← Книги сунны

Книги сунны · id 720

نوادر الأصول في أحاديث الرسول

الحكيم الترمذي

Полный текст (1 237 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فالرسل بعثوا إِلَى الْخلق بِحمْل الْأُمُور وَمَعْرِفَة التَّدْبِير فِي الْأُمُور وَكَيف وَلم وكنه الْأُمُور عِنْدهم مَكْنُون قد أفشى الله من ذَلِك إِلَى الرُّسُل من غيبه مَا لَا يحْتَملهُ عقول من دونهم وبفضل النُّبُوَّة قدرُوا على احْتِمَاله فالعلم إِنَّمَا بَدَأَ من عِنْد الله تَعَالَى إِلَى الرُّسُل ثمَّ من الرُّسُل إِلَى الْخلق فالعلم بِمَنْزِلَة الْبَحْر فأجري مِنْهُ وَاد ثمَّ أجري من الْوَادي نهر ثمَّ أجري مِنْهُ جدول ثمَّ من الْجَدْوَل إِلَى ساقية فَلَو أجري إِلَى الْجَدْوَل ذَلِك الْوَادي غرقه وأفسده وَلَو مَال الْبَحْر إِلَى الْوَادي لأفسده وَهُوَ قَوْله تَعَالَى فِي تَنْزِيله الْكَرِيم أنزل من السَّمَاء مَاء فسالت أَوديَة بِقَدرِهَا فبحور الْعلم عِنْد الله تَعَالَى فَأعْطى الرُّسُل مِنْهَا أَوديَة ثمَّ أَعْطَتْ الرُّسُل من أَوْدِيَتهمْ أَنهَارًا إِلَى الْعلمَاء ثمَّ أَعْطَتْ الْعلمَاء إِلَى الْعَامَّة جداول صغَارًا على قدر طاقتهم ثمَّ أجرت الْعَامَّة إِلَى أَهَالِيهمْ وَأَوْلَادهمْ ومماليكهم سواقي بِقدر طاقتهم وَمن هَهُنَا مَا رُوِيَ فِي الْخَبَر أَن لله سرا لَو أفشاه لفسد التَّدْبِير وللأنبياء ﵈ سرا لَو أفشوه لفسدت نبوته وللملوك سرا لَو أفشوه لفسد ملكهم وللعلماء سرا لَو أفشوه لفسد علمهمْ وَإِنَّمَا يفْسد ذَلِك لِأَن الْعُقُول لَا تحتمله فَلَمَّا زيدت الْأَنْبِيَاء ﵈ فِي عُقُولهمْ قدرُوا على احْتِمَال النُّبُوَّة وزيدت الْعلمَاء فِي عُقُولهمْ وَبِذَلِك نالوا الْعلم فقدروا على احْتِمَال مَا عجزت الْعَامَّة عَنهُ وَكَذَلِكَ عُلَمَاء الْبَاطِن وهم الْحُكَمَاء زيدت فِي عُقُولهمْ وَبِذَلِك نالوا الْعلم فقدروا على احْتِمَال مَا عجزت عَنهُ عُلَمَاء الظَّاهِر أَلا يرى أَن كثيرا من عُلَمَاء الظَّاهِر دفعُوا أَن تَنْقَطِع الوسوسة من الْآدَمِيّ فِي صلَاته ودفعوا أَن يكون لَهُ مشي على المَاء أَو تطوي لَهُ الأَرْض أَو يهيأ لَهُ رزق من غير وُجُوه الْآدَمِيّين حَتَّى أَنْكَرُوا عَامَّة هَذِه الرِّوَايَات الَّتِي جَاءَت فِي مثل هَذِه

стр. 177

الْأَشْيَاء وَلَو عقلوا لقالوا مثل مَا قَالَ مطرف بن عبد الله حِين سَار لَيْلَة مَعَ صَاحب لَهُ فأضاء لَهُ طرف عَصَاهُ كالسراج مَعَه فَقَالَ لَهُ صَاحبه لَو حَدثنَا بِهَذَا كذبنَا فَقَالَ مطرف المكذب بنعم الله يكذب بِهَذَا وَلَو نظر عُلَمَاء الظَّاهِر إِلَى مَا أعْطى الله تَعَالَى لَهُم من مَعْرفَته وَهِي أعظم شَيْء فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض لم يستعظموا مَا إِذا أعطي أحدهم دسجة من جزر فِي بَريَّة من الأَرْض أَو رغيفا بل قَالُوا هَذَا من الله الَّذِي أَعْطَانَا مَعْرفَته الَّتِي هِيَ أثقل من سبع سموات وَسبع أَرضين لكنه من أعطي هَذَا الْعَطاء الْجَلِيل فَلم يرعه حق رعايته وَلم يشْكر الْمُعْطِي بل سَهَا وَلها وَتبطل فِي صُورَة الكفور للنعمة مُقبلا على الدُّنْيَا وَمن انتبه لما أعطي وانكشف غطاء قلبه رعى مَا أعطي وَعز عَلَيْهِ أَن يدنس خلعة الله الَّذِي خلع على قلبه كَمَا عز عَلَيْهِ أَن يدنس خلعة الْمُلُوك فِي دَار الدُّنْيَا فَكيف بالخلعة الَّتِي خلعها رب الْعَالمين على قُلُوب الْمُوَحِّدين اشتعل فِي قُلُوبهم نور التَّوْحِيد حَتَّى عرفوه وآمنوا بِهِ فاشرقت صُدُورهمْ وَنزع عَنْهَا ظلمَة الْكفْر وخلعها عَنْهُم وخلع عَلَيْهِم لِبَاس التَّقْوَى الَّذِي هُوَ وقاية من النَّار ثمَّ قَالَ فِي تَنْزِيله الْكَرِيم ﴿ذَلِك من آيَات الله﴾ وَقَالَ ﴿حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ وَكره إِلَيْكُم الْكفْر والفسوق والعصيان أُولَئِكَ هم الراشدون فضلا من الله ونعمة﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَالله عليم حَكِيم﴾

стр. 178

عليم بِمَعْنى أعْطى من هُوَ من عباده حَكِيم فِي أمره بالحكمة فعل هَذَا لَا بالجزاف ﴿هُوَ أعلم بكم إِذْ أنشأكم من الأَرْض وَإِذ أَنْتُم أجنة فِي بطُون أُمَّهَاتكُم﴾ فَمن انتبه لهَذِهِ النِّعْمَة وَلِهَذَا الْفضل لم يستعظم أَن تطوى لَهُ الأَرْض أَو يعْطى رغيفا فِي بَريَّة وَالله يَقُول فِي تَنْزِيله الْكَرِيم ﴿ويستجيب الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات ويزيدهم من فَضله﴾ قيل هُوَ الشَّفَاعَة يَوْم الْقِيَامَة فَرجل يشفع فِي أهل النَّار يَوْم الْقِيَامَة وَصَارَ مِمَّن يجوز قَوْله بَين يَدي رب الْعِزَّة فِي ذَلِك الْموقف إِن أعطَاهُ رغيفا فِي الدُّنْيَا من حَيْثُ لَا يقدر عَلَيْهِ مَاذَا يكون فِيهِ حَتَّى يُنكر هَذَا وَمَا يخرج إِنْكَار هَذَا إِلَّا من قوم جهلوا صنائع الله تَعَالَى وتدبيره فِي خلقه وَلم يتَبَيَّن لَهُم كَرَامَة الله إيَّاهُم وَجَاء عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لَو عَرَفْتُمْ الله حق مَعْرفَته لزالت بدعائكم الْجبَال فعلماء الظَّاهِر عرفُوا الله وَلَكِن لم ينالوا حق الْمعرفَة فَلذَلِك عجزوا عَن هَذِه الْمرتبَة ودفعوا أَن يكون هَذَا كَائِنا لأحد وَلَو عرفوه حق الْمعرفَة لماتت عَنْهُم الشَّهَوَات وَحب الرياسة وَالشح على الدُّنْيَا والنتافس فِي أحوالها وَطلب الثَّنَاء ترى أحدهم ينصب سَمعه مصغيا الى مَا يَقُول النَّاس لَهُ وَفِيه وعينه شاخصة إِلَى مَا ينظر النَّاس إِلَيْهِ مِنْهُ وَقد عميت عَيناهُ عَن النّظر إِلَى صنع الله وتدبيره فَإِن الله كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن وَقد صم أُذُنه عَن مواعظ الله يقرأه وَلَا يتلذذ لَهُ وَلَا يجد لَهُ حلاوة وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا

стр. 179

عَنى بِهِ غَيره فَكيف يتلذذ بِمَا كلم بِهِ غَيره وَإِنَّمَا صَار كَذَلِك لِأَن الله تَعَالَى خَاطب أولي الْعُقُول والبصائر والألباب فَمن ذهب عقله وبصيرته ولبه فِي شَأْن نَفسه ودنياه كَيفَ يفهم كَلَام رب الْعَالمين ويتلذذ بِهِ وَإِنَّمَا وَقع الْبر واللطف على أهل تِلْكَ الصّفة عدنا إِلَى تَأْوِيل الحَدِيث وَهُوَ قَوْله ﷺ إِذا حدثتم عني بِحَدِيث تعرفونه وَلَا تُنْكِرُونَهُ فَنَقُول من تكلم بعد الرَّسُول ﷺ بِشَيْء من الْحق وعَلى سَبِيل الْهدى فالرسول ﷺ سَابق إِلَى ذَلِك القَوْل وَإِن لم يكن تكلم بذلك اللَّفْظ الَّذِي أَتَى بِهِ من بعده فقد أَتَى الرَّسُول ﷺ بِأَصْلِهِ مُجملا فَلذَلِك قَالَ فصدقوا بِهِ قلته أَو لم أَقَله إِن لم أَقَله بذلك اللَّفْظ الَّذِي يحدث بِهِ عني فقد قلته إِذا جِئْت بِالْأَصْلِ وَالْأَصْل مؤد عَن الْفَرْع فجَاء الرَّسُول ﷺ بِالْأَصْلِ ثمَّ تكلم أَصْحَابه والتابعون رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ من بعده بالفروع فَإِذا كَانَ الْكَلَام مَعْرُوفا عِنْد الْمُحَقِّقين غير مُنكر فَهُوَ قَول الرَّسُول ﷺ قَالَه أَو لم يقلهُ يجب علينا تَصْدِيقه لِأَن الأَصْل قد قَالَه الرَّسُول ﷺ وأعطاناه وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لأَصْحَابه الَّذين قد عرفهم بِالْحَقِّ فَإِنَّمَا يعرف الْحق المحق وَهُوَ أولو الْأَلْبَاب والبصائر فَأَما المخلط المكب على شهوات الدُّنْيَا المحجوب عقله عَن الله تَعَالَى فَلَيْسَ هُوَ المعني بِهَذَا لِأَن صَدره مظلم فَكيف يعرف الْحق وَإِنَّمَا شَرط رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إِذا جائكم عني حَدِيث تعرفونه وَلَا تُنْكِرُونَهُ وَإِنَّمَا تعرف وتنكر الْعُقُول الَّتِي لَهَا إِلَى الله سَبِيل يصل إِلَى الله وَنور الله سراجه وَالْعقل بصيرته وَالْحق جيئته والسكينة طابعه فَيرجع إِلَى

