Полный текст (1 237 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
- الأَصْل الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَة
-
فِي أَن الموحد وَالصديق فِي النَّاس قَلِيل
عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تَجِدُونَ النَّاس كَالْإِبِلِ الْمِائَة لَيْسَ فِيهَا رَاحِلَة أوليس فِيهَا إِلَّا رَاحِلَة
فالراحلة هِيَ الَّتِي قد ريضت وأدبت فسمحت بِالطَّاعَةِ وَتركت شرتها وسارت بزمامها وذلت لصَاحِبهَا وأعطت سَيرهَا وجادت بِنَفسِهَا وأعطت من نَفسهَا السّير فِي وَجههَا فَمَا زَالَ ذَلِك عَادَتهَا فِي الرجل ودأبها فِي الانقياد وصاحبها يرعاها ويلي تأديبها ويتفقد أحوالها حَتَّى تمكنت عِنْده منزلَة وحظا حَتَّى صيرها نجيبة من نجائبه وكريمة من كرائم إبِله سَمْحَة لَا تحرن وكريمة لَا تجمح وجريئة لَا تنفر ووادعة لَا تشمس وساكنة لَا تضطرب إِذا حملت حملت
стр. 527
وَإِذا سَارَتْ استمرت وَإِذا حركت أَعْنَقت فصاحبها بأحوالها معجب وَبهَا ضنين لَا يملكهُ أحدا وَلَا يُطلق لغيره عَلَيْهِ يدا حَتَّى يتَحَمَّل أثقال صَاحبه فَيكون من نجائبه فَكَانَت كإحدى الْإِبِل الْمِائَة سَائِمَة ترعي فِي مظانها وَتذهب فِي مهواها يَمِينا وَشمَالًا لَا ينْتَفع بهَا برسل وَلَا حمولة فالواحد مِنْهَا ركُوبه وسائرها للْأَكْل قَالَ الله تَعَالَى وذللناها لَهُم فَمِنْهَا ركوبهم وَمِنْهَا يَأْكُلُون فَالَّذِي ذلل للرُّكُوب صَارَت رَاحِلَة وسائرها لحم
فَكَذَلِك النَّاس انتشروا على بسيط الأَرْض فربتهم نعم الْخَالِق وأظلتهم سحائب رَحمته واكتنفتهم رأفته وتولتهم نعْمَته ومنته فَإِذا ألجمت أحدهم بلجام الْحق أَو زممته بزمام الصَّبْر هز رَأسه ولوى عُنُقه فَرمى باللجام وجاذب بالزمام فَمر شاردا وَرمى بحمولته فَمن الْمِائَة لَا تَجِد فِيهَا رَاحِلَة وَاحِدَة عز أَن تَجِد نفسا سَمْحَة سخية منقادة مطيعة لِرَبِّهَا قد أَلْقَت بِيَدِهَا سلما وانخشعت لِعَظَمَة رَبهَا ووطنت نَفسهَا على العبودة فَلَا يزَال فِي عطف الله تَعَالَى وَرَحمته وتأييده ونصرته حَتَّى يصير ذَا حَظّ من ربه فبحظه مِنْهُ تنجب وتزكو نَفسه وتطيب أخلاقه وينشرح صَدره وتلين عروقه ويرطب قلبه ويألف ربه فَإِن رَحْله انْقَادَ وَإِن سيره سَار وَإِن عطفه انعطف وَإِن كبح بِهِ وقف وَإِن بَعثه انْبَعَثَ وَإِن حركه هملج أَو جمز وَإِن أوقره اسْتمرّ وان أنصبه احْتمل وَإِن خلى زمامه تفويضا إِلَيْهِ استقام فَهُوَ لرَبه أليف وربه بِهِ ضنين
стр. 528
قَالَ ﷺ الله أضن بِدَم عَبده الْمُؤمن من أحدكُم بكريمة مَاله حَتَّى يقبضهُ على فرَاشه
وَقَالَ ﵇ إِن لله تَعَالَى عبادا يضن بهم عَن الْأَمْرَاض والأسقام يحييهم فِي عَافِيَة ويميتهم فِي عَافِيَة ويدخلهم الْجنَّة فِي عَافِيَة
فالراحلة فِي الْإِبِل قَليلَة والنجيبة فِي الرَّوَاحِل قَليلَة فالموحدون فِي النَّاس قَلِيل والمستقيمون بلجام الله فِي سيرهم قَلِيل فِي الْمُوَحِّدين وَالصِّدِّيقُونَ فِي المستقيمين قَلِيل قَالَ الله تَعَالَى وَقَلِيل من عبَادي الشكُور
فالسابقون أهل الشُّكْر وَالْوَفَاء والمؤيدون بالمن وَالعطَاء والممتلئة قُلُوبهم من الْجلَال والبهاء وَالْعَظَمَة الآلاء
قَالَ ﷺ طُوبَى للسابقين إِلَى ظلّ الله تَعَالَى قيل وَمن هم يَا رَسُول الله قَالَ الَّذين إِذا أعْطوا الْحق قبلوه وَإِذا سئلوا بذلوه وَالَّذين يحكمون للنَّاس بحكمهم لأَنْفُسِهِمْ
وَهَذِه صفة أهل القناعة فَإِنَّهُم استغنوا بِاللَّه تَعَالَى حَتَّى قنعوا بِمَا أعْطوا وَللَّه انقادوا وألقوا بِأَيْدِيهِم حَتَّى بذلوا الْحق إِذْ سئلوا وَإِلَى الله تَعَالَى أَقبلُوا حَتَّى عدل قُلُوبهم فصاروا أمناءه وحكامه فِي أرضه يحكمون للنَّاس بحكمهم لأَنْفُسِهِمْ قَالَ تَعَالَى فلنحيينه حَيَاة طيبَة ولنجزينهم أجرهم بِأَحْسَن مَا كَانُوا يعْملُونَ
وَفِي مُنَاجَاة مُوسَى ﵇ يَا رب كَيفَ أصل رحمي وَقد تباعدوا عني فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا قَالَ يَا مُوسَى أحب
стр. 529
لَهُم مَا تحب لنَفسك وَلَا يُقَوي على ذَلِك إِلَّا عبد سقط عَن قلبه منزلَة نَفسه ومنزل دُنْيَاهُ وَلها عَنْهُمَا وشغف بمولاه فنبه من رقدة الغافلين فانتبه وأشرق فِي صَدره النُّور فَوقف بِقَلْبِه على جلال الله تَعَالَى وعظمته وعَلى جماله وبهائه وعَلى كبريائه وسلطانه فَصَارَت دُنْيَاهُ عِنْده أقل من جنَاح بعوضة وَصَارَت نَفسه عِنْده قَبْضَة من تُرَاب وَردت على قلبه من محبَّة الله تَعَالَى والحلاوة الَّتِي وجد لَهَا مَا أسكرته وألهته عَن محبَّة نَفسه ودنياه وَمَا يُؤمن بهَا إِلَّا كل مُؤمن قد إمتحن الله قلبه للْإيمَان وَقَلِيل مَا هم
قَالَ ﷺ يَقُول (الله تَعَالَى يَا جبرئيل انسخ من قلب عَبدِي الْمُؤمن الْحَلَاوَة الَّتِي كَانَ يجدهَا لي) قَالَ فَيصير العَبْد الْمُؤمن والها طَالبا للَّذي كَانَ تعاهد من نَفسه وَنزلت بِهِ مُصِيبَة لم ينزل بِهِ مثلهَا قطّ فَإِذا نظر الله تَعَالَى إِلَيْهِ على تِلْكَ الْحَال قَالَ يَا جبرئيل (رد إِلَى قلب عَبدِي مَا نسخت مِنْهُ فقد إبتليته فَوَجَدته صَادِقا وسأمده من قبلي بِزِيَادَة)
فَهَذِهِ حلاوة الْمحبَّة من نالها فقد غلب على عقله وَصَارَت جَمِيع الْأَشْيَاء خولا لَهَا كمن وجد درهما فَأَحبهُ على قدره ثمَّ وجد دِينَارا فَأَحبهُ على قدره ثمَّ وجد جوهرا لَا يدْرِي مَا قِيمَته قد رق فِي عينه الدِّرْهَم وَالدِّينَار لاستغنائه بِهِ وانتفاعه بذلك أَكثر من الِاسْتِغْنَاء وَالِانْتِفَاع بهما وَإِذا فتح الله قلب الْمُؤمن وَنور صَدره وعرفه من صِفَاته مَا جَهله قبل ذَلِك علم أَن الْخَيْر كُله بيد الله تَعَالَى والنفع مِنْهُ كَانَ غناهُ بِاللَّه تَعَالَى أَكثر ورجاؤه مِنْهُ أعظم من الدِّينَار وَالدِّرْهَم فَإِن أحبه حبا يلهيه عَن حب الدِّرْهَم وَالدِّينَار فَلَيْسَ بعجيب بل هُوَ
стр. 530
المتمكن فِي الْعُقُول فَإِن من لَهُ بَيت مَمْلُوء من دَنَانِير فَلَو سقط مِنْهُ عشرَة مثلا لم يجد على قلبه حزنا عَلَيْهَا وَلَو أهدي إِلَيْهِ هَذَا الْقدر لم يفرح بهَا لاستغنائه بِتِلْكَ الدَّنَانِير فَإِذا كَانَت هَذِه الدَّنَانِير قد أغنته وفرحته فَرحا لَا يجده لحُصُول هَذِه الدَّرَاهِم القليلة فَرحا وَلَا لفواتها حزنا فَمَا ظَنك بِمن عرف الله تَعَالَى فِي جَلَاله وعظمته وَملكه وَعرف إحسانه إِلَيْهِ أَلا يكون غناهُ بِهِ وفرحه فَرحا لَا يجد لشَيْء من عرُوض دُنْيَاهُ فَرحا وَلَا يجد على فَوَاتهَا حزنا
