Полный текст (1 237 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
- الأَصْل الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَة
-
فِي ضروب الْبكاء وَهِي عشرَة
عَن جرير بن عبد الله ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنِّي قارىء عَلَيْكُم سُورَة الهاكم فَمن بَكَى فَلهُ الْجنَّة فَقَرَأَ فمنا من بَكَى وَمنا من لم يبك فَقَالَ الَّذين لم يبكوا قد جهدنا يَا رَسُول الله أَن نبكي فَلم نقدر عَلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي قَارِئهَا عَلَيْكُم الثَّانِيَة فَمن بَكَى فَلهُ الْجنَّة وَمن لم يقدر أَن يبكي فليتباك
الْبكاء على ضروب وينشأ من أَسبَاب مُخْتَلفَة
بكاء من فجعة النَّفس وَهُوَ بكاء مصائب النَّفس يهان وَيضْرب وَيظْلم فِي نَفسه وَمَاله فيبكي ويتولد مِنْهُ صداع الرَّأْس وَضعف الْبَصَر
وبكاء الخدعة وَهُوَ بكاء اللُّصُوص يَبْكُونَ وَالسَّرِقَة فِي أحضانهم لَا يفارقونها وتورث مِنْهُ الْقَسْوَة والمقت
وبكاء المباعدة وَهُوَ بكاء النِّسَاء وَهُوَ يُورث الفترة
стр. 562
وبكاء خوف الْوَعيد وَهُوَ بكاء من آمن بوعيد الله تَعَالَى فرق قلبه بفجعة النَّفس وَهُوَ يُوجب الْجنَّة ونزول الرَّحْمَة
وبكاء الْحزن وَهُوَ من المراقبة وَهُوَ أَن يعلم أَنه لَا يكون إِلَّا مَا شَاءَ الله تَعَالَى وَقد شخصت آماله نَحوه وَلَا يصل إِلَى ذَلِك فلفقد مَا يأمل تَأْخُذهُ الأحزان وَهَذَا الْبكاء يُورث نورا فِي الْقلب
وبكاء الْفَرح وَهُوَ لوجدان مَا يأمل وَيُورث الطُّمَأْنِينَة والثقة وَحسن الظَّن بِهِ
وبكاء الخشية فَمن الْعلم بِاللَّه وَوُجُود السَّبِيل إِلَى الْقرْبَة رق قلبه من الرَّحْمَة الَّتِي قرب قلبه مِنْهَا وَيُورث الْخُشُوع
وبكاء الشوق وَهُوَ يُورث الْقرْبَة
وبكاء الحنين إِذا تَحَنن الله تَعَالَى على عبد وَقسم لَهُ الْحَظ من اسْمه الحنان فرأفته مظلة عَلَيْهِ تكتنفه وتحوطه فتثير الْبكاء مِنْهُ من سابغ الرأفة وَهَذَا الْبكاء يُورث الدنو والعطف والشفقة
وبكاء القبضة وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ الدنو فَهُوَ الَّذِي أبكاه قَالَ الله تَعَالَى وانه هُوَ أضْحك وأبكى
وَرَأى ابْن عَبَّاس ﵄ رجلا يضْحك فِي جَنَازَة فَقَالَ هُوَ أضْحك وأبكى
قَالَ ﷺ فِيمَا يذكر عَن ربه تَعَالَى أَنه قَالَ لمُوسَى ﵇ أما البكاءون من خَشْيَتِي فَلهم الرفيق الْأَعْلَى لَا يشركهم فِيهِ أحد
وَقَالَ خَالِد بن معدان ﵁ مَا بَكَى عبد من خشيَة
стр. 563
الله تَعَالَى إِلَّا خَشَعت لذَلِك جوراحه وَكَانَ مَكْتُوبًا فِي الْمَلأ الْأَعْلَى باسمه فلَان بن فلَان منور قلبه بِذكر الله تَعَالَى
وَعَن مَالك بن دِينَار رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول الباكي من خشيَة الله تَعَالَى تهتز لَهُ الْبِقَاع الَّتِي يبكي عِنْدهَا وتغمره الرَّحْمَة مَا دَامَ باكيا
وَقَالَ عمر بن ذَر رَحمَه الله تَعَالَى إِن الْبكاء من خشيَة الله يُبدل بِكُل قَطْرَة أَو دمعة تخرج من عَيْنَيْهِ أَمْثَال الْجبَال من النُّور فِي قلبه وَيُزَاد فِي قوته من الْعَمَل ويطفىء بِتِلْكَ المدامع بحورا من النَّار
وَعَن مفضل بن مهلل قَالَ أَن العَبْد إِذا بكي من خشيَة الله تَعَالَى ملئت جوارحه نورا وإستبشرت ببكائه وتداعت بَعْضهَا بَعْضًا من هَذَا النُّور فَيُقَال هَذَا غشيكم من نورالبكاء
وَقَالَ فرقد السبخى رَحمَه الله تَعَالَى قَرَأت فِي بعض الْكتب أَن العَبْد إِذا بَكَى من خشيَة الله تَعَالَى تحاتت عَنهُ ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه وَلَو أَن عبدا جَاءَ بجبال الأَرْض ذنوبا وآثاما لوسعته الرَّحْمَة إِذا بَكَى وَإِذا بَكَى على الْجنَّة تشفع لَهُ الْجنَّة تَقول يَا رب أدخلهُ عَليّ كَمَا بَكَى عَليّ وَإِذا بَكَى خوفًا من النَّار فَالنَّار تستجير لَهُ من ربه تَقول يَا رب أجره مني وبكي خوفًا من دخولي
وَعَن كَعْب ﵁ قَالَ من بَكَى خوفًا لله تَعَالَى من ذَنْب غفر لَهُ ذَلِك الذَّنب وَمن بَكَى اشتياقا إِلَى الله تَعَالَى أَبَاحَهُ الله تَعَالَى النّظر إِلَيْهِ مَتى شَاءَ
стр. 564
وَقَالَ الله تَعَالَى فِي بكاء الْحزن توَلّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أَلا يَجدوا مَا يُنْفقُونَ
وَقَالَ فِي بكاء الْفَرح وَإِذا سمعُوا مَا أنزل إِلَى الرَّسُول ترى أَعينهم تفيض من الدمع مِمَّا عرفُوا من الْحق
وَبكى ﷺ على ابْنه إِبْرَاهِيم فَقيل أَتَبْكِي يَا رَسُول الله قَالَ إِنَّمَا هَذِه رَحْمَة وَمن لَا يرحم لَا يرحم
وَأما حَدِيث جرير ﵁ فقد خَاطب ﷺ الْعَامَّة والمياسير وَقَرَأَ عَلَيْهِم التكاثر وَالسُّؤَال عَن النَّعيم وَفِيه وَعِيد على أثر وَعِيد فخوف الْوَعيد أبكاهم فَقَالَ من بَكَى فَلهُ الْجنَّة قَالَ تَعَالَى ذَلِك لمن خَافَ مقَامي وَخَافَ وَعِيد
وَقَوله ﷺ فليتباك أَي يتَمَثَّل لرَبه فِي صُورَة الْبكاء حَتَّى يلْحقهُ بهم فِي الثَّوَاب
وَأما بكاء السَّابِقين وبكاؤهم بكاء أهل الخشية والمشتاقين والمحزونين وبكاء من أبكى الله تَعَالَى وأضحكه وَهُوَ إِذا نظر إِلَى جَلَاله أبكاه وَإِذا نظر إِلَى جماله أضحكه وَمن وَرَاء هَذِه منزلَة أُخْرَى أشرف من هَذِه وَهُوَ بكاء الدنو فَتلك غَمَرَات الْقلب صَاحب هَذَا قلبه مُنْفَرد فِي وحدانيته فَإِذا أدناه أبكاه للرقة الَّتِي تحل بِهِ فَإِذا رَجَعَ إِلَى مرتبته هابه فقلص دمعه وانتشفت الهيبة رقته فيبس فَإِذا أدناه رق فَبكى فالدنو مِنْهُ بر لعَبْدِهِ فالبر يرقه ويبكيه قَالَ هَارُون
стр. 565
ابْن أبي زِيَاد ﵀ إِن الْبكاء مَثَاقِيل لَو وزن بالمثقال الْوَاحِد مثل الْجبَال لرجح بِهِ الْبكاء وَإِن الدمعة لتخدر فتطفىء البحور من النَّار وَمَا بَكَى عبد لله مخلصا فِي مَلأ من الْمَلأ إِلَّا غفر لَهُم جَمِيعًا ببركة بكائه
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَو أَن عبدا بَكَى فِي أمة من الْأُمَم لأنجى الله تِلْكَ الْأمة من النَّار ببكاء ذَلِك العَبْد وَمَا من عمل إِلَّا لَهُ وزن وثواب إِلَّا الدمعة فَإِنَّهَا تطفىء بحورا من النَّار وَمَا اغرورقت عين بِمَائِهَا من خشيَة الله إِلَّا وَحرم الله جَسدهَا على النَّار وَإِن فاضت على خَدّه لم يرهق وَجهه قتر وَلَا ذلة
