← Книги сунны

Книги сунны · id 720

نوادر الأصول في أحاديث الرسول

الحكيم الترمذي

Полный текст (1 237 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قبل أَن يخلقكم فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ سَمَّاكُم هَكَذَا وتكونوا شُهَدَاء على النَّاس فهم شُهَدَاء الله تَعَالَى للأنبياء ﵈ على الْأُمَم يَوْم الْقِيَامَة ليَكُون الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا واعتصموا بِاللَّه هُوَ مولاكم فَنعم الْمولى وَنعم النصير فَانْظُر إِلَى مُخَاطبَة بني إِسْرَائِيل فِي أَي صُورَة هِيَ وَانْظُر إِلَى مُخَاطبَة هَذِه الْأمة فِي أَي صُورَة هِيَ يتَبَيَّن لَك أَنهم فِي صُورَة عبيد الْغلَّة وَهَذِه الْأمة فِي صُورَة عبيد الْخدمَة وَعبيد الْخدمَة أولى بالسيد من عبيد الْغلَّة فساحت بَنو إِسْرَائِيل بأبدانهم إِلَى الْجبَال فِي مفاوز الدُّنْيَا عزلة بالأبدان من الْخلق كي يصدقُوا الله تَعَالَى فِي طلب مَا عهد لَهُم ويوفوا بِعَهْد الله عَلَيْهِم وساحت أمة مُحَمَّد ﷺ بقلوبهم فِي مفاوز الملكوت إِلَى خَالق الْعَرْش عزلة بالقلوب عَن همم النُّفُوس كي يصدقُوا الله فِي طلبه والوصول إِلَيْهِ فَإِن الله تَعَالَى دَعَا الْخلق إِلَيْهِ فَقَالَ ﴿اسْتجِيبُوا لربكم من قبل أَن يَأْتِي يَوْم لَا مرد لَهُ من الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى يأيها الَّذين آمنُوا اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذْ دعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ) وَقَالَ الله تَعَالَى فِيمَا حكى عَنهُ النَّبِي ﷺ إِلَيّ إِلَيّ يأهل الْمَوْت

стр. 282

الْمَوْت والفناء لَا إِلَى غَيْرِي فَإِنِّي قد قضيت بِالرَّحْمَةِ على نَفسِي وأوجبت الْمَغْفِرَة لمن استغفرني فَأَنا الْعَفو أعفو عَن صَغِير الذُّنُوب وكبيرها وَلَا أُبَالِي فَلَمَّا أَبْطَأت النُّفُوس فِي الْإِجَابَة قَالَ ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام﴾ فَأهل الِالْتِفَات إِلَى الثَّوَاب وَالْعِقَاب فِي الْحيَاء من الْفرق إِلَى الْقدَم بَين يَدَيْهِ غَدا لِأَن نُفُوسهم لم تسمح بالعبودة لِرَبِّهَا إِلَّا باسترواح إِلَى الثَّوَاب وهرب من الْعَذَاب فَهَذِهِ عبودة برشوة وعربون وَلَيْسَت عبودة الْأَنْبِيَاء وَلَا الصديقين وَلَا الْأَوْلِيَاء ﵈ فَجعل حظوظ بني إِسْرَائِيل على قُلُوبهم فِي دَار الدُّنْيَا حُقُوقه وَعَهده وَفِي الْآخِرَة جنانه ثَوابًا لرعاية حُقُوقه وَالْوَفَاء بعهده وحظوظ هَذِه الْأمة على قُلُوبهم فِي دَار الدُّنْيَا جَلَاله وعظمته وسلطانه وَمَعْرِفَة آلائه وفضله وَرَحمته وَفِي الْآخِرَة قربه وَرفع الْحجاب فِيمَا بَينه وَبينهمْ وَقَدَّمَهُمْ فِي الدُّنْيَا خُرُوجًا وأخرنا وَقدمنَا فِي الْجنَّة دُخُولا وأخرهم وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ الْجنَّة مُحرمَة على الْأَنْبِيَاء حَتَّى أدخلها وعَلى الْأُمَم حَتَّى تدْخلهَا أمتِي فبهذه الْأمة فتح العبودة يَوْم الْمِيثَاق وبهذه الْأمة يخْتم العبودة يَوْم تصرم الدُّنْيَا وبهذه الْأمة يفتح بَاب الرَّحْمَة فَيدْخلُونَ دَاره ثمَّ ظَهرت من مُعَاملَة بني إِسْرَائِيل رَبهم وَمن مُعَاملَة هَذِه الْأمة رَبهَا مَا دلّت على نُفُوسهم وأخلاقهم ومحلهم من المكارم الَّتِي أعطيتا والمواهب فَكَانَت مكرمَة إِسْمَاعِيل ﵇ بَيت الله الَّذِي خلقه قبل

стр. 283

السَّمَوَات وَالْأَرْض فَكَانَت زبدة بَيْضَاء إِذْ عَرْشه على المَاء مبوء الذّكر هُنَاكَ وَخلق ملكَيْنِ يسبحانه ويقدسانه على الزبدة فأبيضت فهناك مظهره ومعلمه ومبوء ذكره وَمَوْضِع تقديسه وَلَا سَمَاء وَلَا أَرض وَلَا خلق فولاه الله تَعَالَى رفع قَوَاعِد بَيته مَعَ أَبِيه دون إِسْحَاق ﵈ وَجعل حجابته بيد وَلَده فهم يحجبون ويأتون وانبط زَمْزَم سقيا لَهُ ولولده من بعده وَلِجَمِيعِ من أم الْبَيْت مُعظما وسَاق إِلَيْهِ عينا من عُيُون الْجنَّة فَفتح فِيهِ ينبوعا وَجعله مهبط رَحمته فِي كل يَوْم وَمِنْه تَنْتَشِر على أهل الدُّنْيَا فَيخْتَص مِنْهَا أَهلهَا بِمِائَة رَحْمَة وَعشْرين لأهل الدُّنْيَا ومكرمة إِسْحَاق ﵇ الصَّخْرَة الَّتِي إِلَيْهَا يجمع الْخلق ويحاسبهم وَهِي صَخْرَة من الْجنَّة عَلَيْهَا الأرضون السَّبْعَة وَهِي رَأس تِلْكَ الصَّخْرَة وَأما الْمُعَامَلَة فَإِنَّهُ لما جَاءَت المحنتان من الله تَعَالَى لَهما فِي وقتيهما برز مَا فِي نُفُوسهم وبرز مَا لَهُم من الْحَظ فِي الْغَيْب عِنْده بالمحنة فَإِن السَّيِّد إِذا كَانَ لَهُ عبيد فَإِنَّمَا يتَبَيَّن لَهُ حظوظ العبيد مِنْهُ بمعاملته إيَّاهُم ويتبين جَوَاهِر نُفُوسهم بمعاملتهم إِيَّاه وَإِنَّمَا كثر ولد إِسْحَاق ﵇ فِي زمن يُوسُف ﵇ بِمصْر بعد مَا حَاز الله تَعَالَى ليوسف ﵇ مَدَائِن مصر وَأَسْكَنَهُ إِيَّاهَا وَجعل بِيَدِهِ خزائنها ودخلها إِسْرَائِيل وَهُوَ يَعْقُوب ﵇ فِي سِتَّة وَسبعين نفسا من وَلَده وَولد وَلَده ونسلهم فأنمى الله تَعَالَى عَددهمْ وَبَارك فِي ذُريَّته حَتَّى خَرجُوا إِلَى الْبَحْر يَوْم غرق فِرْعَوْن وهم سِتّمائَة ألف من الْمُقَاتلَة سوى الشُّيُوخ والذرية وَالنِّسَاء وَجَاوَزَ عَددهمْ ألف ألف فَقَالَ الله تَعَالَى فِيمَا يحْكى عَنْهُم وَلَقَد جَاءَكُم يُوسُف من قبل بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زلتم فِي شكّ مِمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إِذا هلك قُلْتُمْ لن يبْعَث الله من بعده رَسُولا

стр. 284

فَهَذَا قَوْلهم بعد أَن صيرهم مُلُوك مصر وأربابهم فَغير الله تَعَالَى مَا بهم فصاروا سخرة لآل فِرْعَوْن يخدمونهم خدمَة العبيد وَالْإِمَاء وَمن عجز عَن الْخدمَة لسنه وضع عَلَيْهِ الْغلَّة فاستودى مسَاء كل يَوْم فَإِن أعْطى وَإِلَّا غلت يَمِينه وَيقْتلُونَ أَبْنَاءَهُم مَخَافَة رُؤْيا فِرْعَوْن أَنه يُولد مِنْهُم مَوْلُود يكون هَلَاك ملكه على يَدَيْهِ فَبعث الله مُوسَى ﵇ ورحمهم بِهِ فَقَالَ فِي تَنْزِيله الْكَرِيم ونريد أَن نمن على الَّذين استضعفوا فِي الأَرْض ونجعلهم أَئِمَّة الْآيَة فَجعل فيهم الْأَنْبِيَاء وَبث فيهم الْكتب وجعلهم أهل عبَادَة وَجهد وميثاق وعهد وأنقذ الله بني إِسْرَائِيل من ملكة فِرْعَوْن وعذابه وسخرته بمبعث مُوسَى ﵇ وغرق فِرْعَوْن وَجعل لَهُم فِي الْبَحْر طَرِيقا يبسا فَلَمَّا جاوزوه قَالُوا يَا مُوسَى إِن قُلُوبنَا لَا تطمئِن ان فِرْعَوْن غرق حَتَّى أَمر الله تَعَالَى الْبَحْر فلفظه فنظروا إِلَيْهِ فَلَمَّا اطمأنوا وصاروا من طَرِيق الْبر إِلَى مَدَائِن فِرْعَوْن حَتَّى نقلوا كنوزه وغرقوا فِي النِّعْمَة رَأَوْا قوما يعكفون على أصنام لَهُم فَقَالُوا يَا مُوسَى إجعل لنا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلِهَة حَتَّى زجرهم مُوسَى ﵇ وَقَالَ ﴿أغير الله أبغيكم إِلَهًا وَهُوَ فَضلكُمْ على الْعَالمين﴾ أَي عالمي زمانهم ثمَّ أَمرهم أَن يَسِيرُوا إِلَى الأَرْض المقدسة الَّتِي كَانَت مسَاكِن آبَائِهِم ويتطهروا من أَرض فِرْعَوْن وَكَانَت الأَرْض المقدسة فِي أَيدي الْجَبَابِرَة قد غلبوا عَلَيْهَا فَقَالُوا لَهُ أَتُرِيدُ أَن تجعلنا لحْمَة للجبارين لَو تركتنا فِي يَدي فِرْعَوْن كَانَ خيرا لنا قَالَ ﴿يَا قوم ادخُلُوا الأَرْض المقدسة﴾ الْآيَة قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لن ندْخلهَا أبدا مَا داموا