روى أنس ﵁ قَالَ بَيْنَمَا نَحن جُلُوس عِنْد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يطلع عَلَيْكُم الْآن رجل من أهل الْجنَّة فَأطلع رجل من الْأَنْصَار تنطف لحيته من مَاء وضوئِهِ مُعَلّق نَعله فِي يَده الشمَال فَلَمَّا كَانَ من الْغَد قَالَ رَسُول الله ﷺ يطلع عَلَيْكُم الْآن رجل من أهل الْجنَّة فَأطلع ذَلِك الرجل على مثل مرتبَة الأولى فَلَمَّا كَانَ من الْغَد قَالَ ﷺ مثل ذَلِك فَأطلع الرجل فَلَمَّا قَامَ اتبعهُ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ فَقَالَ إِنِّي لاحيت لأبي فأقسمت أَن لَا أَدخل عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَإِن رَأَيْت أَن تؤويني إِلَيْك حَتَّى يحل يَمِيني فعلت قَالَ نعم فَإِذا لَهُ خيمة ونخل وشَاة فَلَمَّا أَمْسَى خرج من خيمته فاحتلب العنز واجتنى لي رطبَة ثمَّ وَضعه فَأكلت فَبَاتَ نَائِما وَبت قَائِما وَأصْبح مُفطرا وأصبحت صَائِما فَفعل ذَلِك ثَلَاث لَيَال غير أَنه كَانَ إِذا انْقَلب على فرَاشه ذكر الله تَعَالَى وَكبر حَتَّى يقوم لصَلَاة الْفجْر فيسبغ الْوضُوء غير أَنِّي لَا أسمعهُ يَقُول إِلَّا خيرا فَلَمَّا مَضَت اللَّيَالِي وكدت أحتقر عمله قلت يَا عبد الله إِنَّه لم يكن بيني وَبَين وَالِدي غضب وَلَا هِجْرَة وَلَكِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَك ثَلَاث مَرَّات فِي ثَلَاث مجَالِس
стр. 531
يطلع عَلَيْكُم الْآن رجل من أهل الْجنَّة فطلعت أَنْت تِلْكَ المرات الثَّلَاث فَأَرَدْت أَن آوي إِلَيْك فَأنْظر مَا عَمَلك فَأَخْبرنِي مَا عَمَلك قَالَ فأت الَّذِي أخْبرك حَتَّى يُخْبِرك بعملي فَأتيت رَسُول الله ﷺ فَقَالَ ائته فمره فليخبرك فَقلت إِن رَسُول الله ﷺ يَأْمُرك أَن تُخبرنِي قَالَ أما الْآن فَنعم لَو كَانَت الدُّنْيَا لي فَأخذت مني لم أَحْزَن عَلَيْهَا وَلَو أعطيتهَا لم أفرح بهَا وأبيت وَلَيْسَ على أحد فِي قلبِي غل وَلَا أحسده على خير أعطَاهُ الله إِيَّاه
قَالَ عبد الله لكني وَالله أقوم اللَّيْل وَأَصُوم النَّهَار وَلَو وهبت لي شَاة لفرحت بهَا وَلَو ذهبت لحزنت عَلَيْهَا وَالله لقد فضلك الله علينا فضلا بَينا وجماع الْأَمر فِي هَاتين الخصلتين سُقُوط منزلَة دنياك من قبلك وَسُقُوط منزلَة نَفسك عَن قَلْبك فَإِذا لم يكن لدنياك عنْدك قدر لم تفرح بِهِ وَلم تحزن عَلَيْهِ وَإِذا لم يكن لنَفسك عنْدك قدر لم تغل وَلم تحقد على من آذَاك
وَقَالَ ﷺ حِين سُئِلَ أَي الْمُؤمنِينَ أفضل قَالَ مخموم الْقلب صَدُوق اللِّسَان قَالُوا يَا رَسُول الله مَا مخموم الْقلب قَالَ التقي النقي لَا إِثْم فِيهِ وَلَا بغي وَلَا غل وَلَا حسد قَالُوا مَا نَعْرِف هَذَا فِينَا يَا رَسُول الله فَمن يَلِيهِ قَالَ الَّذين شنئوا الدُّنْيَا وأحبوا الْآخِرَة قَالُوا مَا نَعْرِف هَذَا فِينَا إِلَّا رَافع مولى رَسُول الله ﷺ فَمن يَلِيهِ قَالَ مُؤمن فِي خلق حسن
فالمخموم مُؤمن ولج النُّور قلبه فَأخْرج مَا فِيهِ من شَهْوَة النَّفس والخمامة قماش الْبَيْت وَمَا يكنس عَن وَجه الأَرْض فعز وجود هَذَا فِي وقتهم على عهد رَسُول الله ﷺ وأبى الله أَن يكون ذَاك إِلَّا فِي خَاص من النَّاس قَلِيل فِي كل وَقت قَالَ تَعَالَى فِي التَّنْزِيل فِي
стр. 532
بَيَان المقربين السَّابِقين ثلة من الْأَوَّلين وَقَلِيل من الآخرين
وَقَالَ ﷺ فِي كل قرن من أمتِي السَّابِقُونَ
وَقَوله ﷺ النَّاس كَالْإِبِلِ الْمِائَة تَمْثِيل لِأَن الْإِبِل الْمِائَة هِيَ سَائِمَة ترعى مرعاها بهواها لَيْسَ على ظُهُورهَا حمولة وَلَا فِي أنفها أزمة ولاخطم فَهِيَ فِي استبدادها تعْمل مَا هويت فَإِن لم يكن لَهَا رَاع فكم من متردية فِي جرف هار وَكم من فريسة بَين أَنْيَاب السبَاع وَكم من آكِلَة دفلى تَمُوت آكلته وَآخر تَمُوت عطشا وَآخر تَمُوت جربا فالراعي يرعاهم المرعى ويجنبهم الدفلى ويذود عَنْهُم السبَاع ويعدل بهم عَن الجرف ويوردهم الْمِيَاه العذبة وَكَذَلِكَ النَّاس هم بِهَذِهِ الصّفة فالراحلة هُوَ الَّذِي رَحل نَفسه وراضها وجنبها سموم الدُّنْيَا وآفاتها وَقوم أخلاقها حَتَّى استقامت لله تَعَالَى فَصَارَت رَاحِلَة تركبها حُقُوق الله تَعَالَى فتنقاد لَهَا وَتحمل أثقال الْحُقُوق فتسير بهَا إِلَى الله تَعَالَى فَإِذا رَحل نَفسه وارتحل إِلَى الله تَعَالَى ثمَّ صَار رَاعيا يرْعَى عباده فيصلح للرعاية يجنبهم الْآفَات ويهديهم للهدايات ويوردهم الْمِيَاه العذبة وَهُوَ الْعلم الصافي بِلَا تَخْلِيط وَلَا كدورة ويعرفهم خداع الْعَدو ومراصده ومكامن النَّفس وَهُوَ فِي ذَلِك يحب أَن تكون أُمُورهم على وفَاق مَا بَين الله تَعَالَى لَهُم وعَلى محاب الله تَعَالَى وَلَا يكون كَذَلِك فَرُبمَا انتشرت الْإِبِل عَلَيْهِ فيضطرب فِي ذَلِك ويتلوى وَيقبل وَيُدبر احتيالا وتكلفا ويضيق صَدره بأمورهم فَهُوَ فِي جهد من ذَلِك لما يحب أَن تستوي أُمُورهم وتستقيم سيرتهم ويأبى الله إِلَّا أَن يكون كَمَا قدر حَتَّى إِذا فتح عَلَيْهِ بَاب النجباء الْكِرَام فأبصر
стр. 533
بذلك النُّور أَن هَذَا تَدْبيره لَهُم ومشيئته فيهم وَأَنه أعلم بِمَا يُرَاد لَهُم فَإِنَّمَا خلقهمْ من وَجه الأَرْض تربَتهَا مُخْتَلفَة وَأَن الْقُلُوب أوعية فِي أرضه يضع فِيهَا مَا أحب وَأَن الْعُقُول مقسومة بَين العبيد وَأَن الْأَخْلَاق لَهُم من الخزائن ممنوحة وَأَن الْأَنْوَار على مَا اختصه برحمته من بَينهم ممنونة وَأَن لَهُ من خلقه صفوة وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار مَا كَانَ لَهُم الْخيرَة وَأَن العبيد فُقَرَاء حَتَّى يغنيهم الله من فَضله غنى الْقلب وَأَن الْقُلُوب بِيَدِهِ يقلبها كَيفَ يَشَاء وَأَن الْهِدَايَة مِنْهُ ﴿يهدي الله لنوره من يَشَاء﴾ وَأَن الرَّسُول ﷺ عوتب فِي ذَلِك حَتَّى قيل لَهُ وَإِن كَانَ كبر عَلَيْك إعراضهم الْآيَة وَقَوله تَعَالَى إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء
وَكَانَ ذَلِك بعد مُضِيّ السنين من النُّبُوَّة ثمَّ أدبه ﷺ وَقَومه فَألْقى بِيَدِهِ سلما وذل لمَوْلَاهُ وَترك مَشِيئَته لمشيئته وراقب تَدْبيره فيهم فَصَارَ نجيبة من نجائبه يصونه مَوْلَاهُ عَن المكاره والآفات والبلايا والعاهات وَأثْنى عَلَيْهِ فَقَالَ وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم
قَالَت عَائِشَة ﵂ كَانَ ﷺ يرضى بِرِضَاهُ ويسخط بسخطه
стр. 534
- الأَصْل الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَة
-
فِي حَقِيقَة الْخُشُوع
عَن أم رُومَان وَالِدَة عَائِشَة ﵄ قَالَت رَآنِي أَبُو بكر أتميل فِي صَلَاتي فزجرني زَجْرَة كدت أنصرف من صَلَاتي ثمَّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِذا قَامَ أحدكُم إِلَى الصَّلَاة فليسكن أَطْرَافه لَا يتميل تميل الْيَهُود فَإِن سُكُون الْأَطْرَاف من تَمام الصَّلَاة
فالوقوف فِي الصَّلَاة يَنْبَغِي أَن يكون وقُوف تذلل وتخشع والخشوع الْبَالِغ خشوع الْقلب قَالَ الله تَعَالَى ﴿الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون﴾
وَقد يتخشع الرجل بأركانه وَلَيْسَ بخاشع فَإِن أَرَادَ بخشوعه ابْتِغَاء
стр. 535
وَجه الله تَعَالَى فَهُوَ مَحْمُود وعَلى ذَلِك مأجور وَإِن كَانَ لغير الله تَعَالَى فَهُوَ تماوت وَعَلِيهِ ممقوت
قَالَ ﷺ تعوذوا بِاللَّه من خشوع النِّفَاق قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا خشوع النِّفَاق قَالَ خشوع الْبدن ونفاق الْقلب
وَمعنى ذَلِك أَن يتماوت وَيَرْمِي ببصره إِلَى الأَرْض تقربا وترائيا وَقَالَ ﷺ حِين رأى رجلا يعبث بلحيته فِي صلَاته لَو خشع قلبه لخشع جوارحه
