Полный текст (1 237 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
- الأَصْل الرَّابِع وَالثَّمَانُونَ
-
فِي أَن النَّاس ينزلون مَنَازِلهمْ وتدبير الله فِي اخْتِلَاف أَحْوَالهم
عَن مَيْمُون بن أبي شبيب عَن عَائِشَة ﵁ قَالَت مر عَلَيْهَا سَائل فَأمرت لَهُ بكسرة وَمر عَلَيْهَا رجل ذُو هَيْئَة فأقعدته فَقيل لَهَا فَقَالَت إِن رَسُول الله ﷺ أمرنَا ان ننزل النَّاس مَنَازِلهمْ
стр. 352
دبر الله تعال لعبيده الْأَحْوَال غنى وفقرا وَعزا وذلا ورفعة وضعة ليبلوهم فِي الدُّنْيَا أَيهمْ يشْكر على الْعَطاء وأيهم يصبر على الْمَنْع وأيهم يقنع بِمَا أُوتِيَ وأيهم يسْخط ثمَّ ينقلهم الى الْآخِرَة فَذَلِك يَوْم الْجَزَاء فالعاقل يعاشر أهل دُنْيَاهُ على مَا دبر الله لَهُم فالغني قد عوده الله النِّعْمَة وَهِي مِنْهُ كَرَامَة ابتلاء لَا كَرَامَة ثَوَاب قَالَ الله تَعَالَى فَأَما الْإِنْسَان إِذا مَا ابتلاه ربه فَأكْرمه ونعمه فَيَقُول رَبِّي أكرمن وَأما إِذا مَا ابتلاه فَقدر عَلَيْهِ رزقه فَيَقُول رَبِّي أهانن كلا
أَي لست أكْرم بالدنيا وَلَا أهين بمنعها فَإِذا لم تنزله الْمنزلَة الَّتِي أنزل الله تَعَالَى استهنت بِهِ وجفوته من غير جرم اسْتحق بِهِ ذَلِك الْجفَاء وَتَركه مُوَافقَة الله تَعَالَى فِي تَدْبيره وأفسدت عَلَيْهِ دينه وَهُوَ قَوْله ﵇ أنزلوا النَّاس مَنَازِلهمْ أَي الْمنَازل الَّتِي أنزلهم الله من دنياهم أما الْآخِرَة فقد غيب شَأْنهَا عَن الْعباد فَإِذا سويت بَين الْغَنِيّ وَالْفَقِير فِي مجْلِس أَو مأدبة أَو هَدِيَّة كَانَ مَا أفسدت أَكثر مِمَّا أصلحت فَإِن الْغَنِيّ يجد عَلَيْك إِذا أزريت بِحقِّهِ فَإِن الله تَعَالَى لم يعودهُ ذَاك وَالْفَقِير يعظم ذَلِك الْقَلِيل فِي عينه ويقنع بذلك لِأَن تِلْكَ عَادَته وَكَذَلِكَ مُعَاملَة الْمُلُوك والولاة على هَذَا السَّبِيل فَإِذا عاملت الْمُلُوك بمعاملة الرّعية فقد استخففت بِحَق السُّلْطَان وَهُوَ ظلّ الله تَعَالَى فِي أرضه بِهِ تسكن النُّفُوس وتجتمع الْأُمُور فالناظر إِلَى ظلّ الله عَلَيْهِم فِي الشّغل عَن الالتفاف الى سيرهم وأعمالهم وَإِنَّمَا نفر قوم من السّلف عَنْهُم وجانبوهم لِأَنَّهُ لم تمت شهوات نُفُوسهم وَلم يكن لقُلُوبِهِمْ مطالعة ظلّ الله تَعَالَى عَلَيْهِم فخافوا أَن يخالطوهم أَن يَجدوا حلاوة برهم فتخلط قُلُوبهم بقلوبهم فجانبوهم وأعرضوا عَنْهُم وتأولوا فِي ذَلِك لحَدِيث ابْن
стр. 353
عَبَّاس ﵄ مَلْعُون من أكْرم بالغنى وأهان بالفقر وَهَذَا من قلَّة معرفتهم بتأويله فَإِنَّهُم لَو نظرُوا إِلَيْهِم بِمَا ألبسوا من ظله لشغلوا عَن جَمِيع مَا هم فِيهِ وَلم يضرهم اختلاطهم وبهذه الْقُوَّة كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ والتابعون من بعدهمْ بِإِحْسَان يلقون الْأُمَرَاء الَّذين قد ظهر جَوْرهمْ ويقبلون جوائزهم ويظهرون الْعَطف عَلَيْهِم والنصيحة لَهُم
وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵁ فتأويله أَن الَّذِي يعظم فِي عينه حطام الدُّنْيَا وَبَاعَ آخرته بدنياه من المنافسة فِي الدُّنْيَا وَالرَّغْبَة فِيهَا وَعظم شَأْن الْأَغْنِيَاء فِي عينه لما يرى عَلَيْهِم من الدُّنْيَا فيعظمهم ويتملقهم ويكرمهم تكريما وتعظيما لما فِي أَيْديهم وَإِذا رأى من قد منع هَذَا وزويت عَنهُ الدُّنْيَا ازدراه وحقره فلغلبه الشَّهَوَات يعظم أَبنَاء الدُّنْيَا ويحقر أَبنَاء الْآخِرَة فَهُوَ مستوجب لعنة الله تَعَالَى لِأَنَّهُ مفتون يكرم مفتونا فَأَما عبد دقَّتْ الدُّنْيَا فِي عينه ورحم أهل الْبلَاء فَهُوَ يرى الْغَنِيّ مبتلى بغناه قد تراكمت عَلَيْهِ أثقال النِّعْمَة وغرق فِي حِسَابهَا وَعَلِيهِ وبالها غَدا فيرحمه فِي ذَلِك كالغريق الَّذِي يذهب بِهِ السَّيْل فَإِذا لقِيه أكْرمه وبره على مَا عوده الله تَعَالَى إبْقَاء على دينه لِئَلَّا يفْسد فَإِنَّهُ قد تعزز بدنياه وتكبر وتاه ويعظم ذَلِك فِي نَفسه فَإِذا حقرته فقد أهلكته لِأَن عزه دُنْيَاهُ فَإِذا أسقطت عزه فقد سلبته دُنْيَاهُ وَهَذِه محاربه لَا عشرَة فَعَلَيْك أَن تبره وتكرمه مداريا لَهُ على دينه ورفقا بِهِ وترحمه بقلبك وَقد صغر فِي عَيْنَيْك مَا خوله الله تَعَالَى من الدُّنْيَا وَهَذَا فعل الأنيباء والأولياء وَبِذَلِك أوصى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إِذا جَاءَكُم كريم قوم فأكرموه
أَرَادَ من عوده قومه الاكرام من غير أَن ينسمه إِلَى دين أَو صَلَاح فَإِذا
стр. 354
أَنْت مأجور باكرام من عوده قومه الاكرام فَكيف من عوده الله تَعَالَى وأكرمه ونعمه كَرَامَة الِابْتِلَاء فَإِذا رأى ذَا نعْمَة عظمه فِي الظَّاهِر تَعْظِيم بر ولطف ليبقى من دينه وَدين نَفسه وليكون تَدْبِير الله تَعَالَى الَّذِي وَضعه لَهُ فِي الْعِزّ والتعظيم بمكانه وَهُوَ فِي الْبَاطِن قلبه مِنْهُ بعيد وَهَكَذَا أهل الْفساد من الْمُوَحِّدين يلطف بهم ويرفق بهم فِي الظَّاهِر إبْقَاء على أَحْوَالهم فِي امْر دينهم والرفق مَحْبُوب مبارك
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله يحب الرِّفْق كُله
وَقَالَ ﵇ من أعطي حَظه من الرِّفْق أعطي حَظه من خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمن حرم حَظه من الرِّفْق حرم حَظه من خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وَقَالَ ﵇ إِذا أَرَادَ الله تَعَالَى بِأَهْل بَيت خيرا أَدخل عَلَيْهِم بَاب الرِّفْق صدق رَسُول الله
стр. 355
- الأَصْل الْخَامِس وَالثَّمَانُونَ
-
فِي أَن الْمُؤمن يَمُوت بعرق الجبين
