← Книги сунны

Книги сунны · id 720

نوادر الأصول في أحاديث الرسول

الحكيم الترمذي

Полный текст (1 237 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

- الأَصْل الثَّالِث وَالْخَمْسُونَ - فِي أَن الْكَبَائِر لَا تجامع طمأنينة الْقلب بِاللَّه تَعَالَى عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يشرب الْخمر حِين يشرب وَهُوَ مُؤمن وَعَن عبد الله بن الزبير عَن أَبِيه عَن عَائِشَة ﵃ مثله وَعَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ مثله وَعَن مدرك بن عمَارَة عَن ابْن أبي أوفى مثله قَالَ أَبُو عبد الله الْإِيمَان هُوَ الطُّمَأْنِينَة واستقرار الْقلب وَإِنَّمَا هما اثْنَتَانِ الأول طمأنينة التَّوْحِيد وَهُوَ أَن يوحد الله تَعَالَى فَلَا يلْتَفت إِلَى شَيْء سواهُ فيتخذه رَبًّا

стр. 212

وَالْآخر طمأنينة الإقبال وَهِي أَن يكون مُقبلا عَلَيْهِ بِجَمِيعِ قلبه فَلَا يلْتَفت إِلَى شَيْء من شهوات نَفسه وَلَا إِلَى أحوالها فَالَّذِي يسرق ويزني هُوَ فِي حَالَته تِلْكَ غير مطمئن إِلَى ربه طمأنينة الإقبال وَلَو كَانَ كَذَلِك لم يزن وَلم يسرق بل هُوَ مقبل على شهوات نَفسه وَهُوَ فِي طمأنينة التَّوْحِيد وَالْإِيمَان اسْم يلْزم العَبْد بِفِعْلِهِ وبدؤه من النُّور الَّذِي جعل الله فِي قلبه فأحياه بِهِ وَشرح صَدره ونطق بتوحيده لِسَانه وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور وكل شَيْء لَهُ مُبْتَدأ وَنِهَايَة فأوله لَازم ذَلِك الِاسْم لَهُ ومنتهاه هُوَ الْبَالِغ فَالَّذِي وحد ربه بِقَلْبِه وَلسَانه وَقبل الشَّرِيعَة هُوَ مُؤمن قد حرم مَاله وَدَمه وَعرضه ثمَّ هُوَ أَسِير نَفسه وَالْمُؤمن الْبَالِغ الَّذِي مَاتَت شَهْوَة نَفسه وَقطع قبله عَن كل شَيْء سواهُ وَهَذِه قُلُوب الْأَنْبِيَاء والأولياء ﵈ وَلِلْمُؤْمنِينَ بَين هذَيْن الحدين دَرَجَات كل يعْمل على دَرَجَته فكلهم عبيد قد أقرُّوا لَهُ بالعبودة الْكَامِلَة وَلَا يقر لَهُ بالعبودة الْكَامِلَة إِلَّا الْأَنْبِيَاء والأولياء وَذَلِكَ أَنهم تركُوا مشيئتهم فِي جَمِيع أُمُورهم لمشيئته وَهَكَذَا صفة العبيد رفض الْمَشِيئَة فِي جَمِيع الْأَشْيَاء وَترك الِاخْتِيَار للأحوال وَلَا يقدر على هَذَا إِلَّا من نور الله الْإِيمَان فِي قلبه كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ فِي صفة حَارِثَة ﵁ حَيْثُ قَالَ لَهُ كَيفَ أَصبَحت قَالَ أَصبَحت مُؤمنا حَقًا قَالَ وَمَا حَقِيقَة إيمانك قَالَ كَأَنِّي أنظر إِلَى عرش رَبِّي بارزا وَإِلَى أهل الْجنَّة كَيفَ يتزاورون وَإِلَى أهل النَّار كَيفَ يتعاوون قَالَ عرفت فَالْزَمْ ثمَّ قَالَ من سره أَن ينظر إِلَى عبد نور الله الْإِيمَان فِي قلبه فَلْينْظر إِلَى هَذَا فَإِذا إمتلأ الصَّدْر وَالْقلب من

стр. 213

النُّور كَانَ كَمَا وَصفه الله تَعَالَى ﴿أَفَمَن شرح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ على نور من ربه﴾ وَكَانَ الْمُؤمن عِنْدهم فِي زمن رَسُول الله ﷺ من كَانَ بِهَذِهِ الصّفة وَلذَلِك قَالَ أَبُو بكر ﵁ وددت أَنِّي شَعْرَة فِي صدر مُؤمن لما عرفُوا غور هَذِه الْكَلِمَة وَأثْنى الله تَعَالَى على إِبْرَاهِيم خَلِيله ﵇ بَعْدَمَا شهد لَهُ بِالتَّسْلِيمِ حِين أَرَادَ ذبح ابْنه وَهُوَ الْإِسْلَام وَشهد لَهُ بِالْإِحْسَانِ فَأثْنى عَلَيْهِ فَقَالَ ﴿إِنَّه من عبادنَا الْمُؤمنِينَ﴾ وَقيل ان الله تَعَالَى إِذا أثنى على عبد فأبلغ فِي الثَّنَاء قَالَ ﴿إِنَّه من عبادنَا الْمُؤمنِينَ﴾ وَالله تَعَالَى وصف الْمُؤمنِينَ فِي تَنْزِيله الْكَرِيم فَقَالَ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم وَإِذا تليت عَلَيْهِم آيَاته زادتهم إِيمَانًا﴾ إِلَى قَوْله ﴿أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا﴾ فَمن هَهُنَا استجاز من قَالَ الْإِيمَان يزِيد وكما يزِيد فَإِنَّهُ ينقص سمي الزَّائِد من النُّور فِي صَدره إِيمَانًا وَمَا نقص فَمِنْهُ ينقص وَالْأَصْل الَّذِي مِنْهُ بَدَأَ التَّوْحِيد قَائِم فبأقل النُّور يصير موحدا فاطمأن بِهِ وَعَبده رَبًّا وَهُوَ إيمَانه حَتَّى إِذا نما النُّور وامتلأ الْقلب وأشرق الصَّدْر مِنْهُ اطْمَأَن الى جَمِيع مشيئآته وَأَحْكَامه وأموره كَمَا اطْمَأَن بِهِ وَمن قبل هَذَا لم يقدر أَن يطمئن إِلَى مشيئآته وَأَحْكَامه للشهوات المستولية على قلبه فَلَمَّا امْتَلَأَ الْقلب من نوره خشيَة ومهابة وَدخلت عَظمته فِي قلبه مَاتَت شهواته

стр. 214

وَسكن قلبه الى تَدْبيره وَأَحْكَامه وأقضيته كَمَا سكن على توحيده فِي بَدْء الْأَمر وَكَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ بِهَذِهِ الصّفة وَكَانُوا إِذا قَالُوا مُؤمن إِنَّمَا يسمون مَا يعْرفُونَ من أنفسهم وَكَانَ بَعضهم فِي تَخْلِيط من هَذَا أَلا ترى أَنه لما هَاجَتْ الْفِتَن وَقع التَّخْلِيط قَالَ حُذَيْفَة ﵁ لَو رميت صَخْرَة من أَعلَى مَسْجِد مَا أَصَابَت مُؤمنا وَلم يَكُونُوا عِنْدهم كفَّارًا بِمَا أَحْدَثُوا وَلَكِن زلوا عَن تِلْكَ الدرجَة الَّتِي كَانُوا يسمون أَهلهَا بذلك الِاسْم وَمِمَّا يُحَقّق ذَلِك مَا رُوِيَ عَن كَعْب بن مَالك ﵁ كَانَ يحدث عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِنَّمَا نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة حَتَّى يرجعه الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة إِلَى جسده ثمَّ يَبْعَثهُ قَالَ أَبُو عبد الله فَلَيْسَ هَذَا لأهل التَّخْلِيط فِيمَا نعلمهُ إِنَّمَا هُوَ للصديقين وَكَانَ إسم الْمُؤمن عِنْدهم هَكَذَا فَقَوْل رَسُول الله ﷺ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن إِنَّمَا يَعْنِي بذلك الْإِيمَان الْبَالِغ لَا انه يذهب توحيده وَيكفر وَإِنَّمَا يتَأَوَّل مثل هَذَا جهال النَّاس وحمقاهم وَلَو كفرُوا بذلك وَزَالَ عَنْهُم الْإِيمَان لَكَانَ حَدهمْ الْقَتْل وحدودهم قَائِمَة جلد مَائه فِي الزِّنَى وَقطع الْيَد فِي السّرقَة وَلَكِن تَأْوِيل ذَلِك أَنه إِذا زنى الْمُؤمن فَهُوَ فِي ذَلِك فقد

