← Книги сунны

Книги сунны · id 720

نوادر الأصول في أحاديث الرسول

الحكيم الترمذي

Полный текст (1 237 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فَقيل لي أقرهم فانك أسلمت وَأَسْلمُوا وَهَاجَرت وَهَاجرُوا وجاهدت وَجَاهدُوا فَلم أر لي فضلا عَلَيْكُم إِلَّا بِالنُّبُوَّةِ فبالنبوة أدْرك رُؤْيَة مَا وصف فأدنيت الْجنَّة مِنْهُ ليعرف حَاله ﷺ أَنه بِهَذِهِ الْمنزلَة لَيْسَ بَينه وَبَينهَا إِلَّا قبض الرّوح وَلِهَذَا لما مد يَده ليتناولها أوحى إِلَيْهَا أَن تأخري فَإِنَّهُ فِي بَقِيَّة من أَجله ﷺ فِي الدُّنْيَا وَلَا ينَال أحد الْجنَّة إِلَّا بعد مُفَارقَة الرّوح ثمَّ أرى النَّار بَينه وَبَين الْقَوْم رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ يعرفهُ أَنَّك قد جزت النَّار بقلبك بِمَا أَعْطَيْت من النُّبُوَّة وفرغت من أَمر الصِّرَاط وَمن خَلفك من الْأمة لم يجوزوا بعد بقلوبهم فَهُوَ بَاقٍ عَلَيْهِم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ أنس ﵁ إِذا ضرب الصِّرَاط على النَّار قيل قرب أمتك فَإِذا دَنَوْت مِنْهَا قَالَ لي جبرئيل يَا مُحَمَّد خُذ بحجزتي فآخذ بحجزة جبرئيل فيضعني من وَرَاء النَّار وَيُقَال للْأمة جوزوا فيجوزون بأبدانهم فَمنهمْ فِي السرعة فِي مثل اللحظة والبرقة وَمِنْهُم فِي مثل الرّيح وَمِنْهُم فِي مثل أجاويد الْخَيل وَمِنْهُم ركضا وَمِنْهُم سعيا وَمِنْهُم مشيا وَمِنْهُم زحفا فالنبي ﷺ بِفضل النُّبُوَّة جَازَ النَّار بِقَلْبِه أَيَّام الْحَيَاة فَلَمَّا وصل إِلَيْهَا أُجِيز من غير تكلّف وَلَا مُبَاشرَة وَأهل الْيَقِين لَهُم حَظّ من النُّبُوَّة قَالَ ﷺ الاقتصاد وَالْهَدْي الصَّالح والسمت الْحسن جُزْء من أَرْبَعَة وَعشْرين جُزْءا من النُّبُوَّة

стр. 492

فيجوزونها بأبدانهم على قدر إِيمَانهم ويقينهم وحظهم من النُّبُوَّة قَالَ تَعَالَى ﴿لَو تعلمُونَ علم الْيَقِين لترون الْجَحِيم ثمَّ لترونها عين الْيَقِين﴾ فَأهل الْيَقِين فِي الدُّنْيَا يرونها بِعلم الْيَقِين فيجوزونها بقلوبهم ثمَّ يرونها عين الْيَقِين غَدا مُعَاينَة فمعاينة الْقلب علم الْيَقِين ومعاينة الْجَسَد بِعَيْنِه الَّتِي ركبت فِيهِ عين الْيَقِين فَمن أعطي علم الْيَقِين فِي الدُّنْيَا طالع الصِّرَاط وأهوالها بِقَلْبِه فذاق من الْخَوْف وركبته من الْأَهْوَال فَوضع عَنهُ غَدا وَمر عَلَيْهَا فِي مثل الْبَرْق فَأن الله تَعَالَى لَا يجمع على عبد خوفين قَالَ ﷺ قَالَ ربكُم وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أجمع على عَبدِي خوفين وَلَا أجمع لَهُ أمنين وكل من كَانَ لَهُ هَهُنَا حَظّ من الْيَقِين طالع بِقَلْبِه بِقُوَّة ذَلِك الْيَقِين فعاين مِنْهُ مَا ذاق من الْخَوْف فَسقط عَنهُ من الْخَوْف على قدر مَا ذاق هَهُنَا فَكَذَلِك تفَاوت جوازهم وَقَوله ﷺ حَتَّى رَأَيْت ظِلِّي وظلكم فِيهَا فان النَّار سَوْدَاء مظْلمَة والمؤمنون أهل نور وضياء فَوَقع ضوءهم على ظلمَة النَّار على مقادير نورهم وأجسادهم وَقَوله ﷺ أقرهم مَعْنَاهُ أَنهم قد ائْتَمرُوا بأَمْري فَانِي أَمرتهم بِالْإِسْلَامِ وَالْهجْرَة وَالْجهَاد فَلَيْسَ للنار عَلَيْهِم سَبِيل لِأَن رَحْمَتي قد نالتهم

стр. 493

قَالَ الله تَعَالَى إِن الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله أُولَئِكَ يرجون رَحْمَة الله وَالله غَفُور رَحِيم حقق رجاءهم وَأخْبر أَنهم صدقُوا فِي الرَّجَاء ثمَّ وعدهم الْمَغْفِرَة وَقَوله ﷺ وَلم أر لي فضلا عَلَيْكُم إِلَّا بِالنُّبُوَّةِ كفى بهَا فضلا وَلَا ينَال مَا وصف إِلَّا بِالْأَعْمَالِ والأعمال إِنَّمَا تقوم ويعظم خطرها بِالنِّيَّاتِ وَالنِّيَّة بدؤها من الْإِيمَان يَبْدُو لَهُم من إِيمَانهم ذكر الطَّاعَة فينهض قُلُوبهم إِلَى الله تَعَالَى من مُسْتَقر نُفُوسهم وَالنِّيَّة النهوض يُقَال ناء ينوء إِذا نَهَضَ فنهوض الْقلب من مَعْدن الشَّهَوَات إِلَى الله تَعَالَى بِأَن يعْمل طَاعَة هُوَ نِيَّة فَأَما أهل الْيَقِين فقد جاوزوا هَذِه الْمنزلَة فَإِنَّهُ زايلت قُلُوبهم نُفُوسهم وَصَارَت مَعَ الله تَعَالَى وَقد فرغوا من النِّيَّة فَمن كَانَ قلبه بَين يَدي الله تَعَالَى محَال أَن يُقَال لَهُ نَهَضَ قلبه إِلَى الله فِي أَمر فَإِن قلبه ناهض إِلَيْهِ بِمرَّة وَاحِدَة وَاقِف بَين يَدَيْهِ نهوضا لَا يرجع وَلَا ينْصَرف إِذْ قد نقض الوطن وارتحل إِلَى الله تَعَالَى ويعملون وَقُلُوبهمْ هُنَاكَ وافقة بَين يَدي الله تَعَالَى فِي جلال الله وعظمته باهتين سكارى وَمَا هم بسكارى فارتفع أَعمال هَؤُلَاءِ من الَّذين ينهضون بقلوبهم فِي ذَلِك الْعَمَل لله ويريدونه بِهِ وهم المقتصدون فتفاوتت لذَلِك مُدَّة جوازهم على الصِّرَاط

стр. 494

- الأَصْل الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَة - فِي فضل الاستغاثة من النَّار بِعَفْو الله تَعَالَى عَن سعد بن أبي وَقاص ﵁ قَالَ سمع رَسُول الله ﷺ رجلا فِي جَوف اللَّيْل وَهُوَ يَقُول واغوثاه من النَّار يُرَدِّدهَا ذَلِك لَيْلًا طَويلا ثمَّ غَدا على رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَنْت الْقَائِل اللَّيْلَة واغوثاه من النَّار قَالَ نعم يَا رَسُول الله قَالَ لقد أبكيت أَعْيَان مَلأ من الْمَلَائِكَة كَثِيرَة النَّار حشوها غضب الله وَإِنَّمَا اسودت من غَضَبه يحل ذَلِك الْغَضَب عذَابا بأجساد العداة العصاة فتنتقم النَّار مِنْهُم لحق الله جَلَاله والمستغيث مِنْهُ على ثَلَاثَة أضْرب مستغيث من نَار الله بِعَفْو الله ومستغيث من غضب الله تَعَالَى برحمة الله ومستغيث بِاللَّه من الله تَعَالَى وَقد جمع ذَلِك رَسُول الله ﷺ فِيمَا أَتَاهُ جبرئيل وَأمره أَن يكون

стр. 495

ذَلِك فِي السُّجُود فَقَالَ أعوذ بعفوك من عقابك ثمَّ قَالَ وَأَعُوذ برضاك من سخطك ثمَّ قَالَ وَأَعُوذ بك مِنْك

стр. 496

- الأَصْل الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَة - فِي قَوْله ﷺ إِنِّي لأستغفر الله فِي الْيَوْم مائَة مرّة عَن الْأَغَر الْمُزنِيّ ﵁ قَالَ خرج إِلَيْنَا رَسُول الله ﷺ وَهُوَ رَافع يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُول يَا أَيهَا النَّاس اسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ فوَاللَّه إِنِّي لأستغفر الله فِي الْيَوْم مائَة مرّة وَفِي رِوَايَة وَإنَّهُ ليغان على قلبِي وَإِنِّي لأستغفر الله فِي الْيَوْم مائَة مرّة الْمَغْفِرَة هِيَ الغطاء والستر وَمِنْه سمي المغفر دبير الثَّوْب وَهُوَ الَّذِي يعلق الثَّوْب الْجَدِيد وَالْعَبْد الْمُؤمن بَايع الله تَعَالَى يَوْم الْمِيثَاق أَن يطيعه وَيكون بَين يَدَيْهِ فَلَمَّا أذْنب ذَنبا وَترك مقَامه خرج من ستره فتعرى