стр. 285

فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْت وَرَبك) الْآيَة حَتَّى دَعَا عَلَيْهِم وَسَمَّاهُمْ فاسقين فبقوا فِي التيه أَرْبَعِينَ سنة عُقُوبَة ثمَّ رَحِمهم فَمن عَلَيْهِم بالمن والسلوى وبالغمام يظللهم وبالحجر ينفجر مِنْهُ اثْنَتَيْ عشرَة عينا إِذا ضربه بعصاه فَقَالُوا لَو أَن مُوسَى انْكَسَرَ عَصَاهُ لمتنا عطشا فَأوحى الله تَعَالَى إِلَى مُوسَى ﵇ إِذا كَانَ وَقت المَاء فَكلم الْحجر وَلَا تضربه بالعصى حَتَّى ينفجر مِنْهُ المَاء من الْعُيُون بكلمتك ثمَّ سَار مُوسَى ﵇ إِلَى طور سيناء ليجيئهم بِالتَّوْرَاةِ فاتخذوا الْعجل فَقَالَ لَهُم السامري هَذَا إِلَهكُم واله مُوسَى فاطمأنوا إِلَى قَوْله ونهاهم هَارُون ﵇ فَقَالَ ﴿يَا قوم إِنَّمَا فتنتم بِهِ وَإِن ربكُم الرَّحْمَن فَاتبعُوني وَأَطيعُوا أَمْرِي قَالُوا لن نَبْرَح عَلَيْهِ عاكفين حَتَّى يرجع إِلَيْنَا مُوسَى﴾ فَلم يتبع هَارُون وَلم يطعه فِي ترك الْعجل إِلَّا إثني عشر ألفا فِيمَا رُوِيَ فِي الْخَبَر وتهافت فِي عِبَادَته سَائِرهمْ وهم أَكثر من ألفي ألف فَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى ألْقى الألواح فَرفع من التَّوْرَاة سِتَّة أَجزَاء وَبَقِي جُزْء وَاحِد وَهُوَ من مائَة حبا للعجل فظهرت على شفاههم صفرَة وورمت بطونهم فتابوا فَلم تقبل تَوْبَتهمْ دون أَن يقتلُوا أنفسهم فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿فتوبوا إِلَى بارئكم فَاقْتُلُوا أَنفسكُم﴾ فَقَامُوا بالخناجر وَالسُّيُوف بَعضهم على بعض من لدن طُلُوع الشَّمْس إِلَى ارْتِفَاع الضُّحَى لَا يسْأَل وَالِد عَن ولد وَلَا ولد عَن وَالِد وَلَا أَخ عَن أَخِيه كل من استقبله ضربه بِسَيْفِهِ وضربه الآخر بِمثلِهِ حَتَّى عج مُوسَى

стр. 286

عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى الله تَعَالَى صَارِخًا يَا رباه قد فنيت بَنو إِسْرَائِيل فَرَحِمهمْ الله تَعَالَى فَقبل تَوْبَة من بَقِي وَجعل من قتل فِي الشُّهَدَاء ثمَّ قَالُوا يَا مُوسَى أرنا الله جهرة فَجَاءَت صَاعِقَة فأحرقت من جمعهم أَرْبَعِينَ ألفا فِيمَا جَاءَ فِي الْخَبَر ثمَّ عرض عَلَيْهِ مَا فِي التَّوْرَاة ليقبلوها فَأَبُو وَقَالُوا لَا نطيق هَذَا فنتق الله عَلَيْهِم الْجَبَل ونودوا مِنْهَا خُذُوا مَا آتيناكم بِقُوَّة وَإِلَّا رميناكم بِالْجَبَلِ فسجدوا على حُرُوف وُجُوههم ينظرُونَ إِلَى الْجَبَل وَيَقُولُونَ قبلنَا قبلنَا ثمَّ قيل لَهُم قد وصلتم الى بَيت الْمُقَدّس وادخلوا الْبَاب سجدا وَقُولُوا حطة أَي حط عَنَّا بِمَنْزِلَة قَوْله اسْتغْفر الله جَاءَ فِي الْخَبَر أَنهم أمروا أَن يدخلُوا الْبَاب سجدا على ركبهمْ فَعلم الله تَعَالَى مِنْهُم ضيق أَخْلَاقهم وَأَنَّهُمْ لن يدخلوها سجدا فَلَمَّا صَارُوا الى الْبَاب طوطىء لَهُم الْبَاب حَتَّى لم يُمكنهُم أَن يدخلوها قيَاما فكزت نُفُوسهم والتوت وانكشف سوء أَخْلَاقهم فاستلقوا على ظُهُورهمْ زحفا على الإستاه وهم يَقُولُونَ حِنْطَة حِنْطَة هطى سمقائا سخرية واستخفافا بِمَا أعْطوا قَالَ الله تَعَالَى فبدل الَّذين ظلمُوا قولا غير الَّذِي قيل لَهُم الْآيَة وَكَانَ مُوسَى ﵇ شَدِيد الْحيَاء ستيرا فَقَالُوا انه آدر فَلَمَّا اغْتسل وضع على الْحجر ثَوْبه فَعدى الْحجر بِثَوْبِهِ الى مجَالِس بني اسرائيل ومُوسَى على أَثَره عُرْيَان وَهُوَ يَقُول يَا حجر ثوبي فَذَلِك قَوْله

стр. 287

تَعَالَى وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين آذوا مُوسَى فبرأه الله مِمَّا قَالُوا ثمَّ لما مَاتَ هَارُون قَالُوا لَهُ أَنْت قتلت هَارُون وحسدته حَتَّى نزلت الْمَلَائِكَة بسريره وَهَارُون ميت عَلَيْهِ ثمَّ سالوه أَن يكون مَا نقدم من أَمْوَالنَا نعلم تقبلهَا فَجعلت نَار تَجِيء من السَّمَاء فَتقبل قُرْبَانهمْ ثمَّ سَأَلُوهُ أَن يبين لنا كَفَّارَات ذنوبنا فِي الدُّنْيَا فَكَانَ من أذْنب ذَنبا أصبح وعَلى بَابه مَكْتُوب عملت كَذَا وكفارته قطع عُضْو من أعضائك يُسَمِّيه لَهُ وَمن أَصَابَهُ بَوْل لم يطهر حَتَّى يقْرضهُ ويزيل جلدته من بدنه ثمَّ بدلُوا التَّوْرَاة من بعده وافتروا على الله وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِم ليشتروا بِهِ من الدُّنْيَا عرضا ثمَّ صَار أَمرهم إِلَى أَن قتلوا أَنْبِيَائهمْ ﵈ فَهَذِهِ معاملتهم مَعَ الله تَعَالَى وسيرتهم فِي دينهم قد انْكَشَفَ لنا عَن جواهرهم وأخلاقهم وحظوظهم عَن رَبهم بِمَا أنزل الله علينا من أخبارهم وَلمن كَانَ لَهُ فهم وَأما ولد إِسْمَاعِيل ﵇ فَجعل فيهم السخاء هم أولو الْأَخْلَاق السّنيَّة والمكارم ومنحهم من خزائنه تِلْكَ الْأَخْلَاق الطاهرة الَّتِي عَيْش أَهلهَا عَيْش أهل الْجنان فَإِن صَاحب الْأَخْلَاق قلبه فِي رَاحَة لِأَن نَفسه طيبَة كَرِيمَة وَصَاحب الضّيق قلبه معذب لِأَن نَفسه شكسة كزة يابسة فقيرة هَذَا من قبل أَن تأتيهم الْهِدَايَة فَلَمَّا جَاءَتْهُم الْهِدَايَة من الله تَعَالَى ورد على قُلُوب بني إِسْرَائِيل نور التَّوْحِيد وروحه وَتركُوا مَعَ مجاهدة نفس كزة يابسة ضيقَة وَورد على قُلُوب هَذِه الْأمة نور التَّوْحِيد وروحه وَنور الْيَقِين وروحه فقلوب بني إِسْرَائِيل مؤيدة بِالتَّوْحِيدِ معذبة بكزازة النَّفس وضيقها وَقُلُوب هَذِه الْأمة مؤيدة بِالتَّوْحِيدِ مستريحة بِنور

стр. 288

الْيَقِين وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿قل إِن هدى الله هُوَ الْهدى﴾ ﴿قل إِن الْهدى هدى الله أَن يُؤْتى أحد مثل مَا أُوتِيتُمْ﴾ ﴿قل إِن الْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء﴾ وَكَانُوا أَحَق بهَا وَأَهْلهَا ﴿يخْتَص برحمته من يَشَاء﴾ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ مَا أَعْطَيْت أمة من الْيَقِين مثل مَا أَعْطَيْت أمتِي وَمثل من أعطي الْيَقِين وَمن حرم ذَلِك كَمثل شَجَرَة لَهَا غصنان والسقيا وَاحِد فَلَمَّا جرى المَاء إِلَى أحد الغصنين تحول طيبا بِإِذن الله تَعَالَى وَجرى فِي الْغُصْن الآخر فتحول ثمارا فَمن الثِّمَار حُلْو وحامض ومدخول وعفن وَمر فَمِنْهُ مَا ينْتَفع بِهِ وَمِنْه مَا ينفى فَيرمى بِهِ وَالطّيب يطيب بِهِ كل شَيْء من الْمَأْكُول والمشروب والملبوس والمركوب والمنكوح فَهَذِهِ الْأمة نفوسها طيبَة أيدت بِروح الْيَقِين فَخرجت الْأَعْمَال طيبَة فِيهَا الهناءة والمراءة يهنأ بهَا الْحق ويستمرىء بهَا فولد إِسْمَاعِيل ﵇ لم يزَالُوا مذكورين بالسماحة والأخلاق السّنيَّة يطْعمُون الطَّعَام ويفكون العاني ويكفلون الْأَيْتَام ويرعون الذمام وهم فِي شركهم وَلم يُسَلط عَلَيْهِم أحد فيسبيهم ويستخسرهم وَلَا صَارُوا ملكا لأحد من الفراعنة حَتَّى أكْرمهم الله تَعَالَى ببعث مُحَمَّد ﷺ وصاغ مُحَمَّدًا ﷺ صياغة برز على الْأَنْبِيَاء وَالرسل فَصَارَ