فالخشعة للقلب الَّذِي قد مَاتَت شهوات نَفسه فاطمأن لفراغه من النَّفس وفراغه من تكلفها وَأما تميل الْيَهُود فأصله أَن مُوسَى ﵇ كَانَ إِذا قَرَأَ التَّوْرَاة على بني إِسْرَائِيل تلذذ بِمَا فِيهِ وهاجت مِنْهُ اللَّذَّة فَكَانَ يتمايل على قِرَاءَته كَالَّذي يضطرب على الشَّيْء يقرأه فخلت قُلُوب مَا بعده مِمَّا كَانَ يجده ﵇ فاستعملوها من بعده على خراب الْقُلُوب وخلاء الْبَاطِن من ذَلِك
قَالَ مُوسَى ﵇ يَوْم الْوِفَادَة إِن هدنا إِلَيْك أَي ملنا إِلَيْك وَهُوَ التَّوْبَة فَأخذُوا هَذَا من قَوْله وَجعلُوا يتهادون فِي صلَاتهم وَكَانَ مُوسَى ﵇ هَبَط الْوَادي حِين أنس النَّار وَكَانَ نعلاه من جلد حمَار غير مزكى فَقيل لَهُ اخلع نعليك إِنَّك بالوادي الْمُقَدّس فَأخذُوا هَذَا من فعله وَإِذا صلوا خلعوا نعَالهمْ فَأمر رَسُول الله ﷺ باهدار هَذِه الْأَفْعَال وَقَالَ سكنوا أطرافكم فِي الصَّلَاة وَقَالَ فِي حَدِيث آخر صلوا فِي نعالكم وَلَا تشبهوا باليهود
стр. 536
وَكَانَ مُوسَى ﵇ يُعَامل بني إِسْرَائِيل على ظَاهر الْأُمُور لقلَّة مَا فِي باطنهم فَكَانَ يهيب الْأُمُور ويعظمها فِي الظَّاهِر لَهُم ويكتفي لنَفسِهِ بِمَا فِي بَاطِنه ﵇ حَتَّى أَن بني إِسْرَائِيل لَا تعظم التَّوْرَاة فَأوحى إِلَيْهِ أَن هَذِه التَّوْرَاة صَارَت فِي حجور بني إِسْرَائِيل وَلَا تكَاد تعظمها فَحلهَا بِذَهَب لم تمسه يَد الْآدَمِيّين فأنزلت عَلَيْهِ الكيمياء فَعلمه فَعمد إِلَى اسماء تِلْكَ الْأَدْوِيَة والعقاقير ففرقها ثَلَاثَة أَجزَاء فَأعْطى جُزْءا مِنْهَا هَارُون ﵇ وجزءا مِنْهَا يُوشَع ﵇ وجزءا مِنْهَا قَارون ليأتوا بهَا من الْجبَال كي لَا يجْتَمع عِنْد أحدهم علمهَا فَيعْمل بهَا فَذهب قَارون فَقعدَ على طَرِيق هَارُون ويوشع ﵉ حِين رجعا من الْجبَال فاستدرجهما مختدعا لَهَا فَقَالَ لكل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَ أَمرك مُوسَى فَأخْبرهُ كل وَاحِد مِنْهُمَا بِالَّذِي أمره فأثبتهما عِنْده فضم على الجزئين إِلَى الْجُزْء الَّذِي عِنْده ثمَّ عمد إِلَى الصفر فأذابه وَألقى عَلَيْهِ فَأخذ يعْمل ذَلِك شهره ودهره حَتَّى اجْتمع لَهُ أَمْوَال كَانَت تحمل مَفَاتِيح كنوزه سَبْعُونَ بغلا قَالَ الله تَعَالَى وَآتَيْنَاهُ من الْكُنُوز مَا إِن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي الْقُوَّة
ونافق فوعظ فَقيل لَهُ أحسن كَمَا أحسن الله إِلَيْك وَلَا تَبْغِ الْفساد فِي الأَرْض قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتهُ على علم عِنْدِي فَخسفَ الله بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْض
وَكَانَ مُوسَى ﵇ عمل هَذَا الذَّهَب وحلى التوارة بِهِ ثمَّ تَركه وَكَانَ يُعَامل أمته بِظَاهِر الْأُمُور فحلى باطنهم بتعظيم الله تَعَالَى وتعظيم كَلَامه فَأمرت هَذِه الْأمة بتسكين الْأَطْرَاف والخشوع
стр. 537
لِرَبِّهَا فِي الظَّاهِر للعامة وَفِي الْبَاطِن للخاصة قَالَ الله تَعَالَى ﴿قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون﴾
فَأهل الظَّاهِر يحفظون لحظات الْعُيُون عَن الِالْتِفَات يمنة ويسرة وجوارحهم عَن الحركات فِي غير مَا أمروا بِهِ وَأهل الْبَاطِن قد جاوزوا ذَلِك وحفظوا لحظات الْقُلُوب لِئَلَّا تلحظ أحدا سواهُ فَتكون قُلُوبهم منتصبة بَين يَدي الله تَعَالَى كَمَا انتصبت جوارحهم فِي الظَّاهِر وَذَلِكَ بِمَا ولج قُلُوبهم من عَظمَة الله تَعَالَى وجلاله فهابت واستقرت فِي تِلْكَ الهيبة لله تَعَالَى فَانْتفى عَنْهُم وساوس نُفُوسهم وَمن هَهُنَا مَا أنب رَسُول الله ﷺ على أهل الوسوسة فَقَالَ هَكَذَا أخرجت عَظمَة الله تَعَالَى من قُلُوب بني إِسْرَائِيل حَتَّى شهِدت أبدانهم وَغَابَتْ قُلُوبهم لَا يقبل الله صَلَاة أمرىء لَا يشْهد فِيهَا قلبه مَا يشْهد بدنه وَإِن الرجل ليُصَلِّي الصَّلَاة وَمَا يكْتب لَهُ عشرهَا
стр. 538
- الأَصْل السَّادِس وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَة
-
فِي سر التَّحِيَّة بِالسَّلَامِ
عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تبدأوا بالْكلَام قبل السَّلَام وَمن بَدَأَكُمْ بالْكلَام قبل السَّلَام فَلَا تجيبوه
شَرط الله تَعَالَى مَعَ هَذِه الْأمة فِي دينهم أَن يَأْمَن بَعضهم بَعْضًا وَيسلم بَعضهم من بعض وَلذَلِك سماهم مُؤمنين مُسلمين والأسماء سمات الشَّيْء فَكل اسْم دَلِيل على صَاحبه ومشتق من مَعْنَاهُ والأسماء الْأَصْلِيَّة هِيَ الَّتِي جَاءَت من عِنْد الله تَعَالَى مثل يحيى قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّا نبشرك بِغُلَام اسْمه يحيى لم نجْعَل لَهُ من قبل سميا﴾ أَي لم نجْعَل أحدا لَا يُذنب سواهُ لِأَن يحيى من الْحَيَاة وَقد أحيى الله تَعَالَى قلبه بِهِ فَلم يُذنب وَلم يهم بِهِ
стр. 539
قَالَ ﷺ مَا من آدَمِيّ إِلَّا قد أَخطَأ أَو هم بخطيئة غير يحيى بن زَكَرِيَّا
وَمثل أَحْمد قَالَ الله تَعَالَى وَمُبشرا برَسُول يَأْتِي من بعدِي اسْمه أَحْمد
قَالَ ﷺ أَعْطَيْت مَا لم يُعْط أحد سميت أَحْمد ونصرت بِالرُّعْبِ
فَكَذَلِك شَأْن هَذِه الْأمة والأمم فَإِن كل أمة تسمت باسم من تِلْقَاء نَفسهَا مثل الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس فولي الله تَعَالَى تَسْمِيَة هَذِه الْأمة فَقَالَ عز من قَائِل ﴿هُوَ سَمَّاكُم الْمُسلمين من قبل﴾ وَقَالَ ﷺ إِن الله سمى أمتِي فاشتق لَهَا اسْمَيْنِ من اسْمه وَهُوَ السَّلَام وَالْمُؤمن وَسَمَّاهُمْ مُسلمين ومؤمنين فاسم هَذِه الْأمة على الْحَقِيقَة الْأَصْلِيَّة الَّتِي علم آدم ﵇ فَاقْتضى مِنْهَا وَفَاء هَذَا الِاسْم أَن يَأْمَن بَعضهم من بعض وَيسلم بَعضهم
стр. 540
من بعض قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة﴾ وَقَالَ والمؤمنون وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَقَالَ ﷺ الْمُؤْمِنُونَ كَرجل وَاحِد
فَوضعت هَذَا التَّحِيَّة فِيمَا بَينهم كَرَامَة لَهُم فَأكْرم الله تَعَالَى هَذِه الْأمة بِأَن جعل تحيتهم على ألسنتهم أشرف القَوْل وأطيبها من قَوْله السَّلَام عَلَيْكُم وَكَانَ فِي بني إِسْرَائِيل إِذا لَقِي بَعضهم بَعْضًا ينحني لَهُ ويومىء بِرَأْسِهِ كَهَيئَةِ السُّجُود فَتلك تحيتهم
روى أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أعطي أمتِي ثَلَاثًا لم يُعْط أحد قبلهن السَّلَام وَهِي تَحِيَّة أهل الْجنَّة وصفوف الْمَلَائِكَة وآمين إِلَّا مَا كَانَ من مُوسَى وَهَارُون
وَإِنَّمَا جعل السَّلَام وَهُوَ اسْم من أَسْمَائِهِ مَوْضُوعا بَينهم ليَكُون أَمَانًا للعباد فِي الدَّم وَالْعرض وَالْمَال
قَالَ أَبُو بكر الصّديق ﵁ السَّلَام أَمَان للعباد فِيمَا بَينهم
وَقَالَ ﷺ من بَدَأَ بِالسَّلَامِ فَهُوَ أولى بِاللَّه وبرسوله فَلَمَّا كَانَ هَذَا السَّلَام مأمن الْعباد فِيمَا بَينهم كَانَ من بَدَأَ بالْكلَام فقد ترك الْحق وَالْحُرْمَة فحقيق أَن لَا يُجَاب
стр. 541
- الأَصْل السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَة
-
فِي هم الْأَنْبِيَاء الثَّلَاث وتنزههم عَمَّا لَا يَلِيق
