Полный текст (1 237 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
مَا بَين بصرى إِلَى صنعاء أَشد بَيَاضًا من اللَّبن وَأحلى من الْعَسَل وأبرد من الثَّلج وَأطيب ريحًا من الْمسك فِيهِ من الْآنِية عدد نُجُوم السَّمَاء من ورده فَشرب مِنْهُ لم يظمأ بعده أبدا وَمن صرف عَنهُ لم يرو بعده أبدا ثمَّ يعرض النَّاس على الصِّرَاط فيمر أوائلهم كالبرق ثمَّ يَمرونَ كَالرِّيحِ ثمَّ يَمرونَ كالطرف ثمَّ يَمرونَ كأجود الْخَيل والركاب وعَلى كل حَال وَهِي الْأَعْمَال وَالْمَلَائِكَة جَانِبي الصِّرَاط يَقُولُونَ رب سلم سلم فسالم نَاجٍ ومخدوش نَاجٍ ومرسل فِي النَّار وجهنم تَقول هَل من مزِيد حَتَّى يضع فِيهَا رب الْعَالمين مَا شَاءَ أَن يضع فتنزوي وتنقبض وتغرغر كَمَا تغرغر المزادة الجديدة إِذا ملئت وَتقول قطّ قطّ
стр. 422
- الأَصْل الْعَاشِر وَالْمِائَة
-
فِي أَن الْوَلَد من ريحَان الله تَعَالَى
عَن أنس ﵁ قَالَ لما قبض إِبْرَاهِيم بن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهُم رَسُول الله ﷺ لَا تدرجوه فِي أَكْفَانه حَتَّى أنظر إِلَيْهِ فَأَتَاهُ وانكب عَلَيْهِ وَبكى
الْوَلَد من ريحَان الله تَعَالَى يشمه الْمُؤمن فيلتذ بِهِ قَالَ ﷺ إِنَّكُم لتجهلون ولتجبنون وتبخلون وانكم لمن ريحَان الله تَعَالَى
فَكَأَنَّهُ ﷺ أحب أَن يتزود من ريحَان الله تَعَالَى آخر
стр. 423
الْعَهْد بِهِ وَلذَلِك قيل ريح الْوَلَد ريح الْجنَّة فَكَانَ ﷺ يفعل فعل المشتاقين إِذا هاج غليان الشوق إِلَى الله تَعَالَى وَلِهَذَا كَانَ إِذا مطرَت السَّمَاء تجرد وكشف عَن رَأسه وأبرز ثمَّ يتلقاه بجسده وَيَقُول إِنَّه حَدِيث الْعَهْد بربه وَكَانَ ينكب على الْحجر الأسنود وَيَقُول هَهُنَا تسكب العبرات أَلا ترى أَنه كَانَ يستبطىء جبرئيل ﵇ فِي مَجِيئه حَتَّى قَالَ يَا مُحَمَّد مَا نَتَنَزَّل إِلَّا بِأَمْر رَبك فانكبابه على إِبْرَاهِيم ﷺ تزَود مِنْهُ وبكاؤه توجع مِنْهُ لمفارقة من يشمه ريحانا من الله تَعَالَى فنسب إِلَى الله تَعَالَى لِأَنَّهُ هبة الله وَالْهِبَة مِنْهُ حشوها الْبر واللطف وظاهرها الِابْتِلَاء قَالَ تَعَالَى يهب لمن يَشَاء إِنَاثًا ويهب لمن يَشَاء الذُّكُور
وَقَالَ ﷺ أَوْلَادكُم من هبة الله تَعَالَى لكم فَكُلُوا من كسبكم
стр. 424
- الأَصْل الْحَادِي عشر وَالْمِائَة
-
فِي أَن إقراض الله تَعَالَى سفاتج الْآخِرَة وسره
عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ لما نزلت ﴿من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا﴾ قَالَ أَبُو الدحداح الْأنْصَارِيّ أَو أَن الله تَعَالَى يُرِيد الْقَرْض منا قَالَ نعم يَا أَبَا الدحداح قَالَ أَرِنِي يدك يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي قَالَ فَنَاوَلَهُ يَده قَالَ فَإِنِّي أقرضت رَبِّي حائطي فِيهِ سِتّمائَة نَخْلَة قَالَ فجَاء إِلَيْهِ فَنَادَى وَهُوَ خَارج من الْحَائِط يَا أم الدحداح مرَّتَيْنِ قَالَت لبيْك قَالَ اخْرُجِي فقد أقرضت رَبِّي
الْقَرْض سفاتج الْآخِرَة فان الله تَعَالَى خلق هَذَا المَال قواما لِمَعَاش بني آدم وَجعل قوام الرّوح بِهِ فَأَحبهُ الْآدَمِيّ على قدر نَفعه مِنْهُ والمحبة لَازِقَة بِالْقَلْبِ لِأَنَّهَا تخلص إِلَى حَبَّة الْقلب أَي بَاطِنه وشهوته
стр. 425
وَإِنَّمَا هما بضعتان قلب وفؤاد فالقلب مَا بطن والفؤاد الْبضْعَة الَّتِي قد اشْتَمَلت على قلبه وَفِي الْفُؤَاد الْعين وَالْأُذن قَالَ الله تَعَالَى ﴿مَا كذب الْفُؤَاد مَا رأى﴾
نسب الرُّؤْيَة إِلَى الْفُؤَاد ثمَّ قد يَجْتَمِعَانِ فِي اسْم وَاحِد فَيُقَال للْكُلّ قلب كَمَا قيل نفس
وَقَالَ ﷺ أَتَاكُم أهل الْيمن أَلين قلوبا وأرق أَفْئِدَة وصف الْقلب باللين والفؤاد بالرقة وَذَلِكَ لِأَن الْقلب بضعَة لحم فِي بضعَة أُخْرَى فالقلب مَا بطن مِنْهُ والفؤاد مَا ظهر مِنْهُ وَفِيه العينان والأذنان يُقَال فِي اللُّغَة لخبز الْملَّة خبز فئيد إِذا كَانَ لَهُ ظهارة وبطانة فنور التَّوْحِيد فِي الْقلب وشهوة النَّفس قد خلصت إِلَى حَبَّة الْقلب فلصقت بِهِ وَذَاكَ مَعْدن الْإِيمَان وَالْحكمَة وَالْعلم ومستقر النُّور وَلَيْسَ بِموضع شَهْوَة فَإِن الشَّهْوَة دَاء الْقلب وسقم الْإِيمَان
قَالَ ﷺ حبك الشَّيْء يعمي ويصم
стр. 426
فَإِذا خلص حب الشَّهَوَات إِلَى الْقلب فقد أعمى بصر الْقلب وأصم أُذُنه لِأَنَّهُ صَار سميعا وبصيرا بِالنورِ فَإِذا خالطه حب الشَّهَوَات ودخانها ثقل الْأذن وَغشيَ الْبَصَر وَمن هَهُنَا قَالَ ﷺ لسلمان ﵁ قل اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك صِحَة فِي الْإِيمَان
سَأَلَ الصِّحَّة من السقم وسقم الْإِيمَان مَا خالط من شَهْوَة النَّفس وَقد ذكر الله تَعَالَى فِي تَنْزِيله الْكَرِيم خُرُوج الْعباد من أَمْوَالهم وَذكر ثَوَاب كل وَاحِد مِنْهَا فَذكر الْإِنْفَاق والإيتاء وَالْإِطْعَام وَأَشَارَ فِي جَمِيع ذَلِك إِلَى الْمَسَاكِين وَإِلَى سَبيله فَقَالَ تَعَالَى وَمَا تنفقوا من خير يوف إِلَيْكُم
وَقَالَ وَمثل الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم فِي سَبِيل الله كَمثل حَبَّة أنبتت سبع سنابل
وَقَالَ فِي شَأْن الصَّدَقَة وَيكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ
وَقَالَ فِي شَأْن الْإِطْعَام ﴿فوقاهم الله شَرّ ذَلِك الْيَوْم﴾
فَلَمَّا صَار إِلَى ذكر الْقَرْض أَشَارَ إِلَى إقراضه دون خلقه وَذكر ثَوَاب الْقَرْض فَقَالَ إِن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم وَيغْفر لكم
стр. 427
وعد الْمَغْفِرَة والتضعيف وَقَالَ فِي مَوضِع آخر ﴿من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا فيضاعفه لَهُ أضعافا كَثِيرَة﴾
وَالْكثير من الله تَعَالَى لَا يُحْصى وَالْقَرْض زَائِد على الْجَمِيع فِي الِاسْم الَّذِي سمي بِهِ وَالشّرط الَّذِي علق بِهِ فَقَالَ تَعَالَى ﴿يقْرض الله قرضا حسنا﴾