عَن بُرَيْدَة عَن أَبِيه ﵄ وَكَانَ بخراسان فَدخل على ابْن أَخ لَهُ يعودهُ فَوَجَدَهُ فِي الْمَوْت فَإِذا هُوَ يعرق جَبينه فَقَالَ بُرَيْدَة الله أكبر سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الْمُؤمن يَمُوت بعرق الجبين
الْمُؤمن لما رأى من ذنُوبه فِي وَقت مقدمه على ربه فتراءى لَهُ قبح مَا جَاءَ بِهِ فيستحيي مِنْهُ فيعرق لذَلِك وَجهه لِأَن مَا سفل مِنْهُ قد مَاتَ وَإِنَّمَا بقيت قوى الْحَيَاة وحركاتها فِيمَا علا والحياة فِي الْعَينَيْنِ وَذَلِكَ وَقت الْحيَاء والرجاء والأمل فَإِذا عرق فَذَاك عَلامَة الْإِيمَان فَأَما الْكَافِر فَفِي عمى عَن هَذَا كُله
стр. 356
وَعَن سعيد بن سوفة قَالَ دَخَلنَا على سلمَان الْفَارِسِي نعوده وَهُوَ مبطون فَقَالَ إِنِّي محدثك حَدِيثا لم أحدثه أحدا قبلك وَلَا أحدث أحدا بعْدك سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول ارقبوا الْمَيِّت عِنْد مَوته فَأَما إِن رشحت جَبينه وذرفت عَيناهُ وانتشر منخراه فَهِيَ رَحْمَة من الله تَعَالَى قد نزلت بِهِ فَإِن غط غطيط الْبكر المخنوق وخمد لَونه وأزبد شدقاه فَهُوَ عَذَاب من الله تَعَالَى قد حل بِهِ ثمَّ قَالَ لامْرَأَته مَا فعل الْمسك الَّذِي جِئْنَا بِهِ من بلنجر قَالَت هوذا قَالَ فألقيه فِي المَاء ثمَّ اضربي بعضه بِبَعْض ثمَّ انضحي حول فِرَاشِي فَإِنَّهُ يأتيني الْآن قوم لَيْسُوا بجن وَلَا إنس فَفعلت فقمنا من عِنْده ثمَّ رَجعْنَا فوجدناه قد قبض
وَعَن عبد الله قَالَ موت الْمُؤمن بعرق الجبين إِن الْمُؤمن يبْقى عَلَيْهِ خَطَايَا من خطاياه فيجازف بهَا عِنْد الْمَوْت فيعرق لذَلِك جَبينه
стр. 357
الأَصْل السَّادِس وَالثَّمَانُونَ
-
فِي أَن الْكيس من أبْصر الْعَاقِبَة والأحمق من عمي عَنْهَا
عَن ابْن عمر ﵄ أَن رجلا قَالَ يَا نَبِي الله أَي الْمُؤمنِينَ أَكيس قَالَ أَكْثَرهم ذكر للْمَوْت وَأَحْسَنهمْ لَهُ اسْتِعْدَادًا وَإِذا دخل النُّور فِي الْقلب اِنْفَسَحَ وَاسْتَوْسَعَ قَالُوا مَا آيَة ذَلِك يَا نَبِي الله قَالَ الْإِنَابَة الى دَار الخلود والتجافي عَن دَار الْغرُور والاستعداد للْمَوْت قبل نزُول الْمَوْت ثمَّ قَرَأَ ﴿أَفَمَن شرح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ على نور من ربه﴾
الْمَوْت عَاقِبَة أَمر الدُّنْيَا فالكيس من أبْصر الْعَاقِبَة والأحمق من عمي عَنْهَا بحجب الشَّهَوَات الَّتِي قَامَت بَين يَدي قلبه فاقتضته إنجازها وجاءته
стр. 358
الْأَمَانِي بمواعيدها الكاذبة المخلقة فَتَقول لَهُ خُذْهَا ثمَّ تتوب وأتته الشَّهْوَة وَتقول لَهُ خذني إِلَيْك ثمَّ تستغفر فَإِن الله غَفُور للمذنبين وحبِيب للتائبين فَهَذِهِ حجب كثيفة دون الْعَاقِبَة فَلَا يَرَاهَا والكيس من سعد بجميل نظر الله تَعَالَى واعطى النُّور الزَّائِد على نور الْمُوَحِّدين وَهُوَ نور الْيَقِين يهتك هَذَا النُّور الْحجب وَالدُّخَان والظلمة الَّتِي فِي الصَّدْر من الشَّهَوَات فسكن الدُّخان وانقشعت الظلمَة واستنار الصَّدْر فأبصر عَاقِبَة أمره وَأَنَّهَا قَاطِعَة لكل لَذَّة وشهوة وحائلة بَينه وَبَين كل أُمْنِية وَأَن عمره أنفاس مَعْدُودَة لَا يدْرِي مَتى ينْفد الْعدَد فَصَارَ من ذَلِك على خطر عَظِيم وَلَا يعلم مَتى يحل بِهِ الْمَوْت ويبغت بِهِ الْأَمر فيرحل إِلَيْهِ من دَار الْغرُور مغترا بِهِ مخدوعا عَنهُ مَعَ دنس الْمعاصِي وقبح الآثام فَلَا وُصُول إِلَى تَوْبَة وَلَا مهلة لَهُ فِي إنابة فَيكون مقدمه مقدم العبيد الاباق الَّذين أمهلهم الله فِي الدُّنْيَا وحلم عَنْهُم وَكَانُوا يحكمون لأَنْفُسِهِمْ بِمَا يشتهون فِي دنياهم وهم مستدرجون فِي مكره فيردهم إِلَيْهِ وَيحكم فيهم بِمَا يستوجبون من إباقهم قَالَ الله تَعَالَى ثمَّ ردوا الى الله تَعَالَى مَوْلَاهُم الْحق أَلا لَهُ الحكم وَهُوَ أسْرع الحاسبين فالكيس نظر بنوره الَّذِي من الله تَعَالَى عَلَيْهِ بِهِ فأبصر أَن الْمَوْت قَاطع لكل لَذَّة حَائِل بَينه وَبَين التَّوْبَة فانكسر قلبه وذبلت نَفسه وخمدت نَار شَهْوَته واكفهر الْحق فِي وَجه أمْنِيته واستعد لكل ذَنْب تَوْبَة واعتذارا وَمَكَان كل سَيِّئَة حَسَنَة واستغفارا لتَكون الْحَسَنَة غطاء للسيئة وَالتَّوْبَة محاء للخطيئة فَهَذَا تَفْسِير قَوْله ﵇ أكيسهم أَكْثَرهم ذكرا للْمَوْت وَأَحْسَنهمْ لَهُ استعداد فالاستعداد أَن يجانب التخليض مجانبة لَا يحْتَاج إِلَى استمهال إِذا فاجأه أَمر الله تَعَالَى وجاءته دَعوته فَيَقُول أمهلني حَتَّى أَتُوب وَأصْلح أَمْرِي وَحسن الاستعداد أَن يكون قد استعد للقائه وَالْعرض عَلَيْهِ بعد علمه أَن الْمَوْت يُؤَدِّيه إِلَيْهِ فطاب قلبه بِاللَّه
стр. 359
تَعَالَى وروحه بِالطَّاعَةِ وَنَفسه تتجنب الشَّهَوَات والمنى ورفض التَّدْبِير لنَفسِهِ وتفويض ذَلِك إِلَى خالقه
وَهَذَا صفة أهل الْيَقِين الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فيهم ﴿الَّذين تتوفاهم الْمَلَائِكَة طيبين يَقُولُونَ سَلام عَلَيْكُم ادخُلُوا الْجنَّة﴾ الْآيَة تسلم عَلَيْهِم الْمَلَائِكَة من الله تَعَالَى وتبشرهم بِدُخُول الْجنَّة من غير حبس فِي موطن أَي حِسَاب فِي موقف وَإِنَّمَا سموا طيبين لِأَنَّهُ لم يبْق فيهم تَخْلِيط فطابوا روحا وطابوا قلبا وطابوا نفسا وَأما أهل التَّخْلِيط لَا يُقَال لَهُم هَذِه الْكَلِمَة عِنْد الْمَوْت وَإِنَّمَا يُقَال لَهُم ﴿طبتم فادخلوها خَالِدين﴾ عِنْد بَاب الْجنَّة بعد مَا محصوا بِعَذَاب الْقَبْر وأهوال الْقِيَامَة وَتَنَاول النيرَان فيهم بلفحاتها على الصِّرَاط وَالْحَبْس فِي الْعرض الْأَكْبَر فَإِذا خلي عَنْهُم وبلغوا بَاب الْجنَّة نُودُوا ﴿سَلام عَلَيْكُم طبتم فادخلوها خَالِدين﴾
