Полный текст (1 237 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
بَعَثَنِي بِالسَّيْفِ بَين يَدي السَّاعَة حَتَّى يعبد الله وَحده لَا شريك لَهُ وَجعل رِزْقِي تَحت ظلّ رُمْحِي وَجعل الذلة على من خَالف أَمْرِي وَمن تشبه بِقوم فَهُوَ مِنْهُم)
стр. 387
- الأَصْل الثَّامِن وَالتِّسْعُونَ
-
فِي دَعْوَة المغموم
عَن سعد بن أبي وَقاص ﵁ قَالَ ذكر رَسُول الله ﷺ دَعْوَة فَشَغلهُ إعربي فَلَمَّا قَامَ تَبعته فَلَمَّا خفت أَن يسبقني إِلَى بَيته ضربت بقدمي على الأَرْض فَالْتَفت فَقَالَ أَبُو إِسْحَاق مَه قلت يَا رَسُول الله دَعْوَة ذكرتها فشغلك الإعرابي قَالَ (نعم دَعْوَة ذِي النُّون فِي بطن الْحُوت لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين مَا دَعَا بهَا مُسلم إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ)
العَبْد إِذا وَحده وَنفى عَنهُ الشّرك ثمَّ نزهه عَمَّا رَآهُ عَلَيْهِ من السوء واعترف بِأَنَّهُ من الظَّالِمين تكرم عَلَيْهِ ربه وتفضل على العَبْد فَلم يخيبه فِيمَا أمل وَرَجا وَكَذَلِكَ وعد الله فِي تَنْزِيله الْكَرِيم فَقَالَ وَذَا النُّون إِذا ذهب مغاضبا الْآيَة
стр. 388
- الأَصْل التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ
-
فِي أَن هدى الله تَعَالَى على لِسَان الناطقين بِالْحَقِّ
عَن أبي رَافع ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لِأَن يهدي الله على يَديك رجلا خير لَك مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس)
الْهدى على يَدَيْهِ شُعْبَة من الرسَالَة لِأَن الرُّسُل ﵈ بعثت لتؤدي عَن الله تَعَالَى وتهدي عباده فالرسول هاد بِمَا جَاءَ من الْبَيَان وَالله هادي الْقُلُوب يهدي الْقُلُوب بِمَا يهدي رَسُوله بالْمَنْطق بَيَانا وَأَدَاء عَنهُ فَمن كَانَ دَاعيا إِلَى الله فهدى الله بِهِ عبدا فقد أَخذ شُعْبَة من الرسَالَة واحتظى من ثَوَاب الرُّسُل حظا من الْكَرَامَة فَلذَلِك صَار خيرا لَهُ مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس قَالَ الله تَعَالَى (يَا دَاوُد لِأَن تَأتِينِي بِعَبْد آبق أحب إِلَيّ من عبَادَة الثقلَيْن)
وَإِذا هدى الله تَعَالَى قلبا على لِسَان نَاطِق بِالْهدى فقد أكْرم النَّاطِق بجزيل الْكَرَامَة فَمن إِحْدَى الكرامات أَن جعل لكَلَامه حكم الصدْق وَالْعَدَالَة فِي الْقُلُوب وكساه من النُّور كسْوَة تلج آذان السامعين من
стр. 389
تِلْكَ الْكسْوَة فتخرق حجب الشَّهَوَات حَتَّى تصل إِلَى مُسْتَقر الْإِيمَان من قُلُوبهم فيحيي مَا مَاتَ مِنْهُم ويشفي مَا سقم مِنْهُم وَجعل لَهُ من السُّلْطَان مَا يذهل نفوس المخاطبين عَن شهواتهم فَيَأْخُذ بنواصي قُلُوب العبيد الاباق فيردهم إِلَى الله تَعَالَى جذبا وَجعله من العملة الحرثة للقلوب يبذر بذره فيزرعه الله وينميه
وروى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من أفضل مَا أعطي العَبْد فِي الدُّنْيَا الْعَافِيَة وَمن أفضل مَا أعطي العَبْد فِي الْآخِرَة الْمَغْفِرَة وَمن أفضل مَا أعطي العَبْد من نَفسه موعظة حسنه صدر بهَا قوم عَن خير)
стр. 390
- الأَصْل الْمِائَة
-
فِي حَقِيقَة النصح لله تَعَالَى وَبَيَان سره
عَن أبي أُمَامَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ قَالَ الله أحب مَا تعبدني بِهِ عَبدِي النصح لي
فالنصح لَهُ الاقبال عَلَيْهِ بالعبودية وَأَن يرفض جَمِيع مشيئاته بِمَشِيئَة مَوْلَاهُ وَأَن لَا يخلط بالعبودية شَيْئا من شَأْن الْأَحْرَار وأفعالهم فَيكون فِي سره وعلانيته قد آثر أَمر الله تَعَالَى على هَوَاهُ وآثر حق الله الْكَرِيم على شهوات نَفسه فَهَذَا هُوَ النصح لله تَعَالَى
رُوِيَ أَبُو امامة ﵁ قَالَ قَالَ الحواريون لعيسى بن مَرْيَم ﵇ مَا الناصح لله قَالَ الَّذِي يبْدَأ بِحَق الله قبل حق النَّاس ويؤثر حق الله تَعَالَى على حق النَّاس وَإِذا عرض أَمْرَانِ أَحدهمَا للدنيا وَالْآخر للآخرة بَدَأَ بِأَمْر الْآخِرَة قبل أَمر الدُّنْيَا
وَهَذَا دَرَجَة الْمُقْتَصِدِينَ وَأما المقربون فقد جاوزوا هَذِه الخطة بِجَمِيعِ
стр. 391
أُمُورهم كلهَا للآخرة لِأَنَّهَا صَارَت لله تَعَالَى وَقد مَاتَت نُفُوسهم عَن أَن تَأْخُذ بحظها من الْأَعْمَال وحيت قُلُوبهم بِاللَّه تَعَالَى فَاسْتَوَى عِنْدهم عمل الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَحُقُوق الله تَعَالَى وَحُقُوق النَّاس فَصَارَت كلهَا حُقُوق الله تَعَالَى عِنْدهم وَلِهَذَا كَانَ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِل أُمَامَة بنت زَيْنَب فَإذْ سجد وَضعهَا وَإِذا قَامَ رَفعهَا
وروى شَدَّاد بن الْهَادِي عَن أَبِيه قَالَ خرج علينا رَسُول الله ﷺ فِي إِحْدَى صَلَاتي الْعشَاء وَهُوَ حَامِل إِحْدَى ابْني ابْنَته الْحسن أَو الْحُسَيْن فَتقدم فَوَضعه عِنْد قدمه الْيُمْنَى ثمَّ صلى فَسجدَ بَين ظهراني صلَاته سَجْدَة أطالها قَالَ أبي فَرفعت رَأْسِي من بَين النَّاس وَإِذا رَسُول الله ﷺ ساجد وَإِذا الْغُلَام على ظَهره فعدت فسجدت فَلَمَّا قضى صلَاته قيل يَا رَسُول الله لقد سجدت سَجْدَة مَا كنت تسجدها أفشيء أمرت بِهِ أم كَانَ يوحي إِلَيْك قَالَ كل لم يكن وَلَكِن ابْني ارتحلني فَكرِهت أَن أعجله حَتَّى يقْضِي حَاجته
وَعَن عَلْقَمَة قَالَ قدم وَفد ثَقِيف على رَسُول الله ﷺ وَمَعَهُمْ هَدِيَّة فقبضها ثمَّ جَلَسُوا وشغلوه بِالْمَسْأَلَة فَمَا صلى الظّهْر إِلَّا عِنْد الْعَصْر فالأنبياء والأولياء المقربون ﵈ قد تخلصوا من نُفُوسهم فأعمالهم خَالِصَة لله تَعَالَى دنيا كَانَت أَو آخِرَة حق الله تَعَالَى كَانَ أَو حق النَّاس لِأَن الْأُمُور قد صَارَت لَهُم مُعَاينَة بِنور يقينهم وَعَلمُوا أَن الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لله تَعَالَى وَأَن حق النَّاس هُوَ حق الله تَعَالَى أوجبه عَلَيْهِم وهم فِي قَبْضَة الله تَعَالَى يستعملهم فِي أُمُور دنياهم وأخراهم وحقوقه وَحُقُوق النَّاس كَيفَ شَاءَ وَقد فارقهم المقتصدون فِي ذَلِك لأَنهم قد احتاجوا إِلَى تَقْدِيم الْأَمريْنِ وتمييز الْحَقَّيْنِ لأَنهم لما يفارقوا
