Полный текст (1 237 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
- الأَصْل الثَّانِي وَالسِّتُّونَ
-
فِي بَيَان أفضل الصَّدَقَة
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من صَدَقَة بِأَفْضَل من صَدَقَة يتصدقها على مَمْلُوك عِنْد مليك سوء فالمملوك عِنْد المليك السوء مُضْطَر وَالصَّدَََقَة على الْمُضْطَر أَضْعَاف مضاعفة لأَنهم ثَلَاثَة أَصْنَاف فَقير مستغن عَن الصَّدَقَة فِي ذَلِك الْوَقْت وفقير مُحْتَاج ومضطر فالصدقة على المستغنى عَنهُ وَهُوَ فِي حد الْفقر صَدَقَة وَالصَّدَََقَة على الْمُحْتَاج مضاعفة وَالصَّدَََقَة على الْمُضْطَر أَضْعَاف مضاعفة والمملوك عِنْد المليك السوء انتظمت حَالَته هَذِه الثَّلَاث هُوَ فَقير وَهُوَ مُحْتَاج وَهُوَ مُضْطَر
стр. 247
- الأَصْل الثَّالِث وَالسِّتُّونَ
-
فِي أَنه ﷺ كَانَ يحب الفأل الْحسن
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا بعثتم إِلَيّ رَسُولا فَاجْعَلُوهُ حسن الْوَجْه حسن الِاسْم
هَذَا من طَرِيق التفاؤل وَذَلِكَ أَن أهل الْيَقَظَة والانتباه يرَوْنَ الْأَشْيَاء كلهَا من الله تَعَالَى وَإِذا ورد وَارِد حسن الْوَجْه حسن الِاسْم تفاءل بِهِ وَهُوَ حسن الظَّن بِاللَّه تَعَالَى وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يتفاءل وَلَا يتطير لِأَن التفاؤل هُوَ حسن الظَّن بِاللَّه تَعَالَى والفأل هُوَ شَيْء يخص بِهِ قوم وَلَيْسَ يكون لكل أحد كالفراسة والألهام وكالحكمة وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ الفأل مُرْسل
فَمن أعطي حظا من التفاؤل انْتفع بِهِ كمن أعطي الفراسة فَلهُ مِنْهَا حَظّ وَمن لم يُعْط لم يكن لَهُ مِنْهَا حَظّ والفأل قريب من الْأَركان والحظ نَحوه
стр. 248
وَكَانَت قُرَيْش جعلت مائَة من الأبل فِي من يَأْخُذ نَبِي الله ﷺ فَيردهُ عَلَيْهِم حَيْثُ توجه إِلَى الْمَدِينَة فَركب بُرَيْدَة فِي سبعين رَاكِبًا من أهل بَيته من بني سهم فَتلقى نَبِي الله فَقَالَ لَهُ نَبِي الله ﷺ من أَنْت قَالَ أَنا بُرَيْدَة فَالْتَفت إِلَى أبي بكر ﵁ فَقَالَ يَا أَبَا بكر برد أمرنَا وَصلح فَقَالَ وَمِمَّنْ قَالَ من اسْلَمْ فَقَالَ لأبي بكر سلمنَا قَالَ ثمَّ مِمَّن قَالَ من بني سهم قَالَ خرج سهمك فَأسلم بريده وَأسلم الَّذين مَعَه جَمِيعًا فَلَمَّا أَن أصبح قَالَ بريده لنَبِيّ الله ﷺ لَا تدخل الْمَدِينَة إِلَّا ومعك لِوَاء فَحل عمَامَته ثمَّ شدّ بهَا فِي رمح ثمَّ مَشى بَين يَدَيْهِ ﷺ فَقَالَ يَا نَبِي الله تنزل عَليّ فَقَالَ إِن نَاقَتي مأمورة فسارت حَتَّى وقفت على بَاب أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ ﵁ فبركت فَقَالَ بُرَيْدَة الْحَمد لله الَّذِي أسلم بَنو سهم طائعين غير مكرهين
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ قَالَ الله تَعَالَى أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي فليظن بِي مَا شَاءَ فَإِذا أحسن ظَنّه وفى لَهُ بِمَا أمل وَظن والتطير سوء الظَّن بِاللَّه وهروب من قَضَائِهِ والعقوبة إِلَيْهِ سريعة أَلا ترى إِلَى الْعِصَابَة الَّتِي فرت من الطَّاعُون كَيفَ أماتهم قَالَ الله تَعَالَى ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين خَرجُوا من دِيَارهمْ وهم أُلُوف حذر الْمَوْت فَقَالَ لَهُم الله موتوا ثمَّ أحياهم﴾
عَن أبي رَافع قَالَ أتيت رَسُول الله ﷺ وَمَعِي مكتل فِيهِ شَاة
стр. 249
مشوية فَقَالَ لي يَا أَبَا رَافع ضع مَا مَعَك ثمَّ قَالَ ناولني الذِّرَاع فناولته فَأكلهَا ثمَّ قَالَ ناولني الذِّرَاع فناولته فَأكلهَا ثمَّ قَالَ ناولني الذِّرَاع فَقلت وَهل للشاة أَكثر من ذراعين فَقَالَ لَو سكت لوجدتها
стр. 250
- الأَصْل الرَّابِع وَالسِّتُّونَ
-
فِي معنى الْفطْرَة الْأَصْلِيَّة
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ كَمَا تناتج الْإِبِل من بَهِيمَة جَمْعَاء هَل يحس من جَدْعَاء قَالُوا يَا رَسُول الله أَفَرَأَيْت من يَمُوت صَغِيرا قَالَ الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين على الْفطْرَة أَي على الْإِسْلَام
وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى أَخذ من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ وأشهدهم على أنفسهم فأسلموا لَهُ طَوْعًا وَكرها وألقوا بأيدهم اعترافا بربويته فَمنهمْ مُسلم وَمِنْهُم مستسلم وَفِي الْجُمْلَة كلهم أقرُّوا لَهُ بالربوبية وَحده وبالسمع وَالطَّاعَة لَهُ فَأخذ عَلَيْهِم الْمِيثَاق ثمَّ ردهم إِلَى الأصلاب فَلَمَّا خَرجُوا من الْأَرْحَام الى الدُّنْيَا مولودين إِنَّمَا خَرجُوا على تِلْكَ الْفطْرَة فَمن وَلَده يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ أَو مَجُوسِيّ فَالْوَلَد فِي الحكم لَهُ
стр. 251
قَالَ المُصَنّف ﵀ الْوَلَد فِي الحكم لِأَبِيهِ دون أمه لِأَن الْعِظَام والعصب وَالْعُرُوق من الْأَب وَاللَّحم وَالدَّم وَالشعر وَالْجَلد من الْأُم فَأصل الْجَسَد من الْأَب أَلا ترى أَن اللَّحْم وَالدَّم وَالْجَلد وَالشعر يذهب وَيَجِيء والجسد بَاقٍ وَالْعِظَام والعصب وَالْعُرُوق إِذا ذهب ذهب الْجَسَد وَلذَلِك نسب إِلَى أَبِيه والعصوبة لَهُ فِي الْمِيرَاث وَالْولَايَة وَسَائِر الْأَحْكَام
أما قَوْله كَمَا تناتج الابل هَل يحس من جَدْعَاء فَإِنَّهُ يَقُول ان الانعام إِذا تناتجت فمولودهن صَحِيح سوي فَعمد الْمُشْركُونَ فجدعوا آذانها
روى عَوْف بن مَالك الْجُشَمِي ﵁ قَالَ أتيت رَسُول الله ﷺ فَصَعدَ فِي الْبَصَر وَصَوَّبَهُ وَقَالَ أرب إبل أَنْت ام رب غنم قلت من كل المَال قد آتَانِي الله تَعَالَى فَأكْثر وَأطيب قَالَ أفلست تنتجها وافية أعينها وآذانها قلت بلَى قَالَ فتجدع آذانها فَتَقول صرماء وتشق من هَذِه فَتَقول بحيرة فساعد الله أَشد من ساعدك وموساه أحد لَو شَاءَ الله أَن يَأْتِيك بهَا صرماء فعل
فَقَوْل رَسُول الله ﷺ حَيْثُ قَالَ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ كَمَا تناتج الْإِبِل فَهَل تحس من جدعا أَي أَن الله تَعَالَى خلقه سويا وافرا وافيا فَأنْتم جدعتموه وَكَذَلِكَ خلق الله تَعَالَى هَذَا الْمَوْلُود على الْفطْرَة الَّتِي فطرهم حَيْثُ استخرجهم من صلب آدم ﵇ معترفين لَهُ بالربوبية وَأَنْتُم هودتموه ونصرتموه وَمِنْه قَول الله تَعَالَى ﴿صبغة الله وَمن أحسن من الله صبغة﴾
стр. 252
كَانَت الْيَهُود إِذا ولد لَهُم ولد صبغته وَكَانَت النَّصَارَى إِذا ولد لَهُم مَوْلُود صبغته فِي مَاء لَهُم يَقُولُونَ تطهر بذلك فَقَالَ الله تَعَالَى ﴿صبغة الله﴾ أَي فطْرَة الله الَّتِي فطرهم عَلَيْهَا أحسن من صبغتهم
عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كل مَوْلُود يُولد من ولد كَافِر أَو مُسلم فَإِنَّمَا يولدون على الاسلام كلهم وَلَكِن الشَّيَاطِين أَتَتْهُم فَاجْتَالَتْهُمْ عَن دينهم فهودتهم ونصرتهم ومجستهم وأمرتهم أَن يشركوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَقَالَ الله تَعَالَى وَقَوله الْحق خلقت عبَادي حنفَاء وأمرتهم أَن لَا يشركوا بِي شَيْئا
عَن عِيَاض بن حمَار ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ فِي خطبَته ان الله تَعَالَى أَمرنِي أَن أعلمكُم وَقَالَ تَعَالَى خلقت عبَادي حنفَاء فأتتهم الشَّيَاطِين فَاجْتَالَتْهُمْ عَن دينهم وأمرتهم أَن يشركوا بِي وَحرمت عَلَيْهِم مَا أحللت عَلَيْهِم
قَالَ أَبُو عبد الله فَهَذَا بعد الْإِدْرَاك حِين عقلوا أَمر الدُّنْيَا وتأكدت حجَّة الله عَلَيْهِم وعملت أهواؤهم فِيهِ لِأَن الشَّيَاطِين وجدت قلوبا خَالِيَة وَالنَّفس وَالروح يعقلان أَمر الدُّنْيَا والمضار وَالْمَنَافِع والآيات ظَاهِرَة من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار وَهَذِه حجج الله على عبيده فَذَهَبت بأهوائهم يَمِينا وَشمَالًا وَأما الْمُؤْمِنُونَ فهم أهل منَّة الله تَعَالَى من الله عَلَيْهِم فَجعل لَهُم نورا فأحياهم فَقَالَ أَو من كَانَ مَيتا فأحييناه وَجَعَلنَا لَهُ نورا يمشي بِهِ فِي النَّاس