وَقد رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ النَّاس يعرضون ثَلَاث عرضات يَوْم الْقِيَامَة
فَأَما عرضتان فجدال ومعاذير وَأما فِي العرضة الثَّالِثَة تطاير الصُّحُف فالجدال للأعداء لأَنهم لَا يعْرفُونَ رَبهم فيظنون أَنهم إِذا جادلوه نَجوا وَقَامَت حججهم والمعاذير لله الْكَرِيم يعْتَذر الى أنبيائه ﵈ وَيُقِيم حجَّته عِنْدهم على الْأَعْدَاء ثمَّ يَبْعَثهُم الى النَّار قَالَ ﵇ لَا أحد أحب إِلَيْهِ الْمَدْح من الله تَعَالَى وَلَا أحد أحب إِلَيْهِ الْعذر من الله تَعَالَى
стр. 360
والعرضة الثَّالِثَة للْمُؤْمِنين وَهُوَ الْعرض الْأَكْبَر وهم على ضَرْبَيْنِ مِنْهُم من نبهه فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا فكاد يَمُوت حَيَاء وفرقا فَأعْطى الْأمان غَدا من ذَلِك فَإِنَّهُ لن يجمع ذَلِك على العَبْد فِي موطنين
قَالَ ﵇ قَالَ ربكُم وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أجمع على عَبدِي خوفين وَلَا أجمع لَهُ أمنين فَمن خافني فِي الدُّنْيَا أمنته فِي الْآخِرَة وَمن أمنني فِي الدُّنْيَا أخفته فِي الْآخِرَة
وَمِنْهُم من يُرِيد أَن يعاتبه حَتَّى يَذُوق وبال الْحيَاء مِنْهُ ويرفض عرقا بَين يَدَيْهِ وَيفِيض الْعرق مِنْهُم على اقدامهم من شدَّة الْحيَاء ثمَّ يغْفر لَهُم ويرضى عَنْهُم فَمن استحيى من الله تَعَالَى فِي الدُّنْيَا مِمَّا صنع استحيى الله تَعَالَى من تفتيشه وسؤاله وَلَا يجمع عَلَيْهِ حيائين كَمَا لَا يجمع عَلَيْهِ خوفين وَقد ستر محاسنه مساويه حَتَّى يصير فِي ستر محاسنه وَستر عَلَيْهِ علمه حَتَّى لَا يستحيي من الْخلق وَمن نَفسه
وَقَوله ﵇ إِذا دخل النُّور الْقلب اِنْفَسَحَ وانشرح فدخول النُّور فِي الْقلب والانفساح فِي الصَّدْر فَإِن الصَّدْر بَيت الْقلب وَمِنْه تصدر الْأُمُور فَيدْخل النُّور فِي الْقلب وَمِنْه ينفسح الصَّدْر وينشرح ويتسع لِأَن الصَّدْر كَانَ مظلما بالشهوات المتراكمة فِيهِ والأماني والفكر وعجائب النَّفس ودواهيها فَكَانَ يضيق بأوامر الله تَعَالَى لِأَنَّهَا خلاف امنيته وهواه فَلَمَّا قذف بِالنورِ فِيهِ نفى الظلمَة وأشرق الصَّدْر واتسع فِيهِ أَمر الله تَعَالَى ونصائحه وآدابه ومواعظه فَهَذَا كُله عَلامَة الْبَاطِن وَأما عَلامَة الظَّاهِر فَثَلَاث خِصَال أَشَارَ ﵇ إِلَيْهَا بقوله الْإِنَابَة إِلَيّ دَار الخلود والتجافي عَن دَار الْغرُور والاستعداد للْمَوْت فَأَما الانابة
стр. 361
إِلَى دَار الخلود فَهِيَ أَعمال الْبر لِأَنَّهَا وضعت جَزَاء لأعمال الْبر قَالَ الله تَعَالَى ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾
فَإِذا إنكمش فِي أَعمال الْبر فَهُوَ إنابته وَأما التَّجَافِي عَن دَار الْغرُور فَهُوَ أَن يخمد حرصه على الدُّنْيَا وَلها عَن طلبَهَا وَأَقْبل على مَا يعنيه مِنْهَا وَاكْتفى بهَا وقنع فقد تجافى عَن دَار الْغرُور
وَأما الاستعداد للْمَوْت هُوَ أَن يعلم أَنه رُبمَا كَانَ فِي قَضَاء شَهْوَة فِي مساخط الله تَعَالَى ويخافض بِأَمْر الله تَعَالَى ويبغت بدعوته وَلَا بُد من الْإِجَابَة فِي أسْرع من اللمحة فَلَا رَجَاء للمهلة وَلَا وُصُول الى التَّوْبَة فَيحكم أُمُوره بالتقوى فَكَانَ نَاظرا فِي كل أَمر وَاقِفًا متأثيا متثبتا حذرا يتورع عَمَّا يرِيبهُ إِلَى مَا لَا يرِيبهُ فَمن فعل ذَلِك فقد استعد للْمَوْت وَإِنَّمَا صَارَت لَهُ هَذِه الرُّؤْيَا بِالنورِ الَّذِي ولج الْقلب
стр. 362
- الأَصْل السَّابِع وَالثَّمَانُونَ
-
فِي أَن من النَّاس مَفَاتِيح للخير وَمن النَّاس نَاس مَفَاتِيح للشر
عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من النَّاس نَاس مَفَاتِيح للخير مغاليق للشر وَمن النَّاس مَفَاتِيح للشر مغاليق للخير فطوبى لمن جعل مَفَاتِيح الْخَيْر على يَدَيْهِ وويل لمن جعل مَفَاتِيح الشَّرّ على يَدَيْهِ
فالخير مرضاة الله وَالشَّر مسخطه وَإِذا رَضِي الله عَن عبد كَانَ عَلامَة رِضَاهُ عَنهُ أَن يَجعله مفتاحا للخير فَإِن رُؤِيَ ذكر الْخَيْر بِرُؤْيَتِهِ وَإِن حضر حضر مَعَه الْخَيْر وَإِن ذكر ذكر الْخَيْر مَعَه وَإِن نطق نطق بِخَير وَعَلِيهِ من الله تَعَالَى سمات ظَاهِرَة تذكر بِالْخَيرِ من لقِيه يتقلب فِي الْخَيْر بِعَمَل الْخَيْر وينطق بِالْخَيرِ ويفكر فِي الْخَيْر ويضمر على الْخَيْر وَهُوَ مِفْتَاح الْخَيْر حَيْثُ مَا حضر وَسبب الْخَيْر لكل من خالطه أَو عاشره أَو صَحبه وَالْآخر يتقلب فِي الشَّرّ يعْمل بِالشَّرِّ وينطق بِالشَّرِّ ويفكر بِالشَّرِّ ويضمر على شَرّ فَهُوَ مِفْتَاح الشَّرّ حَيْثُمَا حضر وَسبب الشَّرّ لكل من
стр. 363
٤٢١ - @ خالطه أَو صَحبه فصحبة الأول دَوَاء لَا ترجع مِنْهُ إِلَّا بِزِيَادَة وصحبة الثَّانِي دَاء لَا ترجع مِنْهُ إِلَّا بِنُقْصَان فَمن كَانَ بَين يَدي قلبه دُنْيَاهُ فَإِنَّمَا يفْتَتح بدنياه إِذا لقيك وَمن كَانَ بَين يَدي قلبه آخرته فَإِنَّمَا يفْتَتح بآخرته إِذا لقيك وَمن كَانَ بَين يَدي قلبه خالقه فَإِنَّمَا يفْتَتح بِذكرِهِ إِذا لقيك قل انما ينشر عَلَيْك بره ويحدثك عَمَّا يطالع قلبه فالناطق عَن دُنْيَاهُ يرغبك فِيهَا ويزين لَك أحوالها فالاستمتاع مِنْهُ سقم يورطك فِي ورطته ويلقيك فِي وهدته والناطق عَن آخرته يرغبك فِيهَا ويزين لَك أحوالها ويقلل الدُّنْيَا فِي عَيْنك ويزهدك فِيهَا وَيقف بك مِنْهَا على سَبِيل خطر لما يُخْبِرك عَن فتنها وغرورها وخدعها وأمانيها الكاذبة وَمَا يلقى أَهلهَا غَدا من شدَّة الْحساب وأهوال الْقِيَامَة والناطق عَن الله تَعَالَى عز ذكره يقف بك على تَدْبِير الله تَعَالَى وعَلى سَبِيل الاسْتقَامَة فِي العبودة ويلهيك عَن نَفسك وَعَن الدَّاريْنِ لما يفتح عَلَيْك من منن الله تَعَالَى وإحسانه وَلما يكْشف عَن آلَاء الله من الغيوب المستترة الَّتِي حرم هَذَا الْخلف مَعْرفَتهَا والانتباه لَهَا حَتَّى يؤديك الى سنَن التَّوْحِيد فيرقى بك الى فردانيته فتتفرد للفرد الْوَاحِد وهم الكبراء الَّذين رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ يَا أَبَا جُحَيْفَة جَالس الكبراء وخالل الْحُكَمَاء وَسَائِل الْعلمَاء