فالقرض هُوَ الْقطع وَسمي بالمقراض لِأَنَّهُ يقطع بِهِ الشَّيْء اللاصق بالشَّيْء وَلَيْسَ مِنْهُ وَإِنَّمَا يحسن قرضه إِذا قرضه من أَصله قرضا لَا يبْقى هُنَاكَ شئ فَإِذا أقْرض الشَّيْء الَّذِي قد لصقت شَهْوَته ومحبته بِالْقَلْبِ وَصَرفه إِلَى نوع من أَنْوَاع الْبر فقد قرض محبته من قلبه لِأَنَّهُ قد فَارقه ملكا وَأخرجه إِلَى ملك غَيره فَأَما إِذا أعْطى وعَلى قلبه كَرَاهَة الْإِعْطَاء وعسره فقد قطعه وَبَقِي هُنَاكَ شَيْء فَلم يستأصله وَإِذا أعْطى وانتظر الْخلف وَالثَّوَاب فقد شخصت عَيناهُ إِلَى محبَّة شَيْء هُوَ أعظم من الَّذِي أعْطى فقد أَنْهَك الْقطع وَقصر فِيهِ وَهَذَا لِأَن الله تَعَالَى ابتلى الْعباد بِمَا أَعْطَاهُم من الدُّنْيَا ثمَّ سَأَلَهُمْ مِنْهَا بعد إِذْ ولجت لَذَّة مَنَافِعه قُلُوبهم محنة لسرائرهم فَمن أسكرته لَذَّة هَذِه الْمَنَافِع فقد سكرت عُقُولهمْ عَن الله تَعَالَى فَصَارَت فتْنَة لَهُم فَإِن أعْطى كرها أَو أعْطى على طمع ثَوَاب أَو خلف لم تصف عطيته وَإِنَّمَا تصفو إِذا أعْطى ربه عَطاء لَا تتبع نَفسه الْعَطِيَّة وَلَا تنْتَظر الْخلف مِنْهَا وَلَا الثَّوَاب عَلَيْهَا عَطاء من كَانَ الشَّيْء عِنْده بأمانة فَإِذا اسْتردَّ اغتنم ذَلِك مِنْهُ وتسارع إِلَى ردهَا وَلَا يقوى على هَذِه الخطة إِلَّا أهل الْيَقِين وهم المقربون السَّابِقُونَ لِأَن الْأَشْيَاء عِنْدهم عواري وودائع قبلوها عَن الله تَعَالَى بقلوبهم وأمسكوها لله تَعَالَى على نَوَائِب حُقُوقه وَقد سقط عَن قُلُوبهم قدر الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وولجت قُلُوبهم عَظمَة الله تَعَالَى
стр. 428
فرقت الدُّنْيَا فِي أَعينهم فَإِذا أعْطوا مِنْهَا شَيْئا فَإِنَّمَا هِيَ عِنْدهم أَمَانَة خَرجُوا مِنْهَا إِلَى الله تَعَالَى فِي وَقت نائبة الْحق فهم خزانه وأعوانه وأمناؤه فِي أرضه وَقد مَاتَت شهوات نُفُوسهم عَن جَمِيع حطامها وإمساكها حرصا وعدة وَالدُّنْيَا عِنْدهم كَمَا قَالَ ﷺ إِنَّمَا مثل الدُّنْيَا كراكب استظل تَحت شَجَرَة ثمَّ رَاح مِنْهَا
وكما فعل أَبُو بكر ﵁ حِين حثهم رَسُول الله ﷺ على الصَّدَقَة فَأَتَاهُ بِمَالِه كُله فَقَالَ مَا تركت لأهْلك يَا أَبَا بكر قَالَ الله تَعَالَى وَرَسُوله
فالمستغني بِاللَّه لَا بِالْمَالِ هَكَذَا قلبه فَمن أعْطى الْعَطِيَّة وغناه بِاللَّه تَعَالَى لم تشخص عَيناهُ إِلَى الْخلف وَالثَّوَاب وَلم يكن عَلَيْهِ فِي وَقت الْإِعْطَاء عسر وَلَا كَرَاهِيَة فَهَذِهِ عَطِيَّة الْأَوْلِيَاء ونفقاتهم وَمن قبيل ذَلِك مَا فعله أَبُو الدحداح فانه صفق يَده على يَد رَسُول الله بالعطاء فَإِن من أعْطى الرَّسُول فقد أعْطى الله فالرسول ولي الله تَعَالَى فِي الأَرْض يتَوَلَّى قبض مَا يعْطى لله تَعَالَى حَتَّى يَضَعهُ حَيْثُ يَأْمر الله تَعَالَى ثمَّ صَار إِلَى الحديقة لم يدخلهَا وَأخرج عِيَاله مِنْهَا وخلا عَنْهَا وَقَالَ إِنِّي أَقْرَضته رَبِّي وَإِنَّمَا توقى دُخُولهَا مَخَافَة أَن تتبعه نَفسه شَيْئا مِمَّا ذكرنَا فَلم يَأْمَن نَفسه فاجتنب دُخُولهَا لِئَلَّا يكون فِي النَّفس شَيْء مِنْهُ
стр. 429
وَقَالَ ﷺ كم من عذق مذلل لأبي الدحداح فِي الْجنَّة
وَكَانَ ابْن عمر ﵄ إِذا أعجبه الشَّيْء أخرج مِنْهُ إِلَى الله تَعَالَى وَكَانَت لَهُ سَرِيَّة وَكَانَ بهَا معجبا فَأعْتقهَا وَزوجهَا بعض موَالِيه فَولدت لَهُ غُلَاما وَكَانَ ابْن عمر ﵄ يضم وَلَدهَا إِلَى نَفسه ثمَّ يقبله ثمَّ يَقُول واها إِنِّي أجد مِنْك ريح فُلَانَة يَعْنِي جَارِيَته
قَالَ وَكَانَ رَاكِبًا بَعِيرًا لَهُ فأعنق وَأَعْجَبهُ سيره فَقَالَ أَخ أَخ فَنزل ثمَّ قَالَ يَا نَافِع جلله وألحقه بِالْبدنِ
стр. 430
- الأَصْل الثَّانِي عشر وَالْمِائَة
-
فِي أَن زِيَارَة قبر النَّبِي ﷺ هِجْرَة الْمُضْطَرين
عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من زار قَبْرِي وَجَبت لَهُ شَفَاعَتِي
زِيَارَة قَبره ﷺ هِجْرَة الْمُضْطَرين هَاجرُوا إِلَيْهِ فتوجب لَهُم شَفَاعَة تقيم حُرْمَة زيارتهم والشفاعة لمن أوبقته ذنُوبه
قَالَ ﷺ شَفَاعَتِي للمتلوثين المتلطخين المؤيسين فَأَما المتقون فقد كفوا أنفسهم
وشفاعته ﷺ من الْجُود قَالَ ﷺ إِن إِبْرَاهِيم
стр. 431
عَلَيْهِ السَّلَام ليرغب إِلَيّ يَوْم الْقِيَامَة وَفِي حَدِيث آخر يحْتَاج إِلَيّ وشفاعة غَيره من الْأَنْبِيَاء ﵈ من الصدْق وَالْوَفَاء والحظوظ
стр. 432
- الأَصْل الثَّالِث عشر وَالْمِائَة
-
فِي أَن أفضل الصَّلَاة الصَّلَاة لوَقْتهَا
عَن أبي ذَر ﵁ قَالَ قَالَ لي رَسُول الله ﷺ صل الصَّلَاة لوَقْتهَا فان أتيت النَّاس وَقد صلوا كنت قد أحرزت وَإِن لم يَكُونُوا صلوا كَانَت لَك نَافِلَة
وَقت الصَّلَاة ممتد إِلَى آخر الْوَقْت وَأعلم رَسُول الله ﷺ أَصْحَابه بِمَا يكون بعده من الْأَحْدَاث والفتن حَتَّى قَالَ سَيكون بعدِي امراء يميتون الصَّلَاة فيصلونها لغير وَقتهَا فصلوها لوَقْتهَا واجعلو صَلَاتكُمْ مَعَهم سبْحَة
стр. 433
وَظهر تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث فِي زمن بني أُميَّة فَإِنَّهُ روى أَبُو مُسلم قَالَ كَانَ يَخْطُبنَا الْحجَّاج يَوْم الْجُمُعَة فَلم يزل يخْطب حَتَّى غربت الشَّمْس ثمَّ نزل وَصلى الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب
وَرُوِيَ سَالم قَالَ لما قدم الْوَلِيد بن عبد الْملك جَاءَت الْجُمُعَة فَجمع بِنَا فَمَا زَالَ يخْطب حَتَّى مضى وَقت الْجُمُعَة ثمَّ مَا زَالَ يخْطب حَتَّى مضى وَقت الْعَصْر وَلم يصل قَالَ لَهُ الْقَاسِم بن مُحَمَّد فَمَا قُمْت وَصليت قَالَ لَا قَالَ فَمَا صليت قَاعِدا قَالَ لَا قَالَ فَمَا أَو مأت قَالَ لَا وَالله خشيت أَن يُقَال رجل من آل عمر
وَقَوله ﷺ كَانَت لَك نَافِلَة أَي صَلَاتك الَّتِي صليت مَعَهم هِيَ النَّافِلَة لِأَن الْفَرِيضَة قد مَضَت