стр. 180

خلقه وَالْحق عِنْده أَبْلَج يضيء فِي قلبه كضوء السراج يَقِينا وعلما بِهِ كَمَا قَالَ ربيع بن خَيْثَم إِن على الْحق نورا وضُوءًا كضوء النَّهَار نعرفه وَأَن على الْبَاطِل ظلمَة كظلمة اللَّيْل ننكره فالمحقون هَكَذَا صفتهمْ يعْرفُونَ الْحق وَالْبَاطِل وَكَذَلِكَ وعد الله تَعَالَى الْمُتَّقِينَ فَقَالَ عز من قَائِل ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تتقوا الله يَجْعَل لكم فرقانا﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير إخراجا أَي من الشُّبُهَات والظلمات فَأَما مَحْض التَّفْسِير فالمخرج أَن يَجْعَل لَهُ نورا فِي قلبه يفرق بَين الْحق وَالْبَاطِل حَتَّى يكون لَهُ مخرجا من ظلمَة الْجَهْل وشبهات الدُّنْيَا فَإِن الْجَهْل يظلم وَالدُّنْيَا تزين على الْآدَمِيّ شَهْوَته الَّتِي فِي جَوْفه فتشبه عَلَيْهِ حَتَّى تخدعه فبتقواه من هَذِه الْأَشْيَاء يَجْعَل لَهُ فرقانا وَهُوَ النُّور يفرق بَين الْحق وَالْبَاطِل هَذَا ثَوَاب التَّقْوَى فِي عَاجل دُنْيَاهُ وثوابه فِي الْآخِرَة قربته وكرامته ورفعة دَرَجَته قَالَ لَهُ قَائِل إِن كَانَ النّظر فِي معرفَة الْحق من الْبَاطِل إِلَى الْقلب فَمَا الْحَاجة بِنَا إِلَى هَذِه الْآثَار قَالَ اعْلَم أَن الله تَعَالَى أنار الْقلب ووفر عقله وَالْحق نور وعَلى قلب الموحد نور يتقد من قلبه على قلبه فِي صَدره فَإِذا عرض أَمر الله تَعَالَى هُوَ حق فَوَقع ذكره فِي الصَّدْر على الْقلب التقى نور الْحق وَنور الْقلب فأمتزجا وائتلفا فاطمأن الْقلب بِمَا فِيهِ وَسكن فَعلمت أَنه الْحق وَإِذا عرض بَاطِل فَوَقع ذكره فِي الصَّدْر على

стр. 181

الْقلب وَالْبَاطِل ظلمَة الْتَقت الظلمَة وَنور الْقلب فيفر النُّور وَلم يمزج مَعَه فاضطرب الْقلب عَن وابصة بن معبد ﵁ قَالَ قَالَ لي رَسُول الله ﷺ جِئْت تسْأَل عَن الْبر وَالْإِثْم استفت قَلْبك الْبر مَا إطمأنت إِلَيْهِ النَّفس وَالْقلب وَالْإِثْم مَا حاك فِي النَّفس وَتردد فِي الصَّدْر وَإِن أَفْتَاك النَّاس إِنَّمَا ذكر طمأنينة النَّفس ليعلم أَنَّهَا نفوس قد مَاتَت مِنْهَا الشَّهَوَات وراضها صَاحبهَا وأدبها فقارنت الْقلب فِي الصَّدْر فِي الْعُبُودِيَّة وَلَو كَانَت نفس شهوانية بطالة لم تسْتَحقّ أَن ينظر اليها لما يحيك فِيهَا وَإِلَى مَا يطمئن فالنفوس البطالة تطمئِن إِلَى الْجَهْل وَلَا يحيك فِيهَا الْحق وَالْخَيْر ويستقر فِيهَا الشَّرّ وَالْبَاطِل عَن عُثْمَان بن عَطاء عَن أَبِيه ﵄ قَالَ رجل أَتَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله أَفْتِنَا إِن ابتلينا بِالْبَقَاءِ بعْدك قَالَ تفتيك نَفسك قَالَ وَكَيف تفتيني نَفسِي قَالَ ﵇ ضع يدك على صدرك فَإِنَّهُ يسكن للْحَلَال ويضطرب من الْحَرَام دع مَا يريبك إِلَى مَا لَا يريبك وَإِن أَفْتَاك الْمفْتُون إِن الْمُؤمن يذر الصَّغِير مَخَافَة أَن يَقع فِي الْكَبِير عَن الْحسن بن عَليّ ﵁ قَالَ سَمِعت جدي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 182

يَقُول دع مَا يريبك إِلَى مَا لَا يريبك فَإِن الصدْق طمأنينة وَالْكذب رِيبَة وَإِنَّمَا صير رَسُول الله ﷺ هَذِه الْكَلِمَة عَلامَة لقلوب قد ملكت النُّفُوس وخلت من وساوسها الصُّدُور لَا الْقُلُوب الَّتِي قد ملكتها نفوسها وشحنت بوساوسا صدورها قَالَ الله تَعَالَى فِي تَنْزِيله الْكَرِيم ﴿وَلَو أَنهم فعلوا مَا يوعظون بِهِ لَكَانَ خيرا لَهُم وَأَشد تثبيتا وَإِذا لآتيناهم من لدنا أجرا عَظِيما ولهديناهم صراطا مُسْتَقِيمًا﴾ وعد الْهِدَايَة على فعل مَا يوعظ بِهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا﴾ وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تتقوا الله يَجْعَل لكم فرقانا﴾ بالهداية فِي الْقلب وَالْفرْقَان فِي الْقلب وَهُوَ نور يَجعله الله فِي الْقلب فيشرق بِهِ الصَّدْر وتنجلي ظلمَة الشَّهَوَات والهوى عَن الصُّدُور وَيَزُول رين الذُّنُوب فدلت الْآيَات أَن هَذَا لأهل التَّقْوَى والفاعلين بوعظه وَأهل المجاهدة وهم أهل الْيَقِين وطهارة الْقُلُوب وَأما الْعَامَّة فَإِنَّهُم يَحْتَاجُونَ إِلَى النُّصُوص والْآثَار على أَلْسِنَة عُلَمَاء الظَّاهِر لما دخل عَلَيْهِم من آفَة النَّفس وتخليطها فقد تراكمت على صُدُورهمْ سحائب تترى من حب الدُّنْيَا

стр. 183

وَحب الجاه وَحب الثَّنَاء وَحب الرياسة وَحب الشَّهَوَات وَفتن الدُّنْيَا ورين الذُّنُوب فَإِذا عرض فِي الصَّدْر ذكر شَيْء هُوَ حق وعَلى الْحق نور حَالَتْ الظلمَة بَين نور الْحق وَنور الْقلب فَلم يمتزجا وَلم يعرف الْقلب ذَلِك الْحق فصاحبه فِي حيرة مِنْهُ وَإِذا عرض أَمر هُوَ بَاطِل وعَلى الْبَاطِل ظلمَة امتزج الْبَاطِل بظلمة الشَّهَوَات ورين الذُّنُوب فَلم يعلم الْقلب بِشَيْء من ذَلِك لِأَن نور الْقلب قد انكمن فِي الْقلب وَلم يشرق فِي الصَّدْر فَلَيْسَ لأهل التَّخْلِيط من هَذِه الْعَلامَة شَيْء فَإِنَّهُ قَالَ دع مَا يريبك إِلَى مَا لَا يريبك وصدره ممتلىء ريبا فَكيف يتَبَيَّن فِيهِ الريب الزَّائِد قَالَ لَهُ قَائِل إِن رَأَيْت أَن تنص على حديثين حَدِيث يعرفهُ المحقون ببصائهم وَلَا ينكرونه وَحَدِيث ينكرونه لنعرف بِهِ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا وَمن قبل ذَلِك فَأخْبرنَا مَا معنى قَوْلك يعرفهُ المحقون ببصائرهم قَالَ ان الْحق الْأَعْظَم الَّذين انشعب مِنْهُ الْحُقُوق لَا يسكن إِلَّا فِي قلب طَاهِر وَكَذَلِكَ الْيَقِين لَا يسْتَقرّ إِلَّا فِي قلب طَاهِر فَمن لم يطهر قلبه فَهَذِهِ الْأَشْيَاء نافرة عَنهُ لَا تَجِد مأمنها فَإِذا وجدت قلبا وَقد تطهرت من أدناس الذُّنُوب ودرن الْعُيُوب فقد وجدت مأمنا فارتبعت فِيهِ فَوجدت صَاحبه حكيما وَوَجَدته موقنا وَوَجَدته محقا فالحكمة ينبوع قلبه وَمِثَال بَين عَيْنَيْهِ وَالْيَقِين مطالعة الملكوت وَالْحق مستعمله وَمن لم يطهر قلبه فَالْحق نافر عَنهُ فَهُوَ يتبع الْحق ليعْمَل بِهِ وَالْحق هارب مِنْهُ فَلذَلِك يشْتَد عَلَيْهِ الْقيام بِالْحَقِّ ويثقل عَلَيْهِ حَتَّى يعجز عَنهُ والمحق يجْرِي فِيهِ كالسهم وكالماء وكالدهن لينًا وكالريح سرعَة ومضيا وَأما حَدِيث يعرفهُ المحقون فَروِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ خرج رَسُول الله ﷺ على نَاقَته الجدعاء فَقَالَ أَيهَا النَّاس كَأَن الْمَوْت فِيهَا على غَيرنَا كتب وَكَأن الْحق على غَيرنَا وَجب وَكَأن الَّذِي نشيع من الْمَوْتَى عَن قَلِيل إِلَيْنَا رَاجِعُون نبوءهم أجداثهم