стр. 289

سيدا لجَمِيع ولد آدم ﵇ وَأنزل عَلَيْهِ كتابا مهيمنا على الْكتب أجمل فِيهِ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَاخْتصرَ لَهُ الْكَلم وزاده الْمفصل وفاتحة الْكتاب وَآيَة الْكُرْسِيّ وخاتمة سُورَة الْبَقَرَة من كنزه الَّذِي ادخره لهَذِهِ الْأمة ووصفهم فِي التَّوْرَاة بمحاسنهم لبني إِسْرَائِيل من قبل أَن يخلقهم بآلاف من السنين ولعيسى ﵇ ولقومه فِي الْإِنْجِيل حَتَّى رُوِيَ فِي الحَدِيث أَن أمة مُحَمَّد ﷺ يسمون فِي التَّوْرَاة صفوة الرَّحْمَن وَفِي الْإِنْجِيل حكماء عُلَمَاء أبرار أتقياء كَأَنَّهُمْ من الْفِقْه أَنْبيَاء وَقَالَ فِي الْقُرْآن الْكَرِيم ﴿ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا من عبادنَا﴾ الْآيَة تَصْدِيقًا لما فِي التَّوْرَاة صفوة الرَّحْمَن وَقَالَ ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ وَقَالَ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ أَي عدلا لتكونا شُهَدَاء على النَّاس أَي شُهَدَاء للرسل بالبلاغ عِنْدَمَا تجحد الْأُمَم تَبْلِيغ الرُّسُل ﵈ رسالات الله تَعَالَى فَتشهد هَذِه الْأمة لنوح ﵇ فَمن دونه رَسُولا رَسُولا أَنهم أَدّوا الرسَالَة فَيحكم الله تَعَالَى بِشَهَادَتِهِم على سَائِر الْأُمَم ويتخلص الرُّسُل ﵈ من أَمَانَة الرسَالَة وَذَلِكَ بعد مَا يعدلهم مُحَمَّد ﷺ فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس وَيكون الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا﴾ فَتكون شَهَادَة أمة مُحَمَّد ﷺ يَوْمئِذٍ مَقْبُولَة على جَمِيع الْأُمَم

стр. 290

لجَمِيع الْأَنْبِيَاء ﵈ ثمَّ أَعْطَاهُم سَيْفه ليقتلوا بِهِ أعداءه وَلَا يقتل أعداءه إِلَّا أولياؤه ثمَّ قَالَ ﴿وَالله ولي الْمُؤمنِينَ﴾ فهم أَوْلِيَاء الله وَالله تَعَالَى وليهم وهم أهل حميته وأنصاره فدعوا إِلَى الْحَرْب فوضعوا السيوف على عواتقهم وربطوا الْحجر على بطونهم من الْجُوع والخرق على ظُهُورهمْ من العري وَقد هجروا أوطانهم ومقرهم وَحرم الله تَعَالَى عَدَاوَة فِي الله لأهل الشّرك وَخَرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ ونابذوا أرحامهم فِي الله حَتَّى كَانَ الرجل يقتل أَبَاهُ وأخاه فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح ﵁ مِمَّن قتل أَبَاهُ فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله وَلَو كَانُوا آبَاءَهُم أَو أَبْنَاءَهُم أَو إخْوَانهمْ أَو عشيرتهم﴾ ثمَّ أثنى عَلَيْهِم فَقَالَ ﴿أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان وأيدهم بِروح مِنْهُ﴾ الْآيَة وَقَالُوا عِنْدَمَا استشارهم رَسُول الله ﷺ فِي شَيْء من أَمر الْحَرْب مرنا بِمَا شِئْت وسر بِنَا حَيْثُ شِئْت فَلَو سرت بِنَا الى برك الغماد لسرنا مَوضِع بعيد ذَكرُوهُ فوَاللَّه لَا نقُول لَك كَمَا قَالَت بَنو إِسْرَائِيل ﴿فَاذْهَبْ أَنْت وَرَبك فَقَاتلا﴾ الْآيَة وافتتح خَيْبَر وغنم الْغَنَائِم فقسم فِي الْمُهَاجِرين وَلم يقسم فِي الْأَنْصَار لإنهم فِي أَمْوَالهم والمهاجرون خلفوا أَمْوَالهم بِمَكَّة وَكَانُوا فُقَرَاء

стр. 291

فسمحت الْأَنْصَار بذلك وَكَانُوا حِين قدمُوا الْمَدِينَة ناصفوهم الْأَمْوَال وواسوهم بالكثير حَتَّى كَانَ الرجل يُطلق إِحْدَى امرأتيه ليتزوجها أَخُوهُ المُهَاجر هَذَا كُله لحب الله تَعَالَى وَحب طَاعَته وَحب رَسُول الله ﷺ فَأنْظر أَي قُلُوب هَذِه وَأي شَيْء فِي هَذِه الْقُلُوب من منن الله تَعَالَى من خَزَائِن فَضله وَانْظُر أَي نفوس هَذِه شيمها وَأنْظر أَي أَخْلَاق لهَذِهِ النُّفُوس اللَّهُمَّ إِنَّا نتقرب إِلَيْك بحبهم فَإِنَّهُم أحبوك وَلم يحبوك حَتَّى أَحْبَبْتهم فبحبك إيَّاهُم وصلوا إِلَى حبك وَنحن لم نصل إِلَى حبهم فِيك إِلَّا بحظنا مِنْك فتمم لنا ذَلِك حَتَّى نلقاك بِهِ يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ وَأثْنى الله تَعَالَى على الْأَنْصَار رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ ومدح سرائرهم فَقَالَ ﴿يحبونَ من هَاجر إِلَيْهِم وَلَا يَجدونَ فِي صُدُورهمْ حَاجَة مِمَّا أُوتُوا﴾ أَي لَا يَجدونَ ضيقا وَلَا بخلا وَلَا نفاسة فَمَا أُوتِيَ الْمُهَاجِرين من غنيمَة خَيْبَر وَلم يُؤْت الْأَنْصَار ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة يخبر أَنه كَانَ بالأنصار فقر وحاجة إِلَى تِلْكَ الْغَنَائِم فآثروا الْمُهَاجِرين على أنفسهم ثمَّ أخبر أَن هَذَا من منَّة الله تَعَالَى على الْأَنْصَار أَن أمات مِنْهُم الْحِرْص وَهُوَ الشُّح فَقَالَ عز من قَائِل وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون وَإِنَّمَا أمات مِنْهُم الْحِرْص بِمَا أَعْطَاهُم من الْيَقِين وَمَا يصنع من احتشى قلبه بِنور الله تَعَالَى وَيرى قربَة الله مِنْهُ بظلمات الدُّنْيَا وحطامها ولهوها وَسَار بهم رَسُول الله ﷺ إِلَى فتح مَكَّة وَهُوَ وطنهم وأرضهم

стр. 292

المقدسة كَمَا سَار بهَا مُوسَى ﵇ فَمَا تلكأ مِنْهُم شَاب وَلَا شيخ حَتَّى فتح الله عَلَيْهِم من غير أَن يمسهم سوء ثمَّ قبض رَسُول الله ﷺ فابتعث الله تَعَالَى لهَذَا الدّين أَئِمَّة صديقين خلفاء الْأَنْبِيَاء ﵈ وأوتاد الْحق يقومُونَ بِالْحَقِّ وَبِه يعدلُونَ فتفاوت الْأَمْرَانِ والشأنان شَأْن بني إِسْرَائِيل وشأن هَذِه الْأمة عَن سَالم بن عبد الله بن عمر ﵁ قَالَ بَيْنَمَا رجلَانِ جالسان إِذْ قَالَ أَحدهمَا لقد رَأَيْت البارحة كل نَبِي فِي الأَرْض وَقَالَ آلاخر هَات قَالَ رَأَيْت كل نَبِي مَعَه أَرْبَعَة مصابيح مِصْبَاح من بَين يَدَيْهِ ومصباح من خَلفه ومصباح عَن يَمِينه ومصباح عَن يسَاره وَمَعَ كل صَاحب لَهُ مِصْبَاح ثمَّ رَأَيْت رجلا قَامَ أَضَاءَت لَهُ الأَرْض وكل شَعْرَة فِي رَأسه مِصْبَاح وَمَعَ كل صَاحب لَهُ أَرْبَعَة مصابيح مِصْبَاح من بَين يَدَيْهِ ومصباح من خَلفه ومصباح عَن يَمِينه ومصباح عَن يسَاره فَقلت من هَذَا قَالُوا مُحَمَّد بن عبد الله قَالَ كَعْب ﵁ مَا هَذَا الحَدِيث الَّذِي تحدث بِهِ قَالَ رُؤْيا رَأَيْتهَا البارحة قَالَ وَالَّذِي بعث مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ انها فِي كتاب الله كَمَا رَأَيْت فبرز ولد إِسْمَاعِيل ﵇ وهم الْعَرَب بِمَا منحهم الله تَعَالَى من أخلاقه وَجَاء عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ ان لله مائَة وَسَبْعَة عشر خلقا من أَتَى بِوَاحِدَة مِنْهَا دخل الْجنَّة

стр. 293

وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ الْأَخْلَاق فِي الخزائن فاذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا منحه خلقا أَلا يرى أَن الرجل المفرط فِي دينه المضيع لحقوقه يَمُوت وَقد كَانَ صَاحب خلق من هَذِه الْأَخْلَاق فتنطلق أَلْسِنَة الْعَامَّة بالثناء عَلَيْهِ والمؤمنون شُهَدَاء الله فِي الأَرْض كَذَلِك رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ عَن أنس ﵁ قَالَ مَاتَ رجل على عهد رَسُول الله ﷺ فَأثْنى عَلَيْهِ خير فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَجَبت ثمَّ مَاتَ آخر فأثني عَلَيْهِ شَرّ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَجَبت فَقيل لَهُ يَا رَسُول الله قلت لذَلِك وَجَبت وَقلت لهَذَا وَجَبت قَالَ إِنَّكُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض ثمَّ تَلا رَسُول الله ﷺ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس وَيكون الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا إِذا مَاتَ صَاحب التَّخْلِيط انْطلق أَلْسِنَة الْمُؤمنِينَ بالثناء عَلَيْهِ فَيُقَال كَانَ سخي النَّفس فَيقبل الله شَهَادَتهم عَلَيْهِم ويدخله الْجنَّة بسخاوته وَيَمُوت أحدهم فَيُقَال كَانَ لينًا وَيُقَال كَانَ رحِيما وَيُقَال كَانَ حسن الْخلق وَيُقَال كَانَ حَلِيمًا وَيُقَال كَانَ رزينا وَكَانَ عطوفا أَو برا أَو متوددا وَكَانَ مواتيا منبسطا كَانَ سهلا كَرِيمًا كَانَ عفوا حمولا كَانَ عفيفا كَانَ شكُورًا كَانَ شجاعا صَارِمًا فَهَذِهِ أَخْلَاق الله تَعَالَى أَكْثَرهَا مِمَّا تسمى بِهِ وَالَّذِي لم يتسم بِهِ فَهُوَ دَاخل فِيمَا تسمى بِهِ لِأَن اللين والرزانة من الْحلم وَالرَّحْمَة والعفاف من النزاهة وَالطَّهَارَة فَمن منحه الله تَعَالَى وَاحِدَة من هَذِه الْأَخْلَاق يُعْطِيهِ نور ذَلِك الآسم