стр. 434
- الأَصْل الرَّابِع عشر وَالْمِائَة
-
فِي أَن الْبِدَايَة فِي الْخيرَات بالأكابر
عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ إِن رَسُول الله ﷺ اسْتنَّ فَأعْطِي أكبر الْقَوْم ثمَّ قَالَ أَمرنِي جبرئيل ﵇ أَن أكبر
وروى زيد بن رفيع قَالَ دخل على رَسُول الله ﷺ جبرئيل وَمِيكَائِيل وَهُوَ يستاك فناول رَسُول الله ﷺ جبرئيل السِّوَاك فَقَالَ جبرئيل لَهُ أكبر أَي ناول مِيكَائِيل فَأَنَّهُ أكبر
وَعند عبد الله بن كَعْب أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا اسْتنَّ أعْطى السِّوَاك الْأَكْبَر وَإِذا شرب أعْطى الَّذِي عَن يَمِينه لِأَن أكبرهم سنا أقدمهم خُرُوج أَسْنَان وَمن كَانَ أقدم فَهُوَ أَحَق وَهَكَذَا فِي حق الْجَوَارِح يبْدَأ بالأقدم
روى أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا أدهن أحدكُم فليبدأ بحاجبه فَإِنَّهُ يذهب بالصداع وَذَلِكَ أول مَا ينْبت على ابْن آدم من الشّعْر فَإِذا قدم الشَّيْء فِي الْخلقَة فَهُوَ الْمُقدم فِي التَّدْبِير عِنْد خالقه وَصَاحبه مَطْلُوب بِحِفْظ ذَلِك ورعايته ليقدم مَا قدم الله وَيُؤَدِّي حَقه فَإِذا اتبع الْحق فِي كل شَيْء
стр. 435
من أمره فعقله مستريح وَإِذا اتبع الْجَهْل أتعبه لِأَن الْعقل مَسْكَنه الدِّمَاغ وتدبيره على الْقلب فَإِذا بَدَأَ بالحاجبين فِي الإدهان فقد أُدي حَقه لِأَنَّهُ بُدِئَ بِهِ فِي الْخلقَة فَإِذا ضيع الْحق فِي ذَلِك فَقدم الْمُؤخر وَأخر الْمُقدم فَغير مستنكر أَن يهيج الصداع لِأَن فِي فعله اتعاب الْحق وَالْعقل وَيبدأ بالأكبر فالأكبر فِي كل شَيْء لِأَنَّهُ إِذا لم يبْدَأ بِهِ لم يوقره
وَقَالَ ﷺ لَيْسَ منا من لم يوقر كَبِيرنَا
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا سقِِي قَالَ إبدءوا بالأكابر فان الْبركَة مَعَ أكابركم
وَقَوله إِذا شرب أعطي الَّذِي عَن يَمِينه لِأَن الْإِنَاء كَانَ وَاحِدًا فَإِذا شرب الْكَبِير وَقد فضلت فضلَة لم يجد بدا من مناولته غَيره فَالْحق للْيَمِين وَمن على الْيَمين كَذَلِك يرْوى عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 436
- الأَصْل الْخَامِس عشر وَالْمِائَة
-
فِي الْمُبَادرَة إِلَى الْآخِرَة
عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ أَخذ رَسُول الله ﷺ بِبَعْض جَسَدِي فَقَالَ كن فِي الدُّنْيَا كَأَنَّك غَرِيب أَو عَابِر سَبِيل وعد نَفسك من أهل الْقُبُور
الْغَرِيب نَازع قلبه إِلَى الوطن ماد عينه إِلَى أَهله شاخص أمله إِلَى وَقت الارتحال مَتى يُنَادى بالرحيل فيرتحل وَكلما قطع مرحلة خف ظَهره وهاج شوقه ينْتَظر نفاد المراحل وَنِهَايَة الْمسَافَة فَإِذا بلغ آخر مر حلَّة قلق وضاق ذرعا فَإِذا وَقع نظره على وَطنه رق ودمعت عَيناهُ فَبكى من طول الغربة ومقاساة الوحشة ثمَّ بَكَى فَرحا بوصوله
стр. 437
إِلَى الوطن وَنَظره إِلَى الأحباب فعلى هَذِه الصّفة دله ﷺ أَن يكون نَازع الْقلب إِلَى دَار السَّلَام مَادًّا عينه إِلَى الْملك العلام شاخصا أمله إِلَى دَعوته ينْتَظر مَتى يدعى فيجيب وَكلما قطع يَوْمًا من عمر خف ظَهره من أثقال الْعُمر وهاج شوقه ينْتَظر نفاد اللَّيَالِي وَالْأَيَّام الَّتِي أجلت لَهُ وَإِذا بلغ آخر يَوْمه قلق وضاق ذرعا لخوف الْخطر الَّذِي رَكبه وَأَنه لَا يدْرِي بِمَا يخْتم لَهُ فَإِذا كشف الغطاء عَنهُ وَبشر بالسلامة وأري مَكَانَهُ رق وَبكى من طول الغربة ومقاساة جهد النَّفس ثمَّ بَكَى فَرحا بلقاء مَوْلَاهُ ووصوله إِلَيْهِ والغريب مُنْفَرد منكسر الْقلب لَا يتهنى بعيش وَإِن كَانَ فِي سَعَة من الْعَيْش ونعمة لَا يتوجع لما ينوبه فِي سَفَره وَلَا يجزع لما يقاسي من الشدَّة لِأَنَّهُ يعلم أَن سَفَره مُنْقَطع
وَقَوله وعد نَفسك من أهل الْقُبُور أَن يَقُول سَاعَة بعد سَاعَة الْآن يحضرني أَمر الله تَعَالَى فيعد نَفسه مِنْهُم لَا من الْأَحْيَاء لِأَن أهل الْقُبُور قد انْقَطَعت أطماعهم من الْأَحْيَاء وَقَطعُوا الدُّنْيَا وَرفعُوا بالهم عَنْهَا وَلِهَذَا كَانَ السّلف يبادرون إِلَى تَصْحِيح الْأُمُور مَخَافَة أَن يُحَال مِمَّا يحافظ بَينهم وَبَين ذَلِك فَإِن الْأَمر قد غيب عَن الْخلق وَكَانَ عَامر بن عبد الْقَيْس رَحْمَة الله عَلَيْهِ يمر مسرعا إِلَى أَمر فَقيل لَهُ فَقَالَ أبادر طي صحيفتي وانْتهى كرز بن وبرة إِلَى قنطرة وَعَلَيْهَا زحام فَنزل عَن حِمَاره وَقَامَ يُصَلِّي وَقَالَ أكره أَن تبطل من عمري سَاعَة وَقيل لجَعْفَر بن برْقَان أَلا تخضب قَالَ أكره أَن يأتيني رَسُول رَبِّي وَأَنا مشتغل بِهِ وَسُئِلَ مُحَمَّد بن النَّضر عَن الصَّوْم فِي السّفر فَقَالَ الْمُبَادرَة الْمُبَادرَة فاغتنم وَسُئِلَ دَاوُد الطَّائِي عَن الرَّمْي وتعليمه فَقَالَ إِنَّمَا هِيَ أيامك فاقطعها بِمَا شِئْت
стр. 438
- الأَصْل السَّادِس عشر وَالْمِائَة
-
فِي أَن خوف الإقلال من سوء الظَّن بِاللَّه تَعَالَى
عَن عمر ﵁ أَن رجلا أَتَى رَسُول الله ﷺ فَسَأَلَهُ أَن يُعْطِيهِ فَقَالَ ﷺ مَا عِنْدِي شَيْء وَلَكِن اتبع عَليّ فَإِذا جَاءَ قضينا فَقَالَ عمر ﵁ مَا كلفك الله مَا لَا تقدر عَلَيْهِ فكره رَسُول الله ﷺ قَول عمر فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار يَا رَسُول الله أنْفق وَلَا تخف من ذِي الْعَرْش إقلالا فَتَبَسَّمَ رَسُول الله ﷺ بذلك وَعرف السرُور فِي وَجهه لقَوْل الْأنْصَارِيّ ثمَّ قَالَ ﷺ بذلك أمرت
خوف الإقلال من سوء الظَّن بِاللَّه تَعَالَى لِأَن الله تَعَالَى خلق الأَرْض بِمَا فِيهَا لبني آدم قَالَ تَعَالَى خلق لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا وسخر لكم مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض
стр. 439
