Полный текст (1 237 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
من فَضله فَقَالَ ﴿وَأنْكحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم وَالصَّالِحِينَ﴾ الْآيَة وَبَين فِي الْآيَة من أَيْن يغنيهم فَقَالَ ﴿من فَضله﴾ وَالْفضل قبل الْقِسْمَة
وَلذَلِك قَالَ عمر ﵁ مَا وجدنَا الطّلب للغنى فِي مثل الْبَاءَة وتلا هَذِه الْآيَة
فَإِذا زنى فقد آثر الْفَرح الَّذِي هُوَ من قبل الْعَدو السابي لِقَلْبِهِ على الْفَرح الَّذِي ندب الله إِلَيْهِ عباده فَقَالَ ﴿قل بِفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾ فَذهب الْفضل والغنى لِأَنَّهُ قد جاوره من يدنسه
وَأما قَوْله إِذا أخفرت الذِّمَّة أديل الْكفَّار لِأَن الْمُؤمن عَاهَدَ الله بِالْوَفَاءِ بِذِمَّتِهِ فَإِذا أَخْفَر نقض الْعَهْد وَإِذا نقض الْعَهْد وَهِي عقدَة الْمعرفَة لِأَن الْمعرفَة مقرونة بالعهد معقودة بِهِ فبنقض الْعَهْد يخَاف انحلال العقد وَمن قبل الانحلال تذْهب هَيْبَة الْإِسْلَام ويقذف الوهن فِي الْقُلُوب
عَن ثَوْبَان مولى النَّبِي ﵇ قَالَ سَمِعت النَّبِي ﵇ قَالَ ليتداعى عَلَيْكُم الْأُمَم كَمَا يتداعى الْأكلَة إِلَى قصعتها قلت يَا رَسُول الله وَمن قلَّة بِنَا يَوْمئِذٍ قَالَ لَا بل أَنْتُم كثير وَلَكِنَّكُمْ غثاء كغثاء السَّيْل وَلَينْزَعَنَّ الله المهابة من صُدُور عَدوكُمْ مِنْكُم وليقذفن فِي قُلُوبكُمْ الوهن فَقلت يَا رَسُول الله وَمَا الوهن قَالَ حب الدُّنْيَا وَكَرَاهَة الْمَوْت
стр. 1157
- الأَصْل السَّادِس وَالسَّبْعُونَ والمائتان
-
فِي مَا ترَاءى للحكيم فِي منَازِل الْقرْبَة مجاوبات لِلْآيَةِ الَّتِي فِيهَا السَّجْدَة
عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا سجد قَالَ سجد لَك سوَادِي وخيالي وآمن بك فُؤَادِي أَبُوء بنعمتك عَليّ وأبوء بذنبي هَذَا مَا جنيت على نَفسِي فَاغْفِر لي إِنَّه لَا يغْفر الذَّنب الْعَظِيم إِلَّا أَنْت
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت كَانَ رَسُول الله ﷺ يَقُول فِي سُجُود الْقُرْآن بِاللَّيْلِ مرَارًا سجد وَجْهي للَّذي خلقه وصوره وشق سَمعه وبصره بحوله وقوته
стр. 1158
عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يقْرَأ فِي سُجُوده اللَّهُمَّ اغْفِر لي ذَنبي كُله دقيقه وجليله أَوله وَآخره سره وعلانيته
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول فِي سُجُوده أعوذ بعفوك من عقابك وَأَعُوذ برضاك من سخطك وَأَعُوذ بك مِنْك جلّ وَجهك لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك يَا عَظِيم فَقلت يَا رَسُول الله لقد سَمِعتك تَقول فِي سجودك شَيْئا مَا سَمِعتك تذكره قَالَ وَقد علمت ذَلِك قلت نعم قَالَ تعلميهن وعلميهن فَإِن جِبْرَائِيل ﵇ أَمرنِي أَن أكررهن فِي السُّجُود
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله رَأَيْتنِي هَذِه اللَّيْلَة فِيمَا يرى النَّائِم كَأَنِّي أُصَلِّي خلف شَجَرَة وَرَأَيْت كَأَنِّي قَرَأت السَّجْدَة فسجدت فَرَأَيْت الشَّجَرَة مَكَانهَا سجدت لسجودي وَهِي تَقول اللَّهُمَّ اكْتُبْ لي بهَا عنْدك أجرا وضع عني بهَا وزرا وَاجْعَلْهَا لي عنْدك ذخْرا واقبلها مني كَمَا قبلت من عَبدك دَاوُد ﵇
قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ فَقَرَأَ رَسُول الله ﷺ السَّجْدَة ثمَّ سجد فَسَمعته يَقُول كَمَا قَالَ الرجل عَن قَول الشَّجَرَة
стр. 1159
- الأَصْل السَّابِع وَالسَّبْعُونَ والمائتان
-
فِي الْحِكْمَة فِي فتاني الْقَبْر
عَن عبد الله بن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ ذكر يَوْمًا فتاني الْقَبْر فَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ أترد إِلَيْنَا عقولنا يَا رَسُول الله قَالَ نعم كهيئتكم الْيَوْم فَقَالَ عمر ﵁ فَفِي فِيهِ الْحجر
قَالَ أَبُو عبد الله ﵁ قد فسرنا هَذَا الحَدِيث فِي الأَصْل السَّادِس وَالْعِشْرين وَبقيت علينا نُكْتَة لم نأت على تَفْسِيرهَا وَذَلِكَ أَنا سئلنا مَا سَبَب هَذِه الْفِتْنَة فِي الْقَبْر وَقد انْقَطَعت العبودة عِنْد خُرُوج الرّوح إِلَى الله موحدا وانكشف الغطاء وَالْجَوَاب فِي ذَلِك وَالله أعلم أَن الله تَعَالَى من على الْمُوَحِّدين الْمُؤمنِينَ بمعرفته وتوحيده وَذَلِكَ من فَضله وَرَحمته وخاب الْآخرُونَ عَن فَضله وَرَحمته وَكَانَ يبْعَث الرَّسُول بعد الرَّسُول إِلَى الْأُمَم فَكَانَ الْمَمْنُون عَلَيْهِ يُؤمن بِهِ وَيتبع الرَّسُول فِي شَرِيعَته والخائب يكذب الرَّسُول ويتخذ من دون الله وليا يعبده فَكَانَ يمهلهم حَتَّى يُرِيهم الْآيَات ثمَّ إِذا لم يُؤمنُوا بعث عَلَيْهِم عذَابا ودمرهم
стр. 1160
ثمَّ ينشئ قرنا آخر فَكَانَ هَذَا سنة الله فِي الَّذين خلوا من قبل وَقَالَ فِي تَنْزِيله عِنْدَمَا قصّ نبأ نوح وَإِبْرَاهِيم وَعَاد وَثَمُود وَشُعَيْب ومُوسَى وَفرْعَوْن ثمَّ قَالَ ﴿فكلا أَخذنَا بِذَنبِهِ فَمنهمْ من أرسلنَا عَلَيْهِ حاصبا وَمِنْهُم من أَخَذته الصَّيْحَة وَمِنْهُم من خسفنا بِهِ الأَرْض وَمِنْهُم من أغرقنا﴾ ثمَّ بعث الله مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولا فَقَالَ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة للْعَالمين﴾
وَكَانَ من رَحمته أَن أعطَاهُ السَّيْف بدل الْعَذَاب الَّذِي كَانَ يَأْتِي الْأُمَم بَغْتَة فيهلكهم كي يخوفهم بِالسَّيْفِ حَتَّى يدخلُوا فِي الْإِسْلَام طَوْعًا وَكرها إِذا مرنت نُفُوسهم الكارهة فِي الدّين على شَرِيعَة الْإِسْلَام انقادت وأطاعت وزايلهم الْغِشّ والنفاق وَمِنْهُم من لم يزل النِّفَاق فيهم إِلَى أَن مَاتَ فَستر الله عَلَيْهِم ذَلِك فَكَانَ المُنَافِقُونَ يخالطون الْمُسلمين فِي مناكحاتهم ومواريثهم ومغازيهم ومعاملاتهم والنفاق فِي الْقلب وَلم يكن قبل ذَلِك نفاق إِنَّمَا كَانَ تَصْدِيق وَتَكْذيب لِأَنَّهُ لم يكن هُنَاكَ تخويف بِالسَّيْفِ فَكَانَ المكذبون يجهرون بالتكذيب حَتَّى يَأْتِيهم عَذَاب الله بَغْتَة فَلَمَّا جَاءَت هَذِه الْأمة وخوفوا بِالسَّيْفِ دخلُوا فِي الدّين طَوْعًا وَكرها فَجَاءَهُمْ الِابْتِلَاء فِي الْقَبْر ليظْهر نصْرَة الله للمطيع فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا الثَّابِت فِي قبُوله الْإِسْلَام ويلقن الْجَواب عِنْد السُّؤَال ويضل الله الظَّالِم الَّذِي كَانَ مَعَ النِّفَاق أَيَّام الْحَيَاة
يُحَقّق مَا قُلْنَا مَا رُوِيَ عَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ هَذِه الْأمة تبتلى فِي قبورها
стр. 1161
أَشَارَ رَسُول الله ﷺ إِلَى هَذِه الْأمة خُصُوصا وَإِنَّمَا ابتلوا ليميز الله الْخَبيث من الطّيب قَالَ الله تَعَالَى ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة ويضل الله الظَّالِمين وَيفْعل الله مَا يَشَاء﴾ وَقَالَ وَمَا كَانَ الله ليذر الْمُؤمنِينَ على مَا أَنْتُم عَلَيْهِ حَتَّى يُمَيّز الْخَبيث من الطّيب الْآيَة وَقَالَ ﴿الم أَحسب النَّاس أَن يتْركُوا أَن يَقُولُوا آمنا وهم لَا يفتنون وَلَقَد فتنا الَّذين من قبلهم فليعلمن الله الَّذين صدقُوا وليعلمن الْكَاذِبين﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَيفْعل الله مَا يَشَاء﴾ تَأْوِيله وَالله أعلم أَن من مَشِيئَته أَن يرفع مرتبَة أَقوام عَن السُّؤَال وهم الصديقون وَالشُّهَدَاء