стр. 215

نور إيمَانه وحجبته شَهْوَته الَّتِي حلت بِهِ عَن ذَلِك النُّور فسلب ذَلِك النُّور وَصَارَ محجوبا عَن الله تَعَالَى فَلَمَّا تَابَ رَاجعه النُّور وَذَلِكَ النُّور يُسمى إِيمَانًا لِأَنَّهُ اطْمَأَن بذلك إِلَى ربه عز اسْمه فَذَهَبت طمأنينته فِي وَقت اسْتِعْمَال الشَّهْوَة فاطمأن الى شَهْوَته وَالْعَبْد عِنْدَمَا أَدْرَكته الْهِدَايَة من ربه قد كَانَ من قبل ذَلِك قلبه فِي تردد وجولان طَالبا لمن يَتَّخِذهُ رَبًّا ويعبده فَلَمَّا جَاءَتْهُ الْهِدَايَة واستنار الْقلب سكن الْقلب واطمأنت النَّفس عَن الجولان والتردد فِي طلب المعبود فَقيل آمن يُؤمن إِيمَانًا وَهُوَ فِي قالب افْعَل وَمن الْخَوْف قيل أَمن لِأَنَّهُ كَانَ يضطرب فَلَمَّا ذهب الْخَوْف سكن فَقيل أَمن على قالب فعل فَكلما إزداد العَبْد نورا إزداد سكونا وطمأنينة عِنْد أُمُوره وَأَحْكَامه وَمن قبل ذَلِك كَانَ الْغَالِب على نَفسه شهوات نَفسه فَكَانَ الْقَوْم إِذا ذكرُوا الْمُؤمن يعلمُونَ أَنه ذَلِك الْمُؤمن الَّذِي قد اطْمَأَن قلبه عِنْد أُمُوره وَأَحْكَامه إِلَيْهِ وَمن هَهُنَا قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ مثل الْإِيمَان مثل قَمِيصك بَينا أَنْت لبسته إِذْ أَنْت نَزَعته وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ أَنه قَالَ كَانَ عبد الله بن رَوَاحَة إِذا لَقِيَنِي قَالَ اجْلِسْ يَا عُوَيْمِر فلنؤمن سَاعَة فنجلس فَنَذْكُر الله تَعَالَى بِمَا شَاءَ ثمَّ قَالَ يَا عُوَيْمِر هَذَا مجْلِس الْإِيمَان إِن مثل الْإِيمَان وَمثلك مثل قَمِيصك بَينا أَنْت نَزَعته إِذْ لبسته وَبينا أَنْت لبسته إِذْ نَزَعته يَا عُوَيْمِر الْقلب أسْرع تقلبا من الْقدر إِذْ استجمعت غلبا وَعَن عتبَة بن عبد الله بن خَالِد بن معدان عَن أَبِيه عَن جده رضوَان الله عَلَيْهِم قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا الْإِيمَان بِمَنْزِلَة الْقَمِيص مرّة تقمصه وَمرَّة تنزعه

стр. 216

وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ لم يزن عبد قطّ إِلَّا نزع نور الْإِيمَان مِنْهُ ثمَّ إِن شَاءَ رده وَإِن شَاءَ مَنعه وَعَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ ﵁ قَالَ ليَأْتِيَن على الرجل أحايين وَمَا فِي جلده مَوضِع إبرة من النِّفَاق وليأتين عَلَيْهِ أحايين وَمَا فِي قلبه مَوضِع إبرة من الْإِيمَان قَالَ فَإِنَّمَا يَخْلُو مِنْهُ ذَلِك النُّور الْمشرق فِي صَدره وَأما الْإِيمَان إِيمَان التَّوْحِيد فَهُوَ بمكانه وَقَول ابْن عَبَّاس ﵄ حَيْثُ قَالَ لم يزن عبد قطّ إِلَّا نزع مِنْهُ نور الْإِيمَان يدل على تَفْسِير حَدِيثه الَّذِي رَوَاهُ لَا يَزْنِي العَبْد حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَفِي قَوْله حِين يَزْنِي وَهُوَ وَقت الْفِعْل دَلِيل على أَنه فِي ذَلِك الْوَقْت صَار محجوبا عَن النُّور وزائله عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يشرب الْخمر حِين يشْربهَا وَهُوَ مُؤمن قيل يَا رَسُول الله فَكيف يصنع إِذا وَقع شَيْء من ذَلِك قَالَ إِن رَاجع رَاجعه الْإِيمَان وَإِن ثَبت لم يكن مُؤمنا وَعَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يشرب الْخمر حِين يشرب وَهُوَ مُؤمن وَلَا يقتل وَهُوَ مُؤمن فاذا فعل نزع مِنْهُ نور الْإِيمَان كَمَا ينْزع مِنْهُ قَمِيصه فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ

стр. 217

قَالَ أَبُو عبد الله وَإِنَّمَا خَفِي شَأْن هَذَا وَذَهَاب هَذَا النُّور من الْقُلُوب ورده عَلَيْهِ لِأَن فتن الْقُلُوب قد عَمت والصدور قد شحنت بظلمة الْإِصْرَار على الذُّنُوب من المآكل الرَّديئَة والمكاسب الدنسة والأخلاق البذلة الْفَاسِدَة وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الْمُؤمن فِي الدُّنْيَا على ثَلَاثَة أَجزَاء الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ثمَّ لم يرتابوا وَالَّذِي يأمنه النَّاس على أنفسهم وَأَمْوَالهمْ وَالَّذِي إِذا أشرف على طمع تَركه لله تَعَالَى قَالَ فالجزء الأول هم الظَّالِمُونَ لأَنْفُسِهِمْ آمنُوا ثمَّ لم يرتابوا فِي إِيمَانهم وَلَكنهُمْ ضيعوا العبودة واستوفوا الرزق واكتالوا النعم بِالْكَيْلِ الأوفى وكالوا الطَّاعَات بكيل الخسران فَهُوَ من المطففين الظَّالِمين والحزء الثَّانِي قد أَمنه النَّاس على أنفسهم وَأَمْوَالهمْ لِأَنَّهُ متق مُسْتَقِيم وَهُوَ المقتصد والجزء الثَّالِث تركُوا الْهوى وشهوة النَّفس وَرَضوا بتدبيره فِي جَمِيع الْأَحْوَال فهم المقربون وَذَلِكَ مثل مَا جَاءَنَا عَن رَسُول الله ﷺ أَنه أُتِي بشراب قد خيض بِعَسَل فَتَركه ثمَّ قَالَ أما إِنِّي لَا أحرمهُ وَلَكِنِّي أتركه تواضعا لله تَعَالَى

стр. 218

عَن كثير بن مرّة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لعَائِشَة ﵂ أطعمينا يَا عَائِشَة قَالَت لَيْسَ عندنَا طَعَام قَالَ أطعمينا يَا عَائِشَة قَالَت وَالله مَا عندنَا طَعَام فَقَالَ أَبُو بكر ﵁ يَا رَسُول الله إِن الْمَرْأَة المؤمنة لَا تحلف أَنه لَيْسَ عندنَا طَعَام وَهُوَ عِنْدهَا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَمَا يدْريك أَنَّهَا مُؤمنَة إِن الْمَرْأَة المؤمنة فِي النِّسَاء كالغراب الأعصم فِي الْغرْبَان وَإِن النَّار خلقت للسفهاء وان النِّسَاء من السُّفَهَاء إِلَّا صَاحِبَة الْقسْط والسراج قَالَ أَبُو عبد الله يعرفك هَذَا الحَدِيث أَن الْمُؤمن فِي ذَلِك الْوَقْت بأية صفة كَانَ عِنْدهم فَأم قَوْله صَاحِبَة الْقسْط والرج فالقسط الْعدْل وَهُوَ الَّذِي على سَبِيل استقامة وَهُوَ المقتصد والقسط وَالْقَصْد بِمَعْنى وَاحِد إِلَّا أَن هَذَا مُسْتَعْمل فِي نوع وَذَاكَ فِي نوع كَمَا قيل تَوْكِيل وتفويض وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى وَاحِد إِلَّا أَن التَّوْكِيل فِي أَسبَاب الرزق يسْتَعْمل والتفويض فِي سَائِر الْأُمُور فالقسط الْعدْل من أُمُوره وَالْقَصْد أَن تَأْخُذ من كل أَمر وَسطه وَهُوَ الَّذِي أَمر بِهِ وَأما السراج فَهُوَ الْيَقِين وَمن أشرق فِي قلبه الْيَقِين فقلبه يزهر وَمِنْه قَول حُذَيْفَة ﵁ قلب أغلف وَهُوَ قلب الْكَافِر وقلب مصفح وَهُوَ قلب الْمُنَافِق وقلب أجرد وأزهر وَهُوَ قلب الْمُؤمن وَإِنَّمَا يزهر بالسراج الَّذِي فِيهِ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا شبهت خُرُوج الْمُؤمن من الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَة إِلَّا مثل خُرُوج الصَّبِي من بطن أمه من ذَلِك الْغم والظلمة إِلَى روح الدُّنْيَا فالمؤمن الَّذِي هُوَ بَالغ فِي إيمَانه الدُّنْيَا سجنه وَهِي مظْلمَة عَلَيْهِ ضيقَة حَتَّى يخرج مِنْهَا إِلَى روح الْآخِرَة وَهَذَا غير مَوْجُود فِي الْعَامَّة وَإِنَّمَا ذكر الْمُؤمن وَوَصفه بذلك ليعلم أَن الْمُؤمن عِنْدهم الْبَالِغ فِي إيمَانه وَهُوَ