стр. 566
- الأَصْل الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَة
-
فِي أَن الشُّكْر اعْتِرَاف وَالصَّبْر بِالتَّسْلِيمِ
عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من نعْمَة وَإِن تقادم عهدها فيجددها العَبْد بِالْحَمْد إِلَّا جدد الله تَعَالَى لَهُ ثَوابًا وَمَا من مُصِيبَة وَإِن تقادم عهدها فيجدد لَهَا العَبْد الاسترجاع إِلَّا جدد الله لَهُ ثَوَابهَا وأجرها وَالشُّكْر على النِّعْمَة يُخَفف أثقالها وَالصَّبْر على الشدَّة يحرز لَك ثَمَرَتهَا
وَالشُّكْر معرفتك بِأَن هَذَا مِنْهُ فاداء فَرَائِضه وَحفظ الْجَوَارِح عَن مساخطه والتكلم بِالْحَمْد لله إتْمَام الشُّكْر فَإِنَّهُ اعْتِرَاف بِأَن هَذِه النِّعْمَة مِنْهُ وَالصَّبْر على الْمُصِيبَة والثبات على حفظ الْجَوَارِح لِئَلَّا تعصى والتكلم بالاسترجاع اعْتِرَاف بِالتَّسْلِيمِ لَهُ وكما أَن الْإِيمَان هُوَ الْمعرفَة لله تَعَالَى بوحدانيته والطمأنينة بِهِ وَالتَّسْلِيم لَهُ قلبا والتكلم بِلَا إِلَه إِلَّا الله إعتراف بذلك وبحقيقة الْعَمَل بِهِ ثمَّ العَبْد مَأْمُور بتجديد الْإِيمَان بِهَذِهِ الْكَلِمَة
стр. 567
قَالَ جددوا إيمَانكُمْ بِلَا إِلَه إِلَّا الله
فَإِذا كَانَ إيمَانه يَتَجَدَّد بِهَذِهِ الْكَلِمَة فَكَذَلِك حَمده واسترجاعه يَتَجَدَّد وَهَذَا لِأَن العَبْد يتَكَلَّم بِلَا إِلَه إِلَّا الله ثمَّ يدنسها ويكدرها بِسوء أَفعاله لِأَن من شَرط الْمُؤمنِينَ فِي هَذِه الْكَلِمَة أَن لَا يكون لقُلُوبِهِمْ وَله فِي شَيْء إِلَّا إِلَى الله وَأَنه لَا إِلَه غَيره
فَإِذا نابتهم النوائب وَظَهَرت الْحَوَائِج ولهت قُلُوبهم إِلَى المخلوقين فقد دنسوا هَذِه الْكَلِمَة وأخلقوها فَأمروا بالتجديد والاستقبال بالتكلم بهَا وَكَانَ من شَأْن الصّديق ﵁ أَن يَقُول كَانَ كَذَا وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَفعلت كَذَا وَلَا إِلَه إِلَّا الله
وَهَذَا تَفْسِير قَول معَاذ ﵁ تعال نؤمن سَاعَة أَي نذكرهُ ذكرا يجمع قُلُوبنَا عِنْده وَيكون الوله إِلَيْهِ فَكَذَلِك الْحَمد والاسترجاع يدنسان ويخلقان بضدهما من الْأَفْعَال الَّتِي تظهر من العَبْد فيجددان ذَلِك فَيكْتب لَهُ ثَوَابهَا يَوْمئِذٍ لِأَنَّهُ جددها بالْقَوْل قَالَ ﷺ الْحَمد لله رَأس الشُّكْر مَا شكر الله عبد لَا يحمده
стр. 568
- الأَصْل الثَّالِث وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَة
-
فِي حَقِيقَة الاسْتِغْفَار
عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن اسْتَطَعْتُم أَن تَسْتَكْثِرُوا من الاسْتِغْفَار فافعلوا فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْء أنجح عِنْد الله تَعَالَى وَلَا أحب إِلَيْهِ مِنْهُ
وَالِاسْتِغْفَار سُؤال العَبْد من الله تَعَالَى السّتْر والغفر الغطاء وَهَذَا لِأَن الله تَعَالَى اجتبى عَبده وَاخْتَارَهُ للْإيمَان وَجعل نوره فِي قلبه فهداه لنوره وأحياه بِهِ وَجعل للنور الْأَعْظَم الَّذِي فِي قلبه سترا من نور وقاية ولباسا لَهُ وحجب ذَلِك عَن أعين الثقلَيْن فَهَذَا النُّور الظَّاهِر هُوَ كسْوَة النُّور الْبَاطِن قَالَ تَعَالَى يَا بني آدم قد أنزلنَا عَلَيْكُم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التَّقْوَى ذَلِك خير
وَالْمُؤمن فِي بهاء هَذَا السّتْر يمشي على أرضه والخليقة ينظرُونَ إِلَيْهِ بِعَين الْجلَال والشرف فَإِذا هم بالمعصية وعزم عَلَيْهَا تجافى عَنهُ
стр. 569
السّتْر فَإِذا عَملهَا تبَاعد عَنهُ وَبَقِي العَبْد عَارِيا من الْبَهَاء والجلال والشرف فَإِن أصر لم يَزْدَدْ إِلَّا ضعة ودنسا وَلم يَزْدَدْ السّتْر إِلَّا بعدا ونزاهة عَنهُ فَإِذا نَدم رَجَعَ إِلَيْهِ بِقَلْبِه فمدن هُنَاكَ أَي أَقَامَ واقامة عزمه أَن لَا يبرح عَن مقَام الطَّاعَة فَإِذا سَأَلَ الْمَغْفِرَة قَالَ استغفرك أَي أَسأَلك أَن ترد عَليّ السّتْر فَيصير فِي ذَلِك النُّور مَسْتُورا وبدو ذَلِك من آدم ﵇ كَانَ لِبَاسه ستره وَهُوَ النُّور فَلَمَّا عصى انْكَشَفَ النُّور وعري فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿ينْزع عَنْهُمَا لباسهما ليريهما سوآتهما﴾ وَقَوله تَعَالَى فوسوس لَهما الشَّيْطَان ليبدي لَهما مَا ووري عَنْهُمَا من سوآتهما
قَالَ جعل على عَورَة كل وَاحِد مِنْهُمَا نور فَلَا يرى وَاحِد مِنْهُمَا عَورَة الآخر وَقد جعل الله تَعَالَى لهَذِهِ الْجَارِحَة من الْآدَمِيّ شَأْنًا عجيبا لِأَنَّهُ أَدَاة الذُّرِّيَّة فِي صلبه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة والصلب بَاب الذُّرِّيَّة والفرج أَدَاة الشَّهْوَة وَلِهَذَا سَأَلَ دَاوُد سُلَيْمَان ﵉ عَن كَلِمَات أَن من اخبره بهَا وَرثهُ الْعلم والنبوة فَمن جملَته قَالَ لَهُ أَيْن بَاب الشَّهْوَة مِنْك قَالَ الْفرج فَقَالَ أَي بَاب الذُّرِّيَّة مِنْك قَالَ الصلب
وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ قَالَ أول مَا خلق الله تَعَالَى من الْإِنْسَان فرجه فَقَالَ هَذَا أَمَانَة خبأتها عنْدك فَلَا تبسل مِنْهَا شَيْئا إِلَّا بِحَقِّهَا
وَقد خلق الله تَعَالَى آدم ليذرأ من صلبه هَذَا الْخلق فَجعل مُبْتَدأ خلقه من الْموضع الَّذِي يذرأ مِنْهُ الْخلق ثمَّ جعل الْحَيَاة فِي الْقلب وَجعل هَذِه الآداة ركنا من أَرْكَان الْقلب وَمِنْه ينشىء الرّيح فيقويه ليقدر على اسْتِعْمَاله فبروح الشَّهْوَة يقوى وَيقدر على الِاسْتِعْمَال وخبأها
стр. 570
عِنْده وَجعلهَا أَمَانَة لِئَلَّا يستعملها إِلَّا فِيمَا خلقت لَهُ ثمَّ خلقت مِنْهُ حَوَّاء وَستر عَلَيْهَا ذَلِك مِنْهَا فَلم ينْكَشف السّتْر عَنْهُمَا حَتَّى عصيا فعريا
قَالَ وهب ﵁ الْإِيمَان عُرْيَان فلباسه التَّقْوَى وزينته الْحيَاء وَمَاله الْفِقْه فالمؤمن بَين الْخلق فِي ذَلِك اللبَاس يوقر ويعظم ويبجل ويهاب وَلَيْسَ يرى من تقواه إِنَّمَا يرى عَلَيْهِ طلاوة اللبَاس وزهرته ولبق حركاته وتصرفه فِي الْأُمُور وَعَلِيهِ مهابة ذَلِك اللبَاس