стр. 294

الَّذِي تسمى بِهِ رَبنَا فيشرق نوره على قلبه وَفِي صَدره فَيصير لنَفسِهِ بذلك الْخلق بَصِيرَة فيعتادها ويتخلق بهَا فحقيق عَلَيْهِ إِذا أكْرمه بذلك أَن يهب لَهَا مساويه ويستره بمغفرته ويدخله الْجنَّة فَإِنَّهُ مَا أعطَاهُ ذَلِك حَتَّى أوجب لَهُ ذَلِك فِي غيبه يُحَقّق ذَلِك مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ انه قَالَ بَيْنَمَا رجل لم يعْمل خيرا قطّ فَرفع غُصْن شَوْكَة من الطَّرِيق وَقَالَ لَعَلَّ مارا يمر بِهِ فيؤذيه فغفر الله لَهُ وَإِنَّمَا غفر لَهُ بِالرَّحْمَةِ الَّتِي فِي قلبه وبالعطف الَّذِي عطف على خلقه وَجَاء عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ بَيْنَمَا رجل حُوسِبَ فَلم تُوجد لَهُ حَسَنَة فَقَالَ الله تَعَالَى اذكر شَيْئا كنت تَفْعَلهُ فِي الدُّنْيَا قَالَ العَبْد لَا أذكر شَيْئا إِلَّا أَنِّي كنت أسامح النَّاس وآمر غلماني أَن يسامحوهم فِي اقْتِضَاء مَالِي مِنْهُم فَيَقُول الله تَعَالَى فَأَنا أَحَق الْيَوْم أَن أسامحك وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَن الله تَعَالَى يحب كل عبد طلق سهل لين هَين وَحرمه على النَّار وَقَالَ رَسُول الله ﷺ الراحمون يرحمهم الرَّحْمَن ﵎ ارحموا من فِي الأَرْض يَرْحَمكُمْ من فِي السَّمَاء

стр. 295

وَقَالَ الْجنَّة دَار الأسخياء وَمَا جبل الله قطّ وليا لَهُ إِلَّا على السخاء ولجاهل سخي أحب إِلَى الله تَعَالَى من عَابِد بخيل وَقَالَ ﷺ حسن الْخلق ذهب بِخَير الدَّاريْنِ وَيدْرك بِهِ الرجل دَرَجَة الصَّائِم الْقَائِم فَهَذِهِ أَخْلَاق الْعَرَب منحها الله تَعَالَى إيَّاهُم وطهرهم بِالتَّوْحِيدِ وطيبهم بِالْيَقِينِ فعبدوا الله كَأَنَّهُمْ يرونه فشرع الله تَعَالَى لَهُم أوسع الشَّرَائِع وأسمحها وَستر عَلَيْهِم ذنوبهم وَجعل خُرُوجهمْ مِنْهَا بالندم وَالِاسْتِغْفَار وَقَالَ لبني إِسْرَائِيل عاقبوا أبدانكم بذنوبكم فَاقْطَعُوا مِنْهَا كَذَا وَتَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا على أبوابكم وَقَالَ لنا تُوبُوا إِلَى الله أَي ارْجعُوا إِلَيّ بقلوبكم فِيمَا بيني وَبَيْنكُم وَقَالَ لَهُم قُولُوا حطة أَي حط عَنَّا وَقَالَ لنا قُولُوا اغْفِر لنا فجوهر هَذَا الْكَلَام غير ذَلِك وَإِنَّمَا صَار هَذَا هَكَذَا لِأَن كَلَام كل قوم عِنْد رَبهم على مَا هم عَلَيْهِ فبنو إِسْرَائِيل لم يكن عِنْدهم من الْيَقِين مَا عِنْد هَذِه الْأمة فَلَمَّا أذنبوا قيل لَهُم قُولُوا حطة وَهَذِه الْأمة بِفضل يقينها استحيت من الله تَعَالَى من الذَّنب الَّذِي يعمله وَكَأَنَّهُ رأى نَفسه خَارِجا من ستر الله عُريَانا فَأعْطى الْكَلِمَة الَّتِي تكون دَوَاء لما حل بِهِ فَقيل لَهُ قل إغفر فَمن استحيا من ذَنبه وَرَأى نَفسه عَارِيا بَين يَدي الله تَعَالَى قيل لَهُ قل اغْفِر وَمن عجز عَن رُؤْيَة هَذَا قيل لَهُ قل حطة وَصَارَت صَدَقَاتهمْ عودا بهَا على فقرائهم فطابت نُفُوسهم بِمَا رَأَوْا على فقرائهم من فَضلهمْ وسكنت قُلُوبهم على الصَّدقَات أَنَّهَا تصير إِلَى الله

стр. 296

تَعَالَى قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَن الله هُوَ يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَأْخُذ الصَّدقَات﴾ وَقَالَ ﵇ إِن الصَّدَقَة لتقع فِي يَد الله من قبل أَن يَأْخُذهَا السَّائِل فرزقهم الله تَعَالَى من الْيَقِين مَا إِذا قبل لَهُم الشَّيْء سكنت قُلُوبهم فَكَانَ أحدهم يمشي بِصَدَقَتِهِ إِلَى السَّائِل لَا يكلها إِلَى غَيره ويقبلها من قبل أَن يَضَعهَا فِي يَده ليقينهم بِمن يَأْخُذهَا مِنْهُم وَقيل إِن قُلُوب هَذِه الْأمة تأوي إِلَى ذكر الله كَمَا تحن الْحَمَامَة الى وَكرها ولهي أسْرع إِلَى الذّكر من ظمأ الْإِبِل يَوْم وردهَا الى المَاء وَأمرت بَنو إِسْرَائِيل أَن يضعوا فِي أرديتهم خيوطا خضرًا كي إِذا نظرُوا إِلَيْهَا ذكرُوا السَّمَاء فاذا ذكرُوا السَّمَاء ذكرُوا الْعَرْش فَيذكرُونَ الله تَعَالَى وَيَوْم الْوِفَادَة حَيْثُ اخْتَار مُوسَى ﵇ سبعين رجلا لميقات الله تَعَالَى فَلَمَّا صَارُوا إِلَى الْجَبَل أَعْطَاهُم الله تَعَالَى ثَلَاث خِصَال فِيمَا رُوِيَ فِي الْخَبَر فَقَالَ أُعْطِيكُم الْحِفْظ لتقرؤها عَن قُلُوبكُمْ فَقَالُوا إِنَّا نحب أَن نَقْرَأ التَّوْرَاة نظرا فَقَالَ ذَلِك لأمة أَحْمد ﷺ قَالَ وأعطيكم السكينَة فِي قُلُوبكُمْ فَقَالُوا لَا نقدر على حملهَا فاجعلها لنا فِي تَابُوت فكلمنا مِنْهَا إِذا احتجنا قَالَ فَذَلِك لأمة أَحْمد قَالَ وأعطيكم أَن تصلوا من الأَرْض حَيْثُ أدركتم قَالُوا لَا نحب أَن يكون ذَلِك إِلَّا فِي كنائسنا قَالَ فَذَلِك لأمة أَحْمد فَكَانَ نوف البكائي إِذا حدث بِهَذَا الحَدِيث قَالَ احمدوا ربكُم الَّذِي شهد غيبتكم وَأخذ

стр. 297

بحظكم وَجعل وفادة بني إِسْرَائِيل لكم فَجعل الله السكينَة فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ وَجعل لَهُم الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا وَقرن الْحِفْظ بالعقول مِنْهُم ليقرءوا عَن قُلُوبهم وَقَالَ ﷺ أَعْطَيْت أمتِي ثَلَاثًا لم يُعْط أحد صُفُوف الصَّلَاة وتحية أهل الْجنَّة وآمين الا مَا أعطي مُوسَى وَهَارُون من قَوْله آمين وَكَانَ من قبلهم يتفرقون فِي الصَّلَاة وُجُوه بَعضهم إِلَى بعض وقبلتهم الى الصَّخْرَة وَإِذا لَقِيَهُمْ لَقِي أحدهم أَخَاهُ انحنى لَهُ بدل السَّلَام يخضع لَهُ وَفِيه مُؤنَة يُرِيد بذلك أَمَانه فأعطينا تَحْتَهُ أهل الْجنَّة أَن يَقُول أحدهم بِلِسَانِهِ فيؤمنه وَجعل سيماء عبودتنا يَوْم الْقِيَامَة على وُجُوههم وأطرافهم غرا من السُّجُود محجلين من الْوضُوء وَقد سجدت الْأُمَم من قبلهم فَلم يظْهر على جباههم وَلَا على أَطْرَافهم وَتلك بِشَارَة أمة مُحَمَّد ﷺ فِي الْموقف وبهم يعْرفُونَ وهم أهل الله وخاصنته قيل يَا رَسُول الله من أهل الْجنَّة قَالَ أهل الْقُرْآن وَمَا زَالَ مُوسَى ﵇ يَقُول يَا رب إِنِّي أجد فِي الألواح أمة لَهُم كَذَا ويعملون كَذَا فاجعلهم أمتِي وَيَقُول الله تَعَالَى هم أمة أَحْمد حَتَّى قَالَ فِيمَا رُوِيَ يَا لَيْتَني كنت مَعَهم غِبْطَة بهم وَفِي الْخَبَر عَن ابْن عَبَّاس ﵁ أَن مُوسَى ﵇ اشتاق إِلَى رُؤْيَتهمْ فَقَالَ الله تَعَالَى لَهُ بطور سيناء أَتُحِبُّ أَن أسمعك أَصْوَاتهم فَقَالَ نعم يَا رب فَنَادَى يَا أمة أَحْمد فَأَجَابُوهُ من الأصلاب لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك فَقَالَ أَعطيتكُم قبل أَن تَسْأَلُونِي وأجبتكم قبل أَن تَدعُونِي ورحمتكم قبل أَن تعصوني وغفرت لكم قبل أَن تستغفروني من لَقِيَنِي مِنْكُم يشْهد ان لَا إِلَه إِلَّا أَنا وَأَن مُحَمَّدًا عَبدِي