стр. 253
كمن مثله فِي الظُّلُمَات لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا) ﴿وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور﴾
فَأهل منته أحياهم الله تَعَالَى بنوره وَأهل عداوته حرمُوا ذَلِك فخابوا وَالْحجّة عَلَيْهِم قَائِمَة بِمَا أعْطوا من الْمعرفَة بِأُمُور الدُّنْيَا
قَالَ الله تَعَالَى ﴿قد أَفْلح من زكاها وَقد خَابَ من دساها﴾ إِنَّمَا زكاها بِنور الْمعرفَة وَإِنَّمَا دسي قلب الْكَافِر وَقَوله دسي ودسس ودس كُله بِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ أَن يدس بَاب قلبه كَمَا تدس الكوة حَتَّى لَا يَقع فِي الْبَيْت ضوء فَهُوَ بَيت مظلم وَقد مَال بِهِ هوى نَفسه
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا يَمُوت لأحد من الْمُسلمين ثَلَاثَة من الْوَلَد فتمسهم النَّار إِلَّا تَحِلَّة الْقسم
عَن معَاذ بن جبل ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ مَا من مُسلمين يتوفى لَهما ثَلَاثَة أَوْلَاد لم يبلغُوا الْحِنْث إِلَّا أَدخل الله تَعَالَى والديهم الْجنَّة بِفضل رَحمته إيَّاهُم وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن السقط ليجر أمه إِلَى الْجنَّة بسرره إِذا احتسب
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول يَا عَائِشَة من مَاتَ لَهُ فرطان من أمتِي أدخلهُ الله الْجنَّة بِفضل
стр. 254
رَحمته إيَّاهُم قَالَت يَا رَسُول الله فَمن كَانَ لَهُ فرط وَاحِد قَالَ وَمن كَانَ لَهُ فرط وَاحِد يَا موفقة قَالَت وَمن لم يكن لَهُ فرط قَالَ فَأَنا فرط أمتِي لم يصابو بمثلي
فَإِذا كَانَ الوالدن إِنَّمَا يدخلهم الله الْجنَّة بِفضل رَحمته للْوَلَد فَكيف يكون رَحمته للْوَلَد
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن أَوْلَاد الْمُسلمين أَيْن هم يَوْم الْقِيَامَة قَالَ فِي الْجنَّة يَا عَائِشَة وَسَأَلت عَن أَوْلَاد الْمُشْركين فَقَالَ فِي النَّار يَا عَائِشَة قلت لم يدركوا الْأَعْمَال يَا رَسُول الله وَلم تجر عَلَيْهِم الأقلام فَقَالَ رَسُول الله ﷺ رَبك أعلم بِمَا كَانُوا عاملين
عَن عَليّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن السقط ليراغم ربه إِذا إِذا أَدخل أَبَوَيْهِ النَّار فَيُقَال لَهُ أَيهَا السقط المراغم ربه قد أَدخل أَبَوَيْك الْجنَّة فَيَقُول لَا حَتَّى يجرهما بسرره
عَن معَاذ بن جبل ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ يُؤْتى يَوْم الْقِيَامَة بالممسوخ عقلا وبالهالك فِي الفترة وبالهالك صَغِيرا فَيَقُول الممسوخ عقلا يَا رب لَو آتيتني عقلا مَا كَانَ من آتيته عقلا بِأَسْعَد مني وَيَقُول الْهَالِك فِي الفترة يَا رب لَو أَتَانِي مِنْك عهد مَا كَانَ
стр. 255
من أَتَاهُ مِنْك عهد بِأَسْعَد بعهدك مني وَيَقُول الْهَالِك صَغِيرا يَا رب لَو آتيتني عمرا مَا كَانَ من آتيته عمرا بِأَسْعَد بعمره مني فَيَقُول الرب ﵎ فَإِنِّي آمركُم بِأَمْر أفتطيعونني فَيَقُولُونَ نعم وَعزَّتك فَيَقُول لَهُم فاذهبوا وادخلوا جَهَنَّم وَلَو دخلوها مَا ضرتهم شَيْئا فَتخرج عَلَيْهِم قوابض من نَار يظنون أَنَّهَا قد أهلكت مَا خلق الله من شَيْء فيرجعون سرَاعًا وَيَقُولُونَ يَا رَبنَا خرجنَا وَعزَّتك نُرِيد دُخُولهَا فَخرجت علينا قوابض من نَار فظننا أَنَّهَا قد أهلكت مَا خلق الله تَعَالَى من شَيْء ثمَّ يَأْمُرهُم ثَانِيَة فيرجعون وَيَقُولُونَ كَذَلِك فَيَقُول الرب خلقتكم على علمي وَإِلَى علمي تصيرون ضميهم فتأخذهم النَّار
عَن عبد الله بن شَدَّاد ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ أَتَاهُ رجل فَسَأَلَهُ عَن ذَرَارِي الْمُشْركين الَّذين هَلَكُوا صغَارًا فَوضع رَأسه سَاعَة ثمَّ قَالَ أَيْن السَّائِل فَقَالَ هَا أَنا ذَا يَا رَسُول الله فَقَالَ إِن الله تَعَالَى إِذا قضى بَين أهل الْجنَّة وَالنَّار لم يبْق غَيرهم عجوا فَقَالُوا اللَّهُمَّ رَبنَا لم يأتنا رَسُولك وَلم نعمل شَيْئا فَأرْسل اليهم ملكا وَالله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين فَقَالَ إِنِّي رَسُول ربكُم إِلَيْكُم فَانْطَلقُوا فَاتَّبعُوهُ حَتَّى أَتَوا النَّار فَقَالَ لَهُم إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تقتحموا فِيهَا فَاقْتَحَمت طَائِفَة مِنْهُم ثمَّ اخْرُجُوا من حَيْثُ لَا يشْعر أَصْحَابهم فَجعلُوا من السَّابِقين المقربين ثمَّ جَاءَهُم الرَّسُول ﵇ فَقَالَ إِن الله تَعَالَى يَأْمُركُمْ أَن تقتحموا فِي النَّار فَاقْتَحَمت طَائِفَة أُخْرَى ثمَّ أخرجُوا من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ فَجعلُوا من أَصْحَاب الْيَمين ثمَّ جَاءَ الرَّسُول فَقَالَ إِن الله تَعَالَى يَأْمُركُمْ أَن تقتحموا فِي النَّار فَقَالُوا رَبنَا لَا طَاقَة لنا بِعَذَابِك فَأمر بهم فَجمعت نواصيهم وأقدمهم ثمَّ القوا فِي النَّار
стр. 256
قَالَ أَبُو عبد الله الْوَلَد عُضْو من الرجل فَإِذا قدمه من قبل أَن يبلغ الْحِنْث فقد عتق من أسار الذُّنُوب وَفِي الشَّرْع أَن الْمَمْلُوك إِذا عتق جُزْء مِنْهُ شاعت الْحُرِّيَّة فِي جَمِيع أَجْزَائِهِ فَهَذَا الطِّفْل قدم على ربه وَهُوَ غير مَطْلُوب بذنب فَصَارَ حرا من رق الذُّنُوب وَهُوَ جُزْء من أَجزَاء الْوَالِدين
وَقَوله لم يبلغُوا الْحِنْث أَي مَا أدركوا مدرك الرِّجَال فتركوا الْوَفَاء بِمَا عَاهَدُوا يَوْم الْمِيثَاق
وَقَوله تَحِلَّة الْقسم يُرِيد قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها﴾
وَعَن أنس بن مَالك ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ إِنِّي سَأَلت رَبِّي أَوْلَاد الْمُشْركين فأعطانيهم خدما لأهل الْجنَّة قَالَ لأَنهم لم يدركهم مَا أدْرك آباؤهم من الشّرك وَلِأَنَّهُم فِي الْمِيثَاق الأول
стр. 257
- الأَصْل الْخَامِس وَالسِّتُّونَ
-
فِي بَيَان قَوْله ﷺ ان هَذَا المَال خضرَة حلوة
عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن هَذَا المَال خضرَة حلوة فَمن أَخذه بِحقِّهِ فلنعم المعونة هُوَ
الْأَخْذ على ثَلَاثَة أوجه عندنَا فالظالم يَأْخُذهُ تمتعا والمقتصد يَأْخُذهُ تزودا والمقرب يَأْخُذهُ تبلغا فالظالم لم يَأْخُذهُ بِحقِّهِ لِأَن الدُّنْيَا إِنَّمَا خلقت مُتْعَة للأعداء وهم الْكفَّار يتمتعون ويأكلون كَمَا تَأْكُل الْأَنْعَام وَالنَّار مثوى لَهُم فَهَذَا قد ظلم نَفسه حَيْثُ أَخذهَا أَخذ الْأَعْدَاء قَالَ الله تَعَالَى ﴿ذرهم يَأْكُلُوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فَسَوف يعلمُونَ﴾
стр. 258
لِأَن الْمُؤمن قد علم أَنه عَابِر سَبِيل وَلم يخلق للبقاء فِي هَذِه الدُّنْيَا فَهُوَ مُسَافر يقطع الدُّنْيَا بعمره إِلَى الله تَعَالَى وَاللَّيْل وَالنَّهَار يركضان بِهِ اليه وَقد آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الْأُخَر وَمن صدق إيمَانه أَن يرفع باله عَن الدُّنْيَا وييأس من الخلود فِيهَا وَيَأْخُذ مِنْهَا مَا يَأْخُذ المتزود لما بَين يَدَيْهِ من السّفر الطَّوِيل وَأخذ التزود أَن يكون لَهُ إِرَادَة فِيمَا يَأْخُذ مِنْهَا أَن يَأْخُذهَا لقوام دينه وَيقدم فَضله مَا بَين يَدَيْهِ ليَكُون ذَلِك زادا لَهُ فِي الْمَحْشَر فَالْأول ظَالِم أَخذه أَخذ الْأَعْدَاء وَهَذَا أَخذه بِحقِّهِ فلنعم المعونة وَالثَّالِث أَخذه تبلغا لِأَنَّهُ خلق مُحْتَاجا مُضْطَرّا لاينفك فِي دُنْيَاهُ أَيَّام حَيَاته من حَاجَة بِهِ إِلَيْهِ أما فِي نَفسه وَأما فِي المتصلين بِهِ من عِيَال وقرابة وجيرة واخوان من أجل حرا وبردا وجوع أَو عرى أَو نَوَائِب من سقم أَو غَيره