وَعَن جُبَير بن نفير ﵁ قَالَ صلى رَسُول الله ﷺ يَوْمًا بِالنَّاسِ صَلَاة الصُّبْح فَلَمَّا فرغ أقبل بِوَجْهِهِ على النَّاس رَافعا صَوته حَتَّى كَاد يسمع من فِي الْخُدُور وَهُوَ يَقُول يَا معشر الَّذين أَسْلمُوا بألسنتهم وَلم يدْخل الْإِيمَان فِي قُلُوبهم لَا تُؤْذُوا الْمُسلمين وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تتبعوا عثراتهم فَإِنَّهُ من يتبع عَثْرَة أَخِيه الْمُسلم يتبع الله عثرته وَمن يتبع الله عثرته يَفْضَحهُ وَهُوَ فِي قَعْر بَيته
فَقَالَ قَائِل يَا رَسُول الله وَهل على الْمُؤمن من ستر
فَقَالَ ستور الله تَعَالَى أَكثر من أَن تحصى إِن الْمُؤمن ليعْمَل بِالذنُوبِ فيهتك عَنهُ سترا سترا حَتَّى لَا يبْقى مِنْهُ شَيْء فَيَقُول الله تَعَالَى لملائكته استروا على عَبدِي من النَّاس فَإِن النَّاس يعيرون وَلَا يغيرون فتحف بِهِ الْمَلَائِكَة بأجنحتها يسترونه من النَّاس قَالَ فَإِن تَابَ قبل الله مِنْهُ ورد عَلَيْهِ ستوره وَمَعَ كل ستر تِسْعَة أَسْتَار فَإِن تتَابع فِي الذُّنُوب قَالَت الْمَلَائِكَة رَبنَا قد غلبنا وأقذرنا فَيَقُول الله للْمَلَائكَة إستروا على عَبدِي من النَّاس فَإِن النَّاس يعيرون وَلَا يغيرون فتحف بِهِ الْمَلَائِكَة بأجنحتها يسترونه من النَّاس فَإِن تَابَ قبل الله تَعَالَى مِنْهُ فَإِن عَاد قَالَت الْمَلَائِكَة رَبنَا إِنَّه قد غلبنا وأقذرنا فَيَقُول الله
стр. 571
تَعَالَى للْمَلَائكَة تخلوا عَنهُ فَلَو عمل ذَنبا فِي بَيت مظلم فِي لَيْلَة مظْلمَة فِي حجر أبدى الله عَنهُ وَعَن عَوْرَته
وَقَالَ سلمَان الْفَارِسِي ﵁ إِن الْمُؤمن فِي سبعين حِجَابا من نور فَإِذا عمل خَطِيئَة بعد الْكَبَائِر ثمَّ تناساها حَتَّى يعْمل أُخْرَى يهتك مِنْهَا حجاب من تِلْكَ الْحجب وَلَا يزَال كَذَلِك فَإِذا عمل كَبِيرَة من الْكَبَائِر تهتك عَنهُ تِلْكَ الْحجب كلهَا إِلَّا حجاب الْحيَاء وَهُوَ أعظمها حِجَابا فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ ورد تِلْكَ الْحجب كلهَا فَإِن عمل خَطِيئَة بعد الْكَبَائِر ثمَّ تناساها حَتَّى يعْمل أُخْرَى قبل أَن يَتُوب يهتك عَنهُ حجاب الْحيَاء فَالْعَبْد لَا يزَال فِي عيب يحدثه وَستر يَزُول عَنهُ والستر الْأَعْظَم قَائِم فَإِذا أذْنب كَبِيرَة عري
فَقَوله ﷺ لَيْسَ شَيْء عِنْد الله أنجح من الاسْتِغْفَار لِأَنَّهُ ستر نوره وَلِهَذَا قَالَ ﷺ لله أفرح بتوبة العَبْد من رجل وجد ضالته فِي مفازة مهلكة عَلَيْهَا طَعَامه وَشَرَابه وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ دخلت على رَسُول الله ﷺ فرآني حَزينًا فَقَالَ مَا لي أَرَاك حَزينًا يَا أَبَا هُرَيْرَة فَقلت كَانَ بيني وَبَين أهل بَيْتِي شَيْء فعجلت إِلَيْهِم فَقَالَ أَيْن أَنْت ثكلتك أمك عَن الاسْتِغْفَار فوالذي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ إِنِّي لأستغفر فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة مِائَتي مرّة فَأكْثر من الاسْتِغْفَار فان فِي الأَرْض أمانين يُوشك أَن تفقدوا أَحدهمَا عَن قريب وَهُوَ موت نَبِيكُم قَالَ الله تَعَالَى وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ
стр. 572
فَإِنَّهُ يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة محدقا بأعمال الْخَلَائق لَهُ زئير حول الْعَرْش يَقُول إلهي حَقي حَقي فَيُجِيبهُ الْجَبَّار ﷻ فَيَقُول خُذ حَقك فَمَا يتْرك من سيئات بني آدم إِلَّا اجتحفها بِالْجُمْلَةِ
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ ﷺ من أدمن الاسْتِغْفَار جعل الله لَهُ من كل هم فرجا وَمن كل ضيق مخرجا ورزقه من حَيْثُ لَا يحْتَسب
أَشَارَ إِلَى الإدمان إِلَى الاسْتِغْفَار لِأَن الْآدَمِيّ لَا يَخْلُو من ذَنْب أَو عيب سَاعَة فساعة
وَلذَلِك ﷺ قَالَ خياركم كل مفتن تواب
فَإِن أدمن على الاسْتِغْفَار خرج من الْعُيُوب والذنُوب وَدخل فِي السّتْر الْأَعْظَم وعادت عَلَيْهِ الستور فالإدمان عَلَيْهِ يحط الذُّنُوب قَالَ الله تَعَالَى وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ
فَإِذا كَانَ العَبْد متيقظا مشرفا على أُمُوره فَكلما أعيب وأذنب أتبعهما اسْتِغْفَارًا لم يبْق فِي وبالهما وعذابهما
وَإِذا كَانَت مِنْهُ الْعُيُوب والذنُوب وَلها عَن الاسْتِغْفَار تراكمت الذُّنُوب والعيوب فَجَاءَت الهموم والضيق والعسر والكد وَالنّصب فِي الدُّنْيَا
стр. 573
وَفِي الْآخِرَة عَذَاب وَإِذا اسْتغْفر خرج من الْعَيْب والذنب فَصَارَ لَهُ من الهموم فرجا وَمن الضّيق مخرجا وأسبغ عَلَيْهِ الرزق وَهُوَ قَوْله تَعَالَى وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب
وَالتَّقوى اجْتِنَاب الْعَيْب والذنب فَإِذا وَقع فِيهِ لَا يسْتَقرّ حَتَّى يَتُوب
وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ ﷺ مَا من رجلَيْنِ مُسلمين إِلَّا بَينهمَا ستر فَإِذا قَالَ أَحدهمَا لصَاحبه هجرا هتك سترالله تَعَالَى
وَقَوله لَا شَيْء أنجح عِنْد الله وَلَا أحب إِلَيْهِ من الاسْتِغْفَار فأقرب الْأَشْيَاء من الشَّيْء كسوته ووقايته ولعظم قدر الشَّيْء يَجْعَل لَهُ وقاية وَكِسْوَة وسترا وكل شَيْء لَهُ نفاسة وخطر جعل فِي ستر فَهُوَ مَحْظُور وَعَن الْجَمِيع مَسْتُور فَإِذا أذْنب العَبْد تبَاعد عَنهُ السّتْر لنفاسته ونزاهته فَإِذا نَدم فالندم وَالتَّوْبَة بدؤهما من النُّور الَّذِي فِي قلبه هُوَ الَّذِي يندمه ويقتضيه الرُّجُوع إِلَى الله تَعَالَى ويهديه لذَلِك فَلَمَّا أُتِي بِهِ وَسَأَلَ السّتْر فَإِنَّمَا يسْأَل بِالنورِ الَّذِي فِي قلبه فَيُحِبهُ لحُرْمَة ذَلِك النُّور قَالَ تَعَالَى إِن الله يحب التوابين وَيُحب المتطهرين
فالتوابون هم الَّذِي رجعُوا إِلَى الله تَعَالَى وَتطَهرُوا بِقُرْبِهِ من نَجَاسَة الذُّنُوب ورجاسة الْعُيُوب
قَالَ ﷺ إِذا تَابَ العَبْد فَقبل الله تَوْبَته أنسى الْحفظَة مَا كَانَ يعْمل وَقيل للْأَرْض ولجوارحه اكْتُمِي عَلَيْهِ فَلَا تظهري مساوئه أبدا
стр. 574
وَهَكَذَا من شَأْن الْخلق إِذا أحب أحدهم آخر واستقبله فِي طَرِيق وَهُوَ سَكرَان الْتفت يمنة ويسرة هَل رَآهُ أحد على تِلْكَ الْحَالة ثمَّ ستره وَأدْخلهُ منزلا وأنامه إشقافا عَلَيْهِ وَكَرَاهَة أَن يرَاهُ على تِلْكَ الْحَالة أحد وَإِذا اسْتغْفر العَبْد غفر الله لَهُ قَالَ تَعَالَى ﴿فَقلت اسْتَغْفرُوا ربكُم إِنَّه كَانَ غفارًا﴾