стр. 219

كَمَا قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ مَا كَفرْتُمْ فنتبرأ مِنْكُم وَلَا عنْدكُمْ إِيمَان بَالغ فنحبكم عَلَيْهِ وَمَا فرق بَين أهوائكم إِلَّا خبث سرائركم وَلَا أرى الله إِلَّا قد تخلى عَنْكُم عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ مَا لكم لَا تحابون وانكم اخوان على الدّين مَا فرق بَين أهوائكم إِلَّا خبث سرائركم وَلَو اجْتَمَعْتُمْ على أَمر تحاببتم مَا هَذَا إِلَّا من قلَّة الْإِيمَان فِي صدوركم وَلَو كُنْتُم توقنون بِخَير الْآخِرَة وشرها لكنتم للآخرة أطلب لِأَنَّهَا أملك بأموركم فبئس الْقَوْم أَنْتُم إِلَّا قَلِيلا مِنْكُم مَا حققتم إيمَانكُمْ بِمَا يعرف بِهِ الْإِيمَان الْبَالِغ فِيكُم فَمَا كَفرْتُمْ فنتبرأ مِنْكُم وعامتكم تركُوا كثيرا من أَمر دينهم ثمَّ لَا يستبين ذَلِك فِي وُجُوهكُم وَلَا تَغْيِير حالاتكم مَا هَذَا إِلَّا شَرّ حل بكم وَإِنِّي لأرى الله قد تخلى عَنْكُم فَأنْتم تخطئون وتمنون الْأَمَانِي وَالله إِنِّي لأستعين على نَفسِي وَعَلَيْكُم فَإِنَّمَا قَول رَسُول الله ﷺ لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤمن أَي بذلك الْإِيمَان الْبَالِغ فَأَما ايمان التَّوْحِيد فَهُوَ مَعَه وَإِنَّمَا زَالَ عَنهُ نور الْإِيمَان أَلا يرى إِلَى قَول أبي الدَّرْدَاء ﵁ وَإِن زنا وَإِن سرق فَلَو كَانَ زِنَاهُ وسرقته يُخرجهُ من إيمَانه لم يدْخل الْجنَّة عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول ﴿وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان﴾ قلت يَا رَسُول الله وان زنى وَإِن سرق فَقَالَ وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان قلت وَإِن زنى وَإِن سرق فَقَالَ وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان قلت يَا رَسُول الله وَإِن زنى وَإِن سرق قَالَ وَإِن زنى وَإِن سرق وَإِن رغم أنف أبي الدَّرْدَاء

стр. 220

وَمِمَّا يُحَقّق مَا قُلْنَا مَا جَاءَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لَا يلْدغ الْمُؤمن من جُحر مرَّتَيْنِ بروايات جمة وطرق شَتَّى قَالَ أَبُو عبد الله فالمؤمن المخلط قد يلْدغ مَرَّات وَهُوَ لسكره لَا يجد لدغة اللدغة وَقد عمل فِيهِ حمة السم فَلَو قد أَفَاق لاحتاج إِلَى من يمسِكهُ من الِاضْطِرَاب والتلوي وَإِنَّمَا عَنى بِالْمُؤمنِ ذَلِك الْبَالِغ الَّذِي وقف بِهِ حذره على أَمر عَظِيم كَمَا رُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب ﵁ سُئِلَ ابْن عَبَّاس عَن أبي بكر ﵁ قَالَ كَانَ كالخير كُله من رجل كَانَ فِيهِ حِدة وَسُئِلَ عَن عمر ﵁ فَقَالَ كَانَ كالطير الحذر الَّذِي يرى أَن لَهُ فِي كل طَرِيق شركا يَأْخُذهُ فالمؤمن الْبَالِغ إِذا وَقع فِي الْخَطِيئَة وجع قلبه وتمرر عيشه وقلقت نَفسه فَهُوَ يتلوى كاللديغ يتململ ندما وتحسرا وأسفا يبيت ساهرا ويظل نائحا قد أنكت فِيهِ هَذِه الْخَطِيئَة سمها فَكَأَنَّهُ أيقظته من الْغَفْلَة فَلَا يواقع تِلْكَ الْخَطِيئَة مَخَافَة أَن يَقع فِيهَا وَهَذَا لمن لدغته الْخَطِيئَة

стр. 221

وَعمل فِيهِ سمها كَمَا فعل يُوسُف ﵇ بعد الْهم كَانَ لَا يكلم امْرَأَة حَتَّى يُرْسل على وَجهه ثوبا عَن أبي الْأَحْوَص عَن عبد الله قَالَ كَانَ يُوسُف ﵇ إِذا جَاءَتْهُ امْرَأَة تستفتيه ألْقى على وَجهه ثوبا مَخَافَة أَن تفتتن عَن الشّعبِيّ عَن فَاطِمَة بنت قيس ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهَا حِين جَاءَتْهُ بعد مَا طَلقهَا زَوجهَا فَقَالَ بِيَدِهِ على وَجهه فاستتر بِهِ وَذَلِكَ بعد مَا لَقِي من شَأْن زَيْنَب مَا لَقِي فَأَما مُؤمن عمل بالخطيئة فَلم تلدغه وَلم يتَبَيَّن فِيهِ عمل سمها لِأَنَّهُ سَكرَان قد أسكرته شهوات الدُّنْيَا وَمَات قلبه عَن الشُّعُور بذلك فَمَتَى يحذر حَتَّى لَا يلْدغ وسم الْخَطِيئَة هُوَ الظلمَة الَّتِي تتراكم فِي صَدره على قلبه فتحجبه عَن ربه فَيصير قلبه مسجونا محجوبا عَن الملكوت وَهُوَ قَول عبد الله بن عمر ﵁ لنَفس الْمُؤمن أَشد ارتكاضا فِي الْخَطِيئَة من العصفور حِين يغدف بِهِ والإغداف الْإِرْسَال يَعْنِي إرْسَال الشبكة عَلَيْهِ وَقَول عبد الله بن مَسْعُود ﵁ إِن الْمُؤمن إِذا أذْنب فَكَأَنَّهُ تَحت صَخْرَة يخَاف أَن تقع عَلَيْهِ فتقتله وَالْمُنَافِق ذَنبه كذباب مر على أَنَفَة وَقَوله لَا تَجِد الْمُؤمن بَخِيلًا وَلَا تَجِد الْمُؤمن جَبَانًا وَلَا تَجِد الْمُؤمن كذابا

стр. 222

عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ خصلتان لَا تجتمعان فِي قلب مُؤمن الْبُخْل وَسُوء الْخلق فَهَذِهِ الْخِصَال كلهَا مَوْجُودَة فِي الْمُوَحِّدين فَإِذا ذكرُوا الْمُؤمن فَإِنَّمَا يعنون بِهِ الَّذين ذكرهم الله تَعَالَى بِأَنَّهُم مُؤمنُونَ حَقًا وصير لَهُم الدَّرَجَات فِي الْجنَّة بِمَا ترقوا من دَرَجَات الْإِيمَان عَن بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ ﵁ أَن الحواريين طلبُوا عِيسَى ﵇ فَقيل لَهُم توجه إِلَى الْبَحْر فجاءوه وَهُوَ يمشي على المَاء يرفعهُ الموج ويضعه فَقَالَ أفضلهم أَلا أجيئك يَا رَسُول الله فَأدْخل رجله المَاء وَرفع الْأُخْرَى فَقَالَ أدركني فقد عرقت فَقَالَ يَا قصير الْإِيمَان أَو قَالَ هَات يدك يَا قصير الْإِيمَان لَو أَن لِابْنِ آدم مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل من الْيَقِين مَشى على المَاء عَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ لَو وزن ايمان أبي بكر ﵁ بِإِيمَان أهل الأَرْض لرجع إِيمَان أبي بكر يإيمان أهل الأَرْض عَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَيْضا أَنه قَالَ تَزْعُمُونَ أَنكُمْ مُؤمنُونَ وَفِيكُمْ مُؤمن جَائِع عَن أبي إِسْحَق السبيعِي ﵁ قَالَ سَمِعت وهب بن مُنَبّه ﵁ يَقُول اسْمَع يَا أخي إِلَى مَا أصف لَك من صفة

