Полный текст (1 237 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
خيارنا وَأَشْرَافنَا وَأهل الْفضل منا قَالَ لَا تبكوا فانما مثل أمتِي مثل حديقة قَامَ عَلَيْهَا صَاحبهَا فاجتثت رواكبها وهيأ مساكنها وَحلق سعفها فأطعمت عَاما فوجا ثما عَاما فوجا ثمَّ عَاما فوجا وَلَعَلَّ آخرهَا طعما يكون أَجودهَا قنوانا وأطولها شمراخا وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبيا ليجدن بن مَرْيَم فِي أمتِي خلقا من حواريه وَفِي رِوَايَة أُخْرَى ليدركن الْمَسِيح من هَذِه الْأمة أَقوام انهم لمثلكم أَو خير مِنْكُم ثَلَاث مَرَّات وَلنْ يخزي الله أمة أَنا أَولهَا والمسيح آخرهَا
من الله تَعَالَى على هَذِه الْأمة فَقَالَ تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ وَقَالَ تَعَالَى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا أَي عدلا لَا يمِيل إِلَى إفراط وَلَا إِلَى نُقْصَان فالميزان لِسَانه فِي وَسطه وباستواء الطَّرفَيْنِ والكفتين يَسْتَوِي لِسَان الْمِيزَان وَيقوم الْوَزْن فَجعلت أَوَائِل هَذِه الْأمة وأواخرها ككفتي الْمِيزَان يستويان لأَنهم يهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِه يعدلُونَ وَمَا بَينهمَا من العوج كلسان الْمِيزَان يَسْتَقِيم باستواء الكفتين فَإِنَّهُ إِن مَال الْوسط إِلَى أَي الْجَانِبَيْنِ مَال إِلَى ركن وثيق فَعم اسْتِوَاء الكفتين اعوجاج الْوسط
وَقد جَاءَ فِي الْخَبَر أَنه سَيظْهر الْعلم فِي آخر الزَّمَان وَيقبل النَّاس على أمرالله تَعَالَى حَتَّى تتمّ حجَّة الله على عباده
стр. 457
- الأَصْل الثَّالِث وَالْعشْرُونَ وَالْمِائَة
-
فِي شَرَائِط الْولَايَة
عَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن من أغبط أوليائي عِنْدِي مُؤمن خَفِيف الحاذ ذُو حَظّ من صلَاته أحسن عبَادَة ربه وَكَانَ غامضا فِي النَّاس وَكَانَ رزقه كفافا فَصَبر عَلَيْهِ فعجلت منيته وَقل تراثه وَقلت بوَاكِيهِ
стр. 458
وَقَالَ ﷺ هَكَذَا ونقر باصبعه هَكَذَا
الْوَلِيّ من كتب الله لَهُ الْولَايَة وَجعل لَهُ حظا فبحظه من الله تَعَالَى يقدر أَن يَتَوَلَّاهُ كَمَا أَن النُّبُوَّة لمن كتب لَهُ النُّبُوَّة وَجعل لَهُ حظا فبحظه من الله تَعَالَى قَامَت لَهُ النُّبُوَّة وَبَين الْأَنْبِيَاء ﵈ تفَاوت فِي الدَّرَجَات قَالَ تَعَالَى وَلَقَد فضلنَا بعض النَّبِيين على بعض
وَقَالَ تَعَالَى لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله الْآيَة وَهَذِه الْآيَة نزلت فِي أبي عُبَيْدَة ابْن الْجراح ﵁ حِين قتل أَبَاهُ يَوْم بدر
وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر لِأَبِيهِ ﵄ بَعْدَمَا أسلم يَا أَبَت لقد أهدفت لي يَوْم بدر فضفت عَنْك فَقَالَ أَبُو بكر ﵁ أما أَنَّك لَو أهدفت لي مَا ضفت عَنْك
وَكتب الله لأهل الْولَايَة ولايتهم وأيدهم بِروح مِنْهُ فَلَا تأحذهم
стр. 459
فِي الله لومة لائم وَلَا حب ولد وَلَا وَالِد وَلَا أهل وَلَا تالد
قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ لَا ينَال الرجل ولَايَة الله وَإِن كثرت صلَاته وصيامه حَتَّى يحب فِي الله وَيبغض فِي الله ويوالي فِي الله ويعادي فِي الله
فَبين الْأَنْبِيَاء تفَاوت فِي الْقُلُوب والدرجات وَكلهمْ أَنْبيَاء ﵈ فَكَذَلِك الْأَوْلِيَاء بَينهم تفَاوت وَكلهمْ أَوْلِيَاء فَهَذَا الَّذِي وَصفه ﷺ كَأَنَّهُ يَحْكِي عَن الله تَعَالَى فَقَالَ إِن من أغبط أوليائي عِنْدِي فالمغبوط من يقرب دَرَجَته من دَرَجَة الْأَنْبِيَاء علوا وارتفاعا مُؤمن خَفِيف الحاذ مثل أويس الْقَرنِي وأشباهه وَهَذِه صفة الظَّاهِر لَا صفة الْبَاطِن
وَقد يكون من الْأَوْلِيَاء من هُوَ أرفع دَرَجَة وَذَلِكَ عبد قد ولي الله اسْتِعْمَاله فَهُوَ فِي قَبضته يتقلب بِهِ ينْطق وَبِه يبصر وَبِه يبطش وَبِه يعقل شهره فِي أرضه وَجعله إِمَام خلقه وَصَاحب لِوَاء الْأَوْلِيَاء وأمان أهل الأَرْض ومنظر أهل السَّمَاء وَرَيْحَانَة الْجنان وخاصة الله وَمَوْضِع نظره ومعدن سره وسوط الله فِي أرضه يُؤَدب بِهِ خلقه ويحيي الْقُلُوب الْميتَة بِرُؤْيَتِهِ وَيرد الْخلق إِلَى طَرِيقه وينعش بِهِ حُقُوقه مِفْتَاح الْهدى وسراج الأَرْض وَأمين صحيفَة الْأَوْلِيَاء وَقَائِدهمْ والقائم بالثناء على ربه بَين يَدي رَسُوله ﷺ يباهي بِهِ الرَّسُول ﷺ فِي ذَلِك الْموقف وينوه الله باسمه فِي ذَلِك الْمقَام ويقر عين الرَّسُول بِهِ ﷺ قد اخذ الله بِقَلْبِه أَيَّام الدُّنْيَا ونحله حكمته الْعليا وَأهْدى إِلَيْهِ توحيده ونزه طَرِيقه عَن رُؤْيَة النَّفس وظل الْهوى وائتمنه على صحيفَة الْأَوْلِيَاء وعرفه مقاماتهم وأطلعه على مَنَازِلهمْ فَهُوَ سيد النجباء وَصَالح الْحُكَمَاء وشفاء الأدواء وَإِمَام الْأَطِبَّاء كَلَامه قيد الْقُلُوب ورؤيته شِفَاء النُّفُوس وإقباله قهر الْأَهْوَاء وقربه طهر الأدناس فَهُوَ ربيع يزهر بنوره وخريف يجتنى ثماره وكهف يلجا إِلَيْهِ ومعدن
стр. 460
يؤمل مَا لَدَيْهِ وَفصل بَين الْحق وَالْبَاطِل وَهُوَ الصّديق والفاروق وَالْوَلِيّ والعارف والمحدث وَاحِد الله فِي ارضه
قَالَ ﷺ يكون فِي هَذِه الْأمة قُلُوب على قلب إِبْرَاهِيم ﵇ وهم صنف من البدلاء
وَقَالَ فِي شَأْن هِلَال عبد الْمُغيرَة بن شُعْبَة هَذَا أحد السَّبْعَة الَّذين بهم تقوم الأَرْض بل هُوَ خير مِنْهُم
رُوِيَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ كنت مَعَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يدْخل من هَذَا الْبَاب رجل من أهل الْجنَّة فَقَامَ رَسُول الله ﷺ إِلَى الصَّلَاة قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ فَخرجت من ذَلِك الْبَاب فمضيت فَنَظَرت هَل أرى أحدا فَلم أر أحدا فَدخلت فِيهِ فَقَعَدت إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أما أَنَّك لست بِهِ يَا أَبَا الدَّرْدَاء ثمَّ جَاءَ رجل حبشِي فَدخل من ذَلِك الْبَاب وَعَلِيهِ جُبَّة صوف فِيهَا رقاع من آدم رام بطرفه إِلَى السَّمَاء حَتَّى قَامَ على رَسُول الله ﷺ فَسلم عَلَيْهِ فَقَالَ كَيفَ أَنْت يَا هِلَال فَقَالَ بِخَير يَا رَسُول الله جعلك الله بِخَير فَقَالَ ﷺ ادْع لنا يَا هِلَال واستغفر لنا فَقَالَ رَضِي الله عَنْك يَا رَسُول الله وَغفر لَك فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء فَقلت لَهُ اسْتغْفر لي يَا هِلَال فَأَعْرض عني ثمَّ عاودته الثَّانِيَة فَأقبل على رَسُول الله ﷺ ثمَّ قَالَ أراض أَنْت عَنهُ يَا رَسُول الله قَالَ نعم قَالَ رَضِي الله عَنْك وَغفر لَك ثمَّ خرج وَهُوَ رام بطرفه إِلَى السَّمَاء فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء لقد رَأَيْت عجبا يَا رَسُول الله لقد أقبل وَهُوَ رام بطرفه إِلَى السَّمَاء وَمَا يقْلع ثمَّ خرج وَهُوَ على ذَلِك فَقَالَ ﷺ لَئِن قلت ذَاك ان قلبه لمعلق بالعرش أما أَنه لم يبْق فِيكُم أَكثر من ثَلَاثَة أَيَّام فأحصيت الْأَيَّام فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث وَصلى رَسُول الله ﷺ الْفجْر خرج من الْمَسْجِد وَنحن مَعَه فَخرج يؤم دَار الْمُغيرَة بن شُعْبَة فلقي الْمُغيرَة خَارِجا من دَاره فَقَالَ لَهُ
стр. 461
آجرك الله يَا مُغيرَة قَالَ يَا رَسُول الله مَا مَاتَ فِي دَارنَا اللَّيْلَة أحد قَالَ بلَى توفّي هِلَال فالتمسه برَسُول الله ﷺ فَوَجَدَهُ فِي نَاحيَة الدَّار فِي إصطبل لَهُ خارا على وَجهه سَاجِدا مَيتا فَأمر أَصْحَابه فاحتملوه فولي أمره رَسُول الله ﷺ بِنَفسِهِ حَتَّى دفن ثمَّ أقبل على أبي الدَّرْدَاء فَقَالَ يَا أَبَا الدَّرْدَاء أما إِنَّه أحد السَّبْعَة الَّذين بهم كَانَت تقوم الأَرْض وبهم كُنْتُم تستسقون الْمَطَر بل هُوَ خَيرهمْ
فالصديقون أَمَان أهل الأَرْض وهم خلفاء النَّبِيين لما خلت الأَرْض عَن النُّبُوَّة شكت إِلَى الله تَعَالَى وعجت فَقَالَ سَوف أجعَل عَلَيْك أَرْبَعِينَ صديقا كلما مَاتَ وَاحِد بدل الله مَكَانَهُ والحظ هُوَ أَن فتح الله تَعَالَى لعَبْدِهِ قلبه وَقذف فِي صَدره النُّور حَتَّى ينخرق حجب الشَّهَوَات ويضيء فَهُوَ على نور من ربه وَجعل لَهُ طَرِيقا إِلَيْهِ فَذَاك مُبْتَدأ الْحَظ فَلَا يزَال يسير إِلَيْهِ ويأتيه المدد من النُّور حَتَّى يصل إِلَيْهِ فَيظْهر على قلبه جَلَاله وعظمته وجماله وبهاؤه فَلَا يزَال هُنَاكَ حَتَّى يصل إِلَى فرديته فَيصير والها بِهِ مبهوتا فِي وحدانيته فَهَذَا هُوَ الْحَظ الوافر الباهر
قَالَ الله تَعَالَى وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا
فالأنبياء ﵈ لَهُم حَظّ النُّبُوَّة والأولياء لَهُم حَظّ الْولَايَة قَالَ تَعَالَى أَلا إِن أَوْلِيَاء الله لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُم الْبُشْرَى فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة لَا تَبْدِيل لكلمات الله
هم طَائِفَة من الْمُؤمنِينَ قد خصهم الله تَعَالَى بِالْولَايَةِ وعصمهم بِالْيَقِينِ وَنور قُلُوبهم بالهداية ولي الله تَعَالَى مِنْهُم ذَلِك واجتباهم لنَفسِهِ
стр. 462
فهم صَنِيعه وهم الَّذين ذكرهم الله تَعَالَى ﴿فبشر عباد الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه﴾
قَالَ الضَّحَّاك ﵀ أحْسنه مَا أَمر الله تَعَالَى النَّبِيين من الطَّاعَة وَقَالَ ﷺ فِي حَدِيث جِبْرَائِيل ﵇ حَيْثُ سَأَلَهُ عَن الْإِحْسَان مَا الْإِحْسَان فَقَالَ أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك قَالَ فَإِذا فعلت ذَلِك فَأَنا محسن قَالَ نعم قَالَ صدقت
فَمن عبد الله كَأَنَّهُ يرَاهُ إستمع إِلَى القَوْل فَاتبع أحْسنه وَنظر إِلَى الْأُمُور فَعمل بأحسنها
стр. 463
- الأَصْل الرَّابِع وَالْعشْرُونَ وَالْمِائَة
-
فِي ضغطة الْقَبْر وعذابه
عَن حُذَيْفَة ﵁ قَالَ كُنَّا فِي جَنَازَة مَعَ رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا انتهينا إِلَى الْقَبْر جلس ﷺ على شفته وَجعل ينظر ثمَّ قَالَ يضغط الْمُؤمن فِي هَذَا ضغطة يَزُول مِنْهَا حمائله ويملأ على الْكَافِر نَارا
فالمؤمن من أشرق نور الْإِيمَان فِي صَدره فباشر اللَّذَّات والشهوات وَهِي من الأَرْض وَالْأَرْض مطيعة وَخلق الْآدَمِيّ مِنْهَا وَقد أَخذ عَلَيْهِ الْعَهْد والميثاق فِي العبودة فَمَا نقض من وَفَاء العبودة صَارَت واجدة عَلَيْهِ فَإِذا وجدته فِي بَطنهَا ضمته ضمة ثمَّ تُدْرِكهُ الرَّحْمَة فترحب عَلَيْهِ وعَلى قدر مَجِيء الرَّحْمَة يتَخَلَّص من الضمة فَإِن كَانَ محسنا فَإِن رَحْمَة الله قريب من الْمُحْسِنِينَ فَلم يكن للضمة لبث وَإِن كَانَ خَارِجا عَن حد المحسنيين يطول اللّّبْث فِي الضمة حَتَّى تُدْرِكهُ الرَّحْمَة وَهَذَا لِأَن المحسن توسع عَلَيْهِ الرَّحْمَة وَتلك الضمة ضمة الشَّفَقَة لَا ضمة السخطة لِأَنَّهُ كَانَ على ظهرهَا محسنا وَكَانَت مشتاقة إِلَيْهِ
стр. 464
فَلَمَّا وجدته فِي بَطنهَا ضمته كغائب وجد غائبه بعد الشوق إِلَيْهِ والظالم المخلط يكون لضمته لبث حَتَّى تُدْرِكهُ الرَّحْمَة وَالْكَافِر لَا خلاق لَهُ من الرَّحْمَة فَيمْلَأ عَلَيْهِ نَارا
روى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الْمُؤمن فِي قَبره فِي رَوْضَة خضراء يرحب لَهُ قَبره سبعين ذِرَاعا وينور لَهُ قَبره مثل لَيْلَة الْبَدْر أَتَدْرُونَ فيمَ نزلت هَذِه الْآيَة ﴿فَإِن لَهُ معيشة ضنكا﴾ قَالَ عَذَاب الْقَبْر وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّه ليسلط عَلَيْهِ تِسْعَة وَتسْعُونَ تنينا أَتَدْرُونَ مَا التنين تِسْعَة وَتسْعُونَ حَيَّة لكل حَيَّة مِنْهَا تِسْعَة رُؤُوس ينفخن فِي جِسْمه ويلسعنه ويخدشنه إِلَى يَوْم يبعثون
وَهَذَا لِأَن من عَاد من بني آدم إِلَى الأَرْض بعد الْمَوْت وَقد وضع الله تَعَالَى وزره فَلَا سَبِيل للْأَرْض عَلَيْهِ لِأَنَّهُ نَفسه قد طهرت من الدنس فَإِذا عَاد جسده إِلَى الأَرْض الَّتِي مِنْهَا ابتدئت مَعَ نور الْإِيمَان وَنور الطَّاعَات فَذَاك جَسَد أشرف وَأعظم خطرا من أَن تضمه الأَرْض وتضغطه فَإِن هَذَا الْجَسَد صَار فِي مرتبَة أعظم من مرتبَة الأَرْض من منن الله تَعَالَى فِيهَا وطاعته لَا تشبه طَاعَة الأَرْض لِأَن نفس الأَرْض مجبورة وَنَفس الْآدَمِيّ مَفْتُونَة بالشهوات فَلَيْسَتْ طَاعَة شَيْء من خلق الله تشبه طَاعَة الْآدَمِيّ لِأَنَّهُ يُخرجهُ من بَين شهوات ووساوس وعجائب
стр. 465