стр. 497

فَقيل لَهُ تب أَي ارْجع إِلَى مقامك فَلَمَّا رأى نَفسه عَارِيا طلب السّتْر فَفَزعَ إِلَى الله تَعَالَى عَن عريه فَستر فَقيل ارْجع إِلَى رَبك إِلَى مقامك فِي الْبيعَة مَعَ السّتْر فَأَنت فِي كنفه مَا دمت وَاقِفًا بمقام الْبيعَة فَلذَلِك بدىء بالاستغفار ثمَّ بِالتَّوْبَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿اسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ وَقَالَ ﷺ طُوبَى لمن وجد فِي صَحِيفَته اسْتِغْفَارًا كثيرا وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن للقلوب صدءا كصدأ الْحَدِيد وجلاؤه الاسْتِغْفَار وَقَالَ ﷺ إِن العَبْد إِذا أذْنب نكتت فِي قلبه نُكْتَة سَوْدَاء فَإِذا عَاد نكتت أُخْرَى حَتَّى يسود الْقلب فَإِذا تَابَ وَنزع صقل قلبه ثمَّ تَلا ﴿كلا بل ران على قُلُوبهم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وَاعْلَم أَن للمغفرة دَرَجَات فمغفرة الرَّسُول ﷺ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر ومغفرة من بعده بأعمال بر عملوها لَا يَخْلُو من ذَلِك والستر أَنْوَاع فَمنهمْ من لَا يستر عَلَيْهِ أَيَّام الْحَيَاة فَإِذا صَار مَمَره إِلَى النَّار يستر لِئَلَّا تصيبه النَّار وَمِنْهُم من يستر فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَلم يستر عَلَيْهِ فِي الْعرض وَمِنْهُم من يستر عَلَيْهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَالْعرض عِنْد الْمَلَائِكَة وخلا بِهِ ربه فِي السُّؤَال فلقي شدَّة الْحيَاء وَمِنْهُم من يستر عَلَيْهِ فِي الْحجب عَن نَفسه حَتَّى لَا يَرَاهَا فيستحيي وَمِنْهُم من يستر عَلَيْهِ سترا لَا يذكرهَا حَتَّى يذهب عَنهُ ذكرهَا فَذَاك ستر

стр. 498

بَينه وَبَين العَبْد يستره عَن عمله وَحَتَّى لَا يخجل كَمَا ستر أهل الْجنان بالأنس بِهِ إِذا ذكرُوا ذنوبهم لم يخجلوا وَلم يثقل عَلَيْهِم ذكرهَا فَكل من كَانَ فِي الدُّنْيَا من الْأنس بِهِ أوفر حظا فَإِن ستره من ذنُوبه هُنَاكَ أكشف وأنسه بِاللَّه تَعَالَى أَكثر والأنس بِاللَّه تَعَالَى من الاحتظاء من جماله فَإِذا كَانَ قلبه عِنْده فِي ملك الْجمال فالغالب عَلَيْهِ الْأنس وَجَزَاء الْأنس بِهِ الْيَوْم الأمل غَدا وَمن كَانَ قلبه عِنْده فِي ملك الْجلَال فالغالب عَلَيْهِ الهيبة وجزاؤه مِنْهُ الْأَمْن غَدا وَمن كَانَ قلبه عِنْده فِي ملك ملكه وَجَاوَزَ ملك الْجمال والجلال إِلَى وحدانيته وَانْفَرَدَ بِهِ فِي فردانيته وهم الَّذين وَصفهم ﷺ سِيرُوا فقد سبق المفردون قَالُوا من هم يَا رَسُول الله قَالَ الَّذين اهتروا بِذكر الله تَعَالَى يضع الذّكر اثقالهم يأْتونَ يَوْمئِذٍ خفافا فهم أمناؤه فِي أرضه قُلُوبهم فِي ملك الْملك فِي تِلْكَ الْخلْوَة الَّتِي قد انْقَطع علم الصِّفَات عِنْدهَا فَلَا يُوصف مَا فِي قُلُوبهم أَيَّام الْحَيَاة فجزاؤهم غَدا الدَّلال فَصَاحب الهيبة فِي عبودته ومعاملته من الْفرق كالميت فِي كل أَمر من أُمُوره على هول عَظِيم وخطر جسيم وَصَاحب الْأنس فِي عبودته ومعاملته قد خف عَنهُ ذَلِك لما يأمل من عطفه ورأفته بِهِ ومحبته وَصَاحب البهتة أَمِينه فَهُوَ كالمطمئن لِأَنَّهُ صَار فِي قَبضته وَهُوَ يَسْتَعْمِلهُ فباستعماله أشرف على الْأُمُور فَهُوَ المدل فِي دُنْيَاهُ المدل فِي آخرته وَهُوَ الْأمين الَّذِي بَسطه فانبسط وَهُوَ الْمُحدث وَهُوَ أَعلَى من الصِّنْفَيْنِ الْأَوَّلين صَاحب الْأنس وَصَاحب الهيبة فَإِن صَاحب الْأنس بَسطه الْأنس بِالْملكِ وَهَذَا قد بَسطه الْملك وشتان من بَسطه الْملك وَمن بَسطه الْأنس بِالْملكِ

стр. 499

- الأَصْل السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَة - فِي تَأْثِير هَيْبَة الرَّسُول ﷺ فِي حَيَاته وتأثير وَفَاته فِي الْقُلُوب عَن أنس ﵁ قَالَ لما كَانَ الْيَوْم الَّذِي دخل فِيهِ رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة أَضَاء كل شَيْء مِنْهَا فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ أظلم كل شَيْء مِنْهَا وَمَا نفضنا الْأَيْدِي عَن النَّبِي ﷺ وَأَنا لفي دَفنه حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبنَا كَانَ رَسُول الله ﷺ نورا أَضَاء الْعَالمين قَالَ تَعَالَى إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا وَمُبشرا وَنَذِيرا وداعيا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا فَكَانَ يَسْتَنِير سراجه فِي الْعَالمين وَإِذا مَشى فِي الطَّرِيق فاح مِنْهُ ريح الطّيب حَتَّى يُوجد عرفه فِي مَمَره ﷺ فَيعرف أَنه مر بِهَذَا الْمَكَان وَكَانَ طَاهِرا طيبا طهره الله تَعَالَى بِالْحِفْظِ فِي الأصلاب والأرحام وطفلا وناشئا وكهلا حَتَّى قدسه بطهر النُّبُوَّة وشرفه بالقربة وطيبه بِرُوحِهِ وجلله ببهائه فَمن فتح الله قلبه بِالنورِ الَّذِي جعله فِي قلبه وأبصره وَمَا نحله الله تَعَالَى وزينه بِهِ كَانَ رُؤْيَته شِفَاء قلبه ودواء سقمه

стр. 500

وَلَا يخيب بِرُؤْيَتِهِ عَن أَن يكون شِفَاء الْقلب إِلَّا من ختم الله على قلبه وَجعل على سَمعه وبصره غشاوة كَمَا قَالَ تَعَالَى وتراهم ينظرُونَ إِلَيْك وهم لَا يبصرون وَكَانَت هيبته ووقاره وجلاله وطهارته سدا بَين الْقُلُوب والنفوس فَكَانَت النُّفُوس قد أَلْقَت بأيديها منقادة مستسلمة هَيْبَة لَهُ وإجلالا وحياء مِنْهُ ﷺ وَكَانَ لَهُ طلاوة وحلاوة ومهابة فَأَيْنَ مَا حل ببقعة أَضَاءَت تِلْكَ الْبقْعَة بنوره وطلاوته وحليت بحلاوته وتهيأت شئونها بمهابته فَلَمَّا قبض ﷺ ذهب السراج وَزَالَ الضَّوْء وفاتت تِلْكَ الطلاوة والحلاوة والمهابة وَقَوله وَمَا نفضنا الْأَيْدِي حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبنَا أخبر عَن قلبه وَعَن قلب أشباهه من الْقُلُوب الَّتِي لم تغلب عَلَيْهَا الهيبة من الله تَعَالَى وتأخذها هَيْبَة المخلوقين وَكَانَ ﷺ آيَة من آيَات الله الْعُظْمَى فَمن عرفه وتمكنت مَعْرفَته من هَذَا الطَّرِيق فَإِذا فَقده أنكر قلبه لِأَن نَفسه كَانَت فِي قهر مَا أعطي الرَّسُول ﷺ من السُّلْطَان فَلَمَّا أحست النَّفس بذهابه وجدت زمامها سَاقِطَة بِالْأَرْضِ كالمخلاة عَنْهَا فتحركت وتشوقت لمناها وأصاخت أذنا لمطامعها وَمن غلب الهيبة من الله تَعَالَى على قلبه وملكته لم يُنكر قلبه بِقَبْضِهِ وَلم يتَغَيَّر شَأْنه بفقده وهم الصديقون والأولياء ﵇ فقد دخل قُلُوبهم من جلال الله تَعَالَى وعظمته مَا بهتهم فهابوه ونفوسهم قد صَارَت كالميتة من الْخُشُوع لله تَعَالَى فَتلك هَيْبَة احتشت الْقُلُوب مِنْهُم من محبَّة الله تَعَالَى فغمرت مَا كَانَ للمخلوقين فِيهَا من الْمحبَّة من غير أَن تَزُول هَيْبَة الرَّسُول ﷺ ومحبته من قلبه فَإِن كل مَا عظمت هَيْبَة الله تَعَالَى ومحبته فِي قلب عبد فَهُوَ للهيبة من رَسُول

стр. 501

الله ﷺ أَشد وحبه فِي قلبه أعظم وأصفى وَلَكِن محبته وهيبته غامرة لما سواهَا فَلَا يستبين بِمَنْزِلَة وَاد ينصب فِي بَحر فالوادي ينصب بهيبته وَلَكِن لَا يستبين فِي جنب الْبَحْر وبمنزلة قمر مضيء فَإِذا أشرقت الشَّمْس غمر إشراقها ضوء الْقَمَر فالقمر يضيئ فِي مجْرَاه وَالشَّمْس بإشراقها غالبة عَلَيْهِ كَذَا حب الله تَعَالَى وهيبته فِي حب الرَّسُول ﷺ وهيبته