стр. 392
أنفسهم فَأَي عمل عملوه من دنيا وآخرة فحظوظ نُفُوسهم فِيهَا قَائِمَة لِأَن شهواتهم عاملة تَأْخُذ بحظها فَإِذا اجْتمع عَلَيْهِم أَمْرَانِ أَحدهمَا للدنيا وَالْآخر للآخرة أَو حقان أَحدهمَا لله تَعَالَى وَالْآخر للنَّاس فشهواتهم عاملة فِي أَمر دنياهم منزوعة فِي أَمر آخرتهم فَمن نصيحتهم لله تَعَالَى أَن يؤثروا الْأَمر الَّذِي لَا شَهْوَة لنفوسهم فِيهِ ويؤخروا مَا فِيهِ حَظّ للنَّفس
كَمَا يرْوى عَن أم سَلمَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت يَا رَسُول الله إِن بني أبي سَلمَة فِي حجري وَلَيْسَ لَهُم شَيْء إِلَّا مَا أنفقت عَلَيْهِ أفلي أجر إِن أنفقت عَلَيْهِم فَقَالَ ﷺ أنفقي عَلَيْهِم فَإِن لَك أجر مَا أنفقت عَلَيْهِم
فَإِذن المقتصد إِذا صلى أَو قَرَأَ الْقُرْآن أَو عمل شَيْئا من هَذِه الْأَعْمَال عدهَا آخِرَة وَإِذا أكل أَو شرب أَو نَام أَو جَامع عدهَا دنيا لِأَنَّهُ لَا يقدر أَن يخلصها حَتَّى يصفو من الشَّهْوَة النفسية فافترق أمراه دنيا وآخرة فَمَا كَانَ من أَمر الْآخِرَة أمكنه تصفيته على حسب طاقته وَمَا كَانَ من أَمر دُنْيَاهُ فالشهوة غالبة عَلَيْهِ قاهرة لَهُ فَمن النصح لَهُ أَن يبْدَأ بِأَمْر الْآخِرَة وَأما المقرب فقد صَارَت شَهْوَته منية فَالْفرق بَين الشَّهْوَة والمنية أَن النَّفس صَارَت حَيَّة بشهوتها فَإِذا عرض لَهَا مَا تلتذ بِهِ اهتشت النَّفس بالعجلة إِلَيْهِ حرصا وشرها فَتلك شَهْوَة والمنية لما مَاتَت شَهْوَة النَّفس حييّ الْقلب بِاللَّه تَعَالَى فَإِذا عرض لَهَا مَا تلتذ بِهِ بِاللَّه تَعَالَى لحظت إِلَى الله تَعَالَى وراقبت تَدْبيره فَإِن أَعْطَيْت أخذت وَإِن منعت قنعت فَتلك منية فالمقرب منيته فِيمَا دبر الله تَعَالَى لَهُ يراقب مَا يَبْدُو لَهُ من غيب الملكوت فيتلقاه بالرضاء والذلة والانقياد وَالْقَبُول عبودة لله تَعَالَى ومسكنة فَصَارَت الْأُمُور كلهَا آخِرَة عِنْده والحقوق كلهَا حُقُوق الله تَعَالَى فالغالب على أُمُور المقرب ذكر الله تَعَالَى وَالْغَالِب على أُمُور المقتصد ذكر النَّفس
стр. 393
قَالَ عَليّ كرم الله وَجهه فِي وصف الشَّيْخَيْنِ أَن أَبَا بكر كَانَ أَواه الْقلب منيبا وَأَن عمر كَانَ عبدا ناصحا لله تَعَالَى فنصحه
فالأواه لَا يُمَيّز بَين الْأَمريْنِ لِأَنَّهُمَا كلهما لله تَعَالَى وَلَيْسَ فيهمَا ذكر النَّفس والناصح لله عبد تفرد لله تَعَالَى بِقِيَام حُقُوقه فَكلما اجْتمع أَمْرَانِ للنَّفس فِي أَحدهمَا نصيب آثر الَّذِي لَا نصيب لَهَا فِيهِ وَبَدَأَ بِهِ فَفعل عمر ﵁ فِي الظَّاهِر فعل الْمُقْتَصِدِينَ وَفِي الْبَاطِن من المقربين لِأَن المقربين صنفان صنف مِنْهُم قد انفردوا فِي فردانيته فخلت قُلُوبهم من ذكر نُفُوسهم وَالله تَعَالَى يستعملهم ووحدانيته تملك قُلُوبهم وَهَذِه صفة أبي بكر ﵁ وصنف مِنْهُم لم يصلوا إِلَى هَذِه الخطة قد انْكَشَفَ على قُلُوبهم من جلال الله تَعَالَى وعظمته مَا مَلَأت قُلُوبهم من هيبته فهم القائمون على نُفُوسهم فَلَا يدعونها تلحظ إِلَّا إِلَى حق فَالْحق يستعملهم والهيبة تملك قُلُوبهم وَعمر ﵁ مِنْهُم
روى كَعْب بن مَالك أَن أَبَا بكر ﵁ أَتَى من الْيمن بِثَلَاثَة سيوف أَحدهَا محلي فَقَالَ ابْنه عبد الله بن أبي بكر مر لي بِهَذَا السَّيْف الْمحلي فَقَالَ أَبُو بكر ﵁ فَهُوَ لَك فَقَالَ عمر ﵁ بل إيَّايَ فاعطني فَقَالَ أَبُو بكر فَأَنت أَحَق بِهِ فَأَخذه عمر ﵁ فَانْقَلَبَ عمر بِالسَّيْفِ إِلَى منزله فراح وَقد جعل حلية السَّيْف فِي ظَبْيَة والنصل مَعَه فَقَالَ عمر يَا أَبَا بكر اسْتَعِنْ بِهَذِهِ الْحِلْية على بعض مَا يعروك وَرمى بالنصل إِلَى عبد الله ابْن أبي بكر وَقَالَ وَالله مَا صنعت هَذَا نفاسة عَلَيْك يَا أَبَا بكر وَلَكِن للنَّظَر لَك فَبكى أَبُو بكر ﵁ وَقَالَ يَرْحَمك الله يَرْحَمك الله
دق عِنْد أبي بكر شَأْن ذَلِك السَّيْف وحليه فَلم يظْهر على قلبه قدر ذَلِك فَاسْتَوَى عِنْده سُؤال وَلَده وسؤال الْأَجْنَبِيّ فأنعم ثمَّ لما
стр. 394
سَأَلَهُ الأولى آثره عَلَيْهِ وَعمر نظر إِلَى الْحق وَإِلَى تَدْبِير الْحق فَإِن من تَدْبِير الْحق ﷻ أَن ينْزع الْحِلْية فيستعين بهَا فِي النوائب وَفِي النصل بِلَا حلية كِفَايَة وَتَابعه أَبُو بكر ﵁ فِي ذَلِك لِأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى الْحق وَبكى فَرحا بِمَا وجد من التأييد والعون فِيمَا قَلّدهُ الله تَعَالَى عِنْد أَخِيه وَصَاحبه ودعا لَهُ بِالرَّحْمَةِ لما وجده ناصحا لله تَعَالَى ولإمامه مشفقا عَلَيْهِ وَلَكِن فعل أبي بكر فعل الرُّسُل ﵈ فالرسول وَمن فِي دَرَجَته قريب مِنْهُ فِي سَعَة عَظِيمَة من ملكه وَفعل عمر ﵁ فعل المحقين لأَنهم فِي أَمر عَظِيم من الْقيام بِحقِّهِ حزما واحتياطا وَصِحَّة وتقويما
وَقد روى زيد بن أسلم عَن أَبِيه قَالَ قدم عبد الله وعبيد الله ابْنا عمر ﵃ على أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ من مغربي لَهما فَقَالَ أَبُو مُوسَى وددت أَنِّي قدرت أَن أنفعكما قَالَ ثمَّ قَالَ هَهُنَا من مَال الله فخذاه فاشتريا بِهِ تِجَارَة من تِجَارَة الْمَدِينَة واضمناه فَإِذا قدمتما فأديا المَال إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكتب إِلَى عمر ﵁ أَن اقبض مِنْهُمَا كَذَا وَكَذَا فَلَمَّا قدما على عمر ﵁ قَالَ لَهما أديا المَال وَربحه فَأَما عبد الله فَسكت وَأما عبيد الله فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَرَأَيْت لَو تلف هَذَا المَال أما كنت تَأْخُذهُ منا قَالَ بلَى قَالَ فَلم تَأْخُذ الرِّبْح فَقَالَ رجل فِي مَجْلِسه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو جعلته قراضا قَالَ فقاسمهما الرِّبْح وَأخذ المَال فَهَذِهِ مُعَاملَة عمر مَعَ وَلَده وَمَعَ سَائِر الْخلق إِقَامَة الْحق ونصرته فِي الْأُمُور كلهَا