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قيل لَهُ مَا بَال الشُّهَدَاء لَا يفتنون فِي قُبُورهم فَقَالَ كفى ببارقة السيوف عَلَيْهِم فتْنَة
مَعْنَاهُ أَنه أظهر صدق مَا فِي ضَمِيره حَيْثُ برز للحرب وَالْقَتْل فلماذا يُعَاد عَلَيْهِ السُّؤَال فِي الْقَبْر فَإِذا كَانَ الشَّهِيد لَا يفتن فالصديق أَحْرَى أَن لَا يفتن
عَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من مَاتَ يَوْم الْجُمُعَة أَو لَيْلَة الْجُمُعَة وَقَاه الله فتْنَة الْقَبْر
стр. 1162
عَن سلمَان الْفَارِسِي ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ من مَاتَ مرابطا فِي سَبِيل الله أجِير من فتْنَة الْقَبْر وجزي على صَالح عمله الَّذِي كَانَ يعمله إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
فَمن مَاتَ يَوْم الْجُمُعَة انْكَشَفَ الغطاء عَمَّا لَهُ عِنْد الله تَعَالَى لِأَن يَوْم الْجُمُعَة لَا يسجر جَهَنَّم ويغلق أَبْوَابهَا فَإِذا قبض الله عبدا من عبيده يَوْم الْجُمُعَة كَانَ دَلِيل سعادته وَحسن مَا بِهِ عِنْد الله فَيوم الْجُمُعَة يَوْم الله الَّذِي خلق فِيهِ آدم وَذريته ويومه الَّذِي تقوم فِيهِ السَّاعَة فيميز بَين الأحباب والأعداء ويومه الَّذِي يَدعُوهُم إِلَى زيارته فِي جنَّات عدن فَلم يكن ليعطي بركَة هَذَا الْيَوْم إِلَّا من كتب لَهُ السَّعَادَة عِنْده فَلذَلِك يَقِيه فتْنَة الْقَبْر على أَن سَبَب فتْنَة الْقَبْر إِنَّمَا هُوَ لتمييز الْمُنَافِق من الْمُؤمن فِي البرزخ من قبل أَن يلقى الله لِأَن كلا الصِّنْفَيْنِ صلى عَلَيْهِمَا وَفعل بهما سنتة الْمَوْتَى من الْغسْل والتكفين فامتحنا بالسؤال ليهتك الْمُنَافِق من ستره بقوله لَا أَدْرِي إِذْ ستر الله عَلَيْهِ نفَاقه بِحرْمَة مَا أظهر من الْمنطق الْجَمِيل فَقَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله
وَرُوِيَ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ أَنه جَاءَ فِي الْخَبَر أَنه عِنْدَمَا يُقَال لَهُ من رَبك يدْخل الشَّيْطَان عَلَيْهِ فيتمثل لَهُ وَيُشِير إِلَى نَفسه فَيَقُول أَنا فطلبنا تَحْقِيق هَذَا فَوَجَدنَا فِي الْأَخْبَار عَن رَسُول الله ﷺ أَنه كَانَ يَقُول عِنْد دفن الْمَيِّت اللَّهُمَّ أجره من الشَّيْطَان
عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ حضرت مَعَ عبد الله بن عمر فِي جَنَازَة فَلَمَّا وَضعهَا فِي اللَّحْد قَالَ بِسم الله وَفِي سَبِيل الله وعَلى مِلَّة رَسُول الله فَلَمَّا أَخذ فِي تَسْوِيَة اللَّبن على اللَّحْد قَالَ اللَّهُمَّ أجرهَا من
стр. 1163
الشَّيْطَان وَمن عَذَاب الْقَبْر وَمن عَذَاب النَّار فَلَمَّا سوى الْكَثِيب عَلَيْهَا قَامَ جَانب الْقَبْر فَقَالَ اللَّهُمَّ جَاف الأَرْض عَن جنبها وَصعد روحها ولقها مِنْك رضوانا فَقلت لِابْنِ عمر ﵄ أشيئا سمعته من رَسُول الله ﷺ
عَن عبد الله بن مُحَمَّد أَن إِبْرَاهِيم ابْن النَّبِي ﷺ توفّي فَخرج بِهِ فَخرج رَسُول الله ﷺ يمشي أَمَام سَرِيره ثمَّ دخل قَبره فَلَمَّا رَآهُ قد وضع فِي اللَّحْد فاضت عَيناهُ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك أَصْحَابه بكوا حَتَّى ارْتَفَعت أَصْوَاتهم ثمَّ أقبل أَبُو بكر ﵁ فَقَالَ يَا رَسُول الله تبْكي وَأَنت تنْهى عَن الْبكاء فَقَالَ يَا أَبَا بكر تَدْمَع الْعين ويوجع الْقلب وَلَا نقُول مَا يسْخط الرب ثمَّ دفن فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أما من أحد يأتينا بِمَاء نطهر بِهِ قبر إِبْرَاهِيم فَأتى بِمَاء فَأمر بِهِ فرش على الْقَبْر ثمَّ وضع يَده الْيُمْنَى عَلَيْهِ من عِنْد رَأسه فَقَالَ ختمت عَلَيْك بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم وَالله أعلم
стр. 1164
- الأَصْل الثَّامِن وَالسَّبْعُونَ والمائتان
-
فِي استكمال الْعُبُودِيَّة
عَن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لن يُؤمن عبد حَتَّى يكون هَوَاهُ تبعا لما جِئْت بِهِ
قَالَ أَبُو عبد الله الَّذِي جَاءَ بِهِ رَسُول الله ﷺ عَن الله هُوَ العبودة الَّتِي لَهَا خلقُوا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ وَقَالَ ذَلِكُم الله ربكُم لَا إِلَه إِلَّا هُوَ خَالق كل شَيْء فاعبدوه
فالعبودة فِي ترك الْهوى وَاتِّبَاع مَا جَاءَ بِهِ فَكل امْرِئ اجْتمع فِيهِ هَذِه الْخِصَال السِّت فقد اسْتكْمل العبودة الْحق وَالصَّوَاب وَالْعدْل والصدق وَالْأَدب والبهاء فَإِذا رفع أَمرك إِلَى الله وَقد اجْتمعت هَذِه السِّت فِيهِ لبق وَإِذا لبق قبل إِذا عرض على الله وَإِذا صلى الرجل فدعته أمه فَلم يجبها فَالصَّلَاة حق وَلَيْسَ بصواب فَالْحق كل أَمر رَضِي الله بِهِ وَالصَّوَاب كل أَمر رَضِي الله بِهِ فِي ذَلِك الْوَقْت وَأما الْعدْل فَأن يكون
стр. 1165
قَلْبك فِي إِصَابَة الْحق وَالْعَمَل بِهِ لَا يمِيل إِلَى النَّفس يُرِيد بِهِ الرِّيَاء وَأما الصدْق فِي الْعدْل فَأن يَرْمِي ببصر قلبه إِلَى مَوضِع الْمُشَاهدَة وَأما الْأَدَب فَأن تضع كل شَيْء من الحركات مَوْضِعه وَأما الْبَهَاء فوقاره وسكينته وزينته ولبقه
стр. 1166
- الأَصْل التَّاسِع وَالسَّبْعُونَ والمائتان
-
فِي فضل الْعقل
عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا بلغه عَن رجل شدَّة عبَادَة سَأَلَ كَيفَ عقله فَإِن قَالُوا غير ذَلِك قَالَ لن يبلغ
وَذكر النَّبِي ﷺ عَن رجل من أَصْحَابه شدَّة عبَادَة واجتهاد فَقَالَ كَيفَ عقله قَالُوا لَيْسَ بِشَيْء قَالَ لن يبلغ صَاحبكُم حَيْثُ تظنون
عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يعجبنكم إِسْلَام رجل حَتَّى تعلمُوا مَا عقدَة عقله
قَالَ أَبُو عبد الله ﵁ فالعقل خلق مَخْلُوق من نور الْبَهَاء مقسوم بَين الْمُوَحِّدين من ولد آدم مَوْضُوع فِي الدِّمَاغ وإشراقه وشعاعه ومعتمله فِي الصَّدْر بَين عَيْني الْفُؤَاد فَهُوَ مُدبر لأَمره وآمر وزاجر ومميز وَدَلِيل وهاد ومبصر فبه عرف ربه وَبِه علم ربوبيته وَبِه نظر إِلَى تَدْبيره وَإِلَى مَا أظهر لخلقه من ملكه وعجائب قدرته
стр. 1167
وصنعه وَبِه عرف جَوَاهِر الْأُمُور من أَمر الدّين وَالدُّنْيَا وَبِه نَهَضَ إِلَى ربه وَذَلِكَ النهوض اسْمه على أَلْسِنَة الْخلق النِّيَّة من قَوْله ناء ينوء أَي نَهَضَ ينْهض وَإِنَّمَا ينْهض بِقَصْدِهِ وإلقاء همته لَا أَنه ينخلع عَن مَكَانَهُ فهمه وقصده نِيَّته وَهِي النهوض عَن سكونه فهم الْقلب يطير إِلَى الله بِنور الْعُقُول الَّتِي لَهَا كل على قدر حَظه من الْعقل الَّذِي قسم لَهُ ربه وَبَين الْقسم تفَاوت وَإِنَّمَا تفاوتت الرُّسُل والأنبياء ﵈ وَمن دونهم من الْمُوَحِّدين فِي منَازِل الدّين وَفِي دَرَجَات الْجنان غَدا بتفاضل الْعُقُول فالعبادة وَالِاجْتِهَاد فِيهَا من ذَات النَّفس مَا هُوَ وبال على صَاحبه لِأَن ذَات النَّفس هُوَ الْهوى الَّذِي حذرنا أَتْبَاعه فِي التَّنْزِيل فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله﴾