стр. 184

وَنَأْكُل تراثهم كأنا مخلدون بعدهمْ طُوبَى لمن شغله عَيبه عَن عُيُوب النَّاس طُوبَى لمن ذل نَفسه من غير منقصة وتواضع لله تَعَالَى من غير مسكنة وَأنْفق مَالا جمعه من غير مَعْصِيّة ورحم أهل الذل والمسكنة وخالط أهل الْفِقْه وَالْحكمَة طُوبَى لمن ذل نَفسه وَطلب كَسبه وصلحت سيرته وَحسنت خليقته وكرمت عَلَانِيَته وعزل عَن النَّاس شَره طُوبَى لمن عمل بِعِلْمِهِ وَأنْفق الْفضل من مَاله وَأمْسك الْفضل من قَوْله وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ كنت رَدِيف رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا غُلَام أَلا أعلمك كَلِمَات ينفعك الله بِهن قلت بلَى يَا رَسُول الله قَالَ إحفظ الله يحفظك إحفظ الله تَجدهُ أمامك تعرف إِلَى الله فِي الرخَاء يعرفك فِي الشدَّة إِذا سَأَلت فاسأل الله وَإِذا استعنت فَاسْتَعِنْ بِاللَّه وَقد جف الْقَلَم بِمَا هُوَ كَائِن فَلَو جهد الْخلق على أَن ينفعوك بِشَيْء لم يَكْتُبهُ الله لَك لم يقدروا عَلَيْهِ وَلَو جهد الْخلق على أَن يضروك بِشَيْء لم يَكْتُبهُ الله عَلَيْك لم يقدروا عَلَيْهِ فَإِن اسْتَطَعْت أَن تعْمل لله بالرضى وَالْيَقِين فافعل فَإِن لم تستطع فَإِن فِي الصَّبْر على مَا تكره خيرا كثيرا وَاعْلَم أَن النَّصْر مَعَ الصَّبْر وَأَن الْفرج مَعَ الكرب وَأَن مَعَ الْعسر يسرا

стр. 185

وَأما حَدِيث يُنكره المحقون فَمَا رُوِيَ عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَن سُلَيْمَان ﵇ مر فِي موكبه بِرَجُل يُقَال لَهُ مرعبدي وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي فَوقف عَلَيْهِ حَتَّى فرغ فَلم يرفع رَأسه فَلَمَّا رأى ذَلِك مِنْهُ نزل إِلَيْهِ فَكَلمهُ فَقَالَ لَهُ مرعبدي أَلَسْت ابْن دَاوُد الخاطىء حملت الدُّنْيَا فَوق رَأسك وَجعلت الْآخِرَة تَحت قَدَمَيْك فصرت محجوبا عَن الدَّاريْنِ فِي كَلَام طَوِيل عامته كذب لَا يقبله قُلُوب المحقين وَقد جعل الله الرُّسُل ﵈ أحباءه وأصفياءه وَمن قَالَ لرَسُول مثل هَذَا فقد عابه وَمن عابه فقد كفر بِاللَّه وَقد جعل الله إيمَاننَا بِهِ منظوما بِهِ فإيماننا بِاللَّه لَا يقبل منا حَتَّى نؤمن بالرسل كَمَا آمنا بِهِ وَكَيف يجوز أَن يُقَال لرَسُول الله جعلت الْآخِرَة تَحت قَدَمَيْك وَالدُّنْيَا فَوق رَأسك فَهُوَ بذلك راد على الله تَعَالَى وَالله يَقُول فِي كِتَابه الْكَرِيم ونوحا هدينَا من قبل وَمن ذُريَّته دَاوُد وَسليمَان وَأَيوب ويوسف ومُوسَى وهرون وَكَذَلِكَ نجزي الْمُحْسِنِينَ فسليمان من أهل هِدَايَة الله تَعَالَى وَسَماهُ محسنا وَهَذَا يحْكى أَنه قَالَ جعلت الْآخِرَة تَحت قَدَمَيْك وصرت محجوبا عَن الدَّاريْنِ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَوَهَبْنَا لداود سُلَيْمَان نعم العَبْد إِنَّه أواب﴾ ثمَّ قَالَ لنَبيه ﵇ ﴿أُولَئِكَ الَّذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ فَهَذَا الَّذِي زور هَذَا الحَدِيث أَحْسبهُ من هَؤُلَاءِ الحمقى الَّذين يتزهدون فِي الدُّنْيَا رِيَاء وَسُمْعَة يُرِيدُونَ أَن يتأكلوا هَذَا الحطام بسمة الزّهْد وَلم

стр. 186

يعرفوا مَا الزهادة وَمَا مَعْنَاهَا حسبوا أَن الزهادة شتم الدُّنْيَا وَأكل النخالة وَلبس الصُّوف وذم الْأَغْنِيَاء ومدع الْفُقَرَاء وَمن جَهله يزْعم أَنه قَالَ مرعبدي لِسُلَيْمَان ﵇ لَيْسَ تقضي نهمة من الدُّنْيَا إِلَّا نقص من ميزانك وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿هَذَا عطاؤنا فَامْنُنْ أَو أمسك بِغَيْر حِسَاب﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَإِن لَهُ عندنَا لزلفى وَحسن مآب﴾ وَمن الحَدِيث الَّذِي يُنكره قُلُوب المحقين مَا رُوِيَ أَن قوم مُوسَى سَأَلُوا مُوسَى ﵇ أَن يسْأَل ربه أَن يسمعهم كَلَامه الْكَرِيم فَسَمِعُوا صَوتا كصوت الشبور إِنِّي أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا الْحَيّ القيوم أخرجتكم من مصر بيد رفيعة وذراع شَدِيد فَهَذَا حَدِيث من غرب فهمه وَإِنَّمَا الْكَلَام شَيْء خص بِهِ مُوسَى ﵇ من بَين جَمِيع ولد آدم ﵇ فَإِن كَانَ كلم قومه أَيْضا حَتَّى أسمعهم كَلَامه فَمَا فضل مُوسَى ﵇ حَيْثُ سمي كليم الله من بَين رسله ﵈ وَمن الحَدِيث الَّذِي يُنكره قُلُوب المحقين مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي قَوْله ﴿يُوفونَ بِالنذرِ﴾ الْآيَات قَالَ مرض الْحسن وَالْحُسَيْن فَعَادَهُمَا رَسُول الله ﷺ وعادهما عمومة الْعَرَب فَقَالُوا يَا أَبَا الْحسن لَو نذرت على ولديك نذرا وكل نذر لَيْسَ لَهُ وَفَاء فَلَيْسَ بِشَيْء فَقَالَ عَليّ ﵁ إِن برأَ ولداي صمت لله ثَلَاثَة أَيَّام شكرا وَقَالَت جَارِيَة لَهُم ثويبة إِن برأَ سيداي صمت لله تَعَالَى ثَلَاثَة أَيَّام شكرا وَقَالَت فَاطِمَة ﵂ مثل ذَلِك

стр. 187

فألبس الغلامان الْعَافِيَة وَلَيْسَ عِنْد آل مُحَمَّد قَلِيل وَلَا كثير فَانْطَلق عَليّ ﵁ إِلَى شَمْعُون الْيَهُودِيّ الْخَيْبَرِيّ فَاسْتقْرض مِنْهُ ثَلَاثَة أصوع من شعير فجَاء بِهِ فَوَضعه فِي نَاحيَة الْبَيْت فَقَامَتْ فَاطِمَة ﵂ إِلَى صَاع فطحنته واختبزته وَصلى عَليّ مَعَ النَّبِي ﷺ ثمَّ أَتَى الْمنزل فَلَمَّا وضع الطَّعَام بَين يَدَيْهِ أَتَاهُم مِسْكين فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم أهل بَيت مُحَمَّد أَطْعمُونِي أطْعمكُم الله على مَوَائِد الْجنَّة فَسَمعهُ عَليّ ﵁ فَأَنْشَأَ أبياتا لفاطمة ﵂ وأنشأت فَاطِمَة أبياتا لَهُ فأطعموه الطَّعَام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يَذُوقُوا شَيْئا إِلَّا المَاء القراح وَفِي الْيَوْم الثَّانِي قَامَت إِلَى صَاع فاختبزته فَوقف بِالْبَابِ يَتِيم فَأَنْشَأَ عَليّ كرم الله وَجهه أبياتا وأنشأت فَاطِمَة ﵂ أبياتا فَأَعْطوهُ الطَّعَام ومكثوا يَوْمَيْنِ وليلتين لم يَذُوقُوا شَيْئا إِلَّا المَاء فَلَمَّا أَن كَانَ الْيَوْم الثَّالِث قَامَت إِلَى الصَّاع الْبَاقِي فطحنته وأختبزته فَوقف بِالْبَابِ أَسِير استطعم أهل بَيت النَّبِي ﷺ فَأَنْشَأَ عَليّ ﵁ أبياتا وأنشأت فَاطِمَة ﵂ أبياتا فَأَعْطوهُ الطَّعَام ومكثوا ثَلَاثَة أَيَّام ولياليها لم يَذُوقُوا شَيْئا إِلَّا المَاء القراح فَلَمَّا أَن كَانَ الْيَوْم الرَّابِع وَقد قضى الله النّذر أَخذ عَليّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى الْحسن وَبِيَدِهِ الْيُسْرَى الْحُسَيْن وَأَقْبل نَحْو رَسُول الله ﷺ وهم يَرْتَعِشُونَ كالفراخ من شدَّة الْجُوع فَلَمَّا أبصرهم رَسُول الله ﷺ قَالَ يَا أَبَا الْحسن مَا أَشد مَا أرى بكم انْطلق بِنَا إِلَى ابْنَتي فَاطِمَة فَانْطَلقُوا إِلَيْهَا وَهِي فِي مِحْرَابهَا قد لصق بَطنهَا بظهرها وَغَارَتْ عَيناهَا من