فَالْعُلَمَاء بِعلم اموره ينطقون فَالْمَسْأَلَة لَهُم تسائلهم عَن حَلَال الله وَحَرَامه والحكماء بِعلم تَدْبيره ينطقون فالمخاللة لَهُم تخالله وَتصير لَهُ مأمنا فيفضي إِلَيْك حكمته والكبراء بِعلم آلائه ينطقون تكبروا فِي كبرياء الله وعظمته وانفردوا فِي فردانيته واعتزوا بِهِ فرؤيتهم دَوَاء وَكَلَامهم شِفَاء فالمجالسة لهَؤُلَاء فقد جعل الله تَعَالَى فِي الْخَيْر من الْبركَة مَا يغلب الشَّرّ حَيْثُ مَا كَانَ
стр. 364
- الأَصْل الثَّامِن وَالثَّمَانُونَ
-
فِي أَن إِجْمَاع الْأمة حجَّة وَاخْتِلَافهمْ رَحْمَة
عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يجمع الله أمتِي أَو هَذِه الْأمة على ضَلَالَة أبدا وَيَد الله على الْجَمَاعَة هَكَذَا فاتبعوا السوَاد الْأَعْظَم فَإِنَّهُ من شَذَّ شَذَّ فِي النَّار
وعد الله رَسُوله أَن لَا يزَال دينه ظَاهرا على الْأَدْيَان عَالِيا غَالِبا لأَهْلهَا النُّصْرَة مَعَه حَيْثُمَا كَانَ قَالَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله
وَهَذَا الدّين يشْتَمل على الْإِيمَان وَالْإِسْلَام فجملة الْإِيمَان هُوَ الايمان بِاللَّه وَحده لَا شريك لَهُ وبالرسل ﵈ والكتب كلهَا
стр. 365
وَالْمَلَائِكَة وَالْيَوْم الآخر والبعث وَالْجَزَاء وَالْقدر خَيره وشره هَذَا جملَة الْإِيمَان وَجُمْلَة الاسلام هِيَ الصَّلَوَات الْخمس بوضوئها فِي مواقيتها وَالْغسْل من الْجَنَابَة وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج وَتَحْرِيم مَا حرم الله وَتَحْلِيل مَا أحل الله تَعَالَى هَذِه جملَة الْإِسْلَام وَعَلِيهِ السوَاد الْأَعْظَم لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَمن شَذَّ عَن شَيْء مِنْهُ فجحده فقد خرج من الشَّرِيعَة وخاب من الْإِسْلَام وزاغ عَن سَبِيل الْهدى وشذ إِلَى النَّار ثمَّ للْعُلَمَاء مدَاخِل ومقال فِي الْحَوَادِث من طَرِيق الاحكام وَاخْتِلَافهمْ فِيهَا رَحْمَة وَاسِعَة لأمة مُحَمَّد ﷺ من الله تَعَالَى عَلَيْهِم بذلك وَسَهل لَهُم سبل النّظر وَالِاجْتِهَاد فِي الرَّأْي فِيمَا لم يَجدوا فِيهِ تَنْزِيلا وَلَا سنة عَن الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام
стр. 366
- الأَصْل التَّاسِع وَالثَّمَانُونَ
-
فِي صفة الْجنان الْأَرْبَع
عَن عبد الله بن قيس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ جنان الفردوس أَربع جنتان من فضَّة آنيتهما وَمَا فيهمَا وجنتان من ذهب آنيتهما وَمَا فيهمَا وَمَا بَين الْقَوْم وَبَين أَن ينْظرُوا الى رَبهم إِلَّا رِدَاء الْكِبْرِيَاء على وَجهه فِي جنَّة عدن
هَذَا تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان وَقَوله وَمن دونهمَا جنتان وَقد وَصفهم الله تَعَالَى فِي سُورَة الرَّحْمَن وَقَوله مَا بَين الْقَوْم وَبَين أَن ينْظرُوا الى رَبهم إِلَّا رِدَاء الْكِبْرِيَاء فِي جنَّة عدن
стр. 367
فجنة عدن دَار الرَّحْمَن ومقصورته والفردوس جنَّات الْأَوْلِيَاء والأنبياء ﵈ بِقرب جنَّة عدن فعدن كالمدينة والفردوس كالقرى حولهَا فَإِذا تجلى الرب لأهل الفردوس رفع الْحجاب وَهُوَ رِدَاء الْكِبْرِيَاء فَيَنْظُرُونَ الى جَلَاله وجماله فحجابه فِي جنَّات عدن رِدَاء الْكِبْرِيَاء وَفِي الدُّنْيَا النَّار
وَقَالَ ﵇ حجابه النَّار لَو كشفها لأحرقت سبحات وَجهه كل شَيْء أدْركهُ بَصَره
وَهَذَا لِأَن أَيَّام الدُّنْيَا أَيَّام الْملك وَالسُّلْطَان والربوبية وَأَيَّام الْآخِرَة أَيَّام الْمجد وَالْكَرم وَالْبر والمفاوضة فَقَالَ هَهُنَا حجاب وَهُنَاكَ رِدَاء
قَالَ ﵇ ان من أهل الْجنَّة من ينظر الى الله تَعَالَى غدْوَة وعشيا
وَفِي حَدِيث آخر أَن أهل الْجنَّة يزورون فِي كل يَوْم جُمُعَة فَيَنْظُرُونَ إِلَى الله تَعَالَى وَلِلْقَوْمِ فِي ذَلِك منَازِل ودرجات متفاوته
стр. 368
- الأَصْل التِّسْعُونَ
-
فِي الْفرق بَين حسن الْأَشْيَاء عِنْد أولي الْأَلْبَاب وَبَين حسنها عِنْد السُّفَهَاء
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت أهْدى النَّجَاشِيّ إِلَى رَسُول الله ﷺ حلية فِيهَا خَاتم من ذهب فِيهِ فص حبشِي فَأَخذه رَسُول الله ﷺ بِعُود أَو بِبَعْض أَصَابِعه وَإنَّهُ لمعرض عَنهُ ثمَّ دَعَا ابْنة ابْنَته امامة ابْنة أبي الْعَاصِ فَقَالَ (تحلي بِهَذَا يَا بنية)
جعل ﷺ الْحِلْية زِينَة لجوارح الْإِنْسَان فَإِذا لبسهَا زانه لذَلِك وَإِذا زانه حلاه فَصَارَ ذَلِك الْعُضْو أحلى فِي أعين الناظرين وَلذَا سمي حلية لِأَنَّهُ تحلي تِلْكَ الْجَوَارِح فِي أعين الناظرين وَفِي قُلُوبهم قَالَ الله تَعَالَى وتستخرجون مِنْهُ حلية تلبسونها وَهِي اللُّؤْلُؤ فَمَا كَانَ من ذهب فللاناث وَيحرم على الذُّكُور وَمَا كَانَ من فضَّة أَو جَوْهَر فمطلق للرِّجَال وَالنِّسَاء وَقد لبس ﷺ ام خَاتمًا اتَّخذهُ من فضَّة وفصه مِنْهُ
وَعَن نَافِع أَن حَفْصَة زوج النَّبِي ﷺ صاغت حليا بِثَلَاثِينَ ألف
стр. 369
دِرْهَم وَجَعَلته حَبِيسًا على نسَاء آل عمر ﵁ فَلم تكن تُؤدِّي زَكَاته وَقد خلق الله تَعَالَى الْآدَمِيّ خلقا سويا بارزا فَضله قدمه على سَائِر الْخلق فِي أرضه وكل خلق رَبِّي حسن قَالَ الله تَعَالَى أحسن كل شَيْء خلقه