فَإِذا كَانَت الْعِبَادَة وَالِاجْتِهَاد فِيهَا مخرجها من تَدْبِير الْعقل استقام الْأَمر وصفت الْعِبَادَة وَذهب الْجهد من ضيق النَّفس وعسرتها والهوى يضيق أمرهَا عَلَيْهَا فَإِذا كَانَ الْعقل ولي الْقلب غَالِبا للهوى فالهوى مقضي مدحور وَالْقلب آمُر مؤمر عدل فِي إمارته فَلَا يسْتَعْمل جارحة إِلَّا بِمَا يدبر لَهُ الْعقل وَلذَلِك كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا سمع بِعبَادة رجل سَأَلَ عَن عقله فَإِذا كَانَ الْعقل مَغْلُوبًا كَانَ الْقلب أَسِير الْهوى وَالنَّفس فَهُوَ وَإِن اجْتهد فِي الْعِبَادَة فعامة عِبَادَته خطأ وَجَهل كَمَا سبق فِي قصَّة جريج الراهب
стр. 1168
- الأَصْل الثَّمَانُونَ والمائتان
-
فِي الثَّلَاثَة الَّتِي تَحت الْعَرْش
عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة تَحت الْعَرْش الْقُرْآن لَهُ ظهر وبطن يحاج الْعباد وَالرحم تنادي صل من وصلني واقطع من قطعني وَالْأَمَانَة
قَالَ أَبُو عبد الله ﵁ فَظهر الْقُرْآن يحاج الظَّالِمين أهل التَّخْلِيط وبطن الْقُرْآن يحاج الْمُقْتَصِدِينَ لِأَن ظَاهر الْقُرْآن يحاج لأهل الْجنان وباطن الْقُرْآن لأهل الغرف وهم السَّابِقُونَ وَإِنَّمَا يحاج الْمُقْتَصِدِينَ لأَنهم أَقَامُوا مَا أنزل إِلَيْهِم من رَبهم على مجاهدة مِنْهُم لأَنْفُسِهِمْ فَأهل الْجهد لَا يقدرُونَ على صفاء الْأَمر وَإِنَّمَا يقيمونها مَعَ كدورة النَّفس وعسرتها وتردها ونكدها فَلَا يبلغون حقائق الْأُمُور على الصفاء وَإِنَّمَا يبلغ حقائق الْأُمُور صَافِيَة السَّابِقُونَ الَّذين عتقوا من رق النَّفس فهم أَحْرَار كرماء وَأُولَئِكَ عبيد أتقياء كَمَا قَالَ عِيسَى ﵇ لبني إِسْرَائِيل لَا عبيد أتقياء وَلَا أَحْرَار كرماء
стр. 1169
- الأَصْل الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ والمائتان
-
فِي وَصِيَّة نوح ﵇ بنيه وَهِي أَربع كَلِمَات
عَن معَاذ بن أنس ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه كَانَ يَقُول أَلا أخْبركُم عَن وَصِيَّة نوح ﵇ بنيه حِين حَضَره الْمَوْت قَالَ إِنِّي واهب لَك أَربع كَلِمَات هن قيام السَّمَوَات وَالْأَرْض وَهن أول كَلِمَات دُخُولا على الله تَعَالَى وَآخر كَلِمَات خُرُوجًا من عِنْده وَلَو وزن بهَا أَعمال بني آدم لوزنتهن فاعمل بِهن واستمسك حَتَّى تَلقانِي أَن تَقول سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر وَالَّذِي نفس نوح بِيَدِهِ لَو أَن السَّمَوَات وَالْأَرضين وَمَا فِيهِنَّ وَمَا تحتهن وزن بهؤلاء الْكَلِمَات لوزنتهن
قَالَ أَبُو عبد الله ﵁ ونعمت الْمَوَاهِب وَنعم الْمَوْهُوب لَهُ هَذَا نوح رَأس الْمُرْسلين صلوَات الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم أَجْمَعِينَ أوصى ابْنه عِنْد وَفَاته وَخُرُوجه من الدُّنْيَا ثمَّ صير الْوَصِيَّة هبة ليَكُون تَمْلِيكًا وَلَا يكون تمْلِيك إِلَّا من مَالك فدلت هَذِه الْكَلِمَة من قَول نوح ﵇ أَنِّي واهب لَك أَن هَذِه الْكَلِمَات وهبت لي فَأَنا واهب لَك من قبل أَن يَزُول ملك الْهِبَة مني بمزايلة الرّوح الْجَسَد لِأَن أَوْلَاد الرُّسُل إِنَّمَا
стр. 1170
يورثون إِرْث النُّبُوَّة بِحكم الله قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَورث سُلَيْمَان دَاوُد﴾ وَقَالَ زَكَرِيَّا ﵇ ﴿فَهَب لي من لَدُنْك وليا يَرِثنِي وَيَرِث من آل يَعْقُوب﴾
وَهَذَا الْوَلَد هُوَ سَام بن نوح فِيمَا رُوِيَ فِي الْخَبَر وَهُوَ أَب الْعَرَب والعجم المجاورين للْعَرَب وهم فَارس وَالروم وَأما حام فَهُوَ أَب الْحَبَشَة والهند والسند وَأما يافث فَهُوَ أَب التّرْك والصقالبة ويأجوج وَمَأْجُوج فَكَانَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة مِمَّن ركبُوا السَّفِينَة مَعَه وَامْتنع كنعان الابْن الرَّابِع وَحَال بَينهمَا الموج فَكَانَ من المغرقين وَإِنَّمَا صَارَت هَذِه الْكَلِمَات الْأَرْبَع قيام السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ بِالْحَقِّ لِأَن الله تَعَالَى خلق السَّمَوَات وَالْأَرضين وَمَا فِيهِنَّ بِالْحَقِّ لتجزى كل نفس بِمَا كسبت وهم لَا يظْلمُونَ وَحَقِيقَة الْقيام بِالْحَقِّ فِي الْوَفَاء بمقالة سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر وَإِنَّمَا يُطَالب الله عباده بِحَقِيقَة الْقيام بِهَذِهِ الْكَلِمَات الْأَرْبَع حَتَّى يُرْضِي الْحق فالسموات وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ مسخرات للآدمي ليقوم هَذَا الْآدَمِيّ بمقالة سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر منطقا وَعَملا ووفاء لطهارة هَذِه الْأَرْبَع ونزاهتهن وقدسهن
فَمن قَامَ من الْآدَمِيّين بِهَذِهِ الْأَرْبَعَة بِهَذِهِ الصّفة الَّتِي وَصفنَا كَانَ ولي هَذِه الْكَلِمَات وَكَانَ ولي الله وَبِه تقوم السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ وَإِنَّمَا صَارَت فِي الْوَزْن أثقل من السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ وأوزن من أَعمال بني آدم لِأَن هَذِه الْكَلِمَات عماد الْأَعْمَال فبالتسبيح تطهر الْأَعْمَال وبالتقديس تحط أثقال النعم وبالتهليل تقبل الطَّاعَات وبالتكبير ترفع وينال الثَّبَات
стр. 1171
وَأما قَوْله أولهنَّ دُخُولا على الله وآخرهن خُرُوجًا من عِنْد الله فَإِن هَذِه الْكَلِمَات رُؤُوس الْكَلَام وأمناؤه ومهيمن على سَائِر الْكَلَام فالأمناء أولهنَّ دُخُولا على الْملك يَوْم يقْعد لعرض الْأَخْبَار وتدبير الْملك فيرفعون إِلَيْهِ أُمُور الرّعية ثمَّ يَأْذَن للرعية فيعترضهم فَإِذا خَرجُوا من عِنْده كَانَ التَّدْبِير مَعَ الْأُمَنَاء وَقَضَاء حوائج الرّعية على أَيْديهم وَقبُول معاذيرهم ونوال عطاياهم فَكَذَلِك هَذِه الْكَلِمَات يدخلن على الله يَوْم تعرض الْأَعْمَال فِي كل إثنين وخميس ثمَّ تَجِيء الْأَعْمَال بعد ذَلِك على أثرهن فتعرض على الله فتزكية الْأَعْمَال وتوفيرها من هَؤُلَاءِ الْأُمَنَاء يشْهدُونَ لَهَا بِالصّدقِ وَإِذا خرجت الْأَعْمَال بَقِي هَؤُلَاءِ عِنْده لتوفير التقصيرات وَتَصْحِيح الْأَعْمَال وسؤال الْقبُول والثبات وتربية الْأَعْمَال وتقوية النُّفُوس ومدد الْقُلُوب فهن المستأذنات للأعمال والمسهلات لسبل الْأَعْمَال والشفعاء والمزينات لِأَن على طَرِيق الْعرض سماطي الْملك ملك الرَّحْمَة وَملك العظمة وَملك السُّلْطَان وَملك الْبَهْجَة وَملك الْجمال وَملك الْجلَال وَملك الْبَهَاء فَهَذِهِ الْكَلِمَات تطرف الْأَعْمَال إِلَى مَالك الْملك وتسهل السَّبِيل وَتشفع وتزين وبهن يقرع الْبَاب وَمثل ذَلِك مثل ملك أصبح فعرضت عَلَيْهِ أَعمال الرّعية وَاجْتمعت الرّعية على بَاب الْملك فَأول من يدْخل عَلَيْهِ الْوُجُوه وسراة الرّعية والمختصون بالوسائل فَإِذا دخلُوا عَلَيْهِ قربهم فِي الْمجْلس وأدناهم من نَفسه وأحلهم مَحل الْأُمَنَاء والخاصة فإياهم يأتمن وَعَلَيْهِم يقبل وَمِنْهُم وإياهم يسعف بالحوائج وَمن أَجلهم يَأْذَن لَهُم وعَلى قدر مَا يثنى كل وَاحِد مِنْهُم على الرّعية وينشر عَن طاعاتهم للْملك وَصدقهمْ ووفائهم ونصحهم يقبل الْملك على هَذِه الرّعية وَيَقْضِي حوائجهم ويجزل عطاياهم فَهَؤُلَاءِ وُفُود الرّعية فَهَذَا مثل هَؤُلَاءِ الْكَلِمَات ثمَّ لِلْقَائِلين بهَا دَرَجَات تَتَفَاوَت