стр. 188

شدَّة الْجُوع فَلَمَّا أَن رَآهَا رَسُول الله ﷺ وَعرف المجاعة فِي وَجههَا بَكَى فَقَالَ واغوثاه أهل بَيت مُحَمَّد يموتون جوعا فهبط جبرئيل ﵇ فَقَالَ السَّلَام يُقْرِئك السَّلَام يَا مُحَمَّد خُذ هَنِيئًا فِي أهل بَيْتك فَأَقْرَأهُ ﴿يُوفونَ بِالنذرِ﴾ إِلَى قَوْله ﴿جَزَاء وَلَا شكُورًا﴾ هَذَا حَدِيث مُزَوق وَقد تطرف فِيهِ صَاحبه حَتَّى يشبه على المستمعين وَالْجَاهِل يعَض على شَفَتَيْه تلهفا أَلا يكون بِهَذِهِ الصّفة وَلَا يدْرِي أَن صَاحب هَذَا الْفِعْل مَذْمُوم قَالَ الله تَعَالَى فِي تَنْزِيله الْكَرِيم ويسألونك مَاذَا يُنْفقُونَ قل الْعَفو وَهُوَ الْفضل الَّذِي يفضل عَن نَفسك وَعِيَالك وَقَالَ ﷺ خير الصَّدَقَة مَا كَانَ عَن ظهر غنى وابدأ بِنَفْسِك ثمَّ بِمن تعول وافترض الله تَعَالَى على الْأزْوَاج النَّفَقَة لأهاليهم وَأَوْلَادهمْ وَقَالَ ﷺ كفى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَن يضيع من يقوت

стр. 189

أفيحسب عَاقل أَن عليا ﵁ جهل هَذَا الْأَمر حَتَّى أجهد صبيانا صغَارًا من أَبنَاء خمس أَو سِتّ على جوع ثَلَاثَة أَيَّام ولياليها حَتَّى تضرروا من الْجُوع وَغَارَتْ الْعُيُون فيهم لخلاء أَجْوَافهم حَتَّى أبكى رَسُول الله ﷺ مَا بهم من الْجهد هَب أَنه آثر على نَفسه هَذَا السَّائِل فَهَل كَانَ يجوز لَهُ أَن يحمل على أطفاله جوع ثَلَاثَة أَيَّام بلياليهن مَا يروج هَذَا إِلَّا على حمقى جهال أَبى الله لقلوب منتبهة أَن تظن بعلي ﵁ مثل هَذَا وليت شعري من حفظ هَذِه الأبيات كل لَيْلَة عَن عَليّ وَفَاطِمَة رضوَان الله عَلَيْهِمَا وَإجَابَة كل مِنْهُمَا صَاحبه حَتَّى أَدَّاهُ إِلَى هَؤُلَاءِ الروَاة فَهَذَا وأشباهه عامتها مفتعلة وَمِمَّا يُنكره المحقون مَا يرْوى عَن رَسُول الله ﷺ أَن فِي سنة مِائَتَيْنِ يكون كَذَا وَفِي الْعشْرين والمائتين كَذَا وَفِي الثَّلَاثِينَ كَذَا وَفِي الْأَرْبَعين كَذَا وَفِي الْخمسين كَذَا وَفِي السِّتين والمائتين تعكف الشَّمْس سَاعَة فَيَمُوت نصف الْجِنّ وَالْإِنْس فَهَل كَانَ كَذَا وَقد مَضَت هَذِه الْمدَّة وعكوف الشَّمْس لَا يَخْلُو مِنْهُ بلد فِي شَرق أَو غرب وَدلَالَة أُخْرَى وَهُوَ أَن التَّارِيخ لم يكن على عهد رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا وضعوه على عهد عمر ﵁ عَن مَيْمُون بن مهْرَان قَالَ رفع إِلَى عمر بن الْخطاب ﵁ صك مَحَله شعْبَان فَقَالَ عمر ﵁ أَي شعْبَان هَذَا الَّذِي هُوَ آتٍ أَو هُوَ الَّذِي نَحن فِيهِ ثمَّ قَالَ لأَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ ضَعُوا للنَّاس تَارِيخا فَقَالَ بَعضهم اكتبوا على تَارِيخ الرّوم فَقيل إِنَّهُم يَكْتُبُونَ من عِنْد ذِي القرنين وَهَذَا يطول وَقَالَ بَعضهم اكتبوا على تَارِيخ الْفرس فَقيل إِن الْفرس كلما كَانَ ملك أرخ من قبله فَاجْتمع رَأْيهمْ أَن ينْظرُوا كم أَقَامَ رَسُول الله ﷺ بِالْمَدِينَةِ فوجدوه عشر سِنِين فَكتب التَّارِيخ من هِجْرَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 190

وَمِمَّا تنكره الْقُلُوب حَدِيث رَوَوْهُ عَن عَوْف عَن أبي القموص قَالَ شرب أَبُو بكر ﵁ الْخمر يَعْنِي من قبل نزُول تَحْرِيمهَا فَقعدَ ينوح قَتْلَى بدر وينشد أبياتا فَبلغ رَسُول الله ﷺ ذَلِك فَخرج حَتَّى أَتَاهُ فَرفع عَلَيْهِ شَيْئا فِي يَده فَقَالَ أَبُو بكر أعوذ بِاللَّه من غضب الله وَغَضب رَسُوله فَنزلت ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر﴾ الْآيَة فَهَذَا مُنكر من القَوْل وَالْفِعْل وَقد أعاذ الله الصديقين من فعل الْخَنَا وأقوال أَهله وَإِن كَانَ قبل التَّحْرِيم فقد كَانَ أَبُو بكر بِمَكَّة مَعَ رَسُول الله ﷺ قبل أَن يُهَاجر وَقد وسم بالصديقية لِأَنَّهُ كَانَ هُوَ وَعُثْمَان مَعَ رَسُول الله ﷺ على حراء فَرَجَفَ بهم الْجَبَل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اسكن حراء فَإِنَّمَا عَلَيْك نَبِي وصديق وشهيد وَعَائِشَة ﵂ أعلم بأبيها من أبي القموص فَهِيَ تنكر هَذَا وَتكذب أَهله وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت مَا قَالَ أَبُو بكر وَلَا عُثْمَان بَيت شعر فِي جَاهِلِيَّة وَلَا فِي إِسْلَام وعنها أَيْضا أَنَّهَا كَانَت تَدْعُو على من يَقُول إِن أَبَا بكر قَالَ هَذِه القصيدة وأولها (تحيا بالسلامة أم بكر … وَهل لي بعد قومِي بِالسَّلَامِ)

стр. 191

إِلَخ ثمَّ قَالَت وَالله مَا قَالَ أَبُو بكر بَيت شعر فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا فِي الْإِسْلَام وَلَقَد ترك أَبُو بكر وَعُثْمَان شرب الْخمر فِي الْجَاهِلِيَّة وَمَا ارتاب أَبُو بكر فِي الله مُنْذُ أسلم وَلكنه كَانَ تزوج امْرَأَة من بني كنَانَة ثمَّ من بني عَوْف فَلَمَّا هَاجر أَبُو بكر طَلقهَا فَتزَوج بهَا ابْن عَمَّتهَا أَبُو بكر بن شعوب الْكِنَانِي الشَّاعِر فَقَالَ هَذِه القصيدة يرثي بهَا كفار قُرَيْش الَّذين قتلوا ببدر فحملها النَّاس أَبَا بكر من أجل امْرَأَته أم بكر الَّتِي طَلقهَا

стр. 192

- الأَصْل الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ - فِي النَّهْي عَن إِكْرَاه المرضى على الطَّعَام وَالشرَاب عَن عقبَة بن عَامر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تكْرهُوا مرضاكم على الطَّعَام فَإِن الله يُطعمهُمْ ويسقيهم إطْعَام الله وسقياه الْآدَمِيّ فِي دُنْيَاهُ هَذَا الَّذِي هيأه فِي أرضه وسمائه وَفِي الْآخِرَة مَا هيأه فِي جواره من جنانه ثمَّ فِيمَا بَين ذَلِك من الله تَعَالَى للعباد لطائف من خزائنه فِي أَحْوَالهم مثل مائدة عِيسَى ﵇ وَمثل مَا أُوتِيَ مَرْيَم حَيْثُ قيل ﴿وجد عِنْدهَا رزقا﴾ وسقياه مثل عَسْكَر رَسُول الله ﷺ حَيْثُ أَصَابَهُم الْعَطش