وَظهر حسن الْأَشْيَاء عِنْد أولي الْأَلْبَاب والبصائر والعقول لأَنهم ينظرُونَ إِلَى صنعه فِي الْأُمُور وَأَحْكَامه ولطفه فِي الْأَشْيَاء وَظهر الْحسن عِنْد السُّفَهَاء مَا تحلو فِي نُفُوسهم عِنْد مُوَافقَة شهواتهم فَإِنَّهُم ينظرُونَ بِعَين الشَّهْوَة وَهِي سقيمة والحكماء ينظرُونَ بِعَين الْحِكْمَة وَهِي صَحِيحَة والعارفون ينظرُونَ بِعَين الْمعرفَة إِلَى صنعه ولطفه فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ والزينة والحلية حق وَإِنَّمَا يُفْسِدهَا الْإِرَادَة وَالْقَصْد فَإِذا كَانَ الْإِرَادَة لله تَعَالَى فقد أَقَامَ حَقًا من حُقُوق الله تَعَالَى وَعبد الله باقامته وَإِذا كَانَ لغير الله صَار وبالا كَسَائِر الْأَشْيَاء وَمثل ذَلِك مَا يرْوى أَن جمَاعَة أَتَوْ منزل زَكَرِيَّا ﵇ فَإِذا فتاة جميلَة رائعة أشرق لَهَا الْبَيْت حسنا قَالُوا من أَنْت قَالَت أَنا إمرأة زَكَرِيَّا قَالُوا فِيمَا بَينهم كُنَّا نرى نَبِي الله لَا يُرِيد الدُّنْيَا فَإِذا هُوَ قد اتخذ امْرَأَة جميلَة رائعة قَالُوا فَأَيْنَ هُوَ قَالَت فِي حَائِط آل فلَان يعْمل لَهُ فَأتوهُ فَإِذا هُوَ قرب رغيفين فَأكل وَلم يدعهم ثمَّ قَامَ فَعمل بَقِيَّة عمله وَقَالَ لَهُم حَاجَتكُمْ قَالُوا جِئْنَا لأمر وَلَقَد كَانَ يغلبنا مَا رَأينَا على مَا جِئْنَا لَهُ فَقَالَ هاتوا قَالُوا أَتَيْنَا مَنْزِلك فَإِذا امْرَأَة جميلَة رائعة وَكُنَّا نرى نَبِي الله لَا يُرِيد الدُّنْيَا فَقَالَ إِنِّي إِنَّمَا تزوجت امْرَأَة جميلَة رائعة لأكف بهَا بَصرِي وأحفظ بهَا فَرجي قَالَ فَخرج نَبِي الله مِمَّا قَالُوا وَقَالُوا ورأيناك قربت رغيفين فَأكلت وَلم تدعنا قَالَ إِن الْقَوْم استأجروني على عمل فَخَشِيت أَن أَضْعَف عَن عَمَلهم إِن لم آكل وَلَو أكلْتُم معي لم يكفني وَلم يكفكم فَخرج نَبِي الله مِمَّا قَالُوا
стр. 370
- الأَصْل الْحَادِي وَالتِّسْعُونَ
-
فِي الْخِصَال الْمَنْظُومَة للشكر
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ على الْمِنْبَر يخْطب النَّاس وتلا هَذِه الْآيَة إعملوا آل دَاوُد شكرا وَقَلِيل من عبَادي الشكُور
ثمَّ قَالَ (ثَلَاث من أوتيهن فقد أُوتِيَ مثل مَا أُوتِيَ دَاوُد فَقيل لَهُ مَا هِيَ يَا رَسُول الله قَالَ الْعدْل فِي الرضى وَالْغَضَب وَالْقَصْد فِي الْفقر والغنى وخشية الله فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة)
مَعْنَاهُ أَن هَذِه الْخِصَال منتظمة للشكر من أَتَى الله بِهن فَهُوَ شَاكر وَهُوَ قَوْله ﵇ (ثَلَاث منجيات وَثَلَاث مهلكات فَأَما المنجيات فخشية الله فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة وَالْحكم بِالْحَقِّ عِنْد الرضى وَالْغَضَب والاقتصاد عِنْد الْفقر والغنى وَأما المهلكات فشح مُطَاع وَهوى مُتبع وَإِعْجَاب الْمَرْء بِنَفسِهِ)
стр. 371
وَقد أَمر الله آل دَاوُد أَن يعملوا شكرا أَي يعملوا عملا يكون ذَلِك الْعَمَل شكرا لما آتَاهُم من النعم وفضلهم بهَا فأجمل ﵇ لهَذِهِ الْأمة فِي ثَلَاث خِصَال فَقَالَ من أوتيهن فقد أُوتِيَ الشُّكْر فَهُوَ شَاكر كشكر آل دَاوُد ﷺ وَيجوز أَن يكون مَعْنَاهُ أَن الْأَشْيَاء الَّتِي أَعْطَيْت دَاوُد وَسليمَان ﵉ فاستعملاها من أَجلي شكرا لي وَلم يبطروا بِهَذِهِ النِّعْمَة فيغفلوا عني بل صيروا اسْتِعْمَالهَا لي فَصَارَ شكرا وَإِذا أُوتِيَ العَبْد هَذِه الْخِصَال الثَّلَاث قوي على مَا قوي عَلَيْهِ آل دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام
стр. 372
- الأَصْل الثَّانِي وَالتِّسْعُونَ
-
فِي الْحَث على ترك مَا لَا يَعْنِي
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من حسن إِسْلَام الْمَرْء تَركه مَا لَا يعنيه)
الْأَشْيَاء لَا تكون قبيحة وَلَا حَسَنَة فِي نَفسهَا وَإِنَّمَا تحسن وتقبح بِالشَّرْعِ وَلِهَذَا كَانَ فِيمَا تقدم من الشَّرَائِع أَفعَال قد أطلق الله تَعَالَى فِيهَا فَكَانَ غير قَبِيح فَلَمَّا حرمه حل بِهِ الْقبْح كَنِكَاح الْأَخَوَات وَالْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ كَانَ مُطلقًا وَكَانَ حسنا فَلَمَّا حرمهَا صَارَت فَاحِشَة ومقتا وَالْمُسلم قد اعْتقد بِقَلْبِه وحدانية الله تَعَالَى لَا شريك لَهُ وعرفه رَبًّا أسلم نَفسه إِلَيْهِ وَصَارَ لَهُ عبدا بِكُل مَا يَأْمر وَينْهى وَيحكم ويشاء فامرهم بِالْحَقِّ وزجرهم من الْبَاطِل وَبَين الْحق وَالْبَاطِل
стр. 373
فِي تَنْزِيله الْكَرِيم فَكل شَيْء يعرض لِلْمُؤمنِ فَلم يعنه تَركه من فضول الْأَشْيَاء وفضول الطَّعَام وفضول الْكَلَام وفضول المَال وفضول الْأَعْمَال والأمور الَّتِي لَهُ مِنْهَا يَد وغنى فَترك هَذِه الفضولات دَلِيل على حسن إِسْلَام نَفسه إِلَى ربه وبذله عبودية لَهُ
стр. 374
- الأَصْل الثَّالِث وَالتِّسْعُونَ
-
فِي التَّعَوُّذ بِنِسْبَة الْحق تَعَالَى
عَن عُثْمَان ﵁ قَالَ دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ يعودنِي فَقَالَ أُعِيذك بِاللَّه الْأَحَد الصَّمد الَّذِي لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد من شَرّ مَا تَجِد فرددها سبعا فَلَمَّا أَرَادَ الْقيام قَالَ (تعوذ بهَا فَمَا تعوذ بِخَير مِنْهَا يَا عُثْمَان فَمن تعوذ بهَا فقد تعوذ بِمَا يعدل ثلث الْقُرْآن وبنسبة الله تَعَالَى الَّتِي رضيها لنَفسِهِ)
стр. 375
- الأَصْل الرَّابِع وَالتِّسْعُونَ
-
فِي حِكْمَة الله تَعَالَى فِيمَا نهى عَن قَتله وَأمر بقتْله