وتدبير رب الْعَالمين فِي هَذَا المَال أَنه وَضعه فِي هَذَا الدَّار وَأَنه يصلح بِهِ هَذِه الْمصَالح فَمَا تنَاول مِنْهُ تنَاول مِنْهُ تنَاول على التبلغ إِلَى الله تَعَالَى لينفذ عمره ويبلغ إِلَى ربه تَعَالَى دافعا هَذِه النوائب الَّتِي تنوبه فِي هَذِه الدُّنْيَا عَن نَفسه وَعَن هَؤُلَاءِ بِهَذَا المَال الَّذِي هَكَذَا دبره رب الْعَالمين وَكَانَ أَبُو بكر ﵁ بعد رَسُول الله ﷺ يُعْطي المَال بِغَيْر عدد وَلَا تَقْدِير يحثي حثوا وَيُعْطِي قبضات فراوده عمر ﵁ على أَن يقدر ويفضل الْمُهَاجِرين لفضلهم وَمن لَهُ قدوة فِي الْإِسْلَام يبرر لَهُ ذَلِك بِالْمَالِ فَأبى عَلَيْهِ وَقَالَ إِن هَذَا المَال بَلَاغ وَخير الْبَلَاغ أوسعه وأجورهم على الله تَعَالَى فَلَمَّا ولي عمر ﵁ فضل أَصْحَاب بدر وَجعل بَين النَّاس فَضَائِل فَفعل أبي بكر ﵁ فعل الصديقين المَال عِنْده بَلَاغ فَكلما تنَاول شَيْئا مِنْهُ فقدمه فِي نوع من أَنْوَاع الْبر لم يَجعله عدَّة ليَوْم فقره كَمَا فعل هَذَا المقتصد لِأَن عدَّة الصديقين والمقربين خالقهم وأعينهم مَادَّة إِلَى رَحمته والمقتصدون وَمن دونهم عدتهمْ خالقهم عدَّة الايمان فَإِذا صَارُوا إِلَى الْحَقَائِق صيروا أَعْمَالهم عدَّة
стр. 259
- الأَصْل السَّادِس وَالسِّتُّونَ
-
فِي أَن الِاخْتِيَار من الْخَيْر
عَن أبي بكر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا أَرَادَ أمرا قَالَ اللَّهُمَّ خر لي واختر لي
قَالَ أَبُو عبد الله الْخيرَات كلهَا من خيرته والصفوة من الْخيرَات محبوبة ومختارة خار لِعِبَادِهِ الْأَعْمَال وَالْأَفْعَال وَاخْتَارَ لنَفسِهِ من الَّذِي خار لَهُم فَذَاك محبوبه ومصطفاه سَأَلَهُ أَن يُخَيّر لَهُ أَن يرزقه الْخَيْر وَإِذا رزقه الْخَيْر وَقَاه الشَّرّ ثمَّ سَأَلَهُ أَن يخْتَار لَهُ من الْخَيْر محبوبه وَله دَعْوَة أُخْرَى فِي حَدِيث آخر وَهُوَ قَوْله ﷺ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك التَّوْفِيق لمحابك من الْأَعْمَال وَصدق التَّوَكُّل عَلَيْك وَحسن الظَّن بك
فَانْظُر إِلَى هَذِه الْخِصَال الثَّلَاث كانها نظام وَاحِد وَهَذَا بَاب غامض يخفى على الصَّادِقين وَإِنَّمَا ينْكَشف للصديقين دون الصَّادِقين لِأَن الصَّادِق يفتش عَن الْأَعْمَال كَيْلا يدْخل فِيهِ الْعَدو وَالنَّفس والهوى ويروجه عَلَيْهِ بخدعه فَهُوَ يَبْغِي الصدْق وَالْإِخْلَاص ويلحظه وَالصديق يلحظ فِي أَعماله إِلَى الله تَعَالَى لِأَنَّهُ استقام قلبه على الصدْق وانطرد عَنهُ الْهوى واختسأ الْعَدو فَهُوَ يفر من ظله وَهُوَ الَّذِي ينْكَشف لَهُ التَّوْفِيق
стр. 260
من الله لمحبوبه فَرب عمل هُوَ فِي الظَّاهِر أَعلَى وأشرف على أَلْسِنَة الرُّسُل ﵈ والكتب الْمنزلَة والمحبوب فِي ذَلِك الْوَقْت مَا هُوَ دونه فِي الظَّاهِر فَالَّذِي يُحِبهُ فِي ذَلِك الْوَقْت قد خَفِي على الْأَنْبِيَاء ﵈ حَتَّى سَأَلَهُ التَّوْفِيق لذَلِك
وَأما بَيَان انتظام هَذِه الْأُمُور فِي طلق فَهُوَ أَن الله تَعَالَى إِذا وَفقه لمحبوبه وَهُوَ أدنى فِي الظَّاهِر وآثر الْأَدْنَى وَإِن كَانَ الْأَدْنَى فِي الْحَقِيقَة من محاب الله تَعَالَى فَسَأَلَهُ صدق التَّوَكُّل والتوكل هُوَ أَن يتَّخذ الله وَكيلا ويفوض إِلَيْهِ جَمِيع أُمُوره فَسَأَلَهُ صدق ذَلِك حَتَّى لَا يتَرَدَّد وَلَا يتلكأ فِيهِ ويسارع فِيهِ كَمَا يُسَارع فِي الَّذِي كَانَ عِنْده أَعلَى
ثمَّ قَالَ وَأَسْأَلك حسن الظَّن بك فَإِن النَّفس إِذا مرت فِي الادون دَخلهَا سوء الظَّن من قبلهَا فَتَقول لعَلي فِيهِ مخذول إِذا أَقبلت على الادون وأعرضت عَن الْأَعْلَى فِي الظَّاهِر فَسَأَلَهُ حسن الظَّن كي لَا تَأْخُذهُ الْحيرَة وَلَا يخَاف أَنه خذل فلهذه الْخِصَال الثَّلَاث كلهَا منظومة مُحْتَاج إِلَيْهَا فِي طلق لَا يَسْتَغْنِي بِبَعْضِهَا عَن بعض لمن سَأَلَ أَن يخْتَار لَهُ محبوبه ويوفقه لمحابه من الْأُمُور
فَجَاءَت الرِّوَايَة عَن رَسُول الله ﷺ بِهَاتَيْنِ اللفظتين وَكِلَاهُمَا يؤديان إِلَى معنى وَاحِد قَوْله اختر لي وَقَوله وفقني لمحابك فالاختيار من الْخَيْر هُوَ محابه فِي ذَلِك الْوَقْت قَالَ لَهُ قَائِل صف لنا وَاحِدَة من هَذِه الْأُمُور نعتبر بهَا مَا سواهَا قَالَ نعم خرج رَسُول الله ﷺ مُعْتَمِرًا يزور بَيت الله الْحَرَام لبعد عَهده بِهِ قصد عَن الْبَيْت فَكَانَ محاب الله تَعَالَى فِي ذَلِك أَن يصالحهم ويعطيهم مَا يُرِيدُونَ من ذَلِك فَإِنَّهُم كَانُوا يُرِيدُونَ أَن لَا يدْخل مَكَّة فِي هَذِه الْهَيْئَة فحلق دون قَضَاء الْعمرَة وَنحر الْهَدْي وَلما يصل إِلَى الْبَيْت وَلم يبلغ محلهَا وَكَانَ فِي الظَّاهِر تَعْظِيم الْبَيْت والاعتمار وَالْوَفَاء بِالنذرِ وَهُوَ الاحرام وهدي الْبدن وَهِي سَبْعُونَ بَدَنَة أَعلَى عِنْدهم وأشرف وَالصُّلْح وَالرُّجُوع عَنْهُم
стр. 261
محاب الله فِي ذَلِك الْوَقْت فاتسع لهَذَا الْأَمر رَسُول الله ﷺ وَلم يضق بِهِ ذرعا واتسع أَبُو بكر ﵁ وضاق عمر ﵁ حَتَّى صَار إِلَى أبي بكر ﵁ فَقَالَ يَا أَبَا بكر أَلَيْسَ هَذَا رَسُول الله ﷺ أَو لَيْسَ نَحن الْمُسلمُونَ فَقَالَ بلَى فَقَالَ فعلى م نعطي الدنية فِي ديننَا وهم الْكفَّار قَالَ أَبُو بكر ﵁ يَا عمر الزم غرز رَسُول الله ﷺ واسمع وأطع فَإِنِّي أشهد أَنه رَسُول الله ﷺ قَالَ وَأَنا أشهد فَلم يصبر على ذَلِك فَأتى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله أَلَسْت رَسُول الله أولسنا بِالْمُسْلِمين أوليسوا بالمشركين قَالَ بلَى قَالَ فعلى م نعطي الدنية فِي ديننَا وهم الْكفَّار قَالَ أَنا عبد الله وَرَسُوله وَلنْ أُخَالِف أمره وَلنْ يضيعني
قَالَ عمر ﵁ فمازلت أَصوم وأصلي وأتصدق وَأعْتق من الَّذِي صنعت مَخَافَة كَلَامي الَّذِي تَكَلَّمت بِهِ يَوْمئِذٍ
فَصَالح رَسُول الله ﷺ الْمُشْركين وَكتب الْكتاب فِيمَا بَينهم على وضع الْحَرْب عشر سِنِين يَأْمَن مِنْهُم النَّاس ويكف بَعضهم عَن بعض فَأمنُوا وَلَقي بَعضهم بَعْضًا وخالطوهم وَاسْتَمعُوا إِلَى الْقُرْآن وَإِلَى مَا جَاءَ بِهِ عَن الله تَعَالَى وَالرجل يكلم أَخَاهُ وَصديقه ورحمه بذلك فَدخل النَّاس أَفْوَاجًا فِي دين الله مثل مَا دخلُوا فِي سِنِين كَثِيرَة
فَانْظُر إِلَى رَسُول الله ﷺ كَيفَ فوض أمره إِلَى الله تَعَالَى وأبرز صدق توكله وَكَيف حسن ظَنّه بِاللَّه تَعَالَى فَقَالَ إِنِّي لن أُخَالِف أمره وَلنْ يضيعني وَكَيف تَابعه على ذَلِك أَبُو بكر ﵁ واتسع
стр. 262
فِيهِ وَكَيف ضَاقَ عمر ﵁ وَمن بعد عمر عَامَّة أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ حَتَّى بلغ من أَمرهم أَنه أَمر مناديه فَنَادَى بِأَن يحلقوا رؤوسهم فَلم يحلقوا حَتَّى دخل رَسُول الله ﷺ الْخَيْمَة فَقَالَ يَا أم سَلمَة أَلا تَرين أَن النَّاس لَا يحلقون فَقَالَت يَا نَبِي الله بِأبي أَنْت وَأمي احْلق أَنْت فَلَو قد رأوك حلقت لقد فَعَلُوهُ فحلق رَسُول الله ﷺ فَأخذ النَّاس يحلقون وَمِنْهُم من قصر فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر للمحلقين قَالُوا والمقصرين يَا رَسُول الله قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر للمحلقين قَالُوا والمقصرين يَا رَسُول الله قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر للمحلقين قَالُوا والمقصرين يَا رَسُول الله قَالَ والمقصرين قَالُوا ظَاهَرت بالترحم وَالْمَغْفِرَة للمحلقين قَالَ لأَنهم لم يشكوا
فَلَيْسَ هَذَا شكا فِي أصل الْفِعْل إِنَّمَا الشَّك هُنَا ضيق الصَّدْر بذلك الْفِعْل احتاجوا إِلَى أَن يحلقوا وهم فِي إِحْرَام وَلم يحلوا بعد لِأَن السَّبِيل كَانَ عِنْدهم فِي الْجَاهِلِيَّة وراثة أَن لَا يحل أحد من إِحْرَامه دون الطّواف بِالْبَيْتِ فَلَمَّا أَمرهم بِالْحلقِ استعظموا ذَلِك وَضَاقَتْ صُدُورهمْ ثمَّ اتَّبعُوهُ فقصروا كَأَنَّهُمْ على كَرَاهَة شَدِيدَة وَهَذَا من خلق النَّفس وكزازته فحرموا الدعْوَة للكزازة الَّتِي فيهم وركوب الْهوى
وَقَول رَسُول الله ﷺ إِنِّي لن أُخَالِف أمره أَي لن أُخَالِف أَمر الله أَي لن أُخَالِف مَا استقبلني من وَجه الْأَمر وَمن توفيقه لما هُوَ أحب إِلَيْهِ وَذَلِكَ أَن أهل مَكَّة لما تلقوهُ ليردوه فِي جمعهم أَخذ رَسُول الله ﷺ فِي أَسْفَل مَكَّة فَلَمَّا بلغ الْحُدَيْبِيَة بَركت نَاقَته فَقَالَ النَّاس
стр. 263
