Полный текст (1 237 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
طُوبَى لَك يَا لُقْمَان أُوتيت الْحِكْمَة وصرفت عَنْك البلية وأوتي دَاوُد الْخلَافَة وابتلي بالرزية والفتنة فَكَانَ دَاوُد ﵇ يحكم بَين خلقه قَالَ الله تَعَالَى وشددنا ملكه وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَة وَفصل الْخطاب
وسخرت لَهُ الْجبَال ليسبحن مَعَه بالْعَشي وَالْإِشْرَاق وَالطير كي يزْدَاد قُوَّة على إسعاد الْجبَال وَالطير لَهُ بذلك فَلَا يفتر فَتْرَة الْآدَمِيّين فَإِن فِي الإسعاد قُوَّة قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا جبال أوبي مَعَه وَالطير﴾ ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وألنا لَهُ الْحَدِيد﴾ فَجعل الْحَدِيد فِي يَده كالعجين يعْمل الدروع فَجعل قوته ومطعمه مِنْهَا ليَكُون من كديده
وَرُوِيَ فِي الْخَبَر أَنه كَانَ ﵇ يرْتَفع لَهُ كل يَوْم درع فيبيعه بِسِتَّة آلَاف فينفق على بني إِسْرَائِيل أَرْبَعَة آلَاف وعَلى عِيَاله أَلفَيْنِ فأوتي دَاوُد مَا أُوتِيَ ثمَّ قيل لَهُ ﴿اعْمَلُوا آل دَاوُد شكرا﴾
وَأعْطِي سُلَيْمَان منطق الطير وَالرِّيح وَعين الْقطر أسيلت لَهُ ثَلَاثَة أَيَّام فَاتخذ مِنْهَا تماثيل على صور الرِّجَال من النّحاس
رُوِيَ عَن إِبْنِ عَبَّاس ﵁ فِي قَوْله تَعَالَى وتماثيل قَالَ اتخذ سُلَيْمَان تماثيل من نُحَاس فَقَالَ يَا رب انفخ فِيهَا الرّوح فَإِنَّهَا أقوى على الْخدمَة فَنفخ الله فِيهَا الرّوح فَكَانَت تخدمه وَكَانَ اسبنديار من بقاياهم
فَلَمَّا انْتَهَت خلَافَة دَاوُد ﵇ أَرَادَ أَن يسْتَخْلف ابْنه سُلَيْمَان ﵇ قَالَ لَهُ سُلَيْمَان أبحب الْوَلَد تفعل هَذَا أم
стр. 317
بِشَيْء أَمرك الله تَعَالَى قَالَ دَاوُد ﵇ بحب الْوَلَد فَأبى سُلَيْمَان ﵇ أَن يقبلهَا حَتَّى أمره الله تَعَالَى بذلك قَالَ تَعَالَى وَورث سُلَيْمَان دَاوُد
وَجعل الله تَعَالَى السَّيْف فِي يَد مُحَمَّد ﷺ والرعب جنده يرعب مِنْهُ الْعَدو مسيرَة شهر وَجعل قوته ومطعمه من الْغَنَائِم فَقيل لداود ﵇ خُذ هَذَا الْحَدِيد فقد ألنتها لَك من عطفي عَلَيْك لتعمل مِنْهُ دروعا فَيكون مِنْهَا رزقك وَقيل لمُحَمد ﷺ خُذ هَذَا الْحَدِيد الَّذِي قد حددتها من سلطاني فَاضْرب بهَا رِقَاب أعدائي وصيرت أَمْوَالهم نحلة وطعمة خصصتك بهَا من بَين الْخلق وَلم تكن لأحد قبلك ثمَّ قَالَ حَلَالا طيبا وَفِي السَّيْف عز وسلطان وَملك لَيْسَ فِي التِّجَارَة ذَلِك فَأَنت تُجَاهِد أعدائي لي وتملك مَا خولتهم فتأخذ مِنْهُم ذَلِك على سَبِيل الْقَهْر وَأَنا مَعَك فِي النُّصْرَة
فلمحمد ﷺ فِي هَذَا تكرمة الْعِزّ وَالسُّلْطَان ولداود ﵇ تكرمة الْعَطف أَن لَان لَهُ الْحَدِيد
قَالَ ﷺ إِن الله تَعَالَى بَعَثَنِي بِالسَّيْفِ بَين يَدي السَّاعَة حَتَّى يعبد الله وَحده لَا شريك لَهُ وَجعل رِزْقِي تَحت ظلّ رُمْحِي وَجعل الذلة على من خَالف أَمْرِي وَمن تشبه بِقوم فَهُوَ مِنْهُم
فَلَمَّا ورث سُلَيْمَان دَاوُد جعل دَعوته فِي ذَلِك فَسَأَلَ مملكة الدُّنْيَا كلهَا ليسوي الدُّنْيَا وَأَهْلهَا وَيحكم فيهم حكما يُصَادف حكمه وينفي الظُّلم عَن أهل الأَرْض وينصف بَعضهم من بعض حَتَّى الْجِنّ وَالْإِنْس
стр. 318
وَالطير والوحوش وَالسِّبَاع وبقاع الْأَرْضين وَالْجِبَال والبحار فَكَانَ لَهُ حكم فِي كل ذَلِك ومملكة وسلطان وأعين بِالرِّيحِ وَالشَّيَاطِين وَالْجِنّ فَسخرَ ذَلِك لَهُ وَأعْطِي الْفَهم لما زيد فِي الْمعرفَة قَالَ ﵇ إِن المعونة تنزل من السَّمَاء على قدر الْمُؤْنَة
وَكَانَ يعول خلقا من خلق الله تَعَالَى ويعطف على عبيد الله تَعَالَى وإمائه شَفَقَة على خلق الله فوهب لَهُ ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعده ثمَّ قَالَ ﴿هَذَا عطاؤنا فَامْنُنْ أَو أمسك بِغَيْر حِسَاب﴾
فَكَانَ المهنأة فِيهِ أَنه لَا تبعة لَهُ عَلَيْهِ وَجعل نوح ﵇ دَعوته إهلال الْكفَّار لتطهر الأَرْض من أقذارهم ونجاسة شركهم شَفَقَة على حق الله ليخلص الْحق من أنجاسهم وَمُحَمّد ﷺ أخر دَعوته الى يَوْم الثَّوَاب وَالْعِقَاب ليفتح الله تَعَالَى على لِسَانه خَزَائِن الرَّحْمَة على عبيده فِي يَوْم بروز الْجُود وَالْكَرم وَشدَّة الْفَاقَة فِي ذَلِك الْمقَام الْمَحْمُود فعمت الْمَلَائِكَة والأنبياء وَالرسل وَجَمِيع الْمُوَحِّدين بِالرَّحْمَةِ وَسكن الهول واطمأنت الْقُلُوب وَكَانَ أهل الْموقف كلهم مُحْتَاجين إِلَى مَا ادخره ﵇ ليَوْم الْقِيَامَة وصاروا عيالا عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ ﵇ إِن إِبْرَاهِيم ﵇ ليرغب إِلَيّ يَوْم الْقِيَامَة فِي تِلْكَ الدعْوَة وَيحْتَاج إِلَيّ
وَرُوِيَ عَن أنس ﵁ أَنه قَالَ ﵇ لكل نَبِي دَعوته دَعَا بهَا فِي أمته فَإِنِّي اخْتَبَأْت دَعْوَتِي شَفَاعَتِي لأمتي يَوْم الْقِيَامَة
стр. 319
- الأَصْل الرَّابِع وَالسَّبْعُونَ
-
فِي نشر السجلات يَوْم الْحَشْر
عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول سيصاح بِرَجُل من أمتِي يَوْم الْقِيَامَة على رُؤُوس الْخَلَائق فينشر عَلَيْهِ تِسْعَة وَتسْعُونَ سجلا كل سجل مِنْهَا مد الْبَصَر فَيَقُول الله تَعَالَى عَبدِي هَل تنكر من هَذَا شَيْئا فَيَقُول هَذِه حجتك فَيَقُول لَا يَا رب فَيَقُول هَل لَك من حجَّة فَيَقُول لَا يَا رب فَيَقُول بلَى لَا ظلم عَلَيْك الْيَوْم فَيخرج الله تَعَالَى لَهُ بطاقة فَيَقُول هَذِه حجتك فَيَقُول أَي رب وَمَا تغني هَذِه البطاقة من السجلات فَيَقُول يَا عَبدِي لَا ظلم عَلَيْك الْيَوْم فَيُؤتى بالميزان فتوضع السجلات فِي كفة والبطافة فِي كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة وَإِذا فِيهَا شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله
стр. 320