قَالَ ﷺ إِن الله ضرب الْحق على لِسَان عمر وَقَلبه وَقَالَ فِي رِوَايَة الْحق بعدِي مَعَ عمر وَقَلبه وَقَالَ فِي رِوَايَة الْحق بعدِي مَعَ عمر حَيْثُ كَانَ
стр. 395
وَوَصفه ابْن عَبَّاس ﵄ فَقَالَ كَانَ عمر ﵁ كالطير الحذر الَّذِي يرى أَن لَهُ فِي كل طَرِيق شركا فَهَذَا شَأْن النصحاء لله تَعَالَى
وروى جَابر ﵁ قَالَ دخل أَبُو بكر ﵁ على رَسُول الله ﷺ وَكَانَ يضْرب بالدف عِنْده فَقعدَ وَلم يزْجر لما رأى من رَسُول الله ﷺ فجَاء عمر ﵁ فَلَمَّا سمع رَسُول الله صَوته كف عَن ذَلِك فَلَمَّا خرجا قَالَت عَائِشَة ﵂ يَا رَسُول الله كَانَ حَلَالا فَلَمَّا دخل عمر صَار حَرَامًا فَقَالَ ﷺ يَا عَائِشَة لَيْسَ كل النَّاس مرخيا عَلَيْهِ
فَهَذِهِ كلمة تكشف لَك أَن المقربين صنفان صنف مِنْهُم قُلُوبهم فِي جَلَاله وعظمته هائمه فقد ملكتهم هيبته فَالْحق يستعملهم فِي كل أَمر فهم مشرفون على الْأُمُور مشمرون لَهَا وصنف آخر قد أرْخى من عنانه فَالْأَمْر عَلَيْهِ أسهل لِأَنَّهُ قد جَاوز قلبه هَذِه الخطة فقلبه فِي مَحل الشَّفَقَة فِي ملك الوحدانية وَكلما كَانَ الْقلب مَحَله أَعلَى وَمن الْقرْبَة أوفر حظا كَانَ الْأَمر عَلَيْهِ أوسع وَهَذَا لِأَن الله تَعَالَى تلطف بِلُطْفِهِ بِعَبْدِهِ الْمُؤمن فَإِذا علم مِنْهُ أَن نَفسه صعبة وَأَنه مُحْتَاج إِلَى اللجام ألجمها بلجام الهيبة وَأبْدى على قلبه من سُلْطَانه وعظمته لِئَلَّا يفْسد وَإِذا علم أَن نَفسه لينَة كَرِيمَة أرْخى من عنانه فأبدى على قلبه من الوحدانية والفردانية مَا انْفَرد لَهُ قلبه وَنَفسه وَمَاتَتْ شَهْوَته وَذهل عَن ذكر نَفسه فَهُوَ يَسْتَعْمِلهُ وَهُوَ يكلؤه فالمحق فِي الظَّاهِر أعلا فعلا عِنْد أَهله والأواه فِي الْبَاطِن أعلا
стр. 396
- الأَصْل الْحَادِي وَالْمِائَة
-
فِي أَن الْعقُوبَة لَا تثني فِي الْآخِرَة
عَن عَليّ كرم الله وَجهه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أصَاب فِي الدُّنْيَا ذَنبا فَعُوقِبَ بِهِ فَالله أعدل من أَن يثني عَلَيْهِ عُقُوبَته وَمن أذْنب فِي الدُّنْيَا ذَنبا فستره الله وَعَفا عَنهُ فَالله أكْرم من أَن يعود فِي شَيْء وَقد عَفا عَنهُ قَالَ الله تَعَالَى وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَن كثير وَالْكثير من الله تَعَالَى لَا يُحْصى عددا
وَقد بَين ﷺ فِي هَذَا الحَدِيث مَا يُعْفَى عَنهُ مِمَّا لَا يُعْفَى فَقَالَ من أذْنب ذَنبا فستره الله ذكر السّتْر وَقَوله تَعَالَى وَيَعْفُو عَن كثير هم الَّذين قد ستر الله عَلَيْهِم فَإِذا دَامَ هَذَا السّتْر لَهُم فَالله أكْرم من أَن يهتك مَا قد ستره أَيَّام الدُّنْيَا
стр. 397
وَقَالَ ﷺ قَالَ الله تَعَالَى لأَنا أكْرم وَأعظم عفوا من أَن أستر على عبد لي مُسلم فِي الدُّنْيَا ثمَّ أفضحه بعد أَن سترته وَلَا أَزَال أَغفر لعبدي مَا استغفرني
وَقَالَ ﵇ يَقُول الله تَعَالَى إِنِّي لأجدني أستحيي من عَبدِي يرفع يَدَيْهِ إِلَى ثمَّ أردهما صفرا قَالَت الْمَلَائِكَة إلهنا لَيْسَ لذَلِك بِأَهْل قَالَ الله تَعَالَى لكني أهل التَّقْوَى وَأهل الْمَغْفِرَة وأشهدكم أَنِّي قد غفرت لَهُ
قَالَ وَيَقُول الله تَعَالَى إِنِّي لاستحيي من عَبدِي وَأمتِي يشيبان فِي الْإِسْلَام ثمَّ أعذبهما بعد ذَلِك فِي النَّار
فنستغفر الله الْعَظِيم
стр. 398
- الأَصْل الثَّانِي وَالْمِائَة
-
فِيمَا كتب على جباه الجهنميين وجباه المتحابين فِي الله
عَن أنس ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ يدْخل قوم النَّار حَتَّى إِذا صَارُوا فحما أخرجُوا فأدخلوا الْجنَّة فَيَقُول أهل الْجنَّة من هَؤُلَاءِ فَيُقَال الجهنميون
هَؤُلَاءِ قوم موحدون وحدوا الله تَعَالَى بألسنتهم وَقُلُوبهمْ وضيعوا العبودة الَّتِي أوجبهَا الله تَعَالَى على خلقه امتحانا فهم مكذبون فِي الظَّاهِر مصدقون فِي الْبَاطِن فقدموا عَلَيْهِ مَعَ كذب الظَّاهِر وَصدق الْبَاطِن وَإِنَّمَا وكل الْحق بِفعل الظَّاهِر فَهُوَ يَقْتَضِي الْخلق الْقيام بذلك قَالَ الله تَعَالَى وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون
فَإِذا كَانَ يَوْم الْجَزَاء جَاءَ الْحق تَعَالَى يَقْتَضِي حَقه فَلم يجد عِنْدهم
стр. 399
شَيْئا فحبسهم فِي النَّار ثمَّ تُدْرِكهُمْ رَحمته وَيتْرك مَا وَجب لَهُ من العبودة ويهبها مِنْهُم ويعتقهم وَيكْتب على جباههم الجهنميون عُتَقَاء الله تَعَالَى وَفِي رِوَايَة محرري الرَّحْمَن رَحِمهم بِصدق الْبَاطِن وَأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يلتفتون إِلَى غَيره وَلَا يشركُونَ بِهِ
وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا الشَّفَاعَة يَوْم الْقِيَامَة لمن عمل الْكَبَائِر من أمتِي ثمَّ مَاتُوا عَلَيْهَا فهم فِي الْبَاب الأول من جَهَنَّم لَا تسود وُجُوههم وَلَا تزرق أَعينهم وَلَا يغلون بالأغلال وَلَا يقرنون مَعَ الشَّيَاطِين وَلَا يضْربُونَ بالمقامع وَلَا يطرحون فِي الأدراك فَمنهمْ من يمْكث سَاعَة ثمَّ يخرج وَمِنْهُم من يمْكث فِيهَا يَوْمًا ثمَّ يخرج وَمِنْهُم من يمْكث فِيهَا شهرا ثمَّ يخرج وَمِنْهُم من يمْكث فِيهَا سنة ثمَّ يخرج وأطوالهم مكثا فِيهَا مثل الدُّنْيَا من يَوْم خلقت إِلَى يَوْم أقتت وَذَلِكَ سَبْعَة آلَاف سنة ثمَّ إِن الله إِذا أَرَادَ أَن يخرج الْمُوَحِّدين مِنْهَا قذف فِي قُلُوب أهل الْأَدْيَان فَقَالُوا لَهُم كُنَّا نَحن وَأَنْتُم جَمِيعًا فِي الدُّنْيَا فآمنتم وكذبنا وأقررتم وجحدنا فَمَا أغْنى عَنْكُم فَنحْن وَأَنْتُم الْيَوْم فِيهَا جَمِيعًا سَوَاء تعذبون كُنَّا نعذب وتخلدون كَمَا نخلد فيغضب الله تَعَالَى عِنْد ذَلِك غَضبا لم يغضبه فِي شَيْء فِيمَا مضى وَلَا يغْضب فِي شَيْء فِيمَا بَقِي فَيخرج أهل التَّوْحِيد مِنْهَا إِلَى عين بَين الْجنَّة والصراط يُقَال لَهَا نهر الْحَيَاة فيرش عَلَيْهِم من المَاء فينبتون كَمَا تنْبت الْحبَّة فِي حميل السَّيْل مَا يَلِي الظل مِنْهَا أَخْضَر وَمَا يَلِي الشَّمْس مِنْهَا أصفر ثمَّ يدْخلُونَ الْجنَّة فَيكْتب فِي جباههم عُتَقَاء الله من النَّار إِلَّا رجلا وَاحِدًا فَإِنَّهُ يمْكث فِيهَا بعدهمْ ألف سنة ثمَّ يُنَادي يَا حنان يَا منان فيبعث الله إِلَيْهِ ملكا ليخرجه فيخوض فِي النَّار فِي طلبه سبعين عَاما لَا يقدر عَلَيْهِ ثمَّ يرجع فَيَقُول يَا رب إِنَّك أَمرتنِي أَن أخرج عَبدك فلَانا من النَّار وَإِنِّي أطلب فِي النَّار مُنْذُ سبعين سنة فَلم أقدر عَلَيْهِ فَيَقُول الله تَعَالَى انْطلق فَهُوَ فِي وَادي كَذَا وَكَذَا تَحت صَخْرَة فَأخْرجهُ فَيذْهب فيخرجه مِنْهَا فيدخله الْجنَّة