خلأت أَي حزنت فَقَالَ ﷺ مَا خلأت وَمَا لَهَا ذَلِك بِخلق كَأَن مَعْنَاهُ أَن هَذِه نَاقَة مسخرة لصَاحِبهَا وصاحبها لَيْسَ بحرون فَإِذا لم يحرن الَّذِي سخر على ربه لم تحرن المسخرة فَقَالَ مَا خلأت وَلَكِن حَبسهَا حَابِس الْفِيل فَعلم أَن بروك النَّاقة هَهُنَا لَيْسَ من الحرانة لِأَنَّهُ لم يحرن على ربه فِي أمره وَلَكِن هَذَا شَيْء بديع قد اخْتَار لَهُ ربه مَا هُوَ أحب إِلَيْهِ فَنزل وعسكر هُنَاكَ وانتظر مَا يكون ثمَّ وَجه الرُّسُل إِلَى أهل مَكَّة وَاحِدًا بعد آخر أَنِّي لم أجئكم لِحَرْب وَإِنَّمَا جِئْت مُعظما للبيت وَمَعِي هدي فعاهدوا الله أَن لَا يدخلهَا أبدا أَو نحاربك ثمَّ كَانَ من تِلْكَ الرُّسُل عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ فَأَتَاهُ الْخَبَر أَن عُثْمَان قد قتل فَانْتدبَ رَسُول الله ﷺ لحربهم وَقَالَ لَا نَبْرَح حَتَّى نناجزهم فَدَعَا إِلَى الْبيعَة تَحت الشَّجَرَة فَبَايعُوهُ فَقَالَ أَصْحَابه بعد ذَلِك بِحِين بَايعنَا رَسُول الله ﷺ على الْمَوْت وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّن فهم الْأَمر لم نُبَايِعهُ على الْمَوْت لَكِن بَايَعْنَاهُ على أَن لَا نفر فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة﴾ الْآيَة فَأوجب لَهُم رِضَاهُ وبشرهم بذلك وَوَعدهمْ النُّصْرَة وَالْفَتْح
وَكَانَ رَسُول الله ﷺ رأى فِي الطَّرِيق رُؤْيا أَن يدْخل الْمَسْجِد الْحَرَام مَعَ أَصْحَابه مُحَلِّقِينَ وَمُقَصِّرِينَ لَا يخَافُونَ فَأخْبر بهَا أَصْحَابه فَلم يشكوا أَنَّهَا تفتح لَهُم فَلَمَّا اسْتَقْبَلَهُمْ هَذَا الصُّلْح شكوا فِي الرُّؤْيَا وَسَاءَتْ ظنون كثير مِنْهُم قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَجعل من دون ذَلِك فتحا قَرِيبا﴾ فصالحوا وَانْصَرفُوا فَخَرجُوا إِلَى خَيْبَر فَفتح الله عَلَيْهِم فاستأصلوا الْيَهُود وهم اُحْدُ الْأَعْدَاء وغنموا العنائم الْكَثِيرَة وتقووا بِمَا
стр. 264
غنموا وَأخذُوا الْعدة من الكراع وَالسِّلَاح وَبلغ الْمُشْركين ذَلِك فذلوا وانقصموا
وَعَاد رَسُول الله ﷺ من الْعَام الْمقبل فَقضى عمرته وأخلوا لَهُ مَكَّة من نِسَائِهِم وَأَوْلَادهمْ حَتَّى انْصَرف ثمَّ عَاد من الْعَام الْقَابِل لفتح مَكَّة فِي عشرَة آلَاف رجل وَكَانَ ذَلِك الْعَام الَّذِي صدر عَنهُ فِي سَبْعمِائة وَكثر أَصْحَابه لدُخُول النَّاس فِي دين الله وَذَلِكَ للصلح الَّذِي كَانَ بَينهم وَمَا الْتَقَوْا فوعظ بَعضهم بَعْضًا وَقَرَأَ عَلَيْهِم مَا نزل
فَانْظُر إِلَى محاب الله تَعَالَى ومختاره وَإِلَى محاب الْخلق ومختارهم فقد كَانَ مُخْتَار الْخلق أَن يدخلوها عنْوَة فيقتلون وَيقْتلُونَ وَقد كَانَ لله فِيهَا أَوْلِيَاء قد اجتباهم واختارهم وسبقت لَهُم مِنْهُ الْحسنى وَلم يجىء وَقت إسْلَامهمْ بعد وَفِيهِمْ أَيْضا قد أَسْلمُوا من الْمُسْتَضْعَفِينَ نسَاء وشيوخا وعجزة وَلَو دخلوها بِقِتَال لأصابهم معرة الْجَيْش فَقَالَ الله تَعَالَى فِي تَنْزِيله الْكَرِيم ﴿وَهُوَ الَّذِي كف أَيْديهم عَنْكُم وَأَيْدِيكُمْ عَنْهُم بِبَطن مَكَّة من بعد أَن أَظْفَرَكُم عَلَيْهِم﴾
وَكَانَت طَائِفَة من أهل مَكَّة خَرجُوا عَلَيْهِ من وَرَاء عسكره فَهَزَمَهُمْ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَأخذُوا أسراء فَأعْتقهُمْ رَسُول الله ﷺ فَلذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿من بعد أَن أَظْفَرَكُم عَلَيْهِم﴾
ثمَّ قَالَ وَلَوْلَا رجال مُؤمنُونَ وَنسَاء مؤمنات لم تعلموهم أَن تطئوهم فتصيبكم مِنْهُم معرة بِغَيْر علم إِلَى قَوْله ﴿عذَابا أَلِيمًا﴾
стр. 265
فَهَؤُلَاءِ رجال مُؤمنُونَ وَنسَاء مؤمنات قد كَانُوا هُنَاكَ فِي أَيْديهم مستضعفين فَلَو دَخَلْتُم الْحَرْب لوطأتهم الْخَيل وهلكوا وَلَو تزيلوا أَي فارقوهم وزايلوهم لعذبنا الَّذين كفرُوا أَي لنسلطنك عَلَيْهِم بِالْحَرْبِ حَتَّى تقتلهم وَلَكِن هيأ الصُّلْح وَحبس النَّاقة فبركت فَلَمَّا بَركت قَالَ رَسُول الله ﷺ حَبسهَا حَابِس الْفِيل لَا تَدعُونِي الْيَوْم قُرَيْش إِلَى خطة فِيهَا صلَة الرَّحِم إِلَّا أَعطيتهم إِيَّاهَا
وَكَانَ رجال مُؤمنُونَ وَنسَاء مؤمنات فِي أصلاب الْآبَاء وأرحام الْأُمَّهَات لم يخرجهم الله تَعَالَى إِلَى الدُّنْيَا وَكَانَ فِي سَابق علمه أَنه يخرجهم إِلَى مُدَّة وأسماؤهم مَكْتُوبَة فِي اللَّوْح بالسعادة من الله تَعَالَى فَلَو دخلوها عنْوَة لهلك آباؤهم وأمهاتهم فِي الْحَرْب ومعرة الْجَيْش فَلَو تزيلوا أَي زايلوا الأصلاب والأرحام لعذبنا الَّذين كفرُوا أَي الْآبَاء والأمهات الْكَفَرَة وأنجينا هَؤُلَاءِ الْأَطْفَال الَّذين هم فِي علمي أوليائي فَهَيَّأَ الله الصُّلْح بَينهم حَتَّى تَوَالَدُوا وَخَرجُوا من أصلاب آبَائِهِم من يعبد الله وَحده وتهيأ للمستضعفين حَال نجاح وَفتح الله تَعَالَى مَكَّة شرفها الله تَعَالَى من الْعَام الثَّالِث عَلَيْهِم وأظفره بهم
وَمن قبل فتح مَكَّة سهل الله سَبيله حَتَّى جَاءَ قَاضِيا لعمرته فِي ذَلِك الشَّهْر الَّذِي كَانَ جَاءَ أول عَام الْحُدَيْبِيَة فَاعْتَمَرَ وغاظ الْمُشْركين فِي ذَلِك واقتص الله لنَبيه ﷺ مِنْهُم كَمَا ردُّوهُ وصدوه عَن الْعمرَة فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿الشَّهْر الْحَرَام بالشهر الْحَرَام والحرمات قصاص﴾
ثمَّ فتح الله تَعَالَى عَلَيْهِ مَكَّة من الْعَام الثَّالِث من الْحُدَيْبِيَة وَهُوَ سنة
стр. 266
ثَمَان من الْهِجْرَة وَكَانَت الْحُدَيْبِيَة سنة سِتّ وَقَضَاء الْعمرَة فِي سنة سَبْعَة وافتتح مَكَّة سنة ثَمَان من الْهِجْرَة فغص الْمَسْجِد الْحَرَام بأصحاب رَسُول الله ﷺ وَكَانَ فِي عشرَة آلَاف حَتَّى لم تَجِد نَاقَته موضعا تبرك فِيهِ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى دنا من الْبَيْت فاحتملوه على أَيدي الرِّجَال فَدَعَا بالمفتاح فَفتح لَهُ فَدخل الْبَيْت فصلى فِيهِ ثمَّ خرج فَوقف على الْبَاب فَقَالَ الله أكبر الله أكبر صدق الله وعده ونصرعبده وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده
فَانْظُر إِلَى هَذِه الْكَلِمَات عظم ربه وَصغر مَا دونه بتعظيمه ثمَّ قَالَ صدق الله وعده نشر عَن ربه الْجَمِيل بِأَنَّهُ وَفِي لَهُ ثمَّ قَالَ وَنصر عَبده رأى النَّصْر من عِنْده وَرَأى دوران الْأُمُور بِهِ وَنظر إِلَى تَدْبيره من لدن مبعثه وَمَا لَقِي مِنْهُم من الْأَذَى وَالضَّرْب والشتم والمصائب وَمَا حرم أَقَاربه وأرحامه من بركَة مَا جَاءَ بِهِ والى النَّاس من افناء النَّاس غرباء كَيفَ رزقوا ذَلِك وَاحِد من الرّوم وَوَاحِد من الْحَبَشَة وَآخر من فَارس وَوَاحِد من الْخيام وَآخر من حَضرمَوْت وبلاد الشَّام وَأَبُو لَهب وَأَبُو طَالب وَولد عمومته حَارَبُوهُ وعادوه وأخرجوه من بِلَاد الله وَمن وَطنه وَبَيت الله الْحَرَام وغربوه وتواطئوا على قَتله وطلبوه فَلم يظفروا بِهِ وَانْظُر إِلَى تَدْبِير الله تَعَالَى فِي الْأَنْصَار وبذلهم أنفسهم قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِن يكفر بهَا هَؤُلَاءِ فقد وكلنَا بهَا قوما لَيْسُوا بهَا بكافرين﴾
ثمَّ حروبهم ببدر وَاحِد وَتلك الْعَجَائِب الَّتِي كَانَت هُنَاكَ مرّة لَهُم وَمرَّة عَلَيْهِم إِلَى يَوْم الْحُدَيْبِيَة وصلحه وَأَنَّهُمْ قد وضعُوا الْحَرْب فِيمَا قد وضعُوا الْحَرْب فِيمَا بَينهم عشر سِنِين فَضَاقَ عمر ﵁ بذلك يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَلم يعلم أَن الله تَعَالَى سيفتح لَهُم مَكَّة فِي الْعَام الثَّالِث من
стр. 267
عَامهمْ فِي أعز نصر وأوفر جمع فَحسن الظَّن وَسُوء الظَّن هَهُنَا يتيبن فَرَأى رَسُول الله ﷺ يَوْمئِذٍ جميل صنع الله تَعَالَى فِي أمره فَقَالَ الله أكبر صدق الله وعده وَنصر عَبده وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده
فَلَو شَاءَ الله تَعَالَى لبعث مَعَ مُحَمَّد ﷺ مَلَائكَته ﵈ مَعَهم الشهب فيدمرون على من جَحده وَلَكِن تَدْبِير الله تَعَالَى فِي عباده فِي التؤدة والتأني والرفق بهم ليتسعوا مَعَ تَدْبيره فَإِن الإتساع مَعَ تَدْبيره عبودة والضيق من الاستبداد وكزازة النَّفس والعبودية الصادقة أَن يَدُور مَعَ تَدْبِير الله تَعَالَى فِي الْأَحْوَال كَيفَ مَا دارت فهناك تكون عِنْد الله تَعَالَى رَاضِيا فِي الْأَحْوَال فيرضى عَنْك وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية﴾ إطمأنت إِلَى الله وَمَاتَتْ شهواتها وَذهب استبدادها فرضيت عَن الله تَعَالَى فِي أحوالها على اخْتِلَاف محبوبها ومكروهها فَرضِي الله عَنْهَا
فَلَمَّا تكلم على بَاب الْكَعْبَة بِمَا تكلم قَالَ لأهل مَكَّة وَهُوَ حوله مَاذَا تَقولُونَ وماذا ترَوْنَ أَنِّي صانع بكم قَالُوا أَخ كريم وَابْن أَخ كريم قَالَ فَإِنِّي أَقُول كَمَا قَالَ أخي يُوسُف لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم يغْفر الله لكم وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ
قَالَ عمر ﵁ وانتضحت عرقا من الْحيَاء من قَول رَسُول الله ﷺ وَذَلِكَ أَنِّي كنت قلت لَهُم حِين دَخَلنَا مَكَّة الْيَوْم ننتقم مِنْكُم ونفعل ونفعل فَلَمَّا قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا قَالَ استحييت من قولي
فَهَكَذَا يكون فعل النَّاظر إِلَى تَدْبِير الله تَعَالَى فيهم من قبل فِي تِلْكَ الْأُمُور الْمَاضِيَة وحكمته
стр. 268
وَأَيْضًا قصَّة أُخْرَى فِي شَأْن أبي جندل بن سُهَيْل بن عَمْرو وَكَانَ مُسلما فِي أَيدي الْمُشْركين مُقَيّدا بِمَكَّة فَلَمَّا جَاءَ سُهَيْل بن عَمْرو أَبوهُ يُرَاجع رَسُول الله ﷺ فِي الصُّلْح وَهُوَ بعض رُؤَسَائِهِمْ أبرم الصُّلْح وَكتب الْكتاب فجَاء ابْنه أَبُو جندل يرسف فِي قيوده قد انفلت من محبسه فَقَالَ يَا مُحَمَّد يَا رَسُول الله إِنِّي مُسلم فِي أَيدي الْمُشْركين واستغاث برَسُول الله ﷺ وبالمسلمين فَقَامَ إِلَيْهِ أَبوهُ فَضرب وَجهه ورده وَقَالَ يَا مُحَمَّد لقد لجت الْقَضِيَّة فِيمَا بَيْننَا فَتَركه رَسُول الله ﷺ فِي يَده حَتَّى رده فكاد الْمُسلمُونَ أَن يفتتنوا فِي ذَلِك الْأَمر وَأَخذهم الغيظ الشَّديد وَلم يقدروا على شَيْء من الصُّلْح وَكَانَ وَقع الصُّلْح بَينهم على أَن من صَار من الْمُشْركين إِلَى رَسُول الله ﷺ مُسلما أَن يرد عَلَيْهِم وَمن صَار من الْمُسلمين إِلَيْهِم مُرْتَدا لم يطْلب فأجابهم رَسُول الله ﷺ إِلَى ذَلِك فَتحَرك أَصْحَابه فِي ذَلِك فَقَالَ رَسُول الله ﷺ من جَاءَنَا مُسلما فرددناه عَلَيْهِم فَإِن الله جَاعل لَهُ فرجا ومخرجا وَمن صَار إِلَيْهِم مُرْتَدا فالى النَّار فَمَا نصْنَع بِمن ارْتَدَّ عَن دين الله
فَأنْظر إِلَى حسن ظَنّه حَيْثُ قَالَ فَإِن الله جَاعل لَهُ فرجا ومخرجا فَكيف لَا يحسن ظَنّه وَقد أوحى إِلَيْهِ وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب
فالوحي قد نجع فِيهِ وانكشف الغطاء عَن قلبه حَتَّى عاين حسن تَدْبِير الله وصنائع ربه وعرفه بالمجد وَالْكَرم فَذهب سُهَيْل بن عَمْرو بِابْنِهِ إِلَى
стр. 269
مَكَّة فِي قيوده وَرجع رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمَدِينَة فَفتح خَيْبَر فَقَالَ عمر ﵁ كنت أماشي أَبَا جندل وَهُوَ فِي قيوده وَهُوَ جنب أَبِيه وأهوى بمقبض سَيفي نَحوه أدنيه مِنْهُ وَأَقُول يَا أَبَا جندل لِيهن عَلَيْك فانما دم أحدهم دم كلب وَأدنى قَائِمَة السَّيْف مِنْهُ رَجَاء أَن يَأْخُذ السَّيْف فَيضْرب بِهِ أَبَاهُ قَالَ فضن الرجل بِأَبِيهِ وَسُهيْل آخذ بتلبيبه يجره إِلَى الْمنزل وَأَبُو جندل يصْرخ يَا معشر الْمُسلمين أرد الى الْمُشْركين يفتنونني عَن ديني فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اصبر واحتسب أَبَا جندل فَإِن الله جَاعل لَك وللمسلمين فرجا إِنَّا قد عَقدنَا بَيْننَا وَبَين الْقَوْم صلحا وانا لن نغدر
فَلَمَّا رَجَعَ رَسُول الله ﷺ لم يلبث إِلَّا قَلِيلا حَتَّى انفلت أَبُو جندل من قيوده وَمر إِلَى نَاحيَة الْبَحْر على طَرِيق الشَّام فَقعدَ هُنَاكَ لِأَنَّهُ قد علم أَنه إِن صَار إِلَى رَسُول الله ﷺ لم يجد بدا من رده عَلَيْهِم لما جرى بَينهم فِي الصُّلْح من ذَلِك فَأَقَامَ هُنَاكَ أَيَّامًا فَكَانَ كل من سمع بِهِ من الشذاذة المنفلتين مِمَّن هم فِي مجَالِس الْمُشْركين لحق بِهِ حَتَّى توافوا نَحوا من سبعين رجلا فَقطعُوا على الْمُشْركين عيرهم وَأخذُوا أَمْوَالهم وأضروا حَتَّى بلغ من أَمرهم وَمَا تأذى بهم الْمُشْركُونَ أَن وجهوا إِلَى رَسُول الله ﷺ يسألونه أَن يضمهم إِلَى نَفسه حَتَّى يرْتَفع عَنْهُم ضررهم ثمَّ أسلم سُهَيْل بن عَمْرو وَقتل شَهِيدا فِي خِلَافه عمر ﵁
قَالَ أَبُو عبد الله فَأهل سَعَة الصَّدْر عاشوا مَعَ الله تَعَالَى فِي دَار الْحَبْس والضيق عَيْش أهل الْجنان وَإِنَّمَا نالوا ذَلِك كُله بذلك النُّور الَّذِي إنشرح بِهِ صُدُورهمْ فاتسعت لتدبير الله تَعَالَى وان الله تَعَالَى دبر للعباد امور امرن
стр. 270
النُّفُوس سلوك طَرِيق ذَلِك التَّدْبِير وعرفوه ووطنوه ثمَّ لَهُ تَعَالَى فِي ذَلِك التَّدْبِير تَدْبِير آخر مُخْتَصّ
فَأهل الضّيق يتحيرون ويضيقون وَمن عاين الصنعين والتدبيرين لم يضق وان لله فِي كل تَدْبِير مَشِيئَة إِن شَاءَ أَمْضَاهُ وَإِن شَاءَ أَخّرهُ فالتدبير الَّذِي قد وَطنه النَّاس ان يكون بِالْوَلَدِ من ذكر وانثى فاختص الله تَعَالَى لعيسى ﵇ تدبيرا فَحملت بِهِ مَرْيَم من غير ذكر فتحير فِيهِ عُلَمَاء ذَلِك الزَّمَان وَأَحْبَارهمْ وَهلك فِيهِ الْعَام والسفهاء وَأدْركَ مَرْيَم ﵁ بعض تِلْكَ الْحيرَة فَقَالَت
أَنى يكون لي ولد وَلم يمسسني بشر وَلم أك بغيا ﴿قَالَ كَذَلِك الله يخلق مَا يَشَاء﴾
فَأَبْصَرت وأذعنت لحكم رَبهَا تَعَالَى وتقدس فاستوجبت بذلك أَن أثنى عَلَيْهَا رب الْعَالمين فَقَالَ وصدقت بِكَلِمَات رَبهَا وَقَالَ وامه صديقَة
وَكَذَلِكَ فعل زَكَرِيَّا ﵇ فِيمَا بشر بِهِ من الْوَلَد بعد الْكبر وَكَذَلِكَ رزق مَرْيَم ﵁ ﴿كلما دخل عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَاب وجد عِنْدهَا رزقا قَالَ يَا مَرْيَم أَنى لَك هَذَا قَالَت هُوَ من عِنْد الله إِن الله يرْزق من يَشَاء بِغَيْر حِسَاب﴾
فقد علم النَّاس أَرْزَاقهم من مظانها من السُّوق وَمن الكدح وَمن
стр. 271
الْكَرم وَمن الْكيس وَمن أَيدي الْخلق فرزقت على وَجه التَّدْبِير الْمُخْتَص مِمَّا لم تمسه أَيدي الْعَالمين فأبصر رَسُول الله ﷺ التدبيرين وَدخُول أَحدهمَا فِي الآخر وخفاء شَأْنهمَا فَسَأَلَ التَّوْفِيق وَسَأَلَ مَعَ التَّوْفِيق أَن لَا يكون من نَفسه إِذا وَفقه تلكأ وَسَأَلَهُ إِذا وَفقه فَلم يُوَافق شَهْوَة نَفسه أَن يحسن الظَّن بِهِ فقد يكون الرجل من أهل الْغَفْلَة يَقُول اللَّهُمَّ اختر لي ووفقني فَإِذا وَفقه هرب من مُخْتَار الله وَدفع عَن نَفسه ذَلِك
بلغنَا أَن مُوسَى ﵇ قَالَ يَا رب أَي عِبَادك أَكثر ذَنبا قَالَ الَّذِي يتهمني قَالَ وَمن يتهمك يَا رب قَالَ الَّذِي يستخيرني فِي الْأُمُور فَإِذا اخْتَرْت لَهُ لم يرض بقضائي وخيرتي
وَأَيْضًا قصَّة أُخْرَى فِي شَأْن بدر وعدهم الله تَعَالَى إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لكم الظفر بالعير أَو الظفر بالعدو الَّذِي انتدب من مَكَّة وهم رُؤَسَاء الْكفْر وصناديد قُرَيْش
وَكَانَ محاب الله تَعَالَى فِي ذَلِك أَن يظفروا بالعدو فيقتلهم على أَيْديهم وَيقطع دابرهم ومحابهم الظفر بالعير ليتقووا بِهِ وينكوا فيهم فَقَالَ فِي تَنْزِيله الْكَرِيم وتودون أَن غير ذَات الشَّوْكَة تكون لكم الْآيَة
стр. 272
- الأَصْل السَّابِع وَالسِّتُّونَ
-
فِي عِقَاب من غش الْعَرَب
عَن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من غش الْعَرَب لم يدْخل فِي شَفَاعَتِي وَلم تنله مودتي
غش الْعَرَب أَن يصدهم عَن سَبِيل الْهدى أَو يحملهم على أُمُور يبعدون بهَا عَن رَسُول الله ﷺ وَمن فعل ذَلِك فقد قطع الرَّحِم فِيمَا بَينهم وَبَين الرَّسُول ﷺ