стр. 223

الْمُؤمن وجدت فِي التَّوْرَاة الْمُؤمن الَّذِي إِلَى الْإِسْلَام هدي وبالاقرار بدي ظَاهر الْإِيمَان بدنه على الْإِيمَان بني وَذَلِكَ أَنه عَالم بِالْعلمِ نَاطِق بالحلم صَادِق بالفهم ورع عَن الْحَرَام بَين الْإِعْلَام كثير السَّلَام لين الْجَانِب قريب الْمَعْرُوف سريع الرضاء بعيد السخط يعلم إِذا فهم وَإِذا علم علم ويكف إِذا شتم إِن صحبته تسلم وَإِن شاركته تغنم وَإِن فارقته تندم وَإِن سَمِعت مِنْهُ تتعلم كثير الْوَقار مكرم للْجَار مُطِيع للجبار قلبه بِمَعْرِِفَة الله زَاهِر وَلسَانه بِذكر الله غازر وبدنه فِي طَاعَة الله ساهر فَهُوَ من نَفسه فِي تَعب وَالنَّاس مِنْهُ فِي أرب فَمثله كَمثل المَاء لِأَن المَاء حَيَاة الْأَشْيَاء كلهَا فكمال الْمُؤمن الرضى وَعَمله التَّقْوَى مبغض للدنيا قَلِيل المنى صَادِق اللِّسَان صابر الْبدن قَانِع الْقلب أَن ائْتمن أَمَانَة أَدَّاهَا وَإِن ائْتمن هُوَ غَيره لم يتهم أَب للْيَتِيم وللأرملة رَحِيم وَإِلَى الْجنَّة مشتاق وبالوالدين غير عَاق لَهُ علم يرضى وعقل ينمى كَلَامه مَنْفَعَة وجواره رفْعَة إِن استكتمته كتم وَإِن استطعمته أطْعم جواد لله بالعطاء وَلِلنَّاسِ بِحسن الْخلق والرضى إِن اسْتقْرض أدّى وَإِن سُئِلَ أعْطى إِن كَانَ فَوْقك اتضع وَإِن كَانَ دُونك اعتدل فَمثله كَمثل شَجَرَة ثَبت أَصْلهَا وجاد فرعها وَكثر ثَمَرهَا فَهُوَ من رَآهَا رغب فِيهَا لَا يَأْخُذ شَيْئا إِن أَخذ رِيَاء وَلَا يتْركهُ إِن تَركه حَيَاء بل أَخذه لله تَعَالَى سالما وَتَركه لله تَعَالَى غانما محاسب نَفسه نَاظر فِي عيوبه مستعرض لعمله إِن كَانَ محسنا يخَاف على نَفسه أَن لَا يقبل مِنْهُ وَإِن كَانَ مقصرا يخْشَى أَن لَا يغْفر لَهُ وَإِن كَانَ فَاضلا كَانَ شاكرا لَا يظلم وَلَا يَأْثَم وَلَا يتَكَلَّف لين تَدْبيره كثير عمله قَلِيل ذلله سهل أمره عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْوَرع سيد الْعَمَل من لم يكن لَهُ ورع يردهُ عَن مَعْصِيّة الله تَعَالَى إِذا خلا بهَا لم يعبأ الله بِسَائِر عمله شَيْئا فَذَلِك مَخَافَة الله تَعَالَى فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة والاقتصاد فِي الْفقر والغنى

стр. 224

والصدق عِنْد الرضاء والسخط أَلا وَإِن الْمُؤمن حَاكم على نَفسه يرضى للنَّاس مَا يرضى لنَفسِهِ وَالْمُؤمن حسن الْخلق وَأحب الْخلق إِلَى الله تَعَالَى أحْسنهم خلقا ينَال بِحسن الْخلق دَرَجَة الصَّائِم الْقَائِم وَهُوَ رَاقِد على فرَاشه لِأَنَّهُ قد رفع لِقَلْبِهِ علم فَمن شهد مشَاهد الْقِيَامَة يعد نَفسه حَنِيفا فِي بَيته وروحه عَارِية فِي بدنه لَيْسَ بِالْمُؤمنِ جفَاء حملانه على نَفسه النَّاس مِنْهُ فِي مِنْهُ فِي عفاء وَهُوَ من نَفسه فِي عناء رَحِيم فِي طَاعَة الله بخيل على دينه حَيّ مطواع وَأول مَا فَاتَ ابْن آدم من دينه الْحيَاء خاشع الْقلب لله تَعَالَى متواضع قد برىء من الْكبر ينظر إِلَى اللَّيْل وَالنَّهَار يعلم أَنَّهُمَا فِي هدم عمره لَا يركن إِلَى الدُّنْيَا ركون الْجَاهِل قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا جرم أَنه إِذا خلف الدُّنْيَا خلف ظَهره خلف الهموم وَالْأَحْزَان وَلَا حزن على الْمُؤمن بعد الْمَوْت بل فرحه وسروره دَائِم بعد الْمَوْت فَمن هَذِه صفته فلدغ من حجرالمعاصي مرّة كَانَ ذَلِك الْحجر نصب عَيْنَيْهِ أبدا فَمَتَى يمر بهَا حَتَّى تلدغه ثَانِيَة فَإِنَّمَا ذكر رَسُول الله ﷺ من أوحشته الْمعْصِيَة حَتَّى أسهر ليله مَا حل بِقَلْبِه من وَجه الذَّنب كمن يُفَارق محبوبه من المخلوقين بِمَوْت أَو غيبَة يفجع لفراقه فألم الْمُؤمن إِذا أصَاب الذَّنب أَشد من مصيبته بِفِرَاق المخلوقين فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يلْدغ الْمُؤمن من جُحر وَاحِد مرَّتَيْنِ أَي هَذَا الْأَمر قد لدغته مرّة فأوجعته فوجع ذَلِك تذكرة لَهُ من الْغَفْلَة فِي ذَلِك

стр. 225

حَتَّى لَا يَقع فِيهِ ثَانِيَة أَي أَن هَذَا صفة الْمُؤمن وشرطة حَتَّى يسْتَحق شَرط الْإِيمَان عَن يحيى بن أبي كثير ﵁ أَن نَبِي الله كَانَ فِي سفر وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر ﵄ فأرسلو إِلَى رَسُول الله ﷺ يسألونه لَحْمًا فَقَالَ أَو لَيْسَ قد ظللتم من اللَّحْم شباعا قَالُوا من أَيْن فوَاللَّه مَا لنا بِاللَّحْمِ عهد مُنْذُ أَيَّام فَقَالَ من لحم صَاحبكُم الَّذِي ذكرْتُمْ قَالُوا يَا نَبِي الله إِنَّمَا قُلْنَا وَالله إِنَّه لعفيف مَا يعيننا على شَيْء قَالَ وَذَاكَ فَلَا تَقولُوا فَرجع إِلَيْهِم الرجل فَأخْبرهُم بِالَّذِي قَالَ فجَاء أَبُو بكر ﵁ فَقَالَ يَا نَبِي الله طأ على صماخي واستغفر لي فَفعل وَجَاء عمر ﵁ فَقَالَ يَا نَبِي طأ عل صماخي واستغفر لي فَفعل فَهَذَا تكون اللدغة ألجأته الْخَطِيئَة إِلَى أَن فزع إِلَى رَسُول الله ﷺ وَألقى نَفسه فِي التُّرَاب تذللا وَأَن يطَأ بقدمه عل صماخه فَهَذَا شَأْن الْمُؤمن الْبَالِغ وَأما الَّذِي يلْزمه اسْم الْمُؤمن فَيحرم مَاله وَدَمه وَعرضه فهم الموحدون عَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من سرته حسنته وساءته سيئته فَهُوَ مُؤمن

стр. 226

- الأَصْل الرَّابِع وَالْخَمْسُونَ - فِي أول تحفة الْمُؤمن بعد الْمَوْت عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أول تحفة الْمُؤمن أَن يغْفر لمن صلى عَلَيْهِ الْمُؤمن كريم على ربه ومقدمه على رب كريم وَمن شَأْن الْمُلُوك أَن أحدهم إِذا قدم عَلَيْهِ بعض خدمه من سفرة طَال غيبته فِيهَا أَن يتلقاه ببشرى وكرامة ويخلع عَلَيْهِ ويجيزه بالجائزة السّنيَّة وَيَأْمُر بِأَن يهيأ لَهُ نزل وَالله تَعَالَى أرانا تَدْبِير الْمُلُوك فِي الدُّنْيَا فَإِذا قدم عَلَيْهِ الْمُؤمن لقاه روحا وريحانا وبشرى على أَلْسِنَة الرُّسُل ﵈ قَالَ الله تَعَالَى إِن الَّذين قَالُوا رَبنَا الله ثمَّ استقاموا تتنزل عَلَيْهِم الْمَلَائِكَة أَلا تخافوا وَلَا تحزنوا وابشروا بِالْجنَّةِ الَّتِي كُنْتُم

стр. 227

توعدون) قَالَ ﴿من عمل صَالحا فلأنفسهم يمهدون﴾ وَقَالَ ﴿لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا نزلا من عِنْد الله﴾ وَأول تحفته أَن يغْفر لحملته إِلَى بَابه والمصلين عَلَيْهِ فَإِن الرجل من عرض النَّاس ليحمل إِلَيْهِ الْهَدِيَّة فيستحيى أَنه ينْصَرف عَنهُ الْحَامِل للهدية خائبا صفر الْيَد حَتَّى يناوله شَيْئا فَكيف الْملك من مُلُوك الدُّنْيَا وَالله تَعَالَى أخرج الْمُؤمن إِلَى الدُّنْيَا ليستكمل ويستعد للقائه ويتزود للأخرة فَمَا زَالَ يسْعَى فِي إرضاء الْحق فَلَمَّا مَاتَ غسلوه وطيبوه وكسوه وَحَمَلُوهُ هَدِيَّة إِلَى الْحق فَقبله الْحق تَعَالَى وَأَدَّاهُ إِلَى الرَّحْمَة فَلم يستجز أَن ينْصَرف حَملَة هَذِه الْهَدِيَّة خائبين فغفر لَهُم عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ أول مَا يجازى بِهِ العَبْد أَن يغْفر لمن يُصَلِّي عَلَيْهِ قَوْله يجازي من الْجَائِزَة والتحفة عندنَا هِيَ الطرفة والهدية هِيَ الْعَطِيَّة ومعناهما قريب إِلَّا أَن بَينهمَا نُكْتَة فِي الْفرق فالهدية مَا تعطيه لتستميل بِهِ وَالْهَدْي الْميل وَمِنْه قيل مَشى يتهادى أَي يتمايل وَمِنْه سمي الْهَدْي لِأَنَّهُ يمِيل بِهِ إِلَيْهِ والطرفة شَيْء يُعْطِيهِ بعد الاستمالة وَبعد أَن صَار لَهُ وليا وثقة فَهُوَ يطرفه بِشَيْء يُرِيد أَن يحليه بذلك كالسكر على رَأس الْأرز وَنَحْوه وَالله تَعَالَى يوالي بَين نعمه على العَبْد ثمَّ يُرِيد أَن يبره ويطرفه بِشَيْء لَيْسَ عِنْده فِي الْجنَّة ليتجدد بِهِ بره فَذَلِك الْبر يكون أعظم موقعا وَمن طرقه مَا جَاءَ فِي الْخَبَر إِذا أَرَادَ الله تَعَالَى أَن يتحف عَبده الْمُؤمن سلط عَلَيْهِ من يَظْلمه