стр. 298

ورسولي أدخلته جنتي فَذَلِك قَوْله تَعَالَى وَمَا كنت بِجَانِب الطّور إِذْ نادينا وَلَكِن رَحْمَة من رَبك يمن على نبيه مُحَمَّد ﷺ أَي لم تكن يَا مُحَمَّد بِجَانِب الطّور إِذْ نادينا أمتك وَلَكِن كَانَت مني رَحْمَة عَلَيْهِم قبل أَن أخلقهم فالعرب رَأس الْأمة وسابقها الى المكارم قَالَ الله تَعَالَى ﴿لقد من الله على الْمُؤمنِينَ إِذْ بعث فيهم رَسُولا من أنفسهم﴾ وَقَالَ وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه وَقَالَ وَإنَّهُ لذكر لَك ولقومك وسوف تسئلون أَي شرف لَك ولقومك حَيْثُ خاطبتهم بِالْوَحْي وسوف تسئلون عَن شكر هَذَا الشّرف والعجم وَإِن شاركوا الْعَرَب فِي مَنَاقِب هَذِه الْأمة لَكَانَ السَّبق للْعَرَب وَتلك الْأَخْلَاق غير مَوْجُودَة فِي الْعَجم إِلَّا فِي الْوَاحِد بعد الْوَاحِد تخلقا لَا طبعا وبلغنا أَن كنَانَة كَانَ إِذا لم يجد من يَأْكُل مَعَه وضع بَين يَدَيْهِ حجرا فَأكل لقْمَة وَألقى إِلَيْهِ لقْمَة أَنَفَة أَن يَأْكُل وَحده وَكَانَت مائدة عبد الْمطلب مَوْضُوعَة وَكَانَ يرفع مِنْهَا للطير وَالسِّبَاع فِي رُؤُوس الْجبَال وَكَانَ سَوط أدبه مُعَلّقا حَيْثُ يرَاهُ السَّفِيه يؤدبهم بذلك عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنِّي دَعَوْت الْعَرَب فَقلت اللَّهُمَّ من لقيك مِنْهُم مُؤمنا موقنا مُصدقا بلقائك فَاغْفِر لَهُ أَيَّام حَيَاته وَهِي دَعْوَة أَبينَا إِبْرَاهِيم ﵇ ولواء الْحَمد بيَدي يَوْم الْقِيَامَة وَمن أقرب النَّاس إِلَى لِوَائِي يَوْمئِذٍ الْعَرَب

стр. 299

وَمِمَّا يُحَقّق مَا قُلْنَا قَول الله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي بعث فِي الْأُمِّيين رَسُولا مِنْهُم﴾ الْآيَة ثمَّ قَالَ ﴿وَآخَرين مِنْهُم لما يلْحقُوا بهم﴾ ثمَّ قَالَ ﴿ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء﴾ فهم الرَّأْس وَنحن مِنْهُم لَا أَنهم منا وَالْفضل لَهُم بِمَا منحهم الله تَعَالَى من الْأَخْلَاق لَا بِمُجَرَّد اللِّسَان فَمن لم يُوجد فيهم بِهَذِهِ الْأَخْلَاق فَهُوَ هجين والهجنة ضائرة جدا حَتَّى فِي الْخَيل فَكيف فِي الْآدَمِيّين وبلغنا أَن سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵇ أرسل الْخَيل من صنعاء إِلَى تدمر فَتقدم فرسَان من الْخَيل فَقَالَ الْمَسْبُوق للسابق لَوْلَا هجنة فِي أدركتني من ثَمَانِي عشرَة جدة مَا سبقتني

стр. 300

- الأَصْل الثَّامِن وَالسِّتُّونَ - فِي الْأَمر بِالْعقدِ بالأنامل فِي الذّكر - عَن حميضة بنت يَاسر عَن جدَّتهَا يسيرَة رضوَان الله عَلَيْهِنَّ أخْبرتهَا أَن رَسُول الله ﷺ أمرهن أَن يراعين الشَّمْس بالتسبيح وَالتَّقْدِيس والتهليل وَأَن يعقدن بالأنامل فَإِنَّهُنَّ مسئولات ومستنطقات وَعَن حميضة عَن جدَّتهَا يسيرَة ﵄ قَالَت دخل علينا رَسُول الله ﷺ وَنحن نُسَبِّح بالسبح فَقَالَ ألقين أَو دعن عنكن وعليكن بالأنامل فسبحن بهَا فَإِنَّهُنَّ مسئولات مستنطقات مُرَاعَاة الشَّمْس مراقبة وَقت طُلُوعهَا وغروبها وَهُوَ قَوْله تَعَالَى وسبحوه بكرَة وَأَصِيلا وَالتَّقْدِيس هُوَ التَّنْزِيه وَهُوَ التَّكْبِير والتهليل هُوَ التَّوْحِيد وَالْعقد بالأنامل من أجل أَنَّهَا تنطق وَتشهد لصَاحِبهَا أما الْمُؤمن فَتَنْطِق عَنهُ بِخَير وتصمت عَن السوء سترا من الله تَعَالَى

стр. 301

عَلَيْهِ وَأما الْكَافِر فَتَنْطِق عَنهُ بالسوء وتصمت عَن محاسنه لِأَنَّهُ لغير الله فَهُوَ هباء منثور قَالَ الله تَعَالَى ﴿شهد عَلَيْهِم سمعهم وأبصارهم وجلودهم﴾ كنى بالجلود عَن الْفروج وَقَالُوا لجلودهم لم شهدتم علينا رجعُوا باللوم على الْفروج لِأَن الْأَمر فِيهِ أَشد والعار أَكثر ثمَّ بَين بقوله أنطقنا الله الْآيَات أَنَّهَا تشهد على من لم يعرف الله فَأَما الْمُؤمن فَهُوَ يعلم أَن الله تَعَالَى مطلع عَلَيْهِ فيتوب ويستغفر وَإِنَّمَا يُعَامل الْمُشرك بِمثل هَذِه الْأَشْيَاء فَإِنَّهُ لَا يعرف الله تَعَالَى معرفَة الْمُوَحِّدين بل معرفَة الْمُشْركين وَمَعْرِفَة الْمُشْركين معرفَة الْفطْرَة فَلَيْسَ لأحد أَن يُنكره وَمَعْرِفَة الْمُؤمنِينَ معرفَة التَّوْحِيد والتنزيه قَالَ الله تَعَالَى وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون وَقَالَ عز من قَائِل قل لمن الأَرْض وَمن فِيهَا الْآيَات إِلَى قَوْله فَأنى تسحرون سحرتهم أهواؤهم وانقلبت بهم عَن الله تَعَالَى منكوسين لم يمن الله تَعَالَى عَلَيْهِم بِنور التَّوْحِيد وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور

стр. 302

- الأَصْل التَّاسِع وَالسِّتُّونَ - فِي أَن حق الْمُؤمن على الْمُؤمن سِتّ خِصَال عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط وَمن تبعها حَتَّى يفرغ من أمرهَا فَلهُ قيراطان أَحدهمَا أَو أصغرهما مثل أحد فالقيراط سدس المثقال فِيمَا نرى أَنه كَانَ عِنْد الْقَوْم فِي ذَلِك الزَّمَان وَقد تغير بناحيتنا فِي عصرنا وَجَاء عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِن للْمُسلمِ على الْمُسلم سِتّ خِصَال يجِيبه إِذا دَعَاهُ وَيسلم عَلَيْهِ إِذا لقِيه ويعوده إِذا مرض وَيُصلي عَلَيْهِ إِذا مَاتَ وينصحه إِذا استنصحه ويشمته إِذا عطس

стр. 303

فَذكر القيراط يعلمك أَنه إِذا صلى عَلَيْهِ فقد قضى سدس حَقه وَأما القيراط الآخر بدفنه أَو انْتِظَاره حَتَّى يدْفن فَذَاك من النَّصِيحَة لَهُ وَهِي إِحْدَى الْخِصَال السِّت وَمن النَّصِيحَة أَن يكون فِي المشهد والمغيب على حَالَة وَاحِدَة

стр. 304

- الأَصْل السبعون - فِي فضل الشَّهِيد وكرامته على الله عَن جَابر بن عبد الله ﵁ قَالَ لَقِيَنِي رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا جَابر مَا لي أَرَاك منكسرا قلت يَا رَسُول الله اسْتشْهد أبي وَعَلِيهِ دين وَترك عيالا ودينا قَالَ ﷺ أَفلا أُبَشِّرك بِمَا لَقِي الله بِهِ أَبَاك قلت بلَى يَا رَسُول الله قَالَ مَا كلم الله أحدا قطّ إِلَّا من وَرَاء حجاب وَأَنه أَحْيَا أَبَاك فَكَلمهُ كفاحا فَقَالَ تَعَالَى يَا عَبدِي تمن عَليّ أُعْطِيك قَالَ يَا رب تحييني فأقتل فِيك قَالَ الله تَعَالَى سبق مني أَنهم إِلَيْهَا لَا يرجعُونَ وَنزلت وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ كفاحا أَي وجاها وَهُوَ كَقَوْلِه شفاها إِلَّا أَن الشفاه للمخلوقين والكفاح لَهُ غير مَوْصُوف بالأدوات وَفِيه مَا يدل على أَن قَوْله

стр. 305

وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَن هَذَا فِي الدُّنْيَا أما فِي الْآخِرَة فلأهل الْجنان الْحَظ من الْكَلَام كفاحا لما بذل نَفسه لله تَعَالَى سَاعَة فَازَ بِهَذِهِ الدرجَة فَكيف بالصديقين الَّذين بذلوا نُفُوسهم عمرا وتمنيه أَن يحيى لِأَنَّهُ وجد لَذَّة بذله لنَفسِهِ حِين قتل وَإِنَّمَا بذل نفسا خاطئة قد تدنست بِالذنُوبِ فَأحب أَن يبذلها ثَانِيَة طَاهِرَة