فَهَذَا عبد كثرت سيئاته حَتَّى غمرته فأدركه غوث تِلْكَ الْكَلِمَة وَلَيْسَت تِلْكَ بِأول مِمَّا قَالَهَا وَلكنهَا كَانَت مقَالَة طَاهِرَة خرجت من زكاوة قلبه فِي سَاعَة من عمره فأنجته فحاطت ذنُوبه وهدمتها وطاشت بالسجلات يَوْم الْوَزْن لوزن تِلْكَ الْكَلِمَة وَإِنَّمَا ثقلت لعظم نورها لِأَنَّهَا خرجت من نور استنار قلبه بالنطق بهَا وَإِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا من عَلَيْهِ فِي سَاعَة من عمره ونبهه فَإِذا انتبه انْفَتح قلبه واستنار صَدره من تِلْكَ الفتحة فَإِذا انْفَتح الْقلب خرج النُّور إِلَى الصَّدْر فأشرق فَأَي كلمة نطق بهَا فِي ذَلِك الْوَقْت فَإِنَّمَا ينْطق على شرح الصَّدْر والمعاينة لصورة تِلْكَ الْكَلِمَة تسمى كلمة الْإِخْلَاص وَكلمَة يَقِين تثقل فِي الْوَزْن يَوْم الْوَزْن وَتَكون سَببا لنجاة صَاحبهَا وَهَذَا لَا يكون فِي شَهَادَة التَّوْحِيد إِذْ لَو كَانَ لَهَا لاستوى النَّاس فِيهَا
قد رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحيى وَيُمِيت وَهُوَ على كل شَيْء قدير مخلصا بهَا روحه مُصدقا بهَا لِسَانه وَقَلبه إِلَّا فتقت لَهُ السَّمَاء فتقا حَتَّى ينظر الرب إِلَى قَائِلهَا من أهل الدُّنْيَا وَحقّ لعبد إِذا نظر الله إِلَيْهِ أَن يُعْطِيهِ سؤله
شَرط إخلاص الرّوح فَإِن الرّوح سماوي خلقهَا الطَّاعَة وَالنَّفس أرضية خلقهَا الشَّهْوَة مَعْصِيّة كَانَت أَو طَاعَة فَإِذا قَالَ العَبْد هَذِه الْكَلِمَة فِي وَقت فَتْحة الْقلب واستنارته وانشراح الصَّدْر فنمقت النَّفس وذلت وانخشعت وتخلص الرّوح من أسرها وتعلقها بِهِ فَصَارَ روحه كالعازم
стр. 321
على هَذِه الْكَلِمَات بحقائقها فَصَارَ خَالِصا لله تَعَالَى وَقد باين النَّفس وهواها وَصدق بهَا لِسَانه وَقَبله لِأَن الْقلب قد استنار بالكلمات فَاسْتَوَى اللِّسَان بِالْقَلْبِ وَالْقلب بِاللِّسَانِ وَقد صدق بِالْكَلِمَةِ لِسَانه وَقَلبه وأخلص روحه فاستوجب النّظر إِلَيْهِ فَإِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا رزقه فَتْحة قلبه وَخرجت مِنْهُ هَذِه الْكَلِمَة فِي ذَلِك الْوَقْت فَعظم وَزنهَا وقدرها عِنْد رَبهَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم﴾ ثمَّ قَالَ ﴿أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا﴾ وَصفهم بِحَقِيقَة الْإِيمَان
قَالَت عَائِشَة وَأم الدَّرْدَاء ﵄ إِنَّمَا إِيمَان الرجل فِي الْقلب كاحتراق السعفة لَا يكَاد يلبث طَويلا فَإِذا وجد أحدكُم فَليدع الله تَعَالَى فَإِن الدُّعَاء عِنْد ذَلِك يُسْتَجَاب
وَعَن ثَابت الْبنانِيّ ﵁ عَن رجل قَالَ إِنِّي لأعْلم مَتى يُسْتَجَاب لي قَالُوا وَمن أَيْن تعلم ذَلِك قَالَ إِذا اقشعر جلدي ووجل قلبِي وفاضت عَيْنَايَ فَذَاك حِين يُسْتَجَاب لي لِأَن هَذِه نفوس لَا تحْتَمل مَا يرد على الْقلب فتقشعر مِنْهُ الْجُلُود أما أهل الْيَقِين الَّذِي استنارت صُدُورهمْ بنوره فَهَذَا لَهُم دَائِم فِي الْأُمُور كلهَا وهم الَّذين يذكرُونَ الله تَعَالَى على كل حَال لَا يَنْقَطِع ذكرهم لأَنهم بِنور يقينهم قد صَارَت قُلُوبهم بَين يَدَيْهِ يعبدونه كانهم يرونه قَالَ ﵇ أعبد الله كانك ترَاهُ وَلِأَن نُفُوسهم قد إطمأنت إِلَى رُؤْيَة الملكوت وَمَا يرد على الْقُلُوب ومرنت على ذَلِك واعتادت
стр. 322
وَمثل ذَلِك فِي الدُّنْيَا مثل جرة لم يصبهَا المَاء فَإِذا وَضَعتهَا فِي المَاء انتشقت وَسمعت لَهَا قشيشا فَإِذا تكَرر عَلَيْهَا ذَلِك لم تسمع لَهَا ذَلِك لِأَنَّهَا قد تشربت من المَاء وارتوت فَكَذَلِك قلب الْعَارِف قد ارتوى من سقيا الله تَعَالَى
وَعَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ قَالَ لي جِبْرَائِيل يَا مُحَمَّد إِن الله يخاطبني يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُول يَا رب جِبْرَائِيل مَا لي أرى فلَان بن فلَان فِي صُفُوف أهل النَّار فَأَقُول يَا رب انا لم نجد لَهُ حَسَنَة يعود عَلَيْهِ خَيرهَا الْيَوْم قَالَ يَقُول الله تَعَالَى إِنِّي سمعته فِي دَار الدُّنْيَا يَقُول يَا حنان يَا منان فأته فَاسْأَلْهُ مَاذَا عني بقوله يَا حنان يَا منان فآتيه فأسأله فَيَقُول وَهل من حنان ومنان غير الله فآخذ بِيَدِهِ من صُفُوف أهل النَّار فَأدْخلهُ فِي صُفُوف أهل الْجنَّة
стр. 323
- الأَصْل الْخَامِس وَالسَّبْعُونَ
-
فِي أَن غرس الله مَحْفُوظ فِي الدَّاريْنِ
عَن أبي عتبَة الْخَولَانِيّ ﵁ وَكَانَ مِمَّن صلى الْقبْلَتَيْنِ مَعَ النَّبِي ﷺ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يزَال الله يغْرس فِي هَذَا الدّين غرسا يستعملهم بِطَاعَتِهِ فغرس الله محروس فِي الْأَحْوَال ومحفوظ فِي الأصلاب والأرحام ومراعي فِي قطع الْأَسْفَار إِلَيْهِ يكلؤه ويرعاه وهم رِجَاله فِي أرضه وأولياؤه والدعاة إِلَيْهِ وغرس الله راسخ عروقه فِي الأَرْض باسق فروعه فِي الملكوت غرسهم الله تَعَالَى وأنبتهم وَهُوَ يجني ثمرتهم
وغرسهم أَي اجتباهم بمشيئته وأنبتهم أَي رَاض نُفُوسهم وأدبها وَقوم أخلاقها بتدبيره وَهُوَ يجني ثَمَرَتهَا أَي لما وصلوا إِلَيْهِ وقبلهم ورتب لَهُم عِنْده فِي تِلْكَ الخلوات والمجالس وصاروا فِي قَبضته وَهُوَ الَّذِي يستعملهم بِطَاعَتِهِ وَهُوَ قَوْله ﵇ فِيمَا يَحْكِي عَن الله تَعَالَى أَنه
стр. 324
قَالَ إِذا أَحْبَبْت عَبدِي كنت سَمعه وبصره وَيَده وَرجله فَبِي يسمع وَبِي يبصر وَبِي ببطش وَبِي ينْطق
وَمن عَلامَة أُولَئِكَ أَنه يخرجهم من بطُون أمهاتهم أحرارا من رق النُّفُوس قد طبع نُفُوسهم على أَخْلَاق الْكِرَام من السخاوة والشجاعة والسماحة والحلم والتأني والنزاهة والصيانة فَهَذَا حر من رق النَّفس وَمن كَانَ ضد هَذِه الْأَشْيَاء مثل الْبُخْل والضيق وَالْمَكْر والعجلة وحدة الشَّهْوَة والحرص والجبن فَهُوَ عبد نَفسه فَإِن رزق تقوى احْتَاجَ إِلَى أَن يُجَاهد نَفسه حَتَّى لَا يستعجل أَرْكَانه بِمَا يصير بِهِ عَاصِيا فَهُوَ وَإِن جَاهد فَهَذِهِ الْأَخْلَاق بَاطِنه وَهُوَ قَول عِيسَى ﵇ لبني إِسْرَائِيل فَلَا عبيد أتقياء وَلَا أَحْرَار كرماء فالعبيد الأتقياء هَؤُلَاءِ الَّذين فيهم هَذِه الْأَخْلَاق فهم أتقياء يَتَّقُونَ الله أَن يعصوه بجارحة وتتردد فيهم هَذِه الْأَخْلَاق فَإِن عمِلُوا بِطَاعَة عملوها بكزازة نفس وَجهد والأحرار الكرماء قد عوفوا من هَذِه الْأَخْلَاق طبعا فَإِن انْتَهوا عَمَّا نهى الله تَعَالَى عَنهُ لم يحتاجوا إِلَى أَن يحاربوا ويجاهدوا نُفُوسهم وَإِن عمِلُوا بِطَاعَة عملوها تكرما وسماحة فقلبه لين منقاد لَيْسَ فِيهِ كزازة حَيْثُ مَا قَادَهُ مَوْلَاهُ فِي أُمُوره انْقَادَ من غير تلجلج
قَالَ النَّبِي ﷺ لَا تَقولُوا للعنب كرم إِنَّمَا الْكَرم قلب الؤمن وَإِنَّمَا سمي الْعِنَب كرما لِأَنَّهُ لين ينقاد حَيْثُ مَا استقيد