وَقَالَ ﷺ أَربع من أعطيهن لم يمْنَع من الله من أَربع من أعطي الدُّعَاء لم يمْنَع الْإِجَابَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾
وَمن أعطي الاسْتِغْفَار لم يمْنَع الْمَغْفِرَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿اسْتَغْفرُوا ربكُم إِنَّه كَانَ غفارًا﴾ وَمن أعْطى الشُّكْر لم يمْنَع الزِّيَادَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَئِن شكرتم لأزيدنكم﴾
وَمن أعطي التَّوْبَة لم يمْنَع الْقبُول فَإِنَّهُ قَالَ وَهُوَ الَّذِي يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَعْفُو عَن السَّيِّئَات
وَهَذِه كلهَا على الْحَقَائِق لَا على التجويز فحقيقة الاسْتِغْفَار أَن يرى العَبْد عِنْد الذَّنب خُرُوجه من ستر ربه وتعريه فَيَأْخذهُ الْحيَاء كَمَا يستحي إِذا سلب عَنهُ ثَوْبه فِي مَلأ عَظِيم فيعرى فِي ذَلِك الْمَلأ فينقبض من الْحيَاء
وَحَقِيقَة الشُّكْر أَن يرى النِّعْمَة مِنْهُ رُؤْيَة الْقلب خلقه وتربيته وسياقته
стр. 575
وإيصاله إِلَيْهِ فَيَأْخذهُ من أثقال ذَلِك من الخجل مَا يَأْخُذهُ مِمَّن أهدي إِلَيْهِ نعما كَثِيرَة كرات ومرات ودفعات
وَحَقِيقَة التَّوْبَة أَن يرى إباقه من مَوْلَاهُ فَيرجع إِلَيْهِ بندم واعتذار ووجل وحياء فيعزم على التوطن عِنْده بَين يَدَيْهِ أَشد من عزم من أبق من الْآدَمِيّ وَقد أحسن إِلَيْهِ كل الْإِحْسَان ومناه الْعتْق وَالْبر واللطف فَلَمَّا عَاد إِلَيْهِ تأسف على نَفسه تلظيا من فعله وَثقل عَلَيْهِ أَن يتَرَاءَى لَهُ من شدَّة مَا يعلوه من الْحيَاء فَهُوَ يتستر مِنْهُ بِكُل شَيْء ويتوطن أَن لَا يُفَارِقهُ إِلَى الْمَمَات
وَحَقِيقَة الدُّعَاء أَن يسْأَله سُؤال من احضر قلبه كَمَا أحضر بدنه بتضرع وسؤال مُضْطَر فَقير وجد إِذن دُخُول على ملك عطوف رَحِيم
فَإِذا عَامل العَبْد مَعَ الله فِي هَذِه الْخِصَال الْأَرْبَع على غير مَا وَصفنَا فَيُشبه ذَلِك فعل السَّكْرَان والنائم
وقولهما وَلَا يعبأ عِنْد الْعُقَلَاء بفعلهما وَلَا قَوْلهمَا فالمخلط سَكرَان والمستقيم وَهُوَ الْوَرع نَائِم وَإِنَّمَا يفوز بِهَذِهِ الخطة الْعَظِيمَة المتنبهون عَن الله تَعَالَى مزق شعل أنوار الله حجب قُلُوبهم ثمَّ أحرقها فانحسر الْقلب لأمر عَظِيم فَصَارَت هَذِه الْأَرْبَع كلهَا عطاياه فاعطي الاسْتِغْفَار وَالتَّوْبَة وَالشُّكْر وَالدُّعَاء
فاما من دون هَؤُلَاءِ أمروا أَن يَتَطَهَّرُوا من الأوساخ والأدران الَّتِي على قُلُوبهم حَتَّى يُعْطوا النُّور فَتكون هَذِه الْأَرْبَع لَهُم عَطاء على الْحَقِيقَة فيجابوا إِلَى مَا وعدوا لِأَن الله تَعَالَى لم يعد إِلَّا على الْحَقِيقَة والحقيقة هِيَ بُلُوغ الصّفة الَّتِي رسم الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ فِيمَا بَينهم فَمن دَعَا حَقًا واستغفر حَقًا وشكر حَقًا وَتَابَ حَقًا يُجَاب
стр. 576
قَالَ ﷺ إِذا فتح الله على عبد الدُّعَاء فَليدع فَإِن الله يستجيب لَهُ
وَقَالَ أَبُو حَازِم ﵀ لأَنا من أَن أمنع الدُّعَاء أخوف مني من أَن أمنع الأجابة
فالدعاء هُوَ الْعَدو إِلَى الله تَعَالَى بِالْقَلْبِ فَإِذا كَانَ الْقلب فِي حبس النَّفس لَا يَسْتَطِيع الْعَدو إِلَيْهِ وَالتَّوْبَة الرُّجُوع إِلَى الله تَعَالَى بِالْقَلْبِ فَإِذا كَانَ الْقلب فِي حبس النَّفس لم يقدر وَالِاسْتِغْفَار سُؤال الغطاء من الذَّنب للعري فَإِذا كَانَ النَّفس حجاب الْقلب لَا يقدر أَن يرى عريه حتي يسبل السّتْر وَالشُّكْر رُؤْيَة النِّعْمَة فَإِذا كَانَ النَّفس حجاب الْقلب لَا يقدر أَن يرى نعمه فَإِذا أُتِي بِهَذِهِ الْأَشْيَاء فَلم يَأْتِ بِهِ على الْحَقِيقَة فإمَّا إِذا أعْطى النُّور وَعدا الْقلب إِلَيْهِ عِنْد الْحَاجة فَسَأَلَ أُجِيب وأسعف بِهِ وَإِذا أعطي النُّور فَرَأى الاباق مِنْهُ رَجَعَ إِلَيْهِ مَعَ النُّور فَتَابَ قبل مِنْهُ وَإِذا رأى العري فَسَأَلَ السّتْر أعطي الْمَغْفِرَة وَإِذا رأى النِّعْمَة فَشكر قبل مِنْهُ فَأعْطِي الزِّيَادَة لِأَن الله تَعَالَى يستأدي من الْخلق الْحَقَائِق دون الْمجَاز
стр. 577
- الأَصْل الرَّابِع وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَة
-
فِي أَن الْغنى فِي النَّفس والتقى فِي الْقلب
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا جعل غناهُ فِي نَفسه وتقاه فِي قلبه
الْحَاجة فِي النَّفس لِأَنَّهَا مَعْدن الشَّهَوَات وشهواتها لَا تَنْقَطِع فَهِيَ أبدا فقيرة لتراكم الشَّهَوَات عَلَيْهَا واقتضائها وَخَوف فَوتهَا قد برح بهَا وضيق عَلَيْهَا فَهِيَ مغبونة وخلصت فتنتها إِلَى الْقلب فَصَارَ مفتونا فأصمته عَن الله تَعَالَى وأعمته فَإِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا قذف فِي قلبه النُّور فامتزق الْحجاب وانحسر النُّور الْأَصْلِيّ وأشرق هَذَا النُّور الْوَارِد فِي الْقلب والصدر فَذَاك تقواه بِهِ يَتَّقِي مساخط الله تَعَالَى وَبِه يحفظ حُدُوده وَبِه يُؤَدِّي فَرَائِضه وَبِه يخشي الله تَعَالَى وَيصير ذَلِك النُّور وقايته يَوْم الْجَوَاز على الصِّرَاط فِيهِ يَتَّقِي النَّار حَتَّى يجوزها إِلَى دَار الله تَعَالَى فَهَذَا تقواه فِي قلبه وَأما غناهُ فِي نَفسه فَإِنَّهُ إِذا أشرق الصَّدْر بذلك النُّور تأدى إِلَى النَّفس فأضاء وَوجدت النَّفس لَهَا حلاوة وروحا وَلَذَّة تلهيه عَن لذات الدُّنْيَا وشهواتها وَتذهب مخاوفها
стр. 578
وعجلتها وحرقتها وبلاهتها تحيى بحياة الْقلب وتستضيء بِنور الْقلب فتطمئن لِأَن الْقلب صَار غَنِيا بانتباهه عَن الله تَعَالَى وَالنَّفس جَاره وشريكه فَفِي غنى الْجَار غنى وَفِي غنى الشَّرِيك غنى وَالتَّقوى فِي الْقلب وَهُوَ النُّور والغنى فِي النَّفس وَهُوَ الطمأنية
стр. 579
- الأَصْل الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَة
-
فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني
عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ فِي قَوْله تَعَالَى قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني على الْبر وَالتَّقوى والتواضع وذلة النَّفس