стр. 400
تَحت صَخْرَة فَأخْرجهُ فَيذْهب فيخرجه مِنْهَا فيدخله الْجنَّة
ثمَّ إِن الجهنميين يطْلبُونَ إِلَى الله تَعَالَى أَن يمحو ذَلِك الِاسْم عَنْهُم فيبعث ملكا فَيَمْحُو عَن جباههم ذَلِك ثمَّ إِنَّه قَالَ لأهل الْجنَّة وَمن دَخلهَا من الجهنميين اطلعوا إِلَى النَّار فيطلعون إِلَيْهِم فَيرى الرجل أَبَاهُ وَيرى أَخَاهُ وَيرى جَاره وَيرى صديقه وَيرى العَبْد مَوْلَاهُ ثمَّ إِن الله تَعَالَى يبْعَث إِلَيْهِم مَلَائِكَة بأطباق من نَار ومسامير من نَار وَعمد من نَار فيطبق عَلَيْهِم بِتِلْكَ الأطباق ويشد بِتِلْكَ المسامير ويمد بِتِلْكَ الْعمد وَلَا يبْقى فِيهِ خلل يدْخل فِيهِ روح وَلَا يخرج مِنْهُ غم وينساهم الْجَبَّار على عَرْشه ويتشاغل أهل الْجنَّة بنعيمهم وَلَا يستغيثون بعْدهَا أبدا وَيَنْقَطِع الْكَلَام فَيكون كَلَامهم زفيرا وشهيقا فَذَلِك قَوْله تَعَالَى إِنَّهَا عَلَيْهِم مؤصدة فِي عمد ممدة
أحب الله تَعَالَى أَن يظْهر عذره عِنْد أهل الْجنان فِي تأخرهم دُخُول الْجنَّة وَأَنَّهُمْ لم يدخلوها إِلَّا برحمته وَلم ينالوا جواره إِلَّا بكرمه وَهَؤُلَاء قوم لم يتخلصوا من نُفُوسهم فِي الْآخِرَة كَمَا لم يتخلصوا فِي الدُّنْيَا طرفَة عين وأنفوا من هَذَا الِاسْم أَن ينسبوا إِلَى جَهَنَّم واستحيوا من إخْوَانهمْ وَأَرَادُوا أَن تكون الْعقُوبَة الَّتِي حلت بهم مستورة عِنْد أهل الْجنَّة وَلَا يدْرِي أحد أَنهم مِمَّن ابتلوا بهوان الله وعقوبته أَنَفَة وذهابا بِنَفسِهِ وَلَيْسَ فِي الْجنَّة أَذَى إِنَّمَا هِيَ محشوة بكرم رب الْعِزَّة فَترك الله تَعَالَى محبته لمحابهم ومحى عَنْهُم ذَلِك الِاسْم تكرما وتفضلا وإتماما للمن عَلَيْهِم وَلَو كَانَ لَهُم من الانسانية والتكرم لما آثروا محابهم على محابه وَلَو كَانَ المحبون لَهُ ابتلوا بِهَذَا لم يسألوه أبدا أَن يمحو اسْمه من جباههم وَالْكِتَابَة على الجباه سِيمَاهُمْ فِي الْجنان كَمَا كتبت على جباه أهل الصفوة والأولياء ﵈ هَؤُلَاءِ المتحابون فِي الله
стр. 401
روى ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن المتحابين فِي الله لعلى عَمُود من ياقوتة حَمْرَاء فِي رَأس العمود سَبْعُونَ ألف غرفَة يضيء حسنهم أهل الْجنَّة كَمَا تضيء الشَّمْس أهل الدُّنْيَا يَقُول بَعضهم لبَعض انْطَلقُوا بِنَا نَنْظُر إِلَى المتحابين فِي الله فَإِذا أشرفوا عَلَيْهِم أَضَاء حسنهم أهل الْجنَّة كَمَا تضيء الشَّمْس أهل الدُّنْيَا عَلَيْهِم ثِيَاب خضر من سندس مَكْتُوب على جباههم هَؤُلَاءِ المتحابون فِي الله
стр. 402
- الأَصْل الثَّالِث وَالْمِائَة
-
فِي عَلَامَات أَوْلِيَاء الله تَعَالَى
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ قيل يَا رَسُول الله من أَوْلِيَاء الله قَالَ الَّذين إِذا رَأَوْا ذكر الله
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَنهُ قيل يَا رَسُول الله أَي جلسائنا خير قَالَ من ذكركُمْ بِاللَّه رُؤْيَته وَزَاد فِي أَعمالكُم مَنْطِقه وذكركم بِالآخِرَة عمله
وَفِي رِوَايَة عبد الله بن عَمْرو ﵁ وَقَالَ ﷺ خياركم من ذكركُمْ بِاللَّه رُؤْيَته وَزَاد فِي عَمَلكُمْ مَنْطِقه ورغبكم فِي الْآخِرَة عمله وهم الْأَوْلِيَاء الَّذين عَلَيْهِم سمات ظَاهِرَة من الله تَعَالَى قد علاهم بهاء الْقرْبَة وَنور الْجلَال وهيبة الْكِبْرِيَاء وَأنس الْوَقار
стр. 403
فَإِذا نظر النَّاظر إِلَيْهِ ذكر الله لما رأى عَلَيْهِ من آثَار الملكوت وَالْقلب مَعْدن هَذِه الْأَشْيَاء ومستقر النُّور وَشرب الْوَجْه من مَاء الْقلب فَإِذا كَانَ على الْقلب نور سُلْطَان الْوَعْد والوعيد تأدي إِلَى الْوَجْه ذَلِك النُّور فَإِذا وَقع بَصرك عَلَيْهِ ذكرك الْبر وَالتَّقوى وَوَقع عَلَيْك مِنْهُ مهابة الصّلاح وَالْعلم بِأُمُور الله تَعَالَى وَمَتى كَانَ على الْقلب نور سُلْطَان الْحق ذكرك الصدْق وَالْحق وَوَقع عَلَيْك مهابة الْحق والاستقامة وَإِذا كَانَ عَلَيْهِ نور سُلْطَان الله تَعَالَى وعظمته وجلاله ذكرك عَظمته وجلاله وسلطانه وَإِذا كَانَ على الْقلب نوره وَهُوَ نور الْأَنْوَار بهتك رُؤْيَته فَكل نور من هَذِه الْأَنْوَار كَانَ فِي قلب فَشرب وَجهه من تِلْكَ الْأَنْوَار الَّتِي فِيهِ لَا غير قَالَ الله تَعَالَى ولقاهم نَضرة وسرورا أَي سُرُورًا فِي الْقلب ونضرة فِي الْوَجْه فَإِذا سر الْقلب برضاء الله تَعَالَى عَن العَبْد وَبِمَا يشرق قلبه وصدره من نوره حَيْثُ ينْكَشف الغطاء نضرت الْوُجُوه بِمَا ولجت الْقُلُوب وَهُوَ الَّذِي دله ﵇ على الذّكر عِنْد رُؤْيَته وصيره عَلامَة لأهل ولَايَته وَالنَّاس على ثَلَاث طَبَقَات كل طبقَة تعرف بِمَا عِنْدهَا وهم رجال مَا عِنْدهم فرجال هم عُلَمَاء بِأُمُور الله تَعَالَى من الْحَلَال وَالْحرَام فَعَلَيْهِم سمات الْعلم وبالعلم يعْرفُونَ وَرِجَال هم عُلَمَاء بتدبير الله تَعَالَى فَعَلَيْهِم سمات الْحِكْمَة وبالحكمة يعْرفُونَ وَرِجَال هم عُلَمَاء بِاللَّه تَعَالَى فَعَلَيْهِم سمات نوره وهيبته فبالله يعْرفُونَ فهم أَوْلِيَاء الله وهم الَّذين قَالَ عَنْهُم ﵇ لأبي جُحَيْفَة سَائل الْعلمَاء وخالط الْحُكَمَاء وجالس الكبراء لِأَن فِي مجالستهم شِفَاء وَفِي رُؤْيَتهمْ دَوَاء وَسَائِر النَّاس عُمَّال وَعباد وَأهل بر وتقوى بذلك يعْرفُونَ وَإِلَى أَعْمَالهم ينسبون يُقَال هَذَا رجل زاهد وَهَذَا رجل متق فَإِذا جَاءَ الْوَلِيّ ذهب هَذَا الذّكر من الْقُلُوب وَغلب على قُلُوب الناظرين ذكر الله تَعَالَى