стр. 228

لِأَن بلوى الدُّنْيَا كَثِيرَة من الْأَمْرَاض والمصائب وللنفس فِيهَا فجعة ثمَّ يرجع إِلَى ربه تَعَالَى فِي أَن هَذَا صنعه وتدبيره وَإِذا ظلم اشتدت فجعته وتضاعفت لوعته فَتلك المصائب والأمراض هَدَايَا من رب الْعَالمين وَالظُّلم تحفة قد طرفه الله بهَا والطرفة هِيَ شَيْء يكون فِي الْأَحَايِين مرّة لم يكن عِنْده مثله وَقد سلط على يحيى بن زَكَرِيَّا صلوَات الله عَلَيْهِمَا من ذبحه ذبحا وَهَذَا شَيْء نَادِر طريف لَيْسَ مِمَّا يجْرِي فِي بلوى أهل الدُّنْيَا ومصائبهم وَكَذَلِكَ يَجْعَل لَهُ الْجنَّة ثَوابًا ثمَّ يُوجب لَهُ رضوانه الْأَكْبَر وَمن جعلت لَهُ الْجنَّة هَدِيَّة فتحفه من ألطافه الجسيمة

стр. 229

- الأَصْل الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ - فِي بَيَان مَا يهرم ويشب من الْآدَمِيّ عَن أنس ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ يهرم ابْن آدم ويشب مِنْهُ اثْنَان الْحِرْص على المَال والحرص على الْعُمر الْحِرْص لهيان الشَّهْوَة والشهوة نَار ذَات دُخان فَكلما زِدْت النَّار وقودا إزدادت نورا وتلهبا وَسمي المَال مَالا لِأَنَّهُ يمِيل بِالْقَلْبِ عَن الله تَعَالَى والعمر مُدَّة عمَارَة الْبدن بِالْحَيَاةِ وَذكر المَال لِأَن بِهِ ينَال جَمِيع الشَّهَوَات وَذكر الْعُمر لِأَن بدوامه تدوم الشَّهَوَات فَإِذا ذهب الْعُمر وَزَالَ المَال تعطلت الشَّهَوَات فَوجدت النَّفس

стр. 230

لَذَّة الشَّهَوَات وَلَذَّة دوَام الْعُمر فتشبثت بِهِ واستأثرت الْقلب والهرم الْخَالِي من الْأَشْيَاء قد خلت طبائعة من الْحَرَارَة والقوى وقحل جلده من الْحَرَارَة لانتشاف الْحَيَاة مَاء جلدته ودق عظمه وانتشف النَّقْص مَاء شبابه وَلَا يطفىء لهيب الْحِرْص إِلَّا الْإِيمَان بِاللَّه فَكلما ازْدَادَ العَبْد إِيمَانًا بربه وَهُوَ النُّور الَّذِي ينشرح بِهِ صَدره فَهُوَ على نور من ربه ازْدَادَ ثِقَة بربه وطمأنينة إِلَيْهِ وَكلما إزداد ثِقَة إزداد غنى قَالَ رَسُول الله ﷺ لَيْسَ الْغنى عَن كَثْرَة الْعرض إِنَّمَا الْغنى غنى النَّفس فَإِذا استغنت النَّفس بِاللَّه تَعَالَى لما دخل الصَّدْر من نور الْيَقِين المنشرح بِهِ صَدره صَار عرض الدُّنْيَا فضلا عَن مَكْحُول ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ نفس ابْن آدم شَابة وَلَو الْتَقت ترقوتاه من الْكبر إِلَّا من امتحن الله تَعَالَى قلبه للتقوى وَقَلِيل مَا هم فَهَذَا الْخَبَر يكْشف عَمَّا ذكرنَا من الْمَعْنى لِأَن النَّفس مَعْدن الشَّهَوَات فَهِيَ شَابة لِأَن الشَّهَوَات بِمَنْزِلَة النَّار لَا تزَال متوقدة مَا دَامَت واجدة للحطب فَإِذا أمسك عَنْهَا الْحَطب خمدت خامدة لَا محَالة فَكَذَلِك النَّفس لَا تزَال رطبَة متوقدة بشهواتها مَا دَامَت واجدة للنعم فَإِذا أمسك عَنْهَا ذبلت ويبست فَإِذا امتحن الله تَعَالَى قلبا للتقوى قوى صَاحبه على

стр. 231

الِامْتِنَاع من قَضَاء الشَّهَوَات والامتحان هُوَ أَن يسْتَخْرج سره والسر هُوَ النُّور الَّذِي قذفه فِي قلبه فَإِذا اسْتَقر ذَلِك فِي قلبه وأشرقه بِهِ صَدره صَار ذَاك وقاية لَهُ من جَمِيع مكاره الْآخِرَة فَقيل تقوى وَإِنَّمَا هُوَ وقوى حولت الْوَاو تَاء ومأخذه من الْوِقَايَة فَإِذا فعل ذَلِك فقد امتحنه لِأَنَّهُ يظْهر على الْأَركان بالأفعال المحمودة المرضية فالنفوس شَابة وَإِن هرمت الْجَوَارِح ونهدت الْأَركان لدوام التنعم بِالْمَالِ والعمر الا هَذِه الطَّبَقَة الممتحنة الَّذين استثناهم فنفوسهم هرمت فِي وَقت شبابهم لإن شهواتهم ذبلت وضعفت بالخشية الَّتِي دخلت قُلُوبهم لما اطلعوا عَلَيْهِ بقلوبهم من علم الملكوت ولعلمهم بِاللَّه تَعَالَى صَارُوا سبيا من سبيه فالمشغوف سبي من بِهِ شغف فَإِن شغفت بالدنيا فَأَنت سبيهَا وَإِن شغفت بِالآخِرَة فَأَنت سبيهَا وَإِن شغفت بالخالق فَأَنت سبيه وَابْن آدم ركب فِي طبعه أَن لَا تزَال نَفسه تجمع فِي طلب شَيْء حَتَّى إِذا اطَّلَعت على أفضل مِنْهُ رفضب هَذِه وَأَقْبَلت على الْأَفْضَل فَلَا يزَال طَالبا للدنيا حَتَّى إِذا طالع الْآخِرَة رفض هَذِه وَأَقْبل عَلَيْهَا فَلَا يزَال لَهَا طَالبا حَتَّى إِذا طالع الملكوت أقبل على مَوْلَاهُ وَلها عَن ذكر الدَّاريْنِ واشتغل بالماجد الْكَرِيم فتراه سَلس القياد منكسر الْقلب قد أخذت الأحزان بِمَجَامِع قلبه فقطعته عَن فكر الدُّنْيَا وَأَهْلهَا وَمَا هم فِيهِ فَهُوَ حبيس الله فِي سجنه وَهُوَ قَول رَسُول الله ﷺ الدُّنْيَا سجن الْمُؤمن وجنة الْكَافِر والمسجون عينه إِلَى الْبَاب يراقب دَعْوَة من يدعى فيجيب

стр. 232

الأَصْل السَّادِس وَالْخَمْسُونَ - فِي أَن عدد الشَّرَائِع بِتَعَدُّد الرُّسُل عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ حدث أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن لله ثلثمِائة وَخمْس عشرَة شَرِيعَة يَقُول الرَّحْمَن وَعِزَّتِي لَا يَأْتِين عبد من عبَادي لَا يُشْرك بِي شَيْئا بِوَاحِدَة مِنْهُنَّ إِلَّا أدخلته الْجنَّة فالرسل ثلثمِائة وَخَمْسَة عشر وَلكُل رَسُول شَرِيعَة قَالَ الله تَعَالَى فِي تَنْزِيله الْكَرِيم ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾ وَقَالَ ﴿ثمَّ جعلناك على شَرِيعَة من الْأَمر فاتبعها﴾ وان الله تَعَالَى دَعَا الْعباد الى دَار السَّلَام بعد أَن دعاهم إِلَى الاقرار بِالتَّوْحِيدِ فَأَجَابُوهُ وَإِنَّمَا أَجَابَهُ من هداه ثمَّ شرع لكل رَسُول طَرِيقا إِلَيْهَا وَهُوَ الْحَلَال وَالْحرَام فاحلال مرضاته وَالْحرَام مساخطه وَإِذا استقام العَبْد فِي سيؤه فِي شَرِيعَته أدخلهُ الْجنَّة فَقَوله لَا يأتيني عبد لَا يُشْرك بِي شَيْئا بِوَاحِدَة من هَذِه الشَّرَائِع أَي شَرِيعَة زَمَانه وَرَسُوله فَلَو

