Полный текст (1 237 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
- الأَصْل الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ
-
فِي أَن الْحَسَنَة بِعشْرَة
عَن أبي أَيُّوب ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من صَامَ رَمَضَان ثمَّ أتبعه سِتا من شَوَّال فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْر
فَمن أجل أَن الله تَعَالَى جعل الْحَسَنَة لَهُم بِعشر أَمْثَالهَا فصوم رَمَضَان بثلثمائة يَوْم كل كل يَوْم بِعشْرَة وَبَقِي من السّنة سِتُّونَ يَوْمًا فَعدل كل يَوْم بِعشْرَة فيحتسب لَهُ على حِسَاب تَضْعِيف الْحَسَنَات كَأَنَّهُ صَامَ الدَّهْر كُله
стр. 142
عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن أَبِيه ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من صَامَ ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر فقد صَامَ الشَّهْر كُله لِأَن كل يَوْم يحْتَسب لَهُ فِي التَّضْعِيف بِعشْرَة أَيَّام
стр. 143
- الأَصْل السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ
-
فِي الشُّكْر وَالصَّبْر
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ الطاعم الشاكر بِمَنْزِلَة الصَّائِم الصابر
فالطعم فعل وَالصَّوْم كف عَن فعل فالطاعم بطعمه يَأْتِي ربه بالشكر والصائم بكفه عَن الطّعْم يَأْتِي ربه بِالصبرِ
وَقد رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ الْإِيمَان نِصْفَانِ نصف للشكر وَنصف للصبر
стр. 144
وَفِي حَدِيث آخر عَن ابْن مَسْعُود ﵁ الصَّبْر نصف الْإِيمَان وَإِنَّمَا قَالَ نصف الْإِيمَان لِأَن نصفه للشكر
ثمَّ قَالَ وَالْيَقِين الْإِيمَان كُله ثمَّ تَلا ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لكل صبار شكور﴾ وَقَالَ ﴿وَفِي الأَرْض آيَات للموقنين﴾
فَجمع الْيَقِين الصَّبْر وَالشُّكْر وَإِنَّمَا هُوَ صنفان معطي فَعَلَيهِ الشُّكْر وممنوع مِنْهُ فَعَلَيهِ الصَّبْر فَإِذا شكر هَذَا فقد أَتَى من حَقِيقَة الْإِيمَان بِنصفِهِ وَإِذا صَبر هَذَا فقد أَتَى من حَقِيقَة الْإِيمَان بِنصفِهِ
стр. 145
- الأَصْل السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ
-
فِي سر قتل الْحَيَّات وَالنَّهْي عَنهُ
عَن سري بنت نَبهَان العنوية قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول اقْتُلُوا الْحَيَّات صغيرها وكبيرها وأسودها وأبيضها فَإِن من قَتلهَا كَانَت لَهُ فدَاء من النَّار وَمن قتلته كَانَ شَهِيدا
فالحية عَدو قد أظهرت الْعَدَاوَة وَقد كَانَت وكلت بِخِدْمَة آدم ﵇ فِي الْجنَّة فخانته وأمكنت عَدو الله من نَفسهَا حَتَّى صيرته سَببا لدُخُوله الْجنَّة فِي إغوائه فَلَمَّا ألقاهم إِلَى الأَرْض تأكدت الْعَدَاوَة من عَدو الله وَمن الْحَيَّة لآدَم ﵇ وَأَوْلَاده
قَالَ وهب بن مُنَبّه لما أسكن الله آدم ﵇ الْجنَّة وَزَوجته كَانَت الشَّجَرَة وغصونها منشعبة بَعْضهَا فِي بعض وَكَانَ لَهَا ثَمَر تَأْكُله الْمَلَائِكَة تخلدهم وَهِي الثَّمَرَة الَّتِي نهى الله تَعَالَى آدم وَزَوجته ﵉ عَنْهَا فَلَمَّا أَرَادَ إِبْلِيس أَن يستنزلها دخل فِي
стр. 146
جَوف الْحَيَّة وَكَانَت الْحَيَّة لَهَا أَربع قَوَائِم تحتية من أحسن دَابَّة خلقهَا الله تَعَالَى فَلَمَّا دخلت الْحَيَّة الْجنَّة خرج من جوفها إِبْلِيس وَأخذ من الشَّجَرَة الَّتِي نهى الله آدم وَزَوجته ﵉ عَنْهَا فجَاء بهَا إِلَى حوء فَقَالَ لَهَا انظري الى هَذِه الشَّجَرَة مَا أطيب رِيحهَا وَأطيب طعمها وَأحسن لَوْنهَا فأخذتها حَوَّاء فَأَكَلتهَا ثمَّ ذهبت بهَا إِلَى آدم ﵇ فَقَالَت انْظُر الى هَذِه الشَّجَرَة مَا أطيب رِيحهَا وَأطيب طعمها وَأحسن لَوْنهَا فَأكل مِنْهَا آدم ﵇ فبدت لَهما سوآتهما فَدخل آدم فِي جَوف الشَّجَرَة فناداه ربه أَيْن أَنْت قَالَ أَنا هُنَا يَا رب قَالَ أَلا تخرج قَالَ أستحيي مِنْك يَا رب قَالَ اهبط إِلَى الأَرْض الَّتِي خلقتك مِنْهَا قَالَ ملعونة الأَرْض الَّتِي مِنْهَا خلقت لعنة تتحول ثمارها شوكا ثمَّ قَالَ يَا حَوَّاء غررت عَبدِي فَإنَّك لَا تحميلن حملا إِلَّا حملت كرها فَإِذا أردْت أَن تضعبي مَا فِي بَطْنك أشرفت على الْمَوْت مرَارًا وَقَالَ للحية أَنْت الَّتِي دخل الملعون فِي جوفك حَتَّى غر عَبدِي ملعونة أَنْت لعنة تتحول قوائمك فِي بَطْنك وَلَا يكون لَك رزق إِلَّا التُّرَاب أَنْت عدوة بني آدم وهم أعداؤك أَيْن لقِيت أحدا مِنْهُم أخذت بعقبه وَحَيْثُ لقيك شدخ رَأسك
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اقْتُلُوا الْحَيَّة وَالْعَقْرَب وَإِن كُنْتُم فِي الصَّلَاة
عَن ابْن عمر ﵄ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ خمس يقتلهن الْمحرم فَذكر الْحَيَّة فِيهِنَّ
стр. 147
عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ بمنى فمرت حَيَّة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اقتلوها فسبقتنا إِلَى جُحر فدخلته فَقَالَ رَسُول الله ﷺ هاتوا بسعفة ونار فاضرمها عَلَيْهِ نَارا وَكَانَ رَسُول الله ﷺ ينْهَى عَن الْمثلَة وَعَن أَن يعذب بِعَذَاب الله
فَلم يبْق لهَذَا الْعَدو حُرْمَة حَيْثُ فَاتَتْهُ حَتَّى اوصل إِلَيْهِ الْهَلَاك من حَيْثُ قدر
وَكَانَ ابْن عَبَّاس ﵄ يَقُول اخفروا ذمَّة إِبْلِيس عَدو الله فَإِنَّهُ رُوِيَ فِي الْخَبَر أَن عَدو الله إِبْلِيس قَالَ للحية أدخليني الْجنَّة وَأَنت فِي ذِمَّتِي
فَأَما مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ من النَّهْي عَن قتل الجان فَإِن تِلْكَ فِي صُورَة الْحَيَّات هن من الْجِنّ وَهن سكان الْبيُوت فَإِذا قتلتها ضرت بك
عَن زيد بن الْخطاب ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن قتل دَوَاب الْبيُوت يَعْنِي الجان
عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ خلق الله الجان ثَلَاثَة أَثلَاث فثلث كلاب وحيات
стр. 148
وخشاش الأَرْض وَثلث ريح هفافة وَثلث كبني آدم لَهُم الثَّوَاب وَعَلَيْهِم الْعقَاب)