стр. 404
روى عَمْرو بن الجموح ﵁ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول قَالَ الله تَعَالَى إِن أوليائي من عبَادي وأحبائي من خلقي الَّذين يذكرُونَ بذكري وأذكر بذكرهم
وَعَن أنس ﵁ يَقُول قَالُوا يَا رَسُول الله أَيّنَا أفضل كي نتخذه جَلِيسا معلما قَالَ الَّذين إِذا رَأَوْا ذكر الله لرؤيتهم
وَقَوله يزِيد فِي عَمَلكُمْ مَنْطِقه لِأَنَّهُ عَن الله ينْطق وَمن كَانَ يذكر بِاللَّه رُؤْيَته يزِيد فِي الْعَمَل مَنْطِقه والناطق صنفان فصنف ينْطق بِالْعلمِ عَن الصُّحُف تحفظا وَعَن أَفْوَاه الرِّجَال تلقفا وصنف ينْطق بذلك الْعلم عَن الله تلقيا فَالَّذِي ينْطق عَن الصُّحُف وَهُوَ غير عَامل بِهِ يلج آذان المستمعين عُرْيَان بِلَا كسْوَة وَالَّذِي ينْطق كَذَلِك وَهُوَ عَامل بِهِ يلج آذانهم عَارِيا خلق الْكسْوَة لِأَنَّهُ لم يخرج من قلب نوراني وَإِنَّمَا خرج من قلب دنس وَصدر مظلم وإيمان مغشوش بحب الرياسة والعز وَالشح على حطام الدُّنْيَا وَالَّذِي ينْطق عَن الله تَعَالَى إِنَّمَا يلج آذان المستمعين مَعَ الْكسْوَة الَّتِي تخرق كل حجاب وَهُوَ نور الله تَعَالَى لِأَنَّهُ خرج من قلب مشحون بِالنورِ وَصدر مشرق بِهِ فَإِذا خرج الْمنطق مَعَ ذَلِك النُّور فولج آذان المستمعين خرق هَذَا النُّور كل حجاب قد تراكم على قُلُوب المخلطين من رين الذُّنُوب وظلمة الشَّهَوَات ومحبة الدُّنْيَا فخلصته إِلَى نور التَّوْحِيد فأنارته وَمثل ذَلِك مثل جَمْرَة قد أحَاط بهَا الرماد فَذهب بحرها وضيائها فَلَمَّا وصلت النفخة إِلَيْهَا طيرت الرماد عَنْهَا فتلهبت وأضاءت الْبَيْت كَذَلِك الْكَلِمَة الَّتِي تخرج من النَّاطِق
стр. 405
عَن الله تَعَالَى تخرج من نور وَكسوته النُّور فَإِذا وصل إِلَى الصَّدْر خرقت حجب الظُّلُمَات حَتَّى وصلت إِلَى الْقلب فأثارت نور التَّوْحِيد فَأَضَاءَتْ الْبَيْت فَاسْتَغْفر وَبكى وَنَدم وَأبْصر قَالَ الله تَعَالَى قل هَذِه سبيلي أَدْعُو إِلَى الله على بَصِيرَة أَنا وَمن اتبعني أَي على مُعَاينَة وَهَذَا لمن تفرغ من نَفسه واشتغل بِاللَّه تَعَالَى فَأَما من لَيْسَ عبدا لله تَعَالَى وَلَا هُوَ لله وَإِنَّمَا قلبه عبد نَفسه ولنفسه ومشغول بشهوته ونهمته فَكيف يَدْعُو إِلَى الله تَعَالَى
وَقَوله يزِيد فِي عَمَلكُمْ مَنْطِقه فَإِنَّهُ إِذا نطق نطق بآلاء الله تَعَالَى وتدبيره وصنعه فَأَما آلَاء الله تَعَالَى فَهُوَ مَا أبدا من الهيبة فِي وحدانيته كالجلال وَالْجمال وَالْعَظَمَة والهيبة والكبرياء والبهاء وَالسُّلْطَان والعز وَالْفَخْر فَهَذِهِ صِفَات على قُلُوب الْأَنْبِيَاء والأولياء ﵈ فتمالكوا مَعَ ذَلِك واحتملته عُقُولهمْ وَأما تَدْبيره فَمَا دبر من خلقهمْ من تُرَاب ثمَّ جعل فيهم أرواحا سَمَاوِيَّة ثمَّ أَعْطَاهُم جوارح قوالب لتِلْك الْأَرْوَاح ثمَّ اضطرهم إِلَى التربية والمعاش ثمَّ دبر لَهُم الْمَوْت ثمَّ هيأ لَهُم يَوْمًا يحاسبهم ويفتشهم ويقتضيهم حَقه فِيهِ ثمَّ جعل ممرهم إِلَى الْجنَّة على متن النَّار ثمَّ أكْرم وأهان وَأدنى وأقصى وَحرم وَأعْطى وأبرز عدله ثمَّ أفضل على من شَاءَ بجوده وَكَرمه ومنته فَهَذَا من تَدْبيره مُنْذُ أبدا خلقه وَأما صنعه فأحوال الْعباد فِي الدُّنْيَا كَيفَ يفقر وَكَيف يُغني ويعز ويذل وَيملك وَينْزع الْملك ويبتلي ويعافي ويغير الْأَحْوَال سَاعَة فساعة
وَقَوله ويرغبكم فِي الْآخِرَة عمله لِأَن على عمله نورا وعَلى أَرْكَانه خشوعا وعَلى تصرفه فِيهَا صدق العبودة مَعَ الْبَهَاء وَالْوَقار والحلاوة والمهابة لِأَنَّهُ عمل على معنى المعاينة وعامل الله بِتِلْكَ الْأَعْمَال
стр. 406
عبودة لَا متاجرة فَإِذا رَآهُ الراءون تقاصرت إِلَيْهِم أَعْمَالهم وهم فِي تِلْكَ الْأَعْمَال بِأَعْيَانِهَا وَلَيْسَ لأعمالهم ذَلِك النُّور وَتلك المهابة والحلاوة لأَنهم يعاملون على الرَّغْبَة والرهبة وَالْخَوْف والطمع وَهَؤُلَاء أهل الْيَقِين يعاملونه على المعاينة على الشوق والمحبة عبودة لَهُ قد سبت قُلُوبهم محبته فعملوا على الْيُسْر وَطيب وَالنَّفس
قَالَ بعض الْأَنْبِيَاء ﵈ لبَعض الْعباد أَنْتُم تَعْمَلُونَ على الرَّغْبَة والرهبة وَنحن نعمل على الشوق والمحبة وشتان مَا بَين عَبْدَيْنِ أَحدهمَا يعْمل لخوف وَعِيد مَوْلَاهُ وحرمان وعده وَالْآخر يعْمل لمَوْلَاهُ شَفَقَة على عمله وَنصحا لَهُ وتذللا وتخشعا ومحبة لَهُ وشغوفا بِهِ
قَالَ ﷺ لعوف بن مَالك الْجُشَمِي ﵁ أَرَأَيْت لَو كَانَ لَك عَبْدَانِ أَحدهمَا يخونك ويكذبك وَالْآخر يصدقك وَلَا يخونك أَيهمَا أحب إِلَيْك قَالَ الَّذِي يصدقني وَلَا يخونني قَالَ فَكَذَلِك أَنْتُم عِنْد ربكُم
стр. 407
- الأَصْل الرَّابِع وَالْمِائَة
-
فِي أَن التمطر من امارات المشتاقين إِلَى الله تَعَالَى
عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ أصابتنا السَّمَاء وَنحن مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي مطر فحسر رَسُول الله ﷺ الثَّوْب عَن رَأسه حَتَّى أَصَابَهُ من الْمَطَر فَقُلْنَا يَا رَسُول الله لم صنعت هَذَا قَالَ لِأَنَّهُ قريب عهد بربه سُبْحَانَهُ
هَذَا فعل المشتاقين وأولاهم بِاللَّه أَشَّدهم شوقا وَكلما ازْدَادَ العَبْد انتباها ويقظة ازْدَادَ شوقا وكمدا وَكَانَ ﷺ طَوِيل الْفِكر دَائِم الاحزان وَلَا يكون حزنه إِلَّا من الْحَبْس عَن لِقَاء الصفاء فأعلاهم منزلَة وأقربهم قربا وأشدهم حرقة فِي الْقُلُوب شوقا وينتظر مَتى يدعى فيجيب فَكَأَنَّهُ ﷺ وجد روحا إِلَى ذَلِك الْمَطَر بِمَا وصف من حَدَاثَة عَهده بربه وَكَذَلِكَ جد المشتاق إِلَى لِقَاء من غَابَ عَنهُ فَهُوَ قلق لمكانه فَإِذا ورد عَلَيْهِ مِنْهُ كتاب أَو شَيْء