وَمَا رُوِيَ عَن ابْن عمر ﵄ فِي شَأْن سعد بن معَاذ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ دخل قَبره فاحتبس فَقَالُوا مَا حَبسك يَا رَسُول الله قَالَ ضم سعد فِي الْقَبْر ضمة فدعوت الله أَن يكْشف عَنهُ
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى جلس على الْقَبْر فَقَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله سُبْحَانَ الله هَذَا العَبْد الصَّالح لقد ضيق عَلَيْهِ قَبره حَتَّى خشيت أَن لَا يُوسع عَلَيْهِ ثمَّ وسع عَلَيْهِ
وَرُوِيَ فِي الْخَبَر أَنه سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك فَقَالَ كَانَ يقصر فِي بعض الطّهُور من الْبَوْل
فَإِن الْقَوْم من ابْتِدَاء الْإِسْلَام يتمسحون بِالْحِجَارَةِ وَالتُّرَاب فَلَمَّا نزل قَوْله تَعَالَى ﴿رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين﴾ فَشَا فيهم الطّهُور فَمنهمْ من كَانَ يستنجي وَمِنْهُم من كَانَ يتَطَهَّر بِالْمَاءِ وَلَيْسَ الِاسْتِنْجَاء بذنب عِنْدهم وَلَا خَطِيئَة فيحاسبون فِي قُبُورهم فَمن ورد اللَّحْد مَعَ التَّقْصِير نالته ضمة الأَرْض كَمَا نَالَتْ سَعْدا مَعَ عظم قدره فَكَانَت ضمة ثمَّ فرج عَنهُ
قَالَ حُذَيْفَة بن الْيَمَان ﵁ فِي الْقَبْر حِسَاب وَفِي الْآخِرَة حِسَاب فَمن حُوسِبَ فِي الْقَبْر لم يعذب فِي الْآخِرَة
وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اتَّقوا الْبَوْل فَإِنَّهُ من أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد فِي الْقَبْر
стр. 466
وَرُوِيَ أَنه لما توفيت زَيْنَب بنت رَسُول الله ﷺ خرج رَسُول الله ﷺ إِلَى جنازتها قَالَ فَكَأَنَّمَا يسفي على وَجه رَسُول الله ﷺ الرماد فَلَمَّا دفنت ذهب عَنهُ بعض ذَلِك فَقَالُوا يَا رَسُول الله لَا نزال نرى فِي وَجهك مَا نكرهه قَالَ إِنِّي ذكرت ضعفها وضغطة الْقَبْر فعفي لي عَنْهَا وَلَقَد ضغطت ضغطة سمع كل شَيْء صَوتهَا إِلَّا الثقلَيْن
وَقَالَ ﷺ لَو أفلت من فتْنَة الْقَبْر أَو ضمه لنجا سعد وَلَقَد ضم ضمة ثمَّ أرْخى عَلَيْهِ
وَهَذَا لأهل الاسْتقَامَة يكون من التَّقْصِير ثمَّ رفع عَنْهُم لِأَن الْحق يَقْتَضِي حَقه ثمَّ تجيئه الرَّحْمَة فتكشف عَنهُ
فَأَما الْأَنْبِيَاء والأولياء ﵈ فَلَيْسَ لَهُم ضمة وَلَا سُؤال لأَنهم بحظهم من رَبهم امْتَنعُوا من ذَلِك وتخلصوا فان على قُلُوبهم من جلال الله تَعَالَى وعظمته مَا إِذا وردوا اللحود تهابهم اللحود من جلالتهم
قَالَ ﷺ من هاب الله تَعَالَى أهاب الله مِنْهُ كل شَيْء وَقَالَ ﷺ من اتقِي الله أهاب الله مِنْهُ كل شَيْء وَمن لم يتق الله أهابه الله من كل شَيْء
وَقَالَ ﷺ لَو عَرَفْتُمْ الله تَعَالَى حق مَعْرفَته لزالت بدعائكم الْجبَال
стр. 467
وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود ﵁ على مصاب ﴿أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا﴾ الْآيَة فبرأ فَقَالَ ﷺ لَو قَرَأَهَا موقن على جبل لزال وَهَذَا لِأَن الْقلب إِذا كَانَ لَهُ حَظّ من السُّلْطَان والهيبة والجلال نفذ قَوْله وَفعله فَمن نور الله قلبه بِالْيَقِينِ وَفتح على قلبه من جَلَاله وعظمته وسلطانه هابه كل من رَآهُ
وَمن هَهُنَا قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ وَالله لدرة عمر كَانَت أهيب فِي صُدُور النَّاس من سيوف غَيره
وَكَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يهابونه وَإِذا أَرَادوا أَن يكلموه بِشَيْء رفعوا ذَلِك إِلَى بنته حَفْصَة ﵂ هَيْبَة لَهُ
وَعَن نَافِع قَالَ خرج عنق نَار من حمرَة النَّار لَا تمر على شَيْء إِلَّا أحرقته فاتى عمر ﵁ فَأخْبر بهَا فَصَعدَ الْمِنْبَر وَحمد الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ أَيهَا النَّاس أطفئوها بِالصَّدَقَةِ فجَاء عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف بأَرْبعَة آلَاف دِينَار فَقَالَ عمر مَاذَا صنعت حصرت النَّاس فَتصدق النَّاس فَأتى عمر ﵁ فَقَالُوا لَهُ قد طفئت فَقَالَ لَو لم تفعل لذهبت حَتَّى أنزل عَلَيْهَا وزلزلت الْمَدِينَة على عهد عمر ﵁ حَتَّى اصطفقت السرر فَقَامَ عمر ﵁ على الْمِنْبَر فَقَالَ أَيهَا النَّاس مَا هَذَا مَا أسْرع مَا أحدثتم قَالَ فسكنت فَقَالَ لَئِن عَادَتْ لَا أساكنكم فِيهَا وَكَانَ رَسُول الله ﷺ مَعَ طلاقته وبشاشته إِلَى أَصْحَابه وَرَحمته وَعطفه على الْأمة يهابه الْخلق كَأَنَّمَا على رُءُوسهم الطير حَتَّى كَانُوا يغتنمون أَن يجيئهم أحد من الْبَادِيَة فِي جفائه فيسأله عَن بعض الْأَمر وَقَالَ لرجل جلس عِنْده فَأَخَذته الرعدة فَقَالَ هون عَلَيْك فَإِنَّمَا أَنا ابْن امْرَأَة كَانَت تَأْكُل القديد
стр. 468
فَإِذا كَانَ هَذَا حَال الْمُؤمن على ظهر الأَرْض فَكيف يجوز أَن تضمه عَن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الْمُؤمن إِذا مَاتَ تجملت الْمَقَابِر لمَوْته فَلَيْسَ مِنْهَا بقْعَة إِلَّا وَهِي تتمنى أَن يدْفن فِيهَا فَإِذا دفن فِي الْبقْعَة الَّتِي قضى الله أَن يدْفن فِيهَا دخل عَلَيْهِ ملكا الرَّحْمَة فأجلساه ثمَّ سألاه فَقَالَ أَحدهمَا للاخر أرْفق بولِي الله فانه نجا من هول شَدِيد ثمَّ يسْأَله عَن الرب فَعظم إجلاله فَأخْبرهُ بعظمته ثمَّ يسْأَله عَن نَبِي الله فصلى عَلَيْهِ وَأثْنى عَلَيْهِ وان الأَرْض تزينت لَهُ فَقَالَت رب مني خلقته وَفِي أعدته ومني تبعثه لِلْحسابِ فاذن لي حَتَّى أَدخل على عَبدك فلَان فَأمر الله الأَرْض فتزينت فِي صُورَة لم تَرَ الْأَعْين مثلهَا وَدخلت على من هُوَ أحسن مِنْهَا فَقَالَت لَهُ حِين دخلت عَلَيْهِ مَا أحسن وَجهك وأطول نعمك وأفسح مضجعك فَقَالَ لَهَا وَمن رآك فِي هَذِه الصُّورَة فليحسن وَجهه وليطل نعمه وليفسح مضجعه فَقَالَت لَهُ أَنْت مني خلقت وَعلي أعدت وَفِي أكرمت وَخرجت من عِنْده فَكَانَ ابْن آدم نَاعِمًا حَتَّى يبْعَث أَوْلِيَاء الله تَعَالَى لم يذقْ عَذَاب الْقَبْر وَيبْعَث مبياض وَجهه حَتَّى يبلغ الْجنَّة فَتَلقاهُ الْمَلَائِكَة فَيَقُولُونَ سَلام عَلَيْكُم هَذَا بِشِرَاك الَّذِي كنت توعد