الْبر مَا افْترض الله تَعَالَى على العَبْد والتوقي والكف عَمَّا نهى الله تَعَالَى عَنهُ والتواضع أَن يضع مَشِيئَته فِي أُمُوره لمشيئة مَوْلَاهُ وذلة النَّفس ترك المنى فِي عطاياه فِي الدَّرَجَات وَفِي إِقَامَة هَذِه الْأَرْبَع صفو الْعِبَادَة
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قدم وَفد الْيمن على رَسُول الله ﷺ فَقَالُوا أَبيت اللَّعْن فَقَالَ ﷺ سُبْحَانَ الله إِنَّمَا يُقَال هَذَا لملك وَلست ملكا أَنا مُحَمَّد بن عبد الله
قَالُوا إِنَّا لَا ندعوك بِاسْمِك
стр. 580
قَالَ فَأَنا أَبُو الْقَاسِم
قَالُوا يَا أَبَا الْقَاسِم إِنَّا قد خبأنا لَك خبيئا
فَقَالَ سُبْحَانَ الله إِنَّمَا يفعل هَذَا بالكاهن والكاهن والمتكهن وَالْكهَانَة فِي النَّار
فَقَالَ لَهُ أحدهم فَمن يشْهد لَك أَنَّك رَسُول الله
قَالَ فَضرب بِيَدِهِ إِلَى حفْنَة حَصْبَاء فَأَخذهَا فَقَالَ هَذَا يشْهد أَنِّي رَسُول الله
قَالَ فسجن فِي يَده وقلن نشْهد أَنَّك رَسُول الله
فَقَالُوا اسمعنا بعض مَا أنزل عَلَيْك فَقَرَأَ ﴿وَالصَّافَّات صفا﴾ حَتَّى انْتهى إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَأتبعهُ شهَاب ثاقب﴾ وَإنَّهُ لساكن مَا ينبض مِنْهُ عرق وان دُمُوعه لتسبقه إِلَى لحيته
قَالُوا لَهُ إِنَّا نرَاك تبْكي أَمن خوف الَّذِي بَعثك تبْكي
قَالَ من خوف الَّذِي بَعَثَنِي أبْكِي إِنَّه بَعَثَنِي على طَرِيق مثل حد السَّيْف إِن رغبت عَنهُ هَلَكت ثمَّ قَرَأَ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك
إِنَّمَا صَار فِي مثل حد السَّيْف لِأَن طَرِيق الْأَعْمَال على النَّفس ومبتدأه من الْقلب وطريقها على النَّفس فَإِذا مرت فَلم يلْتَفت إِلَى النَّفس فقد صفا الْعَمَل وصفت العبودة فَهَذِهِ منزلتان إِحْدَاهمَا أشرف من الْأُخْرَى فَالْأولى أَن يبتدىء الْعَمَل من الْقلب فَيخرج إِلَى الْأَركان وَنَفسه حَيَّة تحب أَن تشركه فِي ذَلِك وَالثَّانيَِة أَن تَمُوت النَّفس وَيقوم
стр. 581
الْقلب فِي مقَام الهيبة فَيخرج الْعَمَل إِلَى الْأَركان فَلَا يلْتَفت إِلَى النَّفس وَلَا بِالنَّفسِ حراك فتشخص إِلَيْهِ طرفا فَهَذَا صفو العبودة يعْمل مَا يُؤمر وَلَا يتَكَلَّف من تِلْقَاء نَفسه وَلَا يدبر لنَفسِهِ بل فوض ذَلِك إِلَى مَوْلَاهُ لِأَن من شَأْن الْمُحب أَن لَا تكون لَهُ نهمة دون لِقَاء الحبيب فَإِذا لم يهتد إِلَيْهِ وَوجد دَلِيلا يُؤَدِّيه إِلَيْهِ أَن يققو أثر الدَّلِيل حَتَّى يُؤَدِّيه إِلَيْهِ قَالَ الله تَعَالَى لنَبيه ﷺ فاستقم كَمَا أمرت
فالاستقامة فِي السّير أَن لَا يلْتَفت يَمِينا وَشمَالًا وَلَا يعرج على شَيْء فيشتغل بِهِ دونه
وَاجْتمعَ نفر من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فأفاضوا فِي الذّكر فرقوا فطربت نُفُوسهم وَقَالُوا لَو نعلم أَي الْأَعْمَال أحب إِلَى الله تَعَالَى فنعمله فَجَاءَت الْمحبَّة من الله تَعَالَى فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿إِن الله يحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص﴾
ليظْهر صدق مَا نطقوا بِهِ فَخَرجُوا إِلَى الْقِتَال فَلم يكن من بَعضهم الَّذِي قَالُوا فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾
ثمَّ قَالُوا إِنَّا لنحب رَبنَا فامتحنوا فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾
стр. 582
فَإِن من شَأْن الْكَرِيم أَن يحب من أحبه وَلم ينل حبه أحد إِلَّا من بعد حبه لَهُ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
والاتباع فِي سيرته عَلامَة المحقين وَسيرَته العبودة فِي هَذِه الْخِصَال الْأَرْبَع على مَا ذكرنَا
стр. 583
- الأَصْل السَّادِس وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَة
-
فِي سر الْحيَاء والتقى وَالصَّبْر بالتمثيل
عَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْحيَاء زِينَة والتقى كرم وَخير المراكب الصَّبْر وانتظار الْفرج من الله تَعَالَى عبَادَة
الْحيَاء من فعل الرّوح وَالروح سماوي وَعمل أهل السَّمَاء يشبه بعضه بَعْضًا فِي العبودة وَالنَّفس أرضي شهواني ميال إِلَى شَهْوَة عقيب شَهْوَة ومنية على اثر منية لَا تهدأ وَلَا تَسْتَقِر فاعمالها مُخْتَلفَة لَا يشبه بَعْضهَا بَعْضًا مرّة عبودة وَمرَّة ربوبة وَمرَّة استسلام وَمرَّة تملك وَمرَّة عجز وَمرَّة اقتدار فَإِذا ريضت النَّفس وذلت وأدبت انقادت وَكَانَ السُّلْطَان وَالْغَلَبَة للروح جَاءَ الْحيَاء وَالْحيَاء خجل الرّوح عَن كل أَمر لَا يصلح فِي السَّمَاء فَهُوَ يكاع ويزين الْجَوَارِح والأمور وَهُوَ زِينَة العَبْد فَمِنْهُ الْعِفَّة وَالْوَقار والحلم
стр. 584
وَقَوله والتقى كرم فالكرم مَا انْقَادَ وذل وَلذَلِك سمى شَجَرَة الْعِنَب كرما لِأَنَّهُ حَيْثُ مَا مددتها امتدت وذلت لَك
قَالَ ﷺ لَا تَقولُوا للعنب كرما إِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن
فَإِذا ولج النُّور الْقلب رطب ولان وبرطوبته وَلينه ترطب النَّفس وتلين وَتذهب كزازتها ويبسها وطفئت حرارة الشَّهَوَات بِالنورِ الْوَارِد على الْقلب لِأَنَّهُ من الرَّحْمَة وَالرَّحْمَة بَارِدَة فانقاد الْقلب فاتقى
وَقَوله وَخير المراكب الصَّبْر فالصبر ثبات العَبْد بَين يَدي ربه فِي مقَامه لأموره وَأَحْكَامه خف أَو ثقل أحب أَو كره يسرا وعسرا فَهُوَ خير مركب ركب بِهِ إِلَى الله تَعَالَى وَهُوَ مركب الْوَفَاء بالعهد فَإِن الله تَعَالَى خلق الدُّنْيَا ممرا لعبيده إِلَى دَار السَّلَام فالقوم المختارون يَأْخُذُونَ الزَّاد ويمرون وَمن الْوَفَاء أَن لَا يلْتَفت إِلَى شَيْء سوى الزَّاد قَالَ الله تَعَالَى أَوْفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون أَي فارهبوا من نفوسكم إِلَيّ والهرب والرهب بِمَعْنى وَاحِد
وَقَوله انْتِظَار الْفرج من الله عبَادَة لِأَن فِي انْتِظَار الْفرج قطع العلائق والأسباب إِلَى الله تَعَالَى وَتعلق الْقلب بِهِ وشخوص الأمل إِلَيْهِ والتبري من الْحول وَالْقُوَّة فَهَذَا خَالص الْإِيمَان
стр. 585
- الأَصْل السَّابِع وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَة
-
فِي فضل مَاء زَمْزَم
عَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ زَمْزَم لما شربت لَهُ
