيُّوب ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من صَامَ رَمَضَان ثمَّ أتبعه سِتا من شَوَّال فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْر فَمن أجل أَن الله تَعَالَى جعل الْحَسَنَة لَهُم بِعشر أَمْثَالهَا فصوم رَمَضَان بثلثمائة يَوْم كل كل يَوْم بِعشْرَة وَبَقِي من السّنة سِتُّونَ يَوْمًا فَعدل كل يَوْم بِعشْرَة فيحتسب لَهُ على حِسَاب تَضْعِيف الْحَسَنَات كَأَنَّهُ صَامَ الدَّهْر كُله

стр. 142

عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن أَبِيه ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من صَامَ ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر فقد صَامَ الشَّهْر كُله لِأَن كل يَوْم يحْتَسب لَهُ فِي التَّضْعِيف بِعشْرَة أَيَّام

стр. 143

- الأَصْل السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ - فِي الشُّكْر وَالصَّبْر عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ الطاعم الشاكر بِمَنْزِلَة الصَّائِم الصابر فالطعم فعل وَالصَّوْم كف عَن فعل فالطاعم بطعمه يَأْتِي ربه بالشكر والصائم بكفه عَن الطّعْم يَأْتِي ربه بِالصبرِ وَقد رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ الْإِيمَان نِصْفَانِ نصف للشكر وَنصف للصبر

стр. 144

وَفِي حَدِيث آخر عَن ابْن مَسْعُود ﵁ الصَّبْر نصف الْإِيمَان وَإِنَّمَا قَالَ نصف الْإِيمَان لِأَن نصفه للشكر ثمَّ قَالَ وَالْيَقِين الْإِيمَان كُله ثمَّ تَلا ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لكل صبار شكور﴾ وَقَالَ ﴿وَفِي الأَرْض آيَات للموقنين﴾ فَجمع الْيَقِين الصَّبْر وَالشُّكْر وَإِنَّمَا هُوَ صنفان معطي فَعَلَيهِ الشُّكْر وممنوع مِنْهُ فَعَلَيهِ الصَّبْر فَإِذا شكر هَذَا فقد أَتَى من حَقِيقَة الْإِيمَان بِنصفِهِ وَإِذا صَبر هَذَا فقد أَتَى من حَقِيقَة الْإِيمَان بِنصفِهِ

стр. 145

- الأَصْل السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ - فِي سر قتل الْحَيَّات وَالنَّهْي عَنهُ عَن سري بنت نَبهَان العنوية قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول اقْتُلُوا الْحَيَّات صغيرها وكبيرها وأسودها وأبيضها فَإِن من قَتلهَا كَانَت لَهُ فدَاء من النَّار وَمن قتلته كَانَ شَهِيدا فالحية عَدو قد أظهرت الْعَدَاوَة وَقد كَانَت وكلت بِخِدْمَة آدم ﵇ فِي الْجنَّة فخانته وأمكنت عَدو الله من نَفسهَا حَتَّى صيرته سَببا لدُخُوله الْجنَّة فِي إغوائه فَلَمَّا ألقاهم إِلَى الأَرْض تأكدت الْعَدَاوَة من عَدو الله وَمن الْحَيَّة لآدَم ﵇ وَأَوْلَاده قَالَ وهب بن مُنَبّه لما أسكن الله آدم ﵇ الْجنَّة وَزَوجته كَانَت الشَّجَرَة وغصونها منشعبة بَعْضهَا فِي بعض وَكَانَ لَهَا ثَمَر تَأْكُله الْمَلَائِكَة تخلدهم وَهِي الثَّمَرَة الَّتِي نهى الله تَعَالَى آدم وَزَوجته ﵉ عَنْهَا فَلَمَّا أَرَادَ إِبْلِيس أَن يستنزلها دخل فِي
следующие страницы →