وَفِي رِوَايَة أبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي صنف لَهُم أَجْنِحَة يطيرون يطيرون فِي الْهَوَاء يدل قَوْله وَثلث ريح هفافة وَخلق الله تَعَالَى الْإِنْس ثَلَاثَة أَثلَاث فثلث لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا وأعين لَا يبصرون بهَا وآذان لَا يسمعُونَ بهَا إِن هم إِلَّا كالأنعام بل هم أضلّ سَبِيلا وَثلث أَجْسَادهم كأجساد بني آدم وَقُلُوبهمْ قُلُوب الشَّيَاطِين وَثلث فِي ظلّ الله تَعَالَى يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله
عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن بِالْمَدِينَةِ نَفرا من الْجِنّ أَسْلمُوا فَمن رأى شَيْئا من هَذِه العوامر فليؤذنه ثَلَاثًا فَإِن لَهُ بعد ذَلِك فليقتله فَإِنَّهُ شَيْطَان
عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ خرج رَسُول الله ﷺ إِلَى أحد فَخرج مَعَه فَتى منا من بني خدرة وَهُوَ حَدِيث عهد بعرس فَاسْتَأْذن رَسُول الله ﷺ أَن يطلع على أَهله فَأذن لَهُ فَخرج الْفَتى وَفِي يَده الرمْح حَتَّى دخل الدَّار فَوجدَ زَوجته بِبَاب حجرته جالسة
стр. 149
فأفزعه ذَلِك فَقَالَ مَا أخرجك من بَيْتك قَالَت حَيَّة منطوية عل فراشك هِيَ الَّتِي ذعرتني فَدخل الْفَتى فوكزها برمحه وَخرج بهَا الى صحن الدَّار تضطرب فِيهِ فَمَاتَتْ وَمَات الْفَتى من سَاعَته فَذكر ذَلِك لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَا تقتلُوا شَيْئا تجدونه فِي الْبيُوت مِنْهُنَّ حَتَّى تقدمُوا
عَن ابْن أبي ملكية قَالَ قتلت عَائِشَة ﵂ جانا فَأتيت فِي الْمَنَام فَقيل أما وَالله لقد قتلتيه مُسلما فَقَالَت لَو كَانَ مُسلما مَا دخل على أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ فَقيل مَا دخل عَلَيْك إِلَّا وَأَنت مستترة فتصدقت وأعتقت رقابا
عَن ثَابت بن قُطْبَة الثَّقَفِيّ قَالَ جَاءَ رجل الى عبد الله بن مَسْعُود ﵁ فَقَالَ إِنَّا كُنَّا فِي سفر فمررنا بحية مقتولة مشعرة فِي دَمهَا فواريناها فَلَمَّا نزلُوا أَتَتْهُم نسْوَة وأناس فَقَالُوا أَيّكُم صَاحب عَمْرو قُلْنَا من عَمْرو قَالُوا الْحَيَّة الَّتِي دفنتموها أمس أما أَنه من النَّفر الَّذين اسْتَمعُوا من رَسُول الله ﷺ قُلْنَا مَا شَأْنه قَالَ كَانَ حَيَّان من الْجِنّ مُسلمُونَ ومشركون بَينهم قتال فَقتل
عَن الرّبيع بن بدر قَالَ الجان من الْحَيَّات الَّتِي نهى رَسُول الله ﷺ عَن قَتلهَا هِيَ الَّتِي تمشي وَلَا تلتوي
عَن عَلْقَمَة قَالَ اقْتُلُوا الْحَيَّات كلهَا إِلَّا الجان الَّذِي كانه ميل فَإِنَّهُ جنها
стр. 150
- الأَصْل الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ
-
فِي أكل القثاء بالرطب وسره
عَن عبد الله بن جَعْفَر ﵁ قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يَأْكُل القثاء بالرطب
قَالَ أَبُو عبد الله فَهَذَا جمع بَين لونين فقد يجوز أَن يكون قد اشتهاه فَقضى شَهْوَته لله تَعَالَى لتسكين النَّفس فَإِن النَّفس نازعة إِلَى مَا فِيهِ اللَّذَّة لَهَا وَلها حق إِذا استقامت لمولاها فَأدى حَقّهَا وَحمد الله وشكره عَلَيْهَا فَلَا يكون على صَاحبهَا وبال فِي مثل هَذَا وَإِنَّمَا الوبال على من قضى شَهْوَته بنهمة غافلا عَن ربه منهوما بلذته لَا يلْتَمس فِيهَا حق النَّفس وَلَا يَبْتَغِي بهَا وَجه الله فالحساب أَمَامه وَهُوَ مسئول عَن شكرها وَقد يجوز أَن يكون على غير هَذَا السَّبِيل الَّذِي ذَكرْنَاهُ
стр. 151
وَيحْتَمل أَن يكون لمَكَان عِيَاله أَو ضَيفه فعل ذَلِك فتوسع من أَجلهم فِي ذَلِك وَلم يحمل قوته على ضعفهم فَرُبمَا ينغص على الضَّيْف أَو الْعِيَال إِمْسَاكه عَنهُ واستوحشوا من فعله وتكدرت تِلْكَ النِّعْمَة عَلَيْهِم فَفِيهِ تَضْييع حق الضَّيْف وَحقّ الْعِيَال فيخالطهم فِي ذَلِك ويشركهم فِيهِ وَوجه آخر مُحْتَمل أَيْضا وَذَلِكَ أَن القثاء بَارِد رطب وَالرّطب حَار فَأحب أَن يصيره مزاجا فَيجمع بَين الْحَار والبارد كَيْلا يضْربهُ وَاحِد مِنْهُمَا على الِانْفِرَاد
وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يجمع بَين الْبِطِّيخ وَالرّطب
وَعَن أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ كَأَن يَأْكُل الْبِطِّيخ بالرطب
стр. 152
- الأَصْل التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ
-
فِي مَرَاتِب الْأَخْلَاق وَفضل الْعلم
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ كنت ذَات يَوْم رَدِيف رَسُول الله ﷺ قَالَ أَلا أعلمك خصلات ينفعك الله بِهن قلت بلَى يَا نَبِي الله قَالَ عَلَيْك بِالْعلمِ فَإِن الْعلم خَلِيل الْمُؤمن والحلم وزيره وَالْعقل دَلِيله وَالْعَمَل قيمه والرفق أَبوهُ واللين أَخُوهُ وَالصَّبْر أَمِير جنده
قَالَ أَبُو عبد الله الْإِيمَان مستقره فِي الْقلب ويشرق نوره فِي الصَّدْر فَإِذا اعْترض فكر فِي الْأُمُور تصور كل شَيْء على هَيئته فَيرى الْخَيْر فِي بهائه وَحسنه وَالشَّر فِي قبحه وشينه وَإِنَّمَا قيل علم لِأَنَّهُ علائم الْإِيمَان وَقد أظهر فِي الصَّدْر بَاطِن مَا فِي الْقلب فَهُوَ خَلِيله لِأَنَّهُ قد خله إِلَى الْإِيمَان أَي ضمه لما ظهر الْعلم اهْتَدَى فَمَال إِلَى من آمن بِهِ ليأتمر بأَمْره وَيَنْتَهِي عَن نواهيه والخلة الضمة فِي اللُّغَة يُقَال هَذَا ثوب خَلِيل
стр. 153
وَهُوَ الَّذِي شكه بالخلال فضمه إِلَى نَفسه فَكَذَلِك لما ظهر فِي صدر الْمُؤمن شكه وَجمعه حَتَّى لَا تَنْتَشِر جوارحه فِي شهواته وهواه
والحلم وزيره فالحلم هُوَ سَعَة الصَّدْر وَطيب النَّفس فَإِذا وسع الصَّدْر وانشرح بِالنورِ أَبْصرت النَّفس رشدها من غيها وعواقب الْخَيْر وَالشَّر فطابت وَإِنَّمَا تطيب النَّفس لسعة الصدروإنما يَتَّسِع الصَّدْر بولوج النُّور الْوَارِد من عِنْد الله وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَفَمَن شرح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ على نور من ربه﴾ وَإِذا دخل النُّور سهل تَسْلِيم النَّفس وَذَهَبت عسرتها وكزازتها وَالْملح يطيب الطَّعَام والحلم يطيب النَّفس