стр. 325
فَكَذَلِك الْمُؤمن قلبه لين رطب بِذكر الله ينقاد لله تَعَالَى فِي أُمُوره وَأَحْكَامه
стр. 326
- الأَصْل السَّادِس وَالسَّبْعُونَ
-
فِي منع الشَّيْطَان من الْمُشَاركَة فِي كل شَيْء
عَن نُبَيْشَة الْخَيْر وَأنس بن مَالك ﵁ قَالَا قَالَ رَسُول الله ﷺ من أكل من قَصْعَة ثمَّ لحسها استغفرت لَهُ الْقَصعَة وصلت عَلَيْهِ
الْمُؤمن إِذا سمى الله تَعَالَى على كل أَمر منع الشَّيْطَان من مشاركته فِي طَعَامه وَشَرَابه ولباسه وَجَمِيع أُمُوره وَإِذا ترك التَّسْمِيَة وجد فرْصَة فشاركه فِي ذَلِك حَتَّى فِي إِتْيَانه أَهله
وَعَن مُجَاهِد ﵁ قَالَ إِذا جَامع الرجل أَهله وَلم يسم انطوى الجان على إحليله فجامع مَعَه فَذَلِك قَوْله تَعَالَى لم يطمثهن إنس قبلهم وَلَا جَان
стр. 327
وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَامَ رَسُول الله ﷺ يخْطب فَقَالَ إِن الله أَمرنِي أَن أعلمكُم مَا عَلمنِي وَأَن أؤدبكم إِذا اقمتم على أَبْوَاب حجركم فَسَلمُوا يرجع الْخَبيث عَن مَنَازِلكُمْ وَإِذا وضع بَين يَدي أحدكُم طَعَام فليسم كَيْلا يشارككم الْخَبيث فِي أرزاقكم وَمن اغْتسل بِاللَّيْلِ فليحاذر على عَوْرَته فَإِن لم يفعل فَأَصَابَهُ لمَم فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه وَإِذا رفعتم الْمَائِدَة فاكنسوا مَا تحتهَا فَإِن الشَّيَاطِين يلتقطون مَا تحتهَا فَلَا تجْعَلُوا لَهُم نَصِيبا فِي طَعَامكُمْ
وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ إِذا وضعت يدك فِي الطَّعَام فنسيت أَن تَقول بِسم الله فَقل حِين تذكر بِسم الله فِي أَوله وَآخره فَإِنَّمَا يمْتَنع الْمُؤمن من هَذَا الْعَدو باسم الله تَعَالَى فَإِذا سمى على طَعَامه فالشيطان مِنْهُ بمزجر الْكَلْب وَإِذا فرغ من الطَّعَام وَلم يلحس الْقَصعَة جَاءَ الشَّيْطَان فلحسها لينال مَا بَقِي هُنَاكَ فَإِذا لحسها فقد خلصها من الشَّيْطَان ولحسه فاستغفرت لَهُ وصلت عَلَيْهِ شكرا لَهُ
стр. 328
- الأَصْل السَّابِع وَالسَّبْعُونَ
-
فِي حَقِيقَة الرُّؤْيَا وان الشَّيْطَان لَا يتَمَثَّل بِالنَّبِيِّ ﷺ
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من رَآنِي فِي الْمَنَام فقد رَآنِي فَإِن الشَّيْطَان لَا يَسْتَطِيع أَن يتَمَثَّل بِي فَكَانَ الرجل إِذا قصّ عَلَيْهِ الرُّؤْيَا يَقُول لَهُ كَيفَ رَأَيْته فَإِن جَاءَ بالرؤيا على وَجههَا وَإِلَّا قَالَ لم تره
قَوْله من رَآنِي فِي الْمَنَام أَي على نعتي الَّذِي أَنا عَلَيْهِ وَاعْلَم أَن الرُّؤْيَا على ثَلَاث منَازِل مِنْهَا مَا يرِيه الْملك الْمُوكل على الرُّؤْيَا فَذَاك حق وَمِنْهَا مَا يمثل لَهُ الشَّيْطَان وَمِنْهَا مَا يحدث بِهِ الْمَرْء نَفسه
стр. 329
قَالَ ﷺ فِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة ﵁ الرُّؤْيَا ثَلَاثَة فرؤيا حق ورؤيا يحدث بِهِ الْمَرْء نَفسه ورؤيا تحزين من الشَّيْطَان فَمن رأى مَا يكره فَليقمْ فَليصل
وَفِي رِوَايَة أبي قَتَادَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الرُّؤْيَا على ثَلَاث منَازِل فَمِنْهَا مَا يحدث بِهِ الْمَرْء نَفسه لَيست بِشَيْء وَمِنْهَا مَا يكون من الشَّيْطَان فَإِذا رأى أحدكُم مَا يكره فليبصق عَن يسَاره وليستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان فَلَنْ يضرّهُ بعد ذَلِك وَمِنْهَا بشرى من الله تَعَالَى رُؤْيا الرجل الصَّالح جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُّبُوَّة فَإِذا رأى أحدكُم رُؤْيا فليعرضها على ذِي رَأْي نَاصح فَلْيقل خيرا أَو ليتأول خيرا فَقَالَ عَوْف بن مَالك الْأَشْجَعِيّ ﵁ وَالله يَا رَسُول الله لَو كَانَت حَصَاة من عدد الْحَصَى لَكَانَ كثيرا
وَفِي رِوَايَة لَقِيط بن عَامر ﵁ أَنه قَالَ ﷺ الرُّؤْيَا على رجل طَائِر مَا لم تعبر فَإِذا عبرت وَقعت
فالرؤيا أَصله حق جَاءَ من عِنْد الْحق يخبر عَن أنباء الْغَيْب وَهُوَ من الله تَعَالَى تأييد لعَبْدِهِ بشرى ونذارة ومعاتبة ليَكُون لَهُ فِيمَا ندب لَهُ ودعي إِلَيْهِ عونا وَقد وكل بالرؤيا ملك يضْرب من الْحِكْمَة الْأَمْثَال وَقد اطلع على قصَص ولد آدم من اللَّوْح فَهُوَ ينْسَخ مِنْهَا وَيضْرب لكل على قصَّة
стр. 330
مثله فَإِذا نَام وَخرجت نَفسه تمثل لَهُ تِلْكَ الْأَشْيَاء على طَرِيق الْحِكْمَة لتَكون لَهُ بشرى أَو نذارة أَو معاتبة ليكونوا على بَصِيرَة من أُمُورهم
فَأَما الْبُشْرَى فَمثل مَا يرْوى أَن صهيبا جَاءَ إِلَى أبي بكر ﵁ فَقَالَ إِنِّي رَأَيْت كَأَن يدك مغلولة إِلَى عُنُقك إِلَى سَرِير الى الْحَشْر فَقَالَ أَبُو بكر ﵁ الله أكبر جمع لي ديني إِلَى يَوْم الْحَشْر
وَأما النذارة فَمَا يرْوى عَن معَاذ بن جبل ﵁ أَنه رَجَعَ من الْيمن بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ قدم مَعَه برقيق قد أَصَابَهُ هُنَاكَ فَقَالَ لَهُ عمر إذهب بهَا إِلَى أبي بكر حَتَّى تطيب لَك فَأبى وَقَالَ إِنَّمَا بَعَثَنِي رَسُول الله ليجبرني فِيمَا أصابني من الدّين وَطيب لي الْهَدِيَّة فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَهله وَبَات رأى تِلْكَ اللَّيْلَة كَأَنَّهُ قد وَقع فِي مَاء غمره فَأَتَاهُ عمر فَأخذ بِيَدِهِ حَتَّى أخرجه مِنْهَا فَلَمَّا أصبح غَدا بِالسَّبْيِ إِلَى أبي بكر ﵁ فَقص عَلَيْهِ قصَّته فَقَالَ أَبُو بكر قد علمت أَن رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا بَعثك ليجبرك هم لَك حل
وَمَا رُوِيَ فِي فتح نهاوند حَيْثُ حمل إِلَى عمر السفطين فيهمَا حلي وَقد كَانَ للنجيرجان كنز فدله ذَلِك الرجل على الْكَنْز على أَن لَهُ الْأمان وَلأَهل بَيته فَجمع ذَلِك فَحَمله السَّائِب بن الْأَقْرَع إِلَى عمر ﵁ مَعَ أَصْحَابه مجمع أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فختمه وَوَضعه فِي خزائنه فَرَأى تِلْكَ اللَّيْلَة كَأَن مَلَائِكَة جَاءَت بسفطين فأوقدوا مَا فيهمَا جمرا يتوقد فَجعلت أنثني عَنْهُمَا وأنكص واقدم إِلَيْهِمَا فكاد ابْن الْخطاب يَحْتَرِق فَأتبعهُ بريدا إِلَى الْكُوفَة حَتَّى جَاءَ فَقَالَ مَا لي وَلَك يَا سائب إِنِّي رَأَيْت كَذَا فَاذْهَبْ بهما إِلَى الْكُوفَة وبعهما بأعطيات الْمُقَاتلَة والذرية