стр. 408
من آثاره كَانَ لَهُ فِيهِ أنس وَإِلَيْهِ استرواح وَبِه تلذذ
وَرُوِيَ عَن مُوسَى ﵇ أَنه كَانَ يخرج إِلَى طور سيناء فَرُبمَا ضَاقَ عَلَيْهِ الْأَمر فِي الطَّرِيق فشق قَمِيصه من شدَّة الشوق والعجلة الَّتِي كَانَت تَأْخُذهُ وَهُوَ الَّذِي حمله على سُؤال الرُّؤْيَة لما سمع الْكَلَام قلق وغلي شوقه غلي الْمرجل وضاق بِهِ الْأَمر فَفَزعَ إِلَى الرُّؤْيَة طَمَعا لتسكين غليانه فَاعْلَم الله تَعَالَى أَنه لَا يحْتَمل ذَلِك فَأبى عَلَيْهِ وَألقى إِلَيْهِ عذره بِأَن جعل الْجَبَل دكا يُعلمهُ أَنَّك لَا تقدر احْتِمَال ذَلِك لِأَن الْجَبَل حجر وحديد وصخر وَأَنت لحم وَدم
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك﴾ قَالَ تَعَالَى يَا مُوسَى لن تراني إِنَّه لَا يراني حَيّ إِلَّا مَاتَ وَلَا يَابِس إِلَّا تدهده وَلَا رطب إِلَّا تفرق إِنَّمَا يراني أهل الْجنَّة الَّذين لَا تَمُوت أَعينهم وَلَا تبلى أَجْسَادهم
وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يَقُول أَسأَلك الشوق إِلَى لقائك وَلَذَّة النّظر إِلَى وَجهك الْكَرِيم
وَعَن زيد بن ثَابت ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اجْعَل فِي دعائك ارزقني لَذَّة النّظر إِلَى وَجهك الْكَرِيم والشوق إِلَى لقائك
стр. 409
- الأَصْل الْخَامِس وَالْمِائَة
-
فِي أَن مناولة الْمِسْكِين تَقِيّ ميتَة السوء وَأَن خَصْلَتَيْنِ لَا يكلهما إِلَى أحد
عَن حَارِثَة بن النُّعْمَان أَنه جعل خيطا من مُصَلَّاهُ إِلَى بَاب حجرته وَكَانَ قد ذهب بَصَره فَيَضَع مكتلا فِيهِ تمر وَغير ذَلِك فَكَانَ إِذا أسلم الْمِسْكِين أَخذ من ذَلِك المكتل ثمَّ أَخذ الْخَيط حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى بَاب الْحُجْرَة فيناول الْمِسْكِين فَكَانَ أَهله يَقُولُونَ نَحن نكفيك فَيَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول ان مناولة الْمِسْكِين تَقِيّ ميتَة السوء
فَفِي مناولة الْمِسْكِين خصْلَة تعلو الْخِصَال لِأَن الله تَعَالَى قد شرف هَذِه الْأمة من بَين الْأُمَم وَعظم شَأْنهَا وَأَكْرمهَا بِفضل يقينها وَجعل صدقاتها تُؤْخَذ من أغنيائها فَترد إِلَى فقرائها فَيبقى النَّفْع فيهم وَكَانَت الْأُمَم من بني إِسْرَائِيل صدقاتها وقرباتها تُوضَع فتجيء نَار فتقبله وتترك من لم يتَقَبَّل مِنْهُ فَيصير منهتك السّتْر وَكَانَت نُفُوسهم لَا تسخوا إِلَّا على عيان وجهر حَتَّى بلغ بهم أَن قَالُوا لمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام
стр. 410
﴿أرنا الله جهرة﴾ وأيدت هَذِه الْأمة بِفضل يَقِين فَعَلمُوا أَن الشَّيْء إِذا أَعْطوهُ لله تَعَالَى أَن الله لَا يضيعه وتفضل عَلَيْهِم أَن ولي أَخذ صَدَقَاتهمْ بِنَفسِهِ الْكَرِيمَة فَلم يكلها إِلَى مَلَائكَته وَلَا إِلَى أحد من خلقه قَالَ الله تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَأْخُذ الصَّدقَات
وَلِهَذَا كَانَ رَسُول الله ﷺ لايكل خَصْلَتَيْنِ إِلَى أحد فَكَانَ يمشي بِالصَّدَقَةِ إِلَى الْمِسْكِين ويستقي لوضوء المَاء وَلَا يكله إِلَى أحد
وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا من عبد يتَصَدَّق بصدقه حَسَنَة طيبَة فَيَضَعهَا فِي حق إِلَّا كَانَت تقع فِي يَد الرَّحْمَن يُرَبِّيهَا كَمَا يُربي أحدكُم فَصِيله أَو فلوه حَتَّى أَن التمرة واللقمة لتصير مثل الْجَبَل الْعَظِيم ثمَّ قَرَأَ يمحق الله الرِّبَا ويربي الصَّدقَات
وَقَالَ ﵇ إِن الصَّدَقَة لَو جرت على يَد سبعين نفسا لَكَانَ أجر أحدهم مثل أجر آخِرهم
وَمَعْنَاهُ أَن هَذِه الْأَيْدِي كلهَا منتهية إِلَى يَد الله تَعَالَى بِنَقْل تِلْكَ الصَّدَقَة
стр. 411
وَكَانَ عَليّ بن حُسَيْن ﵁ إِذا أعْطى لسائل شَيْئا قبله وَوَضعه على يَده وَإِنَّمَا قبله لِأَنَّهُ علم من يَأْخُذهُ
وَقَوله ﷺ مناولة الْمِسْكِين تَقِيّ ميتَة السوء لِأَنَّهُ يصير بالمناولة فِي قرب الله تَعَالَى وَمن وَقع فِي قرب الله كَانَ لَهُ مأمنا وَذمَّة وَكَانَ فِي ذمَّته ويوقى مصَارِع السوء وميتة السوء أَن يَمُوت مصرا على مَعْصِيَته أَو قانطا من رَحمته أَو يفجأه الْمَوْت من غير تَوْبَة فَمن كَانَ فِي ذمَّة الله وقِي هَذِه الْأَشْيَاء
قَالَ ﷺ من صلى الْغَدَاة فَهُوَ فِي ذمَّة الله لِأَنَّهُ شهد الله وَمَلَائِكَته قَالَ تَعَالَى ﴿إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا﴾ مَعْنَاهُ ليشهد الله وَمَلَائِكَته
стр. 412
- الأَصْل السَّادِس وَالْمِائَة
-
فِي حَقِيقَة الزهاد وَحَقِيقَة الْإِيمَان وَحَقِيقَة الْإِخْلَاص
عَن أبي ذَر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَيْسَ الزهادة فِي الدُّنْيَا بِتَحْرِيم الْحَلَال وَلَا باضاعة المَال وَلَكِن الزهادة أَن لَا يكون شَيْء مِمَّا فِي يَديك أوثق مِنْك مِمَّا فِي يَدي الله تَعَالَى وَأَن يكون ثَوَاب الْمُصِيبَة أحب إِلَيْهِ من أَن لَو نفيت الْمُصِيبَة عَنهُ وَلكُل حق حَقِيقَة وَلَا يبلغ العَبْد حَقِيقَة الْإِيمَان حَتَّى يعلم أَن مَا أَصَابَهُ لم يكن ليخطئه وان مَا أخطأه لم يكن ليصيبه وَلكُل حق حقيقه وَلَا يبلغ العَبْد حَقِيقَة الْإِخْلَاص حَتَّى لَا يحب أَن يحمد فِي كل شَيْء يعمله لله تَعَالَى
стр. 413
الزّهْد الْقلَّة فالزاهد قلت فِي عينه الدُّنْيَا بِمَا فتح لَهُ من الْغَيْب فَرَأى الْآخِرَة ببصر قلبه فاستقل هَذِه وتهاون بهَا وشخص بَصَره إِلَى ضَامِن الرزق الَّذِي ضمن لَهُ رزقه ووثق بضمانه وَصَارَ هَذَا الَّذِي فِي يَده كَأَنَّهُ أودع وَدِيعَة وكل بحفظها على نَوَائِب الْحق لينفقها هُنَاكَ وَضَمان الرب لعَبْدِهِ الرزق لَهُ أوكد عِنْده وَأعظم شَأْنًا من أَن يتْلف مِمَّا فِي يَده وَيكون ثَوَاب الْمُصِيبَة آثر عِنْده من أَن لَو بَقِي عِنْده ذَلِك الشَّيْء لِأَن الشَّيْء من الدُّنْيَا وَقد دق فِي عينه وَالثَّوَاب من الْآخِرَة وَقد عظم فِي عينه