عَن أنس ﵁ يَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن دَاوُد ﵇ حِين نظر إِلَى الْمَرْأَة فهم بهَا قطع على بني إِسْرَائِيل بعثا وَأوصى صَاحب الْبَعْث فَقَالَ إِذا حضر الْعَدو فَقرب فلَانا بَين يَدي التابوت فَكَانَ ذَلِك التابوت فِي ذَلِك الزَّمَان يستنصر بِهِ فَمن قدم بَين يَدي التابوت لم يرجع حَتَّى يقتل أَو ينهزم عَنهُ الْجَيْش الَّذِي يُقَابله فَقدم فَقتل زوج الْمَرْأَة وَنزل الْملكَانِ على دَاوُد ﵇ فقصا عَلَيْهِ الْقِصَّة فَفَزعَ مِنْهُم فَفطن دَاوُد ﵇ فَسجدَ فَمَكثَ أَرْبَعِينَ لَيْلَة سَاجِدا حَتَّى نبت الزَّرْع من دُمُوعه على رَأسه وأكلت الأَرْض جَبينه يَقُول فِي سُجُوده رب زل دَاوُد زلَّة أبعد مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب رب إِن لم ترحم ضعف دَاوُد وَتغْفر ذَنبه جعلت ذَنبه حَدِيثا فِي الخلوق من بعده قَالَ فَجَاءَهُ جِبْرِيل ﵇ بعد أَرْبَعِينَ لَيْلَة فَقَالَ يَا دَاوُد إِن الله قد غفر لَك الْهم الَّذِي هَمَمْت بِهِ فَقَالَ لَهُ دَاوُد وَقد علمت أَن الله تَعَالَى قَادر على أَن يغْفر لي الَّذِي هَمَمْت بِهِ وَقد عرفت أَن الله تَعَالَى عدل لَا يمِيل فَكيف بفلان إِذا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ يَا رب دمي الَّذِي عِنْد دَاوُد فَقَالَ لَهُ جبرئيل ﵇ مَا سَأَلت رَبك ذَلِك وَلَئِن
стр. 542
شِئْت لَأَفْعَلَنَّ قَالَ نعم فعرج جبرئيل ﵇ إِلَى السَّمَاء وَسجد دَاوُد ﵇ فَمَكثَ مَا شَاءَ الله وَنزل فَقَالَ سَأَلت يَا دَاوُد عَن الَّذِي أرسلتني إِلَيْهِ فَقَالَ قل لداود إِن الله يجمعكما يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ يَقُول لَهُ هَب لي دمك الَّذِي عِنْد دَاوُد فَقَالَ هُوَ لَك يَا رب فَنَقُول لَهُ فَإِن لَك الْجنَّة فالهم من الْأَوْلِيَاء وَالرسل ﵈ عَظِيم شَأْنه لِأَنَّهُ ميل عَن الله تَعَالَى فنسأله الْعِصْمَة فِي الحركات والسكنات إِنَّه قريب مُجيب
وَرُوِيَ أَن قَاضِيا فِي بني إِسْرَائِيل بلغ اجْتِهَاده أَن طلب إِلَى ربه أَن يَجْعَل بَينه وَبَينه علما إِذا هُوَ قضى بِالْحَقِّ عرف ذَلِك وَإِذا قصر عَن الْحق عرف ذَلِك فَقيل لَهُ ادخل مَنْزِلك ثمَّ مد يدك فِي جدارك ثمَّ أنظر كَيفَ تبلغ أصابعك من الْجِدَار فاخطط عِنْدهَا خطا وَكلما قُمْت من مجْلِس الْقَضَاء فامدد يدك إِلَيْهِ فَإنَّك مَتى كنت على الْحق ستبلغه وَإِن قصرت عَن الْحق قصر بك وَكَانَ يجْتَهد وَلَا يقْضِي إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِذا قَامَ من مَجْلِسه يَأْتِي ذَلِك الْخط فَإِذا بلغه حمد الله وأفضى إِلَى كل مَا أحل الله لَهُ من أهل ومطعم ومشرب فَلَمَّا كَانَ ذَات يَوْم وَهُوَ فِي مجْلِس الْقَضَاء أقبل إِلَيْهِ رجلَانِ يُريدَان أَن يختصما إِلَيْهِ وَكَانَ أَحدهمَا لَهُ صديق فَتحَرك قلبه عَلَيْهِ محبَّة أَن يكون الْحق لَهُ فَيَقْضِي لَهُ بِهِ فَلَمَّا أَن تكلما دَار الْحق على صَاحبه فَقضى عَلَيْهِ فَقَامَ من مَجْلِسه وَذهب إِلَى خطه وَمد يَده إِلَيْهِ فَإِذا الْخط قد شمر إِلَى السّقف وَإِذا هُوَ لَا يبلغهُ فَخر سَاجِدا وَهُوَ يَقُول يَا رب شَيْئا لم أتعمده وَلم أرده فبينه لي فَقيل لَهُ أتحسب أَن الله تَعَالَى لم يطلع على جور قَلْبك حَيْثُ أَحْبَبْت أَن يكون الْحق لصديقك فتقضي لَهُ قد أردته وأحببته وَلَكِن الله قد رد الْحق إِلَى أَهله وَأَنت لذَلِك كَارِه
وَعَن لَيْث ﵁ قَالَ تقدم إِلَى عمر رَضِي الله عَنهُ
стр. 543
خصمان فأقامهما ثمَّ عادا ففصل بَينهمَا فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ تقدما إِلَيّ فَوجدت لأَحَدهمَا مَا لم أجد لصَاحبه فَكرِهت أَن أفصل بَينهمَا على ذَلِك ثمَّ عادا وَقد ذهب ذَلِك ففصلت
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ اخْتصم إِلَيّ سُلَيْمَان ﵇ فريقان أَحدهمَا من أهل امْرَأَته جَرَادَة وَكَانَ يُحِبهَا فهوى أَن يَقع الْقَضَاء لَهُ ثمَّ قضى بَينهمَا بِالْحَقِّ فَأَصَابَهُ الَّذِي أَصَابَهُ عُقُوبَة لذَلِك الْهوى
وَعَن سَالم مولى أبي جَعْفَر الْمَنْصُور قَالَ خرجنَا مَعَ أبي جَعْفَر إِلَى بَيت الْمُقَدّس فَلَمَّا دخل دمشق بعث إِلَى الْأَوْزَاعِيّ فَأَتَاهُ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ حَدثنِي حسان بن عَطِيَّة عَن جدك ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض﴾ ان ارْتَفع إِلَيْك خصمان فَكَانَ لَك فِي أَحدهمَا هوى فَلَا تشته فِي نَفسك الْحق لَهُ فيفلج على صَاحبه فأمحو اسْمك من نبوتي ثمَّ لَا تكون خليفتي
يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ حَدثنِي حسان عَن جدك قَالَ من كره الْحق فقد كره الله لِأَن الله تَعَالَى هُوَ الْحق
يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ حَدثنِي حسان عَن جدك فِي قَوْله تَعَالَى لَا يُغَادر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة إِلَّا أحصاها قَالَ الصَّغِيرَة التبسم والكبيرة الضحك فَكيف بِمَا جنته الْأَيْدِي
فالهم بِمَا عدل عَن الْحق هُوَ ميل عَن الله تَعَالَى وإعراض وَقُلُوب الْأَنْبِيَاء ﵇ معيار التَّوْحِيد وموازين الْأَعْمَال وحجج الله تَعَالَى على الْخَواص والهم همان هم عَارض لَا قَرَار لَهُ يَنْفِيه الْقلب
стр. 544
بيقظته ونباهته وطيبه ونزاهته ونسيم روحه وفسيح ساحته وَذَاكَ يعتري الْأَنْبِيَاء والأولياء ﵈ وَذَاكَ مَرْفُوع عَنْهُم لِأَنَّهُ عَارض لَا يملكهُ وَلَا يتكلفه وَلم يكن فِيهِ حَرَكَة فِي ظَاهر وَلَا فِي بَاطِن وَإِنَّمَا أيد من الرّوح والسكينة وَالْيَقِين وهم آخر وَهُوَ هم عَارض لله تَعَالَى مَعَه مَشِيئَة وتدبير فِي أُمُوره والأنبياء والأولياء ﵈ بمعزل عَنهُ وَفِي انحطاط مِنْهُ وَإِنَّمَا يَعْتَرِيه الْعَامَّة فان ربوبيته قاهرة لجَمِيع مَا عِنْد هَذَا العَبْد من الْقُوَّة والتأييد فَإِذا هُوَ مخذول فَصَارَ همه عزما وَهُوَ عقد الْقلب وَصَارَ بذلك فِي ميل عَن الله تَعَالَى وَإِذا استعملوا هَذَا الْعَزْم فأخرجوه إِلَى الْأَركان فَعمِلت بِهِ جوارحهم وَقد بلي بالهم الأول ثَلَاثَة أَعْلَام فِي الأَرْض من الرُّسُل مُحَمَّد وَدَاوُد ويوسف صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ
أما يُوسُف ﵇ فهم بهَا حَتَّى روى ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قعد مِنْهَا مقْعد الرِّجَال فانفرج السّقف وتراءى لَهُ جبرئيل ﵇ فِي صُورَة يَعْقُوب عاضا على إصبعه وَنُودِيَ يَا يُوسُف أتعمل عمل السُّفَهَاء وَأَنت مَكْتُوب فِي ديوَان الْأَنْبِيَاء فولى هَارِبا ثمَّ أوصلها تزويجا بَعْدَمَا نالته الْعقُوبَة بالهم من طول اللّّبْث فِي السجْن
عَن وهب ﵁ قَالَ أَصَابَت امْرَأَة الْعَزِيز حَاجَة فَقيل لَهَا لَو أتيت يُوسُف فَسَأَلته فاستشارت النَّاس فِي ذَلِك فَقَالُوا لَا تفعلي فانا نَخَاف عَلَيْك قَالَت كلا إِنِّي لَا أَخَاف مِمَّن يخَاف الله تَعَالَى قَالَ فَدخلت عَلَيْهِ فرأته فِي ملكه فَقَالَت الْحَمد لله الَّذِي جعل العبيد ملوكا بِطَاعَتِهِ وَجعل الْمُلُوك عبيدا بمعصيته قَالَ فَقضى
стр. 545