وَمن غشهم أَيْضا أَن يحسدهم على مَا آتَاهُم الله من فَضله وَأَن يضع مَا رَفعه الله ويغمر فَضلهمْ وَالْأَخْبَار قد أَتَت بفضلهم
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله تَعَالَى قسم الْخلق قسمَيْنِ فجعلني فِي خيرهما قسما فَذَلِك قَوْله
стр. 273
تَعَالَى وَأَصْحَاب الْيَمين مَا أَصْحَاب الْيَمين وَأَصْحَاب الشمَال مَا أَصْحَاب الشمَال فَأَنا من أَصْحَاب الْيَمين وَأَنا خير أَصْحَاب الْيَمين
ثمَّ جعل الْقسمَيْنِ أَثلَاثًا فجعلني فِي خَيرهمْ ثلثا فَلذَلِك قَوْله تَعَالَى فأصحاب الميمنة مَا أَصْحَاب الميمنة وَأَصْحَاب المشئمة مَا أَصْحَاب المشئمة وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ فَأَنا من السَّابِقين وَأَنا خير السَّابِقين
ثمَّ جعل الأثلاث قبائل فجعلني فِي خير قَبيلَة وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم فَأَنا أتقى ولد آدم وَأكْرمهمْ على الله تَعَالَى وَلَا فَخر
ثمَّ جعل الْقَبَائِل بُيُوتًا فجعلني فِي خَيرهَا بَيْتا فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا﴾
عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ بَيْنَمَا نَحن جُلُوس عِنْد رَسُول الله ﷺ إِذْ مرت بِنَا امْرَأَة من بَنَات رَسُول الله ﷺ فَقَالَ بعض الْقَوْم هَذِه ابْنة رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَبُو سُفْيَان إِنَّمَا مثل مُحَمَّد ﷺ فِي بني هَاشم كالريحانة فِي وسط النتن فَسمِعت الْمَرْأَة فَدخلت على رَسُول الله ﷺ فَذَكرته لَهُ فَخرج وَلَا أرَاهُ إِلَّا مغضبا فَصَعدَ الْمِنْبَر وَقَالَ مَا بَال أَقْوَال تبلغني عَن أَقوام أَن الله تَعَالَى خلق سبع
стр. 274
سموات فَاخْتَارَ الْعليا فسكنها وأسكن سمواته من شَاءَ من خلقه وَخلق سبع أَرضين فَاخْتَارَ الْعليا فأسكنها خلقه ثمَّ اخْتَار خلقه فَاخْتَارَ بني آدم ثمَّ اخْتَار بني آدم فَاخْتَارَ الْعَرَب ثمَّ اخْتَار الْعَرَب فَاخْتَارَ مُضر ثمَّ اخْتَار مُضر فَاخْتَارَ قُريْشًا ثمَّ اخْتَار قُريْشًا فَاخْتَارَ بني هَاشم ثمَّ اخْتَار بني هَاشم فاختارني فَلم أزل خيارا من خِيَار أَلا فَمن أحب الْعَرَب فبحبي أحبهم وَمن أبْغضهُم فببغضي أبْغضهُم
عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَتَانِي جبرئيل ﵇ فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِن الله بَعَثَنِي فطفت شَرق الأَرْض وغربها وسهلها وجبلها فَلم أجد حَيا خيرا من الْعَرَب ثمَّ أَمرنِي فطفت فِي الْعَرَب فَلم أجد حَيا خيرا من مُضر ثمَّ أَمرنِي فطفت فِي مُضر فَلم أجد حَيا خيرا من كنَانَة ثمَّ أَمرنِي فطفت فِي كنَانَة فَلم أجد حَيا خيرا من قُرَيْش ثمَّ أَمرنِي فطفت فِي قُرَيْش فَلم أجد حَيا خيرا من بني هَاشم ثمَّ أَمرنِي أَن أخْتَار من أنفسهم فَلم أجد فيهم نفسا خيرا من نَفسك
إِنَّمَا ذكر النَّفس لِأَن الْأَخْلَاق هِيَ فِي النَّفس حسنها وسيئها فَهَذَا يدل على مَا قُلْنَا أَنه إِنَّمَا طَاف فِي هَذَا الْخلق يطْلب النُّفُوس الطاهرة الصافية الزاكية بمحاسن الْأَخْلَاق فَمن أجل ذَلِك اخْتَارَهُمْ فَلم ينظر إِلَى أَعْمَالهم فَإِنَّهُم كَانُوا أهل جَاهِلِيَّة إِنَّمَا نظر إِلَى أَخْلَاقهم فَوجدَ الْخَيْر فِي هَؤُلَاءِ وجواهر النُّفُوس مُتَفَاوِتَة بعيدَة التَّفَاوُت وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى خلق آدم ﵇ من قَبْضَة
عَن قسَامَة بن زُهَيْر عَن الْأَشْعَرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله تَعَالَى خلق آدم من قَبْضَة قبضهَا من جَمِيع الأَرْض فجَاء بَنو آدم على قدر الأَرْض جَاءَ مِنْهُم الْأَحْمَر وَالْأسود والأبيض وَمن ذَلِك السهل والحزن والخبيث وَالطّيب فالتربة الطّيبَة نفوسها سهلة
стр. 275
كَرِيمَة وَلَيْسَت فِيهَا كزازة وَلَا يبوسة وَلَا شعوثة فهم أَحْرَار كرام ولدتهم أمهاتهم من رق النُّفُوس وشهواتها وَالْآخرُونَ كَانَت الحزونة فِي تربتهم فَجَاءَت الكزازة والشعوثة والصعوبة ولدتهم أمهاتهم عبيدا قد ملكهم رق نُفُوسهم بشهواتها وَهُوَ قَول عِيسَى ﵇ فِيمَا يعظ بِهِ بني إِسْرَائِيل فَقَالَ لَا عبيد أتقياء وَلَا أَحْرَار كرماء
مَعْنَاهُ لَسْتُم من العبيد الَّذين يجاهدون أنفسهم ويتقون الله وَلَا من الْأَحْرَار الَّذين نَجوا من رق النُّفُوس فَسَارُوا إِلَى الله تَعَالَى سير الْكِرَام بِلَا تعريج وَلَا تردد وَالْبخل والضيق والحدة والعجلة والحقد والحرص وَمَا أشبهه من كزازة النَّفس والجود والسماحة وَالسعَة واللين والتؤدة والتأني والرفق من سهولة النَّفس وطيبها فنفوس الْعَرَب بارزة أخلاقها لَا ينكرها إِلَّا معاند وَلَا يجحدها إِلَّا مارد إِنَّهَا أَخْلَاق الْكِرَام فَبِهَذَا فضلوا لَا بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيّ وَالله تَعَالَى يحب معالي الْأَخْلَاق وَيبغض مدانيها
وَمِمَّا يُحَقّق ذَلِك مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ فِي يَوْم بدر أَنه سمع رجلا يَقُول بعد مَا انصرفوا من بدر إِنَّمَا قتلنَا عَجَائِز صلعا فَأنْكر ذَلِك رَسُول الله ﷺ وَقَالَ ﷺ مَه أُولَئِكَ الْمَلأ من قُرَيْش لَو نظرت إِلَى فعالهم لاحتقرت فعالك عِنْد فعالهم لَوْلَا أَن تطغى قُرَيْش لأخبرتها بِمَا لَهَا عِنْد الله تَعَالَى اللَّهُمَّ إِنَّك أذقت أول قُرَيْش نكالا فأذق آخرهَا نوالا
فالعرب بالأخلاق شرفوا وَإِلَّا فالشجرة وَاحِدَة وَهُوَ خَلِيل الرَّحْمَن
стр. 276
عَلَيْهِ السَّلَام وَمِمَّا يدلك على ذَلِك دعوات إِبْرَاهِيم ﵇ حَيْثُ رفع الْقَوَاعِد من الْبَيْت وَأتم بناءه فَقَالَ رَبنَا واجعلنا مُسلمين لَك ثمَّ قَالَ وَمن ذريتنا أمة مسلمة لَك فَإِنَّمَا سَأَلَ من ذُرِّيَّة إِسْمَاعِيل ﵇ خَاصَّة أَلا يرى أَنه قَالَ على أثر ذَلِك ﴿رَبنَا وَابعث فيهم رَسُولا مِنْهُم﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ
فالإسلام هُوَ تَسْلِيم النَّفس وبذلها والجود بهَا وَمن جاد بِنَفسِهِ على الله تَعَالَى فَلَا أحد أحسن خلقا مِنْهُ وَلَا أكْرم مِنْهُ فَلَيْسَ الشَّأْن فِي الْجُود بِالْمَالِ إِنَّمَا الشَّأْن فِي الْجُود بِالنَّفسِ حَتَّى يُسلمهُ إِلَى خالقه فجرت هَذِه الدعْوَة فِي ولد إِسْمَاعِيل ﵇ خَاصَّة أَن صيرهم أمة مسلمة لَهُ فوهب لَهُم أَخْلَاق الْكِرَام حَتَّى تكرمت نُفُوسهم على الله تَعَالَى بذلا حِين جَاءَهُم الرَّسُول ﵇ وَمن قبل مَجِيء الرَّسُول ﷺ كَانَت تِلْكَ الْأَخْلَاق ظَاهِرَة فيهم فَلَمَّا جَاءَهُم الرَّسُول ﵇ وجدهم مهذبين كراما فصاروا صديقين وأبرارا وأتقياء وحكماء وعلماء بِاللَّه تَعَالَى باذلين مهجهم وَأَمْوَالهمْ لله تَعَالَى وَالسُّيُوف على عواتقهم وَالْحجر على بطونهم من الْجُوع وينصرون الله وَرَسُوله
وَبَنُو إِسْرَائِيل قَالُوا لمُوسَى ﵇ إذهب أَنْت وَرَبك فَقَاتلا إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ وَقيل لأمة مُحَمَّد ﷺ ﴿إِن النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُم إِيمَانًا وَقَالُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل﴾
стр. 277
فَصَارَ قَوْلهم هُنَا كَقَوْل أَبِيهِم حَيْثُ ألقِي فِي النَّار حسبي من سُؤَالِي علمه بحالي فَهَل يُمكن أَن يَقُول هَذَا إِلَّا من حسن خلقه فجاد بِنَفسِهِ على الله تَعَالَى وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ يَوْم أحد بعد مَا انْهَزمُوا وأصابتهم جراحات وَقتل من قتل مِنْهُم وَانْصَرف عَسْكَر الْمُشْركين فنزلوا مَكَانا وَتَآمَرُوا فِيمَا بَينهم أَن يجمعوا جمعا فيكروا عَلَيْهِم ودسوا إِلَى أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ هَذَا الْخَبَر ليفزعوهم فَانْتدبَ رَسُول الله ﷺ فِي أَصْحَابه رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَفِيهِمْ من الْجِرَاحَات غير قَليلَة يمضون الى جمعهم وَفِيهِمْ مشَاة حَتَّى أَن الرجل ليغشى عَلَيْهِ فِي الطَّرِيق من كَثْرَة مَا يسيل من الدَّم من جراحته فيحمله صَاحبه يَسِيرُونَ بِمثل هَذَا الْحَالة إِلَى الْعَدو وَقَالُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل فوجدوا الْعَدو تفَرقُوا وذهبوا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فانقلبوا بِنِعْمَة من الله وَفضل لم يمسسهم سوء وَاتبعُوا رضوَان الله﴾ وَلم يقل رِضَاء الله فان الرضْوَان أَكثر من الرِّضَا وَهُوَ غَايَة الرضاء