стр. 193

فانفجرت من أَصَابِع رَسُول الله ﷺ منابع المَاء حَتَّى ارتوى الْعَسْكَر وَأما معنى قَوْله ﷺ فَإِن الله يُطعمهُمْ ويسقيهم هُوَ أَنه يطهر قُلُوبهم من رين الذُّنُوب إِذا طهرهم من رين الذُّنُوب من عَلَيْهِم بِالْيَقِينِ فأشبعهم وأرواهم فَذَاك طَعَامه وسقياه لَهُم أَلا ترى أَنه يمْكث الْأَيَّام الْكَثِيرَة لَا يَذُوق شَيْئا وَمَعَهُ قوته وَلَو كَانَ ذَاك فِي أَيَّام الصِّحَّة لضعف عَن ذَلِك وَعجز عَن مقاساته وَأَقل النَّاس طَعَاما الْأَنْبِيَاء ثمَّ الْأَوْلِيَاء وَكلما كَانَ العَبْد أَكثر حظا من الْيَقِين كَانَ أقل طعما وتناولا رُوِيَ عَن عَامر بن عبد قيس أَنه داوم شهرا لَا يَأْكُل شَيْئا قَالَ الْأَعْمَش سَمِعت إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ ﵀ يَقُول لقد أَتَى عَليّ شهر وَمَا أكلت طَعَاما وَلَا شرابًا إِلَّا حَبَّة من عِنَب أكرهوني عَلَيْهَا وَمَا أَنا بصائم وَإِنِّي أَقْْضِي حوائجي وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ الْكَافِر يَأْكُل فِي سَبْعَة أمعاء وَالْمُؤمن يَأْكُل فِي معاء وَاحِد فقد فسرناه فِي بَابه

стр. 194

- الأَصْل السَّادِس وَالْأَرْبَعُونَ - فِي بَيَان أَنه مِمَّا يحصل عَذَاب الْقَبْر عَن مَيْمُونَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت يَا رَسُول الله من أَي شَيْء عَذَاب الْقَبْر أَفْتِنَا عَن عَذَاب الْقَبْر قَالَ من أثر الْبَوْل فَمن أصَاب مِنْهُ شَيْئا فليغسله بِمَاء فَإِن لم يصبهُ أَو يجده فليسمحه بِتُرَاب طيب جعل التَّيَمُّم حَالَة الشَّك والتخوف أَنه أصَاب جسده الْبَوْل دافعا لعذاب الْقَبْر كَمَا جعل غسله بِالْمَاءِ فِي الْحَالة الَّتِي يدْرِي أَنه أَصَابَهُ دافعا وباله فِي الْقَبْر

стр. 195

- الأَصْل السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ - فِي بَيَان أَن مُدَّة المحنة لم تقدر بِثَلَاثَة أَيَّام عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا صَبر أهل بَيت على جهد ثَلَاثَة إِلَّا آتَاهُم الله تَعَالَى برزق إِنَّمَا صَار مُدَّة المحنة ثَلَاثَة أَيَّام لِأَن العَبْد على أَجزَاء ثَلَاثَة جُزْء مِنْهُ للْإيمَان وجزء للروح وجزء للنَّفس فالطمأنينة للْإيمَان وَالطَّاعَة للروح والشهوة للنَّفس فَإِذا منع أول يَوْم فجاع وصبر فَذَاك صَبر الْإِيمَان لِأَنَّهُ أقوى الثَّلَاثَة وَإِذا منع الْيَوْم الثَّانِي فجاع وصبر فَذَاك صَبر الرّوح يُطِيع ربه وَلَا يتَنَاوَل مَا لايحل وَإِذا منع الْيَوْم الثَّالِث فجاع وصبر فَذَاك صَبر النَّفس وتمت المحنة لِأَن المحنة إِنَّمَا تقع على أهل التُّهْمَة وَالْإِيمَان عزيمتهم وَكَذَا الرّوح وَإِنَّمَا التُّهْمَة للنَّفس وَفِي الْيَوْم الأول لم يتَبَيَّن صبرها لِأَن الْإِيمَان وَالروح لَهَا معِين وَفِي الْيَوْم الثَّانِي الرّوح معِين لَهَا فَإِذا صبرت فِي الْيَوْم الثَّالِث برزت منقبتها وَإِنَّمَا وَقعت المحنة لشأن النُّفُوس الكاذبة وامتحن ايمانهم قَالَ الله تَعَالَى ﴿الم أَحسب النَّاس أَن يتْركُوا أَن يَقُولُوا آمنا وهم لَا يفتنون﴾

стр. 196

- الأَصْل الثَّامِن وَالْأَرْبَعُونَ - فِي أَن الْبركَة فِي بيع الْعقار منزوعة عَن سعيد بن حُرَيْث ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من بَاعَ دَارا أَو عقارا فَليعلم أَنه مَال قمن أَنه لَا يُبَارك لَهُ فِيهِ إِلَّا أَن يَجعله فِي مثله وَعَن عمرَان بن الْحصين الْخُزَاعِيّ البدري ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من بَاعَ عقدَة وَهُوَ يجد بدا من بيعهَا وكل بذلك المَال مَا يتلفه قيل إِنَّمَا نزعت الْبركَة مِنْهَا لِأَنَّهَا ثمن الدُّنْيَا المذمومة

стр. 197

قَالَ رَسُول الله ﷺ الدُّنْيَا ملعونة مَلْعُون مَا فِيهَا إِلَّا ذَاكر الله أَو معلما أَو متعلما عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ ملعونة الدُّنْيَا وملعون أَهلهَا إِلَّا ذكر الله تَعَالَى وَمَا آوى ذكر الله وكل شَيْء أُرِيد بِهِ وَجه الله تَعَالَى من الْأُمُور والأعمال فَهُوَ مُسْتَثْنى من اللَّعْنَة لِأَنَّهُ قد آوى ذكر الله تَعَالَى وَقيل إِنَّمَا نزعت الْبركَة عَن ثمن الْعقار لِأَنَّهُ مُخَالفَة لتدبير الله تَعَالَى لِأَن الله تَعَالَى خلق الأَرْض وَجعلهَا مهادا ومسكنا لَا ليتجر فِيهَا وَجعل الْجبَال أوتادا وَبَارك فِيهَا وَقدر فِيهَا أقواتها وَجعل أَثمَان الْأَشْيَاء فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة فَإِذا اتّجر فِيمَا خلق لَهُ بورك لَهُ فِيهِ وَإِذا اتّجر فِيمَا خلق مهادا وسكنا نزعت الْبركَة عَنهُ وَلِهَذَا سَمَّاهُ عقدَة لِأَنَّهُ مهاد لَك قد عقد مسكنا

стр. 198

- الأَصْل التَّاسِع وَالْأَرْبَعُونَ - فِي أَن النَّفَقَة فِي التُّرَاب وَالْبناء لَا أجر فِيهَا عَن خباب ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يُؤجر العَبْد فِي نَفَقَته كلهَا إِلَّا مَا كَانَ فِي التُّرَاب أَو قَالَ فِي الْبناء وَفِي رِوَايَة كل نَفَقَة ينفقها العَبْد يُؤجر فِيهَا إِلَّا مَا كَانَ من نَفَقَة فِي التُّرَاب هَذَا مَا عندنَا فِي الْبناء الَّذِي يَجعله مرفقا لنَفسِهِ وَأما الْمَسَاجِد الَّتِي هِيَ لله تَعَالَى فَلَا يملكهَا أحد فَهِيَ خَارِجَة من ذَلِك وَقد جَاءَت الْآثَار عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من بنى مَسْجِدا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة

стр. 199

فَإِنَّمَا صَار غير مأجور فِي النَّفَقَة فِي التُّرَاب لِأَنَّهُ ينْفق فِي دُنْيَاهُ وَقد أذن الله فِي خرابها وَهُوَ يزِيد فِي زينتها الَّتِي جعلت فتْنَة وبلوى للعباد وَتصير عَاقبَتهَا إِلَى مَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِنَّا لجاعلون مَا عَلَيْهَا صَعِيدا جرزا﴾ عَن رَاشد بن الْحَارِث أَو غَيره قَالَ بنى أَبُو الدَّرْدَاء كنيفا فِي منزله بحمص فَكتب إِلَيْهِ عمر ﵁ لقد كَانَ لَك يَا عُوَيْمِر فِيمَا بنت فَارس وَالروم كِفَايَة عَن تَزْيِين الدُّنْيَا وَقد أذن الله بخرابها فَإِذا أَتَاك كتابي هَذَا فارتحل من حمص إِلَى دمشق قَالَ يَعْنِي أَنه عاقبه بِمَا بنى فَإِن كَانَ الْبناء مِمَّا لَا يسْتَغْنى عَنهُ وَقد بنى محتسبا فَهُوَ خَارج عَن ذَلِك لِأَن الْحَاجة إِلَى الْمسكن كالحاجة إِلَى الْمطعم وَالْمشْرَب والملبس والمركب فَإِن كَانَ فِي نَفَقَته فِي هَذِه الْأَشْيَاء محتسبا فَهُوَ مأجور فَكَذَلِك الْمسكن وَإِنَّمَا تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث عندنَا إِذا بنى لنَفسِهِ بِنَاء مرفق لَا يحْتَسب بهَا وَجَاء عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ كل نَفَقَة ينفقها العَبْد على نَفسه فَهِيَ صدقه وَعَن الْمِقْدَام بن معدي كرب قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا أنفقت على نَفسك فَهُوَ صَدَقَة وَمَا أنفقت على زَوجك فَهُوَ صَدَقَة

стр. 200

- الأَصْل الْخَمْسُونَ - فِي الِاعْتِصَام بِالْكتاب والعترة وبيناها عَن جَابر بن عبد الله ﵁ قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فِي حجَّته يَوْم عَرَفَة وَهُوَ على نَاقَته الْقَصْوَاء يخْطب فَسَمعته يَقُول أَيهَا النَّاس قد تركت فِيكُم مَا إِن أَخَذْتُم بِهِ لم تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بَيْتِي وَعَن حُذَيْفَة بن أسيد الْغِفَارِيّ ﵁ قَالَ لما صدر رَسُول الله ﷺ من حجَّة الْوَدَاع خطب فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِنَّه قد نَبَّأَنِي اللَّطِيف الْخَبِير أَنه لن يعمر نَبِي إِلَّا مثل نصف عمره الَّذِي يَلِيهِ من قبل وَإِنِّي أَظن موشك أَن أدعى فَأُجِيب وَإِنِّي فَرَطكُمْ على الْحَوْض وَإِنِّي سَائِلكُمْ حِين تردون عَليّ عَن الثقلَيْن فانظروا كَيفَ تخلفونني فيهمَا الثّقل الْأَكْبَر كتاب الله تَعَالَى سَبَب طرفه بيد الله تَعَالَى وطرف بِأَيْدِيكُمْ فاستمسكوا فَلَا تضلوا وَلَا تبدلوا والثقل الْأَصْغَر

