← Книги сунны

Книги сунны · id 720

نوادر الأصول في أحاديث الرسول

الحكيم الترمذي

Полный текст (1 237 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وَفِي رِوَايَة عَائِشَة ﵂ فَإِذا أحببته كنت بَصَره الَّذِي بِهِ يبصر وَلسَانه الَّذِي بِهِ ينْطق وَأذنه الَّذِي بهَا يسمع وفؤاده الَّذِي بِهِ يعقل وَيَده الَّذِي بهَا يبطش وَرجله الَّذِي بهَا يمشي قَوْله من أهان لي وليا فالولي من ولي الله هدايته وَنَصره وَأَخذه من نَفسه وَرَفعه بمحمل عَليّ جَاهد فَصدق الله فِي جهده حَتَّى إِذا استفرغ وَسعه فِي ذَلِك ألْقى نَفسه بَين يَدَيْهِ ضرعا مستكينا مستغيثا بِهِ صَارِخًا إِلَيْهِ مُضْطَرّا وَقَالَ تَعَالَى أَمن يُجيب الْمُضْطَر إِذا دَعَاهُ ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأَرْض فَأَجَابَهُ الله تَعَالَى ورحمه وَأَخذه من نَفسه بِنور فتح لِقَلْبِهِ من الْغَيْب فاشتعل نَارا أحرقت شهوات نَفسه وأشرق الصَّدْر بنوره فكشف السوء وَجعله من خلفائه إِمَامًا من أَئِمَّة الْهدى وَجعله ربيعا يشم أزهاره وخريفا يجتني أثماره وَولي إِقَامَته على طَرِيقَته حَتَّى رتب لَهُ مَا عِنْده وَهُوَ قَوْله تَعَالَى وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا وَإِن الله لمع

стр. 597

الْمُحْسِنِينَ) وَقَالَ ﷺ الْمُجَاهِد من جَاهد نَفسه فِي ذَات الله تَعَالَى وَذَلِكَ أفضل الْجِهَاد فَمن أهان هَذَا الْوَلِيّ فقد خرج إِلَى مبارزة الله تَعَالَى يُرِيد أَن يسلبه مَا أَخذ وَيَأْخُذ مِنْهُ مَا قد رفع فيضعه وَقَوله وَإِنِّي لأسرع شَيْء إِلَى نصْرَة أوليائي فَإِن من تَدْبِير الله تَعَالَى أَن الْحق عزو جلّ وَالرَّحْمَة مقتضيان فِي شَأْن الْخلق فَالْحق تَعَالَى يَقْتَضِي عبودته فَمن لم يقبلهَا فَهُوَ ذَرأ النَّار قَالَ تَعَالَى لأملئن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ وَمن قبلهَا فوفى بهَا فَلَا حِسَاب وَلَا عَذَاب وَيدخل الْجنَّة بِسَلام وَمن قبلهَا فوفى بِبَعْض وضيع بَعْضًا اقْتضى الْحق تَعَالَى ذَلِك وَالنَّار منتقمة تَأْخُذ من جسده وَتَدَع كَمَا وفى بِبَعْض وَترك بَعْضًا فَإِذا قَالَ جَاءَت الْمَشِيئَة جَاءَت الرَّحْمَة فَأَخَذته من الْحق تَعَالَى فأنقذته من الْعَذَاب فَإِن الْحق تَعَالَى يَقْتَضِي الْغَضَب وَالنَّار وتجيء الرَّحْمَة لمن سبقت لَهُ رَحمته غَضَبه فَأَخَذته من الْحق قَالَ تَعَالَى سبقت رَحْمَتي غَضَبي وَهَذَا لعامة الْمُوَحِّدين فَأَما الْأَوْلِيَاء فَإِنَّمَا نالوا الْولَايَة بِالرَّحْمَةِ الْعُظْمَى

стр. 598

فَمن نازعه أَو آذاه أَو ظلمه فالرحمة خَصمه وَالْحق خصم الْجَمِيع فقد اجْتمع الْحق وَالرَّحْمَة فِي طلب ثَأْره من ظالمه فَلذَلِك كَانَ أسْرع شَيْء إِلَى نصْرَة أوليائه ﵈ وَالرَّحْمَة من الْمَشِيئَة وَالْحق من الْقُدْرَة وَمِمَّا يُؤَيّد ذَلِك مَا روى ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة نَادَى مُنَاد ليقمْ أهل الله فَيقوم أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي ﵃ فَيُقَال لأبي بكر ﵁ قُم على بَاب الْجنَّة فَأدْخل فِيهَا من شِئْت برحمة الله تَعَالَى ورد مِنْهَا من شِئْت بقدرة الله تَعَالَى وَيُقَال لعمر ﵁ قُم عِنْد الْمِيزَان فثقل ميزَان من شِئْت برحمة الله واخف ميزَان من شِئْت بقدرة الله وَيُقَال لعُثْمَان ﵁ خُذ هَذِه الْعَصَا فذد بهَا للنَّاس عَن الْحَوْض وَيُقَال لعَلي ﵁ البس هَذِه الْحلَّة فَإِنِّي قد خبأتها لَك مُنْذُ خلقت السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَى الْيَوْم فقد بَين ﷺ منَازِل الْقَوْم أَنهم أهل الله وخاصته وَأَنه ينْكَشف ذَلِك لأهل الْموقف غَدا يظهره عَلَيْهِم عِنْد خلقه وَقد صَارُوا أُمَنَاء الله تَعَالَى ووقفت قُلُوبهم بَين يَدَيْهِ رافضين لمشيئتهم وَلذَلِك سماهم أهل الله والأهل والآل بِمَعْنى يئولون إِلَيْهِ فِي كل شَيْء فيبرز لأهل الْموقف مقاومهم بقلوبهم وضمائرهم الَّتِي كَانَت فِيمَا بَينهم وَبَين الله تَعَالَى كَرَامَة لَهُم وتنويها بِأَسْمَائِهِمْ فِي ذَلِك الْجمع فَكَانَ الْغَالِب على أبي بكر ﵁ الرَّحْمَة فِي أَيَّام الْحَيَاة وَالْغَالِب على عمر ﵁ الْقيام بِالْحَقِّ وتعزيزه وكأنهما كَانَا مِمَّن هُوَ فِي قَبضته يَسْتَعْمِلهُ فَاسْتعْمل هَذَا بِالرَّحْمَةِ وَهَذَا بِالْحَقِّ فَهَذَا وقف عِنْد بَاب الْجنَّة يطْلب أهل الْموقف بِالرَّحْمَةِ ليوردهم الْجنَّة وَذَا يقف عِنْد الْمِيزَان وَيُطَالب أهل الْموقف بِالْعَدْلِ