стр. 502

- الأَصْل السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَة - فِي فضل نظرة المشتاق عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ نظر الرجل إِلَى أَخِيه على شوق خير من اعْتِكَاف سنة فِي مَسْجِدي هَذَا الِاعْتِكَاف إقبال العَبْد على الله تَعَالَى والتخلي عَن الدُّنْيَا وشهواتها وكف النَّفس عَن التَّرَدُّد فِي ساحات الْعَيْش ومنعها عَن الانبساط والتفسح وَمَسْجِد رَسُول الله ﷺ وَمَوْضِع مهاجره ومبوء الاسلام يعدل الِاعْتِكَاف فِيهِ سنة اعْتِكَاف ألف سنة فِي سَائِر الْمَسَاجِد قَالَ ﷺ صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا تعدل ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ

стр. 503

كَذَا حكم الِاعْتِكَاف فقد جعل ﷺ النّظر إِلَى أَخِيه على شوق مِنْهُ أَكثر مِنْهُ لِأَنَّهُ الْمُؤمن لما انتبه بِقَلْبِه وَعرف ربه ﵎ واشتغل نور الْيَقِين فِي قلبه فانكشف لَهُ الغطاء عَن جَلَاله وعظمته وجماله ومجده وبهائه اشتاق إِلَيْهِ فَلم يزل يَدُوم لَهُ الشوق حَتَّى قلق وبرم بِالْحَيَاةِ وضاق بِهِ ذرعا فَهُوَ عطشان من ظمأ الشوق قد أسكرته محبته عَن جَمِيع الدُّنْيَا وأذهلته آماله فِيهَا عَن جَمِيع مناه فِيهَا وأقلقته بَقِيَّة أنفاسه ويتمنى أَن يَنْقَضِي جَمِيع أنفاسه فِي نفس وَاحِد حَتَّى يطير بِرُوحِهِ إِلَى الله تَعَالَى فَهُوَ فِي محبسه يتَرَدَّد آثَار من قد اجتباه من بَين خلقه وَسبي قلبه بنوره وَقد انْقَطع طمعه من أَن يرَاهُ وَهُوَ يُنَادي فِي خلال ذَلِك ارْحَمْ من ترَاهُ وَلَا يراك لِأَنَّهُ قد سبق إِلَى ذَلِك رَأس المشتاقين كليم الله صلوَات الله عَلَيْهِ لما من عَلَيْهِ بالْكلَام طمع فِي الرُّؤْيَة فآنسه وأعلمه سَبَب الْمَنْع كالمعتذر فَقَالَ ﴿لن تراني﴾ أَي لَا تقدر وَلَكِن أنظر إِلَى الْجَبَل فَإِن إستقر مَكَانَهُ فَسَوف تراني وَكَذَلِكَ فعل الحبيب بالحبيب إِذا سَأَلَهُ حَاجَة لَا طَاقَة لَهُ بهَا وَلَا يقوم لَهَا وان الْحَاجة تضيع لم يواجهه بِالْمَنْعِ وَلم يوحشه بِالرَّدِّ وَيُقِيم لنَفسِهِ عذرا فالمؤمن من يطْلب الْآثَار إِلَيْهِ شوقا وَللَّه تَعَالَى فِي أرضه اربعة من آثاره بهَا يقطع المشتاقون أعمارهم فاحدى الْآثَار كَلَامه وَعَلِيهِ طَلَاق فَإِذا نظر إِلَى الْقُرْآن استروح لِأَنَّهُ كَلَامه وَالثَّانِي كعبته وَهُوَ بَيته ومعلمه ومظهره وَعَلِيهِ وقاره فَإِذا نظر إِلَيْهَا استروح وَالثَّالِث السُّلْطَان وَهُوَ ظله وعَلى ظله هيبته فَإِذا نظر إِلَيْهِ استروح وَالرَّابِع وليه الْمُؤمن وَهُوَ خَلِيفَته فِي أرضه وَعَلِيهِ نور جَلَاله فَإِذا نظر إِلَيْهِ استروح لِأَنَّهُ حَبِيبه وَفِيه بره وسيماء نوره قد أشرق فِي وَجهه

стр. 504

قَالَ ﷺ إِن الله أعْطى الْمُؤمن ثَلَاثَة المقة والملاحة والمحبة فِي صُدُور الْمُؤمنِينَ ثمَّ تَلا إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَيجْعَلُ لَهُم الرَّحْمَن ودا وَقَالَ ﷺ من نظر إِلَى أَخِيه نظر ود غفر الله لَهُ لِأَن المشتاق آيس من أَن ينظر إِلَى مَوْلَاهُ فِي الدُّنْيَا فَإِذا نظر إِلَى هَذَا العَبْد فانما يقْضِي الْمنية من ربه وَلَا يشفيه ذَلِك بل يذوب على قَدَمَيْهِ فَكل لَحْظَة بلحظة إِلَى هَذَا العَبْد وَقصد بِهِ التشفي من حرقات الشوق إِلَى الله تَعَالَى وَقد حَبسه الله تَعَالَى بباقي أنفاسه يسْتَوْجب بِتِلْكَ النظرة الَّتِي من أجل الله تَعَالَى كَانَت وَلم يصل إِلَى مُرَاده ومنيته الرضْوَان وَالْمَغْفِرَة مِنْهُ وَهَؤُلَاء الْأَرْبَعَة الَّذين هم آثَار الله تَعَالَى فِي أرضه بهم تقوم الأَرْض فَإِذا دنا قيام السَّاعَة رفع الْقُرْآن وهدمت الْكَعْبَة وَذهب السُّلْطَان وَقبض الْأَوْلِيَاء عَن آخِرهم فالمتنبهون إِنَّمَا يَأْخُذُونَ من الْقُرْآن لطائفه وطلاوته ويلحظون من السُّلْطَان هَيْبَة ظله دون أَفعاله وسيره وَمن الْبَيْت وقاره دون الْأَحْجَار والبنيان وَمن الْوَلِيّ نور جَلَاله الَّذِي قد أشرق فِي صَدره دون جسده ولحمه وَدَمه

стр. 505

- الأَصْل الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَة - فِي أدب التَّنَزُّه فِي الْمَأْكُول وتناوله عَن عبد الله بن بشير ﵁ قَالَ دخل علينا رَسُول الله ﷺ فَطَعِمَ ثمَّ أُتِي بسويق فَشرب ثمَّ أعطي الَّذِي عَن يَمِينه وَكَانَ إِذا أكل التَّمْر وضع النواة على ظهر اصبعه الْوُسْطَى والمشيرة ثمَّ أَلْقَاهَا لَو أَخذ النواة بباطن أَصَابِعه ثمَّ عَاد إِلَى بَقِيَّة التَّمْر لَكَانَ لَا يَخْلُو أَن تكون أَصَابِعه مبتلة من ريق الْفَم عِنْد أَخذ النواة فكره أَن يعود إِلَى بَقِيَّة التَّمْر وَفِي يَده بلة النواة مُرَاعَاة للأكيل وَحُرْمَة للصاحب ليتأدب بِهِ من بعده فَإِنَّهُ قد يعاف الرجل صَاحبه فِي فعله من ذَلِك ويكرهه فَكَانَ يَأْخُذ النواة بظاهرإصبعيه وَيسْتَعْمل باطنهما فِي تنَاوله وَمِمَّا يُحَقّق ذَلِك مَا روى أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ نهى أَن يجمع بَين التَّمْر والنوى وَبَين الرطب والنوى على الطَّبَق وَعَن أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ أَتَى بطبق من رطب فَأكل مِنْهُ شَيْئا ثمَّ يلقِي النَّوَى من فَمه بِشمَالِهِ فمرت بِهِ داجنة فناولها إِيَّاه فَأكلت

стр. 506

- الأَصْل التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَة - فِي أَن مَا يستصلح بِهِ الأقوات سيد الْأدم عَن عِيسَى بن أبي عزة ﵁ قَالَ سَمِعت أنس ابْن مَالك ﵁ يَقُول سَمِعت نَبِيكُم ﷺ يَقُول سيد ادامكم الْملح فالملح بِهِ إصْلَاح الْأَطْعِمَة وطيبها فَيكون مزاجا للأشياء

стр. 507

- الأَصْل الْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَة - فِي أَن الْمَرْء مَعَ من أحب عَن عَليّ كرم الله وَجهه قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ مَتى السَّاعَة قَالَ وَمَا أَعدَدْت لَهَا قَالَ حب الله وَرَسُوله قَالَ فَأَنت مَعَ من أَحْبَبْت الْحبّ هيجه للسؤال عَن قيام السَّاعَة لِأَنَّهُ علم أَن لِقَاء العَبْد سَيّده بعد قيام السَّاعَة فقلق وضاق بِالْحَيَاةِ ذرعا فَسَأَلَ عَن السَّاعَة مَتى تقوم استرواحا إِلَيْهَا وَإِنَّمَا سَأَلَ رَسُول الله ﷺ مَا أَعدَدْت لَهَا تطلعا لمن يحن ضَمِيره وتعرفا للَّذي عجله عَلَيْهِ من السُّؤَال إِلَى مَعْدن هَاجَتْ هَذِه الْكَلِمَة وَهَذَا السَّائِل من المشتاقين أَلا ترى انه لم يذكر من عدته شَيْئا من أَعمال الْبر وَإِنَّمَا ذكر الَّذِي كَانَ بَين يَدي قلبه وَمَا اعْترض بِهِ فِي صَدره فَأَجَابَهُ على مَا وجده عَلَيْهِ فَقَالَ أَنْت مَعَ من أَحْبَبْت فالموحدون كلهم يحبونَ الله تَعَالَى حب إِيمَان لِأَن