وَأما المعاتبة فَمَا روى سُلَيْمَان بن يسَار قَالَ اسْتَيْقَظَ أَبُو أسيد الْأنْصَارِيّ ﵁ وَهُوَ يَقُول إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون فَاتَنِي وردي اللَّيْلَة وَكَانَ وردي الْبَقَرَة فقد رَأَيْت فِي الْمَنَام كَانَ بقرة تنطحني
стр. 331
وَأما الْخَبَر الَّذِي يلقِي إِلَيْهِ من أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مثل مَا روى ابْن عمر ﵄ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى عمر وَهُوَ عِنْد أبي بكر ﵄ فَقَالَ إِنِّي رَأَيْت رُؤْيا فَقَالَ عمر ﵁ لَا حَاجَة لنا برؤياك فَقَالَ أَبُو بكر هَات قَالَ رَأَيْت كَأَن النَّاس قد حشروا فكأنك قرعت النَّاس بِثَلَاث بسطات قلت بِأَيّ شَيْء قرع عمر النَّاس بِثَلَاث بسطات قَالَ بِأَنَّهُ يكون خَليفَة وَأَنه لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم وَأَنه يقتل شَهِيدا فَقَالَ عمر ﵁ أضغاث أَحْلَام لَا حَاجَة لنا برؤياك قَالَ أَبُو بكر ﵁ رَأَيْت خيرا وَخيرا يكون فَلَمَّا أَتَى عمر ﵁ الشَّام وبصر بِالرجلِ قَالَ عَليّ بِالرجلِ وَقَالَ أَنْت صَاحب الرُّؤْيَا قَالَ وَمَا تصنع برؤياي وَمَا تنتهرني حَتَّى أَنِّي قد جِئْت بِأَمْر قَالَ قصها قَالَ رَأَيْت كَأَن النَّاس يحشرون فرأيتك قرعت النَّاس بِثَلَاث بسطات فَقلت بِأَيّ شَيْء قرع عمر النَّاس بِثَلَاث بسطات قَالَ بِأَنَّهُ يكون خَليفَة قَالَ فقد كَانَت نسْأَل الله خَيرهَا ونعوذ بِاللَّه من شَرها قَالَ وَبِأَنَّهُ لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم قَالَ إِنِّي أَرْجُو من الله أَن يكون كَذَلِك أَو أَن يعلم الله ذَلِك مني قَالَ وَبِأَن تقتل شَهِيدا قَالَ عمر ﵁ أما الشَّهَادَة فَأَنِّي الشَّهَادَة ثمَّ قَالَ بلَى يَأْتِي الله بِكَافِر فينقرني نقر الديك فيكرمني الله بهوانه ويهينه بكرامتي
وَكَأن شَأْن الرُّؤْيَا عَظِيما عِنْد رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه رُوِيَ عَن سفينة قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا صلى الصُّبْح أقبل على أَصْحَابه قَالَ أَيّكُم رأى اللَّيْلَة رُؤْيا فَقَالَ ذَات يَوْم ذَلِك فَقَالَ رجل أَنا يَا رَسُول الله رَأَيْت كَأَن ميزانا دُلي من السَّمَاء فَوضعت فِي كفة الْمِيزَان وَوضع أَبُو بكر فِي كفة فرجحت بِأبي بكر ثمَّ رفعت وَترك أَبُو بكر ثمَّ جِيءَ بعمر فَوضع فِي الكفة الْأُخْرَى فرجح أَبُو بكر بعمر ثمَّ رفع أَبُو بكر وَترك عمر حَتَّى جِيءَ بعثمان فَوضع فِي الكفة الْأُخْرَى فرجح عمر
стр. 332
بعثمان ثمَّ رفع الْمِيزَان فَتغير وَجه رَسُول الله ﷺ ثمَّ قَالَ خلَافَة نبوة ثَلَاثِينَ عَاما ثمَّ يكون ملك قَالَ سفينة أمسك سنتَيْن أَبُو بكر وَعشرا عمر وثنتي عشرَة عُثْمَان وستا عَليّ رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ
الرُّؤْيَا من أَخْبَار الملكوت من الْغَيْب وَهُوَ جُزْء من أَجزَاء النُّبُوَّة وَقد قَالَ ﵇ يَوْم وَفَاته انه لم يبْق بعدِي من مُبَشِّرَات النُّبُوَّة إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَة وَقَالَ الله تَعَالَى لَهُم الْبُشْرَى فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة
قَالَ عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن قَوْله تَعَالَى ﴿لَهُم الْبُشْرَى فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ قَالَ هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَة يَرَاهَا الرجل الْمُسلم أَو ترى لَهُ
وَعَن عبَادَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ رُؤْيا الْمُؤمن كَلَام يكلم بِهِ العَبْد ربه فِي الْمَنَام
وَقَالَ بعض أهل التَّفْسِير فِي قَوْله تَعَالَى وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب قَالَ فِي مَنَامه
وَعلم الله تَعَالَى يُوسُف ﵇ تَأْوِيل الرُّؤْيَا وَسَماهُ حَدِيثا فَقَالَ تَعَالَى ولنعلمه من تَأْوِيل الْأَحَادِيث
стр. 333
والمحدث على ثَلَاثَة أَنْوَاع مُحدث بِالْوَحْي وَهُوَ الَّذِي يخْفق على الْقلب بِالروحِ ومحدث فِي الْمَنَام أمره على الْأَرْوَاح إِذا خرجت الْأَرْوَاح من الأجساد كلموا ومحدث فِي الْيَقَظَة على الْقلب بِالسَّكِينَةِ فيعقلوه ويعلموه
أما الْمُحدث فِي الْمَنَام مثل مَا رُوِيَ عَن رقية بن مصقلة قَالَ رَأَيْت رب الْعِزَّة ﷻ فِي الْمَنَام فَقَالَ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لأكرمن مثوى سُلَيْمَان التَّيْمِيّ وَمَا رُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم بن أدهم ﵀ أَنه قَالَ ذَات يَوْم اللَّهُمَّ فَإِنَّهُ قد وَقع الشوق إِلَيْك فِي قلبِي وَالنَّظَر إِلَيْك وَقد علمت أَنَّك لَا ترى فِي الدُّنْيَا فَهَب لي من عنْدك مَا يسكن إِلَيْهِ قلبِي فغفى فِي مَجْلِسه ذَلِك ثمَّ أَفَاق فَقَالَ سُبْحَانَ الله فَقيل لَهُ لم سبحت قَالَ من لطف رَبِّي إِنِّي بَيْنَمَا أَنا غاف إِذا أَتَانِي آتٍ من رَبِّي فَقَالَ يَا رجل أجب رَبك فَأتيت رَبِّي فكاد يذهب بَصرِي لنُور رَبِّي فناداني رَبِّي فَقَالَ يَا إِبْرَاهِيم تَسْأَلنِي بَدَلا من النّظر إِلَيّ والشوق إِلَى لقائي فَهَل لذاك من بدل فَقلت يَا رب دهشت فِي حبك وَكَانَ قلبِي إِلَيْك فَلم أتمالك أَن قلت مَا قلت فَكيف تَأْمُرنِي أَن أَقُول فَقَالَ يَا إِبْرَاهِيم من وجدت قلبه خَالِيا من الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ملأته حبي حَتَّى إِذا ملأته قبضت عَنهُ فَكَانَ فِي قبضي فَإِذا كَانَ فِي قبضي كنت سَمعه الَّذِي بِهِ يسمع وبصره الَّذِي بِهِ يبصر وَيَده الَّذِي بهَا يبطش وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَو سَأَلَني جَمِيع الدُّنْيَا كلهَا فِي كَفه لفَعَلت وَكَيف يتفرغ الى الْمَسْأَلَة من سهلت لَهُ السَّبِيل إِلَى نَفسِي وأريته كَرَامَتِي فَإِن كنت لَا بُد سَائِلًا فاسألني أَن أجمعك إِلَيّ وأونسك بكلامي وآذن لأرواح انبيائي فِي الالتقاء مَعَك فَإِن ذَلِك يهون عَليّ لأوليائي
وَهَذَا لِأَن الْعَامَّة فِي تخطيط من الشَّهَوَات وميل النُّفُوس فَلم يكلموا الا بعد مزايلة الْأَرْوَاح من النُّفُوس والشهوات وَلما صفت عقول الْمُحدثين وطهرت قُلُوبهم وتنزهت من الْآفَات والشهوات والعلائق كلموا على