فَهَذِهِ الْأَشْيَاء للآدمي قطعا لعذره ليَكُون لَهُ عبدا فِي الدُّنْيَا وَيقدم عَلَيْهِ غَدا فيحرره من الْعُبُودِيَّة ويبعثه ملكا إِلَى دَاره فالمستقيم من رفع باله وهمته عَن الدُّنْيَا وَكَانَ كل همته فِي إِقَامَة العبودة والكون لَهُ كَمَا خلقه مراقبا لأموره فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة منقادا لحكمه يعد نَفسه عبدا لَا يملك شَيْئا وأحواله عواري يقلبها وَليهَا سَاعَة فساعة كَيفَ شَاءَ لَيست لَهُ فِيهَا مَشِيئَة ويتوقى أَن يفكر فِيهَا فَيحدث لَهُ مَشِيئَة نَاظرا إِلَى مَا برز لَهُ من مَشِيئَة الْغَيْب وَخَوف الإقلال يضمحل من الْقلب بِأَن يحسن الظَّن بِاللَّه تَعَالَى وَيعلم أَنه رب غَنِي كريم وَقد استنار فِي صَدره غناهُ وَكَرمه فَإِذا أنْفق لم يخف الإقلال لِأَنَّهُ يخلف وَلَا يعوزه شَيْء وَإِذا عرفه بالقلة أَو بالضيق وَالْبخل جبن فِي ذَلِك
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ قَالَ الله تَعَالَى سبقت رَحْمَتي غَضَبي يَا ابْن آدم أنْفق عَلَيْك يَمِين الله ملأى سحاء لَا يغيضها شَيْء بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار
وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أطعمنَا يَا بِلَال قَالَ مَا عِنْدِي إِلَّا صَبر من تمر قد خبأته لَك قَالَ أما تخشى أَن يخسف الله بِهِ نَار جَهَنَّم أنْفق يَا بِلَال وَلَا تخشى من ذِي الْعَرْش إقلالا
وَعَن الزبير ﵁ قَالَ جِئْت حَتَّى جَلَست بَين يَدي رَسُول الله ﷺ فَأخذ بِطرف عمامتي من ورائي ثمَّ قَالَ يَا زبير إِنِّي رَسُول الله إِلَيْك خَاصَّة وَإِلَى النَّاس عَامَّة أَتَدْرِي مَاذَا قَالَ ربكُم
стр. 440
قلت الله وَرَسُوله أعلم قَالَ قَالَ ربكُم حِين اسْتَوَى على عَرْشه وَنظر إِلَى خلقه
عبَادي أَنْتُم خلقي وَأَنا ربكُم أرزاقكم بيَدي فَلَا تتعبوا فِيمَا تكفلت لكم واطلبوا مني أرزاقكم وإلي فارفعوا حَوَائِجكُمْ انصبوا الى أَنفسكُم أصب عَلَيْكُم أرزاقكم
أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ ربكُم قَالَ الله تَعَالَى عَبدِي أنْفق أنْفق عَلَيْك وأوسع أوسع عَلَيْك وَلَا تضيق فأضيق عَلَيْك وَلَا تضر فأضر عَلَيْك وَلَا تحزن فأحزن عَلَيْك
إِن بَاب الرزق مَفْتُوح من فَوق سبع سموات متواصل إِلَى الْعَرْش لَا يغلق لَيْلًا وَلَا نَهَارا ينزل الله تَعَالَى مِنْهُ الرزق على كل امْرِئ بِقدر نِيَّته وعطيته وصدقته وَنَفَقَته من أَكثر أَكثر لَهُ وَمن أقل أقل لَهُ وَمن أمسك أمسك عَلَيْهِ يَا زبير فَكل وَأعْطى وَلَا توك فيوكى عَلَيْك وَلَا تحصي فيحصى عَلَيْك وَلَا تقتر فيقتر عَلَيْك وَلَا تعسر فيعسر عَلَيْك يَا زبير إِن الله تَعَالَى يحب الْإِنْفَاق وَيبغض الاقتار وَإِن السخاء من الْيَقِين وَالْبخل من الشَّك فَلَا يدْخل النَّار من أَيقَن وَلَا يدْخل الْجنَّة من شكّ يَا زبير إِن الله يحب السخاء وَلَو بفلق تَمْرَة والشجاعة وَلَو بقتل عقرب أَو حَيَّة يَا زبير إِن الله تَعَالَى يحب الصَّبْر عِنْد زَلْزَلَة الزلزال وَالْيَقِين النَّافِذ عِنْد مَجِيء الشُّبُهَات وَالْعقل الْكَامِل عِنْد نزُول الشَّهَوَات والورع الصَّادِق عِنْد الْحَرَام والخبيثات يَا زبير عظم الاخوان وجلل الْأَبْرَار وَوقر الأخيار وصل الْجَار وَلَا تماش الْفجار وادخل الْجنَّة بِلَا حِسَاب وَلَا عَذَاب هَذِه وَصِيَّة الله إِلَيّ ووصيتي إِلَيْك يَا زبير
стр. 441
- الأَصْل السَّابِع عشر وَالْمِائَة
-
فِي النِّعْمَة وَالرَّحْمَة وَذكر بُلُوغ ذرى الْإِيمَان
عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يبْعَث الله يَوْم الْقِيَامَة عبدا لَا ذَنْب لَهُ فَيَقُول لَهُ بِأَيّ الْأَمريْنِ أحب إِلَيْك أجزيك بعملك أم بنعمتي عَلَيْك قَالَ يَا رب تعلم أَنِّي لم أعصك قَالَ خُذُوا عَبدِي بِنِعْمَة من نعمي فَلَا تبغي لَهُ حَسَنَة إِلَّا استفرغتها تِلْكَ النِّعْمَة فَيَقُول يَا رب بنعمتك ورحمتك قَالَ فَيَقُول بنعمتي ورحمتي وَيُؤْتى بِعَبْد محسن فِي نَفسه لَا يرى أَن لَهُ سَيِّئَة فَيُقَال لَهُ هَل كنت توالي أولياءي قَالَ يَا رب كنت من النَّاس سلما قَالَ فَهَل كنت تعادي أعدائي قَالَ يَا رب لم أكن احب أَن يكون بيني وَبَين أحد شَيْء قَالَ يَقُول الله وَعِزَّتِي لَا ينَال رَحْمَتي من لم يوال أوليائي وَلم يُعَاد أعدائي
فَالْأول عبد غافل عَن ربه متيقظ لآخرته مكب على نَفسه يحب أَن يلق الله تَعَالَى بِالصّدقِ من نَفسه فَيَقْتَضِي الثَّوَاب مِنْهُ على صدقه وَقد خَفِي عَلَيْهِ شَأْن الْمِنَّة وَالنعْمَة عَاشَ حَافِظًا لأموره مَادًّا عينه إِلَى ثَوَابه فَإِذا لقِيه نطق لِسَانه بِمَا توطنه فِي الدُّنْيَا وعامل الله تَعَالَى
стр. 442
بِهِ فتح لَهُ الْحق وَطلب مِنْهُ مَا يَقْتَضِيهِ شكرا لنعمه فَأخذ بأصغرها فاستفرغت عمله فَعندهَا انْكَشَفَ لَهُ الغطاء عَن شَأْن الْمِنَّة وَالنعْمَة وقدرهما فَطلب النِّعْمَة وَالرَّحْمَة وَهَذَا عبد لم يفقه إِذْ لَو فقه وَكَانَت لَهُ عبَادَة الثقلَيْن عمر الدُّنْيَا لم يلحظ إِلَيْهَا أَنه عمل شَيْئا وَلم يوازن ذَلِك أَصْغَر نعْمَة من نعم الله تَعَالَى
قَالَ ﷺ مَا عبد الله بِمثل الْفِقْه وَقَالَ من أَرَادَ الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين وَلَو كَانَ جريج الراهب فَقِيها لعلم أَن إِجَابَة أمه من عبَادَة ربه تَعَالَى
وَأما العَبْد الثَّانِي فَهُوَ عبد رعى نَفسه وَعجز عَن رِعَايَة الْحق سُبْحَانَهُ فَمن رعى نَفسه فَإِنَّمَا عمله حفظ جوارحه وَأَدَاء فَرَائِضه ائتمارا لأَمره وتناهيا عَن نَهْيه لِئَلَّا يهْلك نَفسه فَلذَلِك صَار للنَّاس سلما وَلم يدر أَن فِي رِعَايَة الْحق نجاة نَفسه والراعي للحق انْكَشَفَ لَهُ الغطاء عَن جَلَاله وعظمته فاشتعلت الحرقات فِي جَوْفه حبا لَهُ وشغوفا بِهِ حَتَّى أَدَّاهُ ذَلِك إِلَى مَعْرفَته فَامْتَلَأَ قلبه من جلال الله وعظمته فوالى أولياءه وعادى أعداءه مُوَافقَة لَهُ كَمَا أَن من حل من قَلْبك محلا ترى الدُّنْيَا بِهِ فيهيج حبك لَهُ أَن تحب من أحبه وتعادي من عَادَاهُ وَهَذَا من بُلُوغ العَبْد ذرى الْإِيمَان