стр. 508

الْغَالِب عَلَيْهِ نَفسه وشهوته وَإِنَّمَا يقلق لذَلِك ويجيش صَدره إِذا فَاتَهُ شَيْء من شهواته ونهماته فِي الدُّنْيَا فَذَاك إِنَّمَا يعد للساعة أَعمال بره وَجعل ذَلِك عدته يَرْجُو لَهَا الثَّوَاب من الله تَعَالَى حَتَّى إِذا ورد الْقِيَامَة حصلت سرائره وبلي خَبره وَاقْتضى صدقه فِي الْأَعْمَال فان وجد صَادِقا فِي ذَلِك أثيب وَأكْرم على قدره وَإِن وجد كَاذِبًا رمي بِهِ فِي وَجهه وَهُوَ مَوْقُوف فِي الحرصة يَرْجُو بِأَعْمَالِهِ النجَاة من النَّار ونوال الثَّوَاب فتخلص حَسَنَاته وتصفى ثمَّ توزن بالسيئات فَإِن فضل لَهُ شَيْء أعطي بِقدر مَا فضل وَهَذَا السَّائِل قد كَانَت الْأَشْيَاء كلهَا تلاشت عَن قلبه فِي جنب معبوده فلحبه إِيَّاه غليان فِي صَدره فَكَانَ ذَلِك عدته فَلذَلِك قَالَ أَنْت مَعَ من أَحْبَبْت وَلَعَلَّه كَانَ أَشَّدهم اجْتِهَادًا وأصفاهم عملا وأخلصهم قلبا وأطهرهم إِيمَانًا وأبعدهم عَن كل رِيبَة وريب ودنس وعيب وأخلقهم بمعالي الْأَخْلَاق وأنزههم عَن مدانيها لِأَن حب الله تَعَالَى لَا ينَال إِلَّا محبوبه قَالَ تَعَالَى يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ بَدَأَ بحبه إيَّاهُم ثمَّ بحبهم لَهُ ثمَّ وصف أَخْلَاقهم وشمائلهم فَقَالَ ﴿أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين﴾ الْآيَة وَإِذا فتح الله قلب عبد وأشرق النُّور فِي صَدره وانتبه من غفلته فمحال أَن لَا يَجِيش صَدره بحب مَوْلَاهُ حَتَّى ينسى فِي حبه حب كل مَذْكُور ويلهو عَن كل شَيْء سواهُ كَمَا قَالَ الْحسن ﵁ حق على من عرفه أَن يُنكر كل شَيْء سواهُ وَقَالَ ﷺ لَا يبلغ أحدكُم ذرْوَة الْإِيمَان حَتَّى يكون

стр. 509

النَّاس عِنْده أَمْثَال الاباعر فِي جنب الله تَعَالَى ثمَّ يرجع إِلَى نَفسه فَيكون لَهَا أَحْقَر حاقر وَقَالَ ﷺ حبك الشَّيْء يعمي ويصم فالقلب وَاحِد فَإِذا أحب الدُّنْيَا أعماه وأصمه عَن الْآخِرَة فَإِن الْحبّ حرارة تتوقد فِي الْقلب فَإِذا ولج الْقلب حرارة الشَّهْوَة تعميه وتصمه عَن كل شَيْء سواهُ وَإِذا أحب الْآخِرَة أعماه عَن الدُّنْيَا وأصمه لِأَنَّهُ صَارَت لَهُ الْآخِرَة مُعَاينَة بِالنورِ الْوَارِد على قلبه وهاجت شَهْوَته لَهَا واستجر قلبه وتوقد فأعماه وأصمه عَن كل شَيْء سواهَا وَإِذا أحب مَوْلَاهُ أعماه وأصمه عَن جَمِيع مَا خلق وَعَن كل مَا سواهُ لِأَنَّهُ إِذا توقد نوره فِي قلبه انْكَشَفَ الغطاء عَن جَلَاله وعظمته وجماله وبهائه وكبريائه فأعماه وأصمه عَن كل شَيْء سواهُ وَهَكَذَا ركب فِي طباع الْآدَمِيّين أَن يسموا قلبه إِلَى الأرفع فالأرفع إِذا رأى أهل النَّعيم والزينة يُسَمِّي قلبه أعظمهم قدرا وأوفرهم حظا من ذَلِك وَإِذا عاين الْآخِرَة رق هَذِه فِي جنبها وَإِذا وَقع على قلبه من جلال الله وعظمته رق هَذَا كُله فِي جنب مَا عاين وَيُحب الْآدَمِيّ كلا على قدره وَأهل الْمحبَّة قوم سبقت لَهُم من الله تَعَالَى سَعَادَة زَائِدَة فاضلة على من دونهم من عُمَّال الله تَعَالَى اجتباهم بمشيئته وهداهم بإنابتهم وهم صنفان ذكرهمَا الله تَعَالَى فِي تَنْزِيله الْكَرِيم الله يجتبي إِلَيْهِ من يَشَاء وَيهْدِي إِلَيْهِ من ينيب فَالْأول طَرِيق الْأَنْبِيَاء ﵈ بمشيئته اجتباهم وجذب قُلُوبهم إِلَيْهِ جذبة بمشيئته من غير تردد وتكلف وَطلب وَالثَّانِي طَرِيق الْأَوْلِيَاء المهذبين سَلام الله تَعَالَى عَلَيْهِم أنابوا وَسَارُوا إِلَيْهِ بقلوبهم وأوصلهم

стр. 510

إِلَيْهِ فأحبهم وبحبه أوصلهم إِلَى حبه وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين﴾ وَلِهَذَا تفسيران تَفْسِير الْمُقْتَصِدِينَ أهل الاسْتقَامَة وَتَفْسِير الْأَوْلِيَاء أهل الْيَقِين فَأَما أهل الإستقامة فيذل عِنْد حق الْمُؤمن لحقه ويرق لَهُ ويعطف عَلَيْهِ وَيُحب لَهُ مَا يحب لنَفسِهِ ويعز على الْكَافِر بِاللَّه تَعَالَى على باطله فيقهره يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم فَمن حبهم إِيَّاه دق شَأْن الْخلف وذمهم ومدحهم فِي جنبه وَأما تَفْسِير أهل الْيَقِين ﴿أعزة على الْكَافرين﴾ يذلون عِنْد كل مَشِيئَة لله تَعَالَى فَيظْهر من الْغَيْب من احكامه عَلَيْهِم فينقادون لَهُ تَسْلِيمًا لَهُ بِلَا تلجلج ويعزون على الْبَاطِل فيمتنعون مِنْهُ حَتَّى لَا يَجدوا سَبِيلا وَلَا تَجِد النَّفس إِلَى خدعها طَرِيقا ويعزون على أَهله فَلَا يستقبلهم مضاد إِلَّا انقمع لَهُم وسلس وَلَا يخَافُونَ لومة لائم قد سقط عَن قُلُوبهم خوف سُقُوط الْمنزلَة عِنْد الْخلق وَهَذِه عقبَة عَظِيمَة من جازها فقد ولى الدُّنْيَا وَرَاء ظَهره وَرفع عَن النَّاس بَالا وهما عقبتان كئودتان فطلاب الْآخِرَة أَعرضُوا عَن الدُّنْيَا توليا عَنْهَا وَأَقْبلُوا على الْآخِرَة الا أَنهم بقوا فِي الْعقبَة الثَّانِيَة فهم حرصاء أَن يكون جاههم وقدرهم بَاقِيا عِنْد الْخلق وَأَن لَا يسقطوا من أَعينهم وَهُوَ الشَّهْوَة الْخفية الَّتِي بَكَى رَسُول الله ﷺ فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم الشّرك والشهوة الْخفية

стр. 511

فحب الثَّنَاء وَحب المحمدة هِيَ الشَّهْوَة الْخفية وَهِي من أقوى الْأَشْيَاء فِي الْآدَمِيّ يبْقى ذَلِك فِي الْعمَّال والقراء والزهاد والورعين فهم مِنْهُ فِي جهد وَهَذَا الَّذِي حملهمْ على الاختفاء والهرب من الْخلق وإخفاء الْعَمَل وكتمان الْأَشْيَاء الَّتِي يكرمهم الله تَعَالَى بهَا مَخَافَة التزين والمباهاة فِي الْأَقْوَال فَمن أشْرب حب الله قلبه شربة أسكرته عَن الدَّاريْنِ وَعَن الْخلق فطارت هَذِه المحبات عَنهُ وَزَالَ عَنهُ حب المحمدة وَالثنَاء وَرفع الْمنزلَة عِنْد الْخلق وَذهب باله وَنسي هَذَا كُله وَلَا يبْقى على قلبه إِلَّا عَظمَة الله تَعَالَى وجلاله إِذْ أشرق الصَّدْر بنوره فَامْتَلَأَ من عَظمته وَلَزِمتهُ هيبته وهاجت هوائج الْمحبَّة لَهُ والشوق إِلَيْهِ وَظهر الوله والحنين فِيهِ فَحِينَئِذٍ تَمُوت هَذِه الْأَشْيَاء مِنْهُ وَيحيى قلبه بِهِ وَلَا يخَاف فِي الله لومة لائم فَإِذا ترقى من هَذِه الدرجَة إِلَى الدرجَة الْعُظْمَى فَانْفَرد بوحدانيته وبهت فِي جماله وجلاله واستولت على قلبه هيبته افْتقدَ ذكر هَذَا كُله من نَفسه فَيصير فِي قَبضته مستعمله فِي أُمُوره معتزا بِهِ بِهِ يقوم وَبِه يقْعد وَبِه يتَصَرَّف فِي الْأَحْوَال وَهَذَا السَّائِل الَّذِي سَأَلَهُ ﷺ عَن السَّاعَة من جُمْلَتهمْ وَلِهَذَا روى أنس بن مَالك ﵁ فِي آخر الحَدِيث كم من بدوي من رجال الله وخاصته لَا يعرف وَلَا يؤبه بِهِ وَقَالَ ثَابت الْبنانِيّ ﵁ لَا تسخروا من أحد وَلَا تستهزءوا من أحد فَإِن أنس بن مَالك ﵁ حَدثنَا أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ بِالبَقِيعِ فَإِذا هُوَ باعرابي أعمش الْعَينَيْنِ خَمش الذراعين دَقِيق السَّاقَيْن عَلَيْهِ شملتان وَمَعَهُ عكة من سمن يَبِيعهَا فجَاء جبرئيل ﵇ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله هَذَا زَاهِر