عَن أبي الْحجَّاج الثمالِي ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَقُول الْقَبْر للْمَيت حِين يوضع فِيهِ وَيحك يَا ابْن آدم مَا غَرَّك بِي ألم تعلم أَنِّي بَيت الظلمَة وَبَيت الْفِتْنَة وَبَيت الْوحدَة وَبَيت الدُّود مَا غَرَّك بِي إِذْ كنت تمر بِي فدادا قَالَ فَإِن كَانَ مصلحا أجَاب
стр. 469
عَنهُ مُجيب الْقَبْر فَيَقُول أَرَأَيْت ان كَانَ مِمَّن يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر فَيَقُول اني إِذا أَعُود إِلَيْهِ خضرًا وَيعود جسده عَلَيْهِ نورا وتصعد روحه إِلَى رب الْعَالمين
стр. 470
- الأَصْل الْخَامِس وَالْعشْرُونَ وَالْمِائَة
-
فِي أَن سَعَادَة ابْن آدم الاستخارة والرضى بِالْقضَاءِ
عَن سعد بن أبي وَقاص ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من سَعَادَة ابْن آدم استخارته ربه وَمن سَعَادَة ابْن آدم رِضَاهُ بِقَضَاء الله تَعَالَى الاستخارة فِي الْأُمُور لمن ترك التَّدْبِير فِي أمره وفوضه إِلَى ولي الْأُمُور الَّذِي دبر لَهُ ذَلِك وَقدره قبل أَن يخلقه
قَالَ الله تَعَالَى لداود ﵇ تُرِيدُ وَأُرِيد وَيكون مَا أُرِيد فَإِذا أردْت مَا أُرِيد كفيتك مَا تُرِيدُ وَيكون مَا أُرِيد وَإِذا أردْت غير مَا أُرِيد عنيتك فِيمَا تُرِيدُ وَيكون مَا أُرِيد
وَسُئِلَ بعض السّلف رَحِمهم الله تَعَالَى بِمَ تعرف رَبك قَالَ بِفَسْخ الْعَزْم فالآدمي يفكر وَيُدبر ويعزم وتدبير الله تَعَالَى من وَرَائه بِإِبْطَال ذَلِك وَتَكون تِلْكَ الْأُمُور على غير مَا فكر ودبر فَأهل الْيَقِين
стр. 471
والبصائر والتفويض لما علمُوا علم الْيَقِين أَن إرادتهم تبطل عِنْد إِرَادَته رموا بإرادتهم وفكرهم وَأَقْبلُوا عَلَيْهِ يراقبون تَدْبيره وينتظرون حكمه فِي الْأُمُور فَإِذا نابهم أَمر قَالُوا اللَّهُمَّ خر لنا فَهَذَا من سعادته فَإِذا خار الله لَهُ رَضِي بذلك وَافقه أَو لم يُوَافقهُ وَالْآخر ترك الاستخارة فَإِذا حل بِهِ تَدْبيره وقضاؤه سخط وضاق بِهِ ذرعا وخنق نَفسه وَلَا يزْدَاد إِلَّا اختناقا وَقد صَار الوهن فِي عُنُقه
وَمن سنة الاستخارة مَا رُوِيَ جَابر ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يعلمنَا الاستخارة فِي الْأُمُور كلهَا كَمَا يعلمنَا السُّورَة من الْقُرْآن يَقُول إِذا هم أحدكُم بِالْأَمر فليركع رَكْعَتَيْنِ من غير الْفَرِيضَة ثمَّ ليقل اللَّهُمَّ إِنِّي أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وَأَسْأَلك من فضلك الْعَظِيم فَإنَّك تقدر وَلَا أقدر وَتعلم وَلَا أعلم وَأَنت علام الغيوب اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَن هَذَا الْأَمر خير لي فِي ديني ودنياي ومعاشي ومعادي وعاقبة أَمْرِي أَو قَالَ عَاجل أَمْرِي وآجله فاقدره لي ويسره لي وَبَارك لي فِيهِ وَإِن كنت تعلم أَن هَذَا الْأَمر شَرّ لي فِي ديني ودنياي ومعاشي ومعادي وعاقبة أَمْرِي فاصرفه عني واصرفني عَنهُ واقدر لي الْخَيْر حَيْثُ كَانَ ورضني بِهِ وتسمي حَاجَتك باسمها
стр. 472
فان قيل هَذَا رِضَاهُ بالمقدور من المضار وَالْمَنَافِع فِي الدُّنْيَا فَكيف يكون رِضَاهُ بالمقدور من الْمعاصِي قيل لَهُ رِضَاهُ بِتَقْدِير الله تَعَالَى وَسخطه على نَفسه بارادتها وعَلى جوارحه فِي حركاتها فِيمَا لم يُؤذن لَهُ فِيهِ وَتَقْدِيره مَحْمُود عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يظلمك وَمن هُوَ منزه عَن الظُّلم فمحمود فِي جَمِيع شَأْنه وَقد اتخذ عَلَيْك الْحجَّة الْبَالِغَة بِمَا أَعْطَاك من الْعلم وَالْعقل وَالْهدى وَالْبَيَان وَلم يُوجب لَك على نَفسه الْعِصْمَة إِن شَاءَ عصم وَإِن شَاءَ خذل فارض بتقديره وَلَا تسخط عَلَيْهِ واسخط على نَفسك الجائرة وَمعنى تَقْدِير الله تَعَالَى إبراز علمه فِي عَبده من الْغَيْب فقد علم مَا يعْمل هَذَا العَبْد فابرز علمه
стр. 473
- الأَصْل السَّادِس وَالْعشْرُونَ وَالْمِائَة
-
فِي أَن النَّدَم التَّوْبَة
عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ النَّدَم التَّوْبَة
وَعَن أنس ﵁ مثله
النَّدَم الْعَزْم على أَن لَا يعود وَمَعْنَاهُ إِقَامَة الْقلب بَين يَدي الرب ﷻ لِأَن العَبْد بَايع ربه أَن يكون بَين يَدَيْهِ وَمَا دَامَ بَين يَدَيْهِ فَهُوَ مُطِيع لَهُ فَإِذا أقبل على عمل غَيره فقد أعرض عَنهُ وَتَوَلَّى فَإِذا انتبه من نومته أَو أَفَاق من سكرته انْقَلب رَاجعا إِلَى مَوْلَاهُ فَوقف بَين يَدَيْهِ عَازِمًا على أَن لَا يبرح فَتلك الْإِقَامَة تسمى ندما وَمِنْه سمى النديم لِأَنَّهُ مداوم على مُجَالَسَته وَيُقَال مدن الرجل بِأَرْض كَذَا إِذا أَقَامَ بهَا وَمِنْه سميت الْمَدِينَة لإِقَامَة النَّاس بهَا واتخاذها وطنا بِحَيْثُ
стр. 474
لَا يبرحون عَنْهَا فَإِذا كَانَت الْإِقَامَة بِالْبدنِ قيل مدن وَإِذا كَانَ بِالْقَلْبِ بَين يَدي الله تَعَالَى قيل نَدم فَقدم الْمِيم وَأخر النُّون هُنَاكَ وَقدم النُّون وَأخر الْمِيم هَهُنَا وَهُوَ ذَلِك الْعَزْم الَّذِي يعزم للإقامة بَين يَدي الله تَعَالَى مُطيعًا وَالتَّوْبَة الرّجْعَة إِلَى الله تَعَالَى وَهُوَ أَن يُعْطي من جوارحه لله تَعَالَى مَا يَأْمر بِهِ حَتَّى يُقيم العبودة الَّتِي لأَجلهَا خلق فَإِذا أذْنب فقد منع الله تَعَالَى من جوارحه العبودة فَلَيْسَ بمطيع والمؤمنون فِي أَحْوَالهم على ضَرْبَيْنِ
ضرب مِنْهُم سكارى وَقد أسكرتهم شهوات نُفُوسهم عَن الله تَعَالَى وحالت تِلْكَ الشَّهَوَات بَين قُلُوبهم وَبَين الْعقل فَلَا يبصرون قبح مَا يأْتونَ لِأَن مَعْدن الْعقل فِي الدِّمَاغ وعَلى الْقلب تَدْبيره فبذلك النُّور الَّذِي على الْقلب من الْعقل يبصر محَاسِن الْأُمُور ومشانيها فَجَاءَت هَذِه الشَّهَوَات فَسدتْ طَرِيق الْعقل فَسَكِرَ وَضرب آخر قد أفاقوا من سكرتهم بِعَمَل النُّور الْوَارِد على قُلُوبهم فَأَبْصرُوا الْوَعْد والوعيد فَذهب سد الطَّرِيق فهم على مُعَاينَة من الْجنَّة وَالنَّار إِلَّا أَنهم نيام عَن الله تَعَالَى وهم المقتصدون أهل الاسْتقَامَة مطيعون لله تَعَالَى حافظون لحدوده وَلَكِن لنومته عَن الله إِن أطَاع وَعمل أَعمال الْبر استكثر ذَاك من نَفسه وَإِن تورع عَن الذَّنب كبر فِي صَدره فعله وَيرى أَنه عمل شَيْئا عَظِيما وَلم ير أَنه غريق فِي نعم الله تَعَالَى ومننه وتتابع إحسانه فَإِذا أَفَاق الضَّرْب الأول من سكرته وانتبه الآخر من نومته فر إِلَى الله رَاجعا إِلَى الْكَوْن بَين يَدَيْهِ فعزم على أَن لَا يبرح فَذَلِك الْعَزْم هُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ أَنه تَوْبَة لِأَنَّهُ بَاطِن فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَلم يظهره بِلِسَانِهِ وَالِاسْتِغْفَار سُؤال العَبْد ربه أَن يستره بعد ذَلِك فانه لما برح من بَين يَدَيْهِ وَترك مقَامه فأخل بمركزه انحطت دَرَجَته وَبعد من ربه وَخرج من ستره وتعرى فَلَمَّا رَجَعَ بندمه إِلَيْهِ عَارِيا استحيى مِنْهُ وَمن خليقته فَأمر أَن يسْأَل ربه الْمَغْفِرَة أَي الغطاء والستر فاذا قَالَ اغْفِر لي أَي غطني واسترني فَانِي خرجت من