стр. 443
- الأَصْل الثَّامِن عشر وَالْمِائَة
-
فِي دُعَائِهِ ﷺ
عَن عمر ﵁ قَالَ عَلمنِي رَسُول الله ﷺ فَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَل علانيتي صَالِحَة وَاجعَل سريرتي خيرا من علانيتي اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك من خير مَا يُؤْتِي النَّاس من المَال وَالْولد غير الضال والمضل
الْعَلَانِيَة الصَّالِحَة مرضاة الله تَعَالَى من الائتمار بِأَمْر الله تَعَالَى والتناهي عَن نَهْيه والسريرة الَّتِي هِيَ خير من الْعَلَانِيَة تَعْظِيم أمره وَنَهْيه وَالْوُقُوف عِنْد حكمه وَترك الِاخْتِيَار فِي جَمِيع أَحْوَاله وموافقته فِي مَشِيئَته حَتَّى مَا يحب إِلَّا مَا يحب وَلَا يكره إِلَّا مَا يكره وَلَا يُرِيد إِلَّا مَا يُرِيد
وَقَوله أَسأَلك من صَالح مَا يُؤْتِي النَّاس فَإِن الله يُؤْتِي النَّاس مَا يصير عَلَيْهِم وبالا ويؤتي مَا يُبَارك لَهُم فِيهِ فَمَا بورك لَهُم فِيهِ من مَال وَولد فَهُوَ صَالح مَا يُؤْتِي وَلَيْسَ ذَلِك بضال وَلَا مضل وَمَا نزعت مِنْهُ الْبركَة من المَال وَالْولد فَهُوَ الْفَاسِد وَهُوَ الضال المضل
стр. 444
- الأَصْل التَّاسِع عشر وَالْمِائَة
-
فِي مبادرة الْعَاطِس بِالْحَمْد
عَن وَاثِلَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من بَادر الْعَاطِس بِالْحَمْد لم يضرّهُ شَيْء من دَاء الْبَطن
العطاس تنفس الرّوح وسطوعه إِلَى الملكوت حنينا إِلَى قرب الله تَعَالَى لِأَنَّهُ من عِنْده جَاءَ وَهُوَ شَيْء لطيف طَاهِر طيب ملكوتي تمكن لَهُ فِي لحم وَدم وَأمر بالقرار فِيهِ فاستقر فَهَذَا من لطف رَبنَا لعَبْدِهِ وكرامته إِيَّاه وَلَوْلَا الْأَرْوَاح لم ينْتَفع بِهَذِهِ الْجَوَارِح قَالَ الله تَعَالَى وَلَقَد كرمنا بني آدم إِلَى قَوْله وفضلناهم على كثير مِمَّن خلقنَا تَفْضِيلًا
وَقَالَ ﷺ الْأَرْوَاح للْمَلَائكَة والآدميين وَالْجِنّ والانفاس للدواب
وَيُقَال ان الرّوح فِي الرَّأْس ثمَّ هُوَ بعد كالسربال فِي الْجَسَد قَالَ الله تَعَالَى ﴿فاضربوا فَوق الْأَعْنَاق واضربوا مِنْهُم كل بنان﴾
стр. 445
دلّ على مُسْتَقر الرّوح وَهُوَ المقتل فَإِذا عطس الْمُؤمن فَإِنَّمَا ذَلِك وَقت ذكر الله تَعَالَى لعَبْدِهِ وتعزية للروح بِمَا وَقع فِيهِ من الضّيق فاذا خلص إِلَى الرّوح تاق إِلَى مَوْضِعه وموطنه فَتلك الصَّيْحَة مِنْهُ فالمؤمن من رأى عَظِيم صنع الله تَعَالَى فِي جسده فحمده على صنعه وكرامته إِيَّاه بِالروحِ فالمبادر بِالْحَمْد أفهمهم لذَلِك أَلا ترى أَن آدم ﵇ لما عطس بَادر بِالْحَمْد فَقَالَ الله تَعَالَى لَهُ يَرْحَمك رَبك سبقت رَحْمَتي غَضَبي
فَكَذَلِك الْمُؤمن المتنبه لما عطس حمد فبورك عَلَيْهِ وَإِذا سمع عاطسا سبقه إِلَى الْحَمد لِأَنَّهُ رأى عَظِيم صنع الله تَعَالَى فِيهِ فاستوجب بذلك الْبركَة والعطف من الله وَإِذا بورك فِيهِ وقِي دَاء الْبَطن وَهُوَ وجع الخاصرة
وَقد رُوِيَ وقِي وجع الخاصرة وَالْمَكْر وَسُوء السرائر فِي الكليتين فَذَلِك دَاء الْبَطن فَإِذا كَانَ سَابِقًا بِالْحَمْد كَانَ متنبها وَكَانَ صَدره وجوفه مستنيرا فَلم يعْمل الْمَكْر فِيهِ شَيْئا
رُوِيَ أَن الله تَعَالَى أوحى إِلَى سُلَيْمَان ﵇ إِن عطس عاطس من وَرَاء سَبْعَة أبحر فاذكرني
وَلذَلِك قَالَ ﷺ حق الْمُسلم على الْمُسلم سِتّ خِصَال فَكَانَ إِحْدَاهُنَّ تشميت الْعَاطِس وَذَاكَ تهنئة بِمَا ظهر للْعَبد من الْحَال عِنْد ربه تَعَالَى فَإِذا لم يهنه فقد استهان بِهِ وَمن استهان بِأَمْر الله أهانه الله تَعَالَى
стр. 446
- الأَصْل الْمِائَة وَالْعشْرُونَ
-
فِي أَن أطيب الْكسْب كسب التُّجَّار وسني خصالهم
عَن معَاذ بن جبل ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أطيب الْكسْب كسب التُّجَّار الَّذين إِذا حدثوا لم يكذبوا وَإِذا ائتمنوا لم يخونوا وَإِذا وعدوا لم يخلفوا وَإِذا اشْتَروا لم يذموا وَإِذا باعوا لم يطروا وَإِذا كَانَ عَلَيْهِم لم يمطلوا وَإِذا كَانَ لَهُم لم يعسروا
فَهَذِهِ خِصَال الحافظين لحدود الله وَلَا يقدر على الْوَفَاء بهَا إِلَّا من وثق بضامن الرزق فِي شَأْن الرزق وَسقط عَن قلبه خَوفه وسكنت نَفسه ودرس محسبة الرزق من أَيْن وَكَيف فَعندهَا يسْتَحق اسْم التقوي والتقوي يصير رزقه من غير محسبة قَالَ الله تَعَالَى وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب
ومحسبة الرزق مظانه ومعادنه وأسبابه الَّتِي تعلّقت قُلُوب الْخلق بهَا حَتَّى يَعْصِي الله من أجل سَبَب لَا يدْرِي فِيهِ رزقه أم لَا مثل
стр. 447
ان اشْترى سلْعَة فخان فِيهَا أَو مدح بِمَا لَيْسَ فِيهِ فانما فعل ذَلِك لغنية قلبه وَأَنه يحْسب أَن ذَلِك رزقه ومعيشته وَكم من مغرور بِمثل هَذَا قد خدعه شَيْطَانه وأماني نَفسه ثمَّ يبغت بِالْمَوْتِ وَقد عري من منفعَته فَيصير مهنأة لوَارِثه والوبال عَلَيْهِ فَلَو سقط عَن قلبه محسبة معاشه ورزقه وَعلم أَن ذَلِك بيد الله تَعَالَى يُخرجهُ من مَشِيئَة الْغَيْب فيجريها بالأسباب كَانَ مراقبا لما يصنع مَوْلَاهُ مَادًّا عينه إِلَى مَا تخْتَار لَهُ ثمَّ لَا يتهمه إِن أَتَاهُ غير مَا تحب نَفسه يُؤْتى برزقه عفوا صفوا وتقواه مَعَه وعَلى رزقه طَابع الْإِيمَان
قَالَ ﷺ أفضل الْأَعْمَال أَن لَا تتهم الله تَعَالَى فِي شَيْء قضي عَلَيْك
والمتعلق بِأَسْبَاب الرزق قلبه جوال وَنَفسه جشعة وَهُوَ كالهمج فِي الْمَزَابِل يطير من مزبلة إِلَى مزبلة حَتَّى يجمع أوساخ الدُّنْيَا ثمَّ يخلفها وَرَاء ظَهره وَينْزع قَابض الْأَرْوَاح مخاليبه الَّتِي قد احتدت للقبض على حطام الدُّنْيَا ويلقى الله تَعَالَى بايمان سقيم دنسة وسخة ويخاطبه ربه فِي وقفته بَين يَدَيْهِ عَبدِي من كنت تعرف لنَفسك رَبًّا وإلها فَيَقُول لَهُ إياك عرفت وَبِك آمَنت فَيُجِيبهُ أَمن معرفتك إيَّايَ أَو إيمانك بِي كَانَ يحل بك من خوف الْقُوت والرزق مَا عَمَلك على أَن عَصَيْتنِي بأنواع الْمعْصِيَة لأَجله أشككت فِي ضماني أم اتهمتني أم أَسَأْت الظَّن بِي