стр. 233

أَتَى رجل بشريعة هود فِي زمن مُوسَى ﵉ لم ينْتَفع بِهِ وَلَو أَتَى بشريعة مُوسَى فِي زمن عِيسَى ﵉ لم ينْتَفع بِهِ وَلَو أَتَى بشريعة عِيسَى فِي زمن مُحَمَّد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام لم يقبل مِنْهُ وَلم ينْتَفع بِهِ إِنَّمَا يقبل من كل عبد شَرِيعَته الَّتِي شرعت لَهُ على لِسَان رَسُوله ﷺ وان الله تَعَالَى شرع الطَّرِيق لِعِبَادِهِ ليحلوا حَلَاله ويحرموا حرَامه كي يصلحوا لدار السَّلَام يَوْم مقدمهم عَلَيْهِ

стр. 234

الأَصْل السَّابِع وَالْخَمْسُونَ - فِي حَقِيقَة الْيَقِين وَمعنى الْعَافِيَة عَن سلمَان بن عَامر ﵁ يَقُول سَمِعت أَوسط البَجلِيّ على مِنْبَر حمص يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الصّديق على الْمِنْبَر وَهُوَ يَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ على هَذَا الْمِنْبَر عَام أول والعهد قريب سلوا الله الْيَقِين والعافية فَإِن النَّاس لم يُعْطوا شَيْئا خيرا من الْيَقِين والعافية فاليقين هُوَ اسْتِقْرَار النُّور فِي الْقلب والصدر وَذَلِكَ أَن نور الْإِيمَان فِي الْقلب والشهوات بظلمتها وفوران دخانها متراكمة على الْقلب قد أظلمت من الصَّدْر وحالت بَين عَيْني الْقلب وَبَين رُؤْيَة أُمُور الْغَيْب فَهُوَ مقرّ بِالْغَيْبِ من الْجنَّة وَالنَّار والحساب وأهوال الْموقف وتدبير الله تَعَالَى فِي دُنْيَاهُ إِلَّا أَن نَفسه تشبه عَلَيْهِ بخدعها وأمانيها لِأَنَّهَا لم تصر لَهُ كالمعاينة

стр. 235

وَلَيْسَ الْخَبَر كالمعاينة فَإِذا امْتَلَأَ الْقلب من النُّور كَانَ كمن قَالَ رَسُول الله ﷺ لحارثة حِين قَالَ يَا رَسُول الله كَأَنِّي أنظر إِلَى عرش رَبِّي بارزا الْخَبَر فاليقين اسْتِقْرَار الْقلب بذلك النُّور يُقَال فِي اللُّغَة يقن المَاء فِي الحفرة أَي اسْتَقر وَأما الْعَافِيَة وَالْعَفو فَكل وَاحِد مِنْهُمَا مُشْتَقّ من صَاحبه فالعفو فِي الْآخِرَة والعافية فِي الدُّنْيَا وَهُوَ أَن يُعْفَى عَنْك من الخذلان فَلَا تخذل حَتَّى لَا تقع فِي الذَّنب وَأَن يُعْفَى عَنْك حَتَّى لَا تصيبك الشدائد والبلايا وَأَصله من الْعَفو فقد عفى عَنْك أَن يصيبك هَذَا وَأَن تصيبك شَدَائِد الْآخِرَة وَكِلَاهُمَا فِي الْمَعْنى وَاحِد إِلَّا أَن الْعَفو يسْتَعْمل فِي أُمُور الْآخِرَة والعافية فِي أُمُور الدُّنْيَا

стр. 236

- الأَصْل الثَّامِن وَالْخَمْسُونَ - فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿فَروح وَرَيْحَان﴾ بِالْوَجْهَيْنِ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت كَانَ رَسُول الله ﷺ يقْرَأ ﴿فَروح وَرَيْحَان﴾ الرَّاء مَضْمُومَة وَقد قُرِئت الرَّاء مَفْتُوحَة فَمن قَرَأَ فَروح مَضْمُومَة الرَّاء ذهب الى أَن الرّوح أَمر جليل من أمره يحل بِالْقَلْبِ فبه تطمئِن الْقُلُوب الى الله تَعَالَى وَبِه ينَال الذّكر الصافي وَبِه يصير محقا وَبِه يقدس الْقلب وَبِه يشتاق عِنْد حُضُور أَجله إِلَى اللِّقَاء فيهون عَلَيْهِ الْمَوْت ويبشر وتطيب النَّفس للشخوص إِلَى الله وَبِه تأتلف قُلُوب المتحابين فِي الله وَبِه عصمَة قُلُوب الْأَنْبِيَاء ﵈ وَمن قَرَأَهَا فَروح مَفْتُوحَة الرَّاء فَإِنَّهُ ذهب الى أَن يسلم عَلَيْهِ ملك الْمَوْت ﵇ فِي ذَلِك الْوَقْت ويقرئه السَّلَام من رب الْعِزَّة فيجد لذَلِك رَاحَة على الْقلب وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿تحيتهم يَوْم يلقونه سَلام﴾

стр. 237

- الأَصْل التَّاسِع وَالْخَمْسُونَ - فِي معنى معاء الْآدَمِيّ لم كَانَت سبعا فَصَارَت وَاحِدَة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ الْمُؤمن يَأْكُل فِي معاء وَاحِد وَالْكَافِر يَأْكُل فِي سَبْعَة أمعاء وَعَن أبي مُوسَى ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ مثله قَالَ أَبُو عبد الله الْإِنْسَان مَبْنِيّ على سَبْعَة على الشّرك وَالشَّكّ والغفلة وَالرَّغْبَة والرهبة والشهوة وَالْغَضَب فَهَذِهِ أخلاقه وَأي خلق من هَذِه الْأَخْلَاق إستولى على قلبه نسب إِلَيْهِ دون الآخر وَمِمَّا يُحَقّق ذَلِك قَوْله تَعَالَى وَإِن جَهَنَّم لموعدهم أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَة أَبْوَاب لكل بَاب مِنْهُم جُزْء مقسوم فَأهل النَّار مجزءون مقسمون على هَذِه

стр. 238

الْأَبْوَاب السَّبْعَة فَكل جُزْء مِنْهُم صَار جُزْءا بِخلق من هَذِه الْأَخْلَاق المستولية عَلَيْهِ وَمِمَّا يُحَقّق ذَلِك مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ للنار بَاب لَا يدخلهَا مِنْهُ إِلَّا من شفا غيظه بسخط الله تَعَالَى وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لِجَهَنَّم سَبْعَة أَبْوَاب بَاب مِنْهَا لمن سل سَيْفه على أمتِي فَهَذِهِ للرغبة وَالْأول للغضب فَابْن آدم مَبْنِيّ على هَذِه الْأَخْلَاق السَّبْعَة فَإِذا ولج الْإِيمَان الْقلب نفى هَذِه السَّبْعَة من الْقلب فبقدر قُوَّة الْإِيمَان تذوب هَذِه الْأَخْلَاق من النَّفس وعَلى قدر ضعفه يبْقى ضررهن فَإِذا اكمل النُّور وامتلأ الْقلب مِنْهُ لم يبْق لهَذِهِ الْأَخْلَاق فِيهِ مَوضِع فنفى الشّرك وَالشَّكّ والغفلة أصلا وَصَارَ بدل الشّرك إخلاصا وَبدل الشَّك يَقِينا وَبدل الْغَفْلَة انتباها وكشف غطاء معاينه وَصَارَ الْغَضَب لَهُ وَفِي ذَاته وَصَارَت الرَّغْبَة إِلَيْهِ والرهبة مِنْهُ وَصَارَت الشَّهْوَة منية وَكَانَت نهمة وبقدر ضعف الْإِيمَان وسقمه يبْقى من هَذِه الْأَخْلَاق فِي الْمُؤمن فَبَقيَ مِنْهُ شرك الْأَسْبَاب وَشك الأرزاق وغفلة التَّدْبِير فِي كنه الْأُمُور وَالرَّغْبَة والطمع فِي الْخلق والرهبة مِنْهُم فِي المضار وَالْمَنَافِع وَاسْتِعْمَال الشَّهَوَات على النهمة فإيمانه يَقْتَضِيهِ مَا عقد فِي توحيده لرَبه أَن هَذِه الْأَشْيَاء كلهَا مِنْهُ وَله وأخلاقه تَمنعهُ الْوَفَاء بذلك عِنْد نوائبه فَلذَلِك يبْقى فِي عَرصَة الْقِيَامَة محاسبا فِي مُدَّة طَوِيلَة وَالْآخر كمل إيمَانه فَامْتَلَأَ قلبه من نور الْإِيمَان فَصَارَ كَمَا وَصفنَا بدءا فَسقط عَنهُ الْحساب غَدا فَابْن أَدَم يَأْكُل فِي معاء وَاحِد اعني الْخلقَة إِلَّا أَن هَذِه الْأَخْلَاق السَّبْعَة سوى الْغَضَب قد عملت على قلبه فَصَارَ كَأَنَّهُ يَأْكُل فِي سَبْعَة أمعاء فَإِذا آمن فَامْتَلَأَ قلبه من نور الْإِيمَان سكنت هَذِه الْأَخْلَاق فشبع وَرُوِيَ لِأَنَّهُ