стр. 475
سترك وَبقيت عَارِيا بَين يَديك تنظر إِلَيّ ملائكتك وسماؤك وأرضك وَلم يكن أحد يسترني غَيْرك وَهُوَ مُضْطَر لَا يجد أحدا يستره عَلَيْهِ فستره الله تَعَالَى وغفره قَالَ الله تَعَالَى أَمن يُجيب الْمُضْطَر إِذا دَعَاهُ ويكشف السوء
وَقَالَ وَمن يغْفر الذُّنُوب إِلَّا الله
فَهَذَا عزم أهل الْيَقِين وتوبتهم فَمن فهم ذَلِك فَلهُ حَظه وَمن لم يفهم مر على الظَّاهِر كَمَا وجد وَقيل لَهُ التَّوْبَة وَالِاسْتِغْفَار بِاللِّسَانِ والندم بِالْقَلْبِ والإقلاع بِالْبدنِ والاضمار على أَن يعود
стр. 476
- الأَصْل السَّابِع وَالْعشْرُونَ وَالْمِائَة
-
فِي بَيَان أَن الدُّعَاء لم صَار مخ الْعِبَادَة
عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الدُّعَاء مخ الْعِبَادَة
إِنَّمَا صَار مخا لَهَا لِأَنَّهُ تبرؤ من الْحول وَالْقُوَّة واعتراف بِأَن الْأَشْيَاء كلهَا لَهُ وَتَسْلِيم إِلَيْهِ إِن كَانَ رزقا أَو عَافِيَة أَو نوالا أَو دفع عِقَاب فَمِنْهُ إِذا سَأَلَهُ فقد تَبرأ من الاقتدار والتملك والحول وَالْقُوَّة وَالدُّعَاء سُؤال حَاجَة وافتقار فَإِنَّمَا يظْهر على الْقلب ثمَّ على اللِّسَان فَمَا على الْقلب يُسمى عبودة وَمَا على اللِّسَان عبَادَة
وَعَن كَعْب ﵁ قَالَ قَالَ الله تَعَالَى لمُوسَى يَا مُوسَى قل للْمُؤْمِنين لَا يستعجلوني إِذا دَعونِي وَلَا يبخلوني أَلَيْسَ يعلمُونَ أَنِّي أبْغض الْبُخْل فَكيف أكون بَخِيلًا يَا مُوسَى لَا تخف من أَن تَسْأَلنِي عَظِيما وَلَا تَسْتَحي أَن تَسْأَلنِي صَغِيرا اطلب الي الْعلف لشاتك يَا مُوسَى أما علمت أَنِّي خلقت الخردلة فَمَا فَوْقهَا وَأَنِّي لم أخلق
стр. 477
شَيْئا إِلَّا وَقد علمت أَن الْخلق يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فَمن سَأَلَني مَسْأَلَة وَهُوَ يعلم أَنِّي قَادر أعطي وَأَمْنَع أَعْطيته مَسْأَلته مَعَ الْمَغْفِرَة فَإِن حمدني حِين أعْطِيه وَحين أمْنَعهُ أسْكنهُ دَار الحامدين وَأَيّمَا عبد لَا يسألني مَسْأَلَة ثمَّ أعْطِيه كَانَ أَشد عَلَيْهِ عِنْد الْحساب ثمَّ إِذا أَعْطيته وَلم يشكرني عَذبته عِنْد الْحساب
وَقَالَ عُرْوَة بن الزبير ﵁ إِنِّي لأسأل الله تَعَالَى حوائجي فِي صَلَاتي حَتَّى الْملح لأهلي
وَكَانَ مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر ﵁ يَقُول فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ قو ذكري فان فِيهِ مَنْفَعَة لأهلي سَأَلَ الْقُوَّة فِي ذَلِك لِلْخُرُوجِ من حق الزَّوْجَة لِأَن الْمَرْأَة نهمتها فِي الرِّجَال فَإِذا لهي عَن حَاجَتهَا فَهُوَ مسئول عَن ذَلِك وَمَا سَأَلَ لقَضَاء نهمة نَفسه
стр. 478
- الأَصْل الثَّامِن وَالْعشْرُونَ وَالْمِائَة
-
فِي تلاقي الْأَرْوَاح فِي الدُّنْيَا
عَن عبد الله بن عَمْرو ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ لتتلاقى على مسيرَة يَوْم وَمَا رأى صَاحبه قطّ
الْأَرْوَاح شَأْنهَا عَجِيب وَهِي خَفِيفَة سَمَاوِيَّة وَإِنَّمَا ثقلت إِذا اشْتَمَلت النَّفس عَلَيْهَا بظلمة شهواتها وَإِذا ريضت النَّفس وتخلص الرّوح مِنْهَا وَصفا من كدورتها عَادَتْ إِلَى خفتها وطهارتها وَكَانَ لَهَا شَأْن لَا يُؤمن بِهِ إِلَّا كل مُؤمن قلبه بِاللَّه مطمئن وَمن هَهُنَا قَالَ عمر ﵁ لأبي مُسلم الْخَولَانِيّ حِين ورد الْمَدِينَة بَعْدَمَا ألقِي فِي النَّار فَلَقِيَهُ عمر ﵁ فَقَالَ أنْشدك بِاللَّه أَنْت عبد الله بن توسي الَّذِي حرقه الْكذَّاب صَاحب صنعاء قَالَ اللَّهُمَّ نعم فاعتنقه عمر ﵁
وَمثله مَا يرْوى أَن الْحَارِث بن عميرَة أَتَى بَاب سلمَان رَضِي
стр. 479
الله عَنهُ فَخرج إِلَيْهِ فَقَالَ أما تعرفنِي يَا أَبَا عبد الله قَالَ نعم عرف روحي روحك قبل أَن أعرفك
وَمثله قَول أويس لهرم حَيْثُ قَالَ لَهُ السَّلَام عَلَيْك يَا أويس قَالَ وَعَلَيْك السَّلَام يَا هرم بن حَيَّان قَالَ وَمن أَيْن علمت رَحِمك الله أَنِّي هرم بن حَيَّان قَالَ عرف روحي روحك وَإِن الْأَرْوَاح خلقت قبل الأجساد بألفي عَام فتشامت كَمَا تشام الْخَيل وَهَذَا لِأَن بصر الرّوح مُتَّصِل ببصر الْعقل فِي عين الْإِنْسَان فالعين جارحة وَالْبَصَر من الرّوح وَإِدْرَاك الألوان من بَينهمَا فَإِذا تفرغ الْعقل وَالروح من اشْتِغَال النَّفس أبْصر الرّوح وَأدْركَ الْعقل مَا أبْصر الرّوح فَعلم وَإِنَّمَا عجزت الْعَامَّة عَن هَذَا لشغل الْأَرْوَاح بالنفوس واشتباك الشَّهَوَات بهَا فيشغل بصر الرّوح عَن دَرك هَذِه الْأَشْيَاء وَلِهَذَا قَالَ ﷺ يطلع عَلَيْكُم من هَذَا الْفَج رجل من أهل الْجنَّة فَاطلع جرير
وَقَوله ﷺ إِن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ لتتلاقى أَرَادَ بذلك الْمُؤمن المستكمل لحقائقه الَّذِي قد شرح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ على نور من ربه لَيْسَ الموحد الَّذِي أقبل على شهواته وتشاغل عَن عبودته حَتَّى خلط على نَفسه الْأُمُور قلبه مأسور وروحه مَشْغُول وَنَفسه مَفْتُونَة فَكيف يبصر أَو يعقل
стр. 480
- الأَصْل التَّاسِع وَالْعشْرُونَ وَالْمِائَة
-
فِي أَن أَمِين هَذِه الْأمة أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح
عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لكل أمة أَمِين وَأمين هَذِه الْأمة أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح
فالأمانة ترك الْأَشْيَاء فِي موَاضعهَا كَمَا وضعت وإنزالها حَيْثُ أنزلت وَقد جعل الله تَعَالَى الدُّنْيَا ممرا وَالْآخِرَة مقرا وَالروح عَارِية والرزق بلغَة والمعاش حجَّة والفضول بلوى ووديعة وَالسَّعْي جَزَاء إِن خيرا فَخير وَإِن شرا فشر وَخلق الْخلق فِي ظهر آدم ﵇ واستخرجهم وَلَهُم بَين يَدَيْهِ مقَام قررهم بالعبودة وقلدهم إِيَّاهَا وَأخذ عَلَيْهِم الْعَهْد والميثاق ثمَّ نقلهم من الأصلاب إِلَى الْأَرْحَام وَمن الْأَرْحَام إِلَى الدُّنْيَا وَمن الدُّنْيَا إِلَى اللحود وَمن اللحود إِلَى النشور وَمن المنشر
стр. 481
إِلَى الْمَحْشَر وَمن الْمَحْشَر إِلَى الصِّرَاط وَمن الصِّرَاط إِلَى مقَام الْعرض وَالسُّؤَال من الْوَقْت الَّذِي بلغ الْحلم إِلَى وَقت فِرَاقه من الدُّنْيَا وَخلق اللَّيْل وَالنَّهَار ليركضا بالخلق إِلَيْهِ دءوبا فالأمين اسْتَقَرَّتْ نَفسه فأبصر هَذِه الْأَشْيَاء ببصيرة نَفسه على هيئتها الَّتِي خلقت وَإِنَّمَا تبصر إِذا سكنت واستقرت واطمأنت إِلَى خَالِقهَا فقد صَارَت أمينة لَا تخون وَأما إِذا كَانَت فِي الْعَدو والالتفات إِلَى أَحْوَاله يمنة ويسرة وفيهَا شَهْوَة وَلها اخلاق رَدِيئَة دنيئة مفرطة لأمر الله عجولة فِي مهواها تشبثت بمخاليبها فِي دنياها لما وجدت من اللَّذَّة وَقَضَاء النهمة عميت عَن أَنَّهَا دَار ممر وألهتها عَن أَن تذكر دَار الْمقر وشغفت بِالْحَيَاةِ فنسيت عَن أَن تذكر الرّوح وَكَونهَا عَارِية وَطلبت المعاش حرصا لِتجمع الْكَثِيرَة عدَّة لنهماتها وتناولت الرزق على قَضَاء شهواتها ولهت عَن السَّعْي وَرفعت بالها عَنْهَا ونسيت أَنَّهَا تحْتَاج إِلَى سعي مِنْهَا مَعَ ركض اللَّيْل وَالنَّهَار سعيا يصلح فِي ذَلِك الْموقف الْعَظِيم فِي صُفُوف الْمَلَائِكَة والأنبياء وَالْمُرْسلِينَ وعباده الصَّالِحين وَإِنَّمَا جَاءَت هَذِه الْفِتْنَة من قبل النَّفس فَإِذا كَانَت سَاكِنة الطَّبْع مطمئنة الْفطْرَة ميتَة الشَّهَوَات وَجدتهَا كَرِيمَة حرَّة وَوجدت أخلاقها مستوية فأبصر الْقلب الْأَشْيَاء على هيئتها الَّتِي خلقت وَصَارَ ذَا أَمَانَة إِذْ لَيْسَ هُنَاكَ مَا يظلم الصَّدْر ويحجب النُّور عَن إشراقه وَلِهَذَا قَالَ ﷺ مَا من أحد من أَصْحَابِي إِلَّا لَو شِئْت عبت عَلَيْهِ فِي خلقه غير أبي عُبَيْدَة بن الْجراح
стр. 482
- الأَصْل الْمِائَة وَالثَّلَاثُونَ
-
فِي الِاعْتِبَار بِكُل شَيْء والاتعاظ بِكُل شَيْء
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ نعم الْبَيْت يدْخلهُ الرجل الْمُسلم بَيت الْحمام وَذَلِكَ إِذا دخله سَأَلَ الله تَعَالَى الْجنَّة واستعاذه من النَّار وَبئسَ الْبَيْت يدْخلهُ الْمُسلم بَيت الْعَرُوس وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يرغبه فِي الدُّنْيَا وينسيه الاخرة
وَهَذَا لأهل الْغَفْلَة فَأَما أهل الْيَقِين قد صَارَت الْآخِرَة نصب أَعينهم لَا بَيت الْحمام يزعجه وَلَا بَيت الْعَرُوس يستفزه لقد دقَّتْ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا فِي جنب الْآخِرَة حَتَّى أَن جَمِيع الدُّنْيَا فِي أَعينهم كنثارة الطَّعَام من مائدة عَظِيمَة وَجَمِيع شدائدها فِي أَعينهم كتفلة عُوقِبَ بهَا محرم اسْتوْجبَ الْقَتْل فَلم يحتاجوا إِلَى الاتعاظ وَالِاعْتِبَار بالحمام وَعمل على قُلُوبهم شَأْن كرمه وجوده ومجده وبره بعباده فأنساهم كل نعيم وبؤس فَأَما أهل الْغَفْلَة فيحتاجون إِلَى كل شَيْء من الدُّنْيَا أَن يتعظوا
стр. 483
مِنْهَا ويعتبروا بهَا فَإِذا رأى بقْعَة حامية ذَات بخار وَمَاء حميم وَمرَّة هائجة تذكره الْآخِرَة وعجائبها وَدَار الْعقَاب وفنون عَذَابهَا وَإِذا عاين بقْعَة مزينة بزينة الدُّنْيَا منجدة بمتاع غرورها مشرقة بحطامها مغشوشة بأفراح خدعها تمنيه نَفسه وترغبه فِي ذَلِك وأنسته الْآخِرَة لعاجل مَا يجد من اللَّذَّة والشهوة وَدخُول الْحمام الَّذِي ذكره رَسُول الله ﷺ فَمن دخله متأدبا بأدب الله تَعَالَى مستترا طَالبا لخلوة أَو غاضا بَصَره لَا يرى عَورَة وَلَا يرى لَهُ
وَقد جَاءَ عَنهُ ﷺ مَا يحذر ذَلِك ويؤدب وَإِن كَانَ خَالِيا اتَّقوا بَيْتا يُقَال لَهُ الْحمام قيل يَا رَسُول الله إِنَّه يذهب الْوَسخ وَيذكر النَّار فَقَالَ إِن كُنْتُم لَا بُد فاعلين فادخلوه مستترين
وَعَن مُعَاوِيَة الْقشيرِي ﵁ قلت يَا رَسُول الله عوراتنا مَا نأتي مِنْهَا وَمَا نذر قَالَ إحفظ عورتك إِلَّا من زَوجتك أَو مَا ملكت يَمِينك قلت يَا رَسُول الله فَإِذا كَانَ أَحَدنَا خَالِيا قَالَ فَالله أَحَق أَن يستحيي مِنْهُ
стр. 484
- الأَصْل الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَة
-
فِي أَن الْهَدِيَّة خلق من خلق الْإِنْسَان
عَن الرّبيع بنت معوذ بن عفراء قَالَت أتيت رَسُول الله ﷺ بقناع من رطب واجر زغب فَأَعْطَانِي ملْء كَفه حليا أَو ذَهَبا فَقَالَ تحلي بِهَذِهِ يَا بنية
القناع الطَّبَق وكل شَيْء أقنع أَي ارْتَفع من الأَرْض وَأجر وَاحِدَة جرو وَهُوَ القثاء أول مَا يدْرك وَهُوَ الَّذِي لَهُ زغب كَهَيئَةِ زئبر الثَّوْب فالهدية خلق من خلق الْإِنْسَان عَلَيْهِ دلّت الرُّسُل وَإِلَيْهِ ندبت لائتلاف الْقُلُوب ولنفي سخائم الصُّدُور فَإِن ابْن آدم مقسوم على ثَلَاثَة أَجزَاء الْقلب بِمَا فِيهِ من الْإِيمَان وَالروح بِمَا فِيهِ من الطَّاعَة وَالنَّفس بِمَا فِيهِ من الشَّهْوَة فالإيمان يَدْعُو إِلَى الله وَالروح تَدْعُو إِلَى الطَّاعَة وَالنَّفس تَدْعُو إِلَى الْبر واللطف والنوال فَكَانَت الْقُلُوب تأتلف بِالْإِيمَان والأرواح بالطاعات وحظ النَّفس بَاقِيَة فَإِذا تهادوا تمت الألفة وَلم تبْق هُنَاكَ حزازة وَكَانَ ﷺ جوادا يقبل الْهَدِيَّة ويكافىء من وجده بأمثالها وَالربيع كَانَت مِمَّن قتل أَبوهَا يَوْم بدر وَكَانَ عَلَيْهِ
стр. 485
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يبرها وَيكرم أحوالها فَوَافَقت هديته سَعَة الوجد مِنْهُ وَكَانَ قلبه وَاسِعًا وَأَعْطَاهَا ملْء الْكَفّ ذَهَبا ليعلم من بلغه ذَلِك وَمن عاينه أَن لَا قدر للدنيا عِنْده وَلِأَن للبر أثقالا فالكريم لَا يكَاد يتَخَلَّص من تِلْكَ الأثقال إِلَّا بأضعاف ذَلِك الْبر فَإِذا ضاعف فِي الْمُكَافَأَة انحطت عَنهُ أثقال بره وَذهب عَنهُ وَجل نَفسه