стр. 306

- الأَصْل الْحَادِي السبعون - فِي بَيَان الْمُنَافَاة بَين اللّعان وَالصديق عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يكون اللعانون شُهَدَاء وَلَا شُفَعَاء اللّعان متعسف لِأَن اللَّعْنَة مستأصلة فَإِن أُجِيب الى ذَلِك فقد أهلك وَإِن لم يجب فقد عمل عمله من الافراط والتعسف فَهُوَ جَائِر والجائر لَا شَهَادَة لَهُ وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ لَا يكون اللعانون شُهَدَاء لما عِنْدهم من الأحنة والعداوة والجور وَلَا يكونُونَ شُفَعَاء لِأَن قُلُوبهم خَالِيَة من الرَّحْمَة وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لَا يدْخل الْجنَّة وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ أحدكُم حَتَّى يرحم الْعَامَّة كَمَا يرحم أحدكُم خويصته عَن عَائِشَة ﵁ قَالَت سمع رَسُول الله ﷺ أَبَا بكر ﵁ وَهُوَ يلعن بعض رَقِيقه فَالْتَفت إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ وَقَالَ يَا أَبَا بكر لعانين وصديقين كلا وَرب الْكَعْبَة فَأعتق أَبُو بكر يَوْمئِذٍ بعض رَقِيقه وَجَاء إِلَيْهِ فَقَالَ لَا أَعُود إِلَيْهِ يَا رَسُول الله

стр. 307

- الأَصْل الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ - فِي الذّكر الْخَفي عَن حَنْظَلَة الأسيدي وَكَانَ من كتاب رَسُول الله ﷺ قَالَ لَقِيَنِي أَبُو بكر ﵁ فَقَالَ كَيفَ أَنْت يَا حَنْظَلَة قلت نَافق حَنْظَلَة يَا أَبَا بكر قَالَ سُبْحَانَ الله مَا تَقول قلت نَافق حَنْظَلَة قَالَ مِم ذَاك قلت نَكُون عِنْد رَسُول الله ﷺ فيذكرنا بِالْجنَّةِ وَالنَّار حَتَّى كأنا رَأْي عين أَو كأنا نراهما فَإِذا خرجنَا من عِنْده عافسنا الْأزْوَاج وَالْأَوْلَاد والضيعات فَفَزعَ أَبُو بكر فَقَالَ وَالله إِنَّا لنلقى مثل هَذَا فَانْطَلَقت أَنا وَأَبُو بكر حَتَّى دَخَلنَا على رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا رَآنِي رَسُول الله ﷺ قَالَ كَيفَ أَنْت يَا حَنْظَلَة قلت نَافق حَنْظَلَة يَا رَسُول الله قَالَ مِم ذَاك قلت نَكُون عنْدك يَا رَسُول الله فتذكرنا بِالْجنَّةِ وَالنَّار حَتَّى كأنا رَأْي عين حَتَّى اذا خرجنَا من عنْدك عافسنا الْأزْوَاج وَالْأَوْلَاد والضيعات فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَالَّذِي

стр. 308

نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّكُم لَو تدومون على مَا تَكُونُونَ عِنْدِي فِي الذّكر لصافحتكم الْمَلَائِكَة على فرشكم وطرقكم وَلَكِن يَا حَنْظَلَة سَاعَة وَسَاعَة الذّكر المذهل للنفوس إِنَّمَا يَدُوم سَاعَة ثمَّ يَنْقَطِع وَلَوْلَا ذَاك لما انْتفع بالعيش وَالنَّاس فِي الذّكر على طَبَقَات فَمنهمْ من يَدُوم لَهُ ذكره فِي وَقت الذّكر ثمَّ تعلوه غَفلَة حَتَّى يَقع فِي التَّخْلِيط وَهُوَ الظَّالِم وَمِنْهُم من يَدُوم لَهُ ذكره فِي وَقت الذّكر ثمَّ تعلوه مَعْرفَته بسعة رَحْمَة الله وَحسن مُعَامَلَته مَعَ عباده فتطيب نَفسه بذلك فيصل إِلَى معاشه وَهُوَ المقتصد على سبل الاسْتقَامَة وَأما أهل الْيَقِين وهم السَّابِقُونَ المقربون جاوزوا هَذِه الخطة وَلَهُم دَرَجَات فأولها الخشية يمنتع بهَا من جَمِيع مَا كره الله تَعَالَى دق أَو جلّ والخشية من الْقرْبَة وَالْعلم بِاللَّه فَإِذا علم لزمَه خوف العظمة لَا خوف الْعقَاب وَإِذا كَانَ الْخَوْف لَازِما للقلب غشاه بالمحبة فَيكون بالخوف معتصما مِمَّا كره وبالخشية وبالمحبة منبسطا فِي أُمُوره إِذْ لَو ترك مَعَ الْخَوْف لانقبض وَعجز عَن كثير من أُمُوره وَلَو ترك مَعَ الْمحبَّة لَا ستبد وتعدى لكنه لطف لَهُ فَجعل الْخَوْف بطانته والمحبة ظهارته حَتَّى يَسْتَقِيم بِهِ قلبه ثمَّ يرقيه الى مرتبَة أُخْرَى وَهِي الهيبة والأنس فالهيبة من جَلَاله والأنس من جماله فاذا نظر الى جلا لَهُ هاب وانقبض وَلَو ترك هَكَذَا لصار عَاجِزا فِي جَمِيع أُمُوره كجنة بِلَا روح وَإِذا نظر الى جماله امْتَلَأَ كل عرق مِنْهُ فَرحا وسرورا وَلَذَّة ونعيما لامتلاء قلبه وَلَو ترك

стр. 309

هَكَذَا أَدَّاهُ الى التَّعَدِّي والافراط لكنه لطف لَهُ فَجعل الهيبة شعاره والأنس دثاره حَتَّى يَسْتَقِيم بِهِ قلبه فَهُوَ عبد ظَاهره الْأنس بِاللَّه تَعَالَى وباطنه الهيبة من الله تَعَالَى ثمَّ يرقيه إِلَى مرتبَة أُخْرَى وَهِي مرتبَة الِانْفِرَاد بِاللَّه قربه الْقرْبَة الْعُظْمَى وَأَدْنَاهُ وَمكن لَهُ بَين يَدَيْهِ ونقاه وَفتح لَهُ الطَّرِيق إِلَى وحدانيته فَهُوَ نَاظر إِلَى فردانيته فأحياه الله تَعَالَى بِهِ وَاسْتَعْملهُ فبه ينْطق وَبِه يعقل وَبِه يعلم وَبِه يعْمل وَقد جَاوز مقَام الهيبة والانس الى مقَام الْأُمَنَاء وَيصير سيد الْأَوْلِيَاء والعارفين وأمان أهل الأَرْض ومنظر أهل السَّمَاء وخاصة الله تَعَالَى وَمَوْضِع نظره وَمَوْضِع سره وَهُوَ سَوط الله فِي خلقه يُؤَدب بِهِ عباده وَبِه يحيي الْقُلُوب الْميتَة وَبِه يرحم أهل الأَرْض وَبِه يمطر ويرزق وَيدْفَع عَنْهُم الْبلَاء مِفْتَاح الْهدى وسراج الأَرْض وَهُوَ شِفَاء الأدواء وَإِمَام الْأَطِبَّاء كَلَامه قيد الْقُلُوب وَنَظره شِفَاء النُّفُوس وإقباله قهر الْأَهْوَاء فَهُوَ ربيع يزهر بنوره وخريف يجتنى ثماره وكهف يلجأ إِلَيْهِ ومعدن يؤمل مَا لَدَيْهِ وَفصل بَين الْحق وَالْبَاطِل وَهُوَ الْوَلِيّ الْعَارِف وَالصديق المقرب والفاروق الْمُجْتَبى وَاحِد الله فِي أرضه كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيم ﵇ اللَّهُمَّ أَنْت الْوَاحِد فِي السَّمَاء وَأَنا الْوَاحِد فِي الأَرْض وَقد قَالَ النَّبِي ﵇ يكون فِي هَذِه الْأمة رجال قُلُوبهم على قلب إِبْرَاهِيم ﵇ وَقَوله سَاعَة وَسَاعَة أَي سَاعَة للذّكر وَسَاعَة للنَّفس فساعة الذّكر تكون الْجنَّة وَالنَّار رَأْي عينه وَسَاعَة يقبل على المعاش ومرمته لِأَن الْقلب رُبمَا عجز عَن احْتِمَال مَا يحل بِهِ فَيحْتَاج الى مزاج أَلا ترى أَن مَا روى أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لما انْتَهَيْت الى السِّدْرَة إِذا وَرقهَا مثل آذان الفيلة وَإِذا نبقها أَمْثَال القلال فَلَمَّا غشيها من أَمر الله تَعَالَى مَا غشيها تحولت ياقوتا وَفِي رِوَايَة حَال دونهَا فرَاش

стр. 310

من ذهب وَفِي رِوَايَة رَأَيْت النُّور الْأَعْظَم ولط دوني الْحجاب رفرفنا الدّرّ والياقوت فَأوحى إِلَيّ مَا شَاءَ أَن يوحي لما لم يعم بَصَره للنور عورض بالزبرجد والياقوت وفراش الذَّهَب حَتَّى يقوى ويستقر كَأَنَّهُ شغل قلبه بِهَذَا المزاج عَمَّا رأى حَتَّى لَا ينفر ويجد قرارا وَيقدر احْتِمَاله فَكَانَ هَذَا من تَدْبِير الله تَعَالَى للعبيد وَكَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يطْلبُونَ تِلْكَ السَّاعَة حَتَّى قَالَ معَاذ ﵁ لرجل تعال نؤمن سَاعَة فَذكر ذَلِك الرجل لرَسُول الله ﷺ قَول معَاذ وَقَالَ يَا رَسُول الله أَو مَا نَحن بمؤمنين فَقَالَ رَسُول الله ﷺ دع عَنْك قَول معَاذ فَإِن الله تَعَالَى يباهي بِهِ الْمَلَائِكَة ولهذه قَالَ عبد الله بن رَوَاحَة لأبي الدَّرْدَاء يَا عُوَيْمِر تعال نؤمن سَاعَة فللقلب أسْرع انقلابا من الْقدر حِين تغلي وَإِنَّمَا الْإِيمَان بِمَنْزِلَة الْقَمِيص بَيْنَمَا أَنْت لبسته إِذْ أَنْت نَزَعته وَلِهَذَا قَالَ ﷺ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن أَي أَنه إِذا فعل ذَلِك فقد خلع الْقَمِيص وَوَضعه نَاحيَة وَإِذا تَابَ وَرجع إِلَيْهِ بِالصّدقِ كَسَاه وَألبسهُ ذَلِك الْقَمِيص فَكَانَ هَذَا الْإِيمَان عِنْدهم اسْتِقْرَار ذَلِك النُّور وإشراقه فِي صُدُورهمْ حَتَّى تصير الْآخِرَة وَأمر الملكوت لَهُم مُعَاينَة فَمنهمْ من هَذَا النُّور لَهُ دَائِم فتدوم لَهُ مُعَاينَة أُمُور