فزمزم سقيا الله وغياثه لولد خَلِيله إِسْمَاعِيل ﵉ فَبَقيَ غياثا لمن بعده فِي كل نائبة إِن شربت لمَرض شفيت وَإِن شربت لغم فرج عَنْك وَإِن شربت لحَاجَة استعنت وَإِن شربت لنائبة صلحت لِأَن أَصله من الرَّحْمَة بدا غياثا فلأي شَيْء شربه الْمُؤمن وجد غوث ذَلِك الْأَمر
стр. 586
- الأَصْل الثَّامِن وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَة
-
فِي أَن عمل الْأَنْبِيَاء والأولياء فِي الدَّاريْنِ خدمَة وعبودة
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا دخل الْبَيْت كأحدكم يخيط ثَوْبه وَيعْمل كأحدكم
هَكَذَا شَأْن الْأَنْبِيَاء والأولياء ﵈ لأَنهم عبيد الله تَعَالَى على العبودة وقفُوا بَين يَدَيْهِ وَرَأَوا أَن هَذِه الْأَعْمَال الَّتِي للدنيا وَالْآخِرَة كلهَا تَدْبِير الله تَعَالَى فِي أرضه وَأَنَّهَا كلهَا معلقَة بَعْضهَا بِبَعْض وَأَنَّهَا لله تَعَالَى فَمَا اسْتَقْبَلَهُمْ من أَمر لم يؤثروا عَلَيْهِ شَيْئا وَلَا اخْتَارُوا من تِلْقَاء أنفسهم أمرا فلزموه ورفضوا لما سواهُ لأَنهم يحبونَ أَن يَكُونُوا كالعبيد مَا وضع بَين أَيْديهم عملوه عبودة حَتَّى يلْقوا الله تَعَالَى بهَا فَيَضَع عَنْهُم رق العبودة ويرضي عَنْهُم هَذَا بغيتهم
وَأما الْآخرُونَ فقد اخْتَارُوا من الْأَعْمَال وآثروا هَذَا على ذَلِك وَذَاكَ على هَذَا طلبا للأفضل لينالوا من نعيم الْجنان ورفضوا كثيرا من الْأَعْمَال
стр. 587
ضيعوا بِهِ حقوقا وَاعْتبر هَذَا بِحَدِيث جريج الراهب حِين نادته أمه وَهُوَ فِي الصَّلَاة يَا جريج أَرِنِي وَجهك من الصومعة فَقَالَ صلاتاه فآثرها على أمه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَو كَانَ جريج الراهب فَقِيها عَالما لعلم أَن إِجَابَة أمه من عبَادَة ربه
فَمن فقه عَن الله تَعَالَى أمره وَرَأى تَدْبيره لم يجد بدا من رفض الِاخْتِيَار فَلَا يُؤثر أمرا على أَمر وَلَا حَالا على حَال وَكَانَ ﷺ لما بعث أَصْحَابه إِلَى تَبُوك أَمر عَلَيْهِم زيد بن حَارِثَة وَقَالَ إِن قتل زيد فجعفر أَمِير عَلَيْكُم فَقَالَ جَعْفَر ﵁ يَا رَسُول الله أتؤمر علينا زيدا قَالَ إِنَّك لَا تَدْرِي فِي أَي ذَلِك خير
وَرُوِيَ أَن مُوسَى ﵇ قَالَ يَا رب أَي عِبَادك أكبر ذَنبا قَالَ الَّذِي يتهمني قَالَ وَمن يتهمك يَا رب قَالَ الَّذِي يستخيرني فَإِذا خرت لَهُ لم يرض بذلك
فَمن جعل أُمُور الْآخِرَة وَأُمُور الدُّنْيَا كلهَا لله تَعَالَى وَأَرَادَ بذلك إِقَامَة العبودة فقد سَقَطت عَنهُ مُؤنَة الأختيار وَلَا تملكه الْأَحْوَال وَلَا الْأَعْمَال
стр. 588
- الأَصْل التَّاسِع وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَة
-
فِي المقة والصيت وعلامة أَهلهَا
عَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ المقة من الله فِي الأَرْض والصيت فِي السَّمَاء فَإِذا أحب الله تَعَالَى عبدا نَادَى جبرئيل فِي السَّمَاء أَن الله تَعَالَى يحب فلَانا فَأَحبُّوهُ فتنزل المقة فِي الأَرْض
أَرَادَ بالصيت اضْطِرَاب الصَّوْت والنداء وَقَوله تَعَالَى وألقيت عَلَيْك محبَّة مني قَالَ ملاحة وحلاوة
стр. 589
وَقَوله تَعَالَى وَحَنَانًا من لدنا قَالَ معبد الْجُهَنِيّ ﵁ الحنان المحبب
وَقَالَ عَليّ كرم الله وَجهه سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن قَوْله تَعَالَى ﴿سَيجْعَلُ لَهُم الرَّحْمَن ودا﴾ مَا هُوَ يَا رَسُول الله قَالَ الْمحبَّة يَا عَليّ فِي صُدُور الْمُؤمنِينَ وَالْمَلَائِكَة المقربين يَا عَليّ إِن الله تَعَالَى أعْطى الْمُؤمن ثَلَاثًا المقة والمحبة والملاحة والمهابة فِي صُدُور الصَّالِحين فَمن اصطنعه لنَفسِهِ قبل نَفسه فَوجدَ لَهُ حلاوة وملاحة وَمن دَعَاهُ فَأَجَابَهُ وَصدقه فِي الإفجابة قربه فَقبل قلبه فَوجدَ لَهُ فِي الْقُلُوب وده وَهُوَ الْمحبَّة قَالَ الله تَعَالَى ﴿واصطنعتك لنَفْسي﴾
فَكَانَ لَا يرَاهُ أحد إِلَّا أحبه حَتَّى فِرْعَوْن الَّذِي كَانَ يذبح أَوْلَاد بني إِسْرَائِيل من أَجله كَانَ يرشفه فِي حجره
فَمن كَانَ من بعده على مثل سَبيله وَطَرِيقه إِلَيْهِ فَلهُ الْحَلَاوَة والملاحة وَمن سَار إِلَيْهِ حَتَّى وصل فنال الْقرْبَة فَلهُ الود فِي الْقُلُوب
وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لكل عبد صيت فان كَانَ صَالحا وضع فِي السَّمَاء وَإِن كَانَ سَيِّئًا وضع فِي الأَرْض
стр. 590
- الأَصْل الْمِائَة وَالسِّتُّونَ
-
فِي الِاسْتِعَاذَة من النِّفَاق وثمراته
عَن أم معبد ﵂ قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول اللَّهُمَّ طهر قلبِي من النِّفَاق وعملي من الرِّيَاء ولساني من الْكَذِب وعيني من الْخِيَانَة فَإنَّك تعلم خَائِنَة الْأَعْين وَمَا تخفي الصُّدُور
وَعَن حَنْظَلَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا جَاءَنِي جِبْرَائِيل إِلَّا أَمرنِي بِهَاتَيْنِ قَالَ تَقول اللَّهُمَّ ارزقني طيبا واستعملني صَالحا
والنفاق مَا كَانَ ذَا لونين يَقِين وَشك وإخلاص ورياء وَغير ذَلِك وَإِنَّمَا سمي نفَاقًا لِأَنَّهُ يدْخل عَلَيْهِ الْأَمر من بَابَيْنِ من بَاب الله تَعَالَى فَيقبل عَنهُ من طَرِيق الْإِيمَان وَمن بَاب النَّفس فَيقبل عَنْهَا من طَرِيق الشَّهْوَة وَكَذَلِكَ نافقاء اليربوع يدْخل من هَذَا الْبَاب وَيخرج من الْبَاب الآخر
стр. 591
وَكَذَلِكَ النَّفَقَة تَأْخُذ بِالْيَدِ وتنفق بِالْأُخْرَى فَسَأَلَ ﷺ ربه أَن يطهر قلبه من آفَات النَّفس فأجملها فَقَالَ طهر قلبِي من النِّفَاق وعملي من الرِّيَاء
رُوِيَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ كُنَّا نوب رَسُول الله ﷺ يطرقه أمرا وَيَأْمُر بشئ قَالَ فَكثر أهل النوب والمحتسبون لَيْلَة حَتَّى كُنَّا نتحدث فَخرج علينا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ مَا هَذِه النَّجْوَى ألم تنهوا عَن النَّجْوَى فَقُلْنَا تبنا إِلَى الله يَا رَسُول الله إِنَّا كُنَّا فِي ذكر الْمَسِيح نتخوف مِنْهُ فَقَالَ أَلا اخبركم بِمَا هُوَ أخوف عَلَيْكُم عِنْدِي من الْمَسِيح قَالَ بلَى يَا رَسُول الله قَالَ الشّرك الْخَفي رجل يعْمل لمَكَان رجل