وَمثل ذَلِك مثل هَذَا الْملك يجْتَمع بِبَابِهِ هَؤُلَاءِ الْوُفُود فَأول من يدْخل
стр. 1172
عَلَيْهِ أوجههم عِنْد الْملك وَأَحْسَنهمْ هَيْئَة وأعقلهم وأعذبهم منطقا وأفصحهم لِسَانا وأصبحهم وَجها وأطهرهم خلقا وأبهاهم زيا وَسمنًا وأنقاهم ثيابًا وأقصدهم مشيا وأفهمهم عَنهُ إِشَارَة وأوعاهم علما فالحظ كل الْحَظ والإسعاف كل الْإِسْعَاف بالحوائج لمن كَانَت هَذِه صفته من بَين الْوَفْد
فَكَذَلِك هَذِه الْكَلِمَات قد وعتها الْقُلُوب ووعت مَعَانِيهَا الصُّدُور وَزينتهَا الْعُقُول لأفئدة الْقُلُوب وأشرقت أنوارها بَين أَوديَة الأفكار وعَلى بصائر النُّفُوس وأسماع هواجس الأحلام فَمن كَانَ قلبه واعيا لنُور الله الْأَعْظَم وصدره مشرقا بذلك النُّور وَعين فُؤَاده منكشفة الغطاء عَن زِينَة الْعقل وبهائه قد سد تراكم أنواره خلال الرويات واجتذت لَهَا أبصار النُّفُوس وأذنت أسماع الهواجس واحتشت من نور الْحَيَاة فَإِنَّمَا تخرج الْكَلِمَات إِلَى الله من بَين هَذِه الْأَشْيَاء فَهَذَا بَحر الله فِيهِ جَوَاهِر الله فَإِنَّمَا يصعد إِلَى الله جَوَاهِر قد غاص عَلَيْهَا قَائِلهَا من بحره فولي الْبَحْر أعلم بأثمان تِلْكَ الْجَوَاهِر وَقد عجز عَن علم أثمانها جَمِيع الْخلق قَالَ لَهُ قَائِل مَا أثمانها قَالَ حب الله فَمن ذَا يدْرك حرارة الْحبّ وفورانه وشعله وَيعلم كنهها إِلَّا محبوبه الَّذِي يثيره قَالَ قَائِل وَكَيف يثيره قَالَ يثير الْحبّ الَّذِي وَضعه فِي العَبْد بالحب الَّذِي عَنهُ للْعَبد فَمن خرجت مِنْهُ هَذِه الْكَلِمَات من حبه فَدخلت هَذِه الْكَلِمَات مِنْهُ على الله كن أول من يدْخل ثمَّ يعرض أَعماله بعد دخولهن وكل عمل إِنَّمَا يَقْتَضِي ثَوَابه هَذَا الْحبّ الَّذِي إِنَّمَا صَار هَذِه الْكَلِمَات وجيهة عِنْد الله بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الَّتِي وَصفنَا وَإِنَّمَا نَالَ هَذِه الْأَشْيَاء بلب هَذِه الْأَشْيَاء ولبه حب العَبْد لله ولب ذَلِك حب الله لعَبْدِهِ وَمن كَانَ قلبه خَالِيا من جَمِيع مَا وَصفنَا إِلَّا أَنه مُؤمن بِهَذِهِ الْكَلِمَات قد تضمن توحيده نفس هَذِه الْكَلِمَات وعلما بهَا وَمَعْرِفَة لَهَا فَهُوَ مقربها نَاطِق بهَا باستقرار الْقلب بذلك التَّوْحِيد وَالْإِيمَان قد خلا قلبه عَن أنوارها وحشو مَا فِيهَا فَإِنَّمَا
стр. 1173
يصعد إِلَى الله إيمَانه بِتِلْكَ الْكَلِمَات فَيدْخل من قَائِلهَا على هَذِه الْهَيْئَة وَتلك على تِلْكَ الْهَيْئَة فَإِنَّمَا تكون كَلمته من الله قربا ودنوا ووسيلة وَجَوَاز قَول ونوال عَطِيَّة على قدر هَيئته أَو تِلْكَ على قدر هيئتها
فَاعْتبر بِهَذَا الْمثل الَّذِي ضربنا لَك بدءا من شَأْن الْمُلُوك والسراة المقدمين فِي الْإِذْن قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَتلك الْأَمْثَال نَضْرِبهَا للنَّاس لَعَلَّهُم يتفكرون﴾ ﴿وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ﴾
فالغائص فِي بَحر الله على هَذِه الْكَلِمَات هُوَ عبد قد طالع مقاسم الْكَلِمَات كَيفَ انقسمت على أُمُور الْعباد فِي مَوضِع الْمقسم على الْعَرْش وطالع حِكْمَة التَّأْلِيف لحروف الْكَلِمَات فِي ملك الْملك وطالع مَا فِي حَشْو كل حرف مِنْهَا فِي المبدأ فَهُوَ إِذا نطق بهَا لاحظ الْمقسم فَوجه يلحظه كل كلمة من مَعْدِنهَا الَّتِي عزيت هَذِه الْكَلِمَة إِلَى الْمَعْدن مِنْهُ جرى إِلَى العَبْد وكل كلمة لَهَا نوبَة من الْأُمُور وَالْأَفْعَال فالتسبيح تَنْزِيه من الهواجس وَالْحَمْد يكْشف عَن النعم والصنائع والتهليل يبرأ عَن العلائق وَالتَّكْبِير يثبت القيومية لَهُ عَن الزَّوَال فعين فُؤَاده يَدُور مَعَ دوران لِسَانه حَتَّى تقسم اللحظات الْكَلِمَات على الْأُمُور فيلاحظ الهواجس ويلاحظ النعم ويلاحظ الشّرك ويلاحظ الزَّوَال فَينْتَقل لحظاته كَمَا ينْتَقل دوران لِسَانه من كلمة إِلَى كلمة
стр. 1174
- الأَصْل الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ والمائتان
-
فِي رَأس النعم وشكر الْمُنعم
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت دخل رَسُول الله ﷺ فَرَأى فِي الْبَيْت كسيرة ملقاة فَمشى إِلَيْهَا فَرَفعهَا ومسحها وَقَالَ يَا عَائِشَة أحسني مجاورة نعم الله فَقل مَا نفرت عَن قوم فَكَادَتْ ترجع إِلَيْهِم
قَالَ أَبُو عبد الله ﵁ فرأس نعم الدّين نور التَّوْحِيد معرفَة بِالْقَلْبِ وَشَهَادَة بِاللِّسَانِ أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَرَأس نعم الدُّنْيَا هَذَا الْجَسَد الَّذِي هُوَ قالب لهَذِهِ النِّعْمَة الفائقة للنعم فَإِن الله تَعَالَى أنعم عَلَيْك بِنور التَّوْحِيد حَتَّى عَرفته ثمَّ وضع حول قَلْبك فِي صدرك بيدرا من الْأَنْوَار يتربى فِيهَا نور الْمعرفَة وأنعم عَلَيْك بِهَذَا القالب المجسد وَوضع حوله بيدرا من نعم الدُّنْيَا يتربى فِيهَا هَذَا الْجَسَد وَأمرت بِحسن مجاورة نعم هذَيْن فَحسن الْمُجَاورَة مَعَ نور الْمعرفَة أَن لَا تذكر كل شَيْء سواهُ وَأَن لَا تُؤثر عَلَيْهِ أحدا وَأَن لَا تقرن بمشيئآته مشيئآت النَّفس وَأَن لَا يُلْهِيك الْهوى عَن الوله إِلَى الله تَعَالَى فِي كل حالاتك وَحسن مجاورة الْجَسَد أَن لَا تسْتَعْمل جارحة من جوارحك إِلَّا لَهُ ولرضاه عز وَجل
стр. 1175
- الأَصْل الثَّالِث وَالثَّمَانُونَ والمائتان
-
فِي طنين الْأذن
عَن أبي رَافع ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا طَنَّتْ أذن أحدكُم فَليصل على النَّبِي ﵇ وَيَقُول اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد ذكر الله من ذكرنَا
وَعَن عبيد الله بن الْمُغيرَة ﵁ أَنه كَانَ يُقَال إِذا ضرب أذن العَبْد فَإِن الله يذكرهُ فليذكر الله أَو فليحسن ذكر الله
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِن الْأَرْوَاح لتتلاقى فِي الْهوى وَأَحَدهمَا من صَاحبه على مسيرَة يَوْم وَلَيْلَة وَإِن الْأَرْوَاح خلقت قبل الأجساد بألفي عَام فتشامت كَمَا تتشام الْخَيل ثمَّ هِيَ جنود مجندة فَإِذا الْتَقَوْا فَمَا تعارف مِنْهَا ائتلف وَمَا تناكر مِنْهَا اخْتلف
هَذَا كُله عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 1176