стр. 311

الْآخِرَة وَأمر الملكوت وَهُوَ مَعَ ذَلِك يصاحب الْأزْوَاج وَالْأَوْلَاد ويرم المعاش وعددهم فِي كل زمَان قَلِيل قَالَ الله تَعَالَى وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المقربون فِي جنَّات النَّعيم ثلة من الْأَوَّلين فالثلة الْجَمَاعَة وهم الْأَنْبِيَاء ﵈ وختمت النُّبُوَّة برسولنا ﷺ ﴿وَقَلِيل من الآخرين﴾ وهم الْأَوْلِيَاء عَددهمْ قَلِيل فِي كل زمَان وَقَالَ ﵇ فِي كل قرن من أمتِي سَابِقُونَ وهم البدلاء وَالصِّدِّيقُونَ بهم يسقون وبهم يرْزقُونَ وبهم يدْفع الْبلَاء عَن أهل الأَرْض

стр. 312

- الأَصْل الثَّالِث وَالسَّبْعُونَ - فِي خِصَال سَأَلَهَا سُلَيْمَان ﵇ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لما فرغ سُلَيْمَان عَن بِنَاء بَيت الْمُقَدّس سَأَلَ ربه حكما يُصَادف حكمه وملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعده وَأَن لَا يَأْتِي أحد هَذَا الْبَيْت لَا يُرِيد إِلَّا الصَّلَاة فِيهِ إِلَّا خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أما اثْنَتَانِ فقد أعطيهما وَأما الثَّالِثَة فأرجو أَن يكون قد أعْطى قَوْله حكما يُصَادف حكمه مَعْنَاهُ أَن يحكم بَين عباد الله بِمَا يُصَادف حكم الله تَعَالَى لِأَن أُمُور الْعباد فِي الْغَيْب وَإِنَّمَا أمروا أَن يعملوا بِالظَّاهِرِ عِنْدهم بِالشَّاهِدِ أَو الْيَمين وَرُبمَا كَانَ شَاهد زورا أَو كَانَ فِي يَمِينه كَاذِبًا فَلَيْسَ على الْحَاكِم إِلَّا الحكم بِمَا يظْهر عِنْدهم ويكلهم فِيمَا غَابَ عَنْهُم إِلَى الله تَعَالَى وَأما سُؤَاله ملكه لَا يَنْبَغِي لأحد من بعده فَإِن أحباب الله وخاصته يتنافسون فِي الْمنزلَة عِنْده ويغار أحدهم أَن يتقدمه

стр. 313

غَيره من نظرائه قَالَ ﵇ فِي حَدِيث الْمِعْرَاج لقِيت مُوسَى ﵇ فِي السَّمَاء السَّادِسَة فَلَمَّا جاوزته بَكَى وَقَالَ يزْعم بَنو إِسْرَائِيل أَنِّي أكْرم ولد آدم على الله وَقد جاوزني فللأنبياء والأولياء ﵈ تنافس فِي مَحل الْقرْبَة وَحقّ لَهُم ذَلِك فَسخرَ الله لَهُ الرّيح تجْرِي بأَمْره رخاء حَيْثُ أصَاب أَي ليته مَعَ قوتها وشدتها حَتَّى لَا تضر بِأحد وتحمله بعسكره وَجُنُوده وموكبه وَكَانَ موكبه فِيمَا رُوِيَ فرسخا فِي فَرسَخ مائَة دَرَجَة بَعْضهَا فَوق بعض فِي كل دَرَجَة صنف من النَّاس وَهُوَ فِي أَعلَى دَرَجَة مِنْهُ مَعَ جواريه وحشمه وخدمه وَكَانَت الرّيح تحمله بِهَذَا الموكب فَتَهْوِي بِهِ فِي الجو مسيرَة شهر فِي غَدَاة وَاحِدَة ومسيرة شهر فِي رواح وَاحِد قَالَ الله تَعَالَى ﴿غدوها شهر ورواحها شهر﴾ وَكَانَت الرّيح لَا تدع كلمة يتَكَلَّم بهَا إِلَّا ألقتها فِي إِذْنه وَعلم منطق الطير وَمر بوادي فَقَالَت نملة يَا أَيهَا النَّمْل ادخُلُوا مَسَاكِنكُمْ لَا يحطمنكم سُلَيْمَان وَجُنُوده وهم لَا يَشْعُرُونَ فمرت بِهِ الرّيح فألقته فِي مسامعه وسخر لَهُ الْجِنّ قَالَ رَسُول الله ﷺ أخذت لَيْلَة شَيْطَانا فخنقته حَتَّى وجدت برد لِسَانه ولهاته على يَدي فَأَرَدْت أَن أربطه على سَارِيَة فِي الْمَسْجِد لتنظروا إِلَيْهِ إِذا أَصبَحت

стр. 314

ثمَّ ذكرت دَعْوَة أخي سُلَيْمَان فتركته وَكَانَ لكل نَبِي دَعْوَة فَجَعلهَا سُلَيْمَان فِي ذَلِك وأخرها رَسُول الله ﷺ لأمته وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عقيل ﵁ قَالَ انْطَلَقت فِي وَفد إِلَى رَسُول الله ﷺ فأتيناه فَقَالَ قَائِل منا يَا رَسُول الله أَلا سَأَلت رَبك ملكا كملك سُلَيْمَان فَضَحِك ثمَّ قَالَ فَلَعَلَّ لصاحبكم عِنْد الله أفضل من ملك سُلَيْمَان إِن الله لم يبْعَث نَبيا إِلَّا أعطَاهُ دَعْوَة فَمنهمْ من اتخذ بهَا دينا فأعطيها وَمِنْهُم من دَعَا بهَا على قومه إِذا عصوه فأهلكوا بهَا وَإِن الله تَعَالَى أَعْطَانِي دَعْوَة اختبأتها عِنْد رَبِّي شَفَاعَة لأمتي يَوْم الْقِيَامَة فَلِكُل نَبِي دَعْوَة مجابة وَسليمَان ﵇ مَا سَأَلَ الدُّنْيَا لنَفسِهِ وَإِنَّمَا سَأَلَهَا لله تَعَالَى وَكَانَ رَسُولنَا ﷺ يسْأَل شَيْئا من الدُّنْيَا وَلم يسْأَل كلهَا قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَل أوسع رِزْقِي عِنْد كبر سني وَكَانَ نوح ﵇ سَأَلَ إهلاك الدُّنْيَا فَقَالَ رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا فغرقت الدُّنْيَا كلهَا بدعوته وَإِنَّمَا سَأَلَ إهلاكها لله تَعَالَى لَا لنَفسِهِ فَأُجِيب الى ذَلِك وَأما رَسُولنَا ﷺ فأخرها لتَكون تِلْكَ الْحَاجة مقضية لَهُ فِي الْيَوْم

стр. 315

الَّذِي يعز فِيهِ الْعَفو وَيظْهر الْجُود وَالْكَرم من رَبنَا وَمَا يقْضِي لَهُ هُنَاكَ فالخلق إِلَيْهِ أحْوج مِنْهُ فِي هَذِه الدُّنْيَا مِمَّا سَأَلَ سُلَيْمَان ﵇ فَإِنَّمَا سَأَلَهُ مملكة الدُّنْيَا وَقد كَانَ أَبَوَاهُ دَاوُد ﵇ مِمَّن عرضت عَلَيْهِ الْخلَافَة فقبلها وَكَانَ حَاكم الله فِي أرضه وَعرضت على لُقْمَان فَأبى فَأعْطِي الْحِكْمَة فَكَانَ حَكِيم الله فِي أرضه قَالَ الله تَعَالَى وَلَقَد آتَيْنَا لُقْمَان الْحِكْمَة أَن اشكر لله وَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن لُقْمَان كَانَ عبدا كثير التفكر حسن النّظر كثير الصمت أحب الله فَأَحبهُ الله فَمن عَلَيْهِ بالحكمة نُودي بالخلافة قبل دَاوُد ﵇ فَقيل لَهُ يَا لُقْمَان هَل لَك أَن يجعلك الله خَليفَة فِي الأَرْض تحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ قَالَ لُقْمَان ﵇ إِن جبرني رَبِّي قبلت فَإِنِّي أعلم إِن فعل ذَلِك بِي أعانني وَعَلمنِي وعصمني وَإِن خيرني رَبِّي قبلت الْعَافِيَة وَلم أسأَل الْبلَاء فَقَالَت الْمَلَائِكَة بِصَوْت لَا يراهم يَا لُقْمَان لم قلت هَكَذَا قَالَ لِأَن الْحَاكِم بأشد الْمنَازل وأكدرها يَغْشَاهُ الظُّلم من كل مَكَان فيخذل أَو يعان وَإِن أصَاب فبالحري أَن ينجو وَلَئِن أَخطَأ أَخطَأ طَرِيق الْجنَّة وَمن يكن فِي الدُّنْيَا ذليلا خير من أَن يكون شريفا ضائعا وَمن يخْتَار الدُّنْيَا على الْآخِرَة فَاتَتْهُ الدُّنْيَا وَلَا يصير إِلَى ملك الْآخِرَة فعجبت الْمَلَائِكَة لحسن مَنْطِقه فَنَامَ نومَة فغط بالحكمة غطا فانتبه فَتكلم بهَا ثمَّ نُودي دَاوُد ﵇ بعده بالخلافة فقبلها وَلم يشْتَرط شَرط لُقْمَان فَأَهوى فِي الْخَطِيئَة فصفح الله عَنهُ وَتجَاوز وَكَانَ لُقْمَان يوازره بِعِلْمِهِ وحكمته فَقَالَ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام

стр. 316

طُوبَى لَك يَا لُقْمَان أُوتيت الْحِكْمَة وصرفت عَنْك البلية وأوتي دَاوُد الْخلَافَة وابتلي بالرزية والفتنة فَكَانَ دَاوُد ﵇ يحكم بَين خلقه قَالَ الله تَعَالَى وشددنا ملكه وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَة وَفصل الْخطاب وسخرت لَهُ الْجبَال ليسبحن مَعَه بالْعَشي وَالْإِشْرَاق وَالطير كي يزْدَاد قُوَّة على إسعاد الْجبَال وَالطير لَهُ بذلك فَلَا يفتر فَتْرَة الْآدَمِيّين فَإِن فِي الإسعاد قُوَّة قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا جبال أوبي مَعَه وَالطير﴾ ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وألنا لَهُ الْحَدِيد﴾ فَجعل الْحَدِيد فِي يَده كالعجين يعْمل الدروع فَجعل قوته ومطعمه مِنْهَا ليَكُون من كديده وَرُوِيَ فِي الْخَبَر أَنه كَانَ ﵇ يرْتَفع لَهُ كل يَوْم درع فيبيعه بِسِتَّة آلَاف فينفق على بني إِسْرَائِيل أَرْبَعَة آلَاف وعَلى عِيَاله أَلفَيْنِ فأوتي دَاوُد مَا أُوتِيَ ثمَّ قيل لَهُ ﴿اعْمَلُوا آل دَاوُد شكرا﴾ وَأعْطِي سُلَيْمَان منطق الطير وَالرِّيح وَعين الْقطر أسيلت لَهُ ثَلَاثَة أَيَّام فَاتخذ مِنْهَا تماثيل على صور الرِّجَال من النّحاس رُوِيَ عَن إِبْنِ عَبَّاس ﵁ فِي قَوْله تَعَالَى وتماثيل قَالَ اتخذ سُلَيْمَان تماثيل من نُحَاس فَقَالَ يَا رب انفخ فِيهَا الرّوح فَإِنَّهَا أقوى على الْخدمَة فَنفخ الله فِيهَا الرّوح فَكَانَت تخدمه وَكَانَ اسبنديار من بقاياهم فَلَمَّا انْتَهَت خلَافَة دَاوُد ﵇ أَرَادَ أَن يسْتَخْلف ابْنه سُلَيْمَان ﵇ قَالَ لَهُ سُلَيْمَان أبحب الْوَلَد تفعل هَذَا أم

стр. 317

بِشَيْء أَمرك الله تَعَالَى قَالَ دَاوُد ﵇ بحب الْوَلَد فَأبى سُلَيْمَان ﵇ أَن يقبلهَا حَتَّى أمره الله تَعَالَى بذلك قَالَ تَعَالَى وَورث سُلَيْمَان دَاوُد وَجعل الله تَعَالَى السَّيْف فِي يَد مُحَمَّد ﷺ والرعب جنده يرعب مِنْهُ الْعَدو مسيرَة شهر وَجعل قوته ومطعمه من الْغَنَائِم فَقيل لداود ﵇ خُذ هَذَا الْحَدِيد فقد ألنتها لَك من عطفي عَلَيْك لتعمل مِنْهُ دروعا فَيكون مِنْهَا رزقك وَقيل لمُحَمد ﷺ خُذ هَذَا الْحَدِيد الَّذِي قد حددتها من سلطاني فَاضْرب بهَا رِقَاب أعدائي وصيرت أَمْوَالهم نحلة وطعمة خصصتك بهَا من بَين الْخلق وَلم تكن لأحد قبلك ثمَّ قَالَ حَلَالا طيبا وَفِي السَّيْف عز وسلطان وَملك لَيْسَ فِي التِّجَارَة ذَلِك فَأَنت تُجَاهِد أعدائي لي وتملك مَا خولتهم فتأخذ مِنْهُم ذَلِك على سَبِيل الْقَهْر وَأَنا مَعَك فِي النُّصْرَة فلمحمد ﷺ فِي هَذَا تكرمة الْعِزّ وَالسُّلْطَان ولداود ﵇ تكرمة الْعَطف أَن لَان لَهُ الْحَدِيد قَالَ ﷺ إِن الله تَعَالَى بَعَثَنِي بِالسَّيْفِ بَين يَدي السَّاعَة حَتَّى يعبد الله وَحده لَا شريك لَهُ وَجعل رِزْقِي تَحت ظلّ رُمْحِي وَجعل الذلة على من خَالف أَمْرِي وَمن تشبه بِقوم فَهُوَ مِنْهُم فَلَمَّا ورث سُلَيْمَان دَاوُد جعل دَعوته فِي ذَلِك فَسَأَلَ مملكة الدُّنْيَا كلهَا ليسوي الدُّنْيَا وَأَهْلهَا وَيحكم فيهم حكما يُصَادف حكمه وينفي الظُّلم عَن أهل الأَرْض وينصف بَعضهم من بعض حَتَّى الْجِنّ وَالْإِنْس

стр. 318

وَالطير والوحوش وَالسِّبَاع وبقاع الْأَرْضين وَالْجِبَال والبحار فَكَانَ لَهُ حكم فِي كل ذَلِك ومملكة وسلطان وأعين بِالرِّيحِ وَالشَّيَاطِين وَالْجِنّ فَسخرَ ذَلِك لَهُ وَأعْطِي الْفَهم لما زيد فِي الْمعرفَة قَالَ ﵇ إِن المعونة تنزل من السَّمَاء على قدر الْمُؤْنَة وَكَانَ يعول خلقا من خلق الله تَعَالَى ويعطف على عبيد الله تَعَالَى وإمائه شَفَقَة على خلق الله فوهب لَهُ ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعده ثمَّ قَالَ ﴿هَذَا عطاؤنا فَامْنُنْ أَو أمسك بِغَيْر حِسَاب﴾ فَكَانَ المهنأة فِيهِ أَنه لَا تبعة لَهُ عَلَيْهِ وَجعل نوح ﵇ دَعوته إهلال الْكفَّار لتطهر الأَرْض من أقذارهم ونجاسة شركهم شَفَقَة على حق الله ليخلص الْحق من أنجاسهم وَمُحَمّد ﷺ أخر دَعوته الى يَوْم الثَّوَاب وَالْعِقَاب ليفتح الله تَعَالَى على لِسَانه خَزَائِن الرَّحْمَة على عبيده فِي يَوْم بروز الْجُود وَالْكَرم وَشدَّة الْفَاقَة فِي ذَلِك الْمقَام الْمَحْمُود فعمت الْمَلَائِكَة والأنبياء وَالرسل وَجَمِيع الْمُوَحِّدين بِالرَّحْمَةِ وَسكن الهول واطمأنت الْقُلُوب وَكَانَ أهل الْموقف كلهم مُحْتَاجين إِلَى مَا ادخره ﵇ ليَوْم الْقِيَامَة وصاروا عيالا عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ ﵇ إِن إِبْرَاهِيم ﵇ ليرغب إِلَيّ يَوْم الْقِيَامَة فِي تِلْكَ الدعْوَة وَيحْتَاج إِلَيّ وَرُوِيَ عَن أنس ﵁ أَنه قَالَ ﵇ لكل نَبِي دَعوته دَعَا بهَا فِي أمته فَإِنِّي اخْتَبَأْت دَعْوَتِي شَفَاعَتِي لأمتي يَوْم الْقِيَامَة

стр. 319

- الأَصْل الرَّابِع وَالسَّبْعُونَ - فِي نشر السجلات يَوْم الْحَشْر عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول سيصاح بِرَجُل من أمتِي يَوْم الْقِيَامَة على رُؤُوس الْخَلَائق فينشر عَلَيْهِ تِسْعَة وَتسْعُونَ سجلا كل سجل مِنْهَا مد الْبَصَر فَيَقُول الله تَعَالَى عَبدِي هَل تنكر من هَذَا شَيْئا فَيَقُول هَذِه حجتك فَيَقُول لَا يَا رب فَيَقُول هَل لَك من حجَّة فَيَقُول لَا يَا رب فَيَقُول بلَى لَا ظلم عَلَيْك الْيَوْم فَيخرج الله تَعَالَى لَهُ بطاقة فَيَقُول هَذِه حجتك فَيَقُول أَي رب وَمَا تغني هَذِه البطاقة من السجلات فَيَقُول يَا عَبدِي لَا ظلم عَلَيْك الْيَوْم فَيُؤتى بالميزان فتوضع السجلات فِي كفة والبطافة فِي كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة وَإِذا فِيهَا شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله

стр. 320

فَهَذَا عبد كثرت سيئاته حَتَّى غمرته فأدركه غوث تِلْكَ الْكَلِمَة وَلَيْسَت تِلْكَ بِأول مِمَّا قَالَهَا وَلكنهَا كَانَت مقَالَة طَاهِرَة خرجت من زكاوة قلبه فِي سَاعَة من عمره فأنجته فحاطت ذنُوبه وهدمتها وطاشت بالسجلات يَوْم الْوَزْن لوزن تِلْكَ الْكَلِمَة وَإِنَّمَا ثقلت لعظم نورها لِأَنَّهَا خرجت من نور استنار قلبه بالنطق بهَا وَإِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا من عَلَيْهِ فِي سَاعَة من عمره ونبهه فَإِذا انتبه انْفَتح قلبه واستنار صَدره من تِلْكَ الفتحة فَإِذا انْفَتح الْقلب خرج النُّور إِلَى الصَّدْر فأشرق فَأَي كلمة نطق بهَا فِي ذَلِك الْوَقْت فَإِنَّمَا ينْطق على شرح الصَّدْر والمعاينة لصورة تِلْكَ الْكَلِمَة تسمى كلمة الْإِخْلَاص وَكلمَة يَقِين تثقل فِي الْوَزْن يَوْم الْوَزْن وَتَكون سَببا لنجاة صَاحبهَا وَهَذَا لَا يكون فِي شَهَادَة التَّوْحِيد إِذْ لَو كَانَ لَهَا لاستوى النَّاس فِيهَا قد رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحيى وَيُمِيت وَهُوَ على كل شَيْء قدير مخلصا بهَا روحه مُصدقا بهَا لِسَانه وَقَلبه إِلَّا فتقت لَهُ السَّمَاء فتقا حَتَّى ينظر الرب إِلَى قَائِلهَا من أهل الدُّنْيَا وَحقّ لعبد إِذا نظر الله إِلَيْهِ أَن يُعْطِيهِ سؤله شَرط إخلاص الرّوح فَإِن الرّوح سماوي خلقهَا الطَّاعَة وَالنَّفس أرضية خلقهَا الشَّهْوَة مَعْصِيّة كَانَت أَو طَاعَة فَإِذا قَالَ العَبْد هَذِه الْكَلِمَة فِي وَقت فَتْحة الْقلب واستنارته وانشراح الصَّدْر فنمقت النَّفس وذلت وانخشعت وتخلص الرّوح من أسرها وتعلقها بِهِ فَصَارَ روحه كالعازم
следующие страницы →