стр. 239

قد ثقل قلبه بِمَا ولج فِيهِ من الْإِيمَان فَإِذا آمن فَإِنَّمَا يَأْكُل بمعاه الَّذِي خلق فِيهِ وَكلما كَانَ أوفر حظا من إيمَانه كَانَ أقل لطعمه بِهَذَا المعاء الْوَاحِد أَيْضا وَإِذا كَانَ كَافِرًا فَهَذِهِ الْأَخْلَاق السِّتَّة تعْمل على قلبه حَتَّى يصير كَأَنَّهُ يَأْكُل فِي سَبْعَة أمعاء لِأَن الشّرك وَالشَّكّ والغفلة والشهوة وَالرَّغْبَة والرهبة هِيَ أعوان لِحِرْصِهِ فَإِذا أحرص لم يشْبع وَاحْتَاجَ إِلَى الْكثير وَالَّذِي سكنت عَنهُ هَذِه السِّتَّة الْأَخْلَاق بولوج الْإِيمَان قلبه ذاب الْحِرْص فِي جَوْفه وَثقل الْإِيمَان فِي قلبه فَأكل بمعاه الَّذِي خلق للآدميين فَاكْتفى بذلك عَن أبي صَالح السمان قَالَ قدم ثَلَاثُونَ رَاكِبًا على رَسُول الله ﷺ من غفار فيهم رجل يُقَال لَهُ أَبُو بَصِيرَة مثل الْبَعِير فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لأَصْحَابه بددوا الْقَوْم فَجعل الرجل يُقيم الرجل وَالرجل يُقيم الرجلَيْن على قدر مَا عِنْده من الطَّعَام حَتَّى تفرق الْقَوْم غير أبي بَصِيرَة قَالَ وكل الْقَوْم يرى أَن لَيْسَ عِنْده مَا يشبعه فَلَمَّا رأى رَسُول الله ﷺ ذَاك قَامَ واستتبعه فَتَبِعَهُ فَلَمَّا دخل دَعَا لَهُ بِطَعَام فَوَضعه بَين يَدَيْهِ فَكَأَنَّمَا لحسه ثمَّ دَعَا بقدح فَحلبَ فِيهِ فشربه حَتَّى حلب لَهُ فِي سَبْعَة أقداح فَشربهَا وَبَات عِنْد رَسُول الله ﷺ فَعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام فَتكلم مِنْهُ بِشَيْء فَلَمَّا خرج رَسُول الله ﷺ إِلَى صَلَاة الْغَدَاة واستتبعه فَتَبِعَهُ فصلى مَعَه الْغَدَاة فَلَمَّا سلم رَسُول الله ﷺ أقبل على الْقَوْم بِوَجْهِهِ فَقَالَ علمُوا أَخَاكُم وبشروه فَأقبل الْقَوْم بنصح يعلمونه وَألقى عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ ثوبا حِين أسلم ثمَّ قَامَ فاستتبعه فَتَبِعَهُ فَلَمَّا دخل دَعَا لَهُ بِطَعَام فَوَضعه بَين يَدَيْهِ فَلم يَأْكُل إِلَّا يَسِيرا حَتَّى قَالَ شبعت ثمَّ دَعَا لَهُ بقدح فَحلبَ فِيهِ فَلم يشرب إِلَّا يَسِيرا حَتَّى قَالَ رويت فَضرب رَسُول الله ﷺ على مَنْكِبه فَقَالَ أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله إِنَّك كنت أمس كَافِرًا وَإنَّك الْيَوْم مُؤمن وَإِن الْكَافِر يَأْكُل فِي سَبْعَة أمعاء وَإِن الْمُؤمن يَأْكُل فِي معاء وَاحِد

стр. 240

- الأَصْل السِّتُّونَ - فِي أَن للصَّائِم دَعْوَة مستجابة عِنْد إفطاره عَن ابْن عمر ﵄ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لكل عبد صَائِم دَعْوَة مستجابة عِنْد إفطاره اعطيها فِي الدُّنْيَا أَو ذخر لَهُ فِي الْآخِرَة فَكَانَ ابْن عمر ﵄ يَقُول عِنْد إفطاره يَا وَاسع الْمَغْفِرَة اغْفِر لي خص أمة مُحَمَّد ﷺ من بَين الْأُمَم فِي شَأْن الدُّعَاء فَقيل ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ وَإِنَّمَا كَانَ يكون ذَلِك للأنبياء ﵈ فَأعْطيت هَذِه الْأمة مَا أَعْطَيْت الْأَنْبِيَاء ﵈ فَلَمَّا دخل التَّخْلِيط فِي أُمُورهم من

стр. 241

أجل الشَّهَوَات الَّتِي استولت على قُلُوبهم حجبت قُلُوبهم فالصوم منع النَّفس عَن الشَّهَوَات وَإِذا ترك شَهْوَته من أَجله صفا قلبه وَصَارَت دَعوته بقلب فارغ قد زايلته ظلمَة الشَّهَوَات وتولته الْأَنْوَار فاستجيب لَهُ فان كَانَ مَا يسْأَل فِي الْمَقْدُور عجل لَهُ وَإِن لم يكن كَانَ مدخورا لَهُ فِي الْآخِرَة وبلغنا أَن العَبْد إِذا دخل الْجنَّة أعطي من الْجنَّة بِقدر مَا يسْتَقرّ فِي ملكه ويجاز لَهُ ثَوَابه فَإِذا زيد قيل لَهُ هَذَا دعواتك الَّتِي كنت لَا ترى لَهَا إِجَابَة كَانَ لَك ذخْرا عَظِيما وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ يَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ قَالَ للصَّائِم عِنْد فطره دَعْوَة لَا ترد

стр. 242

- الأَصْل الْحَادِي وَالسِّتُّونَ - فِي سُجُود الشُّكْر عَن أبي بكر ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا جَاءَهُ الْأَمر يسر بِهِ خر لله سَاجِدا شكرا فالسجود أقْصَى حَالَة العَبْد فِي التَّوَاضُع لله تَعَالَى بِهِ ترتبط النِّعْمَة ويجتلب الْمَزِيد فالشكر رُؤْيَة العَبْد النِّعْمَة وَلَا يَنْفَكّ من رأى النِّعْمَة من الْجَبَّار إِذا استحيى خجل وتذلل وتواضع وَكَانَ رَسُول الله ﷺ من شَأْنه إِذا فَرح غض بَصَره وغض الْبَصَر من الْحيَاء لِأَن الْحيَاء فِي الْعَينَيْنِ من أجل أَن الْحيَاء من شَأْن الرّوح وبصره مُتَّصِل ببصر الرّوح وَأَيْضًا الْفَرح فِي الْقلب مؤد الى الْعين فَإِذا انْتهى الْفَرح إِلَى الْعين فَلم يغضها انْتَشَر الْفَرح وَقَوي فَلم يكن ﷺ يحب أَن ينتشر فرحه فِي دَار الأحزان حَتَّى يكون ذَلِك كُله فِي دَار الله تَعَالَى عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر ﵄ قَالَ جِئْت أَزور عَائِشَة ﵂ فَكَانَ رَسُول الله ﷺ يوحي إِلَيْهِ ثمَّ سرى

стр. 243

عَنهُ فَقَالَ يَا عَائِشَة ناوليني رِدَائي فناولته ثمَّ أَتَى الْمَسْجِد فَإِذا مُذَكّر يذكر فَجَلَسَ حَتَّى قضى الْمُذكر تَذكرته افْتتح ﴿حم تَنْزِيل من الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ فَسجدَ فطالت سجدته ثمَّ تسامع بِهِ أَظُنهُ قَالَ من كَانَ على ميلين وملىء عَلَيْهِ الْمَسْجِد وَأرْسلت عَائِشَة ﵂ فِي حَاجَتهَا أَن احضروا رَسُول الله ﷺ فَلَقَد رَأَيْت مِنْهُ أمرا مَا رَأَيْته مِنْهُ مُنْذُ كنت مَعَه فَرفع رَأسه فَقَالَ سجدت هَذِه السَّجْدَة شكرا لرَبي تَعَالَى فِيمَا أبلاني فِي أمتِي فَقَالَ لَهُ - أَحْسبهُ أَبُو بكر ﵁ -وماذا أبلاك فِي أمتك قَالَ أَعْطَانِي سبعين ألفا من أمتِي يدْخلُونَ الْجنَّة فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن امتك كثير طيب فازدد يَا رَسُول الله قَالَ قد فعلت فَأَعْطَانِي مَعَ كل وَاحِد من السّبْعين الْألف سبعين ألفا قَالَ يَا رَسُول الله ازدد لأمتك فَقَالَ بيدَيْهِ ثمَّ قَالَ بهما إِلَى صَدره أَو إِلَى بعض جسده فَقَالَ عمر أَو غَيره أوعيت يَا رَسُول الله أَو كلمة نَحْوهَا عَن عبد الله بن بكر أبي وهب السَّهْمِي حَدثنَا هِشَام بن حسان عَن الْقَاسِم بن مهْرَان عَن مُوسَى بن وردان عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله تَعَالَى أَعْطَانِي سبعين ألفا من أمتِي يدْخلُونَ الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب فَقَالَ عمر يَا رَسُول الله فَهَلا استزدته قَالَ قد استزدته فَأَعْطَانِي مَعَ كل وَاحِد من السّبْعين الْألف سبعين ألفا فَقَالَ ﵁ يَا رَسُول الله فَهَلا استزدته قَالَ استزدته فَأَعْطَانِي هَكَذَا وَفتح أَبُو وهب يَدَيْهِ قَالَ أَبُو وهب قَالَ هِشَام هَذَا من الله لَا يدْرِي مَا عدده