عَن عبد الله بن جَراد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَيْسَ الْأَعْمَى من يعمى بَصَره إِنَّمَا الْأَعْمَى من تعمى بصيرته
قَالَ الله تَعَالَى فِي تَنْزِيله الْكَرِيم ﴿فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ فطيب النَّفس من روح الْيَقِين وَهُوَ من أعظم النعم
стр. 154
وَعَن عمر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا بَأْس من غَنِي لمن إتقى وَالصِّحَّة لمن إتقى خير من الْغَنِيّ وَطيب النَّفس من النَّعيم
فالغني بِغَيْر التَّقْوَى هلكة يجمعه من غير حَقه ويضعه فِي غير حَقه فَإِذا كَانَ مَعَ صَاحبه تقوى فقد ذهب الْبَأْس وَجَاء بِالْخَيرِ
عَن مُحَمَّد بن كَعْب أَن الْغَنِيّ إِذا كَانَ تقيا آتَاهُ الله تَعَالَى أجره مرَّتَيْنِ ثمَّ تَلا ﴿وَمَا أَمْوَالكُم وَلَا أَوْلَادكُم بِالَّتِي تقربكم عندنَا زلفى إِلَّا من آمن وَعمل صَالحا فَأُولَئِك لَهُم جَزَاء الضعْف بِمَا عمِلُوا وهم فِي الغرفات آمنون﴾
فَلَيْسَ من امتحن كمن لم يمْتَحن فَقَالَ فِي مؤمني أهل الْكتاب ﴿أُولَئِكَ يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾
فَصَبر الْغَنِيّ أَشد من صَبر الْفَقِير كَمَا أَن محاربتك أسدا خلي عَنهُ أَشد من محاربتك أسدا قد ربط بوثاق
قَالَ مَالك بن دِينَار ﵀ يَقُول النَّاس مَالك زاهدا وَكَيف لَا يزهد وَهُوَ مقبز عَلَيْهِ إِنَّمَا الزَّاهِد عمر بن عبد الْعَزِيز نَالَ الْخلَافَة فَلبس المسوح
وَأما قَوْله وَالصِّحَّة لمن اتَّقى خير من الْغنى فَإِن صِحَة الْجَسَد عون على الْعِبَادَة والسقيم عَاجز فالصحة خير من الْغنى مَعَ الْعَجز
وَأما قَوْله وَطيب النَّفس من النَّعيم فقد ذكرنَا أَنه من روح الْيَقِين على الْقلب وهوالنور الْوَارِد الَّذِي قد أشرق فِي الصَّدْر وأراح الْقلب
стр. 155
وَالنَّفس من الظلمَة والضيق لِأَن النَّفس بشهواتها فِي ظلمَة وَالْقلب فِي تِلْكَ الظُّلُمَات قد أحاطت بِهِ فالسائر إِلَى مدعاة فِي ظلمَة يشْتَد عَلَيْهِ السّير ويضيق صَدره لما يتخوف فِي الطَّرِيق من المهاوي والمخاوف فَإِذا أَضَاء لَهُ الصُّبْح انفقأت الظلمَة ووضح الطَّرِيق وزالت المخاوف فَكَذَلِك السائر بِقَلْبِه فِي شَرِيعَة الْإِسْلَام إِلَى الله تَعَالَى إِذا كَانَ قلبه فِي ظلمَة شهواته وهواه هُوَ بِهَذِهِ الصّفة وَإِذا أشرق نور الْيَقِين فِي صَدره استراح الْقلب فَهَذِهِ صفة الْحلم فَهُوَ وَزِير الْمُؤمن يوازره على أَمر الله تَعَالَى وَإِذا لم يكن حلم ضَاقَتْ النَّفس وَانْفَرَدَ الْقلب بِلَا وَزِير
وَالْعقل دَلِيله يدله على مراشد الْأُمُور ويبصره غيها ويهديه لمحاسنها ويزجره عَن مساوئها وَخلق الله الْعقل فَقَالَ وَعِزَّتِي مَا خلقت خلقا أحب إِلَيّ مِنْك فبك آخذ وَبِك أعطي وَإِيَّاك أعاتب وَلَك الثَّوَاب وَعَلَيْك الْعقَاب
стр. 156
وَرُوِيَ فِي الْخَبَر أَن الله تَعَالَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّمَا أجزي النَّاس على قدر عُقُولهمْ
وَالْعَمَل قيمَة الْقيمَة من شَأْنه أَن يتوكل لَك حَتَّى يَكْفِيك مهماتك وَالْعلم الصَّالح يهئ لَهُ فِي معاشه طيب الْحَيَاة قَالَ الله تَعَالَى ﴿من عمل صَالحا من ذكر أَو أُنْثَى وَهُوَ مُؤمن فلنحيينه حَيَاة طيبَة ولنجزينهم أجرهم بِأَحْسَن مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ فالحياة الطّيبَة فِي الدُّنْيَا وَالْجَزَاء فِي الْآخِرَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ﴾
والرفق أَبوهُ الْأَب لَهُ التربية مَعَ الْعَطف والشفقة وَهُوَ يَشْمَل أَحْوَال الْوَلَد بالعناية وَيجمع لَهُ وُجُوه المكاسب والرفق كشفير الْأُمُور بِهِ يَتَأَتَّى الْأُمُور وَبِه يتَّصل بَعْضهَا بِبَعْض وَبِه يجمع مَا تشَتت مِنْهُ ويأتلف مَا تنافر وتبدد مِنْهُ وَيرجع إِلَى المأوى مَا شَذَّ وَهُوَ يَشْمَل أَحْوَال الْمُؤمن بالصلاح وَيجمع لَهُ الْخيرَات والطاعات من وُجُوه الْبر
واللين أَخُوهُ فالأخ آخية الْمَرْء ومعتمده من المخلوقين فَهُوَ مستراحه إِذا أعيى وَنصب اسْتندَ إِلَيْهِ واستراح فَكَذَلِك اللين هُوَ مستراح الْمُؤمن بِهِ تهدأ نَفسه ويطمئن قلبه وتجد أَرْكَانه رَاحَة ذَلِك وحدته وشدته وغضبه تَعب بدنه وَعَذَاب نَفسه وَنصب قلبه وَإِنَّمَا يلين قلبه بهدو نَفسه وَإِنَّمَا تهدو نَفسه بِمَوْت شهواتها وَإِنَّمَا تَمُوت شهواتها بِمَا أَصْبِر قلبه بِنور الْيَقِين من جلال الله تَعَالَى وعظمته وَصَارَ كالدهن فِي اللين وَمن غلظ قلبه وفظ وَاشْتَدَّ فَمن الْقَسْوَة وَإِنَّمَا يقسو قلبه من الْغَفْلَة عَن الله تَعَالَى وَإِنَّمَا يلين الْقلب لما يرطب بِذكر الله تَعَالَى وَفِي اللُّغَة عَسى وعتا وقسا قريبَة الْمَعْنى وَيرجع الْمَعْنى إِلَى أَنه يبس فكز وضد
стр. 157
ذَاك رطب فلَان قَالَ الله تَعَالَى ﴿فبمَا رَحْمَة من الله لنت لَهُم وَلَو كنت فظا غليظ الْقلب لانفضوا من حولك﴾
فالفظاظة وَغلط الْقلب تفرق الْمَجْمُوع وتبدد المؤتلف واللطافة ورقة الْقلب تجمع المتفرق وتؤلف المتبدد وان الْقلب يلطف ويرق من النُّور وَسَببه الرَّحْمَة ويفظ ويغلظ من حرارة الشَّهَوَات وَقُوَّة الْغذَاء وَالدَّم وَكَانَ رَسُول الله ﷺ من شَأْنه المداومة على الْحجامَة إِلَى أَن قبض وَقَالَ ﷺ مَا مَرَرْت بملأ من الْمَلَائِكَة إِلَّا أمروني بالحجامة وَقَالُوا لي مرأمتك بالحجامة
مَعْنَاهُ عندنَا لأَنهم من بَين الْأُمَم أهل يَقِين فَإِذا اشتعل نور الْيَقِين فِي الْقلب وَمَعَهُ حرارة الدَّم أضرّ بِالْقَلْبِ وبالطبع أَيْضا وَكَانَ ﷺ يسْتَعْمل الْحِنَّاء فِي رَأسه مَعَ أَنه لم يشنه الشيب وَمَا خضب وَإِنَّمَا كَانَ سَبَب الْحِنَّاء أَنه كَانَ يَأْتِيهِ الْوَحْي فيصدع فَمن أجل الصداع كَانَ يعالج بِالْحِنَّاءِ فِي رَأسه حَتَّى تخف حرارة رَأسه
وَالصَّبْر أَمِير جنده وَالصَّبْر هُوَ ثبات الْقلب على عزمه فَإِذا ثَبت الْأَمِير ثَبت الْجند لمحاربة الْعَدو وَإِذا جَاءَت النَّفس بشهواتها فَغلبَتْ
стр. 158
الْقلب حَتَّى اسْتعْملت الْجَوَارِح بِمَا نهى عَنهُ فقد ذهب الصَّبْر وَهُوَ ذهَاب الْعَزْم فَبَقيَ الْقلب أَسِيرًا للنَّفس واستولت عَلَيْهِ فَانْهَزَمَ الْعقل والحلم وَالْعلم والرفق واللين وَجَمِيع جُنُوده