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ نهى رَسُول الله ﷺ عَن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد
خلق الله تَعَالَى فِي الأَرْض أمما ثمَّ خلق آدم ﵇ وأبرز فَضله على سَائِر الْبَريَّة بِأَن سخر لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض قَالَ الله تَعَالَى ﴿خلق لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا﴾ بِأَن فضل الْآدَمِيّ على سَائِر الْأُمَم قَالَ الله تَعَالَى وَلَقَد كرمنا بني آدم الْآيَة
وَعَن عمر ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (إِن الله تَعَالَى خلق ألف أمة سِتّمائَة فِي الْبَحْر وَأَرْبَعمِائَة فِي الْبر وَإِن
стр. 376
أول هَلَاك هَذِه الْأمة الْجَرَاد فَإِذا هَلَكت الْجَرَاد تتابعته الْأُمَم مثل نظام السلك إِذا انْقَطع)
وَإِنَّمَا تهْلك الْأُمَم لهلاك الْآدَمِيّين لِأَنَّهَا سخرت لَهُم وَمن فضل الْآدَمِيّين على سَائِر الْأُمَم أَن جَمِيعهَا يعودون تُرَابا يَوْم الْقِيَامَة والآدميون يوقفون للثَّواب وَالْعِقَاب والآدميون وَغَيرهم من الْأُمَم جَوَاهِر على اخْتِلَاف تربَتهَا الَّتِي مِنْهَا خلقت وَقَالَ ﷺ (إِن الله تَعَالَى خلق آدم من قَبْضَة قبضهَا من جَمِيع الأَرْض فجَاء بَنو آدم على قدر الأَرْض جَاءَ مِنْهُم الْأَحْمَر وَالْأسود والأبيض والسهل والحزن والخبيث وَالطّيب)
فَكَمَا ترى فِي بني آدم جواهرهم حَتَّى يظْهر مِنْهُم معالي الْأَخْلَاق ومدانيها كَذَلِك فِي سَائِر هَذِه الْأَشْيَاء من الدَّوَابّ والوحوش وَالطير فالحية أبدت جوهرها حَيْثُ خانت آدم ﵇ حَتَّى لعنت وأخرجت من الْجنَّة فَأمر رَسُول الله ﷺ بقتلها وَقَالَ (اقتلوها وَإِن كُنْتُم فِي الصَّلَاة) والوزغة أبدت جوهرها فنفخت على نَار نمْرُود عَلَيْهِ اللَّعْنَة فلعنت
قَالَ ﵇ (من قتل وزغة فَكَأَنَّمَا قتل كَافِرًا)
والفأر أبدت جوهرها فَكُن يقرضن حبال سفينة نوح عَلَيْهِ السَّلَام
стр. 377
فَشكى نوح إِلَى الله تَعَالَى فَأوحى إِلَيْهِ أَن امسح جبهة الْأسد فعطس فَخرج سنوران فأكلا الفار ثمَّ كثرت الْعذرَة فِي السَّفِينَة فَأوحى إِلَيْهِ أَن امسح ذَنْب الْفِيل فنثر خنزيران فاكلا الْعذرَة والغراب أبدى جوهره حَيْثُ بَعثه نوح ﵇ من السَّفِينَة ليَأْتِيه بِخَبَر الأَرْض فَترك أمره وَأَقْبل على جيفة وَالْحمار أبدى جوهره حَيْثُ تلوط ونزا على ذكر
قَالَ ابْن سِيرِين لَيْسَ شَيْء من الدَّوَابّ يعْمل عمل قوم لوط إِلَّا الْخِنْزِير وَالْحمار والضفدع أبدى جوهره حَيْثُ جَاءَ بِالْمَاءِ ليطفىء عَن إِبْرَاهِيم ﵇ ناره فأثيب أَن جعل مَكَانَهُ المَاء وَأَنَّهَا أَكثر الدَّوَابّ تسبيحا والنملة أبدت جوهرها حَيْثُ أثنت على سُلَيْمَان ﵇ فَقَالَت ﴿لَا يحطمنكم سُلَيْمَان وَجُنُوده وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ والنحلة مَذْكُورَة فِي التَّنْزِيل قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَن اتخذي من الْجبَال بُيُوتًا﴾
والهدهد كَانَ رَسُول سُلَيْمَان ﵇ الي بلقيس وحامل كِتَابه والمؤدي عَنْهَا خَبَرهَا إِلَى سُلَيْمَان ﵇ والصرد يُقَال لَهُ صرد الصوام
قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أول طير صَامَ الصرد لما خرج إِبْرَاهِيم ﵇ من الشَّام إِلَى الْحرم فِي بِنَاء الْبَيْت كَانَت السكينَة مَعَه والصرد وَكَانَ الصرد دَلِيله إِلَى الْموضع والسكينة مِقْدَاره فَلَمَّا صَار إِلَى الْبقْعَة وقفت السكينَة على مَوضِع الْبَيْت وَنَادَتْ ابْن يَا إِبْرَاهِيم على مِقْدَار ظِلِّي
نهى عَن قتل النملة لِأَنَّهَا أثنت على سُلَيْمَان ﵇ بأبلغ مَا تقدر وَنهى عَن قتل النَّحْل لِأَن فِيهِ شِفَاء
стр. 378
قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ الذبان كلهَا فِي النَّار يَجْعَلهَا عذَابا لأهل النَّار إِلَّا النَّحْل
وَنهى عَن قتل العنكبوت لِأَنَّهُ نسج على غَار رَسُول الله ﷺ وَعَن الهدهد لِأَنَّهُ كَانَ دَلِيل سُلَيْمَان ﵇ على المَاء وَعَن الضفدعة لِأَنَّهَا كَانَت تصب المَاء على نَار إِبْرَاهِيم ﵇ وَعَن الصرد لِأَنَّهُ دلّ إِبْرَاهِيم ﵇ على الْبَيْت فقد علم الله سُبْحَانَهُ من جَوَاهِر هَذَا الْخلق فَاخْتَارَ لمحبوبه من الْأُمُور من قد علم طيب جوهره وَأظْهر الْآخرُونَ بأفعالهم خبث جواهرهم مثل الْفَأْرَة والغراب والوزغة والحية وَيحل قَتلهَا من غير أَذَى فَأَما غير ذَلِك إِذا آذَى فَيحل قَتله وَدفع شَره عَن نَفسه
وَعَن زيد قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا تسبوا الديك فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الصَّلَاة)
стр. 379
- الأَصْل الْخَامِس وَالتِّسْعُونَ
-
فِي سر قَوْله تَعَالَى ﴿من يعْمل سوءا يجز بِهِ وَلَا يجد لَهُ من دون الله وليا وَلَا نَصِيرًا﴾
عَن حَيَّان قَالَ صَحِبت ابْن عمر من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة فَقَالَ لنافع لَا تمر بِي على المصلوب يَعْنِي ابْن الزبير قَالَ فَمَا فجئه فِي جَوف اللَّيْل أَن صك محمله جذعه فَجَلَسَ يمسح عَيْنَيْهِ ثمَّ قَالَ يَرْحَمك الله أَبَا خبيب ان كنت وان كنت وَلَقَد سَمِعت أَبَاك الزبير يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ من يعْمل سوء يجز بِهِ فِي الدُّنْيَا أَو فِي الْآخِرَة فَإِن يَك هَذَا بِذَاكَ فهمه همه قَالَ الله تَعَالَى ﴿من يعْمل سوءا يجز بِهِ﴾ وَهَذَا عَام
ثمَّ ميز رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يجز بِهِ فِي الدُّنْيَا أَو الْآخِرَة وَلَيْسَ يجمع الْجَزَاء فِي الموطنين