جَمِيع حوائجها ثمَّ تزَوجهَا فَوَجَدَهَا بكرا فَقَالَ لَهَا أَلَيْسَ هَذَا أجمل مِمَّا أردْت قَالَت يَا نَبِي الله إِنِّي ابْتليت فِيك بِأَرْبَع كنت أجمل النَّاس كلهم وَكنت أَنا أجمل أهل زماني وَكنت بكرا وَكَانَ زَوجي عنينا
وَأما دَاوُد ﵇ فَفتح من الْمِحْرَاب بَاب الكوة واطلع على تِلْكَ الْمَرْأَة فَوَقع فِي نَفسه شَأْنهَا وفتنتها فَلم يملك نَفسه حَتَّى وَجه إِلَيْهَا من يَوْمه ليضمها إِلَى نِسَائِهِ كي يسكن الهائج من نَفسه انتظارا لما يكون فَأَبت الْمَرْأَة فَمشى إِلَى بَابهَا فَمر بملكين يُنَاجِي أَحدهمَا صَاحبه وَهُوَ يَقُول لقد أكْرم الله إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق عَن مثل هَذَا الممشى وَمضى فَلم يعتصم حَتَّى وقف ببابها فَاسْتَفْتَحَ فَقَالَت من ذَا فَأَخْبرهَا فَقَالَت أعاذ الله دَاوُد من أَن يمشي هَذَا الممشى فَانْصَرف فَكتب إِلَى صَاحب بعث كَانَ زَوجهَا فِيهِ وَأمره أَن يقدم زَوجهَا فِي مِائَتي رجل من بني إِسْرَائِيل مَعَ تَابُوت السكينَة وَكَانَ من قدم مَعهَا لم يرجع حَتَّى يفتح عَلَيْهِ أَو يقتل فَتقدم فَقتل فَلَمَّا انْقَضتْ عدتهَا خطبهَا فَتَزَوجهَا فَلبث بذلك مَا شَاءَ الله فَلم يرعه إِلَّا وَقد تسور الخصمان عَلَيْهِ الْمِحْرَاب فَفَزعَ فقصا الْقِصَّة وعرجا فانكشف الغطاء عَن دَاوُد ﵇ وخر لله سَاجِدا أَرْبَعِينَ صباحا حَتَّى نبت المرعى حول وَجهه وغمر رَأسه ثمَّ نُودي أجائع فتطعم أَو عَار فتكسى فَنحب نحبة هاج المرعى من حر جَوْفه فغفر لَهُ وَبشر بهَا فَقَالَ يَا رب هَذَا ذَنبي فِيمَا بيني وَبَيْنك قد غفرته فَكيف بفلان وَكَذَا رجلا من بني إِسْرَائِيل تركت أَوْلَادهم أيتاما ونساءهم أرامل قَالَ يَا دَاوُد لَا يجاوزني يَوْم الْقِيَامَة ظلم أمكنه مِنْك ثمَّ أستوهبك مِنْهُ بِثَوَاب الْجنَّة قَالَ يَا رب هَكَذَا تكون الْمَغْفِرَة الهنيئة ثمَّ قيل يَا
стр. 546
دَاوُد ارْفَعْ رَأسك فَذهب ليرْفَع رَأسه فَإِذا بِهِ قد نشب فِي الأَرْض فَأَتَاهُ جِبْرَائِيل ﵇ فاقتلعه عَن وَجه الأَرْض كَمَا تقتلع عَن الشَّجَرَة صمغتها حَتَّى سَأَلَ ربه تَعَالَى أَن ينقش خَطِيئَة فِي كَفه فَكَانَ لَا يبسط كَفه لطعام وَلَا شراب إِلَّا رَآهَا فابكته
قَالَ ﷺ إِنَّمَا مثل عَيْني دَاوُد مثل القربتين تنطفان المَاء لقد خدد الدُّمُوع فِي وَجه دَاوُد خديد المَاء فِي وَجه الأَرْض وَكَانَ من دُعَاء دَاوُد رب اغْفِر للخطائين لكَي تغْفر لداود مَعَهم سُبْحَانَ خَالق النُّور إلهي خرجت أسأَل أطباء عِبَادك أَن يداووا لي خطيئتي فكلهم يدل عَلَيْك إلهي أَخْطَأت خَطِيئَة قد خفت أَن يَجْعَل حصادها عذابك يَوْم الْقِيَامَة إِن لم تغفرها سُبْحَانَ خَالق النُّور إلهي إِذا ذكرت خطيئتي ضَاقَتْ الأَرْض برحبها عَليّ وَإِذا ذكرت رحمتك إرتد إِلَيّ روحي
وَرُوِيَ أَنه كَانَ إِذا ذكرهَا انْحَلَّت مفاصله ثمَّ يذكر رَحْمَة الله تَعَالَى فَيرجع بأوصالها إِلَى مَكَانهَا
وَأما مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ لما عاين زَيْنَب فَوَقع فِي نَفسه شَأْنهَا وَذَلِكَ أَنه أبصرهَا قَائِمَة فِي صحن الدَّار فِي درع وخمار أسود فَلَمَّا وَقعت فِي نَفسه فزع إِلَى الله تَعَالَى وَوضع يَده على وَجهه وَقَالَ سُبْحَانَ مُقَلِّب الْقُلُوب فنزهه تعوذا بالتنزيه وتغوثا بِالِاسْمِ الَّذِي مِنْهُ حدث على قلبه التقليب عَن أَن يقلبه بِمَشِيئَة تورثه غَدا الْحيَاء والعويل واضطراب الصَّوْت فِي الملكوت كَمَا أورث من قبله من إخوانه عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وصيره ملْجأ ومفزعا وَاسْتعْمل التَّدْبِير الْمَوْضُوع بَين الْعباد أَن غض بَصَره وَمَال بِيَدِهِ على وَجهه ليَكُون لَهُ
стр. 547
فِي ذَلِك تمسكن وتضرع وانقياد ليرحمه وَيصرف عَنهُ الْفِتْنَة الَّتِي أحس بهَا فشكره على ذَلِك مَوْلَاهُ حَيْثُ فزع إِلَيْهِ وَلم يفزع إِلَى نهمة النَّفس وَلم يتدبر بالحيل الَّتِي توصله إِلَيْهَا
رُوِيَ فِي الْخَبَر أَنه أَمْسَى زيد فآوى إِلَى فرَاشه قَالَت زَيْنَب ﵂ لم يستطعني زيد وَمَا امْتنع عَنهُ غير مَا مَنعه الله مني فَلَا يقدر عَليّ
وَفِي بعض الرِّوَايَات أَن زيدا تورم ذَلِك مِنْهُ حِين أَرَادَ أَن يقربهَا فَعلم زيد بِمَا أخْبرته زَيْنَب من فعل رَسُول الله ﷺ وَقَوله حِين أبصرهَا وَصَارَ إِلَى رَسُول الله ﷺ وَقَالَ إِن زَيْنَب تؤذيني وَلَا تاتي مَا أحب وَلَا تبر قسمي وَلَا تطيعني وَتفعل وَتفعل وَإِنِّي أُرِيد أَن أطلقها
فَقَالَ لَهُ أمسك عَلَيْك زَوجك وَاتَّقِ الله فَلم يزل زيد على عزمه الَّذِي عزم الله على قلبه فَكَمَا قلب قلب رَسُوله ﷺ بهواها قلب قلب زيد حَتَّى يطلقهَا فَلَمَّا انْقَضتْ عدتهَا نزل الْقُرْآن بتزويجها مِنْهُ وَولي الله تَعَالَى تَزْوِيجهَا مِنْهُ على لِسَان الرّوح الْأمين فَقَامَ رَسُول الله ﷺ فَدخل عَلَيْهَا بِغَيْر إِذن وَكَانَ قبل نزُول الْآيَة قدم رَسُول الله ﷺ الْخطْبَة إِلَيْهَا وَوجه زيد بن حَارِثَة يعلمهَا ذَلِك فَدخل عَلَيْهَا وَهِي فِي مَسْجِدهَا فَذكر لَهَا حَاجَة رَسُول الله ﷺ فَقَالَت حَتَّى أؤامر رَبِّي فَنزلت قَوْله تَعَالَى ﴿زَوَّجْنَاكهَا﴾ فَهِيَ بعد فِي مؤامرتها وَزيد عِنْدهَا إِذْ دخل رَسُول الله ﷺ بِغَيْر إِذن فَقعدَ عِنْدهَا وتلا الْآيَة فخرت سَاجِدَة وَكَانَت تَفْخَر بذلك على نسَاء رَسُول الله ﷺ وَتقول إِن الله أنكحني من الْعَرْش وَهُوَ وليي من دون الْخلق والسفير فِي ذَلِك جِبْرَائِيل
وَكَانَت تسامي عَائِشَة ﵂ فِي الوسامة والحظ من
стр. 548
رَسُول الله ﷺ فَقَالَت أَنا الَّذِي نزل تزويجي من السَّمَاء فَقَالَت عَائِشَة ﵂ أَنا الَّذِي نزل عُذْري من السَّمَاء فِي كِتَابه حِين حَملَنِي ابْن الْمُعَطل على الرَّاحِلَة قَالَ الله تَعَالَى وَإِذ تَقول للَّذي أنعم الله عَلَيْهِ وأنعمت عَلَيْهِ أَي زيد بِالْعِتْقِ أمسك عَلَيْك زَوجك وَاتَّقِ الله وتخفي فِي نَفسك مَا الله مبديه وتخشى النَّاس وَالله أَحَق أَن تخشاه الْآيَة
فعوتب رَسُول الله ﷺ والحبيب يحب عتاب الحبيب حَتَّى يَدُوم الصفاء وَيكون العتاب بدل الوجد
قَالَت عَائِشَة ﵂ لَو أَن مُحَمَّدًا قدر على أَن يكتم شَيْئا من الْوَحْي لكَتم هَذِه الْآيَة
وَسبب العتاب على وَجْهَيْن
أَحدهمَا قَول ابْن عَبَّاس ﵄ وتخفي فِي نَفسك الْحبّ لَهَا وطلاقه إِيَّاهَا وتزويجك بهَا وَكَانَ ﷺ يهوى أَن يخلي سَبِيلهَا وخشي قالة النَّاس وَذَلِكَ أَنه تبنى زيد بن حَارِثَة فَقَالَ المُنَافِقُونَ ينهانا عَن نسَاء أَبْنَائِنَا ويتزوج امْرَأَة ابْنه فخشي هَذِه القالة وقالوها من بعد تَزْوِيجه إِيَّاهَا فَنزلت قَوْله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أحد من رجالكم﴾ وَنزلت ﴿ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أقسط عِنْد الله﴾
стр. 549
إِنَّمَا جَاءَت المعاتبة من قبل أَنه قَالَ ﴿أمسك عَلَيْك زَوجك﴾ وَهُوَ يُحِبهَا وَيَوَد فِي نَفسه أَن يطلقهَا وَقد كَانَ فِي الْغَيْب أَن سيطلقها ويبدي الله تَعَالَى مَا فِي نفس مُحَمَّد ﷺ إِذْ يُزَوّجهَا