وَقَوله ﷺ تحلي بهَا يَا بنية رخصَة لَهَا فِي الْحِلْية وَأَنَّهَا حق وَأَنه يجوز أَن يُقَال لولد غَيره يَا بني والمكافأة حق من الْحُقُوق وكل أحد يكافىء على قدره من خلقه وسعته وَلم يكن يَخْلُو فِي ذَلِك الْوَقْت بِالْمَدِينَةِ من فَقير وَذي حَاجَة من أَصْحَابه وَلكنه كَانَ يُعْطي على نَوَائِب الْحق فَرَأى هَذَا حَقًا فَأعْطَاهُ
قَالَ وهب ﵁ ترك الْمُكَافَأَة من التطفيف
ناول شَاب اللَّيْث بن سعد رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ اترنج باكورة فَأمره أَن يعْطى دِينَارا وَكَانَ الأسخياء يَفْعَلُونَ مثل ذَلِك وَجَاءَت عَجُوز إِلَى اللَّيْث بن سعد ﵁ فَقَالَت يَا أَبَا الْحَارِث مر وكيلك أَن يعطيني رطلا من عسل فَإِن ابْني مَرِيض يشتهيه فَقَالَ لوَكِيله أعْطهَا مَطَرا من عسل قيل لَهُ إِنَّمَا سَأَلتك رطلا فَقَالَ هِيَ سَأَلت على قدرهَا وَنحن نعطيها على قَدرنَا والمطر وقر بعير مِائَتَان وَخَمْسُونَ منا
وأتى قوم عبد الله بن أبي بكر ﵄ فَقَالُوا إِن لنا مَرِيضا قد تشنجت أعضاؤه من الرِّيَاح وَوصف لنا أَن نعالجه بِلَبن الجواميس فينفعه فِيهِ فَنحب أَن تعيرنا من جواميسك فَقَالَ لوَكِيله كم لنا يَا لطف من الجواميس قَالَ خَمْسمِائَة فَقَالَ سقها إِلَيْهِم فَقَالُوا رَحِمك الله إِنَّا سألناك عَارِية قَالَ إِنَّا لَا نعير الجواميس وَأَعْطَاهَا إيَّاهُم وَعَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 486
الْهَدِيَّة رزق من الله طيب فَإِذا أهدي إِلَى أحدكُم فليقبلها وليعط خيرا مِنْهَا
стр. 487
- الأَصْل الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَة
-
فِي بَيَان صِفَات وُلَاة الْأُمُور العادلين
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من ولي من أَمر أمتِي شَيْئا فحسنت سَرِيرَته رزق الهيبة من قُلُوبهم وَإِذا بسط يَده لَهُم بِالْمَعْرُوفِ رزق الْمحبَّة مِنْهُم وَإِذا وفر عَلَيْهِم أَمْوَالهم وفر الله عَلَيْهِ مَاله وَإِذا أنصف الضَّعِيف من الْقوي قوى الله سُلْطَانه وَإِذا عدل مد الله فِي عمره
فَحسن السريرة من هَيْبَة الله تَعَالَى فَإِذا هاب عبد ربه ظَاهرا وَبَاطنا سرا وعلنا أهاب الله مِنْهُ خلقه وصنائع الْمَعْرُوف لَا تكون إِلَّا من حسن الْخلق وَمن حسن الله خلقه أحبه وَمن أحبه الله ألْقى محبته على قُلُوب عباده قَالَ تَعَالَى لمُوسَى ﵇ وألقيت عَلَيْك محبَّة مني
فَكَانَ لَا يرَاهُ أحد إِلَّا أحبه حَتَّى فِرْعَوْن اللعين الَّذِي كَانَ يذبح بني إِسْرَائِيل لأَجله وَهُوَ يوسعه فِي صَدره وَمن بسط الْيَد سقط عَن قلبه قدر الدُّنْيَا فَهِيَ وَمن فِيهَا مقبلة عَلَيْهِ خادمة لَهُ وإنصاف
стр. 488
الضَّعِيف فانما أعطي السُّلْطَان على أَن يَأْخُذ للضعيف من الْقوي وَلَوْلَا ذَلِك لم يحْتَج إِلَى سُلْطَان فإذافإذا فعل ذَلِك فقد تمسك بِالَّذِي أعطي على هَيْئَة مَا أعطي فاديمت لَهُ قُوَّة ذَلِك الَّذِي أعْطى وَإِذا ضيع ذَلِك فقد ضيع سُلْطَانه وَذَلِكَ لله فَكيف يبْقى مَعَه قُوَّة وَالسُّلْطَان ظلّ الله فِي الأَرْض يأوي إِلَيْهِ كل مظلوم وَإِذا عدل مد فِي عمره لِأَن الْعدْل صَلَاح الأَرْض والجور فَسَادهَا وبالعدل قَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض فَإِذا جَار فالأرض تعج مِنْهُ وَالسَّمَاء تجأر والبحار تَئِنُّ وَالْجِبَال تَشْكُو فَيقطع الله عمره وَإِذا عدل وصل الله عمره من كرمه فَمد لَهُ لِأَنَّهُ أَقَامَ عدله الَّذِي ارْتَضَاهُ لنَفسِهِ عزت من نفس كَرِيمَة شريفة
стр. 489
- الأَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَة
-
فِيمَا يعلم بِهِ منزلَة العَبْد عِنْد الله تَعَالَى
عَن جَابر ﵁ قَالَ خرج علينا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَيهَا النَّاس من كَانَ يحب أَن يعلم مَنْزِلَته عِنْد الله فَلْينْظر كَيفَ منزلَة الله عِنْده فَإِن الله ينزل العَبْد مِنْهُ حَيْثُ أنزلهُ من نَفسه وَإِن لله سَرَايَا من الْمَلَائِكَة تحل وتقف على مجَالِس الذّكر فاغدوا وروحوا فِي ذكر الله فِي الأَرْض أَلا فارتعوا فِي رياض الْجنَّة قَالُوا وَأَيْنَ رياض الْجنَّة يَا رَسُول الله قَالَ مجَالِس الذّكر قَالَ فاغدوا وروحوا فِي ذكر الله واذكروه بِأَنْفُسِكُمْ
فمنزلة الله عِنْد العَبْد إِنَّمَا هُوَ على قلبه على قدر مَعْرفَته إِيَّاه وَعلمه بِهِ وهيبته مِنْهُ وإجلاله وتعظيمه لَهُ وخشيته وحيائه مِنْهُ وَالْخَوْف من عِقَابه والوجل عِنْد ذكره وَإِقَامَة الْحُرْمَة لأَمره وَنَهْيه ورؤيه تَدْبيره وَالْوُقُوف عِنْد أَحْكَامه بِطيب النَّفس وَالتَّسْلِيم لَهُ بدنا وَقَلْبًا وروحا
стр. 490
ومراقبة لتدبيره فِي أُمُوره وَلُزُوم ذكره والنهوض بأثقال نعمه وإحسانه وَترك مشيئاته لمشيئاته وَحسن الظَّن بِهِ فِي كل مَا نابه وَالنَّاس فِي هَذِه الْأَشْيَاء يتفاضلون فمنازلهم عِنْد رَبهم على قدر حظوظهم مِنْهَا فأوفرهم حظا من الْمعرفَة أعلمهم بِهِ وأعلمهم بِهِ أوفرهم حظا من هَذِه الْأَشْيَاء وأوفرهم حظا مِنْهَا أعظمهم منزلَة عِنْده وأقربهم وَسِيلَة وأرفعهم دَرَجَة وعَلى قدر نقصانه من هَذِه الْأَشْيَاء ينتقص حَظه وتنحط دَرَجَته وتبعد وسيلته ويقل علمه وتضعف مَعْرفَته قَالَ الله تَعَالَى وَلَقَد فضلنَا بعض النَّبِيين على بعض
وَإِنَّمَا فضلوا على الْخلق وَبَعْضهمْ على بعض بالمعرفة لَهُ وَالْعلم بِهِ لَا بِالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَة فبالمعرفة تطهر الْأَبدَان وتزكو الْأَعْمَال وَبهَا تقبل مِنْهُم فَإِن الْيَهُود وَالنَّصَارَى عمِلُوا أَعمال الشَّرِيعَة فَصَارَت هباء منثورا فَمن فضل بالمعرفة فقد أُوتِيَ حظا من الْعلم
قَالَ ﷺ حِين عرج بِهِ إِلَى السِّدْرَة فَإِذا النُّور الْأَكْبَر قد تدلى فَالْتَفت إِلَى جِبْرَائِيل فَإِذا هُوَ ميت من الْفرق كالحلس الْملقى من خشيَة الله فَعرفت فضل علمه بِاللَّه على علمي