فنهاية الْعَرَب إِلَى إِسْمَاعِيل ﵇ والشجرة وَاحِدَة وَهُوَ إِبْرَاهِيم خَلِيل الله ﵇ وَلسَانه عبراني وأنهما غصنان لهَذِهِ الشَّجَرَة إِسْمَاعِيل واسحاق ﵉ فاسماعيل عَرَبِيّ اللِّسَان وَإِسْحَاق عبراني اللِّسَان فاسماعيل أَب الْعَرَب واسحاق أَب العبرانيين وهم بَنو إِسْرَائِيل نسبوا إِلَى يَعْقُوب ﵇ إِسْرَائِيل الله تَعَالَى ابْن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَلكُل وَاحِد من الغصنين حَظّ من الله تَعَالَى وَنصِيب وفضيلة وكرامة وموهبة فَصَارَت وراثة فِي أولادهما إِلَى الْأَبَد فَظهر فِي ولد إِسْحَاق من تِلْكَ الموهبة والكرامة الْجهد وَالْعِبَادَة وَظهر فِي ولد
стр. 278
إِسْمَاعِيل حسن الْخلق والسماحة والشجاعة والموهبة إِنَّمَا تكون على قدر الْحَظ والجاه لَهُ عِنْده على قدر ذَلِك فَنَظَرْنَا إِلَى موهبه كل وَاحِد مِنْهُمَا وَمن أَي خزانَة أعطي لنستدل بِهِ على حظيهما مِنْهُ فَوَجَدنَا الْجهد وَالْعِبَادَة من خَزَائِن الْحِكْمَة والأخلاق من خَزَائِن الْمِنَّة فَنَظَرْنَا إِلَى الْحِكْمَة والْمنَّة من أَيْن بَدَت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا فَوَجَدنَا الْحِكْمَة من الْعدْل بَدَت وَالْعدْل من الربوبية والربوبية من الْملك وَالْقُدْرَة وَوجدنَا الْمِنَّة أَنَّهَا بَدَت من الْعَطف والعطف من الْفضل وَالْفضل من الْجمال فَمن الْملك بدا الْغَضَب فأسعرت فاستجرت النَّار واسودت من الْغَضَب فَهِيَ سَوْدَاء مظْلمَة مشحونة بغضبه وَمن جماله بَدَت الرَّحْمَة وَظهر الْفضل والعطف حَتَّى اهتزت الْجنان وتوردت واستنارت بنوره فَهِيَ بَيْضَاء نورانية مشحونة برحمته وروحه وَإِنَّمَا هِيَ نظرة وجفوة فَأهل الثَّوَاب سعدوا مِنْهُ بنظرة وَاحِدَة وَأهل الْعقَاب شَقوا مِنْهُ بجفوة وَاحِدَة ففهمنا بمبلغ مَا علمنَا من ظَاهر مَا عَلَيْهِمَا وعَلى أولادهما من بعدهمَا مَا بطن من حظيهما وموهبتيهما وَإِنَّمَا كثر ولد إِسْحَق وظهروا فِي وَقت مُوسَى ﵇ حَيْثُ أنقذهم من ملكة فِرْعَوْن وسخرته وَجَاء بالكتب من الله تَعَالَى وَظَهَرت العبودة لله تَعَالَى إِلَى وَقت عِيسَى ﵇ ثمَّ صَارَت فَتْرَة فظهرت مَنَازِلهمْ ودرجاتهم وجواهر نُفُوسهم بِمَا عاملهم الله تَعَالَى وَمَا عاملوه وَكثر ولد إِسْمَاعِيل وَظهر شَأْنهمْ بمبعث مُحَمَّد ﷺ وَظَهَرت سيرتهم فِي دينهم وَمَا عاملهم الله تَعَالَى وَمَا عاملوه فَتبين لنا بفعليهما شَأْن نُفُوسهم ومحلهم من الله تَعَالَى وحظوظهم
عَن مَكْحُول ﵁ قَالَ لما كثر بَنو معد أغار مِنْهُم اربعون فَارِسًا على عَسْكَر بني إِسْرَائِيل فيهم مُوسَى وَهَارُون ﵉ فملئوا أَيْديهم من الْغَنِيمَة وَرَجَعُوا بغنيمتهم لم يستنقذ مِمَّا فِي أَيْديهم شَيْء فَقَالُوا لمُوسَى ﵇ أغار علينا بَنو معد وهم قَلِيل فَكيف لَو كَانُوا كثيرا وَأَنْتُم فِينَا فَكيف لَو لم تَكُونُوا فِينَا فَادع الله
стр. 279
عَلَيْهِم وَكَانَت الْأَنْبِيَاء ﵈ تفزع إِلَى الصَّلَاة فصلى فَقَالَ اللَّهُمَّ إِن بني معد أَغَارُوا على قومِي فَفَعَلُوا وفعلوا وَإِن قومِي أمروني أَن أَدْعُو عَلَيْهِم فَقيل لَهُ لَا تدع عَلَيْهِم فانهم عبَادي وانهم ينتهون إِلَى أَدَاء أَمْرِي وَإِنِّي أَغفر لَهُم أول مَا يستغفروني قَالَ يَا رب اجعلهم من أمتِي قَالَ نَبِيّهم مِنْهُم قَالَ يَا رب فَاجْعَلْنِي مِنْهُم قَالَ استقدمت واستأخروا
وَجَاء عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ فِي حَدِيث الْمِعْرَاج فَلَمَّا جَاوَزت مُوسَى ﵇ فِي السَّمَاء السَّادِسَة بَكَى مُوسَى وَقَالَ يزْعم بَنو إِسْرَائِيل أَنِّي أكْرم ولد آدم على الله تَعَالَى وَهَذَا عبد أكْرم على الله مني وَلَو كَانَ وَحده هان وَلَكِن الله تَعَالَى قضى أَن مَعَ كل نَبِي تبعه من أمته ثمَّ انْطلق بِي إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة فَإِذا إِبْرَاهِيم ﵇ ملزق ظهر هـ بِالْبَيْتِ الْمَعْمُور وَمَعَهُ تبعه من أمته فَقَالَ لي جبرئيل هَذِه منزلتك ومنزلة أمتك وَهَذَا أَبوك إِبْرَاهِيم ﵇ فَقَالَ تَعَالَى إِن أولى النَّاس بإبراهيم للَّذين اتَّبعُوهُ وَهَذَا النَّبِي وَالَّذين آمنُوا مَعَه وَالله ولي الْمُؤمنِينَ
فَألْحق هَذِه الْأمة بابراهيم ﵇ وضمهم فِي الْولَايَة جَمِيعًا وَلم يدْخل فِيهِ بَنو إِسْرَائِيل وهم ولد إِبْرَاهِيم أَيْضا فَبين فِي هَذَا الحَدِيث منزلتيهما ودرجتيهما وانما أرى فِي السَّمَاء الْأَنْبِيَاء ﵈ وأتباعهم على درجاتهم وَإِبْرَاهِيم ﵇ الْمُقدم عَلَيْهِم وَوصف الله تَعَالَى فِي تَنْزِيله الْكَرِيم شَأْن الأمتين فَوَجَدنَا شَأْن بني إِسْرَائِيل يجْرِي على سَبِيل الْعدْل وأساس الربوبية وشأن فِي هَذِه الْأمة يجْرِي على سَبِيل الْفضل والألوهية فظهرت فِي بني إِسْرَائِيل السياحة والرهبانية وَعَلَيْهِم فِي شريعتهم الأغلال والآصاد
стр. 280
وَظَهَرت فِي هَذِه الْأمة السماحة والصديقية والشجاعة وَالْولَايَة وسيوف الله تَعَالَى فِي أَيْديهم يقتلُون اباق عبيده ويردونهم لله تَعَالَى للرق والعبودة وَفك عَنْهُم الأغلال وَوضع عَنْهُم الآصاد فصاروا فِي حد الْأُمَنَاء وَجعلت شريعتهم أسمح الشَّرَائِع وأوسعها فهم فِي عبودتهم فِي صُورَة الخدم وَبَنُو إِسْرَائِيل فِي عبودتهم فِي صُورَة عبيد الْغلَّة أَلا ترى أَنه لما خاطبهم تَعَالَى قَالَ يَا بني إِسْرَائِيل اذْكروا نعمتي الَّتِي أَنْعَمت عَلَيْكُم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وَإِيَّاك فارهبون كَمَا يَقُول الرجل لعَبْدِهِ أوف لي بِهَذِهِ الْغلَّة عِنْد كل هِلَال أوف لَك بِالْعِتْقِ فِي سنة كَذَا
ثمَّ قَالَ لهَذِهِ الْأمة ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ فَدَعَاهُمْ بالكنية كنية بَاطِنهَا منَّة وظاهرها مِدْحَة من عَلَيْهِم فِي الْبَاطِن بالايمان ثمَّ نسب ذَلِك إِلَى فعلهم فَقَالَ آمنُوا فمدحهم بذلك فبتلك الكنية دعاهم ودعا أُولَئِكَ فنسبهم إِلَى أَبِيهِم فَقَالَ (يَا بني إِسْرَائِيل اذْكروا نعمتي الَّتِي أَنْعَمت عَلَيْكُم وَأَنِّي فضلتكم على الْعَالمين) أَي عالمي زمانكم وَلكُل زمَان عَالم
وَقَالَ لهَذِهِ الْأمة ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ارْكَعُوا واسجدوا واعبدوا ربكُم﴾ الْآيَة ثمَّ قَالَ وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده ثمَّ قَالَ ﴿هُوَ اجتباكم﴾ أَي اختاركم ثمَّ قَالَ وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج أَي من ضيق ﴿مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم﴾ ثمَّ قَالَ ﴿هُوَ سَمَّاكُم الْمُسلمين من قبل وَفِي هَذَا﴾ أَي من
стр. 281
قبل أَن يخلقكم فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ سَمَّاكُم هَكَذَا وتكونوا شُهَدَاء على النَّاس فهم شُهَدَاء الله تَعَالَى للأنبياء ﵈ على الْأُمَم يَوْم الْقِيَامَة ليَكُون الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا واعتصموا بِاللَّه هُوَ مولاكم فَنعم الْمولى وَنعم النصير
فَانْظُر إِلَى مُخَاطبَة بني إِسْرَائِيل فِي أَي صُورَة هِيَ وَانْظُر إِلَى مُخَاطبَة هَذِه الْأمة فِي أَي صُورَة هِيَ يتَبَيَّن لَك أَنهم فِي صُورَة عبيد الْغلَّة وَهَذِه الْأمة فِي صُورَة عبيد الْخدمَة وَعبيد الْخدمَة أولى بالسيد من عبيد الْغلَّة
فساحت بَنو إِسْرَائِيل بأبدانهم إِلَى الْجبَال فِي مفاوز الدُّنْيَا عزلة بالأبدان من الْخلق كي يصدقُوا الله تَعَالَى فِي طلب مَا عهد لَهُم ويوفوا بِعَهْد الله عَلَيْهِم
وساحت أمة مُحَمَّد ﷺ بقلوبهم فِي مفاوز الملكوت إِلَى خَالق الْعَرْش عزلة بالقلوب عَن همم النُّفُوس كي يصدقُوا الله فِي طلبه والوصول إِلَيْهِ