стр. 512

هَذَا يحب الله وَالله يُحِبهُ فَدَنَا مِنْهُ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا زَاهِر قَالَ لبيْك يَا رَسُول الله قَالَ من يَشْتَرِي مني زاهرا فَقَالَ يَا رَسُول الله إِذا تجدني كاسدا فَقَالَ يَا زَاهِر إِن تكن عِنْد النَّاس كاسدا فانك لست عِنْد الله كاسدا إِذا قدمت الْمَدِينَة فَانْزِل عَليّ وَإِذا أَنا بدوت نزلت عَلَيْك

стр. 513

- الأَصْل الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَة - فِي أَي النِّسَاء خير عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قيل يَا رَسُول الله أَي النِّسَاء خير قَالَ الَّتِي تسرهُ إِذا نظر وَلَا تعصيه إِذا أَمر وَلَا تخَالفه لما يكره فِي نَفسهَا وَمَالهَا تسرهُ إِذا نظر لعفتها وجمالها فَإِن الْمَرْأَة إِذا كَانَ لَهَا جمال كَانَ ذَلِك عونا على عفة الرجل وَدينه فَلَا يلحظ إِلَى إمرأة إِلَّا كَانَ فِي غنى عَنْهَا بِمَا عِنْدهَا من جمَالهَا رُوِيَ أَن جمَاعَة قصدُوا دَار زَكَرِيَّا ﵇ فَإِذا فتاة جميلَة رائعة قد أشرق الْبَيْت لَهَا حسنا قَالُوا من أَنْت قَالَت أَنا امْرَأَة زَكَرِيَّا ﵇ قَالُوا بَينهم كُنَّا نرى نَبِي الله زَكَرِيَّا لَا يُرِيد الدُّنْيَا فَإِذا هُوَ اتخذ امْرَأَة جميلَة رائعة فَقَالَ ﵇ إِنِّي إِنَّمَا تزوجت إمرأة جميلَة رائعة لأكف بهَا بَصرِي وأحفظ بهَا فَرجي

стр. 514

وَقَالَ ﷺ مثل عَائِشَة فِي النِّسَاء كالثريد فِي الطَّعَام فَهَذَا تَمْثِيل مِنْهُ وَذَلِكَ أَن الثَّرِيد مشبع يَجْزِي عَن سَائِر الطَّعَام يَسْتَغْنِي بِهِ صَاحبه عَمَّا سواهُ وَلَا يقوم مقَامه شَيْء من الطَّعَام وَلِأَن الله تَعَالَى قد اخذ على الْأزْوَاج ميثاقهم فِي شَأْن نِسَائِهِم وَأمرهمْ بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِنَّ وَالْمَعْرُوف لَهُنَّ قَالَ تَعَالَى ﴿فإمساك بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان﴾ وَقَالَ ﷺ النِّسَاء عنْدكُمْ عوان اخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بِكَلِمَة الله فَاتَّقُوا الله فِيهِنَّ أَي فِي حسن عشرتهن وَالْخُرُوج إلَيْهِنَّ من حقوقهن فَمن رزق امْرَأَة على وفَاق نَفسه كَانَ ذَلِك عونا لَهُ على حسن الْعشْرَة وَإِقَامَة الْحُقُوق فَإِن النَّفس إِذا هويت شَيْئا مَالَتْ إِلَيْهِ فَصَارَ أَمرهمَا على اتِّفَاق فَلم يبْق للنَّفس تردد وَلَا تلكؤ فَهَذَا قَوْله ﷺ تسرهُ إِذا نظر وَقَوله وَلَا تعصيه إِذا أَمر فَإِنَّمَا عظم أَمر الْأزْوَاج الَّذِي يلزمهن

стр. 515

أَن لَا تخرج من بَيته إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تكلم غير ذِي محرم من الرِّجَال ولاتمنع نَفسهَا فِي حَال حَاجته إِلَيْهَا هويت أَو لم تهو خف ذَلِك عَلَيْهَا أَو ثقل قَالَ ﷺ لَا تمنع الْمَرْأَة نَفسهَا من الزَّوْج وَإِن كَانَت على رَأس تنور وَفِي حَدِيث آخر وَإِن كَانَت على قتب أَي فِي حَال وِلَادَتهَا فَإِن القوابل كَانَت يعز وجودهَا فِي تِلْكَ الْبَوَادِي فيحملون نِسَائِهِم على القتب عِنْد ولادها وَقد هيىء القتب بِالْأَرْضِ حَتَّى يتَمَكَّن من الْقعُود عَلَيْهَا فتلد ويقبلون وَلَدهَا من تَحت القتب وَعَن أبي كَبْشَة ﵁ صَاحب رَسُول الله ﷺ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْد رَسُول الله ﷺ إِذا مرت بِنَا امْرَأَة فَقَامَ رَسُول الله ﷺ فَدخل منزله ثمَّ خرج إِلَيْنَا قد اغْتسل فَقُلْنَا نرى أَن قد كَانَ شَيْء يَا رَسُول الله قَالَ مرت بِي فُلَانَة فَوَقَعت فِي نَفسِي شَهْوَة النِّسَاء فَقُمْت إِلَى بعض أَهلِي فَوضعت شهوتي فِيهَا وَكَذَلِكَ فافعلوا فانه من أماثل أَعمالكُم

стр. 516

وَقَوله وَلَا تخَالفه لما يكره فِي نَفسهَا وَمَالهَا هُوَ أَن تساعده على أُمُوره مَا لم يكن فِيهَا مَعْصِيّة فَإِن حسن الصُّحْبَة فِي المساعدة وَحسن الْعشْرَة ترك هَواهَا لهواه روى أنس ﵁ أَن رجلا انْطلق غازيا فأوصى امْرَأَته أَن لَا تنزل من فَوق الْبَيْت وَكَانَ والدها فِي أَسْفَل الْبَيْت فاشتكى أَبوهَا فَأرْسلت إِلَى رَسُول الله ﷺ تخبره وتستأمره فَأرْسل إِلَيْهَا اتَّقِ الله وأطيعي زَوجك ثمَّ إِن والدها توفّي فارسلت إِلَيْهِ ﷺ تستأمره فَأرْسل إِلَيْهَا مثل ذَلِك وَخرج رَسُول ﷺ وَأرْسل إِلَيْهَا أَن الله قد غفر لَك بطواعيتك لزوجك وَقَالَ ﷺ الدُّنْيَا مَتَاع وَخير متاعها الْمَرْأَة الصَّالِحَة وَقَالَ ﷺ خير مَا أعطي العَبْد من الدُّنْيَا زَوْجَة مُؤمنَة تعينه على إيمَانه وَقَالَ لُقْمَان ﵇ مثل الْمَرْأَة الصَّالِحَة مثل التَّاج على رَأس الْملك وَمثل الْمَرْأَة السوء كَمثل الْحمل الثقيل على ظهر الشَّيْخ الْكَبِير

стр. 517

- الأَصْل الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَة - فِي المعمرين فِي الْإِسْلَام عَن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ يَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول قَالَ الله إِذا بلغ عَبدِي أَرْبَعِينَ سنة عافيته من البلايا الثَّلَاث من الْجُنُون والبرص والجذام فَإِذا بلغ خمسين سنة حاسبته حسابا يَسِيرا وَإِذا بلغ سِتِّينَ سنة حببت إِلَيْهِ الْإِنَابَة وَإِذا بلغ سبعين سنة أحبته الْمَلَائِكَة وَإِذا بلغ ثَمَانِينَ سنة كتبت حَسَنَاته وألقيت سيئاته وَإِذا بلغ تسعين سنة قَالَت الْمَلَائِكَة أَسِير الله فِي أرضه فغفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر وشفع فِي أَهله يرْوى هَذَا الحَدِيث بروايات أخر عَن رَسُول الله ﷺ وَلَيْسَ فِيهَا حِكَايَة عَن الله تَعَالَى وَفِي رِوَايَة أنس ﵁ مَا من معمر يعمر فِي الْإِسْلَام أَرْبَعِينَ سنة إِلَّا صرف الله تَعَالَى عَنهُ ثَلَاثَة أَنْوَاع من الْبلَاء وَقَالَ فِي الْخمسين لين الله حسابه وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَن أنس ﵁ قَالَ الْمَوْلُود قبل أَن يبلغ الْحِنْث مَا يعْمل من حسنه كتبت لوَالِديهِ وَإِن عمل سَيِّئَة لم تكْتب عَلَيْهِ وَلَا على وَالِديهِ فاذا بلغ الْحِنْث وَجرى عَلَيْهِ الْقَلَم

стр. 518

أَمر الْملكَانِ اللَّذَان مَعَه أَن يحفظا ويسددا فَإِذا بلغ أَرْبَعِينَ سنة وسرد الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ بعد التسعين فَإِذا بلغ أرذل الْعُمر لكيلا يعلم بعد علم شَيْئا كتب الله لَهُ بِمثل مَا كَانَ يعْمل فِي صِحَّته من الْخَيْر وَإِن عمل سَيِّئَة لم تكْتب عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة ﵁ فَإِذا بلغ مائَة سنة سمي حبيس الله فِي الأَرْض حق على الله أَن لَا يعذب حبيسه فِي الأَرْض هَذَا الحَدِيث يخبر عَن حُرْمَة الْإِسْلَام وَمَا يُوجب الله تَعَالَى لمن قطع عمره مُسلما من الكرامات وَمَا يقْصد فِي ذَلِك بَيَان الْأَعْمَال والدرجات واكتساب الطَّاعَات فَذَاك ثَوَابه على قدر مَا سعى واكتسب وَمثل هَذَا مَوْجُود فِي حق الْخلق ترى الرجل يَشْتَرِي عبدا فَإِذا أَتَت عَلَيْهِ سِتُّونَ يُقَال عتق عندنَا وطالت صحبته مَعنا فترتفع عَنهُ بعض العبودة ويخفف عَلَيْهِ فِي الضريبة فَإِذا زَادَت مُدَّة صحبته زيدت رفقا وعطفا وَإِذا وجد مِنْهُ تَخْلِيط وإساءة عمل فلطول صحبته لَا يمْنَع رفده ورفقه لإساءته فَإِذا شاخ وَكبر اعتقه احتشاما من بَيْعه والإساءة إِلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ ﷺ إِن الله تَعَالَى يستحي من عَبده وَأمته أَن يشيبا فِي الْإِسْلَام فيعذبهما