فَأَما من لم يفتح بَصَره فِي الْآخِرَة وَعظم قدر الدُّنْيَا فِي عينه حَتَّى وجد شَيْئا مِنْهَا إحتدت مخاليبه فِيهَا وعلق قلبه بهَا وَلم يستبن عِنْد قلبه ضَمَان الرزق وَكلما ذكر الْفقر أَو حبس فِي نَفسه خيفة فركن إِلَى مَا فِي يَده فَهَذَا وان جَانب الدُّنْيَا وَلبس المسوح وَأكل الْحَشِيش فَلَيْسَ بزاهد إِنَّمَا هُوَ متزهد يتَكَلَّف الزّهْد بجوارحه
وَقَوله وَلَا يبلغ العَبْد حَقِيقَة الْإِيمَان حَتَّى يعلم أَن مَا أَصَابَهُ لم يكن ليخطئه فالموحدون كلهم يعلمُونَ هَذَا علم اللِّسَان وَلَكِن لَا تَسْتَقِر قُلُوبهم مَعَ هَذِه الْكَلِمَة وَلِهَذَا يفرون من الْمَخْلُوق فِرَارًا فِيهِ عصيان الله تَعَالَى فَأَما أهل الْيَقِين فقد اسْتَقر هَذَا الْعلم فِي قُلُوبهم وانشرحت بِهِ صُدُورهمْ فَكَانُوا فِي النوائب كرأي الْعين أَن هَذَا الَّذِي نَاب قد كَانَ فِي سَابق الْعلم ثمَّ تصور عِنْدهم كَونه فِي اللَّوْح مسطورا فاستقرت نُفُوسهم لعلم يقينهم بذلك فَهَذَا حَقِيقَة الْإِيمَان
وَأما حَقِيقَة الْإِخْلَاص فَأن يَنْفِي عَن قلبه وصدره حب المحمدة وَالثنَاء وَيكون مخلصا لله تَعَالَى فِي أُمُور يعملها من أَعمال الْبر وَذَلِكَ لِأَن النَّفس تحب المحمدة وَالثنَاء لينفذ قَوْله وينال نهمته فِي دُنْيَاهُ من خلقه وَيَقُول بِلِسَان التَّوْحِيد هَذَا كُله من الله تَعَالَى ثمَّ ترَاهُ مُعَلّق الْقلب بخلقه طامعا فِيمَا لديهم غير نَاجٍ من التزين والترايئ
стр. 414
يُرِيد بذلك التحمد عِنْدهم لتنال النَّفس مَا تطمع فِيهِ وَلم يبلغ حَقِيقَة الاخلاص حَتَّى استنار صَدره بِالْإِيمَان وَتعلق قلبه بِاللَّه تَعَالَى وينجو من الْخلق والأسباب وشخصت آماله إِلَى خالقه فينبىء الْخلق مَا تصور فِي صَدره مِمَّا تنطق الْأَلْسِنَة بِهِ من قَوْله لَا مَانع لما أعطي وَلَا معطي لما منع
стр. 415
- الأَصْل السَّابِع وَالْمِائَة
-
فِي أَن الله تَعَالَى أَحَق أَن يستحيي مِنْهُ
عَن بهز بن حَكِيم عَن جده عَن أَبِيه ﵁ قَالَ قلت يَا رَسُول الله عوراتنا مَا نأتي مِنْهَا وَمَا نذر قَالَ احفظ عورتك إِلَّا من زَوجتك أَو مَا ملكت يَمِينك
قلت أَرَأَيْت إِذا كَانَ الْقَوْم بَعضهم فِي بعض
قَالَ فَإِن اسْتَطَعْت أَن لَا يَرَاهَا أحد فَلَا يرينها
قلت أَفَرَأَيْت إِذا كَانَ أَحَدنَا خَالِيا
قَالَ ﷺ فَالله أَحَق أَن يستحيي مِنْهُ
فالعورة كَانَت مستورة من آدم وحواء ﵉ وعاشا ودخلا
стр. 416
الْجنَّة فَلَمَّا خرجا من ستر الله تَعَالَى بالخطيئة وأكلا من الشَّجَرَة وإنكشفت سوآتهما أمرا بالستر قَالَ تَعَالَى ﴿ينْزع عَنْهُمَا لباسهما ليريهما سوآتهما﴾
وَالزَّوْجَة وَملك الْيَمين مُطلق فِي ملامستهما فَيحل النّظر إِلَيْهِمَا قَالَ الله تَعَالَى وَالَّذين هم لفروجهم حافظون إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم فانهم غير ملومين
إِلَّا أَن الْحيَاء يحْجر صَاحبه عَن ذَلِك وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يتوقى أَن يرى أحد من نِسَائِهِ عَوْرَته
قَالَت عَائِشَة ﵂ مَا رَأَيْت ذَلِك من رَسُول الله ﷺ وَمَا رأى مني قطّ
وَأما إِذا كَانَ خَالِيا فتعرى وَلم يحتشم عَن ذَلِك فَهَذَا قلبه غافل عَن الله تَعَالَى لم يعلم أَن الله تَعَالَى يرَاهُ ثمَّ لَا يَأْخُذهُ الْحيَاء وَلَا يثقل ذَلِك عَلَيْهِ
قَالَ أَبُو بكر ﵁ إِنِّي لأدخل الْخَلَاء فأقنع رَأْسِي حَيَاء من الله تَعَالَى
وَكَانَ عُثْمَان ﵁ إِذا اغْتسل اغْتسل فِي بَيت مظلم
стр. 417
- الأَصْل الثَّامِن وَالْمِائَة
-
فِي فضل الْإِحْسَان إِلَى الْيَتِيم
عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أحسن إِلَى يَتِيم أَو يتيمة كنت أَنا وَهُوَ فِي الْجنَّة كهاتين وَقرن بَين اصبعيه
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى أَنا وكافل الْيَتِيم لَهُ وَلغيره إِذا اتَّقى الله فِي الْجنَّة كهاتين
إِنَّمَا فاق هَذَا سَائِر الْأَعْمَال لِأَن الْيَتِيم افْتقدَ بر أَبِيه ولطفه وتعاهده ومصالح أُمُوره وَالله تَعَالَى ولي ذَلِك كُله يجريها على الْأَسْبَاب فَإِذا قبض أَبوهُ فَهُوَ الْوَلِيّ لذَلِك الْيَتِيم فِي جَمِيع أُمُوره يَبْتَلِي بِهِ عبيده لينْظر أَيهمْ يتَوَلَّى ذَلِك
قَالَ مُوسَى ﵇ يَا رب أتميت أَبَوي الصَّبِي وَمن لَا
стр. 418
حِيلَة لَهُ وتدعه هَكَذَا قَالَ يَا مُوسَى أما ترْضى بِي كافلا
فاليتيم كافله خالقه لِأَنَّهُ قطع عَنهُ من كَانَ قيض لَهُ وطوى عَنهُ أَسبَابه فَمن مد يَده إِلَى كفَالَته فانما ذَلِك عمل يعمله عَن الله تَعَالَى لَا عَن نَفسه كَمَا أَن الرُّسُل ﵈ يعْملُونَ عَن الله تَعَالَى يؤدون عَنهُ حججه إِلَى خلقه وَبَيَانه وهدايته وَالَّذِي يكفل الْيَتِيم يُؤَدِّي عَن الله تَعَالَى مَا تكفل بِهِ فَلذَلِك صَار بِالْقربِ مِنْهُ فِي الدرجَة فِي ذَلِك الْموقف وَلَيْسَ فِي الْجنَّة بقْعَة أروح وَلَا أطيب وَلَا أنور وَلَا آمن من الْبقْعَة الَّتِي يكون بهَا الرُّسُل ﵈ فَإِذا نَالَ كافل الْيَتِيم الْقرب من تِلْكَ الْبقْعَة فقد سعد جده وَأما سَائِر الْأَعْمَال سوى الْجِهَاد فيعمله الْعمَّال عَن أنفسهم وَالْجهَاد فِيهِ ذب عَن الدّين وإعلاء كلمة الله تَعَالَى فهم على أثر الْأَنْبِيَاء ﵈ يَوْمئِذٍ وبالقرب مِنْهُم وَقد ذكر الله تَعَالَى شَأْن الْعَفو فَقَالَ وَمن عَفا وَأصْلح فَأَجره على الله
وَلم يُوجد شَيْء من أَعمال الْبر أجره مَضْمُونا فِي عَاجل الدُّنْيَا غير الْعَفو لِأَن الرجل إِذا ظلم وَقع قلبه فِي سجن الْمعْصِيَة وَصَارَ محجوبا عَن الله تَعَالَى فَهُوَ وَإِن تَابَ فَهُوَ غير مَقْبُول مِنْهُ حَتَّى يتَحَلَّل الْمَظْلُوم فيهب ظلامته فَيكون فِي خذلان من ربه وعمى عَن رُؤْيَة الْحق تَعَالَى فَإِذا رَحمَه هَذَا الْمَظْلُوم لما يعلم من فَسَاد قلبه وَعَفا وَأصْلح مَا فسد من قلبه لسؤال ربه الْمَغْفِرَة لَهُ فَإِنَّمَا عمل لله تَعَالَى لَا لنَفسِهِ فَأَجره على الله تَعَالَى فِي عَاجل الدُّنْيَا قَالَ تَعَالَى وَلمن صَبر وَغفر إِن ذَلِك لمن عزم الْأُمُور