فَمن فتح لَهُ طَرِيق الْهِدَايَة إِلَى الله تَعَالَى وَعرف ربه معرفَة الموقنين سقط عَن قلبه هم الرزق وفكره وَلها عَنهُ وشغله
стр. 448
عَن ذَلِك خوف جَلَاله وعظمته فَكفى مُؤْنَته وَمن لم يفتح لَهُ طَرِيق الْهِدَايَة تَعب قلبه بِمَا يرد عَلَيْهِ من المخاوف وَنصب مِمَّا تتعاوره ظنون السوء بِاللَّه تَعَالَى وكل بدنه فِي السَّعْي خلف زَانِيَة لَا ترد يَد لامس تتزين وتتشوق حَتَّى إِذا سبت الْقلب ولت هاربة والمسبي على أَثَرهَا كالواله وَهَذَا جَزَاء من أعرض عَن الله تَعَالَى وإحسانه وأياديه ومننه وَهل يجازى إِلَّا الكفور المكب على جمع حطام الدُّنْيَا من بَين شُبْهَة وَحرَام وحلال وَقد عصى الله تَعَالَى وينفقها فِي شهواته ومناه مضيعا لحدود الله تَعَالَى فِيهَا مُسْرِفًا بطرا يَأْخُذُونَ الدُّنْيَا على غَفلَة ويخزنونها على تُهْمَة وينفقونها فِي نهمة وَلَا يذكرُونَ مَا أمامهم من الصِّرَاط وَالْعرض على الله تَعَالَى وَالسُّؤَال ونسوا وعيده الَّذِي قدمه الله فَقَالَ كلا إِنَّهَا لظى نزاعة للشوى تَدْعُو من أدبر وَتَوَلَّى وَجمع فأوعى
وَمن قنعت نَفسه بِمَا أَعْطَيْت من الدُّنْيَا وَلم يرفع بِمَا سواهُ رَأْسا ورضيت فِي الْأَحْوَال بتدبير الله تَعَالَى وَحكمه فَقَالَ لَهُ يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية فادخلي فِي عبَادي وادخلي جنتي
وَقَالَ ﷺ من انْقَطع إِلَى الله كَفاهُ الله مُؤْنَته ورزقه من حَيْثُ لَا يحْتَسب
وَقَالَ ﷺ التَّاجِر الصدوق مَعَ النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَعَن قيلة أُخْت بني النمار ﵂ قَالَت
стр. 449
كنت امْرَأَة أَشْتَرِي وأبيع فِي السُّوق فَقدم رَسُول الله ﷺ مَكَّة فَأَتَيْته وَهُوَ عِنْد الْمَرْوَة فَقلت يَا رَسُول الله إِنِّي امْرَأَة أَشْتَرِي وأبيع فِي السُّوق فيأتيني الرجل يُرِيد أَن يَشْتَرِي مني الشَّيْء فأستام عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا أُرِيد أَن أبيعه فَلَا أَزَال أنقص وأنقص حَتَّى أبيعه بِالَّذِي أُرِيد وَكَذَلِكَ فِي الشِّرَاء قَالَ فَلَا تفعلي يَا قيلة إِذا أردْت أَن تبيعي شَيْئا فاستامي بِالَّذِي تريدين أَن تبيعيه بِهِ أَعْطَيْت أَو منعت وَإِذا أردْت أَن تشتري شَيْئا فاشتري بِالَّذِي تريدين أَن تشتريه بِهِ أَعْطَيْت أَو منعت
وَكَانَ زَاذَان ﵁ يَبِيع الكرابيس وَكَانَ يسوم سومة وَاحِدَة وَكَانَ إِذا جَاءَ المُشْتَرِي نَاوَلَهُ شَرّ الطَّرفَيْنِ
стр. 450
- الأَصْل الْحَادِي وَالْعشْرُونَ وَالْمِائَة
-
فِي أَن الروحانيين قراء أهل الْجنَّة وَأَن من اسْتمع الى صَوت غناء لم يُؤذن لَهُ أَن يستمع أَصْوَاتهم
عَن سهل من ولد أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من اسْتمع إِلَى صَوت غناء لم يُؤذن لَهُ أَن يستمع الروحانيين فِي الْجنَّة فَقيل وَمَا الروحانيون يَا رَسُول الله قَالَ قراء أهل الْجنَّة
وَفِي الْجنَّة أَئِمَّة كالعرفاء وهم الْأَنْبِيَاء ﵈ إِذا صَارُوا إِلَى الله تَعَالَى فهم أَمَام الْقَوْم وَالسَّابِقُونَ إِلَيْهِ وعرفاؤهم أهل الْقُرْآن الَّذين عرفُوا بِهِ هَهُنَا تِلَاوَة لَهُ وَعَملا بِهِ
قَالَ ﷺ أهل الْقُرْآن عرفاء أهل الْجنَّة وقراؤها فيلذذون أهل الْجنَّة بِمَا يُعْطون من الْأَصْوَات وحظ كل وَاحِد مِنْهُم من الله
стр. 451
على قدر دَرَجَته فَمنهمْ من كَانُوا يفرحون فِي الدُّنْيَا بالعطاء مَعَ نُفُوسهم فهم كَذَلِك فِي الْجنَّة فَرَحهمْ بِمَا يُعْطون فِي الْجنَّة فبه يتلذذون وَبِه يفرحون وَمِنْهُم من كَانُوا يفرحون بِاللَّه تَعَالَى فهم كَذَلِك فِي الْجنَّة فَرَحهمْ بِاللَّه تَعَالَى ودقت الْجنَّة فِي جنب فَرَحهمْ بِاللَّه تَعَالَى وهم الْأَوْلِيَاء ويسمون الروحانيين فالروح الَّذِي على قُلُوبهم شهرهم وَحسن أَصْوَاتهم فِي الْجنَّة حَتَّى يطربوا ويلذذوا أهل الْجنان وَهَذِه الطَّبَقَة على ثَلَاثَة أَصْنَاف مِنْهُم من يكون الرّوح على قُلُوبهم والفرح غَالب عَلَيْهِم ومثالهم فِي الْمَلَائِكَة هم المقربون وَمِنْهُم من يكون الهول على قُلُوبهم وَالْأَحْزَان غَالب عَلَيْهِم ومثالهم فِي الْمَلَائِكَة الكروبيون فَالْأول أهل روح من شَأْنهمْ التَّسْبِيح والتحميد وَالتَّقْدِيس فتح لَهُم من جماله وبهائه فانبسطوا وملكهم الْفَرح بِهِ وَالثَّانِي أهل كرب من شَأْنهمْ الْبكاء فتح لَهُم من جَلَاله وعظمته فاكتأبوا وملكهم الكرب وَيَقُولُونَ فِي تسبيحهم سُبْحَانَكَ مَا لم تبلغه قُلُوبنَا من خشيتك فَاغْفِر لنا يَوْم نقمتك من أعدئك
وَإِنَّمَا يَأْخُذ كل وَاحِد مَا أعطي وَينظر إِلَى مَا وضع بَين يَدَيْهِ وكشف لَهُ عَنهُ وَفتح لَهُ من الْغَيْب فالكروبيون كربهم وأحزانهم من رُؤْيَة التَّقْصِير والروحانيون شغلهمْ جماله عَن الِالْتِفَات إِلَى أنفسهم وأعمالهم فَإِذا ذكروها لم تَدعهُمْ رُؤْيَة جماله إِلَّا أَن يحسنوا الظَّن بِهِ فَحسن الظَّن بِهِ غَالب على رُؤْيَة التَّقْصِير والفرح لَهُم بِهِ دَائِم وَالروح على قُلُوبهم مترادف وصنف ثَالِث أَعلَى من هذَيْن قد جاوزوا هَاتين الخطتين إِلَى وحدانيته فانفردوا بِهِ فشغلتهم وحدانيته عَن الْجلَال وَالْجمال فهم أُمَنَاء الله تَعَالَى وأعلامه فِي أرضه وقواد دينه وهم الَّذين قَالَ ﷺ لأبي جُحَيْفَة جَالس الكبراء وهم الَّذين تكبروا فِي عَظمَة الله تَعَالَى وجلاله واعتزوا بِهِ وَله
والفرح على ثَلَاثَة أضْرب فَرح بالدنيا الدنية الزائلة فقد خسر أَهله
стр. 452
وَهُوَ فَرح الظَّالِمين قَالَ الله تَعَالَى وفرحوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا مَتَاع