стр. 519

فَفِي بُلُوغ الْعُمر أَرْبَعِينَ سنة استكمال الشَّبَاب واستجماع الْقُوَّة وَهُوَ عمر تَامّ وَلَا يزَال بعده فِي نُقْصَان وإدبار فَإِذا عَاشَ فِي الْإِسْلَام عمرا تَاما وَجب لَهُ من الْحُرْمَة مَا يدْفع عَنهُ الْآفَات الثَّلَاث الَّتِي لَا تقبل الدَّوَاء مِنْهُ من الدَّاء العضال وَوُجُود الْعَدو إِلَيْهِ سَبِيلا فِي أَخذ قلبه فَإِذا بلغ خمسين سنة وَهُوَ نصف الْمِائَة الَّتِي هِيَ أرذل الْعُمر الَّذِي يرفع عَنهُ الْحساب فَهُوَ على النّصْف من ذَلِك فَخفف عَنهُ حسابه ولين وحوسب حسابا يَسِيرا وخفة الْحساب فِي الدُّنْيَا أَن لَا يؤاخذه فِيهَا وَلَا ينْزع مِنْهُ الْبركَة وَلَا يحرمه ألطافه وَلَا يقصيه وَلَا يَخْذُلهُ وَمن قبل الْخمسين لم يسْتَوْجب هَذِه الْحُرْمَة فَإِذا بلغ سِتِّينَ سنة وَهُوَ عمر التَّذَكُّر والتوقف قَالَ ﷺ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة نُودي أَبنَاء السِّتين ﴿أولم نُعَمِّركُمْ مَا يتَذَكَّر فِيهِ من تذكر﴾ فَإِذا عمر سِتِّينَ سنة فقد جَاءَ أَوَان التَّذَكُّر لِأَن الْأَرْبَعين مُنْتَهى استتمام الْقُوَّة فَإِذا جَاوز إِلَى سِتِّينَ فقد أَتَى عَلَيْهِ عشرُون سنة فِي النُّقْصَان وَهُوَ نصف الْأَرْبَعين الَّذِي هُوَ مُنْتَهى الْقُوَّة فقد افْتقدَ من نَفسه نصف الْقُوَّة فَلذَلِك صَار حجَّة عَلَيْهِ فَأوجب لَهُ حُرْمَة بِأَن رزقه الْإِنَابَة إِلَيْهِ فِيمَا يحب وَهُوَ التَّذَكُّر فَإِنَّهُ إِذا تذكر رزقه الْإِنَابَة إِلَيْهِ فِي الطَّاعَات وَلم يَخْذُلهُ حَتَّى يصير عمره وبالا وَحجَّة عَلَيْهِ فيعير بِهِ كَمَا يعير أهل النَّار قَالَ الله تَعَالَى أولم نُعَمِّركُمْ مَا يتَذَكَّر فِيهِ من تذكر وَجَاءَكُم النذير فَذُوقُوا فَمَا للظالمين من نصير وَإِذا بلغ سبعين سنة فقد عمر حقبا من الدَّهْر وَهُوَ سَبْعُونَ سنة وَهُوَ غَايَة وَقد يَنْتَهِي إِلَيْهِ فِي الطول وَهُوَ مُنْتَهى أَعمار هَذِه الْأمة

стр. 520

قَالَ ﷺ أقل أمتِي أَبنَاء السّبْعين وَقَالَ ﷺ معترك المنايا مَا بَين السِّتين إِلَى السّبْعين فَإِذا عمر فِي الْإِسْلَام سبعين سنة قَالَ هَذَا عبد قد كَانَ فِي عبودة مَوْلَاهُ حقبا لم يأبق مِنْهُ وَلم يتول حَتَّى مَاتَ فِي عبودته وَذهب شبابه وقوته فِي طَاعَته فَأوجب لَهُ محبته وأحبه أهل السَّمَاء فَإِنَّهُ يشهر حبه فيهم وَتَحْقِيق مَا ذكرنَا مَا روى وهب قَالَ مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة أَبنَاء الْأَرْبَعين زرع قد دنا حَصَاده ابناء الْخمسين هلموا إِلَى الْحساب لَا عذر لكم أَبنَاء السِّتين مَاذَا قدمتم وماذا أخرتم أَبنَاء السّبْعين مَاذَا تنتظرون أَلا لَيْت الْخلق لم يخلقوا فَإِذا خلقُوا علمُوا لماذا خلقُوا أَلا أتتكم السَّاعَة فَخُذُوا حذركُمْ فَإِذا بلغ ثَمَانِينَ سنة قبلت حَسَنَاته وَتجَاوز الله تَعَالَى عَن سيئاته فَإِنَّهُ عمر ضعف الْعُمر فَإِن الْعُمر التَّام أَرْبَعُونَ ثمَّ عمر أَرْبَعِينَ أخر فِي نُقْصَان وإدبار فِي الْإِسْلَام فاستوجب أَن قبلت حَسَنَاته وَتجَاوز عَن سيئاته فَإِن الله تَعَالَى قَالَ فِي الاسْتقَامَة حَتَّى إِذا بلغ أشده وَبلغ أَرْبَعِينَ سنة قَالَ رب أوزعني إِلَى آخر الْآيَة وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين نتقبل عَنْهُم أحسن مَا عمِلُوا﴾ إِلَى قَوْله ﴿يوعدون﴾ فَهَذَا لمن بلغ أَرْبَعِينَ سنة فِي الاسْتقَامَة

стр. 521

فَإِذا كَانَ مخلطا فعمر فِي الْإِسْلَام ضعف أَرْبَعِينَ أوجب لَهُ بِحرْمَة ذَلِك الْعُمر مَا يُوجب للمستقيم فِي وَقت الْأَرْبَعين روى أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا بلغ الرجل من أمتِي ثَمَانِينَ سنة حرم الله جلده على النَّار وَإِذا بلغ تسعين سنة فقد أفند وفقد عقله وَكَانَ الْعقل حجَّة الله عَلَيْهِ فغفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه بِقطع هَذَا الْعُمر مُسلما وَمَا تَأَخّر بفقد عقله لِأَنَّهُ فِي أول مَا اجتباه ألْقى فِي قلبه نور الْمعرفَة فسبى قلبه عَلَيْهِ فَمَا زَالَ يستغله فيغل غَلَّته وَيُؤَدِّي خراجه حَتَّى إِذا شاخ وَكبر وَعجز عَن الْعلَّة وَذَهَبت الْقُوَّة وفقد الْعقل رفع عَنهُ الضريبة وَالْخَرَاج وتبعة الذَّنب فِيمَا بَقِي وَسمي أَسِير الله فِي الأَرْض لِأَنَّهُ فِي ربقة الايمان كأسير فِي وثاق لَا يقدر براحا قد عجز عَن أَعمال الْبر وَهُوَ فِي ربقة الاسلام فَإِذا بلغ مائَة سنة فقد رد إِلَى أرذل الْعُمر فَصَارَ كَالصَّبِيِّ فَبلغ من حرمته أَن يجْرِي لَهُ حَسَنَاته وَلم يكْتب عَلَيْهِ سيئاته لِأَنَّهُ قد بلي فَوجدَ صَادِقا فِي التَّوْحِيد لم يتَرَدَّد فِيهِ ودام عَلَيْهِ ناشئا فتيا وشابا طريا وكهلا سويا وبجالا بهيا وشيخا رَضِيا فَلَمَّا صَار إِلَى أرذل عمره عَاد إِلَى أَحْكَامه طفْلا وصبيا فَأجرى لَهُ مَا كَانَ يعْمل من الْحَسَنَات فِي سالف أَيَّامه وَرفع عَنهُ سيىء مَا يَجِيء مِنْهُ قَالَ الله تَعَالَى ﴿لقد خلقنَا الْإِنْسَان فِي أحسن تَقْوِيم ثمَّ رددناه أَسْفَل سافلين﴾ ثمَّ اسْتثْنى فَقَالَ إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فَلهم أجر غير ممنون أَي غير مَقْطُوع وَقَالَ ﷺ غير ممنون مَا يكْتب لَهُم صَاحب الْيَمين فَإِن عمل خيرا كتب صَاحب الْيَمين وَإِن ضعف عَن ذَلِك كتب لَهُ صَاحب الْيَمين وَأمْسك صَاحب الشمَال فَلم يكْتب سَيِّئَة

стр. 522

- الأَصْل الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَة - فِي فضل ذَاكر الله فِي أهل الْغَفْلَة عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من دخل سوقا من أسواق الْمُسلمين فَقَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحيي وَيُمِيت وَهُوَ حَيّ لَا يَمُوت بِيَدِهِ الْخَيْر وَهُوَ على كل شَيْء قدير كتب الله لَهُ ألف ألف حَسَنَة وحطت عَنهُ ألف ألف خَطِيئَة وَرفعت لَهُ ألف ألف دَرَجَة هَذِه كَلِمَات يخرج بهَا العَبْد من حَال الْغَفْلَة وَإِنَّمَا خص بهَا الْأَسْوَاق لِأَن الْغَفْلَة مستولية على أَهلهَا وَذَلِكَ لِأَن الله تَعَالَى هُوَ الْمُعْطِي وَالْمَانِع والقابض والباسط والرازق بِيَدِهِ خَزَائِن الْأَشْيَاء ومفاتيح الْغَيْب فَمن قدر على شَيْء فبقدرته إِيَّاه قدر وَوضع الْأَشْيَاء فِي الْأَسْبَاب وَجعل الْأَسْبَاب من أَبْوَاب المكاسب ووجوه الأرزاق نصب أعين الْآدَمِيّين