стр. 201

عِتْرَتِي أهل بَيْتِي فَإِنِّي قد نَبَّأَنِي اللَّطِيف الْخَبِير أَنَّهُمَا لن يَتَفَرَّقَا حَتَّى يردا على الْحَوْض رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه دعاهم ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا﴾ فذريتهم مِنْهُم فهم صفوة وَلَيْسوا بِأَهْل عصمَة إِنَّمَا الْعِصْمَة لِلنَّبِيِّينَ ﵈ والمحنة لمن دونهم وَإِنَّمَا يمْتَحن من كَانَت الْأُمُور محجوبة عَنهُ فَأَما من صَارَت الْأُمُور لَهُ مُعَاينَة ومشاهدة فقد ارْتَفع عَن المحنة وَقَوله ﷺ لن يَتَفَرَّقَا حَتَّى يردا على الْحَوْض وَقَوله ﷺ مَا إِن أَخَذْتُم بِهِ لن تضلوا وَاقع على الْأَئِمَّة مِنْهُم السَّادة لَا على غَيرهم وَلَيْسَ بالمسيء المخلط قدوة وكائن فيهم المخلطون والمسيئون لأَنهم لم يعروا من شهوات الْآدَمِيّين وَلَا عصموا عصمَة النَّبِيين وَكَذَلِكَ كتاب الله تَعَالَى من قبل مَا مِنْهُ نَاسخ ومنسوخ فَكَمَا ارْتَفع الحكم بالمنسوخ مِنْهُ كَذَلِك ارْتَفَعت الْقدْوَة بالمخذولين مِنْهُم وَإِنَّمَا يلْزمنَا الِاقْتِدَاء بالفقهاء الْعلمَاء مِنْهُم بالفقه وَالْعلم الَّذِي ضمن الله تَعَالَى بَين أحشائهم لَا بِالْأَصْلِ والعنصر فَإِذا كَانَ هَذَا الْعلم وَالْفِقْه مَوْجُودا فِي غير عنصرهم لزمنا الِاقْتِدَاء بهم كالاقتداء بهؤلاء وَقد قَالَ تَعَالَى فِي تَنْزِيله الْكَرِيم ﴿أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾

стр. 202

فَإِنَّمَا يَلِي الْأَمر منا من فهم عَن الله تَعَالَى وَعَن رَسُوله ﷺ مَا يهم الْحَاجة إِلَيْهِ من الْعلم فِي أَمر شَرِيعَته وَرُوِيَ عَن جَابر وَابْن عَبَّاس وعدة من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة ﴿أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ قَالَ هم الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء وَإِنَّمَا أَشَارَ رَسُول الله ﷺ فِيمَا نرى إِلَيْهِم لِأَن العنصر إِذا طَابَ كَانَ معينا لَهُم على فهم مَا يحْتَاج إِلَيْهِم وَطيب العنصر يُؤَدِّي إِلَى محَاسِن الْأَخْلَاق ومحاسن الْأَخْلَاق تُؤدِّي إِلَى صفاء الْقلب ونزاهته وَإِذا نزه الْقلب وَصفا كَانَ النُّور أعظم وأشرق الصَّدْر بنورة فَكَانَ ذَلِك عونا لَهُ على دَرك مَا بِهِ الْحَاجة إِلَيْهِ من شَرِيعَته

стр. 203

- الأَصْل الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ - فِي بَيَان عدد الأبدال وصفاتهم - عَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الأبدال ثَلَاثُونَ رجلا قُلُوبهم على قلب إِبْرَاهِيم ﵇ إِذا مَاتَ الرجل أبدل الله مَكَانَهُ آخر عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ البدلاء أَرْبَعُونَ رجلا اثْنَان وَعِشْرُونَ بِالشَّام وَثَمَانِية عشر بالعراق وَكلما مَاتَ وَاحِد بدل آخر فَإِذا كَانَ عِنْد الْقِيَامَة مَاتُوا كلهم

стр. 204

وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثين اخْتِلَاف وَإِنَّمَا هم أَرْبَعُونَ رجلا فثلاثون مِنْهُم قُلُوبهم على قلب إِبْرَاهِيم ﵇ دلّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ ان الْأَنْبِيَاء ﵈ كَانُوا أوتاد الأَرْض فَلَمَّا انْقَطَعت النُّبُوَّة أبدل الله تَعَالَى مكانهم قوما من أمة أَحْمد يُقَال لَهُم الآبدال لم يفضلوا النَّاس بِكَثْرَة صَوْم وَلَا صَلَاة وَلَا تَسْبِيح وَلَكِن بِحسن الْخلق وبصدق الْوَرع وَحسن النِّيَّة وسلامة قُلُوبهم لجَمِيع الْمُسلمين والنصيحة لله تَعَالَى ابْتِغَاء مرضاته بصبر وحلم ولب وتواضع فِي غير مذلة فهم خلفاء من الْأَنْبِيَاء قوم اصطفاهم الله تَعَالَى لنَفسِهِ واستخلصهم بِعِلْمِهِ لنَفسِهِ وهم أَرْبَعُونَ صديقا مِنْهُم ثَلَاثُونَ رجلا على مثل يَقِين إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن بهم تدفع المكاره عَن أهل الأَرْض والبلايا عَن النَّاس وبهم يمطرون وبهم يرْزقُونَ لَا يَمُوت الرجل مِنْهُم أبدا حَتَّى يكون الله تَعَالَى قد أنشأ من يخلفه وَلَا يعلنون شَيْئا وَلَا يُؤْذونَ من تَحْتهم وَلَا يتطاولون عَلَيْهِم وَلَا يحقرونهم وَلَا يحسدون من فَوْقهم وَلَا يحرصون على الدُّنْيَا لَيْسُوا بمتماوتين وَلَا متكبرين وَلَا متخشعين أطيب النَّاس خَبرا وأورعهم أنفسا طبيعتهم السخاء وصفتهم السَّلامَة من دَعْوَى النَّاس قبلهم لَا تتفرق صفتهمْ لَيْسُوا الْيَوْم فِي حَال خشيَة وَغدا فِي حَال غَفلَة وَلَكِن مداومين على حَالهم وهم فِيمَا بَينهم وَبَين رَبهم لَا تتدركهم الرّيح العاصف وَلَا الْخَيل المجراة قُلُوبهم تصعد فِي السَّمَاء ارتياحا إِلَى الله تَعَالَى واشتياقا إِلَيْهِ قدما فِي اشتياق الْخيرَات ﴿أُولَئِكَ حزب الله أَلا إِن حزب الله هم المفلحون﴾ قلت يَا أَبَا الدَّرْدَاء مَا شَيْء أثقل عَليّ من هَذِه الصّفة الَّتِي وصفتها فَكيف لي بِأَن أدْركهَا قَالَ لَيْسَ بَيْنك وَبَين أَن تكون فِي أَوسط ذَلِك إِلَّا أَن تبغض الدُّنْيَا فَإِذا أبغضت الدُّنْيَا أقبل عَلَيْك حب الْآخِرَة وبقدر مَا

стр. 205

تزهد فِي الدُّنْيَا تحب الْآخِرَة وبقدر مَا تحب الْآخِرَة تبصر مَا ينفعك وَمَا يَضرك فَإِذا علم الله صدق الطّلب من عَبده أفرع عَلَيْهِ السداد واكتنفه بعصمته وتصديق ذَلِك فِي كتاب الله الْعَزِيز ﴿إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون﴾ فَنَظَرْنَا فِي ذَلِك فَمَا تلذذ المتلذذون بِشَيْء أفضل من حب الله تَعَالَى وَطلب مرضاته عَن الْحسن ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن بدلاء امتي لَا يدْخلُونَ الْجنَّة بِكَثْرَة صَوْم وَلَا صَلَاة وَلَكِن دخلوها برحمة الله وسلامة الصُّدُور وسخاوة الْأَنْفس وَالرَّحْمَة وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان ﵁ قَالَ الأبدال بِالشَّام وهم ثَلَاثُونَ رجلا على منهاج إِبْرَاهِيم ﵇ كلما مَاتَ رجل أبدل الله مَكَانَهُ آخر فالعصب بالعراق أَرْبَعُونَ رجلا كلما مَاتَ رجل أبدل الله مَكَانَهُ آخر عشرُون مِنْهُم على اجْتِهَاد عِيسَى بن مَرْيَم ﵇ وَعِشْرُونَ مِنْهُم قد أُوتُوا مَزَامِير آل دَاوُد والعصب رجال تشبه الأبدال وَعَن وهب بن مُنَبّه فِي مَا يَجِيء فِي مُنَاجَاة مُوسَى ﵇ عَن الله تَعَالَى قَالَ هم أَرْبَعُونَ صديقا كلهم بِي ولي وإلي وَرُوِيَ فِي الْخَبَر أَن الأَرْض شكت إِلَى الله تَعَالَى ذهَاب الْأَنْبِيَاء ﵈ وَانْقِطَاع النُّبُوَّة فَقَالَ لَهَا سَوف أجعَل على ظهرك صديقين أَرْبَعِينَ فسكنت فالصديقون إِنَّمَا بانوا من الْخلق بِصدق الْقُلُوب مَعَ الله تَعَالَى لَا