وَقَالَ فِي قصَّة قَارون ﴿لَا تفرح إِن الله لَا يحب الفرحين﴾
وَفَرح بِفضل الله تَعَالَى وَرَحمته أَن فَضلهمْ بمعرفته وَالْإِيمَان بِهِ وَهَذَا فَرح الْمُقْتَصِدِينَ الشَّاكِرِينَ قَالَ تَعَالَى قل بِفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هُوَ خير مِمَّا يجمعُونَ
وَفَرح بِاللَّه تَعَالَى حَيْثُ انتبهوا أَنه رَبهم فِي عَظمته وجلاله ومجده وكبريائه وَملكه وَكَرمه وغناه وَهَذَا فَرح المقربين
فَالْأول عبد ملكته دُنْيَاهُ فَكَانَ بهَا يفتخر ويصول وَبهَا يفرح
ثمَّ أَفَاق إفاقة فملكته نَفسه بالعطايا الَّتِي وَردت على قلبه فَكَانَ بهَا يفتخر ويصول وَبهَا يفرح ثمَّ أَفَاق إفاقة فملكه الْحق ليروضه ويؤدبه بَين يَدَيْهِ حَتَّى يصلح لَهُ فَإِذا تمت رياضة الْحق لَهُ بِبَاب الْملك الْأَعْلَى رفع الْحجاب عَن قلبه وأوصله إِلَى قربه فَكَانَ بَين يَدَيْهِ بِهِ يفتخر وَبِه يصول وَبِه يفرح حَتَّى إِذا اطْمَأَن على الْمقَام واعتاده وسكنت مِنْهُ الأفراح والأهوال والدهشات من النّظر إِلَى جَلَاله وجماله قدمه إِلَى الْوَسِيلَة الْعُظْمَى والقربة الأوفى فغرق قلبه فِي وحدانيته فَصَارَ مُنْفَردا بِهِ مَشْغُولًا عَن جَمِيع صِفَاته فَهُوَ أَمِينه وَوَاحِد بَين عبيده فَهُوَ الَّذِي إِذا ناداه فِي أرضه يَا واحدي يصدق فِي قَوْله وهوالذي قَالَ ﷺ سِيرُوا فقد سبق المفردون قَالُوا يَا رَسُول الله وَمن المفردون قَالَ الَّذين اهتروا فِي ذكر
стр. 453
الله يأْتونَ يَوْم الْقِيَامَة خفافا يضع الذّكر عَنْهُم أثقالهم
فالمهتر هُوَ الَّذِي خرف فَذهب عقله فَإِذا تكلم هتر فِي كَلَامه كَأَنَّهُ يهذي والمفرد قد فَرد قلبه للْوَاحِد فِي وحدانيته وَجَاز من الْجلَال وَالْجمال إِلَى وحدانيته قد خمد نور عقله لنُور وَجهه الْكَرِيم فَصَارَ كالواله فِي ذكره كَالَّذي يهذي لِأَن من شَأْن الْعقل أَن يُقيم بك على الْحُدُود والأشياء الْمقدرَة الْمَعْلُومَة فَإِذا خمد الْعقل فقد ذهب عمله فَهُوَ الَّذِي اهتر فِي ذكر الله تَعَالَى فالمقتصدون يتعبدون بِذكرِهِ ويفرحون بفضله عَلَيْهِم وَالصِّدِّيقُونَ بِهِ يتنعمون بِهِ ويفرحون فَإِذا أدخلُوا الْجنَّة فهمة الْمُقْتَصِدِينَ الْوُصُول إِلَى ثَوَابه من المساكن والحور فِي الحجال وهمة الصديقين وقصدهم قربهم إِلَى رَبهم
يروي أَن الْمَلَائِكَة يأْتونَ الْمُؤمنِينَ يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُولُونَ يَا أَوْلِيَاء الله انْطَلقُوا فَيَقُولُونَ إِلَى أَيْن فَيَقُولُونَ إِلَى الْجنَّة فَيَقُولُونَ إِنَّكُم لتذهبون بِنَا إِلَى غير بغيتنا فَيُقَال لَهُم مَا بغيتكم فَيَقُولُونَ المقعد الصدْق مَعَ الحبيب
وَقَالَ ﷺ فِي قَوْله تَعَالَى إِن الْمُتَّقِينَ فِي جنَّات ونهر فِي مقْعد صدق عِنْد مليك مقتدر أَن أهل الْجنَّة يدْخلُونَ على الْجَبَّار كل يَوْم مرَّتَيْنِ فَيقْرَأ عَلَيْهِم الْقُرْآن وَقد جلس كل امرىء مِنْهُم مَجْلِسه على مَنَابِر الدّرّ والياقوت والزمرد وَالذَّهَب وَالْفِضَّة بِالْأَعْمَالِ فَلَا تقر أَعينهم قطّ كَمَا تقر بذلك وَلم يسمعوا شَيْئا أعظم مِنْهُ
стр. 454
وَلَا أحسن مِنْهُ ثمَّ يَنْصَرِفُونَ إِلَى رحالهم قريرة أَعينهم ناعمين إِلَى مثلهَا من الْغَد
فَهَؤُلَاءِ الروحانيون الَّذين ذكرهم رَسُول الله ﷺ أَنهم قراء أهل الْجنَّة فَمن اسْتمع إِلَى صَوت غناء فِي الدُّنْيَا ثمَّ دخل الْجنَّة حرم أَصْوَاتهم
стр. 455
- الأَصْل الثَّانِي وَالْعشْرُونَ وَالْمِائَة
-
فِي أَن خير هَذِه الْأمة أَولهَا وَآخِرهَا استقامة
عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ خير أمتِي أَولهَا وَآخِرهَا وَفِي وَسطهَا الكدر
وَفِي رِوَايَة ابْن عمر ﵄ مثل أمتِي مثل الْمَطَر لَا يدْرِي أَوله خير أَو آخِره
وَعَن عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة ﵁ قَالَ بَعَثَنِي خَالِد ابْن الْوَلِيد بشيرا إِلَى رَسُول الله ﷺ يَوْم مُؤْتَة فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ قلت يَا رَسُول الله فَقَالَ على رسلك يَا عبد الرَّحْمَن أَخذ اللِّوَاء زيد بن حَارِثَة فقاتل زيد حَتَّى قتل رحم الله زيدا ثمَّ أَخذ اللِّوَاء جَعْفَر فقاتل جَعْفَر حَتَّى قتل رحم الله جعفرا ثمَّ أَخذ اللِّوَاء عبد الله بن رَوَاحَة فقاتل فَقتل رحم الله عبد الله ثمَّ أَخذ اللِّوَاء خَالِد فَفتح الله لخَالِد فَخَالِد سيف من سيوف الله تَعَالَى فَبكى أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وهم حوله فَقَالَ مَا يبكيكم فَقَالُوا وَمَا لنا لَا نبكي وَقد قتل
стр. 456
خيارنا وَأَشْرَافنَا وَأهل الْفضل منا قَالَ لَا تبكوا فانما مثل أمتِي مثل حديقة قَامَ عَلَيْهَا صَاحبهَا فاجتثت رواكبها وهيأ مساكنها وَحلق سعفها فأطعمت عَاما فوجا ثما عَاما فوجا ثمَّ عَاما فوجا وَلَعَلَّ آخرهَا طعما يكون أَجودهَا قنوانا وأطولها شمراخا وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبيا ليجدن بن مَرْيَم فِي أمتِي خلقا من حواريه وَفِي رِوَايَة أُخْرَى ليدركن الْمَسِيح من هَذِه الْأمة أَقوام انهم لمثلكم أَو خير مِنْكُم ثَلَاث مَرَّات وَلنْ يخزي الله أمة أَنا أَولهَا والمسيح آخرهَا
من الله تَعَالَى على هَذِه الْأمة فَقَالَ تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ وَقَالَ تَعَالَى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا أَي عدلا لَا يمِيل إِلَى إفراط وَلَا إِلَى نُقْصَان فالميزان لِسَانه فِي وَسطه وباستواء الطَّرفَيْنِ والكفتين يَسْتَوِي لِسَان الْمِيزَان وَيقوم الْوَزْن فَجعلت أَوَائِل هَذِه الْأمة وأواخرها ككفتي الْمِيزَان يستويان لأَنهم يهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِه يعدلُونَ وَمَا بَينهمَا من العوج كلسان الْمِيزَان يَسْتَقِيم باستواء الكفتين فَإِنَّهُ إِن مَال الْوسط إِلَى أَي الْجَانِبَيْنِ مَال إِلَى ركن وثيق فَعم اسْتِوَاء الكفتين اعوجاج الْوسط