وَقَوله ﷺ ولساني من الْكَذِب فَإِن اللِّسَان يعبر بِهِ عَن مَكْنُون الْقلب وَإِذا قَالَ بِلِسَانِهِ مَا لم يكن كذبه الله تَعَالَى وَكذبه إيمَانه لِأَنَّهُ إِذا قَالَ لشَيْء لم يكن انه قد كَانَ فقد زعم أَن الله تَعَالَى خلقه وَإِذا أخبر أَنه قد كَانَ وَلم يكن الله تَعَالَى كَونه فقد افترى على الله تَعَالَى
وَلذَلِك قَالَ أَبُو بكر ﵁ الْكَذِب مُجَانب للْإيمَان فإيمانه فِي قلبه يكذبهُ فَسَأَلَ أَن يطهر لِسَانه من ذَلِك
وَقَوله ﷺ وعيني من الْخِيَانَة فخيانة الْعين المسارقة كَأَنَّهُ يُرِيد أَن يسرق مِمَّن لَا يسرق مِنْهُ ويستخفي مِمَّن لَا تخفي عَلَيْهِ لمحة فَإِنَّهُ لَا ينظر وَلكنه يلحظ سَرقَة واختلاسا لمَكَان المخلوقين وَقد غفل قلبه عَن أَن يرَاهُ أبْصر الناظرين قَالَ الله تَعَالَى يعلم خَائِنَة الْأَعْين وَمَا تخفى الصُّدُور
стр. 592
وَقَوله فِي الحَدِيث الآخر ارزقني طيبا واستعملني صَالحا سَأَلَهُ عَيْش أهل الْجنان رزقهم طيب وأفعالهم صَالِحَة كلهَا لَيْسَ فِيهَا فَسَاد فَإِن الْعباد على ضَرْبَيْنِ مِنْهُم من وضع بَين يَدَيْهِ فَقيل لَهُ اعْمَلْ هَذَا ودع هَذَا وَأَقْبل على هَذَا وجانب هَذَا بَين لَهُ الشَّرِيعَة ثمَّ قيل لَهُ سر فِيهَا مُسْتَقِيمًا وَخذ الْحق واجتنب الْبَاطِل وَكَثِيرًا مَا يَقع فِي التَّخْلِيط والأغاليط ويشوبه مَا لَيْسَ مِنْهُ وَمِنْهُم من جازوا هَذِه الخطة وعافوا لمنتهى ونسوه طهرت قُلُوبهم وأركانهم فاستعملهم رَبهم فِي الشَّرِيعَة لمحابه وَبِمَا قد علم أَن صَلَاحهمْ فِي ذَلِك فَسَأَلَ ﷺ الِاسْتِعْمَال صَالحا
стр. 593
- الأَصْل الْحَادِي وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَة
-
فِي دُعَائِهِ ﷺ للْأمة عَشِيَّة عَرَفَة وغداة الْمزْدَلِفَة
عَن عَبَّاس بن مرداس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ دَعَا لأمته عَشِيَّة عَرَفَة بالمغفرة وَالرَّحْمَة فَأكْثر الدُّعَاء فَأَجَابَهُ أَنِّي فعلت إِلَّا ظلم بَعضهم بَعْضًا فَأَما ذنوبهم فِيمَا بيني وَبينهمْ فقد غفرتها قَالَ يَا رب إِنَّك قَادر أَن تثيب هَذَا الْمَظْلُوم خيرا من مظلمته وَتغْفر لهَذَا الظَّالِم فَلم يجبهُ تِلْكَ العشية فَلَمَّا كَانَ الْغَدَاة غَدَاة الْمزْدَلِفَة اجْتهد فِي الدُّعَاء فَأَجَابَهُ أَنِّي قد غفرت لَهُم فَتَبَسَّمَ رَسُول الله ﷺ فَقيل تبسمت فِي سَاعَة لم تكن تتبسم فِيهَا فَقَالَ تبسمت من عَدو الله إِبْلِيس انه لما علم أَن الله قد اسْتَجَابَ لي فِي أمتِي أَهْوى يَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور ويحثي على وَجهه ويفر قد نالتهم الْمَغْفِرَة عَشِيَّة عَرَفَة وستروا من الذُّنُوب وَالْحق تَعَالَى يناشدهم وَيَقْتَضِي تبعات الْخلق وَلَا مرد لَهُ وَلَا معَارض فَلَو تَركهم وَالْحق لأخرجهم من السّتْر حَتَّى يعودوا إِلَى الْحَالة الأولى عُرَاة فعطف الله تَعَالَى عَلَيْهِم وَلم يخيب أضيافه وزائريه والمنيخين بفنائه يستعطفونه ويسألونه سُؤال الْمَسَاكِين فَيضمن عَنْهُم التَّبعَات ويرضى أَهلهَا عَنْهُم فغفرها فبقوا فِي ستره وَرَضي الْحق ﷻ ضَمَان الْكَرِيم الوفي وخلا
стр. 594
عَنْهُم فصاروا إِلَى تطواف بَيته الْمحرم لائذين بِهِ بعد أَن أرضوا الْحق تَعَالَى وَتطَهرُوا من الأدناس فحباهم وخلع على قُلُوبهم من النُّور وَتلك عرائس الضِّيَافَة
стр. 595
- الأَصْل الثَّانِي وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَة
-
فِي صفة الْأَوْلِيَاء وَحَقِيقَة الْولَايَة أَو التحذير من إهانتهم
عَن أنس ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ عَن جبرئيل عَن الله تَعَالَى أَنه قَالَ من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وَإِنِّي لأسرع شَيْء إِلَى نصْرَة أوليائي لِأَنِّي لأغضب لَهُم كَمَا يغْضب اللَّيْث الْحَرْب وَمَا ترددت عَن شَيْء أَنا فَاعله ترددي عَن قبض روح الْمُؤمن يكره الْمَوْت وأكره مساءته وَلَا بُد لَهُ مِنْهُ وَمَا تعبد لي عَبدِي الْمُؤمن بِمثل الزّهْد فِي الدُّنْيَا وَلَا تقرب إِلَيّ عَبدِي الْمُؤمن بِمثل أَدَاء مَا افترضت عَلَيْهِ وَلَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَيّ بالنوافل حَتَّى أحبه فاذا أحببته كنت سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا إِن سَأَلَني أَعْطيته وَإِن دَعَاني استجبت لَهُ وَإِن من عبَادي الْمُؤمنِينَ لمن لَا يصلحه إِلَّا الْغَنِيّ وَلَو أفقرته لأفسده ذَلِك وَإِن من عبَادي الْمُؤمنِينَ من لَا يصلحه إِلَّا الْفقر وَلَو أغنيته لأفسده ذَلِك وَإِن من عبَادي الْمُؤمنِينَ من لَا يصلحه إِلَّا الصِّحَّة وَلَو أسقمته لأفسده ذَلِك وَإِن من عبَادي الْمُؤمنِينَ من لَا يصلحه إِلَّا السقم وَلَو صححته لأفسده ذَلِك إِنِّي أدبر عبَادي بعلمي بقلوبهم إِنِّي عليم خَبِير
стр. 596
وَفِي رِوَايَة عَائِشَة ﵂ فَإِذا أحببته كنت بَصَره الَّذِي بِهِ يبصر وَلسَانه الَّذِي بِهِ ينْطق وَأذنه الَّذِي بهَا يسمع وفؤاده الَّذِي بِهِ يعقل وَيَده الَّذِي بهَا يبطش وَرجله الَّذِي بهَا يمشي
قَوْله من أهان لي وليا فالولي من ولي الله هدايته وَنَصره وَأَخذه من نَفسه وَرَفعه بمحمل عَليّ جَاهد فَصدق الله فِي جهده حَتَّى إِذا استفرغ وَسعه فِي ذَلِك ألْقى نَفسه بَين يَدَيْهِ ضرعا مستكينا مستغيثا بِهِ صَارِخًا إِلَيْهِ مُضْطَرّا وَقَالَ تَعَالَى أَمن يُجيب الْمُضْطَر إِذا دَعَاهُ ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأَرْض
فَأَجَابَهُ الله تَعَالَى ورحمه وَأَخذه من نَفسه بِنور فتح لِقَلْبِهِ من الْغَيْب فاشتعل نَارا أحرقت شهوات نَفسه وأشرق الصَّدْر بنوره فكشف السوء وَجعله من خلفائه إِمَامًا من أَئِمَّة الْهدى وَجعله ربيعا يشم أزهاره وخريفا يجتني أثماره وَولي إِقَامَته على طَرِيقَته حَتَّى رتب لَهُ مَا عِنْده وَهُوَ قَوْله تَعَالَى وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا وَإِن الله لمع
стр. 597
الْمُحْسِنِينَ)
وَقَالَ ﷺ الْمُجَاهِد من جَاهد نَفسه فِي ذَات الله تَعَالَى وَذَلِكَ أفضل الْجِهَاد
فَمن أهان هَذَا الْوَلِيّ فقد خرج إِلَى مبارزة الله تَعَالَى يُرِيد أَن يسلبه مَا أَخذ وَيَأْخُذ مِنْهُ مَا قد رفع فيضعه