стр. 206

بِصدق الْأَعْمَال مَعَ الْمَلَائِكَة والعمال لَيْسَ لقُلُوبِهِمْ طَرِيق إِلَى الله تَعَالَى إِنَّمَا طَرِيق قُلُوبهم إِلَى الثَّوَاب والأنبياء وَالصِّدِّيقُونَ قد انْكَشَفَ الغطاء عَنْهُم وَصَارَ لَهُم الى الله طَرِيق ليعبده كَأَنَّهُمْ يرونه كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ اعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ وَهُوَ مَا وعد الله تَعَالَى من هِدَايَة السَّبِيل للَّذين جاهدوا فِيهِ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا﴾ ويعقبه التَّوَكُّل قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا لنا أَلا نتوكل على الله وَقد هدَانَا سبلنا ولنصبرن على مَا آذيتمونا﴾ وَإِنَّمَا سموا أبدالا لوَجْهَيْنِ وَجه أَنه كلما مَاتَ رجل بدل مَكَانَهُ آخر لتَمام الْأَرْبَعين وَوجه آخر أَنهم بدلُوا أَخْلَاقهم السَّيئَة وراضوا أنفسهم حَتَّى صَارَت محَاسِن أَخْلَاقهم حلية أَعْمَالهم وَأما قَوْله تَعَالَى فِي مُنَاجَاة مُوسَى ﵇ كلهم بِي أَي بِي يقومُونَ ويقعدون وَبِي ينطقون وَبِي يَأْخُذُونَ ويعطون وَهُوَ قَوْله ﵇ فِيمَا يحْكى عَن الله فَإِذا

стр. 207

أَحْبَبْت عَبدِي كنت سَمعه وبصره وَلسَانه وَيَده وَرجله وفؤاده فَبِي يسمع وَبِي يبصر وَبِي ينْطق وَبِي يَأْخُذ وَبِي يبطش وَبِي يعقل وَقَوله ولي أَي هم صفوتي قد بذلوا لي قُلُوبهم ونفوسهم فهم لي لَا يشركني فيهم نُفُوسهم وَقَوله إِلَيّ أَي تأوي قُلُوبهم إِلَيّ فِي كل أَمر وسعي وَحَال أما الَّذين قُلُوبهم على قلب إِبْرَاهِيم ﵇ فهم الَّذين لَا تسكن قُلُوبهم الى من دون الله تَعَالَى فِي شَيْء من أَمر الدّين وَالدُّنْيَا وَأما العصب فهم المحقون فَمنهمْ مستعملون على طَرِيق الْجهد وَمِنْهُم روحانيون قد أُوتُوا مَزَامِير آل دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام

стр. 208

- الأَصْل الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ - فِي أَنه يقبض العَبْد حَيْثُ اثره عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِذا كَانَ أجل العَبْد بِأَرْض أتيت لَهُ الْحَاجة إِلَيْهَا حَتَّى إِذا بلغ أقْصَى أَثَره قَبضه الله سُبْحَانَهُ فَتَقول الأَرْض يَوْم الْقِيَامَة رب هَذَا عَبدك مَا استودعتني قَالَ أَبُو عبد الله إِنَّمَا صَار أَجله هُنَاكَ لِأَنَّهُ خلق من تِلْكَ الْبقْعَة وَقد قَالَ فِي تَنْزِيله الْكَرِيم ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وفيهَا نعيدكم﴾ وَإِنَّمَا يُعَاد الْمَرْء من حَيْثُ بَدَأَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ خرج رَسُول الله ﷺ يطوف بِبَعْض نواحي الْمَدِينَة فَإِذا بِقَبْر يحْفر فَأقبل حَتَّى وقف عَلَيْهِ

стр. 209

فَقَالَ لمن هَذَا قيل لرجل من الْحَبَشَة فَقَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله سيق من أرضه وسمائه حَتَّى دفن فِي التربة الَّتِي مِنْهَا خلق وَرُوِيَ أَن الأَرْض عجت إِلَى رَبهَا تَعَالَى لما أخذت تربة آدم ﵇ مِنْهَا فَقَالَ لَهَا إِنِّي سأرده إِلَيْك فَإِذا مَاتَ دفن فِي الْبقْعَة الَّتِي مِنْهَا تربته وَإِنَّمَا صَارَت وَدِيعَة عِنْدهَا حَتَّى تَقول يَوْمئِذٍ رب هَذَا عَبدك مَا استدعتني لإنها عبدت رَبهَا فالعبودة وَدِيعَة فِي الأَرْض حَتَّى يبْعَث للثَّواب فَيكون الْحق أَحَق بِهِ من الأَرْض لِأَنَّهُ كَانَ وَالِي الْحق وَنَصره فَصَارَ الْحق أملك بِهِ فَأَعَادَهُ سويا وَسلمهُ إِلَى الْحق ليعيده إِلَى دَار السَّلَام أَو عبد جحد العبودة فَهُوَ مسجون فِي بطن الأَرْض للحق عِنْده تبعة وطلبة حَتَّى يبْعَث للعقاب فَيكون الْحق أَحَق بِهِ من الأَرْض وَهُوَ خَصمه وَله فِيمَا لَدَيْهِ طلبة وتبعة فَإِن الله تَعَالَى لم يخلق جسده لعبا إِنَّمَا خلقه للحق وبالحق وَفِي الحَدِيث أَن الْملك الْمُوكل بالأرحام يَأْخُذ النُّطْفَة من الرَّحِم فَيَضَعهَا على كَفه ثمَّ يَقُول يَا رب مخلقة أَو غير مخلقة فَإِن قَالَ مخلقة قَالَ يَا رب مَا الرزق مَا الْأَثر مَا الْأَجَل فَيُقَال أنظر فِي أم الْكتاب فَينْظر فِي اللَّوْح فيجد فِيهِ رزقه وأثره وأجله وَعَمله ثمَّ يَأْخُذ التُّرَاب الَّذِي يدْفن فِي بقعته فيعجن بِهِ نطفته فَذَلِك قَوْله الْكَرِيم ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وفيهَا نعيدكم﴾ عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله ﵁ قَالَ إِن النُّطْفَة إِذا اسْتَقَرَّتْ من الرَّحِم أَخذهَا الْملك بكفيه فَقَالَ أَي رب أمخلقة أم غير مخلقة فَإِن قَالَ غير مخلقة لم تكن نسمَة وقذفتها الْأَرْحَام دَمًا وَإِن قَالَ

стр. 210

مخلقة قَالَ أَي رب أذكر أم انثى أشقي أم سعيد مَا الْأَجَل وَمَا الْأَثر وَمَا الرزق بِأَيّ أَرض تَمُوت فَيُقَال لَهُ إذهب إِلَى أم الْكتاب فَإنَّك ستجد هَذِه النُّطْفَة فَيُقَال للنطفة من رَبك فَتَقول الله تَعَالَى فَيُقَال من رازقك فَتَقول الله فتخلق فتعيش فِي أجلهَا وتأكل رزقها وَتَطَأ أَثَرهَا فَإِذا جَاءَ أجلهَا مَاتَت فدفنت فِي ذَلِك الْمَكَان فالأثر هُوَ التُّرَاب الَّذِي يُؤْخَذ فيعجن بِهِ مَاؤُهُ وَذكر الزبير بن بكار الزبيرِي الْمدنِي ﵁ كتابا صنفه بعض أهل الْمَدِينَة فِي فضل الْمَدِينَة وكتابا صنفه بعض أهل مَكَّة فِي فضل مَكَّة فَلم يزل كل وَاحِد مِنْهُمَا يذكر بقعته بفضيلة يُرِيد كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن يبرز على صَاحبه بفضيلة بقعته حَتَّى برز الْمدنِي على الْمَكِّيّ فِي خلة وَاحِدَة عجز عَنْهَا الْمَكِّيّ فَقَالَ إِن كل نفس إِنَّمَا خلقت من تربَتهَا الَّتِي دفنت فِيهَا بعد الْمَوْت فَكَأَن نفس الرَّسُول ﷺ إِنَّمَا خلقت من تربة مدفنه فَبَان أَن تِلْكَ التربة لَهَا فَضِيلَة بارزة على سَائِر الْأَرْضين عَن ابْن سِيرِين ﵁ يَقُول ﵀ لَو حَلَفت حَلَفت صَادِقا بارا غير شَاك وَلَا مستثن أَن الله مَا خلق نبيه ﷺ وَلَا أَبَا بكر وَلَا عمر ﵄ إِلَّا من طِينَة وَاحِدَة ثمَّ ردهم إِلَى تِلْكَ الطينة

стр. 211

- الأَصْل الثَّالِث وَالْخَمْسُونَ - فِي أَن الْكَبَائِر لَا تجامع طمأنينة الْقلب بِاللَّه تَعَالَى عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يشرب الْخمر حِين يشرب وَهُوَ مُؤمن وَعَن عبد الله بن الزبير عَن أَبِيه عَن عَائِشَة ﵃ مثله وَعَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ مثله وَعَن مدرك بن عمَارَة عَن ابْن أبي أوفى مثله قَالَ أَبُو عبد الله الْإِيمَان هُوَ الطُّمَأْنِينَة واستقرار الْقلب وَإِنَّمَا هما اثْنَتَانِ الأول طمأنينة التَّوْحِيد وَهُوَ أَن يوحد الله تَعَالَى فَلَا يلْتَفت إِلَى شَيْء سواهُ فيتخذه رَبًّا