الْوَجْه الثَّانِي مَا ذكره عَليّ بن الْحُسَيْن ﵄ وَهُوَ جَوْهَر من الْجَوَاهِر إِنَّمَا عتب الله تَعَالَى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قد أعلمهُ أَن سَتَكُون هَذِه الْأمة من أَزوَاجك فَكيف قلت بعد هَذَا لزيد أمسك عَلَيْك زَوجك وأخذتك خشيَة النَّاس أَن يَقُولُوا تزوج امْرَأَة ابْنه وَالله أَحَق أَن تخشاه فتراقب أمره وتدبيره فِيك وفيهَا فَتكون مِمَّن أطلق ذَلِك كي لَا يكون على الْمُؤمنِينَ حرج فِي أَزوَاج أدعيائهم إِذا قضوا مِنْهُنَّ وطرا ثمَّ قَالَ مَا كَانَ على النَّبِي من حرج فِيمَا فرض الله لَهُ سنة الله فِي الَّذين خلوا من قبل وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا
فرض الله مَا أعلمهُ أَن تكون زَيْنَب من أَزوَاجه وَذَلِكَ سنة الله تَعَالَى فِي دَاوُد ﵇ حَتَّى جمع بَينه وَبَين تِلْكَ الْمَرْأَة وَكَانَ ذَلِك قدرا مَقْدُورًا على دَاوُد ﵇ أَن يكون الْجمع بَينهمَا على تِلْكَ الْجِهَة وَيغْفر لَهُ وَيضمن عَنهُ تَبعته لخصمه
стр. 550
- الأَصْل الثَّامِن وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَة
-
فِي الثَّلَاثَة الَّتِي تَحت الْعَرْش
عَن الْحُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة تَحت الْعَرْش الْقُرْآن لَهُ ظهر وبطن يحاج الْعباد وَالرحم تنادي صل من وصلني واقطع من قطعني وَالْأَمَانَة ظهر وبطن فالظهر يحاج الْعَامَّة والبطن يحاج الْخَاصَّة
وَهَذَا لِأَن الْأمة على صنفين أهل يَقِين وَأهل علم فَأهل الْعلم صنفان مخلط وَهُوَ الظَّالِم ظلم نَفسه وَالْحق وَمَلَائِكَته والأنبياء ﷺ فَإِن الله تَعَالَى بعث بِالْحَقِّ على أَيدي الْمَلَائِكَة على أَلْسِنَة الرُّسُل ﵈ فَإِذا أخل بذلك سمي ظَالِما ومستقيم وَهُوَ المقتصد
وَأما أهل الْيَقِين وهم السَّابِقُونَ الْأَوْلِيَاء المقربون فَظَاهر الْقُرْآن يحاج المقتصد فِي تَفْسِيره والظالم فِي تخليطه وباطن الْقُرْآن يحاج السَّابِقين
стр. 551
المقربين فِي تقصيرهم وخطراتهم وزلاتهم قَالَ الله تَعَالَى ﴿اتَّقوا الله إِن الله عليم بِذَات الصُّدُور﴾
فالظالم يَتَّقِي تخليطه حَتَّى لَا يدْخل فِي عمله شَيْء نهى الله عَنهُ والمقتصد قد فزع من التَّخْلِيط فَهُوَ يَتَّقِي أَن يشوبه عجب أَو رِيَاء أَو فَسَاد أَو خطأ وَالسَّابِق قد فرغ من هَذَا فَهُوَ يَتَّقِي الْأَسْبَاب والعلائق والاعتماد على شَيْء دونه وَيَتَّقِي الخطرات وَهَذَا كُله هُوَ التَّقْوَى وَلكنه يَتَّقِي كل صنف مِمَّا بَقِي عَلَيْهِ من التَّقْوَى فَإِن لم يفعل حاجه الْقُرْآن بِمَ بَقِي عَلَيْهِ
وَأما قَوْله الرَّحِم تنادي صل من وصلني واقطع من قطعني فالرحم لَهَا شَأْن عَظِيم قَالَ ﷺ إِن الله تَعَالَى خلق الْخلق حَتَّى إِذا فرغ مِنْهُم قَامَت الرَّحِم فَأخذت بحقوي الرَّحْمَن فَقَالَ مَه قَالَت هَذَا مقَام العائذ من القطيعة قَالَ نعم أَلا ترْضينَ أَن أصل من وصلك وأقطع من قَطعك قَالَت بلَى قَالَ فَذَلِك لَك ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ إقرؤا إِن شِئْتُم ﴿فَهَل عسيتم إِن توليتم﴾ الْآيَة
وَقَالَ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ الله تَعَالَى للرحم خلقتك بيَدي وشققت لَك اسْما من اسْمِي
стр. 552
وَقربت مَكَانك مني وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لأصلن من وصلك ولأقطعن من قَطعك وَلَا أرْضى حَتَّى ترْضينَ
فخلق الله تَعَالَى الرأفة وَالرَّحْمَة يرؤف بهَا عباده وَيرْحَم بهَا عباده والرأفة غالبة على الرَّحْمَة وَلها سُلْطَان إِذا تحرّك علا كل شَيْء وَغلب وبدء الرأفة من رأفة الله تَعَالَى ورأفته من فَضله وَالْفضل من جماله فَهَذِهِ الرأفة الَّتِي خلقهَا يتراءفون ويتعاطفون وَبهَا يتراحمون ويتعاطفون فَقَامَتْ تناشد رَبهَا فقربها من رأفته وَبَين بَدو مَكَانهَا من أَيْن بداثم جعلهَا كالشجنة قد برزت إِلَى مَا دون الْعَرْش فَلَمَّا قربهَا جعل لَهَا السَّبِيل إِلَى الحقو فِي الْقرْبَة فشق لَهَا اسْما من اسْمه وَهُوَ الرَّحْمَن ثمَّ جعل لَهَا سُلْطَانا ممدودا من الحقو كالشجنة إِلَى مَا تَحت الْعَرْش فاستعاذت هُنَاكَ من القطيعة حَيْثُ أشارت من مقَامهَا فَقَالَ الله تَعَالَى لأصلن من وصلك أَي اصل واصلك بِهَذِهِ الرأفة مني وأقطع من هَذِه الرأفة من قَطعك فَيكون صَاحب القطيعة مَقْطُوعًا من رأفته قَالَ ﷺ الرَّحِم معلقَة بالعرش
وَقَالَ فِي رِوَايَة ابْن عَمْرو ﵄ يَقُول الله أَنا الرَّحْمَن وَهِي الرَّحِم جعلت لَهَا شجنة من وَصلهَا وصلته وَمن قطعهَا بنته لَهَا يَوْم الْقِيَامَة لِسَان طلق تقوم فِيمَا شَاءَت فقد
стр. 553
بَين أَنَّهَا الرأفة الَّتِي خلقهَا ثمَّ قَامَت مقَام العائذ إِلَى الحقو من القطيعة فَتلك شجنة ناتئة من الْعَرْش معلقَة مِنْهُ بهَا يتواصلون ويتقاطعون وحرقتها فِي الأجواف وَالرَّحْمَة هُنَاكَ ثمَّ هِيَ مقسومة بَين الْخلق فِيهَا يتراءفون وَبهَا يتعاطفون فَإِذا قطعهَا فقد انْقَطع من رأفة الله تَعَالَى فَلذَلِك يَجْعَل عُقُوبَته فِي الدُّنْيَا وَلذَلِك قيل أعجل الْبر ثَوابًا صلَة الرَّحِم فأسرع الشَّيْء عقَابا الْبَغي وَقَطِيعَة الرَّحِم وَهَذَا لِأَن الله تَعَالَى خلق الْإِنْسَان فَجعل الرأفة مِنْهُ فِي الطحال وَهُوَ فِي مَوضِع الحقو يجد الْآدَمِيّ مِنْهُ حرقة تصل إِلَى الْفُؤَاد فيعلمه وَهُوَ الَّذِي يُسمى بالعجمية مهر وَجعلهَا دَمًا فِي الطحال لَهُ حرارة ثمَّ جعل لَهَا فِي الْعُرُوق مجْرى مِنْهَا فصيرها فِي الْأَرْحَام جَارِيَة ليصلوها قَالَ ﷺ إِذا أَرَادَ الله تَعَالَى أَن يخلق النَّسمَة فغشى الرجل وَالْمَرْأَة أحضر كل رحم لَهُ ثمَّ قَرَأَ ﴿فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك﴾
وَقَالَ فِي رِوَايَة ابْن بُرَيْدَة إِن رجلا من الْأَنْصَار ولدت لَهُ امْرَأَته غُلَاما حَبَشِيًّا أسود فَأخذ بيد امْرَأَته فاتى بهَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَت وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لقد تزَوجنِي بكرا وَمَا أقعدت مَقْعَده أحدا فَقَالَ ﷺ صدقت إِن لَك تِسْعَة وَتِسْعين عرقا وَله مثل ذَلِك
فَإِذا كَانَ حِين الْوَلَد اضْطَرَبَتْ الْعُرُوق كلهَا لَيْسَ مِنْهَا عرق الا يسْأَل الله تَعَالَى أَن يَجْعَل ذَلِك الشّبَه بِهِ فَهَذِهِ عروق فِيهَا دِمَاء وَالرحم خلقتها من الْمَرْأَة كالكيس وَهِي عضلة وَعصب وعروق وَرَأس عصبها فِي الدِّمَاغ وَلها فَم بحذاء قبلهَا وَلها قرنان شبه الجناحين تجذب بهما النُّطْفَة لقبولها وَمن دَاخل فمها أَرْبَعَة أَفْوَاه إِلَى الرَّحِم فَإِن دخل النُّطْفَة من بَاب فولد وَإِن دخل من بَابَيْنِ فولدان وعَلى هَذَا وَهَذِه الدِّمَاء جَارِيَة من الْأَرْحَام إِلَى الْأَرْحَام منتقلة بَعْضهَا إِلَى بعض إِلَى
стр. 554
هَذِه الْعُرُوق فَأمروا بالصلة لهَذِهِ الدِّمَاء لِئَلَّا تَنْقَطِع
قَالَ ﷺ بلوا أَرْحَامكُم وَلَو بِالسَّلَامِ فَإِن الدَّم إِذا يَبِسَتْ تقطعت فتبل حَتَّى لَا تَنْقَطِع وبللها من السَّلَام والزيارة والعطية
وَقَوله ﷺ الْأَمَانَة تَحت الْعَرْش فالأمانة معلقَة بِالْإِيمَان
قَالَ ﷺ لَا إِيمَان لمن لَا أَمَانَة لَهُ