فَإِن الله تَعَالَى دَعَا الْخلق إِلَيْهِ فَقَالَ ﴿اسْتجِيبُوا لربكم من قبل أَن يَأْتِي يَوْم لَا مرد لَهُ من الله﴾
وَقَالَ تَعَالَى يأيها الَّذين آمنُوا اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذْ دعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ)
وَقَالَ الله تَعَالَى فِيمَا حكى عَنهُ النَّبِي ﷺ إِلَيّ إِلَيّ يأهل الْمَوْت
стр. 282
الْمَوْت والفناء لَا إِلَى غَيْرِي فَإِنِّي قد قضيت بِالرَّحْمَةِ على نَفسِي وأوجبت الْمَغْفِرَة لمن استغفرني فَأَنا الْعَفو أعفو عَن صَغِير الذُّنُوب وكبيرها وَلَا أُبَالِي
فَلَمَّا أَبْطَأت النُّفُوس فِي الْإِجَابَة قَالَ ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام﴾
فَأهل الِالْتِفَات إِلَى الثَّوَاب وَالْعِقَاب فِي الْحيَاء من الْفرق إِلَى الْقدَم بَين يَدَيْهِ غَدا لِأَن نُفُوسهم لم تسمح بالعبودة لِرَبِّهَا إِلَّا باسترواح إِلَى الثَّوَاب وهرب من الْعَذَاب فَهَذِهِ عبودة برشوة وعربون وَلَيْسَت عبودة الْأَنْبِيَاء وَلَا الصديقين وَلَا الْأَوْلِيَاء ﵈ فَجعل حظوظ بني إِسْرَائِيل على قُلُوبهم فِي دَار الدُّنْيَا حُقُوقه وَعَهده وَفِي الْآخِرَة جنانه ثَوابًا لرعاية حُقُوقه وَالْوَفَاء بعهده وحظوظ هَذِه الْأمة على قُلُوبهم فِي دَار الدُّنْيَا جَلَاله وعظمته وسلطانه وَمَعْرِفَة آلائه وفضله وَرَحمته وَفِي الْآخِرَة قربه وَرفع الْحجاب فِيمَا بَينه وَبينهمْ وَقَدَّمَهُمْ فِي الدُّنْيَا خُرُوجًا وأخرنا وَقدمنَا فِي الْجنَّة دُخُولا وأخرهم
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ الْجنَّة مُحرمَة على الْأَنْبِيَاء حَتَّى أدخلها وعَلى الْأُمَم حَتَّى تدْخلهَا أمتِي
فبهذه الْأمة فتح العبودة يَوْم الْمِيثَاق وبهذه الْأمة يخْتم العبودة يَوْم تصرم الدُّنْيَا وبهذه الْأمة يفتح بَاب الرَّحْمَة فَيدْخلُونَ دَاره
ثمَّ ظَهرت من مُعَاملَة بني إِسْرَائِيل رَبهم وَمن مُعَاملَة هَذِه الْأمة رَبهَا مَا دلّت على نُفُوسهم وأخلاقهم ومحلهم من المكارم الَّتِي أعطيتا والمواهب فَكَانَت مكرمَة إِسْمَاعِيل ﵇ بَيت الله الَّذِي خلقه قبل
стр. 283
السَّمَوَات وَالْأَرْض فَكَانَت زبدة بَيْضَاء إِذْ عَرْشه على المَاء مبوء الذّكر هُنَاكَ وَخلق ملكَيْنِ يسبحانه ويقدسانه على الزبدة فأبيضت فهناك مظهره ومعلمه ومبوء ذكره وَمَوْضِع تقديسه وَلَا سَمَاء وَلَا أَرض وَلَا خلق فولاه الله تَعَالَى رفع قَوَاعِد بَيته مَعَ أَبِيه دون إِسْحَاق ﵈ وَجعل حجابته بيد وَلَده فهم يحجبون ويأتون وانبط زَمْزَم سقيا لَهُ ولولده من بعده وَلِجَمِيعِ من أم الْبَيْت مُعظما وسَاق إِلَيْهِ عينا من عُيُون الْجنَّة فَفتح فِيهِ ينبوعا وَجعله مهبط رَحمته فِي كل يَوْم وَمِنْه تَنْتَشِر على أهل الدُّنْيَا فَيخْتَص مِنْهَا أَهلهَا بِمِائَة رَحْمَة وَعشْرين لأهل الدُّنْيَا
ومكرمة إِسْحَاق ﵇ الصَّخْرَة الَّتِي إِلَيْهَا يجمع الْخلق ويحاسبهم وَهِي صَخْرَة من الْجنَّة عَلَيْهَا الأرضون السَّبْعَة وَهِي رَأس تِلْكَ الصَّخْرَة وَأما الْمُعَامَلَة فَإِنَّهُ لما جَاءَت المحنتان من الله تَعَالَى لَهما فِي وقتيهما برز مَا فِي نُفُوسهم وبرز مَا لَهُم من الْحَظ فِي الْغَيْب عِنْده بالمحنة فَإِن السَّيِّد إِذا كَانَ لَهُ عبيد فَإِنَّمَا يتَبَيَّن لَهُ حظوظ العبيد مِنْهُ بمعاملته إيَّاهُم ويتبين جَوَاهِر نُفُوسهم بمعاملتهم إِيَّاه
وَإِنَّمَا كثر ولد إِسْحَاق ﵇ فِي زمن يُوسُف ﵇ بِمصْر بعد مَا حَاز الله تَعَالَى ليوسف ﵇ مَدَائِن مصر وَأَسْكَنَهُ إِيَّاهَا وَجعل بِيَدِهِ خزائنها ودخلها إِسْرَائِيل وَهُوَ يَعْقُوب ﵇ فِي سِتَّة وَسبعين نفسا من وَلَده وَولد وَلَده ونسلهم فأنمى الله تَعَالَى عَددهمْ وَبَارك فِي ذُريَّته حَتَّى خَرجُوا إِلَى الْبَحْر يَوْم غرق فِرْعَوْن وهم سِتّمائَة ألف من الْمُقَاتلَة سوى الشُّيُوخ والذرية وَالنِّسَاء وَجَاوَزَ عَددهمْ ألف ألف فَقَالَ الله تَعَالَى فِيمَا يحْكى عَنْهُم وَلَقَد جَاءَكُم يُوسُف من قبل بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زلتم فِي شكّ مِمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إِذا هلك قُلْتُمْ لن يبْعَث الله من بعده رَسُولا
стр. 284
فَهَذَا قَوْلهم بعد أَن صيرهم مُلُوك مصر وأربابهم فَغير الله تَعَالَى مَا بهم فصاروا سخرة لآل فِرْعَوْن يخدمونهم خدمَة العبيد وَالْإِمَاء وَمن عجز عَن الْخدمَة لسنه وضع عَلَيْهِ الْغلَّة فاستودى مسَاء كل يَوْم فَإِن أعْطى وَإِلَّا غلت يَمِينه وَيقْتلُونَ أَبْنَاءَهُم مَخَافَة رُؤْيا فِرْعَوْن أَنه يُولد مِنْهُم مَوْلُود يكون هَلَاك ملكه على يَدَيْهِ فَبعث الله مُوسَى ﵇ ورحمهم بِهِ فَقَالَ فِي تَنْزِيله الْكَرِيم ونريد أَن نمن على الَّذين استضعفوا فِي الأَرْض ونجعلهم أَئِمَّة
الْآيَة فَجعل فيهم الْأَنْبِيَاء وَبث فيهم الْكتب وجعلهم أهل عبَادَة وَجهد وميثاق وعهد وأنقذ الله بني إِسْرَائِيل من ملكة فِرْعَوْن وعذابه وسخرته بمبعث مُوسَى ﵇ وغرق فِرْعَوْن وَجعل لَهُم فِي الْبَحْر طَرِيقا يبسا فَلَمَّا جاوزوه قَالُوا يَا مُوسَى إِن قُلُوبنَا لَا تطمئِن ان فِرْعَوْن غرق حَتَّى أَمر الله تَعَالَى الْبَحْر فلفظه فنظروا إِلَيْهِ فَلَمَّا اطمأنوا وصاروا من طَرِيق الْبر إِلَى مَدَائِن فِرْعَوْن حَتَّى نقلوا كنوزه وغرقوا فِي النِّعْمَة رَأَوْا قوما يعكفون على أصنام لَهُم فَقَالُوا يَا مُوسَى إجعل لنا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلِهَة حَتَّى زجرهم مُوسَى ﵇ وَقَالَ ﴿أغير الله أبغيكم إِلَهًا وَهُوَ فَضلكُمْ على الْعَالمين﴾ أَي عالمي زمانهم
ثمَّ أَمرهم أَن يَسِيرُوا إِلَى الأَرْض المقدسة الَّتِي كَانَت مسَاكِن آبَائِهِم ويتطهروا من أَرض فِرْعَوْن وَكَانَت الأَرْض المقدسة فِي أَيدي الْجَبَابِرَة قد غلبوا عَلَيْهَا فَقَالُوا لَهُ أَتُرِيدُ أَن تجعلنا لحْمَة للجبارين لَو تركتنا فِي يَدي فِرْعَوْن كَانَ خيرا لنا قَالَ ﴿يَا قوم ادخُلُوا الأَرْض المقدسة﴾ الْآيَة قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لن ندْخلهَا أبدا مَا داموا
стр. 285
فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْت وَرَبك) الْآيَة حَتَّى دَعَا عَلَيْهِم وَسَمَّاهُمْ فاسقين فبقوا فِي التيه أَرْبَعِينَ سنة عُقُوبَة
ثمَّ رَحِمهم فَمن عَلَيْهِم بالمن والسلوى وبالغمام يظللهم وبالحجر ينفجر مِنْهُ اثْنَتَيْ عشرَة عينا إِذا ضربه بعصاه فَقَالُوا لَو أَن مُوسَى انْكَسَرَ عَصَاهُ لمتنا عطشا فَأوحى الله تَعَالَى إِلَى مُوسَى ﵇ إِذا كَانَ وَقت المَاء فَكلم الْحجر وَلَا تضربه بالعصى حَتَّى ينفجر مِنْهُ المَاء من الْعُيُون بكلمتك ثمَّ سَار مُوسَى ﵇ إِلَى طور سيناء ليجيئهم بِالتَّوْرَاةِ فاتخذوا الْعجل فَقَالَ لَهُم السامري هَذَا إِلَهكُم واله مُوسَى فاطمأنوا إِلَى قَوْله ونهاهم هَارُون ﵇ فَقَالَ ﴿يَا قوم إِنَّمَا فتنتم بِهِ وَإِن ربكُم الرَّحْمَن فَاتبعُوني وَأَطيعُوا أَمْرِي قَالُوا لن نَبْرَح عَلَيْهِ عاكفين حَتَّى يرجع إِلَيْنَا مُوسَى﴾
فَلم يتبع هَارُون وَلم يطعه فِي ترك الْعجل إِلَّا إثني عشر ألفا فِيمَا رُوِيَ فِي الْخَبَر وتهافت فِي عِبَادَته سَائِرهمْ وهم أَكثر من ألفي ألف فَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى ألْقى الألواح فَرفع من التَّوْرَاة سِتَّة أَجزَاء وَبَقِي جُزْء وَاحِد وَهُوَ من مائَة حبا للعجل فظهرت على شفاههم صفرَة وورمت بطونهم فتابوا فَلم تقبل تَوْبَتهمْ دون أَن يقتلُوا أنفسهم فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿فتوبوا إِلَى بارئكم فَاقْتُلُوا أَنفسكُم﴾
فَقَامُوا بالخناجر وَالسُّيُوف بَعضهم على بعض من لدن طُلُوع الشَّمْس إِلَى ارْتِفَاع الضُّحَى لَا يسْأَل وَالِد عَن ولد وَلَا ولد عَن وَالِد وَلَا أَخ عَن أَخِيه كل من استقبله ضربه بِسَيْفِهِ وضربه الآخر بِمثلِهِ حَتَّى عج مُوسَى
следующие страницы →