стр. 334
الْقُلُوب فَإِذا كَانَ الْكَلَام على الْأَرْوَاح فِي الْمَنَام جُزْءا من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُّبُوَّة كَانَ الْكَلَام على الْقُلُوب فِي الْيَقَظَة أَكثر من ثلث النُّبُوَّة على قدر قربهَا من رَبهَا فِي تِلْكَ الْمجَالِس
وَعَن أبي سَلمَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ بَينا أَنا نَائِم إِذا اتيت بقدح لبن فَشَرِبت مِنْهُ حَتَّى أَنِّي لأرى الرّيّ جرى من أطرافي ثمَّ اعطيت فضلي عمر بن الْخطاب فَقَالَ من حوله مَاذَا أولته يَا رَسُول الله قَالَ الْعلم قَالَ وَرَأَيْت النَّاس يعرضون عَليّ وَعَلَيْهِم قمص مِنْهَا مَا يبلغ الثدي وَمِنْهَا مَا يبلغ الركب وَمر عمر وَعَلِيهِ قَمِيص يجره قَالُوا فَمَا أولته يَا رَسُول الله قَالَ الدّين
стр. 335
- الأَصْل الثَّامِن وَالسَّبْعُونَ
-
فِي أَن الْمعدة إِذا كَانَت صَحِيحَة ترجى مَعهَا النجَاة
عَن بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده حَدثنَا رَسُول الله ﷺ أَنه كَانَ عبد من عباد الله آتَاهُ الله مَالا وَولدا فَكَانَ لَا يدين لله دينا فَلبث حَتَّى إِذا مَا ذهب عمر وَبَقِي عمر ذكر فَعلم أَنه لم يبتئر عِنْد الله خيرا دَعَا بنيه فَقَالَ أَي بني تعلموني قَالُوا خيرا يَا أَبَانَا قَالَ فَإِنِّي وَالله لَا أدع عِنْد رجل مِنْكُم مَالا هُوَ مني إِلَّا أَنا آخذ مِنْهُ أَو لتفعلن بِي مَا آمركُم فَأخذ مِنْهُم ميثاقا وربي قَالَ اما اني فَإِذا مت فخذوني فألقوني فِي النَّار حَتَّى إِذا كنت حمما فدقوني ثمَّ اذروني فِي الرّيح لعَلي أضلّ الله فَفَعَلُوا بِهِ وَرب مُحَمَّد حِين مَاتَ فجيء بِهِ أحسن مَا كَانَ قطّ فَعرض على ربه فَقَالَ مَا حملك على النَّار قَالَ خشيتك يَا رباه قَالَ إِنِّي أسمعك رَاهِبًا فتيب عَلَيْهِ
стр. 336
وَفِي رِوَايَة أبي سعيد ﵁ دخل رجل الْجنَّة مَا عمل خيرا قطّ فَذكر الحَدِيث
وَفِي رِوَايَة أبي بكر ﵁ فَيَقُول الله انْظُر إِلَى ملك أعظم ملك فِي الدُّنْيَا فَإِن لَك مثله وَعشرَة أَمْثَاله فَيَقُول لم تسخر بِي وَأَنت الْملك قَالَ رَسُول الله ﷺ فَذَاك الَّذِي أضحكني
قَوْله لَا يدين الله دينا أَي لم يكن يسير فِي شَرِيعَته سير المطيعين فَأَما قبُول الشَّرِيعَة فَلم يكن يَخْلُو مِنْهُ إِذْ لَو جحد الدّين لكفر وَهُوَ مثل قَوْله فِي الحَدِيث الآخر لم يعْمل خيرا لله قطّ قَوْله أسمعك رَاهِبًا أَي رهبت مني وَهُوَ كَقَوْلِه هربت مني والهرب بِالنَّفسِ والرهب بِالْقَلْبِ فَهَذَا عبد كَانَت الْمعرفَة اسْتَقَرَّتْ فِي قلبه بِالتَّوْحِيدِ لله تَعَالَى وبالمبعث بعد الْمَوْت وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب وَالْغَالِب عَلَيْهِ الْجَهْل بِاللَّه وبأمره فأهمل الْحُدُود وعطل الْعُمر فَلَمَّا حَضَره الْمَوْت هاج مِنْهُ خوف التَّوْحِيد فأعمل فِي قلبه فطلبته نَفسه الجاهلة بِاللَّه ملْجأ وخلاصا من الله فدلته نَفسه على مَا أوصى بِهِ أَهله من الإحراق والسحق والتذرية فذهل عقله من المخافة وانقطعت حيله فَهَذَا بذلك فألجأه الله تَعَالَى بالمعرفة من غير الْتِفَات الى العبودة قَالَ الله تَعَالَى الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم أُولَئِكَ لَهُم الْأَمْن وهم مهتدون فَلم يعْمل خيرا قطّ فَأَدْرَكته دولة السَّعَادَة فَأصَاب حظا من الخشية والخشية إِنَّمَا تنَال عِنْد كشف الغطاء وانشراح الصَّدْر بِالنورِ وَكَانَ قد
стр. 337
سبق لَهُ من الله تَعَالَى أَثَره وحظ وَهُوَ يقطع عمره فِي رفض العبودة ويضيعها فَلَمَّا حضر أَوَان شخوصه إِلَى الله تَعَالَى جَاءَت الأثرة والسعادة بذلك الْحَظ الَّذِي كَانَ سبق لَهُ فاسنتار الصَّدْر بِالنورِ وانكشف الغطاء حَتَّى صَار بِحَال لَا يعقل مَا يَقُول من الرهب من الله تَعَالَى فَقدم عَلَيْهِ مَعهَا فغفر لَهُ بخشيته
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ بَيْنَمَا عبد لم يعْمل لله خيرا قطّ فَفرق فَخرج هَارِبا فَجعل يُنَادي يَا أَرض اشفعي لي وَيَا سَمَاء اشفعي لي وَيَا كَذَا اشفعي لي حَتَّى أَصَابَهُ الْعَطش فَوَقع فَلَمَّا أَفَاق قيل لَهُ قُم فقد شفع لَك من قبل فرقك من الله تَعَالَى
وَعَن الْعَبَّاس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا اقشعر جلد العَبْد من خشيَة الله تحاتت عَنهُ خطاياه كَمَا تحات عَن الشَّجَرَة البالية وَرقهَا
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ قَالَ الله تَعَالَى وَعِزَّتِي لَا أجمع على عَبدِي خوفين وَلَا أجمع لَهُ أمنين فَمن خافني فِي الدُّنْيَا أمنته فِي الْآخِرَة
стр. 338
- الأَصْل التَّاسِع وَالسَّبْعُونَ
-
فِي أَن فِي الْخلّ مَنَافِع الدّين وَالدُّنْيَا
عَن عَائِشَة ﵁ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا أقفر بَيت فِيهِ خل أقفر أَي خلا والخل من الْأدم الَّتِي تعم مَنَافِعهَا
وَقيل فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سكرا وَرِزْقًا حسنا﴾ أَنه الْخلّ وَفِيه مَنَافِع الدّين وَالدُّنْيَا فَلذَلِك قَالَ مَا أقفر بَيت فِيهِ خل أَي مَا خلا من أَمر الدّين والدينا وَذَلِكَ بِأَنَّهُ بَارِد يطفىء حرارة الشَّهْوَة ويقطعها
وَعَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن قَالَت كَانَ عَامَّة أَدَم أَزوَاج النَّبِي ﷺ بعده الْخلّ ليقطع عَنْهُن ذكر الرِّجَال
وَخلق ابْن آدم مجبولا على الشَّهَوَات الرِّجَال مِنْهُم وَالنِّسَاء وَكلما
стр. 339
وجدوا عونا لَهُم على طفء ذَلِك مِنْهُم كَانَ عونا لَهُم وكل شَيْء هُوَ عون للدّين فالبركة حَالَة بِهِ وَإِذا بورك فِي الشَّيْء سعد بِهِ أَهله
قَالَ ﵇ فِيمَا رَوَاهُ أنس ﵁ نعم الادام الْخلّ
стр. 340
- الأَصْل الثَّمَانُونَ
-
فِي دفع الْمُنْكَرَات بِالدُّعَاءِ
عَن زِيَاد بن علاقَة عَن عَمه ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يَقُول اللَّهُمَّ جنبني مُنكرَات الْأَعْمَال والأخلاق والأهواء والأدواء
ابْن آدم لَا يَنْفَكّ فِيمَا عده ﵇ فِي متقلبه لَيْلًا وَنَهَارًا فالكبائر مُنكرَات الْأَعْمَال وَسُوء الْخلق من مُنكرَات الْأَخْلَاق وَهُوَ الحقد والحسد وَالْبخل وَالشح وَمَا أشبهه والزيغ مُنكرَات الْأَهْوَاء والسل وَذَات الْجنب والجذام وَمَا أشبهه مُنكرَات الأدواء وَهَذِه كلهَا بوائق الدَّهْر وَكَانَ ﷺ يَقُول أعوذ بك من بوائق الدَّهْر وفجأة النقم