стр. 523

فَأهل الْيَقِين بِنور بصائرهم نفذوا من الْأَسْبَاب إِلَى وَليهَا بِحَيْثُ لَا تقدر الْأَسْبَاب أَن تصير فتْنَة عَلَيْهِم فهم يعْملُونَ فِي الْأَسْبَاب مَعَ وَليهَا يزرعون وينتظرون رحمتن فَإِذا أزكى قَالُوا هَذَا من فضلك ورحمتك ويتجرون يَبْتَغُونَ الأرباح من فضل الله تَعَالَى فَإِذا تعذر عَلَيْهِم شَيْء سَأَلُوهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وابتغوا من فضل الله﴾ واسألوا الله من فَضله وَأهل الْغَفْلَة تعلّقت قُلُوبهم بالزراعات والحرف والتجارات وَمَا وضع لَهُم فِيهِ من التدبيرات فاليه ينظرُونَ وإياه يطْلبُونَ وَبِه يفتنون وَمن أَجله يعصون فالأسواق مَعْدن النوال ومظان الأرزاق وَهِي مملكة وَضعهَا الله تَعَالَى لأهل الدُّنْيَا يتداولون ملك الْأَشْيَاء فِيمَا بَينهم فترى الشَّيْء الْوَاحِد يَدُور ملكه فِي الْيَوْم الْوَاحِد على أَيدي المالكين مَرَّات وَالتَّدْبِير على المملكة الْأَعْلَى وَهِي الْعَرْش فملكة التداول فِي الْأَسْوَاق ومملكة تَدْبِير التداول هِيَ الْعَرْش والسوق رَحْمَة من الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ دبره معاشا لخلقه يدر عَلَيْهِم مِنْهَا حوائجهم لَيْلًا وَنَهَارًا وشتاء وصيفا ونقلا من بلد إِلَى بلد لتَكون الْأَشْيَاء كلهَا مَوْجُودَة فِي الْأَيْدِي عِنْد الْحَاجة إِلَيْهَا قَالَ تَعَالَى وَقدر فِيهَا أقواتها وَجعل الذَّهَب وَالْفِضَّة أَثمَان كل شَيْء وَمَا سواهَا عرضا وَصرف أَرْزَاقهم إِلَى مثل هَذِه الأرباح وَصرف بِوُجُوهِهِمْ للطلب إِلَى مطَالب الْكسْب لتَكون الْأَسْوَاق قَائِمَة وَالتَّدْبِير جَارِيا والمعاش نظاما وَجعل الْحَرْف والصنائع بَعْضهَا مُتَعَلقَة بِالْبَعْضِ ينْتَفع هَذَا بصنعة ذَاك وَذَاكَ بصنعة هَذَا وَلَو لم يكن هَكَذَا لَكَانَ الْوَاحِد يحْتَاج إِلَى آلَة جَمِيع الْحَرْف وَإِلَى تعلم كل حِرْفَة فِي الأَرْض فيصيرون عجزة وأسواقهم

стр. 524

بصنوف مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مشحونة ثمَّ صيرهم يَبْتَغُونَ من فضل الله تَعَالَى فِي هَذِه الْأَشْيَاء بتغيير الأسعار فَإِن الله تَعَالَى هُوَ المسعر وَهُوَ الْقَابِض والباسط فبتغيير الأسعار يتناولون الأرباح ويدر عَلَيْهِم الشَّيْء بعد الشَّيْء وَيكون ذَلِك معاشا لَهُم تفضل الله تَعَالَى عَلَيْهِم بِهِ فَأهل الْغَفْلَة صيروا هَذِه الرَّحْمَة وبالا على أنفسهم بتعلق قُلُوبهم بالأسباب وغفلتهم عَن الْمُدبر لَهَا والسائق أَرْزَاقهم إِلَيْهِم من فَضله فالناطق بِهَذِهِ الْكَلِمَات بَين أُولَئِكَ الْغَفْلَة فِي هَذَا الْحَظ من ربه فتكتب لَهُ الْحَسَنَات وتمحى عَنهُ السَّيِّئَات وترفع لَهُ الدَّرَجَات قَالَ ﷺ ذَاكر الله فِي الغافلين كالشجرة الخضراء فِي السّنة الْحَمْرَاء وَهَذَا لِأَن الْعَدو قد انتهز الفرصة من أهل الْأَسْوَاق لما رأى من أَحْوَالهم من حرصهم وشحهم ورغبتهم فِي الدُّنْيَا وصيرها عدَّة وسلاحا لفتنته فَدَخَلُوا أسواقهم وهم طالبون للمعاش وَالرَّغْبَة فيهم حَاصِلَة والحرص كامن فنصب كرسيه فِي وسط أسواقهم وركز رايته وَبث جُنُوده وَقَالَ دونكم من رجال مَاتَ أبوهم وأبوكم حَيّ فَمن بَين مطفف فِي كيل وطائش فِي ميزَان ومنفق سلْعَة بِالْحلف الْكَاذِب وَحمل عَلَيْهِم بجُنُوده حَملَة فَهَزَمَهُمْ عَن مقاومهم إِلَى المكاسب الرَّديئَة وإضاعة الصَّلَوَات وَمنع الْحُقُوق فَمَا داموا فِي هَذِه الْغَفْلَة على مثل هَذِه الْأَحْوَال فهم على خطر من رَبهم من نزُول الْعَذَاب وَتغَير الْأُمُور وَكَون الْأَحْدَاث فالذاكر فِيمَا بَينهم يرد سخط الله تَعَالَى ويطفىء ثَائِر غَضَبه لِأَن فِي كَلِمَاته هَذِه نسخا لتِلْك الْأَعْمَال قَالَ تَعَالَى وَلَوْلَا دفع الله النَّاس بَعضهم بِبَعْض لفسدت الأَرْض فَيدْفَع عَن أهل الْغَفْلَة بالذاكرين وَعَن غير الْمُصَلِّي بالمصلين وَفِي

стр. 525

هَذِه الْكَلِمَات الَّتِي ذكرهَا ﷺ نسخ لأفعال أهل السُّوق لِأَن قُلُوبهم قد وَله بَعْضهَا إِلَى بعض فِي النَّفْع والضر فَإِذا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله كَانَ نسخا لوله قُلُوبهم وَإِذا قَالَ وَحده لَا شريك لَهُ يكون نسخا لما تعلّقت قُلُوبهم بَعْضهَا بِبَعْض فِي نوال أَو مَعْرُوف أَو رَجَاء نفع أَو خوف ضرّ وَقَوله لَهُ الْملك وَله الْحَمد نسخ لما يرَوْنَ من صنع أَيْديهم وتصرفهم فِي الْأُمُور بتحمل بَعضهم بذلك إِلَى بعض وَقَوله يحيي وَيُمِيت نسخ لحركاتهم وَمَا يرجون فِي أسواقهم للتبايع أحياهم حَتَّى انتشرت الحركات ويميتهم فَلَا يبْقى متحرك وَقَوله وَهُوَ حَيّ لَا يَمُوت نفى عَنهُ مَا ينْسب إِلَى المخلوقين من الْمَوْت وَقَوله بِيَدِهِ الْخَيْر أَي هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي تطلبونها من الْخَيْر فِي الْأَسْوَاق وَهُوَ على كل شَيْء قدير وَمثل أهل التَّخْلِيط والغفلة فِي الْأَسْوَاق كَمثل الذبان والهمج يجتمعن على مزبلة يتطايرن فِيهَا على ألوان القاذورات فيقعن على ضروب مَا هُنَاكَ فَعمد رجل إِلَى مكنسة ذَات شعوب وَقُوَّة فكنس هَذِه المزبلة فجرفها فِي الْوَادي فَإِذا الْبقْعَة نظيفة وصاحبها معجب بهَا فالناطق بِهَذِهِ الْكَلِمَات وجد أسواقا مشحونة بِالْكَذِبِ وَالْفُحْش والخيانة وَالظُّلم والعدوان والأيمان الكاذبة والمكاسب الرَّديئَة قد هَزَمَهُمْ الْعَدو وهم على شرف حريق ونزول عَذَاب فَنَطَقَ بِهَذِهِ الْكَلِمَات وَرمى بالمزابل فِي وَجه الْعَدو وطهر الْأَسْوَاق مِنْهُم وأطفأ نائره سخط الله تَعَالَى وَستر مساوىء أهل السُّوق وَنفى ظلمتهم وطهر أرجاسهم فاستوجب من الله تَعَالَى من الثَّوَاب مَا أَشَارَ إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 526

- الأَصْل الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَة - فِي أَن الموحد وَالصديق فِي النَّاس قَلِيل عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تَجِدُونَ النَّاس كَالْإِبِلِ الْمِائَة لَيْسَ فِيهَا رَاحِلَة أوليس فِيهَا إِلَّا رَاحِلَة فالراحلة هِيَ الَّتِي قد ريضت وأدبت فسمحت بِالطَّاعَةِ وَتركت شرتها وسارت بزمامها وذلت لصَاحِبهَا وأعطت سَيرهَا وجادت بِنَفسِهَا وأعطت من نَفسهَا السّير فِي وَجههَا فَمَا زَالَ ذَلِك عَادَتهَا فِي الرجل ودأبها فِي الانقياد وصاحبها يرعاها ويلي تأديبها ويتفقد أحوالها حَتَّى تمكنت عِنْده منزلَة وحظا حَتَّى صيرها نجيبة من نجائبه وكريمة من كرائم إبِله سَمْحَة لَا تحرن وكريمة لَا تجمح وجريئة لَا تنفر ووادعة لَا تشمس وساكنة لَا تضطرب إِذا حملت حملت