стр. 159
- الأَصْل الْأَرْبَعُونَ
-
فِي تَكْثِير التَّوْبَة
عَن خبيب بن الْحَارِث ﵁ قَالَ أتيت رَسُول الله ﷺ فَقلت يَا رَسُول الله إِنِّي رجل مقراف الذُّنُوب قَالَ يَا خبيب فَكلما أذنبت فتب إِلَى الله تَعَالَى قلت ثمَّ أَعُود يَا رَسُول الله قَالَ ثمَّ تب قلت إِذا يكثر يَا رَسُول الله قَالَ عَفْو الله أَكثر من ذنوبك يَا خبيب
التَّوْبَة للْعَبد مبسوطة حَتَّى يعاين قَابض الْأَرْوَاح وَهُوَ عِنْد غرغرته بِالروحِ وَإِنَّمَا يُغَرْغر بِهِ إِذا قطع الوتين فشخص من الصَّدْر إِلَى الْحلق فَعِنْدَ ذَلِك حُضُور الْمَوْت ومعاينة ملك الْمَوْت الَّذِي وكل بِهِ فَهُوَ الَّذِي يذيقه وَمن قبل ذَلِك كَانَ أعوانه ليستوفون الرّوح وينزعونه من الْجَوَارِح وَالْعُرُوق قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَيْسَت التَّوْبَة للَّذين يعْملُونَ السَّيِّئَات حَتَّى إِذا حضر أحدهم الْمَوْت قَالَ إِنِّي تبت الْآن﴾ فباب التَّوْبَة مَفْتُوح إِلَى
стр. 160
طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا ودواء الذَّنب التَّوْبَة وشفاء العَبْد مِنْهُ إِذا مَاتَت شَهْوَة ذَلِك الذَّنب مِنْهُ
قَوْله عَفْو الله أَكثر من ذنوبك أَي فضل الله على العَبْد أَكثر من نُقْصَان العَبْد وَأَنه كلما أذْنب أبق من ربه وَكلما أبق ازْدَادَ عَيْبا وَكلما ازْدَادَ عَيْبا ازْدَادَ نقصا فِي الْقدر والجاه قَالَ ففضل الله على العَبْد أَكثر من نقصانه لِأَنَّهُ يتفضل من كرمه ومجده فقبول التَّوْبَة من فضل الله ورجوعه بِالتَّوْبَةِ إِلَيْهِ أَيْضا من فَضله فَرب عبد لَا يوفق للتَّوْبَة وَالْعِيَاذ بِاللَّه من ذَلِك
стр. 161
- الأَصْل الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ
-
فِي الْخَوَارِج
عَن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْخَوَارِج كلاب أهل النَّار
الْخَوَارِج قوم ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدّين وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا فهم الأخسرون أعمالا حبطت أَعْمَالهم فَلَا يُقَام لَهُم يَوْم الْقِيَامَة وزن ذَلِك بِأَنَّهُم قد اجتهدوا ودأبوا فِي الْعِبَادَة وَفِي قُلُوبهم زيغ ومرقوا من الدّين
وَقد رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه وَصفهم فَقَالَ يقراون الْقُرْآن يقيمونه إِقَامَة الْقدح لَا يُجَاوز تراقيهم يَمْرُقُونَ من الدّين كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية
стр. 162
مَا زَالَ بهم التنطع والتعمق حَتَّى كفرُوا الْمُوَحِّدين بذنب وَاحِد حَتَّى صَارُوا بذلك إِلَى الْأَنْبِيَاء ﵈ للزيغ الَّذِي فِي قُلُوبهم دخلُوا فِيمَا لم يَأْذَن بِهِ الله تَعَالَى فقاسوا برأيهم وتأولوا التَّنْزِيل على غير وَجهه هم الَّذين وَصفهم الله تَعَالَى فَقَالَ فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ فيتبعون مَا تشابه مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَة وابتغاء تَأْوِيله
وَرُبمَا تمسكوا بآخر الْآيَة ونهوا عَن أَولهَا حَتَّى قَالَ قَائِلهمْ لجَابِر بن عبد الله أَنْت الَّذِي تَقول يخرج الله من النَّار قوما بَعْدَمَا أدخلهم فِيهَا قَالَ نعم سمعته من رَسُول الله ﷺ قَالَ فَأَيْنَ قَول الله تَعَالَى وَمَا هم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُم عَذَاب مُقيم قَالَ جَابر انْظُر لمن هَذَا من مُبْتَدأ الْآيَة إِن الَّذين كفرُوا لَو أَن لَهُم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا وَمثله مَعَه الْآيَة
فالمؤمن يستر وَيرْحَم ويعطف ويتوقى أَن يلوم ويعير ويرجو من الله الرَّحْمَة ويرجيه وَهَذَا الْمفْتُون يهتك ويعير ويؤيس ويقنط وَيكفر فَهَذِهِ أَخْلَاق الْكلاب وتقولهم كلبوا على عباد الله ونظروا إِلَيْهِم بِعَين البغضة والعداوة والملامة فَلَمَّا دخلُوا النَّار صَارُوا فِي هَيْئَة أَعْمَالهم كلابا كَمَا كَانُوا على الْمُوَحِّدين فِي الدُّنْيَا كلابا
стр. 163
قَالَ أَبُو الْعَالِيَة مَا أَدْرِي أَي النعمتين أفضل أَن هَدَانِي للْإيمَان ثمَّ لم يَجْعَلنِي حروريا وَالله أعلم
عَن أبي عاكف قَالَ كنت بِدِمَشْق فجيء برؤوس الْخَوَارِج من الْعرَاق فَنصبت على دَرَجَة الْمَسْجِد فَبينا أَنا قَائِم إِذْ أَنا بشيخ على حمَار قصير ينظر إِلَيْهِم ويبكي وَيَقُول كلاب النَّار كلاب النَّار كلاب النَّار فَسَأَلت عَنهُ فَقَالُوا أَبُو أُمَامَة صَاحب رَسُول الله ﷺ فدنوت مِنْهُ فَقلت يَا أَبَا أُمَامَة أَرَاك تبْكي وَتقول كلاب النَّار قَالَ رَحْمَة لَهُم لأَنهم قد صلوا وصاموا وحجوا واعتمروا ثمَّ صَارُوا كلاب النَّار قلت هَذَا شَيْء تَقوله أم سمعته من رَسُول الله ﷺ قَالَ لَو لم أسمعهُ إِلَّا مرّة أَو مرَّتَيْنِ أوثلاثة أَو أَرْبَعَة حَتَّى بلغ عشر مَرَّات مَا قلت وَلَكِن سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِنَّه سَيكون من امتي قوم يقرأون الْقُرْآن لاتجاوز قراءتهم تراقيهم يعْبدُونَ الله تَعَالَى عبَادَة يحتقرون عبَادَة النَّاس فِي عِبَادَتهم يَمْرُقُونَ من الدّين كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية لَا يعود فِيهِ حَتَّى يعود أَعْلَاهُ فَوْقه هم شَرّ الْخلق والخليقة هم شَرّ قَتْلَى تَحت أَدِيم السَّمَاء طُوبَى لمن قَتلهمْ أَو قَتَلُوهُ
والأزارقة صنف من الْخَوَارِج كَانَ رئيسهم نَافِع بن الْأَزْرَق
стр. 164
وَكَانَ من شَأْنه أَن يُخَاصم يتَأَوَّل الْقُرْآن فِي زمن ابْن عَبَّاس ﵄ فنسب تبعه إِلَيْهِ فَقيل الْأزَارِقَة وَفِي زمن عَليّ كرم الله وَجهه كَانَ رئيسهم ابْن الْكواء وَفِي زمن التَّابِعين رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ نجدة الحراوري وَهُوَ من بَقِيَّة أهل حروراء الَّذين خَرجُوا على عَليّ كرم الله وَجهه وحروراء قَرْيَة من قرى السوَاد
عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لجنهم سَبْعَة أَبْوَاب بَاب مِنْهَا لمن سل سَيْفه على أمتِي أَو قَالَ أمة مُحَمَّد ﷺ
عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ كَانَ فِي عهد رَسُول الله ﷺ رجل يعجبنا تعبده واجتهاده فذكرناه لرَسُول الله ﷺ فَلم يعرفهُ ووصفناه بِصفتِهِ فَلم يعرفهُ فَبَيْنَمَا نخن نذكرهُ إِذْ طلع الرجل فَقُلْنَا هُوَ هَذَا يَا رَسُول الله قَالَ إِنَّكُم تخبروني عَن رجل وعَلى وَجهه لسفعة من الشَّيْطَان قَالَ فَأقبل حَتَّى وقف على الْمجْلس فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ أنْشدك الله هَل قلت حِين وقفت على الْمجْلس مَا فِي الْمجْلس أحد أفضل مني أَو خير من ي قَالَ اللَّهُمَّ نعم ثمَّ دخل يُصَلِّي فَقَالَ رَسُول الله ﷺ من يقتل الرجل قَالَ أَبُو بكر ﵁ أَنا فَدخل فَوَجَدَهُ يُصَلِّي فَقَالَ سُبْحَانَ الله أقتل رجلا يُصَلِّي وَقد نَهَانَا رَسُول الله ﷺ عَن ضرب الْمُصَلِّين فَخرج فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ مَه قَالَ وجدته بِأبي أَنْت وَأمي يُصَلِّي وَقد نَهَيْتنَا عَن ضرب الْمُصَلِّين فَقَالَ ﷺ من يقتل الرجل فَقَالَ عمر أَنا فَوَجَدَهُ سَاجِدا فَقَالَ أقتل رجلا وَاضِعا وَجهه لله تَعَالَى وَقد
стр. 165
رَجَعَ أَبُو بكر ﵁ وَهُوَ أفضل مني فَخرج إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ مَه فَقَالَ يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي وجدته سَاجِدا فَكرِهت أَن أَقتلهُ وَاضِعا وَجهه لله تَعَالَى قَالَ ﷺ من يقتل الرجل قَالَ عَليّ أَنا قَالَ أَنْت إِن أَدْرَكته قتلته فَوَجَدَهُ عَليّ قد خرج فجَاء فَقَالَ وجدته بِأبي أَنْت وَأمي قد خرج قَالَ لَو قتلته مَا اخْتلف من أمتِي رجلَانِ كَانَ أَوَّلهمْ وَآخرهمْ وَاحِدًا
وَقَالَ مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ هُوَ الَّذِي قَتله عَليّ يَوْم النهروان رُؤْيَته مثل البراغيث إِنَّمَا نبت لَهُ جَنَاحَانِ يطير بهم حرقوص ذُو الثدية
عَن أبي سَلمَة ﵁ قَالَ وقف رجل على رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يقسم تبرا فَقَالَ يَا مُحَمَّد اعْدِلْ فَرفع بَصَره إِلَيْهِ فَقَالَ وَيلك إِذا لم أعدل فَمن يعدل يُوشك مثل هَذَا يظهرون يقرأون الْقُرْآن لَا يُجَاوز تراقيهم فَإِذا ظَهَرُوا فاضربوا أَعْنَاقهم
قَالَ وَالظَّاهِر من قَوْلهم وفعلهم يسبي نفوس الْجُهَّال والحمقى وَالْبَاطِن ظلمات بَعْضهَا فَوق بعض زيغ وَكفر وزندفة وتشبيه
стр. 166
- الأَصْل الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ
-
فِي فَضِيلَة المؤذنين
عَن مُعَاوِيَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ المؤذنون أطول النَّاس أعناقا يَوْم الْقِيَامَة
قَالَ أَبُو عبد الله المؤذنون هم دعاة إِلَى أَمر الله فزيدوا على النَّاس مرتبَة بطول أَعْنَاقهم ليشرفوا على النَّاس بأعناقهم وَهَذَا الطول عندنَا فِي شخصهم وخيالهم فَأَما نفس الْخلقَة بِحَيْثُ خلقهَا الله تَعَالَى من جنس خلق أهل الْجنَّة وَإِنَّمَا ذكر الْعُنُق للمقدار لِأَن هُنَاكَ طبقَة أَعلَى مِنْهُم هم الْأَنْبِيَاء والأولياء الَّذين هم دعاة إِلَى الله تَعَالَى زيدوا فِي الْقَامَة كلهَا لَا فِي الْعُنُق فَقَط وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يُوصف فِي هَذِه الْحَيَاة بِصفة تدل على مَا قُلْنَا وَهُوَ أَنه ﵇ كَانَ إِذا مَشى رُبمَا إِذا اكتنفه رجلَانِ طويلان فَيَمْشِي هُوَ بَينهمَا فيطولهما فَإِذا مَشى وَحده نسب إِلَى الربعة
قَالَ عَليّ ﵁ أَنه ﷺ لم يكن بقصير وَلَا طَوِيل وَإِذا جَاءَ مَعَ النَّاس غمرهم
стр. 167
عَن أم معبد فِي صفته ﷺ قَالَت كَانَ أنظر الثَّلَاثَة منْظرًا
وَوجه آخر أَنهم أطول النَّاس أعناقا بِمد أَعينهم إِلَى عَظِيم مَا يأملون من الثَّوَاب وَمد الْعين إِلَى الشَّيْء تأميلا إشراف بالعنق فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة وَوصف الْأَنْبِيَاء والأولياء ﵈ إِلَى كَرَامَة الله تَعَالَى كَانَت قامتهم على حسب درجاتهم فِي الْموقف إِذا أتوها حَتَّى يصدروا من الْموقف إِلَى الْجنَّة فيعطون قامة أهل الْجنَّة وَمِمَّا يُحَقّق مَا قُلْنَاهُ مَا رَوَاهُ ابْن عمر ﵄ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أحْشر أَنا وَأَبُو بكر وَعمر يَوْم الْقِيَامَة هَكَذَا وَأخرج السبابَة وَالْوُسْطَى والبنصر وَنحن مشرفون على النَّاس وَقد ذَكرْنَاهُ فِي الأَصْل الرَّابِع وَالْعشْرُونَ
وَمِمَّا يُحَقّق مَا قُلْنَا مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ يحْشر الجبارون والمتكبرون يَوْم الْقِيَامَة فِي صُورَة الذَّر يطأهم النَّاس تَحت أَقْدَامهم
فالمتكبرون الَّذين تكبروا على الله تَعَالَى فَلم يوحدوه قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّهُم كَانُوا إِذا قيل لَهُم لَا إِلَه إِلَّا الله يَسْتَكْبِرُونَ﴾ فقامتهم قامة الذَّر يَوْم الْقِيَامَة فَكل من كَانَ أَشد تكبرا كَانَ أقصر قامة وعَلى هَذَا السَّبِيل كل من كَانَ أَشد تواضعا لله تَعَالَى فَهُوَ أشرف قامة على الْخلق
стр. 168
- الأَصْل الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ
-
فِي تَسْلِيم الْحق وسر مصافحته لعمر ﵁
عَن أبي بن كَعْب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أول من يصافحه الْحق عمر وَأول من يسلم عَلَيْهِ وَأول من يَأْخُذ بِيَدِهِ فيدخله الْجنَّة
قَالَ أَبُو عبد الله الرَّحْمَة وَالْحق لَهما شَأْن فِي الْموقف يَوْمئِذٍ الْحق يَقْتَضِي الْخلق عبودته وَالرَّحْمَة تشْتَمل على من وفى بالعبودة لَهُ فَمن طَالبه الْحق بالعبوده وَلم تُدْرِكهُ الرحمه فقد هلك وَكَانَ من شَأْن عمر ﵁ الْقيام بِالْحَقِّ وَكَانَ الْغَالِب على قلبه عَظمَة الله وجلاله وهيبته وَكَانَ الْحق معتمله حَتَّى يقوم بِأَمْر الله وَيُحَاسب نَفسه وَسَائِر الْخلق على الذّرة والخردلة فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة وَهُوَ الْوَفَاء بِمَا قلد الله الْخلق من رِعَايَة هَذَا الدّين الَّذِي ارْتَضَاهُ لَهُم وَهُوَ الْإِسْلَام فَكَأَنَّهُ خلق عزا لِلْإِسْلَامِ
стр. 169