стр. 244

وَهَذَا الحَدِيث أتم وَأَشْبع وَالْأول لم يذكر فِيهِ أَنهم يدْخلُونَ الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وَعَن قيس بن أبي حَازِم عَن أبي بكر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَعْطَيْت سبعين ألفا من أمتِي يدْخلُونَ الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب قُلُوبهم على قلب رجل وَاحِد واستزدت فزادني مَعَ كل وَاحِد سبعين ألفا وَعَن أم قيس أَن رَسُول الله ﷺ خرج آخِذا بِيَدِهَا فِي سكَّة من سِكَك الْمَدِينَة حَتَّى انْتهى إِلَى بَقِيع الْغَرْقَد فَقَالَ يبْعَث مِنْهَا سَبْعُونَ ألفا يَوْم الْقِيَامَة فِي صُورَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر يدْخلُونَ الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب فَقَامَ رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله ادْع الله أَن يَجْعَلنِي مِنْهُم قَالَ أَنْت مِنْهُم فَقَامَ آخر فَقَالَ يَا رَسُول الله ادْع الله أَن يَجْعَلنِي مِنْهُم فَقَالَ سَبَقَك بهَا عكاشة فَهَذَا الْعدَد من مَقْبرَة وَاحِدَة فَكيف سَائِر مَقَابِر أمته وَإِنَّمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ أَنْت مِنْهُم كَأَنَّهُ رأى فِيهِ أَنه مِنْهُم وَالْآخر لم يره بِموضع ذَاك وَأم قيس هِيَ ابْنة مُحصن وَهِي أُخْت عكاشة بن مُحصن الْأَسدي فالسبعون الْألف الْأَولونَ سقط عَنْهُم الْحساب لِأَن الله تَعَالَى أَيّدهُم بِالْيَقِينِ حَتَّى عاملوا الله تَعَالَى على الصدْق وَالْوَفَاء بيقينهم وهم أَوْلِيَاء الله تَعَالَى لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ وهم السَّابِقُونَ المقربون يشفع كل وَاحِد مِنْهُم فِي سبعين ألفا مِمَّن احتسب لِلْحسابِ

стр. 245

فِي الْموقف مِمَّن وَجَبت لَهُ الْجنَّة ثمَّ يشفع كل وَاحِد مِنْهُم فِي سبعين ألفا مِمَّن وَجب عَلَيْهِ الْوُقُوف طول الْموقف عَن عبد الله ابْن أبي أوفى قَالَ إِن رَسُول الله ﷺ لما أَتَى بِرَأْس أبي جهل صلى رَكْعَتَيْنِ وَصلى بهم يَوْم الْفَتْح رَكْعَتَيْنِ وَسجد عمر بن عبد الْعَزِيز ثَلَاث سَجدَات تباعا حَيْثُ روى لَهُ أَبُو بردة بن أبي مُوسَى عَن أَبِيه عَن رَسُول الله ﷺ الحَدِيث الَّذِي قَالَ يجاء باليهودي وَالنَّصْرَانِيّ يَوْم الْقِيَامَة فَيُقَال هَذَا فداؤك يَا مُسلم من النَّار

стр. 246

- الأَصْل الثَّانِي وَالسِّتُّونَ - فِي بَيَان أفضل الصَّدَقَة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من صَدَقَة بِأَفْضَل من صَدَقَة يتصدقها على مَمْلُوك عِنْد مليك سوء فالمملوك عِنْد المليك السوء مُضْطَر وَالصَّدَََقَة على الْمُضْطَر أَضْعَاف مضاعفة لأَنهم ثَلَاثَة أَصْنَاف فَقير مستغن عَن الصَّدَقَة فِي ذَلِك الْوَقْت وفقير مُحْتَاج ومضطر فالصدقة على المستغنى عَنهُ وَهُوَ فِي حد الْفقر صَدَقَة وَالصَّدَََقَة على الْمُحْتَاج مضاعفة وَالصَّدَََقَة على الْمُضْطَر أَضْعَاف مضاعفة والمملوك عِنْد المليك السوء انتظمت حَالَته هَذِه الثَّلَاث هُوَ فَقير وَهُوَ مُحْتَاج وَهُوَ مُضْطَر

стр. 247

- الأَصْل الثَّالِث وَالسِّتُّونَ - فِي أَنه ﷺ كَانَ يحب الفأل الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا بعثتم إِلَيّ رَسُولا فَاجْعَلُوهُ حسن الْوَجْه حسن الِاسْم هَذَا من طَرِيق التفاؤل وَذَلِكَ أَن أهل الْيَقَظَة والانتباه يرَوْنَ الْأَشْيَاء كلهَا من الله تَعَالَى وَإِذا ورد وَارِد حسن الْوَجْه حسن الِاسْم تفاءل بِهِ وَهُوَ حسن الظَّن بِاللَّه تَعَالَى وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يتفاءل وَلَا يتطير لِأَن التفاؤل هُوَ حسن الظَّن بِاللَّه تَعَالَى والفأل هُوَ شَيْء يخص بِهِ قوم وَلَيْسَ يكون لكل أحد كالفراسة والألهام وكالحكمة وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ الفأل مُرْسل فَمن أعطي حظا من التفاؤل انْتفع بِهِ كمن أعطي الفراسة فَلهُ مِنْهَا حَظّ وَمن لم يُعْط لم يكن لَهُ مِنْهَا حَظّ والفأل قريب من الْأَركان والحظ نَحوه

стр. 248

وَكَانَت قُرَيْش جعلت مائَة من الأبل فِي من يَأْخُذ نَبِي الله ﷺ فَيردهُ عَلَيْهِم حَيْثُ توجه إِلَى الْمَدِينَة فَركب بُرَيْدَة فِي سبعين رَاكِبًا من أهل بَيته من بني سهم فَتلقى نَبِي الله فَقَالَ لَهُ نَبِي الله ﷺ من أَنْت قَالَ أَنا بُرَيْدَة فَالْتَفت إِلَى أبي بكر ﵁ فَقَالَ يَا أَبَا بكر برد أمرنَا وَصلح فَقَالَ وَمِمَّنْ قَالَ من اسْلَمْ فَقَالَ لأبي بكر سلمنَا قَالَ ثمَّ مِمَّن قَالَ من بني سهم قَالَ خرج سهمك فَأسلم بريده وَأسلم الَّذين مَعَه جَمِيعًا فَلَمَّا أَن أصبح قَالَ بريده لنَبِيّ الله ﷺ لَا تدخل الْمَدِينَة إِلَّا ومعك لِوَاء فَحل عمَامَته ثمَّ شدّ بهَا فِي رمح ثمَّ مَشى بَين يَدَيْهِ ﷺ فَقَالَ يَا نَبِي الله تنزل عَليّ فَقَالَ إِن نَاقَتي مأمورة فسارت حَتَّى وقفت على بَاب أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ ﵁ فبركت فَقَالَ بُرَيْدَة الْحَمد لله الَّذِي أسلم بَنو سهم طائعين غير مكرهين وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ قَالَ الله تَعَالَى أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي فليظن بِي مَا شَاءَ فَإِذا أحسن ظَنّه وفى لَهُ بِمَا أمل وَظن والتطير سوء الظَّن بِاللَّه وهروب من قَضَائِهِ والعقوبة إِلَيْهِ سريعة أَلا ترى إِلَى الْعِصَابَة الَّتِي فرت من الطَّاعُون كَيفَ أماتهم قَالَ الله تَعَالَى ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين خَرجُوا من دِيَارهمْ وهم أُلُوف حذر الْمَوْت فَقَالَ لَهُم الله موتوا ثمَّ أحياهم﴾ عَن أبي رَافع قَالَ أتيت رَسُول الله ﷺ وَمَعِي مكتل فِيهِ شَاة

стр. 249

مشوية فَقَالَ لي يَا أَبَا رَافع ضع مَا مَعَك ثمَّ قَالَ ناولني الذِّرَاع فناولته فَأكلهَا ثمَّ قَالَ ناولني الذِّرَاع فناولته فَأكلهَا ثمَّ قَالَ ناولني الذِّرَاع فَقلت وَهل للشاة أَكثر من ذراعين فَقَالَ لَو سكت لوجدتها

стр. 250

- الأَصْل الرَّابِع وَالسِّتُّونَ - فِي معنى الْفطْرَة الْأَصْلِيَّة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ كَمَا تناتج الْإِبِل من بَهِيمَة جَمْعَاء هَل يحس من جَدْعَاء قَالُوا يَا رَسُول الله أَفَرَأَيْت من يَمُوت صَغِيرا قَالَ الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين على الْفطْرَة أَي على الْإِسْلَام وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى أَخذ من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ وأشهدهم على أنفسهم فأسلموا لَهُ طَوْعًا وَكرها وألقوا بأيدهم اعترافا بربويته فَمنهمْ مُسلم وَمِنْهُم مستسلم وَفِي الْجُمْلَة كلهم أقرُّوا لَهُ بالربوبية وَحده وبالسمع وَالطَّاعَة لَهُ فَأخذ عَلَيْهِم الْمِيثَاق ثمَّ ردهم إِلَى الأصلاب فَلَمَّا خَرجُوا من الْأَرْحَام الى الدُّنْيَا مولودين إِنَّمَا خَرجُوا على تِلْكَ الْفطْرَة فَمن وَلَده يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ أَو مَجُوسِيّ فَالْوَلَد فِي الحكم لَهُ
следующие страницы →