وَإِنَّمَا آمن ليأمن الْخلق جوره فَإِن الله تَعَالَى عدل لَا يجور وبدؤه من عدله فَهُوَ مُعَلّق تَحت الْعَرْش فَهَذِهِ الثَّلَاث تَحت الْعَرْش الْقُرْآن وَهُوَ كَلَامه وَالرحم وَهِي رأفته وَالْأَمَانَة وَهِي أَمَانَته
стр. 555
- الأَصْل التَّاسِع وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَة
-
فِي أَن الْكَلَام عَلَيْك لَا لَك وضروبه
عَن أم حَبِيبَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ كَلَام ابْن آدم كُله عَلَيْهِ لَا لَهُ إِلَّا أمرا بِالْمَعْرُوفِ أَو نهيا عَن منكرأو ذكرا لله تَعَالَى
فاللسان ترجمان الْقلب يعبر عَمَّا فِي الْقلب من الْعلم فَيَرْمِي بِهِ إِلَى الأسماع فيولج الْقلب إِن خيرا فَخير وَإِن شرا فشر قَالَ ﷺ الأذنان قمع
قَالَ كَعْب لعَائِشَة ﵂ فِي نعت الْإِنْسَان قَالَ عَيناهُ هاد وأذناه قمع وَلسَانه ترجمان وَرجلَاهُ بريد وكبده رَحْمَة ورئتاه نفس وطحاله ضحك وكلواتان مكر وَالْقلب ملك فَإِذا طَابَ الْملك
стр. 556
طابت جُنُوده وَإِذا فسد الْملك فَسدتْ جُنُوده قَالَت هَكَذَا سَمِعت رَسُول الله ﷺ ينعَت
وَالْكَلَام على ضروب مِنْهَا مَا يخلص للآخرة ويصفو فَذَاك مَنْدُوب إِلَيْهِ مَوْعُود عَلَيْهِ خير وَمِنْهَا مَا يخلص للدنيا وَلَا نصيب للآخرة فِيهِ فَذَلِك مزجور عَنهُ مَوْعُود عَلَيْهِ الوبال والعقوبة وَمِنْهَا مَا يتجارى النَّاس فِيمَا بَينهم فِي أَمر معاشهم مِمَّا لَا بُد مِنْهُ فِي الْأَخْذ والإعطاء فِي تصرفهم وأحوالهم فَذَاك مَأْذُون لَهُ فِيهِ والحساب من وَرَائه وَالنَّاس فِي أَمر دينهم على ضَرْبَيْنِ فَضرب مِنْهُم يعاملون الله تَعَالَى على الْوَظَائِف كعبيد الْغلَّة يؤدون الْغلَّة وَمَا بَقِي فَهُوَ لَهُم فقد خلى بَينهم وَبَين ذَلِك ثمَّ هم فِي تصرفهم وأحوالهم يدبرون لأَنْفُسِهِمْ ويهتمون لَهَا ويكدون ويسعون لنوائبهم وينفقون على أنفسهم وعيالهم مشاغيل الْقُلُوب والأبدان متعبون بذلك فهم على تَدْبِير أنفسهم يمضون وباختيارهم الْأُمُور يعْملُونَ وغموم ذَلِك متراكم على قُلُوبهم يَحْتَاجُونَ إِلَى توفير الْغلَّة على الْمولى وتدبير معاشهم وَمَرَمَّة أُمُور عِيَالهمْ فَهَكَذَا من يُعَامل الله تَعَالَى على هَذَا السَّبِيل عهد إِلَيْهِ ربه من اداء فَرَائِضه وَاجْتنَاب مَحَارمه فِي الْجَوَارِح السَّبع من جسده وَفِي مَاله ووعده على ذَلِك الْجنَّة وعَلى تضييعه أوعد النَّار قَالَ الله تَعَالَى أَوْفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون
فَهُوَ يقطع عمره بِهَذَا وَيَقْتَضِي مِنْهُ الثَّوَاب غَدا فَإِذا قدم على ربه حَاسبه وَحصل أُمُوره وَبلا سرائره فَإِذا وجده قد وفر حُقُوقه فِيمَا عهد إِلَيْهِ أعْتقهُ من رق الْعُبُودِيَّة وَمكن لَهُ فِي جواره مَا يكون لَهُ جَزَاء لسعيه ووفاء لكده فَهَؤُلَاءِ إِن نطقوا بِإِذْنِهِ ينطقون فَمَا صفا للآخرة فلرجاء ثَوَابه الَّذِي وعد وَمَا كَانَ للمعاش ومتصرف
стр. 557
الْأُمُور فِيمَا أذن لَهُم فِيهِ وقفُوا لِلْحسابِ فَذَاك عَلَيْهِ لَا لَهُ حَتَّى يتَخَلَّص مِنْهُ فَإِن تخلص مِنْهُ لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ فَنعم مَا يتَخَلَّص مَعَ أَنه لَا يَنْفَكّ مَعَ الْخَلَاص من حسرة موجعة للقلب مفجعة للنَّفس إِذْ يرى أَكثر عمره قد أهدره وأبطله فَإِن أهل الْغَفْلَة حظهم من أعمارهم يَوْم الْقِيَامَة السَّاعَات الَّتِي كَانُوا فِي أُمُور آخرتهم من أَعمال الْبر وَسَائِر ذَلِك هدر وَإِنَّمَا يثابون على أَعمال الْبر لأَنهم عملوها على ذكر الاخرة فَأَما مَا عملوها على الْعَادة والشهوة وحظ النَّفس فَلَا نِيَّة لَهُم وَلَا حسبَة فَهُوَ بطال غافل ينْكَشف لَهُ الغطاء يَوْم الْحَسْرَة والندامة قَالَ تَعَالَى وَأَنْذرهُمْ يَوْم الْحَسْرَة إِذْ قضي الْأَمر وهم فِي غَفلَة
فَهَؤُلَاءِ إِن نطقوا فَعَن علومهم وعقولهم ينطقون وَإِن صمتوا فَفِي أَحْوَالهم يتفكرون وإياهم يذكرُونَ وبدنياهم يشتغلون وَفِي منامهم وشهواتهم يرتاحون وَهَذَا صفة هَؤُلَاءِ المستورين المعروفين عِنْد الْعَامَّة بأعمال الْبر وبالعدالة وَالصَّلَاح والرئاسة وَالْعلم فَإِنَّهُم قد رَضوا من حظهم بِمَا نالوا من مرفق النَّفس والوصول إِلَى النهمة وَرَضوا من دينهم بِهَذِهِ الْأَعْمَال الَّتِي تستروا بهَا ليحمدوا عِنْد الْخلق بذلك وَلَا تلحظ قُلُوبهم إِلَى مَالك الْملك الَّذِي يراهم على هَذِه الصّفة حَتَّى يستحيوا مِنْهُ
وَأما الضَّرْب الآخر فهم يعاملون الله تَعَالَى على العبودة كعبيد الْخدمَة انتبهوا من رقدة الغافلين فدبروا لأَنْفُسِهِمْ أمرا علمُوا أَنه قد مضى التَّدْبِير من قبل خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وأثبته فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ فائتمنوه على أنفسهم وألقوا بِأَيْدِيهِم سلما وفوضوا أُمُورهم إِلَيْهِ وشغلهم جَلَاله وجماله وعظمته ومجده عَن أَن يتفرغوا لأَنْفُسِهِمْ فيفكروا ويدبروا لَهَا
стр. 558
أَو يهتموا لرزق أَو يهربوا من حكم أَو يتخيروا عَلَيْهِ فِي شَيْء من الْأَحْوَال عزا وذلا وفقرا وغنى وَصِحَّة وسقما ومحبوبا ومكروها وَقد وقفُوا بقلوبهم بَين يَدَيْهِ ناظرين إِلَى جَلَاله مبهوتين فِي جماله منفردين بوحدانيته مُتَعَلقين بكرمه ينتظرون رزقه ويراقبون تَدْبيره ويتوخون من الْأُمُور محابه وآذانهم مصيخة إِلَى دَعوته مَتى يدعونَ فيجيبون فَكَلَام هَؤُلَاءِ فِي الْمَنْدُوب إِلَيْهِ مِمَّا صفا للآخرة وَفِي الْمَأْذُون لَهُم مِمَّا يجارى بَين أهل المعاش فِي أَحْوَالهم قد صَارُوا شَيْئا وَاحِدًا لأَنهم لَهُ وَفِي خدمته وأموره فَإِن نطقوا فَعَنْهُ ينطقون وَإِن صمتوا فإياه يذكرُونَ وَبِه يشتغلون وَفِي نَجوَاهُ يرتاحون
وَقَوله ﷺ كَلَام ابْن آدم كُله عَلَيْهِ لَا لَهُ إِلَّا هَذِه الْخِصَال أَرَادَ بذلك الضَّرْب الأول وَأما الضَّرْب الثَّانِي فهم أَوْلِيَاء الله تَعَالَى وخاصة عبيده فهم أُمَنَاء الله تَعَالَى وخدمه فأعمالهم ومتقلبهم كلهَا لَهُ فَلَا تبعة عَلَيْهِم فِي ذَلِك
وَقَالَ ﷺ حِكَايَة عَن الله تَعَالَى إِذا أَحْبَبْت عَبدِي كنت سَمعه وبصره وَلسَانه فَبِي يسمع وَبِي يبصر وَبِي ينْطق وَبِي يعقل
فَإِذا كَانَ مِمَّن بِهِ ينْطق إِذا نطق فَكيف يكون عَلَيْهِ فِي ذَلِك تبعة
стр. 559
- الأَصْل الْمِائَة وَالْخَمْسُونَ
-
فِي أَن من غير الْحق من الْعلمَاء يمسخ وسر مَا يمسخون بِهِ
عَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تكون فِي أمتِي فزعة فَيصير النَّاس إِلَى عُلَمَائهمْ فَإِذا هم قردة وَخَنَازِير
فالمسخ تَغْيِير الْخلقَة وَإِنَّمَا حل بهم المسخ لأَنهم غيروا الْحق عَن جِهَته وحرفوا الْكَلَام عَن مَوْضِعه فمسخوا قُلُوب الْخلق وأعينهم عَن رُؤْيَة الْحق فمسخ الله تَعَالَى صورهم وَبدل خلقتهمْ كَمَا بدلُوا الْحق بَاطِلا فعلماء السوء على ضَرْبَيْنِ مِنْهُم مكب على حطام الدُّنْيَا لَا يمل من جمعه فتراه شهره ودهره يتقلب فِي ذَلِك كالخنزير على الْمَزَابِل يصير من عذرة إِلَى عذرة قد أَخذ بِقَلْبِه دُنْيَاهُ وألزمه خوف الْفقر وألهجه باتخاذه عدَّة للنوائب لَا يتفكر عَلَيْهِ تقلب أحوالها وَلَا يتَأَذَّى بِسوء رائحتها قد احتشمت من الْحَرَام ووسخت حلالها من تراكم الشَّهَوَات فأفعال هَذَا الضَّرْب واكبابه على هَذِه الْمَزَابِل كإكباب الْخَنَازِير فَإِذا حلت السخطة مسخوا هَؤُلَاءِ فِي صُورَة الْخَنَازِير إِن جوز المسخ فِي هَذِه الْأمة وَإِن لم يجوز ذَلِك فَيحمل على أَن مَعْنَاهُ معنى الْخَنَازِير وَالضَّرْب الثَّانِي هم أهل تصنع وتراء ومخادعة وتزين