وَرُوِيَ أَنه لما نزل قَوْله تَعَالَى ﴿من يعْمل سوءا يجز بِهِ﴾ قَالَ أَبُو بكر ﵁ يَا رَسُول الله مَا هَذِه بِبَقِيَّة منا قَالَ يَا أَبَا بكر إِنَّمَا يجزى بِهِ الْمُؤمن فِي الدُّنْيَا ويجزى بهَا الْكَافِر يَوْم الْقِيَامَة
стр. 380
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى قَالَ أَلَسْت تنصب أَلَسْت تحزن أَلَسْت تصيبك اللأواء قَالَ بلَى قَالَ فَذَلِك مَا تُجْزونَ بِهِ
وَقَول ابْن عمر ان يَك هَذَا بِذَاكَ فهمه همه فَإِن ابْن الزبير قَاتل فِي حرم الله وأحدث فيهمَا حَدثا عَظِيما حَتَّى أحرق الْبَيْت وَرمى الْحجر الْأسود بالمنجنيق فانصدع حَتَّى ضبب بِالْفِضَّةِ فَهُوَ إِلَى يَوْمنَا كَذَلِك وَسمع للبيت أنينا آه آه
وَقد قَالَ ﵇ يَوْم فتح مَكَّة إِنَّهَا لَا تحل لأحد بعدِي وَإِنَّمَا احلت لي سَاعَة من نَهَار وانها حرمت يَوْم خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض
فَلَمَّا رأى ابْن عمر فعله ثمَّ رَآهُ مصلوبا ذكر قَول رَسُول الله ﷺ فَقَالَ ذَلِك وَذَلِكَ لِأَن الْمُؤمن من يجزى بالسوء فِي الدُّنْيَا بِالنّصب والتعب ونوائب الدُّنْيَا الْحزن وَالْغَم وَالْكَافِر يُصِيبهُ ذَلِك وَلَيْسَ ذَاك جَزَاء لَهُ بالسوء الَّذِي قد عمل وادخر جَزَاؤُهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لِأَن جَمِيع مَا يُصِيب الْكَافِر من المصائب لَا يصبر فِيهَا وَإِن صَبر فصبره تجلد لَا حسبَة وَتَسْلِيم وَالْمُؤمن فِي كل ذَلِك صابر محتسب مذعن وَالْكَافِر ساخط على ربه مُضْمر على عداوته لِأَن الْمُؤمن حبب إِلَيْهِ الْإِيمَان وزين فِي قلبه فالتذت نَفسه وَطَابَتْ فلَان الْقلب ورق الْفُؤَاد وراحت النَّفس وَطَابَتْ بلذتها فانقاد لَهُ واستسلم وَأُلْقِي بيدَيْهِ سلما فان جَاءَتْهُ أَحْوَال المكاره تحملهَا وَهُوَ فِي ذَلِك رَاض عَنهُ طيب النَّفس يحمده بِلِسَانِهِ ويرجوه بِقَلْبِه وَطَابَتْ نَفسه بِمَا يرى من رَحْمَة
стр. 381
الله تَعَالَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قد محصه وطهره وَإِذا خرج من الدُّنْيَا انْقَطع رجاؤه من جَمِيع الْخلق وَكَانَ مُتَعَلق رجائه خالقه فَإِذا أعْطى صَحِيفَته يَوْم الْقِيَامَة فَأتى على سيئاته قيل لَهُ تجَاوز عَن قرَاءَتهَا فقد تجاوزنا عَنْك بِمَا أَصَابَك فِي الدُّنْيَا
قَالَ ﷺ (مَا من شَيْء يُصِيب الْمُؤمن من حزن وَلَا نصب وَلَا وصب حَتَّى الْهم يهمه إِلَّا أَن الله تَعَالَى يكفر عَنهُ سيئاته)
وَفِي رِوَايَة عَائِشَة ﵂ قَالَ ﷺ (لَا تصيب الْمُؤمن شَوْكَة فَمَا فَوْقهَا إِلَّا رَفعه الله بهَا دَرَجَة أَو حط عَنهُ خَطِيئَة)
وَمن هَهُنَا قيل إِن الْمَرَض إِذا كَانَ عُقُوبَة لَا يقبل الدَّوَاء لِأَنَّهُ قد جوزي بهَا فِي الدُّنْيَا
قَالَ النَّبِي ﷺ (مَا أنزل الله من دَاء إِلَّا أنزل لَهُ دَوَاء فَإِذا كَانَت عُقُوبَة فَلَا دَوَاء لَهُ حَتَّى تَنْقَضِي مُدَّة الْعقُوبَة وَينزل الْعَفو إِن شَاءَ الله تَعَالَى)
стр. 382
- الأَصْل السَّادِس وَالتِّسْعُونَ
-
فِي الْقبْلَة وتقبيل الباكورة
عَن أنس ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا أُتِي بالباكورة من كل شَيْء قبلهَا ووضعها على عينه الْيُمْنَى ثَلَاثًا ثمَّ على عينه الْيُسْرَى ثَلَاثًا ثمَّ يَقُول (اللَّهُمَّ كَمَا بلغتنا أَولهَا فَبَلغنَا آخرهَا ثمَّ يُعْطِيهَا أَصْغَر الْولدَان)
الْقبْلَة على وُجُوه قبْلَة شَهْوَة وقبلة رَحْمَة وقبلة حنين وقبلة اشتياق وَكلهَا عبَادَة إِذا أُرِيد بهَا وَجه الله تَعَالَى وَأَصلهَا من الْقلب لِأَن الرأفة وَالرَّحْمَة معدنهما الْقلب ثمَّ تصير الرَّحْمَة مِنْهَا إِلَى الكبد والرأفة إِلَى الطحال وَلذَلِك قَالَ عَليّ كرم الله وَجهه الرَّحْمَة فِي الكبد والرأفة فِي الطحال
فَإِذا تقلب الْقلب بِمَا فِيهِ من الرأفة فارت الرأفة وَإِنَّمَا قيل رأفة
стр. 383
لِأَنَّهُ يرؤف ويفور بحرارته والرؤف والفؤر بِمَعْنى وَاحِد وَإِذا فار خرجت حرارته من فَم الْقلب إِلَى الصَّدْر وفار إِلَى الْحلق فَاسْتعْمل الشفتين بذلك وَهُوَ تقبيلهما لتقليب الْقلب بالرأفة فَقبل وَقبل وقلب بِمَعْنى وَاحِد إلاأن فِي الشفتين قبل وَفِي الْقلب قلب وَإِنَّمَا يفور ذَلِك من نور الْإِيمَان وَكَانَت الْأَنْبِيَاء ﵈ أعظم نورا وأوفر حظا من الرأفة إِذا عرفت هَذَا فقبلة الشَّهْوَة للزَّوْجَة وَذَاكَ من الرَّحْمَة والمودة الَّتِي جعلت بَين الزَّوْجَيْنِ قَالَ الله تَعَالَى وَجعل بَيْنكُم مَوَدَّة وَرَحْمَة
والرأفة وَالرَّحْمَة يهيجان الشَّهْوَة لِأَنَّهَا حارة وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يقبل عَائِشَة ويمص لسانها وَهُوَ صَائِم وَأما قبْلَة الرَّحْمَة فَهِيَ للولدان وَمن أشبههم وَإِذا قبله فَمن رَحمته لَهُ من لِأَنَّهُ ريحَان الله تَعَالَى وَكَانَ يستروح إِلَى تَقْبِيل الْوَلَد
قَالَ ﷺ حِين قبل الْحسن (إِنَّكُم لتبخلون أَو تجهلون وتجبنون وَأَنْتُم لمن ريحَان الله تَعَالَى) وَفِي رِوَايَة (من ريحَان الْجنَّة)
وَأما قبْلَة الحنين فَهِيَ للحجر الْأسود فَكَانَ إِذا قبل الْحجر قبله حنينا إِلَى الْجنَّة لِأَنَّهُ من الْجنَّة وَالْجنَّة دَار الله تَعَالَى وَإِنَّمَا يحن الْأَنْبِيَاء ﵈ إِلَى دَار الله تَعَالَى لأجل الله لَا من أجل التنعم قَالَ ﷺ لعمر حِين قبل الْحجر وَبكى هَهُنَا تسكب العبرات وَأما قبْلَة الاشتياق فَهِيَ للباكورة لِأَنَّهُ يرى أثر صنعه لِعِبَادِهِ فَأول مَا تخرج الثَّمَرَة طريا لم تدنس بظلمة الدُّنْيَا وَهُوَ فلقها قَالَ الله تَعَالَى ﴿فالق الْحبّ والنوى﴾
стр. 384