وَبِذَلِك دَعَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ اللَّهُمَّ أعز الدّين بعمر بن الْخطاب أَو بِعَمْرو بن هِشَام
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت دَعَا رَسُول الله ﷺ لعمر بن الْخطاب وَأبي جهل بن هِشَام فَأصْبح عمر وَكَانَت الدعْوَة يَوْم الْأَرْبَعَاء وهم تِسْعَة وَثَلَاثُونَ رجلا فَأسلم عمر ﵁ يَوْم الْخَمِيس فَكبر رَسُول الله ﷺ وَأهل الْبَيْت تَكْبِيرَة سَمِعت بِأَعْلَى مَكَّة وَخرج رَسُول الله ﷺ وَكَانَ مختفيا فِي بَيت الأرقم فأظهر الْإِسْلَام وَطَاف بِالْبَيْتِ وَعمر متقلد السَّيْف حَتَّى صلى الظّهْر مُعْلنا
وَكَانَ كَمَا قَالَت عَائِشَة ﵂ وَكَانَ أحوذيا نَسِيج وَحده قد أعد للأمور أقرانها
عَن سعيد بن جُبَير عَن أنس بن مَالك ﵁ أَن جبرئيل ﵇ جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا مُحَمَّد أقرىء عمر السَّلَام وَأخْبرهُ أَن غَضَبه عز وَأَن رِضَاهُ عدل
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ يَا عمر إِن غضبك عز ورضاك حكم
стр. 170
وَهَذَا لِأَن من استولى على قلبه الْحق إِذا غضب غضب للحق وَإِذا رَضِي رَضِي من أجل الْحق وَكَانَ الْغَالِب على قلب عمر ﵁ الْحق ونوره وسلطانه
قَالَ رَسُول الله ﷺ أرْحم أمتِي بأمتي أَبُو بكر وَأَقْوَاهُمْ فِي دين الله عمر
وَإِنَّمَا الْقُوَّة من أجل أَن الْحق على الْقلب سُلْطَانه وَكَانَ أَبُو بكر ﵁ من شَأْنه الْقيام برعاية تَدْبِير الله ومراقبة صنعه فِي الْأُمُور حَتَّى يَدُور مَعَ الله تَعَالَى فِي تَدْبيره وَكَانَ مُسْتَعْملا بِالتَّدْبِيرِ وَعمر مُسْتَعْملا بِالْحَقِّ فَمن شَأْن أبي بكر ﵁ الْعَطف وَالرَّحْمَة والرأفة والرقة واللين وَمن شَأْن عمر ﵁ الشدَّة وَالْقُوَّة والصلابة والصرامة وَلذَلِك شبه رَسُول الله ﷺ فِي حَدِيثه أَبَا بكر بإبراهيم من الرُّسُل وبميكائيل من الْمَلَائِكَة ﵈ وَشبه عمر بِنوح من الرُّسُل وبجبرئيل من الْمَلَائِكَة ﵈ فابتدأ الله الْمُؤمنِينَ بِالرَّحْمَةِ ورزقهم الْإِيمَان ثمَّ اقتضاهم حَقه فشرع لَهُم الشَّرِيعَة واستهداهم الْقيام بذلك فَمن وفى لَهُ بِالْقيامِ بذلك فقد أرْضى الْحق تَعَالَى
فَأَبُو بكر مَعَ الْمُبْتَدَأ وَهُوَ الْإِيمَان وَعمر مَعَ الَّذِي يتلوه وَهُوَ الْحق وَهُوَ الشَّرِيعَة لِأَن من حق الله تَعَالَى على عباده أَن يوحدوه وَإِذا وحدوه فَمن حَقه عَلَيْهِم أَن يعبدوه بِمَا أَمرهم بِهِ ونهاهم عَنهُ
стр. 171
وَلذَلِك مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ أمرت أَن أؤول الرُّؤْيَا على أبي بكر وَأمرت أَن أَقرَأ الْقُرْآن على عمر لِأَن الرُّؤْيَا جُزْء من أَجزَاء النُّبُوَّة وَالْقُرْآن بَيَان حُقُوقه وَلذَلِك قيل أَبُو بكر الصّديق لِأَنَّهُ صدق بِالْإِيمَان بِكَمَال الصدْق
وَقيل لعمر فاروق لِأَنَّهُ يفرق بَين الْحق وَالْبَاطِل وأسماؤهما دليلان على مراتبهما من الله تَعَالَى بالقلوب ويكشف لَك عَن درجتيهما أَن مجْرى أبي بكر مجْرى صدق الْإِيمَان ومجرى عمر مجْرى وَفَاء الْحق وَكَيف مَا دَار الْحق مَعَ الْعباد يَوْم الْموقف باقتضاء أَمر الله وحبسهم على الْبَاب والانتقام بالنَّار مِنْهُم فالعاقبة الرَّحْمَة لِأَن الرَّحْمَة لَا تتْرك أحدا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مرّة وَاحِدَة فِي دَار الدُّنْيَا فِي جَمِيع عمره صدقا فِي قلبه ثمَّ لم يُوجد لَهُ مِثْقَال خردلة من خير إِلَّا وتأخذه من النَّار وَلَو بعد مِقْدَار عمر الدُّنْيَا
وَكَذَلِكَ جَاءَ عَن رَسُول الله ﷺ فِي قصَّة الشَّفَاعَة إِذا انْقَضتْ شَفَاعَة الرُّسُل وَالْمَلَائِكَة والأنبياء وَالْمُؤمنِينَ جَاءَ مُحَمَّد فِي الْمرة الرَّابِعَة ﷺ فَيسْأَل فِيمَن قَالَ مرّة لَا إِلَه إِلَّا الله فَيَقُول الله إِنَّهَا لَيست لَك وَلَا لأحد من خلقي فتجيء الرَّحْمَة من وَرَاء الْحجاب فَتَقول يَا رب مِنْك بدأت وَإِلَيْك أَعُود فشفعني فِيمَن قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مرّة وَاحِدَة فتجاب إِلَى ذَلِك
فَإِنَّمَا أَعْطَاهُم قَول لَا إِلَه إِلَّا الله بِالرَّحْمَةِ ثمَّ لَا تتركهم تِلْكَ الرَّحْمَة حَتَّى تأخذهم من الْحق وانتقامه مِنْهُم بالنَّار ويكشف عَن شَأْن درجتيهما الْأَخْبَار المتواترة فَمِنْهَا ماروي عَن ابْن شريحة قَالَ سَمِعت عليا ﵁ على الْمِنْبَر يَقُول إِن أَبَا بكر أَواه منيب الْقلب وان عمر نَاصح الله فنصحه الله تَعَالَى
стр. 172
عَن ابْن سِيرِين ﵁ أَن أَبَا بكر ﵁ كَانَ إِذا صلى فَقَرَأَ خفض صَوته وَكَانَ عمر ﵁ كَانَ إِذا قَرَأَ جهر فَقيل لأبي بكر لم تصنع هَذَا قَالَ أُنَاجِي رَبِّي وَقد علم حَاجَتي قيل أَحْسَنت وَقيل لعمر ﵁ لم تصنع هَذَا قَالَ أطْرد الشَّيْطَان وواقظ الْوَسْنَان قيل أَحْسَنت فَلَمَّا نزل ﴿وَلَا تجْهر بصلاتك وَلَا تخَافت بهَا وابتغ بَين ذَلِك سَبِيلا﴾ فَقيل لأبي بكر ارْفَعْ شَيْئا وَقيل لعمر اخْفِضْ شَيْئا
عَن عبد الله بن بُرَيْدَة ﵁ قَالَ سَمِعت أبي يَقُول خرج رَسُول الله ﷺ فِي بعض مغازيه فَلَمَّا انْصَرف رَسُول الله ﷺ جَاءَت جَارِيَة سَوْدَاء فَقَالَت يَا نَبِي الله كنت نذرت إِن ردك الله سالما أَن أضْرب بَين يَديك بالدف فَقَالَ إِن كنت نذرت أَن تضربي وَإِلَّا فَلَا فَدخل أَبُو بكر وَهِي تضرب ثمَّ دخل عمر فَأَلْقَت الدُّف تحتهَا ثمَّ قعدت عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الشَّيْطَان ليخاف مِنْك يَا عمر إِنِّي كنت جَالِسا وَهِي تضرب فَدخل أَبُو بكر وَهِي تضرب ثمَّ دخل عَليّ وَهِي تضرب ثمَّ دخل عُثْمَان وَهِي تضرب فَلَمَّا دخلت أَنْت أَلْقَت الدُّف
стр. 173
فَلَا يظنّ ذُو عقل أَن عمر فِي هَذَا أفضل من أبي بكر وَأَبُو بكر شَبيه برَسُول الله ﷺ فِي ذَلِك وَلَكِن رَسُول الله ﷺ قد جمع الْأَمريْنِ والدرجتين فَلهُ دَرَجَة النُّبُوَّة لَا يلْحقهُ أحد وَأَبُو بكر لَهُ دَرَجَة الرَّحْمَة وَعمر لَهُ دَرَجَة الْحق
عَن الْأسود بن هِلَال ﵁ قَالَ قَالَ أَبُو بكر ﵁ لأَصْحَابه ذَات يَوْم مَا ترَوْنَ فِي هَاتين الْآيَتَيْنِ ﴿إِن الَّذين قَالُوا رَبنَا الله ثمَّ استقاموا﴾ وَقَالَ ﴿الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم﴾