فَأَما مُنكرَات الْأَعْمَال والأخلاق والأهواء فَمِنْهَا مَا يعظم الْخطب فِيهِ
стр. 341
حَتَّى يصير مُنْكرا غير مُتَعَارَف فِيمَا بَينهم فَذَاك الَّذِي يشار إِلَيْهِ بالأصابع
رُوِيَ أَن عبد الله بن عَائِد الثمالِي ﵁ حِين حَضرته الْوَفَاة قَالَ لَهُ غُضَيْف بن الْحَارِث إِن اسْتَطَعْت أَن تلقانا فتخبرنا مَا لقِيت فَتوفي فرؤي فِي الْمَنَام فَقَالَ وجدنَا رَبنَا خير رب يقبل الْحَسَنَات وَيغْفر السَّيِّئَات إِلَّا مَا كَانَ من الأحراض قيل وَمَا الأحراض قَالَ الَّذِي يشار إِلَيْهِ بالأصابع فِي الشَّرّ
وروى الْحسن ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ بِحَسب إمرىء من الشَّرّ أَن يشار إِلَيْهِ بالأصابع فِي دين أَو دنيا إِلَّا من عصمه الله تَعَالَى إِنَّمَا يشار إِلَيْهِ فِي دين لِأَنَّهُ أحدث بِدعَة ومنكرا وَفِي دنيا أحدث مُنْكرا من الْكَبَائِر فأشير إِلَيْهِ
وَقَوله ﵇ بِحَسبِهِ من الشَّرّ لِأَنَّهُ قد هتك الله ستره والمهتوك ستره يكون فِي دُنْيَاهُ فِي عَار وَغدا فِي النَّار وَمن ستر الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا رجا لَهُ الْعَفو فِي الْآخِرَة
قَالَ ﵇ إِذا ستر الله على عبد فِي الدُّنْيَا لم يَفْضَحهُ غَدا
وَقَالَ عَليّ ﵁ أقسم على ذَلِك من غير أَن أستثني لَا يستر الله على عبد فيفضحه غَدا
стр. 342
- الأَصْل الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ
-
فِي أَن النَّفس تألف بِمن يبرها وَبَيَان سره
عَن جَابر ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِذا دعِي احدكم إِلَى طَعَام فليجب فان شَاءَ طعم وَإِن شَاءَ ترك
الْمَقْصُود من الدعْوَة ابْتِغَاء الألفة والمودة وَفِي النَّفس هناة وَفِي الصَّدْر سخائم والنفوس جبلت على حب من أكرمها وَقد حثهم رَسُول الله ﷺ على الاجابة ليصل ذَلِك الْبر الَّذِي بر بِهِ أَخُوهُ حَتَّى تتأكد الألفة وتصفو الْمَوَدَّة وتنفي حزازات الصَّدْر فَإِن صَاحب الغل والحقد لَا يسلم لَهُ دينه من سوء مَا يضمر لِأَخِيهِ فالإطعام بر للنَّفس يطفي حرارة الحقد وينفي مكامن الغل وَقد كَانَت للْقَوْم أحقاد الْجَاهِلِيَّة فألف الله تَعَالَى بَين قُلُوبهم بِالْإِيمَان فحثهم رَسُول الله ﷺ على إِجَابَة الدعْوَة لألفة النُّفُوس ولذذلك قَالَ ﵇ من لم يجب الدعْوَة فقد عصى الله وَرَسُوله لأَنهم كَانُوا يتخذون الطَّعَام يدعونَ عَلَيْهَا لنفي السخيمة
стр. 343
فَمن امْتنع عَلَيْهِ ليثبت على الغل والحقد فقد عصى الله وَرَسُوله وَامْتنع من حق عَظِيم والألفة من ثَلَاثَة وُجُوه إِذا حصل تَأَكد واستتم فالقلب يألف بِالْإِيمَان الَّذِي فِي قلب صَاحبه وَالروح تألف بِطَاعَتِهِ وَالنَّفس من شَأْنهَا الشَّهْوَة واللذة وَلَيْسَت همتها الْإِيمَان وَالطَّاعَة فتألف ببرها فَإِذا برهَا صفت وَصَارَت طَوْعًا وَإِلَّا فَهُوَ كالمكره فَإِنَّمَا دَعَاهُ أَخُوهُ إِلَى قبُول بره فندبه ﷺ إِلَى أَن يقبل ذَلِك من أَخِيه كَيْلا يضيع كرامته وَلَا يجد الشَّيْطَان سَبِيلا إِلَى وسوسته بِالشَّرِّ ثمَّ لَهُ الْخِيَار إِن شَاءَ طعم وَإِن شَاءَ ترك وَترك الْإِجَابَة مِمَّا يدل على الْجفَاء والبعد والاستهانة بِهِ فهناك يجد الْعَدو سَبِيلا إِلَّا أَن يعْتَذر إِلَيْهِ الْمَدْعُو فَيقبل الدَّاعِي عذره وَإِن أحس بِالشَّرِّ فِي الدعْوَة فَلهُ فِي التَّخَلُّف عَنْهَا عذر مثل إِن كَانَ ذَلِك الطَّعَام لمباهاة أَو رِيَاء فَلهُ عذر فِي ترك الْإِجَابَة وَقد نهى ﵇ عَن طَعَام المتباهين أَن يُؤْكَل أَو يكون فِي تِلْكَ الدعْوَة أُمُور مَنْهِيّ عَنْهَا من اللَّهْو واللعب الْمَحْظُور عَلَيْهِم فَهَذَا عذر لما روى الحكم بن عُمَيْر وَكَانَ بَدْرِيًّا قَالَ أرسل رجل من الْأَنْصَار إِلَى رَسُول الله ﷺ يَدعُوهُ إِلَى طَعَام وَكَانَ ﵇ يحْفر الخَنْدَق فجَاء وَأَصْحَابه فَقَالَ ادخل يَا نَبِي الله الْبَيْت فَدخل فَرَأى الْبَيْت منجدا مسترا فَخرج فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا أخرجك فَقَالَ أطعمنَا بالفناء فأطعمهم حَتَّى إِذا شبع الْقَوْم فَلَمَّا تفَرقُوا قَالَ يَا رَسُول الله لَو كنت دخلت فَإِن الْبَيْت كَانَ أبرد وَأطيب قَالَ إِنَّك نجدت الْبَيْت وسترته وَهَذَا لَا يحل شبهته بَيت الله الله وَلَو شئب بسطت فِيهِ وطرحت فِيهِ وسائد
стр. 344
- الأَصْل الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ
-
فِي أصل الْأَدْوِيَة وسر الْحِكْمَة فِي التَّدَاوِي
عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله تَعَالَى لم ينزل دَاء إِلَّا أنزل لَهُ شِفَاء علمه من علمه وجهله من جَهله
وَعَن أُسَامَة بن شريك ﵁ يَقُول شهِدت الْأَعْرَاب يسْأَلُون رَسُول الله ﷺ هَل علينا جنَاح فِي كَذَا هَل علينا جنَاح أَن نتداوى فَقَالَ تداووا عباد الله فَإِن الله تَعَالَى لم ينزل دَاء إِلَّا وضع لَهُ شِفَاء إِلَّا الْهَرم
стр. 345
فالطبائع تَتَغَيَّر بحدوث الْأَزْمِنَة من الْحر وَالْبرد وَفَسَاد الْهَوَاء فَيصير دَاء فِي الأجساد وتحدث فِي الْجَسَد الْأَحْدَاث من الطّعْم وَمَا يتعاطاه ابْن آدم من قَضَاء الشَّهَوَات وَاللَّذَّات وَالنّصب والسهر والتعب والهموم وَمَا يجْتَمع فِي الْجَسَد من الدَّم والمرة والبلغم وكل ذَلِك يحدث مِنْهُ مَا يتَغَيَّر حَاله فَيحْتَاج إِلَى دَوَاء يسكن مِنْهُ مَا هاج فَهَذَا تَدْبِير الْجَسَد فَإِذا ترك تَدْبيره ضيعه كَمَا لَو ترك تَدْبِير المعاش ضَاعَ فالتداوي حق وَهُوَ فعل الْأَنْبِيَاء ﵈ وَقدم رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة وهم يُلَقِّحُونَ النّخل فَقَالَ مَا أرى يُغني هَذَا شَيْئا فَذَهَبت عَامَّة ثمارهم وَصَارَت دفلا فَعرف أَن التَّدْبِير من الله تَعَالَى فِي ذَلِك غير مَا رأى فَأَمرهمْ أَن يعودوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فَكَذَا وضعت علل الأجساد أَن تعالج حَتَّى ترد إِلَى الْهَيْئَة الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا وَلَوْلَا ذَلِك لكَانَتْ الْأَدْوِيَة مُهْملَة وَلم يخلقها الله تَعَالَى عَبَثا وَكَانَ سُلَيْمَان ﵇ تنْبت فِي محرابه كل يَوْم شَجَرَة ثمَّ تناديه الشَّجَرَة أَنا دَوَاء لكذا فتقطع وتوضع فِي ديوَان الطِّبّ فعامة الطِّبّ إِنَّمَا ورثوه من تِلْكَ الْكتب