فَسمى سُؤال الغفران لَهُ من عزم الْأُمُور فقد أَخذ هَذَا الَّذِي عَفا
стр. 419
وَطلب لَهُ الْمَغْفِرَة بحظ من أَمر أولي الْعَزْم وَكَانَ أولي الْعَزْم من الرُّسُل ﵈ من يضر بِهِ قومه حَتَّى تسيل دُمُوعه على وجنته فاذا أَفَاق اللَّهُمَّ قَالَ اغْفِر لقومي فانهم لَا يعلمُونَ
وَعَن الْحسن ﵁ قَالَ يُنَادي مُنَاد يَوْم الْقِيَامَة أَلا من كَانَ لَهُ على الله أجر فَليقمْ فَلَا يقوم إِلَّا من عَفا الله تَعَالَى
стр. 420
- الأَصْل التَّاسِع وَالْمِائَة
-
فِي أَن الْحَوْض لَا يردهُ من كذب بِهِ
عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن لي حوضا مَا بَين عدن إِلَى عمان آنيته عدد نُجُوم السَّمَاء وَله مِيزَابَانِ أَحدهمَا من ورق وَالْآخر من ذهب يمدانه من الْجنَّة لَا يرد عَلَيْهِ من كذبه
فالحياض يَوْم الْقِيَامَة للرسل ﵈ لكل على قدره وَقدر تبعه وَقد هيأ لَهُ مشربا يرْوى مِنْهُ فَلَا يظمأ بعْدهَا أبدا
عَن أبي بن كَعْب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أول من يدعى يَوْم الْقِيَامَة أَنا فأقوم وألبي ثمَّ يُؤذن لي بِالسُّجُود فأسجد لَهُ سَجْدَة يرضى بهَا عني ثمَّ يَأْذَن لي فأرفع وأدعو بِدُعَاء يرضاه عني فَقُلْنَا يَا رَسُول الله وَكَيف تعرف أمتك يَوْم الْقِيَامَة
قَالَ يقومُونَ غرا محجلين من آثَار الطّهُور ويردون إِلَى الْحَوْض
стр. 421
مَا بَين بصرى إِلَى صنعاء أَشد بَيَاضًا من اللَّبن وَأحلى من الْعَسَل وأبرد من الثَّلج وَأطيب ريحًا من الْمسك فِيهِ من الْآنِية عدد نُجُوم السَّمَاء من ورده فَشرب مِنْهُ لم يظمأ بعده أبدا وَمن صرف عَنهُ لم يرو بعده أبدا ثمَّ يعرض النَّاس على الصِّرَاط فيمر أوائلهم كالبرق ثمَّ يَمرونَ كَالرِّيحِ ثمَّ يَمرونَ كالطرف ثمَّ يَمرونَ كأجود الْخَيل والركاب وعَلى كل حَال وَهِي الْأَعْمَال وَالْمَلَائِكَة جَانِبي الصِّرَاط يَقُولُونَ رب سلم سلم فسالم نَاجٍ ومخدوش نَاجٍ ومرسل فِي النَّار وجهنم تَقول هَل من مزِيد حَتَّى يضع فِيهَا رب الْعَالمين مَا شَاءَ أَن يضع فتنزوي وتنقبض وتغرغر كَمَا تغرغر المزادة الجديدة إِذا ملئت وَتقول قطّ قطّ
стр. 422
- الأَصْل الْعَاشِر وَالْمِائَة
-
فِي أَن الْوَلَد من ريحَان الله تَعَالَى
عَن أنس ﵁ قَالَ لما قبض إِبْرَاهِيم بن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهُم رَسُول الله ﷺ لَا تدرجوه فِي أَكْفَانه حَتَّى أنظر إِلَيْهِ فَأَتَاهُ وانكب عَلَيْهِ وَبكى
الْوَلَد من ريحَان الله تَعَالَى يشمه الْمُؤمن فيلتذ بِهِ قَالَ ﷺ إِنَّكُم لتجهلون ولتجبنون وتبخلون وانكم لمن ريحَان الله تَعَالَى
فَكَأَنَّهُ ﷺ أحب أَن يتزود من ريحَان الله تَعَالَى آخر
стр. 423
الْعَهْد بِهِ وَلذَلِك قيل ريح الْوَلَد ريح الْجنَّة فَكَانَ ﷺ يفعل فعل المشتاقين إِذا هاج غليان الشوق إِلَى الله تَعَالَى وَلِهَذَا كَانَ إِذا مطرَت السَّمَاء تجرد وكشف عَن رَأسه وأبرز ثمَّ يتلقاه بجسده وَيَقُول إِنَّه حَدِيث الْعَهْد بربه وَكَانَ ينكب على الْحجر الأسنود وَيَقُول هَهُنَا تسكب العبرات أَلا ترى أَنه كَانَ يستبطىء جبرئيل ﵇ فِي مَجِيئه حَتَّى قَالَ يَا مُحَمَّد مَا نَتَنَزَّل إِلَّا بِأَمْر رَبك فانكبابه على إِبْرَاهِيم ﷺ تزَود مِنْهُ وبكاؤه توجع مِنْهُ لمفارقة من يشمه ريحانا من الله تَعَالَى فنسب إِلَى الله تَعَالَى لِأَنَّهُ هبة الله وَالْهِبَة مِنْهُ حشوها الْبر واللطف وظاهرها الِابْتِلَاء قَالَ تَعَالَى يهب لمن يَشَاء إِنَاثًا ويهب لمن يَشَاء الذُّكُور
وَقَالَ ﷺ أَوْلَادكُم من هبة الله تَعَالَى لكم فَكُلُوا من كسبكم
стр. 424
- الأَصْل الْحَادِي عشر وَالْمِائَة
-
فِي أَن إقراض الله تَعَالَى سفاتج الْآخِرَة وسره
عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ لما نزلت ﴿من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا﴾ قَالَ أَبُو الدحداح الْأنْصَارِيّ أَو أَن الله تَعَالَى يُرِيد الْقَرْض منا قَالَ نعم يَا أَبَا الدحداح قَالَ أَرِنِي يدك يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي قَالَ فَنَاوَلَهُ يَده قَالَ فَإِنِّي أقرضت رَبِّي حائطي فِيهِ سِتّمائَة نَخْلَة قَالَ فجَاء إِلَيْهِ فَنَادَى وَهُوَ خَارج من الْحَائِط يَا أم الدحداح مرَّتَيْنِ قَالَت لبيْك قَالَ اخْرُجِي فقد أقرضت رَبِّي
الْقَرْض سفاتج الْآخِرَة فان الله تَعَالَى خلق هَذَا المَال قواما لِمَعَاش بني آدم وَجعل قوام الرّوح بِهِ فَأَحبهُ الْآدَمِيّ على قدر نَفعه مِنْهُ والمحبة لَازِقَة بِالْقَلْبِ لِأَنَّهَا تخلص إِلَى حَبَّة الْقلب أَي بَاطِنه وشهوته
стр. 425
وَإِنَّمَا هما بضعتان قلب وفؤاد فالقلب مَا بطن والفؤاد الْبضْعَة الَّتِي قد اشْتَمَلت على قلبه وَفِي الْفُؤَاد الْعين وَالْأُذن قَالَ الله تَعَالَى ﴿مَا كذب الْفُؤَاد مَا رأى﴾
نسب الرُّؤْيَة إِلَى الْفُؤَاد ثمَّ قد يَجْتَمِعَانِ فِي اسْم وَاحِد فَيُقَال للْكُلّ قلب كَمَا قيل نفس
وَقَالَ ﷺ أَتَاكُم أهل الْيمن أَلين قلوبا وأرق أَفْئِدَة وصف الْقلب باللين والفؤاد بالرقة وَذَلِكَ لِأَن الْقلب بضعَة لحم فِي بضعَة أُخْرَى فالقلب مَا بطن مِنْهُ والفؤاد مَا ظهر مِنْهُ وَفِيه العينان والأذنان يُقَال فِي اللُّغَة لخبز الْملَّة خبز فئيد إِذا كَانَ لَهُ ظهارة وبطانة فنور التَّوْحِيد فِي الْقلب وشهوة النَّفس قد خلصت إِلَى حَبَّة الْقلب فلصقت بِهِ وَذَاكَ مَعْدن الْإِيمَان وَالْحكمَة وَالْعلم ومستقر النُّور وَلَيْسَ بِموضع شَهْوَة فَإِن الشَّهْوَة دَاء الْقلب وسقم الْإِيمَان
قَالَ ﷺ حبك الشَّيْء يعمي ويصم
следующие страницы →