стр. 560
للمخلوقين شحا على رئاستهم يتبعُون الشَّهَوَات ويلتقطون الرَّفْض ويخلون بِسوء السريرة ويخادعون الله بالحيل فِي أُمُورهم دينهم المداهنة وَسَاكن قُلُوبهم المنى وطمأنينتهم إِلَى الدُّنْيَا وركونهم إِلَى أَسبَابهَا رَضوا من هَذَا كُله بالْقَوْل دون الْفِعْل فَلَمَّا حلت السخطة مسخوا قردة فَإِن من شَأْن القردة المداهنة واللعب والبطالة وَمن شَأْن الْخِنْزِير الإكباب على الْمَزَابِل والعذرات
стр. 561
- الأَصْل الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَة
-
فِي ضروب الْبكاء وَهِي عشرَة
عَن جرير بن عبد الله ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنِّي قارىء عَلَيْكُم سُورَة الهاكم فَمن بَكَى فَلهُ الْجنَّة فَقَرَأَ فمنا من بَكَى وَمنا من لم يبك فَقَالَ الَّذين لم يبكوا قد جهدنا يَا رَسُول الله أَن نبكي فَلم نقدر عَلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي قَارِئهَا عَلَيْكُم الثَّانِيَة فَمن بَكَى فَلهُ الْجنَّة وَمن لم يقدر أَن يبكي فليتباك
الْبكاء على ضروب وينشأ من أَسبَاب مُخْتَلفَة
بكاء من فجعة النَّفس وَهُوَ بكاء مصائب النَّفس يهان وَيضْرب وَيظْلم فِي نَفسه وَمَاله فيبكي ويتولد مِنْهُ صداع الرَّأْس وَضعف الْبَصَر
وبكاء الخدعة وَهُوَ بكاء اللُّصُوص يَبْكُونَ وَالسَّرِقَة فِي أحضانهم لَا يفارقونها وتورث مِنْهُ الْقَسْوَة والمقت
وبكاء المباعدة وَهُوَ بكاء النِّسَاء وَهُوَ يُورث الفترة
стр. 562
وبكاء خوف الْوَعيد وَهُوَ بكاء من آمن بوعيد الله تَعَالَى فرق قلبه بفجعة النَّفس وَهُوَ يُوجب الْجنَّة ونزول الرَّحْمَة
وبكاء الْحزن وَهُوَ من المراقبة وَهُوَ أَن يعلم أَنه لَا يكون إِلَّا مَا شَاءَ الله تَعَالَى وَقد شخصت آماله نَحوه وَلَا يصل إِلَى ذَلِك فلفقد مَا يأمل تَأْخُذهُ الأحزان وَهَذَا الْبكاء يُورث نورا فِي الْقلب
وبكاء الْفَرح وَهُوَ لوجدان مَا يأمل وَيُورث الطُّمَأْنِينَة والثقة وَحسن الظَّن بِهِ
وبكاء الخشية فَمن الْعلم بِاللَّه وَوُجُود السَّبِيل إِلَى الْقرْبَة رق قلبه من الرَّحْمَة الَّتِي قرب قلبه مِنْهَا وَيُورث الْخُشُوع
وبكاء الشوق وَهُوَ يُورث الْقرْبَة
وبكاء الحنين إِذا تَحَنن الله تَعَالَى على عبد وَقسم لَهُ الْحَظ من اسْمه الحنان فرأفته مظلة عَلَيْهِ تكتنفه وتحوطه فتثير الْبكاء مِنْهُ من سابغ الرأفة وَهَذَا الْبكاء يُورث الدنو والعطف والشفقة
وبكاء القبضة وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ الدنو فَهُوَ الَّذِي أبكاه قَالَ الله تَعَالَى وانه هُوَ أضْحك وأبكى
وَرَأى ابْن عَبَّاس ﵄ رجلا يضْحك فِي جَنَازَة فَقَالَ هُوَ أضْحك وأبكى
قَالَ ﷺ فِيمَا يذكر عَن ربه تَعَالَى أَنه قَالَ لمُوسَى ﵇ أما البكاءون من خَشْيَتِي فَلهم الرفيق الْأَعْلَى لَا يشركهم فِيهِ أحد
وَقَالَ خَالِد بن معدان ﵁ مَا بَكَى عبد من خشيَة
стр. 563
الله تَعَالَى إِلَّا خَشَعت لذَلِك جوراحه وَكَانَ مَكْتُوبًا فِي الْمَلأ الْأَعْلَى باسمه فلَان بن فلَان منور قلبه بِذكر الله تَعَالَى
وَعَن مَالك بن دِينَار رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول الباكي من خشيَة الله تَعَالَى تهتز لَهُ الْبِقَاع الَّتِي يبكي عِنْدهَا وتغمره الرَّحْمَة مَا دَامَ باكيا
وَقَالَ عمر بن ذَر رَحمَه الله تَعَالَى إِن الْبكاء من خشيَة الله يُبدل بِكُل قَطْرَة أَو دمعة تخرج من عَيْنَيْهِ أَمْثَال الْجبَال من النُّور فِي قلبه وَيُزَاد فِي قوته من الْعَمَل ويطفىء بِتِلْكَ المدامع بحورا من النَّار
وَعَن مفضل بن مهلل قَالَ أَن العَبْد إِذا بكي من خشيَة الله تَعَالَى ملئت جوارحه نورا وإستبشرت ببكائه وتداعت بَعْضهَا بَعْضًا من هَذَا النُّور فَيُقَال هَذَا غشيكم من نورالبكاء
وَقَالَ فرقد السبخى رَحمَه الله تَعَالَى قَرَأت فِي بعض الْكتب أَن العَبْد إِذا بَكَى من خشيَة الله تَعَالَى تحاتت عَنهُ ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه وَلَو أَن عبدا جَاءَ بجبال الأَرْض ذنوبا وآثاما لوسعته الرَّحْمَة إِذا بَكَى وَإِذا بَكَى على الْجنَّة تشفع لَهُ الْجنَّة تَقول يَا رب أدخلهُ عَليّ كَمَا بَكَى عَليّ وَإِذا بَكَى خوفًا من النَّار فَالنَّار تستجير لَهُ من ربه تَقول يَا رب أجره مني وبكي خوفًا من دخولي
وَعَن كَعْب ﵁ قَالَ من بَكَى خوفًا لله تَعَالَى من ذَنْب غفر لَهُ ذَلِك الذَّنب وَمن بَكَى اشتياقا إِلَى الله تَعَالَى أَبَاحَهُ الله تَعَالَى النّظر إِلَيْهِ مَتى شَاءَ
стр. 564
وَقَالَ الله تَعَالَى فِي بكاء الْحزن توَلّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أَلا يَجدوا مَا يُنْفقُونَ
وَقَالَ فِي بكاء الْفَرح وَإِذا سمعُوا مَا أنزل إِلَى الرَّسُول ترى أَعينهم تفيض من الدمع مِمَّا عرفُوا من الْحق
وَبكى ﷺ على ابْنه إِبْرَاهِيم فَقيل أَتَبْكِي يَا رَسُول الله قَالَ إِنَّمَا هَذِه رَحْمَة وَمن لَا يرحم لَا يرحم
وَأما حَدِيث جرير ﵁ فقد خَاطب ﷺ الْعَامَّة والمياسير وَقَرَأَ عَلَيْهِم التكاثر وَالسُّؤَال عَن النَّعيم وَفِيه وَعِيد على أثر وَعِيد فخوف الْوَعيد أبكاهم فَقَالَ من بَكَى فَلهُ الْجنَّة قَالَ تَعَالَى ذَلِك لمن خَافَ مقَامي وَخَافَ وَعِيد
وَقَوله ﷺ فليتباك أَي يتَمَثَّل لرَبه فِي صُورَة الْبكاء حَتَّى يلْحقهُ بهم فِي الثَّوَاب
وَأما بكاء السَّابِقين وبكاؤهم بكاء أهل الخشية والمشتاقين والمحزونين وبكاء من أبكى الله تَعَالَى وأضحكه وَهُوَ إِذا نظر إِلَى جَلَاله أبكاه وَإِذا نظر إِلَى جماله أضحكه وَمن وَرَاء هَذِه منزلَة أُخْرَى أشرف من هَذِه وَهُوَ بكاء الدنو فَتلك غَمَرَات الْقلب صَاحب هَذَا قلبه مُنْفَرد فِي وحدانيته فَإِذا أدناه أبكاه للرقة الَّتِي تحل بِهِ فَإِذا رَجَعَ إِلَى مرتبته هابه فقلص دمعه وانتشفت الهيبة رقته فيبس فَإِذا أدناه رق فَبكى فالدنو مِنْهُ بر لعَبْدِهِ فالبر يرقه ويبكيه قَالَ هَارُون
стр. 565
ابْن أبي زِيَاد ﵀ إِن الْبكاء مَثَاقِيل لَو وزن بالمثقال الْوَاحِد مثل الْجبَال لرجح بِهِ الْبكاء وَإِن الدمعة لتخدر فتطفىء البحور من النَّار وَمَا بَكَى عبد لله مخلصا فِي مَلأ من الْمَلأ إِلَّا غفر لَهُم جَمِيعًا ببركة بكائه
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَو أَن عبدا بَكَى فِي أمة من الْأُمَم لأنجى الله تِلْكَ الْأمة من النَّار ببكاء ذَلِك العَبْد وَمَا من عمل إِلَّا لَهُ وزن وثواب إِلَّا الدمعة فَإِنَّهَا تطفىء بحورا من النَّار وَمَا اغرورقت عين بِمَائِهَا من خشيَة الله إِلَّا وَحرم الله جَسدهَا على النَّار وَإِن فاضت على خَدّه لم يرهق وَجهه قتر وَلَا ذلة
следующие страницы →