فَالنَّاس فِي التَّدَاوِي على ثَلَاث طَبَقَات
فالطبقة الأولى هم الْأَنْبِيَاء والأولياء ﵈ أهل يَقِين ومشاهدة يتداوون وَقُلُوبهمْ مَعَ خَالق الدَّوَاء الَّذِي جعل الشِّفَاء فِي ذَلِك الدَّوَاء فهم يتداوون على مَا هيأ لَهُم من التَّدْبِير وينتظرون الشِّفَاء من الله تَعَالَى وَقُلُوبهمْ خَالِيَة عَن فتْنَة الدَّوَاء
والطبقة الثَّانِيَة هم أهل الْيَقِين لم يأمنوا خِيَانَة نُفُوسهم أَن تطمئِن إِلَى الدَّوَاء وتركن إِلَيْهِ فيفروا من ذَلِك فَكلما عرض لَهُم دَاء فَوضُوا الْأَمر فِي ذَلِك الى الله تَعَالَى وتوكلوا عَلَيْهِ وَلم يتكلفوا تداويا وَتركُوا التَّدَاوِي من ضعف يقينهم خوفًا على قُلُوبهم أَن تطمئِن نُفُوسهم الى الدُّنْيَا فَيصير سَببا يتَعَلَّق بِهِ قُلُوبهم وَالْأول أَعلَى وَأقوى
стр. 346
والطبقة الثَّالِثَة أهل تَخْلِيط وَقُلُوبهمْ مَعَ الْأَسْبَاب لَا ينفكون مِنْهَا فهم محتاجون الى التَّدَاوِي وَلَا يصبرون على تَركهَا وهم الْعَامَّة
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْمُؤمن الْقوي خير وَأحب إِلَى الله تَعَالَى من الْمُؤمن الضَّعِيف وَفِي كل خير احرص على مَا ينفعك وَلَا تعجز فَإِن غلبك أَمر فَقل قدر الله وَمَا شَاءَ فعل وَإِيَّاك واللو فَإِن اللو يفتح عمل الشَّيْطَان
فالأقوياء تداووا ومروا فِي الْحِيَل والأسباب وَقُلُوبهمْ مَعَ رب الْأَدْوِيَة لَا مَعَ الْأَسْبَاب وهم الْأَنْبِيَاء والأولياء ﵈ وَالْمُؤمن الضَّعِيف انه يَحْجُبهُ تداويه عَن الله تَعَالَى وَيتَعَلَّق قلبه بِهِ وَذَلِكَ لضعف يقينه وَفِي كل خير وَالْقَوِي أحب إِلَى الله تَعَالَى
وَقَوله احرص على مَا ينفعك أَي اسْتعْمل تَدْبِير الله تَعَالَى فِي هَذِه الْأُمُور وَلَا تعجز بِتَرْكِهِ فَإِن اسْتعْملت وَلم يكن الَّذِي أردْت فَقل قدر الله وَمَا شَاءَ أَي هَكَذَا كَانَ قدر وَشاء فارض بِحكمِهِ وَإِيَّاك أَن تَقول لَو كَانَ كَذَا كَانَ هَذَا الْأَمر كَذَا وَلَو لم يكن كَذَا لَكَانَ كَذَا فَهَذَا قَول من يتَعَلَّق قلبه بالأسباب وَعمي عَن تَدْبِير الله تَعَالَى وصنعه
وَمَا رَوَاهُ ابْن عَبَّاس ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ يدْخل سَبْعُونَ ألفا من أمتِي الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب قيل يَا نَبِي الله من
стр. 347
هم قَالَ الَّذين لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يسْتَرقونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ
فَإِنَّمَا كره رَسُول الله ﷺ الكي وَاسْتِعْمَال النَّار فِي الْأَدْوِيَة وَكَذَلِكَ الرقى لِأَن أَكْثَره يشوبه الشّرك
قَالَ ﵇ أقرب الرقى إِلَى الشّرك رقية الْحَيَّة وَالْجُنُون وَكَذَلِكَ الطَّيرَة من فعل الْجَاهِلِيَّة فَرَسُول الله ﷺ ذكر الْخِصَال الْمَكْرُوهَة انهم تركوها تورعا وتوكلوا على رَبهم وَلم يذكر أَنهم لَا يتداوون وَلَيْسَ فِي طلب المعاش والتداوي والمضي فِي الْأَسْبَاب على تَدْبِير الله تَعَالَى ترك للتفويض والتوكل إِذْ الْأَنْبِيَاء وَالرسل ﵈ هم طلاب المعاش وَأهل الْحَرْف والتجارات
قَالَ ﵇ إِن الله يحب أَن يرى العَبْد محترفا
وَمر عمر ﵁ بِقوم فَقَالَ من أَنْتُم قَالُوا المتوكلون فَقَالَ أَنْتُم المتأكلون إِنَّمَا المتَوَكل رجل ألْقى حَبَّة فِي بطن الأَرْض وتوكل على ربه
وَإِنَّمَا ترك التَّوَكُّل بِالْقَلْبِ إِذا غفل عَن الله تَعَالَى وَكَانَ قلبه محجوبا فَإِذا طلب المعاش أَو تداوى صَار فتْنَة عَلَيْهِ وَتعلق قلبه بِهِ وَقد نهى رَسُول الله ﷺ عَن الرقى ثمَّ رخص فِيمَا يُؤمن فِيهِ الشّرك
روى جَابر ﵁ أَن عَمْرو بن حزم دَعَا لامْرَأَة بِالْمَدِينَةِ
стр. 348
لدغتها حَيَّة ليرقيها فَأبى فَأخْبر بذلك رَسُول الله ﷺ فَدَعَاهُ فَقَالَ عَمْرو إِنَّك لتزجر عَن الرقى فَقَالَ اقرأها عَلَيْهِ فقرأها فَقَالَ لَا بَأْس بهَا إِنَّمَا هِيَ مواثيق فَارق بهَا
وَعَن جَابر ﵁ كَانَ بِالْمَدِينَةِ رجل يكنى أَبَا مُذَكّر يرقي من الْعَقْرَب ينفع الله بهَا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يَا أَبَا مُذَكّر مَا رقيتك هَذِه اعرضها عَليّ فَقَالَ ابو مُذَكّر شجة قرينَة ملحة بَحر قغطى فَقَالَ ﵇ لَا بَأْس بهَا إِنَّمَا هِيَ مواثيق أَخذهَا سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵇ على الْهَوَام وَهَذِه لُغَة حمير
стр. 349
- الأَصْل الثَّالِث وَالثَّمَانُونَ
فِي التَّنْبِيه على أَن الْعقُوبَة من الله تَعَالَى تعم وَالرَّحْمَة للمطيع
عَن يُوسُف بن عَطِيَّة الصفار قَالَ سَمِعت ابْن سِيرِين وَسَأَلَهُ رجل فَقَالَ يَا أَبَا بكر مَا تَقول فِي هَذَا الذَّر يَقع فِي طعامنا وشرابنا فنقتله فَقَالَ حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَن نَبيا من الْأَنْبِيَاء كَانَ فِي غزَاة لَهُ فَنزل تَحت شَجَرَة فلذعته نملة فامر بِتِلْكَ الشَّجَرَة فاحرقت فَأوحى الله تَعَالَى إِلَيْهِ الا نملة مَكَان نملة
كَانَ هَذَا النَّبِي قد حاور ربه فِي شَأْن الْخلق وَرُوِيَ أَن ذَلِك كَانَ مُوسَى بن عمرَان فَقَالَ يارب تعذب أهل قَرْيَة بمعاصيهم وَفِيهِمْ
стр. 350
الْمُطِيع فَكَأَنَّهُ أحب أَن يرِيه ذَلِك من عِنْده فَسلط عَلَيْهِ الْحر حَتَّى التجأ الى ظلّ شَجَرَة مستروحا وَعِنْدهَا بَيت النَّمْل فغلبه النّوم فَلَمَّا وجد لَذَّة النّوم لذعته النملة فأضجرته فدلكهن بقدمه وأحرق تِلْكَ الشَّجَرَة الَّتِي عِنْدهَا مساكنهم فَأرَاهُ الله تَعَالَى الْعبْرَة فِي ذَلِك إِنَّك تحيرت فِي عَذَابي أهل قَرْيَة وَفِيهِمْ الْمُطِيع والعاصي وَإِنَّمَا أجرمت إِلَيْك نملة فَكيف قَتلتهمْ وَلَيْسَ فِي هَذَا خطر عَن قتل النَّمْل لِأَن كل مَا أذاك أُبِيح لَك قَتله أَلا ترى أَن الفأر والغراب وَالْكَلب والحية وَالْعَقْرَب قد أُبِيح للْمحرمِ قَتلهَا وَكَذَلِكَ سَائِر الْهَوَام المؤذية إِلَّا إِن الْمُؤمن لَا يقتل هَذِه الْأَشْيَاء عَبَثا وَلكنه يَقْتُلهَا بِحَق إِذا كَانَ من تاذ أَو خوف وَلَيْسَ ذَاك بأعظم حُرْمَة من الْمُؤمن وَمَعَ ذَلِك يُبَاح دَفعه بِالْقَتْلِ