وَقَوله وَإِنِّي لأسرع شَيْء إِلَى نصْرَة أوليائي فَإِن من تَدْبِير الله تَعَالَى أَن الْحق عزو جلّ وَالرَّحْمَة مقتضيان فِي شَأْن الْخلق فَالْحق تَعَالَى يَقْتَضِي عبودته فَمن لم يقبلهَا فَهُوَ ذَرأ النَّار قَالَ تَعَالَى لأملئن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ
وَمن قبلهَا فوفى بهَا فَلَا حِسَاب وَلَا عَذَاب وَيدخل الْجنَّة بِسَلام وَمن قبلهَا فوفى بِبَعْض وضيع بَعْضًا اقْتضى الْحق تَعَالَى ذَلِك وَالنَّار منتقمة تَأْخُذ من جسده وَتَدَع كَمَا وفى بِبَعْض وَترك بَعْضًا فَإِذا قَالَ جَاءَت الْمَشِيئَة جَاءَت الرَّحْمَة فَأَخَذته من الْحق تَعَالَى فأنقذته من الْعَذَاب فَإِن الْحق تَعَالَى يَقْتَضِي الْغَضَب وَالنَّار وتجيء الرَّحْمَة لمن سبقت لَهُ رَحمته غَضَبه فَأَخَذته من الْحق قَالَ تَعَالَى سبقت رَحْمَتي غَضَبي
وَهَذَا لعامة الْمُوَحِّدين فَأَما الْأَوْلِيَاء فَإِنَّمَا نالوا الْولَايَة بِالرَّحْمَةِ الْعُظْمَى
стр. 598
فَمن نازعه أَو آذاه أَو ظلمه فالرحمة خَصمه وَالْحق خصم الْجَمِيع فقد اجْتمع الْحق وَالرَّحْمَة فِي طلب ثَأْره من ظالمه فَلذَلِك كَانَ أسْرع شَيْء إِلَى نصْرَة أوليائه ﵈ وَالرَّحْمَة من الْمَشِيئَة وَالْحق من الْقُدْرَة
وَمِمَّا يُؤَيّد ذَلِك مَا روى ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة نَادَى مُنَاد ليقمْ أهل الله فَيقوم أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي ﵃ فَيُقَال لأبي بكر ﵁ قُم على بَاب الْجنَّة فَأدْخل فِيهَا من شِئْت برحمة الله تَعَالَى ورد مِنْهَا من شِئْت بقدرة الله تَعَالَى وَيُقَال لعمر ﵁ قُم عِنْد الْمِيزَان فثقل ميزَان من شِئْت برحمة الله واخف ميزَان من شِئْت بقدرة الله وَيُقَال لعُثْمَان ﵁ خُذ هَذِه الْعَصَا فذد بهَا للنَّاس عَن الْحَوْض وَيُقَال لعَلي ﵁ البس هَذِه الْحلَّة فَإِنِّي قد خبأتها لَك مُنْذُ خلقت السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَى الْيَوْم
فقد بَين ﷺ منَازِل الْقَوْم أَنهم أهل الله وخاصته وَأَنه ينْكَشف ذَلِك لأهل الْموقف غَدا يظهره عَلَيْهِم عِنْد خلقه وَقد صَارُوا أُمَنَاء الله تَعَالَى ووقفت قُلُوبهم بَين يَدَيْهِ رافضين لمشيئتهم وَلذَلِك سماهم أهل الله والأهل والآل بِمَعْنى يئولون إِلَيْهِ فِي كل شَيْء فيبرز لأهل الْموقف مقاومهم بقلوبهم وضمائرهم الَّتِي كَانَت فِيمَا بَينهم وَبَين الله تَعَالَى كَرَامَة لَهُم وتنويها بِأَسْمَائِهِمْ فِي ذَلِك الْجمع فَكَانَ الْغَالِب على أبي بكر ﵁ الرَّحْمَة فِي أَيَّام الْحَيَاة وَالْغَالِب على عمر ﵁ الْقيام بِالْحَقِّ وتعزيزه وكأنهما كَانَا مِمَّن هُوَ فِي قَبضته يَسْتَعْمِلهُ فَاسْتعْمل هَذَا بِالرَّحْمَةِ وَهَذَا بِالْحَقِّ فَهَذَا وقف عِنْد بَاب الْجنَّة يطْلب أهل الْموقف بِالرَّحْمَةِ ليوردهم الْجنَّة وَذَا يقف عِنْد الْمِيزَان وَيُطَالب أهل الْموقف بِالْعَدْلِ
стр. 599
وَهُوَ قَوْله ﷺ بِي يسمع وَبِي يبصر وَبِي ينْطق
وَمِنْه قَول عمر ﵁ حَيْثُ أَتَاهُ رجل وَالدَّم يسيل على وَجهه من شجته فَقَالَ وَيحك من فعل بك قَالَ عَليّ فَقَالَ عَليّ ﵁ رَأَيْته مقاوما إمرأة فأصغيت إِلَيْهِمَا فساءني مَا سَمِعت فشججته فَقَالَ عمر ﵁ أصابتك عين من عُيُون الله تَعَالَى وَإِن لله تَعَالَى فِي الأَرْض عيُونا فَهَذَا قَوْله ﷺ بِي يسمع وَبِي يبصر وَبِي يبطش
وَأما عُثْمَان ﵁ فَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ إغاثة رَسُول الله ﷺ فِي نوائبه بِالْمَالِ فَحكمه فِي شَأْن الْحَوْض ليذود من لم يسْتَحق من الْحَوْض شرابًا فَإِن الْحَوْض غياث الْخلق يَوْمئِذٍ
وَأما عَليّ كرم الله وَجهه فالغالب عَلَيْهِ النَّفاذ فِي علم التَّوْحِيد وَبِه كَانَ يبرز على عَامَّة أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَرَضي الله عَنْهُم وَيدل على ذَلِك خطبه فَإِنَّهُ بَالغ فِي التَّوْحِيد وَالثنَاء على ربه تَعَالَى وبرز على غَيره والحلة الَّتِي خبأها لَهُ هِيَ حلَّة التَّوْحِيد فَهَذَا قسم الله لَهُم وحظوظهم مِنْهُ فيظهرها الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة على أَحْوَالهم
قَالَ ﷺ أرْحم أمتِي بأمتي أَبُو بكر وَأَقْوَاهُمْ فِي دين الله عمر وأصدقهم حَيَاء عُثْمَان
стр. 600
وَقَوله مَا ترددت فِي شَيْء ترددي عَن قبض روح عَبدِي فَإِن الْمَوْت خلق فظيع مُنكر لَا بُد للأحباب أَن يذوقوه وَأمر ثقيل مر لَا يَخْلُو من أَن يكرهوه وَقد علم الله تَعَالَى أَنه يشْتَد عَلَيْهِم ويتأذون بِهِ فتردد فِي فعله لكَرَاهَة مساءتهم وَقد قضى الله تَعَالَى على نَفسه حتما أَنه يَفْعَله فمشيئته لموتهم تردد بَين الْحق وَالرَّحْمَة فَالْحق تَعَالَى ينفذ الْمَوْت وَالرَّحْمَة تَدْفَعهُ والمشيئة مترددة بَينهمَا مرّة إِلَى الرَّحْمَة وَمرَّة إِلَى الْحق فَمن كَانَ أَيَّام الْحَيَاة اهتش إِلَى ذكر الله شوقا إِلَيْهِ فغليان الشوق فِي قلبه مراجل وَهَذَا الشوق فِي الْقلب بِالرَّحْمَةِ فَتلك الرَّحْمَة تتحرك لَهُ عِنْد كل نائبة وَأعظم نوائبه الْمَوْت يُرِيد خلاصه وَالْحق من ناحيته يَقْتَضِيهِ أَن ينفذ الْمَوْت عَلَيْهِ والمشيئة من الله تَعَالَى مترددة فِيمَا بَينهمَا مرّة إِلَى هَذَا وَمرَّة إِلَى ذَلِك وَلَا بُد من الْمَوْت فَأَما غير هَؤُلَاءِ فَلَيْسَ لَهُم هَذَا الْحَال فَإِذا جَاءَت الْمَشِيئَة مَعَ الْحق نفذ أمره قَالَ تَعَالَى وَجَاءَت سكرة الْمَوْت بِالْحَقِّ ذَلِك مَا كنت مِنْهُ تحيد
فالحائد من الْمَوْت أَيَّام الْحَيَاة يَأْخُذهُ الْحق بتنفيذ الْمَوْت وَلَيْسَ للرحمة حَرَكَة فِي الدّفع عَنهُ لِأَن الْمَشِيئَة لم تَتَرَدَّد بَينهمَا فنفذ
وَقَوله إِنِّي لأغضب لَهُم كَمَا يغْضب اللَّيْث الْحَرْب فالليث كريم لَا يُؤْذِي حَتَّى يجترأ عَلَيْهِ فاذا اجترىء عَلَيْهِ اصطفه حَرْب فَكسر وَدَمرَ على من ظفر بِهِ فَمن آذي ولي الله تَعَالَى فَإِنَّمَا يجترىء على الله تَعَالَى يُرِيد أَن يحاربه فَيَأْخُذ مِنْهُ مَا إصطفاه لنَفسِهِ فَيفْسد شَأْنه ويهدم تَرْبِيَته وبنيانه فَإِن الْوَلِيّ إِذا بلغ غَايَة الصدْق فِي السّير إِلَى الله تَعَالَى ومجاهدة النَّفس وفطم نَفسه عَن سيىء الْأَخْلَاق وَقد انْقَطَعت حيلته وَبَقِي بَين يَدَيْهِ ينْتَظر رَحمته انتخبه الله تَعَالَى للولاية ووكل
следующие страницы →