وَقَالَ سلمَان لِلْحَارِثِ كَيفَ أَنْت يَا حَارِث قَالَ وَمن أَيْن عَرفتنِي قَالَ عرف روحي روحك وَكَذَلِكَ قَالَ أويس لهرم بن حَيَّان رحمهمَا الله وَلَوْلَا أَن الرّوح مَشْغُولَة بِالنَّفسِ وشهواتها لأوردت عجائب على صَاحبهَا من دَرك الْأَشْيَاء لِأَن لَهَا سطوعا فِي الجو تجول ثمَّ تصعد إِلَى الله إِلَى مقَامهَا الَّذِي مِنْهُ بَدَت وَلكنهَا تدنست بِمَا لبست من أَثوَاب اللَّذَّات وتكدرت بِمَا شربت من كأس حب الدُّنْيَا وخالطت الْهوى ومالت نَحوه فَمن صفاه وأخلصه ونزهه فقد ظفر بِنور الْيَقِين وفاز بالحظ الْعَظِيم والكأس الأوفى
وَإِن رَسُول الله ﷺ لما قبض قيل لَهُ إِلَى أَيْن يَا رَسُول الله قَالَ إِلَى السِّدْرَة الْمُنْتَهى
فَلِكُل رَسُول فِي السَّمَاء مُسْتَقر إِذا قبض فلآدم ﵇ فِي الدُّنْيَا وليحيى وَعِيسَى ﵉ فِي السَّمَاء الثَّانِيَة وليوسف ﵇ فِي السَّمَاء الثَّالِثَة ولإدريس ﵇ فِي السَّمَاء الرَّابِعَة ولهارون ﵇ فِي السَّمَاء الْخَامِسَة ولموسى ﵇ فِي السَّمَاء السَّادِسَة ولإبراهيم ﵇ فِي السَّمَاء السَّابِعَة ولمحمد ﷺ فِي السِّدْرَة الْمُنْتَهى بِبَاب الله عِنْد الْحجاب فَهُوَ متشمر هُنَاكَ يسْأَل الله لأمته فِي كل يَوْم لكل صنف فللمتهافتين التَّوْبَة وللتائبين الثَّبَات وللمستقيمين الْإِخْلَاص وَلأَهل الصدْق الْوَفَاء وللصديقين وفارة الْحَظ
وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ حَياتِي خير لكم وموتي خير لكم
عَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا إِنِّي لكم بمَكَان
стр. 1177
صدق حَياتِي وَإِذا مت فَقَالَ عمر ﵁ يَا رَسُول الله إِذا مت قَالَ لَا أَزَال أنادي فِي قَبْرِي رب أمتِي أمتِي حَتَّى ينْفخ فِي الصُّور النفخة الأولى ثمَّ لَا تزَال دعوتهم لي مجابة حَتَّى ينْفخ فِي الصُّور النفخة الثَّانِيَة
فطنين الْأذن من قبل الرّوح أَنه بحدة بَصَره وَخِفته وطهارته وحياته وسطوعه إِلَى الْمقَام أدْرك فِي وَقت سُؤال رَسُول الله ﷺ بِبَاب الله لَهُ شَيْئا وَذكر الله إِيَّاه بِخَير فَرجع إِلَى أَصله المتمكن فِي رَأسه وَقَلبه بذلك الْخَيْر والبشرى فطنت الْأذن لصوته وَمَا جَاءَ بِهِ من الْخَيْر فَلذَلِك قَالَ فَليصل على النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ ذكره عِنْد الله فِي ذَلِك الْوَقْت وَطلب مِنْهُ شَيْئا فاستوجب مِنْهُ الصَّلَاة ليَكُون فِيهِ أَدَاء حَقه فَهَذَا وَمَا أشبهه مكرمات الْمُوَحِّدين من ولد آدم ﵇ وَكَذَلِكَ العطاس هُوَ فِي ذَلِك الْوَقْت ذكر من الله لذَلِك الرّوح بِخَير فابتهج الرّوح وسطع نوره فَذَلِك الصَّوْت من سطوعه وَلذَلِك قيل عطس وسطع وهما كلمتان مستعملتان فِي نَوْعَيْنِ يُقَال عطس وسطع فَلذَلِك أَمر أَن يحمد ربه وَأول من فعل ذَلِك آدم ﵇ لما اسْتَقر فِيهِ الرّوح وَذكر بِخَير فازدهر وسطع نوره كالمسرور
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ العطاس من الله
стр. 1178
وَقَالَ ﷺ من حدث بِحَدِيث فعطس عِنْده فَهُوَ حق لِأَن ذَلِك وَقت ذكر الله للأرواح فَلَا يَقُول صَاحبه إِلَّا حَقًا وَلذَلِك وَجب للْمُسلمِ على الْمُسلم حق التشميت لِأَنَّهُ ظهر عَلَيْهِ أثر نعْمَة الله تَعَالَى فِي ذَلِك الذّكر
وَرُوِيَ أَنه قَالَ الله يَا دَاوُد إِن سَمِعت عاطسا من وَرَاء سَبْعَة أبحر فاذكرني
стр. 1179
- الأَصْل الرَّابِع وَالثَّمَانُونَ والمائتان
-
فِي أَن الدُّنْيَا ملعونة إِلَّا عَن ثَلَاثَة
عَن عبد الله بن حَمْزَة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الدُّنْيَا ملعونة مَلْعُون من فِيهَا إِلَّا من ذكر الله أَو معلم أَو متعلم
قَالَ أَبُو عبد الله ﵁ فالدنيا هَذِه الدَّار الَّتِي دورت أرْضهَا تدويرا بجبل قَاف وأحيط عَلَيْهَا بِالْجَبَلِ وَالْآخِرَة هِيَ الدَّار الْآخِرَة وَهَذِه أولى قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِن لنا للآخرة وَالْأولَى﴾
وَسميت هَذِه دنيا لِأَنَّهَا أدنى إِلَيْك وَالْآخِرَة تعقب هَذِه إِذا ذهبت هَذِه جَاءَت تِلْكَ فَتلك اسْمهَا عَاقِبَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين﴾
стр. 1180
وَسميت هَذِه عاجلة لِأَنَّهَا عجلت وَتلك آجلة لِأَنَّهَا أجلت فَفِي هَذِه الدَّار زِينَة وحياة وَفِي تِلْكَ الدَّار زِينَة وحياة وحياة هَذِه من الرّوح الْمركب فِي هَذَا القالب الَّذِي هُوَ من اللَّحْم وَالدَّم والعظم والعصب وَالْعُرُوق والشهوة واللذة فِي هَذَا القالب وأصل الشَّهْوَة من الْفَرح وأصل اللَّذَّة من الذِّهْن وأصل القالب من التُّرَاب والحياة مَسْكَنهَا فِي الرّوح وَالروح مَسْكَنهَا فِي الدِّمَاغ ثمَّ هُوَ منفش فِي جَمِيع الْجَسَد وَأَصله مُعَلّق فِي الوتين عرق الْقلب مشدود هُنَاكَ وَذَلِكَ الْعرق نِيَاط الْقلب وَالنَّفس مَسْكَنهَا فِي الْبَاطِن ثمَّ هِيَ منفشية فِي جَمِيع الْجَسَد وَأَصلهَا مشدود بِهَذَا الْعرق والشهوات فِي النَّفس واللذة مِنْهَا وعملها من الذِّهْن فَهَذِهِ الزِّينَة والحياة الَّتِي فِي النَّفس تسْتَعْمل هَذَا القالب فَمَا كَانَ من عمل الْعين خرج إِلَى الْعين وَمَا كَانَ من عمل السّمع خرج إِلَى السّمع وَمَا كَانَ من عمل الْمنطق خرج إِلَى اللِّسَان وَمَا كَانَ من عمل الْيَد خرج إِلَى الْيَد وَمَا كَانَ من عمل الرجل خرج إِلَى الرجل فمخرج أَعمال الْجَوَارِح السَّبع من الْفَرح الَّذِي فِي الْقلب وَمن الزِّينَة والحياة الَّتِي فِي النَّفس فَإِذا حزن الْقلب ذبلت النَّفس وانطفأت نَار الشَّهْوَة وتعطلت الْجَوَارِح عَن الْعَمَل وسكنت الحركات وَإِذا فَرح الْقلب هَاجَتْ النَّفس وَصَارَت قَوِيَّة طرية وأثارت نيران الشَّهَوَات واستعملت الْجَوَارِح فالفرح رَأس مَال أَعمال الْجَوَارِح وَالْعَبْد مبلو بِهَذَا الْفَرح فَإِذا حيى الْقلب بِاللَّه ففرح بِشَيْء من زِينَة الدُّنْيَا ترَاءى ذَلِك النُّور الَّذِي فِي قلبه وَتلك الْحَيَاة الَّتِي لِقَلْبِهِ صنع الله فِي تِلْكَ الزِّينَة وخلقه لَهَا وَرَحمته فِيهَا ورأفته على عَبده بذلك فقبلها من ربه واستبشر بهَا وَصَارَ ذَلِك الْفَرح لله ونطق بِالْحَمْد لله وأضمر على الطَّاعَة شكرا لله وإظهارا لعلمه أَن هَذَا لَهُ من الله حَتَّى يَأْخُذ الْفَرح من صَدره فِي جَمِيع جوارحه فَيذْهب كسله وتقوى عزيمته وتتجدد نِيَّته وتطيب نَفسه
فَهَذَا عبد حَامِد لله شاكرا لَهُ قد صدق علمه بِأَنَّهُ من الله يَقُول بِلِسَانِهِ الْحَمد لله ثمَّ يصدقهُ بِفعل جوارحه شكرا لله وَإِذا هاج الْفَرح
стр. 1181
بِتِلْكَ الزِّينَة من قلبه وَكَانَ قلبه محجوبا عَن الله وصدره مظلما بغيوم الْهوى ودخان الشَّهَوَات ورين الذُّنُوب لم يتَرَاءَى لعَيْنِي فُؤَاده فِي صَدره صنع الله تَعَالَى فِي تِلْكَ الزِّينَة وَلَا خلقه لَهَا وَلَا رَحمته فِيهَا وَلَا رأفته عَلَيْهِ فجَاء الْهوى بكبره وَالنَّفس بعلوها وتجبرها فَصَارَ الْفَرح للنَّفس وبالدنيا وبمراءات الأشكال ومباهاة الأضداد فَظهر الْفساد من الْجَوَارِح وَخرجت السَّيِّئَات من الْجَسَد كل سَيِّئَة من مَعْدِنهَا من قلَّة الرَّحْمَة وَقلة المبالاة وَترك النَّصِيحَة وَظَهَرت الفظاظة واليبوسة والغلظة وَالْقَسْوَة ورذائل الْأَخْلَاق حَتَّى صَارَت الْجَوَارِح إِلَى الْغِشّ وَالْمَكْر والمخادعات وَإِلَى أَفعَال الْجَسَد وَإِلَى سوء النيات والمقاصد وَخرج إِلَى الفرعنة والتجبر كل على قدره يتنعمون بنعم الله ويتلذذون بِتِلْكَ الزِّينَة وَتلك اللَّذَّات فَرحا وأشرا وبطرا فِي هَيْئَة أهل الْكفْر بِاللَّه والجحود لَهُ فقد تبين أَن أصل هَذَا الْأَمر كُله الْفَرح