قَالُوا استقاموا فَلم يذنبوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم بذنب قَالَ لقد حملتموها على غير الْمحمل ﴿إِن الَّذين قَالُوا رَبنَا الله ثمَّ استقاموا﴾ فَلم يلتفتوا إِلَى إِلَه غَيره ﴿وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم﴾ أَي بشرك
عَن الزُّهْرِيّ أَن عمر ﵁ تَلا هَذِه الْآيَة ﴿إِن الَّذين قَالُوا رَبنَا الله ثمَّ استقاموا﴾ قَالَ استقاموا وَالله لله بِطَاعَتِهِ ثمَّ لم يروغوا روغان الثعالب
عَن مَكْحُول رفع الحَدِيث إِلَى رَسُول الله ﷺ قَالَ كَانَ بَين رجل من الْمُنَافِقين وَرجل من الْمُسلمين مُنَازعَة فِي شَيْء ادَّعَاهُ الْمُنَافِق فَأتيَا رَسُول الله ﷺ فقصا عَلَيْهِ قصتهما فَلَمَّا توجه الْقَضَاء على الْمُنَافِق قَالَ الْمُنَافِق يَا رَسُول الله ادفعني وإياه إِلَى أبي بكر قَالَ انْطلق مَعَه إِلَى أبي بكر فَانْطَلق مَعَه فقصا قصتهما على أبي بكر ﵁ فَقَالَ مَا كنت لأقضي بَين من رغب عَن قَضَاء الله وَقَضَاء رَسُوله فَرَجَعَا إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا نَبِي الله ادفعني وإياه الى عمر
стр. 174
قَالَ انْطلق مَعَه إِلَى عمر قَالَ يَا نَبِي الله أَنطلق مَعَ رجل إِلَى عمر قد رغب عَن قَضَاء الله وَقَضَاء رَسُول الله قَالَ انْطلق مَعَه فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَا عمر ﵁ فقصا عَلَيْهِ قصتيهما فَقَالَ عمر ﵁ لَا تعجلا حَتَّى أخرج إلَيْكُمَا فَدخل فَاشْتَمَلَ على السَّيْف وَخرج عَلَيْهِمَا فَقَالَ أعيدا عَليّ قصتكما فاعادا فَلَمَّا تبين لعمر ﵁ أَن الْمُنَافِق رغب عَن قَضَاء الله وَقَضَاء رَسُوله حمل سَيْفه على ذؤابة الْمُنَافِق حَتَّى خالط كبده ثمَّ قَالَ هَكَذَا أَقْْضِي بَين من لم يرض بِقَضَاء الله وَقَضَاء رَسُوله فَأتى جبرئيل ﵇ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن عمر قد قتل الرجل وَفرق الله بَين الْحق وَالْبَاطِل على لِسَان عمر ﵁ فَسُمي الْفَارُوق وَيلْزم اسْم الصّديق من أَقَامَ الصدْق فِي أُمُوره كلهَا وَيلْزم اسْم الْفَارُوق من أَقَامَ الْحق فِي أُمُوره كلهَا وَلَو كَانَ فِي بَعْضهَا لَكَانَ هَذَا صَادِقا وَذَاكَ فارقا من الْعَرَبيَّة فِي قالب فَاعل وَأما فعيل وفاعول هُوَ الَّذِي تمكن ذَاك الْأَمر فِيهِ فَصَارَ لَهُ عَادَة وطبعا
стр. 175
٧ - الأَصْل الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ
-
فِي مَا يعدونه صدق الحَدِيث
قَالَ المُصَنّف حَدثنَا الْحُسَيْن بن عَليّ الْعجلِيّ الْكُوفِي قَالَ حَدثنَا يحيى بن آدم قَالَ حَدثنَا ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا حدثتم عني بِحَدِيث تعرفونه وَلَا تُنْكِرُونَهُ قلته أَو لم أَقَله فصدقوا بِهِ وَإِنِّي أَقُول مَا يعرف وَلَا يُنكر وَإِذا حدثتم عني بِحَدِيث تُنْكِرُونَهُ وَلَا تعرفونه فكذبوا بِهِ فَإِنِّي لَا أَقُول مَا يُنكر وَلَا يعرف
стр. 176
فالرسل بعثوا إِلَى الْخلق بِحمْل الْأُمُور وَمَعْرِفَة التَّدْبِير فِي الْأُمُور وَكَيف وَلم وكنه الْأُمُور عِنْدهم مَكْنُون قد أفشى الله من ذَلِك إِلَى الرُّسُل من غيبه مَا لَا يحْتَملهُ عقول من دونهم وبفضل النُّبُوَّة قدرُوا على احْتِمَاله
فالعلم إِنَّمَا بَدَأَ من عِنْد الله تَعَالَى إِلَى الرُّسُل ثمَّ من الرُّسُل إِلَى الْخلق فالعلم بِمَنْزِلَة الْبَحْر فأجري مِنْهُ وَاد ثمَّ أجري من الْوَادي نهر ثمَّ أجري مِنْهُ جدول ثمَّ من الْجَدْوَل إِلَى ساقية فَلَو أجري إِلَى الْجَدْوَل ذَلِك الْوَادي غرقه وأفسده وَلَو مَال الْبَحْر إِلَى الْوَادي لأفسده وَهُوَ قَوْله تَعَالَى فِي تَنْزِيله الْكَرِيم أنزل من السَّمَاء مَاء فسالت أَوديَة بِقَدرِهَا
فبحور الْعلم عِنْد الله تَعَالَى فَأعْطى الرُّسُل مِنْهَا أَوديَة ثمَّ أَعْطَتْ الرُّسُل من أَوْدِيَتهمْ أَنهَارًا إِلَى الْعلمَاء ثمَّ أَعْطَتْ الْعلمَاء إِلَى الْعَامَّة جداول صغَارًا على قدر طاقتهم ثمَّ أجرت الْعَامَّة إِلَى أَهَالِيهمْ وَأَوْلَادهمْ ومماليكهم سواقي بِقدر طاقتهم وَمن هَهُنَا مَا رُوِيَ فِي الْخَبَر أَن لله سرا لَو أفشاه لفسد التَّدْبِير وللأنبياء ﵈ سرا لَو أفشوه لفسدت نبوته وللملوك سرا لَو أفشوه لفسد ملكهم وللعلماء سرا لَو أفشوه لفسد علمهمْ وَإِنَّمَا يفْسد ذَلِك لِأَن الْعُقُول لَا تحتمله فَلَمَّا زيدت الْأَنْبِيَاء ﵈ فِي عُقُولهمْ قدرُوا على احْتِمَال النُّبُوَّة وزيدت الْعلمَاء فِي عُقُولهمْ وَبِذَلِك نالوا الْعلم فقدروا على احْتِمَال مَا عجزت الْعَامَّة عَنهُ
وَكَذَلِكَ عُلَمَاء الْبَاطِن وهم الْحُكَمَاء زيدت فِي عُقُولهمْ وَبِذَلِك نالوا الْعلم فقدروا على احْتِمَال مَا عجزت عَنهُ عُلَمَاء الظَّاهِر أَلا يرى أَن كثيرا من عُلَمَاء الظَّاهِر دفعُوا أَن تَنْقَطِع الوسوسة من الْآدَمِيّ فِي صلَاته ودفعوا أَن يكون لَهُ مشي على المَاء أَو تطوي لَهُ الأَرْض أَو يهيأ لَهُ رزق من غير وُجُوه الْآدَمِيّين حَتَّى أَنْكَرُوا عَامَّة هَذِه الرِّوَايَات الَّتِي جَاءَت فِي مثل هَذِه
стр. 177
الْأَشْيَاء وَلَو عقلوا لقالوا مثل مَا قَالَ مطرف بن عبد الله حِين سَار لَيْلَة مَعَ صَاحب لَهُ فأضاء لَهُ طرف عَصَاهُ كالسراج مَعَه فَقَالَ لَهُ صَاحبه لَو حَدثنَا بِهَذَا كذبنَا فَقَالَ مطرف المكذب بنعم الله يكذب بِهَذَا وَلَو نظر عُلَمَاء الظَّاهِر إِلَى مَا أعْطى الله تَعَالَى لَهُم من مَعْرفَته وَهِي أعظم شَيْء فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض لم يستعظموا مَا إِذا أعطي أحدهم دسجة من جزر فِي بَريَّة من الأَرْض أَو رغيفا بل قَالُوا هَذَا من الله الَّذِي أَعْطَانَا مَعْرفَته الَّتِي هِيَ أثقل من سبع سموات وَسبع أَرضين لكنه من أعطي هَذَا الْعَطاء الْجَلِيل فَلم يرعه حق رعايته وَلم يشْكر الْمُعْطِي بل سَهَا وَلها وَتبطل فِي صُورَة الكفور للنعمة مُقبلا على الدُّنْيَا وَمن انتبه لما أعطي وانكشف غطاء قلبه رعى مَا أعطي وَعز عَلَيْهِ أَن يدنس خلعة الله الَّذِي خلع على قلبه كَمَا عز عَلَيْهِ أَن يدنس خلعة الْمُلُوك فِي دَار الدُّنْيَا فَكيف بالخلعة الَّتِي خلعها رب الْعَالمين على قُلُوب الْمُوَحِّدين اشتعل فِي قُلُوبهم نور التَّوْحِيد حَتَّى عرفوه وآمنوا بِهِ فاشرقت صُدُورهمْ وَنزع عَنْهَا ظلمَة الْكفْر وخلعها عَنْهُم وخلع عَلَيْهِم لِبَاس التَّقْوَى الَّذِي هُوَ وقاية من النَّار