فَإِذا رأى الباكورة وَهُوَ الَّذِي قد ابتكر بِخُرُوجِهِ تحرّك نور الْإِيمَان بِمَا أبْصر من صنعه ولطفه فَانْقَلَبَ بالرأفة الَّتِي فِيهِ فانفلق الْقلب أَي فتح بَابه فَخرجت تِلْكَ الْحَرَارَة من الْقلب إِلَى الْفَم فَاسْتعْمل الشفتين بالحركة فيقبلها ثمَّ يَضَعهَا على عينه وأشفاره إِكْرَاما وتعظيما لَهُ ثمَّ يَدْعُو بذلك الدُّعَاء ثمَّ يُعْطِيهَا من لم يتدنس بِالذنُوبِ وَهُوَ الصَّبِي لِأَن الْقَلَم عَنهُ مَرْفُوع وَالرَّحْمَة عَلَيْهِ ظَاهِرَة وَلَا يُؤَاخذ بذنب
стр. 385
- الأَصْل السَّابِع وَالتِّسْعُونَ
-
فِي أَن رَهْبَانِيَّة هَذِه الْأمة الْجِهَاد فِي سَبِيل الله تَعَالَى
عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لكل أمة رَهْبَانِيَّة ورهبانية أمتِي الْجِهَاد فِي سَبِيل الله)
فالرهبانية والسياحة قد كَانَت فِي الْأُمَم الْمَاضِيَة كَانَ أحدهم إِذا علاهُ الْخَوْف والرهبة من الله تَعَالَى ساح فِي البراري وَاتخذ صومعة فِي بَريَّة فترهب بهَا لتدوم رهبته فِي تِلْكَ الْعُزْلَة ليستعين بهَا على بذل النَّفس لله تَعَالَى عبودة وَأعْطى الله تَعَالَى هَذِه الْأمة السَّيْف يضْربُونَ بِهِ وُجُوه أعدائه ويضربون قَالَ الله تَعَالَى ﴿يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله فيقتلون وَيقْتلُونَ﴾
وَهَذِه أعظم الامتحان فِي بذل النَّفس فَمن تلقى سيوف الْعَدو بِوَجْهِهِ فقد صدق الله تَعَالَى فِي بذل النَّفس لَهُ عبودة فَهِيَ رَهْبَانِيَّة هَذِه الْأمة ورسولنا ﷺ مَبْعُوث بِالْجِهَادِ وَالْحَرب عَن الله تَعَالَى حمية لَهُ ونصرة لحقه وكلمته الْعليا قَالَ ﷺ (إِن الله تَعَالَى
стр. 386
بَعَثَنِي بِالسَّيْفِ بَين يَدي السَّاعَة حَتَّى يعبد الله وَحده لَا شريك لَهُ وَجعل رِزْقِي تَحت ظلّ رُمْحِي وَجعل الذلة على من خَالف أَمْرِي وَمن تشبه بِقوم فَهُوَ مِنْهُم)
стр. 387
- الأَصْل الثَّامِن وَالتِّسْعُونَ
-
فِي دَعْوَة المغموم
عَن سعد بن أبي وَقاص ﵁ قَالَ ذكر رَسُول الله ﷺ دَعْوَة فَشَغلهُ إعربي فَلَمَّا قَامَ تَبعته فَلَمَّا خفت أَن يسبقني إِلَى بَيته ضربت بقدمي على الأَرْض فَالْتَفت فَقَالَ أَبُو إِسْحَاق مَه قلت يَا رَسُول الله دَعْوَة ذكرتها فشغلك الإعرابي قَالَ (نعم دَعْوَة ذِي النُّون فِي بطن الْحُوت لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين مَا دَعَا بهَا مُسلم إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ)
العَبْد إِذا وَحده وَنفى عَنهُ الشّرك ثمَّ نزهه عَمَّا رَآهُ عَلَيْهِ من السوء واعترف بِأَنَّهُ من الظَّالِمين تكرم عَلَيْهِ ربه وتفضل على العَبْد فَلم يخيبه فِيمَا أمل وَرَجا وَكَذَلِكَ وعد الله فِي تَنْزِيله الْكَرِيم فَقَالَ وَذَا النُّون إِذا ذهب مغاضبا الْآيَة
стр. 388
- الأَصْل التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ
-
فِي أَن هدى الله تَعَالَى على لِسَان الناطقين بِالْحَقِّ
عَن أبي رَافع ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لِأَن يهدي الله على يَديك رجلا خير لَك مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس)
الْهدى على يَدَيْهِ شُعْبَة من الرسَالَة لِأَن الرُّسُل ﵈ بعثت لتؤدي عَن الله تَعَالَى وتهدي عباده فالرسول هاد بِمَا جَاءَ من الْبَيَان وَالله هادي الْقُلُوب يهدي الْقُلُوب بِمَا يهدي رَسُوله بالْمَنْطق بَيَانا وَأَدَاء عَنهُ فَمن كَانَ دَاعيا إِلَى الله فهدى الله بِهِ عبدا فقد أَخذ شُعْبَة من الرسَالَة واحتظى من ثَوَاب الرُّسُل حظا من الْكَرَامَة فَلذَلِك صَار خيرا لَهُ مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس قَالَ الله تَعَالَى (يَا دَاوُد لِأَن تَأتِينِي بِعَبْد آبق أحب إِلَيّ من عبَادَة الثقلَيْن)
وَإِذا هدى الله تَعَالَى قلبا على لِسَان نَاطِق بِالْهدى فقد أكْرم النَّاطِق بجزيل الْكَرَامَة فَمن إِحْدَى الكرامات أَن جعل لكَلَامه حكم الصدْق وَالْعَدَالَة فِي الْقُلُوب وكساه من النُّور كسْوَة تلج آذان السامعين من
стр. 389
تِلْكَ الْكسْوَة فتخرق حجب الشَّهَوَات حَتَّى تصل إِلَى مُسْتَقر الْإِيمَان من قُلُوبهم فيحيي مَا مَاتَ مِنْهُم ويشفي مَا سقم مِنْهُم وَجعل لَهُ من السُّلْطَان مَا يذهل نفوس المخاطبين عَن شهواتهم فَيَأْخُذ بنواصي قُلُوب العبيد الاباق فيردهم إِلَى الله تَعَالَى جذبا وَجعله من العملة الحرثة للقلوب يبذر بذره فيزرعه الله وينميه
وروى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من أفضل مَا أعطي العَبْد فِي الدُّنْيَا الْعَافِيَة وَمن أفضل مَا أعطي العَبْد فِي الْآخِرَة الْمَغْفِرَة وَمن أفضل مَا أعطي العَبْد من نَفسه موعظة حسنه صدر بهَا قوم عَن خير)
стр. 390
- الأَصْل الْمِائَة
-
فِي حَقِيقَة النصح لله تَعَالَى وَبَيَان سره
عَن أبي أُمَامَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ قَالَ الله أحب مَا تعبدني بِهِ عَبدِي النصح لي
فالنصح لَهُ الاقبال عَلَيْهِ بالعبودية وَأَن يرفض جَمِيع مشيئاته بِمَشِيئَة مَوْلَاهُ وَأَن لَا يخلط بالعبودية شَيْئا من شَأْن الْأَحْرَار وأفعالهم فَيكون فِي سره وعلانيته قد آثر أَمر الله تَعَالَى على هَوَاهُ وآثر حق الله الْكَرِيم على شهوات نَفسه فَهَذَا هُوَ النصح لله تَعَالَى
رُوِيَ أَبُو امامة ﵁ قَالَ قَالَ الحواريون لعيسى بن مَرْيَم ﵇ مَا الناصح لله قَالَ الَّذِي يبْدَأ بِحَق الله قبل حق النَّاس ويؤثر حق الله تَعَالَى على حق النَّاس وَإِذا عرض أَمْرَانِ أَحدهمَا للدنيا وَالْآخر للآخرة بَدَأَ بِأَمْر الْآخِرَة قبل أَمر الدُّنْيَا
وَهَذَا دَرَجَة الْمُقْتَصِدِينَ وَأما المقربون فقد جاوزوا هَذِه الخطة بِجَمِيعِ
следующие страницы →