فَمن قدر أَن يصرف هَذَا الْفَرح مِنْهُ إِلَى الله فِي كل عمل وَفِي كل أَمر من دنيا أَو آخِرَة بِنور قلبه وَإِلَّا فقد وَقع فِي الوبال فَإِن كَانَ فرحه فِي أَمر الدُّنْيَا أشر وبطر وَإِن كَانَ فِي أَمر الْآخِرَة أعجب وتكبر وَصَارَ مرائيا فَمن صرف ذَلِك إِلَى الله لم يَزْدَدْ لرَبه إِلَّا خشوعا وحبا فحمده وَدعَاهُ ذَلِك إِلَى شكره بِجَمِيعِ جوارحه وَذَلِكَ حفظ الْجَوَارِح السَّبع على أَمر الله وَإِقَامَة فَرَائض الله وَالْقِيَام بِحُقُوق الله وَمن لم يقدر على ذَلِك سباه فرحه فَصَارَ سبيا من سبي النَّفس
وَإِذا نَالَتْ النَّفس الْفَرح كَانَ بِمَنْزِلَة رجل متغلب وجد كنزا وأموالا جمة فاحتوى عَلَيْهَا وفرقها فِيمَن اجْتمع إِلَيْهِ من الغوغاء حَتَّى صَارُوا أعوانه وَأَتْبَاعه فَخرج بِتِلْكَ الْقُوَّة على أَمِير الْبَلَد وَعمد إِلَى الْأَمِير فسجنه فالأمير فِي الوثاق فِي السجْن والخارجي يرؤس أهل الْبَلَد فَإِن تَدَارُكه أَمِير الْمُؤمنِينَ بمدد وجيش وكنز فقد نَصره وَإِن تَركه مخذولا فقد ذهبت الامرة فَهَذَا شَأْن الْقلب مَعَ النَّفس وَقد حذر الله تَعَالَى عباده فِي
стр. 1182
تَنْزِيله فِي قصَّة قَارون فَقَالَ ﴿لَا تفرح إِن الله لَا يحب الفرحين﴾ وَقَالَ وفرحوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا مَتَاع وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل بِفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هُوَ خير مِمَّا يجمعُونَ﴾
فدلك على الْفَرح بفضله ليصرفك عَن الْفَرح بِالْجمعِ فَإِن فَرح الْجمع هَلَاك الدّين وَالْقلب وَفَرح الْفضل وَالرَّحْمَة يؤديك إِلَى الله لِأَن كل من فَرح بِشَيْء أقبل عَلَيْهِ وَطَلَبه فَإِذا رأى الله من عبد إقبالا على هَذِه الدُّنْيَا الدنية وعَلى هَذِه الشَّهْوَة الرَّديئَة أعرض عَنهُ ووكله إِلَيْهَا حَتَّى يكون همه دُنْيَاهُ وهمته شهوات نَفسه وَطَلَبه الْعُلُوّ فِيهَا حَتَّى يضاد أقضية الله وتدبيره فخسر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَإِذا رأى إقباله على ربه صنع لَهُ جميلا وهيأ لَهُ تدبيرا ينَال بِهِ فوز العاجل والآجل وسعادة الدَّاريْنِ
عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تفرغوا من هموم الدُّنْيَا مَا اسْتَطَعْتُم فَمَا أقبل عبد بِقَلْبِه على الله إِلَّا أقبل الله تَعَالَى بقلوب الْمُؤمنِينَ تفد إِلَيْهِ بالود وَالرَّحْمَة وَكَانَ الله بِكُل خير إِلَيْهِ أسْرع
فَإِذا نظر الله إِلَى عبد بِالرَّحْمَةِ وَقَلبه مأسور فِي إسار النَّفس أمده من عِنْده بِمَا إِذا صَار المدد إِلَيْهِ تَابَ وَمن رَحْمَة الله تَعَالَى على عَبده إقباله فَإِذا أقبل عَلَيْهِ تلظت جَمْرَة الْإِيمَان فِي الْقلب فتوردت أَشجَار الْخيرَات وأينعت كَمَا يتورد بساتين الدُّنْيَا ويتورد أشجارها إِذا وجد الْحر فَإِذا وجد الْقلب هَذِه الْقُوَّة أقبل على النَّفس بالزجر لَهَا بسُلْطَان قوي حَتَّى
стр. 1183
يقمعها بِمَنْزِلَة مَا ضربنا لَهُ من الْمثل الْخَارِجِي إِذا سمع أَن جَيش أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أقبل هرب عَن الْبَلَد وخلى عَنْهَا وَخرج الْأَمِير من السجْن فَقعدَ فِي إمرته واحتوشته الْجنُود وَفرق الْأَمْوَال والكنوز الَّتِي جَاءَتْهُ من أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي جنده وَقصد الْخَارِجِي يحاربه ويتباعد قَلِيلا قَلِيلا والأمير خَائِف مَعَ هَذَا الْجند لَا يَأْمَن بياته وافتراصه فَهُوَ مَشْغُول بحرس جنده وَنَفسه وَيسْأل أَمِير الْمُؤمنِينَ زِيَادَة فِي مدده فَلَا يزَال يمده حَتَّى إِذا أمده بغاية المدد أَخذه أَسِيرًا وَيكون الْخَارِجِي قد نظر إِلَى كَثْرَة المدد فَعلم أَنه لَا يُقَاوم أَمِير الْمُؤمنِينَ فَألْقى بِيَدِهِ سلما وَأسلم وَتَابَ على يَدي أَمِير الْمُؤمنِينَ فَهَذِهِ صفة التائب إِذا تَابَ احْتَاجَ إِلَى مجانبة النَّفس ومجاهدتها فِي كل أَمر فَلَا يزَال كَذَلِك ويزداد مدَدا وَهُوَ لَا يأمنها مَعَ ذَلِك المدد يخَاف أَن يثب وثبة من زَوَايَا جَوْفه فَيَأْخذهُ لِأَن مكْرها أعظم من أَن يُوصف حَتَّى تجلى لِقَلْبِهِ شَأْن الملكوت وأشرق فِي صَدره أنوارها فَامْتَلَأَ صدر العَبْد من جلال الله وعظمته فبسلطان الْجلَال يأسر النَّفس ويسبيها وبالعظمة يولهها فإمَّا أَن يَأْخُذهَا بِتِلْكَ الْقُوَّة فيحبسها حَتَّى تَمُوت فِي سجن الْقلب غما وَإِمَّا أَن تلقي بِيَدَيْهَا سلما وتذعن للقلب وتنقاد لَهُ فَتَصِير فِي يَدي الْقلب كالأسير حَتَّى إِذا وجدت تِلْكَ اللَّذَّات الَّتِي وَردت على الْقلب من تِلْكَ الملكوت من العطايا اعتصمت بِالْقَلْبِ فَتركت لذاتها الفانية الدنية فَعندهَا وصل العَبْد إِلَى أَوَائِل العبودة وَوضع فِي هَذَا القالب الْحَيَاة والحياة فِي الرّوح وَالنَّفس وهما ريحَان إِحْدَاهمَا أرضية وَالْأُخْرَى سَمَاوِيَّة فالحياة هَهُنَا فِي الرّوح وَالنَّفس والجسد قالب فَإِذا خرجا بَقِي القالب لَحْمًا مواتا وحياة الْآخِرَة فِي كل شَيْء مِنْهُ فَكل شَيْء مِنْهُ حَيّ من قرنه إِلَى قدمه كل شَعْرَة وكل ظفر حَيّ بحياته وَذَلِكَ إِذا شربوا مَاء الْحَيَاة بِبَاب الْجنَّة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِن الدَّار الْآخِرَة لهي الْحَيَوَان لَو كَانُوا يعلمُونَ﴾
стр. 1184
أخرجه على قالب فعلان لبلوغ الْغَايَة فِي التكثير كَقَوْلِك رَحْمَن وَرَحِيم وعريان وعار وَالَّذِي يشرب مَاء الْحَيَاة فِي الْآخِرَة يجد اللَّذَّة وَالنَّعِيم كل شَعْرَة مِنْهُ على حدتها ويقوى على نعيم الْجنَّة بِقُوَّة تِلْكَ الْحَيَاة
فَجَمِيع مَا فِي هَذِه الدَّار الَّتِي سميت دنيا كُله مَتَاع هَذِه الْحَيَاة وَالْمَتَاع الْمَنْفَعَة وَالْبُلغَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿زين للنَّاس حب الشَّهَوَات من النِّسَاء والبنين﴾ إِلَى قَوْله ﴿ذَلِك مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ ثمَّ قَالَ ﴿اعلموا أَنما الْحَيَاة الدُّنْيَا لعب وَلَهو وزينة﴾ الْآيَة
ثمَّ ضرب الْمثل بالغيث ليريك عاقبتهما وَقَالَ ﴿وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاع الْغرُور﴾ ثمَّ قَالَ ﴿إِنَّا جعلنَا مَا على الأَرْض زِينَة لَهَا﴾
ثمَّ أخْبرك لأي شَيْء جعل هَذَا فَقَالَ ﴿ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا﴾ ثمَّ ضرب الْمثل فَقَالَ ﴿إِنَّمَا مثل الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ من السَّمَاء﴾ ثمَّ قَالَ فِي آخِره ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام﴾