وَعَن أنس ﵁ قَالَ صلى بِنَا رَسُول الله ﷺ صَلَاة الصُّبْح فَصنعَ شَيْئا لم نره صنع فِي غَيره مديده ثمَّ أَخّرهَا فَقُلْنَا يَا رَسُول الله لقد صنعت فِي صَلَاتك شَيْئا لم نرك صنعت فِي غَيرهَا قَالَ إِنِّي رَأَيْت الْجنَّة فَرَأَيْت فِيهَا دالية قطوفها دانية حبها كالدباء فَأَرَدْت أَن أتناول مِنْهَا فاوحى إِلَيْهَا أَن استأخري ثمَّ رَأَيْت النَّار فِيمَا بيني وَبَيْنكُم حَتَّى رَأَيْت ظِلِّي وظلكم فأومأت إِلَيْكُم أَن استأخروا
стр. 491
فَقيل لي أقرهم فانك أسلمت وَأَسْلمُوا وَهَاجَرت وَهَاجرُوا وجاهدت وَجَاهدُوا فَلم أر لي فضلا عَلَيْكُم إِلَّا بِالنُّبُوَّةِ
فبالنبوة أدْرك رُؤْيَة مَا وصف فأدنيت الْجنَّة مِنْهُ ليعرف حَاله ﷺ أَنه بِهَذِهِ الْمنزلَة لَيْسَ بَينه وَبَينهَا إِلَّا قبض الرّوح وَلِهَذَا لما مد يَده ليتناولها أوحى إِلَيْهَا أَن تأخري فَإِنَّهُ فِي بَقِيَّة من أَجله ﷺ فِي الدُّنْيَا وَلَا ينَال أحد الْجنَّة إِلَّا بعد مُفَارقَة الرّوح ثمَّ أرى النَّار بَينه وَبَين الْقَوْم رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ يعرفهُ أَنَّك قد جزت النَّار بقلبك بِمَا أَعْطَيْت من النُّبُوَّة وفرغت من أَمر الصِّرَاط وَمن خَلفك من الْأمة لم يجوزوا بعد بقلوبهم فَهُوَ بَاقٍ عَلَيْهِم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
قَالَ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ أنس ﵁ إِذا ضرب الصِّرَاط على النَّار قيل قرب أمتك فَإِذا دَنَوْت مِنْهَا قَالَ لي جبرئيل يَا مُحَمَّد خُذ بحجزتي فآخذ بحجزة جبرئيل فيضعني من وَرَاء النَّار وَيُقَال للْأمة جوزوا فيجوزون بأبدانهم فَمنهمْ فِي السرعة فِي مثل اللحظة والبرقة وَمِنْهُم فِي مثل الرّيح وَمِنْهُم فِي مثل أجاويد الْخَيل وَمِنْهُم ركضا وَمِنْهُم سعيا وَمِنْهُم مشيا وَمِنْهُم زحفا
فالنبي ﷺ بِفضل النُّبُوَّة جَازَ النَّار بِقَلْبِه أَيَّام الْحَيَاة فَلَمَّا وصل إِلَيْهَا أُجِيز من غير تكلّف وَلَا مُبَاشرَة وَأهل الْيَقِين لَهُم حَظّ من النُّبُوَّة
قَالَ ﷺ الاقتصاد وَالْهَدْي الصَّالح والسمت الْحسن جُزْء من أَرْبَعَة وَعشْرين جُزْءا من النُّبُوَّة
стр. 492
فيجوزونها بأبدانهم على قدر إِيمَانهم ويقينهم وحظهم من النُّبُوَّة قَالَ تَعَالَى ﴿لَو تعلمُونَ علم الْيَقِين لترون الْجَحِيم ثمَّ لترونها عين الْيَقِين﴾
فَأهل الْيَقِين فِي الدُّنْيَا يرونها بِعلم الْيَقِين فيجوزونها بقلوبهم ثمَّ يرونها عين الْيَقِين غَدا مُعَاينَة فمعاينة الْقلب علم الْيَقِين ومعاينة الْجَسَد بِعَيْنِه الَّتِي ركبت فِيهِ عين الْيَقِين فَمن أعطي علم الْيَقِين فِي الدُّنْيَا طالع الصِّرَاط وأهوالها بِقَلْبِه فذاق من الْخَوْف وركبته من الْأَهْوَال فَوضع عَنهُ غَدا وَمر عَلَيْهَا فِي مثل الْبَرْق فَأن الله تَعَالَى لَا يجمع على عبد خوفين
قَالَ ﷺ قَالَ ربكُم وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أجمع على عَبدِي خوفين وَلَا أجمع لَهُ أمنين
وكل من كَانَ لَهُ هَهُنَا حَظّ من الْيَقِين طالع بِقَلْبِه بِقُوَّة ذَلِك الْيَقِين فعاين مِنْهُ مَا ذاق من الْخَوْف فَسقط عَنهُ من الْخَوْف على قدر مَا ذاق هَهُنَا فَكَذَلِك تفَاوت جوازهم
وَقَوله ﷺ حَتَّى رَأَيْت ظِلِّي وظلكم فِيهَا فان النَّار سَوْدَاء مظْلمَة والمؤمنون أهل نور وضياء فَوَقع ضوءهم على ظلمَة النَّار على مقادير نورهم وأجسادهم
وَقَوله ﷺ أقرهم مَعْنَاهُ أَنهم قد ائْتَمرُوا بأَمْري فَانِي أَمرتهم بِالْإِسْلَامِ وَالْهجْرَة وَالْجهَاد فَلَيْسَ للنار عَلَيْهِم سَبِيل لِأَن رَحْمَتي قد نالتهم
стр. 493
قَالَ الله تَعَالَى إِن الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله أُولَئِكَ يرجون رَحْمَة الله وَالله غَفُور رَحِيم حقق رجاءهم وَأخْبر أَنهم صدقُوا فِي الرَّجَاء ثمَّ وعدهم الْمَغْفِرَة
وَقَوله ﷺ وَلم أر لي فضلا عَلَيْكُم إِلَّا بِالنُّبُوَّةِ كفى بهَا فضلا وَلَا ينَال مَا وصف إِلَّا بِالْأَعْمَالِ والأعمال إِنَّمَا تقوم ويعظم خطرها بِالنِّيَّاتِ وَالنِّيَّة بدؤها من الْإِيمَان يَبْدُو لَهُم من إِيمَانهم ذكر الطَّاعَة فينهض قُلُوبهم إِلَى الله تَعَالَى من مُسْتَقر نُفُوسهم وَالنِّيَّة النهوض يُقَال ناء ينوء إِذا نَهَضَ فنهوض الْقلب من مَعْدن الشَّهَوَات إِلَى الله تَعَالَى بِأَن يعْمل طَاعَة هُوَ نِيَّة فَأَما أهل الْيَقِين فقد جاوزوا هَذِه الْمنزلَة فَإِنَّهُ زايلت قُلُوبهم نُفُوسهم وَصَارَت مَعَ الله تَعَالَى وَقد فرغوا من النِّيَّة فَمن كَانَ قلبه بَين يَدي الله تَعَالَى محَال أَن يُقَال لَهُ نَهَضَ قلبه إِلَى الله فِي أَمر فَإِن قلبه ناهض إِلَيْهِ بِمرَّة وَاحِدَة وَاقِف بَين يَدَيْهِ نهوضا لَا يرجع وَلَا ينْصَرف إِذْ قد نقض الوطن وارتحل إِلَى الله تَعَالَى ويعملون وَقُلُوبهمْ هُنَاكَ وافقة بَين يَدي الله تَعَالَى فِي جلال الله وعظمته باهتين سكارى وَمَا هم بسكارى فارتفع أَعمال هَؤُلَاءِ من الَّذين ينهضون بقلوبهم فِي ذَلِك الْعَمَل لله ويريدونه بِهِ وهم المقتصدون فتفاوتت لذَلِك مُدَّة جوازهم على الصِّرَاط
стр. 494
- الأَصْل الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَة
-
فِي فضل الاستغاثة من النَّار بِعَفْو الله تَعَالَى
عَن سعد بن أبي وَقاص ﵁ قَالَ سمع رَسُول الله ﷺ رجلا فِي جَوف اللَّيْل وَهُوَ يَقُول واغوثاه من النَّار يُرَدِّدهَا ذَلِك لَيْلًا طَويلا ثمَّ غَدا على رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَنْت الْقَائِل اللَّيْلَة واغوثاه من النَّار قَالَ نعم يَا رَسُول الله قَالَ لقد أبكيت أَعْيَان مَلأ من الْمَلَائِكَة كَثِيرَة
النَّار حشوها غضب الله وَإِنَّمَا اسودت من غَضَبه يحل ذَلِك الْغَضَب عذَابا بأجساد العداة العصاة فتنتقم النَّار مِنْهُم لحق الله جَلَاله والمستغيث مِنْهُ على ثَلَاثَة أضْرب مستغيث من نَار الله بِعَفْو الله ومستغيث من غضب الله تَعَالَى برحمة الله ومستغيث بِاللَّه من الله تَعَالَى
وَقد جمع ذَلِك رَسُول الله ﷺ فِيمَا أَتَاهُ جبرئيل وَأمره أَن يكون
стр. 495
ذَلِك فِي السُّجُود فَقَالَ أعوذ بعفوك من عقابك ثمَّ قَالَ وَأَعُوذ برضاك من سخطك ثمَّ قَالَ وَأَعُوذ بك مِنْك
следующие страницы →