стр. 212

وَالْآخر طمأنينة الإقبال وَهِي أَن يكون مُقبلا عَلَيْهِ بِجَمِيعِ قلبه فَلَا يلْتَفت إِلَى شَيْء من شهوات نَفسه وَلَا إِلَى أحوالها فَالَّذِي يسرق ويزني هُوَ فِي حَالَته تِلْكَ غير مطمئن إِلَى ربه طمأنينة الإقبال وَلَو كَانَ كَذَلِك لم يزن وَلم يسرق بل هُوَ مقبل على شهوات نَفسه وَهُوَ فِي طمأنينة التَّوْحِيد وَالْإِيمَان اسْم يلْزم العَبْد بِفِعْلِهِ وبدؤه من النُّور الَّذِي جعل الله فِي قلبه فأحياه بِهِ وَشرح صَدره ونطق بتوحيده لِسَانه وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور وكل شَيْء لَهُ مُبْتَدأ وَنِهَايَة فأوله لَازم ذَلِك الِاسْم لَهُ ومنتهاه هُوَ الْبَالِغ فَالَّذِي وحد ربه بِقَلْبِه وَلسَانه وَقبل الشَّرِيعَة هُوَ مُؤمن قد حرم مَاله وَدَمه وَعرضه ثمَّ هُوَ أَسِير نَفسه وَالْمُؤمن الْبَالِغ الَّذِي مَاتَت شَهْوَة نَفسه وَقطع قبله عَن كل شَيْء سواهُ وَهَذِه قُلُوب الْأَنْبِيَاء والأولياء ﵈ وَلِلْمُؤْمنِينَ بَين هذَيْن الحدين دَرَجَات كل يعْمل على دَرَجَته فكلهم عبيد قد أقرُّوا لَهُ بالعبودة الْكَامِلَة وَلَا يقر لَهُ بالعبودة الْكَامِلَة إِلَّا الْأَنْبِيَاء والأولياء وَذَلِكَ أَنهم تركُوا مشيئتهم فِي جَمِيع أُمُورهم لمشيئته وَهَكَذَا صفة العبيد رفض الْمَشِيئَة فِي جَمِيع الْأَشْيَاء وَترك الِاخْتِيَار للأحوال وَلَا يقدر على هَذَا إِلَّا من نور الله الْإِيمَان فِي قلبه كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ فِي صفة حَارِثَة ﵁ حَيْثُ قَالَ لَهُ كَيفَ أَصبَحت قَالَ أَصبَحت مُؤمنا حَقًا قَالَ وَمَا حَقِيقَة إيمانك قَالَ كَأَنِّي أنظر إِلَى عرش رَبِّي بارزا وَإِلَى أهل الْجنَّة كَيفَ يتزاورون وَإِلَى أهل النَّار كَيفَ يتعاوون قَالَ عرفت فَالْزَمْ ثمَّ قَالَ من سره أَن ينظر إِلَى عبد نور الله الْإِيمَان فِي قلبه فَلْينْظر إِلَى هَذَا فَإِذا إمتلأ الصَّدْر وَالْقلب من

стр. 213

النُّور كَانَ كَمَا وَصفه الله تَعَالَى ﴿أَفَمَن شرح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ على نور من ربه﴾ وَكَانَ الْمُؤمن عِنْدهم فِي زمن رَسُول الله ﷺ من كَانَ بِهَذِهِ الصّفة وَلذَلِك قَالَ أَبُو بكر ﵁ وددت أَنِّي شَعْرَة فِي صدر مُؤمن لما عرفُوا غور هَذِه الْكَلِمَة وَأثْنى الله تَعَالَى على إِبْرَاهِيم خَلِيله ﵇ بَعْدَمَا شهد لَهُ بِالتَّسْلِيمِ حِين أَرَادَ ذبح ابْنه وَهُوَ الْإِسْلَام وَشهد لَهُ بِالْإِحْسَانِ فَأثْنى عَلَيْهِ فَقَالَ ﴿إِنَّه من عبادنَا الْمُؤمنِينَ﴾ وَقيل ان الله تَعَالَى إِذا أثنى على عبد فأبلغ فِي الثَّنَاء قَالَ ﴿إِنَّه من عبادنَا الْمُؤمنِينَ﴾ وَالله تَعَالَى وصف الْمُؤمنِينَ فِي تَنْزِيله الْكَرِيم فَقَالَ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم وَإِذا تليت عَلَيْهِم آيَاته زادتهم إِيمَانًا﴾ إِلَى قَوْله ﴿أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا﴾ فَمن هَهُنَا استجاز من قَالَ الْإِيمَان يزِيد وكما يزِيد فَإِنَّهُ ينقص سمي الزَّائِد من النُّور فِي صَدره إِيمَانًا وَمَا نقص فَمِنْهُ ينقص وَالْأَصْل الَّذِي مِنْهُ بَدَأَ التَّوْحِيد قَائِم فبأقل النُّور يصير موحدا فاطمأن بِهِ وَعَبده رَبًّا وَهُوَ إيمَانه حَتَّى إِذا نما النُّور وامتلأ الْقلب وأشرق الصَّدْر مِنْهُ اطْمَأَن الى جَمِيع مشيئآته وَأَحْكَامه وأموره كَمَا اطْمَأَن بِهِ وَمن قبل هَذَا لم يقدر أَن يطمئن إِلَى مشيئآته وَأَحْكَامه للشهوات المستولية على قلبه فَلَمَّا امْتَلَأَ الْقلب من نوره خشيَة ومهابة وَدخلت عَظمته فِي قلبه مَاتَت شهواته

стр. 214

وَسكن قلبه الى تَدْبيره وَأَحْكَامه وأقضيته كَمَا سكن على توحيده فِي بَدْء الْأَمر وَكَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ بِهَذِهِ الصّفة وَكَانُوا إِذا قَالُوا مُؤمن إِنَّمَا يسمون مَا يعْرفُونَ من أنفسهم وَكَانَ بَعضهم فِي تَخْلِيط من هَذَا أَلا ترى أَنه لما هَاجَتْ الْفِتَن وَقع التَّخْلِيط قَالَ حُذَيْفَة ﵁ لَو رميت صَخْرَة من أَعلَى مَسْجِد مَا أَصَابَت مُؤمنا وَلم يَكُونُوا عِنْدهم كفَّارًا بِمَا أَحْدَثُوا وَلَكِن زلوا عَن تِلْكَ الدرجَة الَّتِي كَانُوا يسمون أَهلهَا بذلك الِاسْم وَمِمَّا يُحَقّق ذَلِك مَا رُوِيَ عَن كَعْب بن مَالك ﵁ كَانَ يحدث عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِنَّمَا نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة حَتَّى يرجعه الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة إِلَى جسده ثمَّ يَبْعَثهُ قَالَ أَبُو عبد الله فَلَيْسَ هَذَا لأهل التَّخْلِيط فِيمَا نعلمهُ إِنَّمَا هُوَ للصديقين وَكَانَ إسم الْمُؤمن عِنْدهم هَكَذَا فَقَوْل رَسُول الله ﷺ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن إِنَّمَا يَعْنِي بذلك الْإِيمَان الْبَالِغ لَا انه يذهب توحيده وَيكفر وَإِنَّمَا يتَأَوَّل مثل هَذَا جهال النَّاس وحمقاهم وَلَو كفرُوا بذلك وَزَالَ عَنْهُم الْإِيمَان لَكَانَ حَدهمْ الْقَتْل وحدودهم قَائِمَة جلد مَائه فِي الزِّنَى وَقطع الْيَد فِي السّرقَة وَلَكِن تَأْوِيل ذَلِك أَنه إِذا زنى الْمُؤمن فَهُوَ فِي ذَلِك فقد

стр. 215

نور إيمَانه وحجبته شَهْوَته الَّتِي حلت بِهِ عَن ذَلِك النُّور فسلب ذَلِك النُّور وَصَارَ محجوبا عَن الله تَعَالَى فَلَمَّا تَابَ رَاجعه النُّور وَذَلِكَ النُّور يُسمى إِيمَانًا لِأَنَّهُ اطْمَأَن بذلك إِلَى ربه عز اسْمه فَذَهَبت طمأنينته فِي وَقت اسْتِعْمَال الشَّهْوَة فاطمأن الى شَهْوَته وَالْعَبْد عِنْدَمَا أَدْرَكته الْهِدَايَة من ربه قد كَانَ من قبل ذَلِك قلبه فِي تردد وجولان طَالبا لمن يَتَّخِذهُ رَبًّا ويعبده فَلَمَّا جَاءَتْهُ الْهِدَايَة واستنار الْقلب سكن الْقلب واطمأنت النَّفس عَن الجولان والتردد فِي طلب المعبود فَقيل آمن يُؤمن إِيمَانًا وَهُوَ فِي قالب افْعَل وَمن الْخَوْف قيل أَمن لِأَنَّهُ كَانَ يضطرب فَلَمَّا ذهب الْخَوْف سكن فَقيل أَمن على قالب فعل فَكلما إزداد العَبْد نورا إزداد سكونا وطمأنينة عِنْد أُمُوره وَأَحْكَامه وَمن قبل ذَلِك كَانَ الْغَالِب على نَفسه شهوات نَفسه فَكَانَ الْقَوْم إِذا ذكرُوا الْمُؤمن يعلمُونَ أَنه ذَلِك الْمُؤمن الَّذِي قد اطْمَأَن قلبه عِنْد أُمُوره وَأَحْكَامه إِلَيْهِ وَمن هَهُنَا قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ مثل الْإِيمَان مثل قَمِيصك بَينا أَنْت لبسته إِذْ أَنْت نَزَعته وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ أَنه قَالَ كَانَ عبد الله بن رَوَاحَة إِذا لَقِيَنِي قَالَ اجْلِسْ يَا عُوَيْمِر فلنؤمن سَاعَة فنجلس فَنَذْكُر الله تَعَالَى بِمَا شَاءَ ثمَّ قَالَ يَا عُوَيْمِر هَذَا مجْلِس الْإِيمَان إِن مثل الْإِيمَان وَمثلك مثل قَمِيصك بَينا أَنْت نَزَعته إِذْ لبسته وَبينا أَنْت لبسته إِذْ نَزَعته يَا عُوَيْمِر الْقلب أسْرع تقلبا من الْقدر إِذْ استجمعت غلبا وَعَن عتبَة بن عبد الله بن خَالِد بن معدان عَن أَبِيه عَن جده رضوَان الله عَلَيْهِم قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا الْإِيمَان بِمَنْزِلَة الْقَمِيص مرّة تقمصه وَمرَّة تنزعه
следующие страницы →