стр. 527

وَإِذا سَارَتْ استمرت وَإِذا حركت أَعْنَقت فصاحبها بأحوالها معجب وَبهَا ضنين لَا يملكهُ أحدا وَلَا يُطلق لغيره عَلَيْهِ يدا حَتَّى يتَحَمَّل أثقال صَاحبه فَيكون من نجائبه فَكَانَت كإحدى الْإِبِل الْمِائَة سَائِمَة ترعي فِي مظانها وَتذهب فِي مهواها يَمِينا وَشمَالًا لَا ينْتَفع بهَا برسل وَلَا حمولة فالواحد مِنْهَا ركُوبه وسائرها للْأَكْل قَالَ الله تَعَالَى وذللناها لَهُم فَمِنْهَا ركوبهم وَمِنْهَا يَأْكُلُون فَالَّذِي ذلل للرُّكُوب صَارَت رَاحِلَة وسائرها لحم فَكَذَلِك النَّاس انتشروا على بسيط الأَرْض فربتهم نعم الْخَالِق وأظلتهم سحائب رَحمته واكتنفتهم رأفته وتولتهم نعْمَته ومنته فَإِذا ألجمت أحدهم بلجام الْحق أَو زممته بزمام الصَّبْر هز رَأسه ولوى عُنُقه فَرمى باللجام وجاذب بالزمام فَمر شاردا وَرمى بحمولته فَمن الْمِائَة لَا تَجِد فِيهَا رَاحِلَة وَاحِدَة عز أَن تَجِد نفسا سَمْحَة سخية منقادة مطيعة لِرَبِّهَا قد أَلْقَت بِيَدِهَا سلما وانخشعت لِعَظَمَة رَبهَا ووطنت نَفسهَا على العبودة فَلَا يزَال فِي عطف الله تَعَالَى وَرَحمته وتأييده ونصرته حَتَّى يصير ذَا حَظّ من ربه فبحظه مِنْهُ تنجب وتزكو نَفسه وتطيب أخلاقه وينشرح صَدره وتلين عروقه ويرطب قلبه ويألف ربه فَإِن رَحْله انْقَادَ وَإِن سيره سَار وَإِن عطفه انعطف وَإِن كبح بِهِ وقف وَإِن بَعثه انْبَعَثَ وَإِن حركه هملج أَو جمز وَإِن أوقره اسْتمرّ وان أنصبه احْتمل وَإِن خلى زمامه تفويضا إِلَيْهِ استقام فَهُوَ لرَبه أليف وربه بِهِ ضنين

стр. 528

قَالَ ﷺ الله أضن بِدَم عَبده الْمُؤمن من أحدكُم بكريمة مَاله حَتَّى يقبضهُ على فرَاشه وَقَالَ ﵇ إِن لله تَعَالَى عبادا يضن بهم عَن الْأَمْرَاض والأسقام يحييهم فِي عَافِيَة ويميتهم فِي عَافِيَة ويدخلهم الْجنَّة فِي عَافِيَة فالراحلة فِي الْإِبِل قَليلَة والنجيبة فِي الرَّوَاحِل قَليلَة فالموحدون فِي النَّاس قَلِيل والمستقيمون بلجام الله فِي سيرهم قَلِيل فِي الْمُوَحِّدين وَالصِّدِّيقُونَ فِي المستقيمين قَلِيل قَالَ الله تَعَالَى وَقَلِيل من عبَادي الشكُور فالسابقون أهل الشُّكْر وَالْوَفَاء والمؤيدون بالمن وَالعطَاء والممتلئة قُلُوبهم من الْجلَال والبهاء وَالْعَظَمَة الآلاء قَالَ ﷺ طُوبَى للسابقين إِلَى ظلّ الله تَعَالَى قيل وَمن هم يَا رَسُول الله قَالَ الَّذين إِذا أعْطوا الْحق قبلوه وَإِذا سئلوا بذلوه وَالَّذين يحكمون للنَّاس بحكمهم لأَنْفُسِهِمْ وَهَذِه صفة أهل القناعة فَإِنَّهُم استغنوا بِاللَّه تَعَالَى حَتَّى قنعوا بِمَا أعْطوا وَللَّه انقادوا وألقوا بِأَيْدِيهِم حَتَّى بذلوا الْحق إِذْ سئلوا وَإِلَى الله تَعَالَى أَقبلُوا حَتَّى عدل قُلُوبهم فصاروا أمناءه وحكامه فِي أرضه يحكمون للنَّاس بحكمهم لأَنْفُسِهِمْ قَالَ تَعَالَى فلنحيينه حَيَاة طيبَة ولنجزينهم أجرهم بِأَحْسَن مَا كَانُوا يعْملُونَ وَفِي مُنَاجَاة مُوسَى ﵇ يَا رب كَيفَ أصل رحمي وَقد تباعدوا عني فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا قَالَ يَا مُوسَى أحب

стр. 529

لَهُم مَا تحب لنَفسك وَلَا يُقَوي على ذَلِك إِلَّا عبد سقط عَن قلبه منزلَة نَفسه ومنزل دُنْيَاهُ وَلها عَنْهُمَا وشغف بمولاه فنبه من رقدة الغافلين فانتبه وأشرق فِي صَدره النُّور فَوقف بِقَلْبِه على جلال الله تَعَالَى وعظمته وعَلى جماله وبهائه وعَلى كبريائه وسلطانه فَصَارَت دُنْيَاهُ عِنْده أقل من جنَاح بعوضة وَصَارَت نَفسه عِنْده قَبْضَة من تُرَاب وَردت على قلبه من محبَّة الله تَعَالَى والحلاوة الَّتِي وجد لَهَا مَا أسكرته وألهته عَن محبَّة نَفسه ودنياه وَمَا يُؤمن بهَا إِلَّا كل مُؤمن قد إمتحن الله قلبه للْإيمَان وَقَلِيل مَا هم قَالَ ﷺ يَقُول (الله تَعَالَى يَا جبرئيل انسخ من قلب عَبدِي الْمُؤمن الْحَلَاوَة الَّتِي كَانَ يجدهَا لي) قَالَ فَيصير العَبْد الْمُؤمن والها طَالبا للَّذي كَانَ تعاهد من نَفسه وَنزلت بِهِ مُصِيبَة لم ينزل بِهِ مثلهَا قطّ فَإِذا نظر الله تَعَالَى إِلَيْهِ على تِلْكَ الْحَال قَالَ يَا جبرئيل (رد إِلَى قلب عَبدِي مَا نسخت مِنْهُ فقد إبتليته فَوَجَدته صَادِقا وسأمده من قبلي بِزِيَادَة) فَهَذِهِ حلاوة الْمحبَّة من نالها فقد غلب على عقله وَصَارَت جَمِيع الْأَشْيَاء خولا لَهَا كمن وجد درهما فَأَحبهُ على قدره ثمَّ وجد دِينَارا فَأَحبهُ على قدره ثمَّ وجد جوهرا لَا يدْرِي مَا قِيمَته قد رق فِي عينه الدِّرْهَم وَالدِّينَار لاستغنائه بِهِ وانتفاعه بذلك أَكثر من الِاسْتِغْنَاء وَالِانْتِفَاع بهما وَإِذا فتح الله قلب الْمُؤمن وَنور صَدره وعرفه من صِفَاته مَا جَهله قبل ذَلِك علم أَن الْخَيْر كُله بيد الله تَعَالَى والنفع مِنْهُ كَانَ غناهُ بِاللَّه تَعَالَى أَكثر ورجاؤه مِنْهُ أعظم من الدِّينَار وَالدِّرْهَم فَإِن أحبه حبا يلهيه عَن حب الدِّرْهَم وَالدِّينَار فَلَيْسَ بعجيب بل هُوَ

стр. 530

المتمكن فِي الْعُقُول فَإِن من لَهُ بَيت مَمْلُوء من دَنَانِير فَلَو سقط مِنْهُ عشرَة مثلا لم يجد على قلبه حزنا عَلَيْهَا وَلَو أهدي إِلَيْهِ هَذَا الْقدر لم يفرح بهَا لاستغنائه بِتِلْكَ الدَّنَانِير فَإِذا كَانَت هَذِه الدَّنَانِير قد أغنته وفرحته فَرحا لَا يجده لحُصُول هَذِه الدَّرَاهِم القليلة فَرحا وَلَا لفواتها حزنا فَمَا ظَنك بِمن عرف الله تَعَالَى فِي جَلَاله وعظمته وَملكه وَعرف إحسانه إِلَيْهِ أَلا يكون غناهُ بِهِ وفرحه فَرحا لَا يجد لشَيْء من عرُوض دُنْيَاهُ فَرحا وَلَا يجد على فَوَاتهَا حزنا روى أنس ﵁ قَالَ بَيْنَمَا نَحن جُلُوس عِنْد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يطلع عَلَيْكُم الْآن رجل من أهل الْجنَّة فَأطلع رجل من الْأَنْصَار تنطف لحيته من مَاء وضوئِهِ مُعَلّق نَعله فِي يَده الشمَال فَلَمَّا كَانَ من الْغَد قَالَ رَسُول الله ﷺ يطلع عَلَيْكُم الْآن رجل من أهل الْجنَّة فَأطلع ذَلِك الرجل على مثل مرتبَة الأولى فَلَمَّا كَانَ من الْغَد قَالَ ﷺ مثل ذَلِك فَأطلع الرجل فَلَمَّا قَامَ اتبعهُ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ فَقَالَ إِنِّي لاحيت لأبي فأقسمت أَن لَا أَدخل عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَإِن رَأَيْت أَن تؤويني إِلَيْك حَتَّى يحل يَمِيني فعلت قَالَ نعم فَإِذا لَهُ خيمة ونخل وشَاة فَلَمَّا أَمْسَى خرج من خيمته فاحتلب العنز واجتنى لي رطبَة ثمَّ وَضعه فَأكلت فَبَاتَ نَائِما وَبت قَائِما وَأصْبح مُفطرا وأصبحت صَائِما فَفعل ذَلِك ثَلَاث لَيَال غير أَنه كَانَ إِذا انْقَلب على فرَاشه ذكر الله تَعَالَى وَكبر حَتَّى يقوم لصَلَاة الْفجْر فيسبغ الْوضُوء غير أَنِّي لَا أسمعهُ يَقُول إِلَّا خيرا فَلَمَّا مَضَت اللَّيَالِي وكدت أحتقر عمله قلت يَا عبد الله إِنَّه لم يكن بيني وَبَين وَالِدي غضب وَلَا هِجْرَة وَلَكِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَك ثَلَاث مَرَّات فِي ثَلَاث مجَالِس
следующие страницы →