стр. 351
- الأَصْل الرَّابِع وَالثَّمَانُونَ
-
فِي أَن النَّاس ينزلون مَنَازِلهمْ وتدبير الله فِي اخْتِلَاف أَحْوَالهم
عَن مَيْمُون بن أبي شبيب عَن عَائِشَة ﵁ قَالَت مر عَلَيْهَا سَائل فَأمرت لَهُ بكسرة وَمر عَلَيْهَا رجل ذُو هَيْئَة فأقعدته فَقيل لَهَا فَقَالَت إِن رَسُول الله ﷺ أمرنَا ان ننزل النَّاس مَنَازِلهمْ
стр. 352
دبر الله تعال لعبيده الْأَحْوَال غنى وفقرا وَعزا وذلا ورفعة وضعة ليبلوهم فِي الدُّنْيَا أَيهمْ يشْكر على الْعَطاء وأيهم يصبر على الْمَنْع وأيهم يقنع بِمَا أُوتِيَ وأيهم يسْخط ثمَّ ينقلهم الى الْآخِرَة فَذَلِك يَوْم الْجَزَاء فالعاقل يعاشر أهل دُنْيَاهُ على مَا دبر الله لَهُم فالغني قد عوده الله النِّعْمَة وَهِي مِنْهُ كَرَامَة ابتلاء لَا كَرَامَة ثَوَاب قَالَ الله تَعَالَى فَأَما الْإِنْسَان إِذا مَا ابتلاه ربه فَأكْرمه ونعمه فَيَقُول رَبِّي أكرمن وَأما إِذا مَا ابتلاه فَقدر عَلَيْهِ رزقه فَيَقُول رَبِّي أهانن كلا
أَي لست أكْرم بالدنيا وَلَا أهين بمنعها فَإِذا لم تنزله الْمنزلَة الَّتِي أنزل الله تَعَالَى استهنت بِهِ وجفوته من غير جرم اسْتحق بِهِ ذَلِك الْجفَاء وَتَركه مُوَافقَة الله تَعَالَى فِي تَدْبيره وأفسدت عَلَيْهِ دينه وَهُوَ قَوْله ﵇ أنزلوا النَّاس مَنَازِلهمْ أَي الْمنَازل الَّتِي أنزلهم الله من دنياهم أما الْآخِرَة فقد غيب شَأْنهَا عَن الْعباد فَإِذا سويت بَين الْغَنِيّ وَالْفَقِير فِي مجْلِس أَو مأدبة أَو هَدِيَّة كَانَ مَا أفسدت أَكثر مِمَّا أصلحت فَإِن الْغَنِيّ يجد عَلَيْك إِذا أزريت بِحقِّهِ فَإِن الله تَعَالَى لم يعودهُ ذَاك وَالْفَقِير يعظم ذَلِك الْقَلِيل فِي عينه ويقنع بذلك لِأَن تِلْكَ عَادَته وَكَذَلِكَ مُعَاملَة الْمُلُوك والولاة على هَذَا السَّبِيل فَإِذا عاملت الْمُلُوك بمعاملة الرّعية فقد استخففت بِحَق السُّلْطَان وَهُوَ ظلّ الله تَعَالَى فِي أرضه بِهِ تسكن النُّفُوس وتجتمع الْأُمُور فالناظر إِلَى ظلّ الله عَلَيْهِم فِي الشّغل عَن الالتفاف الى سيرهم وأعمالهم وَإِنَّمَا نفر قوم من السّلف عَنْهُم وجانبوهم لِأَنَّهُ لم تمت شهوات نُفُوسهم وَلم يكن لقُلُوبِهِمْ مطالعة ظلّ الله تَعَالَى عَلَيْهِم فخافوا أَن يخالطوهم أَن يَجدوا حلاوة برهم فتخلط قُلُوبهم بقلوبهم فجانبوهم وأعرضوا عَنْهُم وتأولوا فِي ذَلِك لحَدِيث ابْن
стр. 353
عَبَّاس ﵄ مَلْعُون من أكْرم بالغنى وأهان بالفقر وَهَذَا من قلَّة معرفتهم بتأويله فَإِنَّهُم لَو نظرُوا إِلَيْهِم بِمَا ألبسوا من ظله لشغلوا عَن جَمِيع مَا هم فِيهِ وَلم يضرهم اختلاطهم وبهذه الْقُوَّة كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ والتابعون من بعدهمْ بِإِحْسَان يلقون الْأُمَرَاء الَّذين قد ظهر جَوْرهمْ ويقبلون جوائزهم ويظهرون الْعَطف عَلَيْهِم والنصيحة لَهُم
وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵁ فتأويله أَن الَّذِي يعظم فِي عينه حطام الدُّنْيَا وَبَاعَ آخرته بدنياه من المنافسة فِي الدُّنْيَا وَالرَّغْبَة فِيهَا وَعظم شَأْن الْأَغْنِيَاء فِي عينه لما يرى عَلَيْهِم من الدُّنْيَا فيعظمهم ويتملقهم ويكرمهم تكريما وتعظيما لما فِي أَيْديهم وَإِذا رأى من قد منع هَذَا وزويت عَنهُ الدُّنْيَا ازدراه وحقره فلغلبه الشَّهَوَات يعظم أَبنَاء الدُّنْيَا ويحقر أَبنَاء الْآخِرَة فَهُوَ مستوجب لعنة الله تَعَالَى لِأَنَّهُ مفتون يكرم مفتونا فَأَما عبد دقَّتْ الدُّنْيَا فِي عينه ورحم أهل الْبلَاء فَهُوَ يرى الْغَنِيّ مبتلى بغناه قد تراكمت عَلَيْهِ أثقال النِّعْمَة وغرق فِي حِسَابهَا وَعَلِيهِ وبالها غَدا فيرحمه فِي ذَلِك كالغريق الَّذِي يذهب بِهِ السَّيْل فَإِذا لقِيه أكْرمه وبره على مَا عوده الله تَعَالَى إبْقَاء على دينه لِئَلَّا يفْسد فَإِنَّهُ قد تعزز بدنياه وتكبر وتاه ويعظم ذَلِك فِي نَفسه فَإِذا حقرته فقد أهلكته لِأَن عزه دُنْيَاهُ فَإِذا أسقطت عزه فقد سلبته دُنْيَاهُ وَهَذِه محاربه لَا عشرَة فَعَلَيْك أَن تبره وتكرمه مداريا لَهُ على دينه ورفقا بِهِ وترحمه بقلبك وَقد صغر فِي عَيْنَيْك مَا خوله الله تَعَالَى من الدُّنْيَا وَهَذَا فعل الأنيباء والأولياء وَبِذَلِك أوصى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إِذا جَاءَكُم كريم قوم فأكرموه
أَرَادَ من عوده قومه الاكرام من غير أَن ينسمه إِلَى دين أَو صَلَاح فَإِذا
стр. 354
أَنْت مأجور باكرام من عوده قومه الاكرام فَكيف من عوده الله تَعَالَى وأكرمه ونعمه كَرَامَة الِابْتِلَاء فَإِذا رأى ذَا نعْمَة عظمه فِي الظَّاهِر تَعْظِيم بر ولطف ليبقى من دينه وَدين نَفسه وليكون تَدْبِير الله تَعَالَى الَّذِي وَضعه لَهُ فِي الْعِزّ والتعظيم بمكانه وَهُوَ فِي الْبَاطِن قلبه مِنْهُ بعيد وَهَكَذَا أهل الْفساد من الْمُوَحِّدين يلطف بهم ويرفق بهم فِي الظَّاهِر إبْقَاء على أَحْوَالهم فِي امْر دينهم والرفق مَحْبُوب مبارك
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله يحب الرِّفْق كُله
وَقَالَ ﵇ من أعطي حَظه من الرِّفْق أعطي حَظه من خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمن حرم حَظه من الرِّفْق حرم حَظه من خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وَقَالَ ﵇ إِذا أَرَادَ الله تَعَالَى بِأَهْل بَيت خيرا أَدخل عَلَيْهِم بَاب الرِّفْق صدق رَسُول الله
стр. 355
- الأَصْل الْخَامِس وَالثَّمَانُونَ
-
فِي أَن الْمُؤمن يَمُوت بعرق الجبين
عَن بُرَيْدَة عَن أَبِيه ﵄ وَكَانَ بخراسان فَدخل على ابْن أَخ لَهُ يعودهُ فَوَجَدَهُ فِي الْمَوْت فَإِذا هُوَ يعرق جَبينه فَقَالَ بُرَيْدَة الله أكبر سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الْمُؤمن يَمُوت بعرق الجبين
الْمُؤمن لما رأى من ذنُوبه فِي وَقت مقدمه على ربه فتراءى لَهُ قبح مَا جَاءَ بِهِ فيستحيي مِنْهُ فيعرق لذَلِك وَجهه لِأَن مَا سفل مِنْهُ قد مَاتَ وَإِنَّمَا بقيت قوى الْحَيَاة وحركاتها فِيمَا علا والحياة فِي الْعَينَيْنِ وَذَلِكَ وَقت الْحيَاء والرجاء والأمل فَإِذا عرق فَذَاك عَلامَة الْإِيمَان فَأَما الْكَافِر فَفِي عمى عَن هَذَا كُله
следующие страницы →