ثمَّ قَالَ فِي تَنْزِيله الْكَرِيم ﴿ذَلِك من آيَات الله﴾ وَقَالَ ﴿حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ وَكره إِلَيْكُم الْكفْر والفسوق والعصيان أُولَئِكَ هم الراشدون فضلا من الله ونعمة﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَالله عليم حَكِيم﴾
стр. 178
عليم بِمَعْنى أعْطى من هُوَ من عباده حَكِيم فِي أمره بالحكمة فعل هَذَا لَا بالجزاف
﴿هُوَ أعلم بكم إِذْ أنشأكم من الأَرْض وَإِذ أَنْتُم أجنة فِي بطُون أُمَّهَاتكُم﴾
فَمن انتبه لهَذِهِ النِّعْمَة وَلِهَذَا الْفضل لم يستعظم أَن تطوى لَهُ الأَرْض أَو يعْطى رغيفا فِي بَريَّة وَالله يَقُول فِي تَنْزِيله الْكَرِيم ﴿ويستجيب الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات ويزيدهم من فَضله﴾
قيل هُوَ الشَّفَاعَة يَوْم الْقِيَامَة فَرجل يشفع فِي أهل النَّار يَوْم الْقِيَامَة وَصَارَ مِمَّن يجوز قَوْله بَين يَدي رب الْعِزَّة فِي ذَلِك الْموقف إِن أعطَاهُ رغيفا فِي الدُّنْيَا من حَيْثُ لَا يقدر عَلَيْهِ مَاذَا يكون فِيهِ حَتَّى يُنكر هَذَا وَمَا يخرج إِنْكَار هَذَا إِلَّا من قوم جهلوا صنائع الله تَعَالَى وتدبيره فِي خلقه وَلم يتَبَيَّن لَهُم كَرَامَة الله إيَّاهُم
وَجَاء عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لَو عَرَفْتُمْ الله حق مَعْرفَته لزالت بدعائكم الْجبَال
فعلماء الظَّاهِر عرفُوا الله وَلَكِن لم ينالوا حق الْمعرفَة فَلذَلِك عجزوا عَن هَذِه الْمرتبَة ودفعوا أَن يكون هَذَا كَائِنا لأحد وَلَو عرفوه حق الْمعرفَة لماتت عَنْهُم الشَّهَوَات وَحب الرياسة وَالشح على الدُّنْيَا والنتافس فِي أحوالها وَطلب الثَّنَاء ترى أحدهم ينصب سَمعه مصغيا الى مَا يَقُول النَّاس لَهُ وَفِيه وعينه شاخصة إِلَى مَا ينظر النَّاس إِلَيْهِ مِنْهُ وَقد عميت عَيناهُ عَن النّظر إِلَى صنع الله وتدبيره فَإِن الله كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن وَقد صم أُذُنه عَن مواعظ الله يقرأه وَلَا يتلذذ لَهُ وَلَا يجد لَهُ حلاوة وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا
стр. 179
عَنى بِهِ غَيره فَكيف يتلذذ بِمَا كلم بِهِ غَيره وَإِنَّمَا صَار كَذَلِك لِأَن الله تَعَالَى خَاطب أولي الْعُقُول والبصائر والألباب فَمن ذهب عقله وبصيرته ولبه فِي شَأْن نَفسه ودنياه كَيفَ يفهم كَلَام رب الْعَالمين ويتلذذ بِهِ وَإِنَّمَا وَقع الْبر واللطف على أهل تِلْكَ الصّفة
عدنا إِلَى تَأْوِيل الحَدِيث وَهُوَ قَوْله ﷺ إِذا حدثتم عني بِحَدِيث تعرفونه وَلَا تُنْكِرُونَهُ فَنَقُول من تكلم بعد الرَّسُول ﷺ بِشَيْء من الْحق وعَلى سَبِيل الْهدى فالرسول ﷺ سَابق إِلَى ذَلِك القَوْل وَإِن لم يكن تكلم بذلك اللَّفْظ الَّذِي أَتَى بِهِ من بعده فقد أَتَى الرَّسُول ﷺ بِأَصْلِهِ مُجملا فَلذَلِك قَالَ فصدقوا بِهِ قلته أَو لم أَقَله إِن لم أَقَله بذلك اللَّفْظ الَّذِي يحدث بِهِ عني فقد قلته إِذا جِئْت بِالْأَصْلِ وَالْأَصْل مؤد عَن الْفَرْع
فجَاء الرَّسُول ﷺ بِالْأَصْلِ ثمَّ تكلم أَصْحَابه والتابعون رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ من بعده بالفروع فَإِذا كَانَ الْكَلَام مَعْرُوفا عِنْد الْمُحَقِّقين غير مُنكر فَهُوَ قَول الرَّسُول ﷺ قَالَه أَو لم يقلهُ يجب علينا تَصْدِيقه لِأَن الأَصْل قد قَالَه الرَّسُول ﷺ وأعطاناه وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لأَصْحَابه الَّذين قد عرفهم بِالْحَقِّ فَإِنَّمَا يعرف الْحق المحق وَهُوَ أولو الْأَلْبَاب والبصائر فَأَما المخلط المكب على شهوات الدُّنْيَا المحجوب عقله عَن الله تَعَالَى فَلَيْسَ هُوَ المعني بِهَذَا لِأَن صَدره مظلم فَكيف يعرف الْحق وَإِنَّمَا شَرط رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إِذا جائكم عني حَدِيث تعرفونه وَلَا تُنْكِرُونَهُ
وَإِنَّمَا تعرف وتنكر الْعُقُول الَّتِي لَهَا إِلَى الله سَبِيل يصل إِلَى الله وَنور الله سراجه وَالْعقل بصيرته وَالْحق جيئته والسكينة طابعه فَيرجع إِلَى
стр. 180
خلقه وَالْحق عِنْده أَبْلَج يضيء فِي قلبه كضوء السراج يَقِينا وعلما بِهِ كَمَا قَالَ ربيع بن خَيْثَم إِن على الْحق نورا وضُوءًا كضوء النَّهَار نعرفه وَأَن على الْبَاطِل ظلمَة كظلمة اللَّيْل ننكره فالمحقون هَكَذَا صفتهمْ يعْرفُونَ الْحق وَالْبَاطِل
وَكَذَلِكَ وعد الله تَعَالَى الْمُتَّقِينَ فَقَالَ عز من قَائِل ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تتقوا الله يَجْعَل لكم فرقانا﴾
قَالَ أهل التَّفْسِير إخراجا أَي من الشُّبُهَات والظلمات فَأَما مَحْض التَّفْسِير فالمخرج أَن يَجْعَل لَهُ نورا فِي قلبه يفرق بَين الْحق وَالْبَاطِل حَتَّى يكون لَهُ مخرجا من ظلمَة الْجَهْل وشبهات الدُّنْيَا فَإِن الْجَهْل يظلم وَالدُّنْيَا تزين على الْآدَمِيّ شَهْوَته الَّتِي فِي جَوْفه فتشبه عَلَيْهِ حَتَّى تخدعه فبتقواه من هَذِه الْأَشْيَاء يَجْعَل لَهُ فرقانا وَهُوَ النُّور يفرق بَين الْحق وَالْبَاطِل هَذَا ثَوَاب التَّقْوَى فِي عَاجل دُنْيَاهُ وثوابه فِي الْآخِرَة قربته وكرامته ورفعة دَرَجَته قَالَ لَهُ قَائِل إِن كَانَ النّظر فِي معرفَة الْحق من الْبَاطِل إِلَى الْقلب فَمَا الْحَاجة بِنَا إِلَى هَذِه الْآثَار قَالَ اعْلَم أَن الله تَعَالَى أنار الْقلب ووفر عقله وَالْحق نور وعَلى قلب الموحد نور يتقد من قلبه على قلبه فِي صَدره فَإِذا عرض أَمر الله تَعَالَى هُوَ حق فَوَقع ذكره فِي الصَّدْر على الْقلب التقى نور الْحق وَنور الْقلب فأمتزجا وائتلفا فاطمأن الْقلب بِمَا فِيهِ وَسكن فَعلمت أَنه الْحق وَإِذا عرض بَاطِل فَوَقع ذكره فِي الصَّدْر على
следующие страницы →