ثمَّ قَالَ ءأنبئكم بِخَير من ذَلِكُم وَبَين ذَلِك الْخَيْر مَا هُوَ
стр. 1185
فَقَالَ ﴿جنَّات عدن تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار﴾ ثمَّ بَين لمن هِيَ فَقَالَ ﴿الَّذين يَقُولُونَ رَبنَا إننا آمنا﴾ إِلَى قَوْله ﴿بالأسحار﴾
وَإِنَّمَا صَارَت الدُّنْيَا ملعونة مذمومة من أجل أَنَّهَا غرت النُّفُوس بنعيمها وزهرتها ولذتها والشهوة واللذة فِي النُّفُوس فَإِذا ذاقت النُّفُوس طعم النَّعيم اشتهت ولذت فمالت عَن العبودة إِلَى هوى النَّفس وَإِنَّمَا جعلهَا زِينَة فِي نفوس الْعباد وَأعْطى من تِلْكَ الزِّينَة الْعَدو ليوسوس بِتِلْكَ الزِّينَة ويمازج بهَا تِلْكَ الزِّينَة الَّتِي وَضعهَا الله فِي الْعباد وحبها وشهوتها ليبلوهم أَيهمْ أحسن عملا فِي هَذِه الزِّينَة ليتواضع لله فِيمَا أعطَاهُ من الزِّينَة ويشكره عَلَيْهِ أَو يتكبر عَلَيْهِ ويكفره كَمَا قَالَ سُلَيْمَان ﵇ حَيْثُ قَالَ ﴿أَيّكُم يأتيني بِعَرْشِهَا﴾ فَقَالَ ذَلِك الجني ﴿أَنا آتِيك بِهِ قبل أَن تقوم من مقامك﴾ فاستبطأه فَقَالَ الَّذِي عِنْده علم من الْكتاب وَهُوَ اسْم الله الْأَعْظَم ﴿أَنا آتِيك بِهِ قبل أَن يرْتَد إِلَيْك طرفك فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقرًّا عِنْده﴾ أَعنِي السرير قَالَ هَذَا من فضل رَبِّي لِيَبْلُوَنِي ءأشكر أم أكفر أَي أقدر هَذَا الْإِنْسِي على مَا لم أقدر عَلَيْهِ وَأعْطى مَا لم أعْط فابتلاني بِرُؤْيَة مَا أعْطى لِيَبْلُوَنِي ءأشكر فأعدته بِمَا أعطَاهُ من نعْمَة عَليّ لِأَنَّهُ حَولي أَو أحسده فَأكفر النِّعْمَة
فَهَذِهِ الْأَشْيَاء إِنَّمَا غرت المفتونين الَّذين لما تناولوها عميت عيونهم
стр. 1186
عَن تَدْبِير الله وَتَقْدِيره وسياقته إِلَيْهِم ﴿وَمن كَانَ فِي هَذِه أعمى فَهُوَ فِي الْآخِرَة أعمى وأضل سَبِيلا﴾
فَوضع الله الدُّنْيَا مَعَ زينتها وبهجتها وخلقنا فِيهَا فَحرم وَأحل وَأمر وَنهى فَمن انْتهى عَن الْمُحرمَات وَأدّى الْفَرَائِض وَتَنَاول من الدُّنْيَا فعبده بتناولها لِأَنَّهُ أَخذهَا على الْحَاجة وَمن السَّبِيل الَّتِي أطلقت لَهُ فقد خرج من الذَّم وَبرئ من الدُّنْيَا المذمومة وَإِن تنَاول بِشَهْوَة ونهمة فِي غَفلَة عَن الله تَعَالَى فقد أَخذ الدُّنْيَا المذمومة وَلَا يصل إِلَى هَذِه الْمرتبَة الَّتِي تَبرأ من عارها وذمها ووبالها إِلَّا من وصل إِلَى الله فعظمته على قلبه وخشيته فِي صَدره وَذكره دَائِم على لِسَانه فَلَيْسَتْ هَذِه دنيا مذمومة وَإِنَّمَا هُوَ رزق ومعاش وتزود يَأْخُذ العَبْد من مَوْلَاهُ ليقوم بخدمته لِأَنَّهُ خلقه للْخدمَة وَجعل هَذِه الْأَشْيَاء كلهَا سخرة لَهُ فَهُوَ يَأْخُذ من السخرة للْخدمَة وَالْآخر يَأْخُذ من هَذِه السخرة لقَضَاء الشَّهْوَة والنهمة ليفرح بِهِ أَيَّام الْحَيَاة ليلهيه ذَلِك الْفَرح عَن الله تَعَالَى ويورثه الْغَفْلَة حَتَّى يهتاج مِنْهُ الْكبر وَينظر إِلَى نَفسه وهيأته وَمَا أعطي من الدُّنْيَا فيعجب بِهِ فيفاخر النَّاس ويناطح أشكاله فَهُوَ عبد فرجه عبد بَطْنه عبد هَوَاهُ قد دخل فِي لعنة رَسُول الله ﷺ حَيْثُ قَالَ لعن عبد الدِّينَار لعن عبد الدِّرْهَم ثمَّ قَالَ بئس العَبْد عبد نسي الْمُبْتَدَأ والمنتهى بئس العَبْد عبد سَهَا وَلها وَنسي الْقَبْر والبلى بئس العَبْد عبد تجبر واعتدى وَنسي الْجَبَّار الْأَعْلَى بئس العَبْد عبد طمع يَقُودهُ بئس العَبْد عبد هوى يضله بئس العَبْد عبد يخْتل الدُّنْيَا بِدِينِهِ
стр. 1187
فَهَذَا كُله جَاءَ عَن رَسُول الله ﷺ فِي خطبَته وَقَالَ الله ﵎ ﴿تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا للَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض وَلَا فَسَادًا﴾
رُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه قَالَ إِن الرجل ليُعْجِبهُ شِرَاك نَعله يُرِيد بِهِ أَن يكون أَجود من صَاحبه فَيدْخل فِي هَذِه الْآيَة
فاللعن وَاقع على مَا يطْلب بِهِ الْعُلُوّ ويلهي عَن ذكر الله وعَلى مَا غَرَّك من الدُّنْيَا لَا على النَّعيم واللذة فَإِن النَّعيم واللذة قد تناولته الرُّسُل والأنبياء وَالصِّدِّيقُونَ ﵈ فردهم تناولهم إِلَى الله ذكرا وشكرا ثمَّ آووا مِنْهُ إِلَى المأوى وَهُوَ حفظ الْحُدُود وَالْقِيَام بِحُقُوق الله تَعَالَى مَحل الِاسْتِثْنَاء وَالله أعلم
стр. 1188
- الأَصْل الْخَامِس وَالثَّمَانُونَ والمائتان
-
فِي أَن الْقُنُوت وقُوف العَبْد وإقباله وركود وخشوع
عَن أبي سعيد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كل حرف ذكره الله فِي الْقُرْآن عَن الْقُنُوت فَهِيَ الطَّاعَة
قَالَ أَبُو عبد الله ﵁ إِنَّمَا صرفه إِلَى الطَّاعَة لِأَنَّهَا أكشف الْأَشْيَاء وأشهرها عِنْد النَّاس والعامة إِنَّمَا تعرف الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة فَكل مَا أَمر الله بِهِ فَهُوَ طَاعَة وكل مَا نهى عَنهُ فَهُوَ مَعْصِيّة فَأَما حَاصِل الِاسْم فالطاعة بذل النَّفس لله فِيمَا أَمر وَنهى وَالْمَعْصِيَة امْتنَاع النَّفس واشتدادها لِأَن الله تَعَالَى دَعَا العَبْد إِلَى الْوُقُوف بَين يَدَيْهِ كالعبيد فالمؤمنون أجابوا دَعوته وقبلوا الْعِبَادَة ثمَّ دعاهم بعد ذَلِك إِلَى شَيْء بعد شَيْء فَمن ائتمر بأَمْره وانْتهى عَن نَهْيه فقد وفى بِتِلْكَ الْإِجَابَة فِي الْمُبْتَدَأ وَبِذَلِك الْقبُول فَقيل أطَاع فَهُوَ مُطِيع أَي أعْطى ذَلِك الْبَذْل الَّذِي قبله فِي الْمُبْتَدَأ فَقَوله أعْطى وأطاع مُشْتَقّ بعضه من بعض وحروفها فِي الْعدَد سَوَاء
стр. 1189
وَفِي التَّأْلِيف مُخْتَلفَة قدم الْعين هُنَا وَأخر الْعين هُنَاكَ ليستعمل هَذَا فِي عَطاء العبودة وَيسْتَعْمل ذَاك فِي عَطاء الْأَشْيَاء الْمَمْلُوكَة وَالْمَعْصِيَة من التعصيص وَهُوَ اشتداد النَّفس وامتناعها وَمِنْه سمي الْعَصَا يُقَال فِي اللُّغَة تعيص عَلَيْهِ أَي امْتنع وتشدد
وَأما الْقُنُوت فَهُوَ الركود وكل شَيْء اسْتَقر فِي مَكَانَهُ فَلم يَتَحَرَّك فَهُوَ راكد وَمن ذَلِك سمي المَاء راكدا إِذا أمسك عَن الجري والسفن رواكد قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن يَشَأْ يسكن الرّيح فيظللن رواكد على ظَهره﴾ يُقَال قنت ونتق والنتوق أَن يُقَابل الشَّيْء بالشَّيْء راكدا عَلَيْهِ وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ نتقنا الْجَبَل فَوْقهم كَأَنَّهُ ظلة﴾
وَمِنْه قَول عَليّ ﵁ حَيْثُ سُئِلَ عَن الْبَيْت الْمَعْمُور فَقَالَ هُوَ بَيت فِي السَّمَاء السَّابِعَة نتاق هَذَا الْبَيْت أَي بحذائه
والقنوت مُقَابلَة قَلْبك عَظمَة من وقفت لَهُ وَبَين يَدَيْهِ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِذا صلى العَبْد أقبل الله عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ
فَمن حق إقباله عَلَيْهِ أَن يقبل العَبْد بِقَلْبِه على عَظمته وجلاله فَهَذِهِ مُقَابلَة العَبْد بِقَلْبِه قبالة ربه فَهَذَا الْقُنُوت ومرجعه إِلَى مَا كشفه رَسُول الله ﷺ فَقَالَ هُوَ الطَّاعَة لِأَنَّهُ إِذا قابله بِقَلْبِه فقد أعطَاهُ بذل النَّفس فقد أطاعه وَإِنَّمَا صَار إِذا قابله باذلا لنَفسِهِ لِأَن الْقلب إِذا لاحظ ببصر فُؤَاده جَلَاله وعظمته خلص إِلَى النَّفس هول الْجلَال وَالْعَظَمَة فانقبضت وانقمعت وانخشعت وذهلت عَن هشاشتها وخمد تلظي نيران شهواتها لما أحست بِهِ
стр. 1190
عَن مُجَاهِد ﵁ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ قَالَ الْقُنُوت الركود والخشوع فجاد مَا غاص مُجَاهِد صَار إِلَى الأَصْل
وَأما الَّتِي عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَانِتِينَ أَي مُطِيعِينَ فَقَوْل ابْن عَبَّاس ﵄ ظَاهر التَّفْسِير وَقَول مُجَاهِد بَاطِن التَّفْسِير وَقَوله تَعَالَى ﴿يَا مَرْيَم اقنتي لِرَبِّك﴾ رُوِيَ فِي التَّفْسِير أَنه قَالَ قومِي لِرَبِّك وَالْقِيَام غير الْقُنُوت وَلَو كَانَ الْقُنُوت قيَاما لاستحال أَن يَقُول ﴿قومُوا لله قَانِتِينَ﴾ والقنوت صفة تحدث عَن الْقيام
فَقَوله تَعَالَى لِمَرْيَم ﴿اقنتي لِرَبِّك﴾ أَي أطيعي رَبك فَهَذَا تَفْسِير ظَاهر وَلَكِن أُرِيد من مَرْيَم الْقُنُوت فِي الْبَاطِن وَهُوَ أَن تقبل بقلبها على الله مظلا على النَّفس مُشْتَمِلًا على شهواتها لِئَلَّا تتحرك وتتفرق غليانا وتجيش حَتَّى يفور دخانها إِلَى الصَّدْر إِلَى مَحل إشراق نور الألوهة فَإِنَّهُ لَيْسَ من حق عطايا رَبنَا أَن يُعْطي عبدا إشراق نور عَظمته فِي صَدره فيهمل العَبْد حراسته ورعايته حَتَّى تَفُور حرارة شهواته كفوران الْقدر الَّتِي تغلي إِلَى صَدره كالدخان بَين يَدي نور العظمة فِي صَدره فَإِذا فعل ذَلِك حجب لِأَن ذَلِك الفوران كالدخان فَإِذا هاج من النَّفس وتأدى إِلَى الصَّدْر امْتنع الْإِشْرَاق واحتجب وَبَقِي العَبْد محجوبا كَأَنَّهُ صَار خَالِيا من الزكاء
فَأمرت مَرْيَم بِالْقُنُوتِ أَي بالدوام وبالركود بِمُقَابلَة الْقلب قبالة عَظمَة الله حَتَّى يَدُوم لَهَا التَّعْظِيم لجلال الله وَلذَلِك سمي دُعَاء الْوتر قنوتا لِأَن الصَّلَاة وقُوف تخشع وتذلل يُؤدى فَرْضه فَإِذا قنت فَإِنَّمَا خرج من صلَاته الَّتِي افترضت عَلَيْهِ وَقَامَ لَهُ متعرضا لرَبه إِلَى موقف آخر لرغبة أَو
стр. 1191
رهبة فَسُمي قنوتا لِأَن ذَلِك مقَام خرج من فعل صلَاته إِلَيْهِ وَدخل فِيهِ بتكبيرة فقابل بِقَلْبِه مَحل الرَّغْبَة والرهبة وَمن قبل التَّكْبِيرَة كَانَ فِي مَحل التذلل والتخشع بَين يَدي عَظمته والآن فِي مَحل الرَّغْبَة والرهبة بَين يَدي جوده وَكَرمه فتباين التقابلان والموقفان
стр. 1192
- الأَصْل السَّادِس وَالثَّمَانُونَ والمائتان
-
فِي عَثْرَة الْحَلِيم وتجربة الْحَكِيم
عَن أبي سعيد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا حَلِيم إِلَّا ذُو عسرة وَلَا حَكِيم إِلَّا ذُو تجربة
قَالَ أَبُو عبد الله ﵁ فالحلم يُعْطي العَبْد من نور الْجُود فَإِذا خلص إِلَى الْقلب نور الْجُود انْحَلَّت عقد النَّفس وكلت مخاليبها وتخلص الْقلب من رق النَّفس وَمن سخرتها ووثاقها واتسعت النَّفس بِمَا نَالَتْ من الْقلب من نور الْجُود فتولدت السماحة وَإِذا عثرت فَوَقَعت فِي الذَّنب فهناك تبصر وتنفسح لما رَأَتْ عثرتها اتسعت لغَيْرهَا فِي تِلْكَ العثرة وأبصرت أَن العاثر هُوَ كمثله إِمَّا مغبونا مخذولا وَإِمَّا معاقبا وَلما رأى فِي نَفسه فِي وَقت العثرة أَنه مغبون أَو معاقب أَو جَاهِل فَقَوْل رَسُول الله ﷺ لَا حَلِيم إِلَّا ذُو عَثْرَة أَي بعد العثرة وصل إِلَى حَقِيقَة الْحلم وكنهه فَأَما قبل العثرة فقد يكون حَلِيمًا وَلَيْسَ على كنهه كَأَنَّهُ لم
стр. 1193
يكمل حلمه بعد لِأَن نَفسه لم تتسع بعد فِي الْحلم الَّذِي أعطي فَإِذا جَاءَت العثرات اعْتبر بهَا وَرَأى غَيره فِيهَا كَمَا رأى نَفسه فِي وَقتهَا فهناك يجد الْحلم
وَهَذَا قَول رَسُول الله ﷺ فِي حَدِيث آخر لَيْسَ الْغنى عَن كَثْرَة الْعرض وَإِنَّمَا الْغنى غنى النَّفس وَلَيْسَ الْمِسْكِين الَّذِي ترده اللُّقْمَة وَاللُّقْمَتَانِ إِنَّمَا الْمِسْكِين الَّذِي قعد فِي بَيته وقنع
فَذَاك الَّذِي كثر عرضه هُوَ أَيْضا غَنِي وَلَكِن الْغنى على كنهه وَحَقِيقَته هُوَ غنى النَّفس والمسكنة على الْحَقِيقَة وعَلى كنهها فِي من قعد فِي بَيته وقنع بِمَا أُوتِيَ
وَأما قَوْله لَا حَكِيم إِلَّا ذُو تجربة فالحكمة من نور الْجلَال فَإِذا أعطي العَبْد انفجرت ينابيع الْحِكْمَة على قلبه فَهَذِهِ الْحِكْمَة ينبوعها على قلبه فَهِيَ جاثمة متراكمة وَمَا لم يَأْخُذهُ التجارب لم تقدر النَّفس على مطالعة الْحِكْمَة لِأَن النَّفس بلهاء غنمية مَشْغُولَة بالشهوات فَكيف تدْرك الْحِكْمَة وَالْحكمَة بَاطِن الْأُمُور وأسرار الْعلم فَهِيَ تعاين الظَّاهِر وَلَا تُدْرِكهُ فَكيف تدْرك الْبَاطِن فَإِذا جرت الْأُمُور صَارَت هَذِه التجارب لَهُ كالمرآة ينظر فِيهَا لِأَنَّهَا صَارَت مُعَاينَة وَلذَلِك قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ يَنْتَهِي عقل الرجل إِلَى ثَمَان وَعشْرين ثمَّ بعد ذَلِك التجارب
فالعقل للقلب والتجارب للنَّفس لِأَن الْعقل بَاطِن والتجارب ظَاهِرَة تبصر الْعين وَتسمع الْأذن ويشم الْأنف وتلمس الْيَد وَيَذُوق اللِّسَان
стр. 1194
واللهاة والتجارب هَهُنَا وَهَذِه الْأَشْيَاء مسالك إِلَى النَّفس وَعِنْدهَا تشعر النَّفس بذلك لِلْعَقْلِ الَّذِي أعطي لِأَن الْعقل مَسْكَنه فِي الدِّمَاغ وَفِي الصَّدْر يشرق بَين عَيْني الْفُؤَاد وَالنَّفس لَا تعلم بِشَيْء من ذَلِك إِلَّا مَا يعلمهَا الْقلب ويفطن لَهَا فَإِذا نالتها التجارب عرفت وأيقنت لِأَنَّهَا صَارَت مُعَاينَة مَا أدّى إِلَيْهَا الْقلب من الْحِكْمَة وَدلَالَة الْعقل
стр. 1195
- الأَصْل السَّابِع وَالثَّمَانُونَ والمائتان
-
فِي كلمة التَّقْوَى وَصُورَة مَعْنَاهَا فِي الْقلب والكنية والختم والقفل على الْقلب
عَن أبي بن كَعْب عَن أَبِيه ﵄ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول ﴿وألزمهم كلمة التَّقْوَى﴾ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله
قَالَ أَبُو عبد الله ﵁ إِنَّمَا سميت هَذِه الْكَلِمَة كلمة التَّقْوَى لِأَنَّهُ صَارَت وقاية لتوحيده لِأَنَّهُ أثبت عقد الْمعرفَة بإلهه قلبا وباللسان نطقا أَنه إلهه فَلَمَّا أحدث الْأَعْدَاء هَذَا الْحَدث وَهُوَ الشّرك فأشركوا فِي ملكه غَيره وذهبوا بَوْله قُلُوبهم فِي الضّر والنفع إِلَى الَّذِي قصدوه بالعبودة رَجَاء وتأميلا لنوال نفع وَدفع ضرّ اقْتضى الله الْمُؤمنِينَ كلمة نفي ذَلِك الْحَدث وَهُوَ قَوْله لَا فنفوا بقَوْلهمْ لَا هَذَا الْحَدث الَّذِي أحدثته الفجرة الغواة الظلمَة فَصَارَ قَوْله لَا نزاهة لرجاسة مَا أَتَوا بِهِ وطهارة لنجاسته ووقاية لذَلِك العقد الَّذِي اعتقدوه وحصنا كثيفا لما فِي ذَلِك العقد وَهُوَ التَّوْحِيد وَنور الْمعرفَة فنسبت هَذِه الْكَلِمَة إِلَى التَّقْوَى وَإِنَّمَا هُوَ فِي الأَصْل وقوى مَأْخُوذ من الْوِقَايَة
следующие страницы →