وَقد جَاءَ فِي الْخَبَر أَنه سَيظْهر الْعلم فِي آخر الزَّمَان وَيقبل النَّاس على أمرالله تَعَالَى حَتَّى تتمّ حجَّة الله على عباده
стр. 457
- الأَصْل الثَّالِث وَالْعشْرُونَ وَالْمِائَة
-
فِي شَرَائِط الْولَايَة
عَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن من أغبط أوليائي عِنْدِي مُؤمن خَفِيف الحاذ ذُو حَظّ من صلَاته أحسن عبَادَة ربه وَكَانَ غامضا فِي النَّاس وَكَانَ رزقه كفافا فَصَبر عَلَيْهِ فعجلت منيته وَقل تراثه وَقلت بوَاكِيهِ
стр. 458
وَقَالَ ﷺ هَكَذَا ونقر باصبعه هَكَذَا
الْوَلِيّ من كتب الله لَهُ الْولَايَة وَجعل لَهُ حظا فبحظه من الله تَعَالَى يقدر أَن يَتَوَلَّاهُ كَمَا أَن النُّبُوَّة لمن كتب لَهُ النُّبُوَّة وَجعل لَهُ حظا فبحظه من الله تَعَالَى قَامَت لَهُ النُّبُوَّة وَبَين الْأَنْبِيَاء ﵈ تفَاوت فِي الدَّرَجَات قَالَ تَعَالَى وَلَقَد فضلنَا بعض النَّبِيين على بعض
وَقَالَ تَعَالَى لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله الْآيَة وَهَذِه الْآيَة نزلت فِي أبي عُبَيْدَة ابْن الْجراح ﵁ حِين قتل أَبَاهُ يَوْم بدر
وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر لِأَبِيهِ ﵄ بَعْدَمَا أسلم يَا أَبَت لقد أهدفت لي يَوْم بدر فضفت عَنْك فَقَالَ أَبُو بكر ﵁ أما أَنَّك لَو أهدفت لي مَا ضفت عَنْك
وَكتب الله لأهل الْولَايَة ولايتهم وأيدهم بِروح مِنْهُ فَلَا تأحذهم
стр. 459
فِي الله لومة لائم وَلَا حب ولد وَلَا وَالِد وَلَا أهل وَلَا تالد
قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ لَا ينَال الرجل ولَايَة الله وَإِن كثرت صلَاته وصيامه حَتَّى يحب فِي الله وَيبغض فِي الله ويوالي فِي الله ويعادي فِي الله
فَبين الْأَنْبِيَاء تفَاوت فِي الْقُلُوب والدرجات وَكلهمْ أَنْبيَاء ﵈ فَكَذَلِك الْأَوْلِيَاء بَينهم تفَاوت وَكلهمْ أَوْلِيَاء فَهَذَا الَّذِي وَصفه ﷺ كَأَنَّهُ يَحْكِي عَن الله تَعَالَى فَقَالَ إِن من أغبط أوليائي عِنْدِي فالمغبوط من يقرب دَرَجَته من دَرَجَة الْأَنْبِيَاء علوا وارتفاعا مُؤمن خَفِيف الحاذ مثل أويس الْقَرنِي وأشباهه وَهَذِه صفة الظَّاهِر لَا صفة الْبَاطِن
وَقد يكون من الْأَوْلِيَاء من هُوَ أرفع دَرَجَة وَذَلِكَ عبد قد ولي الله اسْتِعْمَاله فَهُوَ فِي قَبضته يتقلب بِهِ ينْطق وَبِه يبصر وَبِه يبطش وَبِه يعقل شهره فِي أرضه وَجعله إِمَام خلقه وَصَاحب لِوَاء الْأَوْلِيَاء وأمان أهل الأَرْض ومنظر أهل السَّمَاء وَرَيْحَانَة الْجنان وخاصة الله وَمَوْضِع نظره ومعدن سره وسوط الله فِي أرضه يُؤَدب بِهِ خلقه ويحيي الْقُلُوب الْميتَة بِرُؤْيَتِهِ وَيرد الْخلق إِلَى طَرِيقه وينعش بِهِ حُقُوقه مِفْتَاح الْهدى وسراج الأَرْض وَأمين صحيفَة الْأَوْلِيَاء وَقَائِدهمْ والقائم بالثناء على ربه بَين يَدي رَسُوله ﷺ يباهي بِهِ الرَّسُول ﷺ فِي ذَلِك الْموقف وينوه الله باسمه فِي ذَلِك الْمقَام ويقر عين الرَّسُول بِهِ ﷺ قد اخذ الله بِقَلْبِه أَيَّام الدُّنْيَا ونحله حكمته الْعليا وَأهْدى إِلَيْهِ توحيده ونزه طَرِيقه عَن رُؤْيَة النَّفس وظل الْهوى وائتمنه على صحيفَة الْأَوْلِيَاء وعرفه مقاماتهم وأطلعه على مَنَازِلهمْ فَهُوَ سيد النجباء وَصَالح الْحُكَمَاء وشفاء الأدواء وَإِمَام الْأَطِبَّاء كَلَامه قيد الْقُلُوب ورؤيته شِفَاء النُّفُوس وإقباله قهر الْأَهْوَاء وقربه طهر الأدناس فَهُوَ ربيع يزهر بنوره وخريف يجتنى ثماره وكهف يلجا إِلَيْهِ ومعدن
стр. 460
يؤمل مَا لَدَيْهِ وَفصل بَين الْحق وَالْبَاطِل وَهُوَ الصّديق والفاروق وَالْوَلِيّ والعارف والمحدث وَاحِد الله فِي ارضه
قَالَ ﷺ يكون فِي هَذِه الْأمة قُلُوب على قلب إِبْرَاهِيم ﵇ وهم صنف من البدلاء
وَقَالَ فِي شَأْن هِلَال عبد الْمُغيرَة بن شُعْبَة هَذَا أحد السَّبْعَة الَّذين بهم تقوم الأَرْض بل هُوَ خير مِنْهُم
رُوِيَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ كنت مَعَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يدْخل من هَذَا الْبَاب رجل من أهل الْجنَّة فَقَامَ رَسُول الله ﷺ إِلَى الصَّلَاة قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ فَخرجت من ذَلِك الْبَاب فمضيت فَنَظَرت هَل أرى أحدا فَلم أر أحدا فَدخلت فِيهِ فَقَعَدت إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أما أَنَّك لست بِهِ يَا أَبَا الدَّرْدَاء ثمَّ جَاءَ رجل حبشِي فَدخل من ذَلِك الْبَاب وَعَلِيهِ جُبَّة صوف فِيهَا رقاع من آدم رام بطرفه إِلَى السَّمَاء حَتَّى قَامَ على رَسُول الله ﷺ فَسلم عَلَيْهِ فَقَالَ كَيفَ أَنْت يَا هِلَال فَقَالَ بِخَير يَا رَسُول الله جعلك الله بِخَير فَقَالَ ﷺ ادْع لنا يَا هِلَال واستغفر لنا فَقَالَ رَضِي الله عَنْك يَا رَسُول الله وَغفر لَك فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء فَقلت لَهُ اسْتغْفر لي يَا هِلَال فَأَعْرض عني ثمَّ عاودته الثَّانِيَة فَأقبل على رَسُول الله ﷺ ثمَّ قَالَ أراض أَنْت عَنهُ يَا رَسُول الله قَالَ نعم قَالَ رَضِي الله عَنْك وَغفر لَك ثمَّ خرج وَهُوَ رام بطرفه إِلَى السَّمَاء فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء لقد رَأَيْت عجبا يَا رَسُول الله لقد أقبل وَهُوَ رام بطرفه إِلَى السَّمَاء وَمَا يقْلع ثمَّ خرج وَهُوَ على ذَلِك فَقَالَ ﷺ لَئِن قلت ذَاك ان قلبه لمعلق بالعرش أما أَنه لم يبْق فِيكُم أَكثر من ثَلَاثَة أَيَّام فأحصيت الْأَيَّام فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث وَصلى رَسُول الله ﷺ الْفجْر خرج من الْمَسْجِد وَنحن مَعَه فَخرج يؤم دَار الْمُغيرَة بن شُعْبَة فلقي الْمُغيرَة خَارِجا من دَاره فَقَالَ لَهُ
следующие страницы →