стр. 599

وَهُوَ قَوْله ﷺ بِي يسمع وَبِي يبصر وَبِي ينْطق وَمِنْه قَول عمر ﵁ حَيْثُ أَتَاهُ رجل وَالدَّم يسيل على وَجهه من شجته فَقَالَ وَيحك من فعل بك قَالَ عَليّ فَقَالَ عَليّ ﵁ رَأَيْته مقاوما إمرأة فأصغيت إِلَيْهِمَا فساءني مَا سَمِعت فشججته فَقَالَ عمر ﵁ أصابتك عين من عُيُون الله تَعَالَى وَإِن لله تَعَالَى فِي الأَرْض عيُونا فَهَذَا قَوْله ﷺ بِي يسمع وَبِي يبصر وَبِي يبطش وَأما عُثْمَان ﵁ فَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ إغاثة رَسُول الله ﷺ فِي نوائبه بِالْمَالِ فَحكمه فِي شَأْن الْحَوْض ليذود من لم يسْتَحق من الْحَوْض شرابًا فَإِن الْحَوْض غياث الْخلق يَوْمئِذٍ وَأما عَليّ كرم الله وَجهه فالغالب عَلَيْهِ النَّفاذ فِي علم التَّوْحِيد وَبِه كَانَ يبرز على عَامَّة أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَرَضي الله عَنْهُم وَيدل على ذَلِك خطبه فَإِنَّهُ بَالغ فِي التَّوْحِيد وَالثنَاء على ربه تَعَالَى وبرز على غَيره والحلة الَّتِي خبأها لَهُ هِيَ حلَّة التَّوْحِيد فَهَذَا قسم الله لَهُم وحظوظهم مِنْهُ فيظهرها الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة على أَحْوَالهم قَالَ ﷺ أرْحم أمتِي بأمتي أَبُو بكر وَأَقْوَاهُمْ فِي دين الله عمر وأصدقهم حَيَاء عُثْمَان

стр. 600

وَقَوله مَا ترددت فِي شَيْء ترددي عَن قبض روح عَبدِي فَإِن الْمَوْت خلق فظيع مُنكر لَا بُد للأحباب أَن يذوقوه وَأمر ثقيل مر لَا يَخْلُو من أَن يكرهوه وَقد علم الله تَعَالَى أَنه يشْتَد عَلَيْهِم ويتأذون بِهِ فتردد فِي فعله لكَرَاهَة مساءتهم وَقد قضى الله تَعَالَى على نَفسه حتما أَنه يَفْعَله فمشيئته لموتهم تردد بَين الْحق وَالرَّحْمَة فَالْحق تَعَالَى ينفذ الْمَوْت وَالرَّحْمَة تَدْفَعهُ والمشيئة مترددة بَينهمَا مرّة إِلَى الرَّحْمَة وَمرَّة إِلَى الْحق فَمن كَانَ أَيَّام الْحَيَاة اهتش إِلَى ذكر الله شوقا إِلَيْهِ فغليان الشوق فِي قلبه مراجل وَهَذَا الشوق فِي الْقلب بِالرَّحْمَةِ فَتلك الرَّحْمَة تتحرك لَهُ عِنْد كل نائبة وَأعظم نوائبه الْمَوْت يُرِيد خلاصه وَالْحق من ناحيته يَقْتَضِيهِ أَن ينفذ الْمَوْت عَلَيْهِ والمشيئة من الله تَعَالَى مترددة فِيمَا بَينهمَا مرّة إِلَى هَذَا وَمرَّة إِلَى ذَلِك وَلَا بُد من الْمَوْت فَأَما غير هَؤُلَاءِ فَلَيْسَ لَهُم هَذَا الْحَال فَإِذا جَاءَت الْمَشِيئَة مَعَ الْحق نفذ أمره قَالَ تَعَالَى وَجَاءَت سكرة الْمَوْت بِالْحَقِّ ذَلِك مَا كنت مِنْهُ تحيد فالحائد من الْمَوْت أَيَّام الْحَيَاة يَأْخُذهُ الْحق بتنفيذ الْمَوْت وَلَيْسَ للرحمة حَرَكَة فِي الدّفع عَنهُ لِأَن الْمَشِيئَة لم تَتَرَدَّد بَينهمَا فنفذ وَقَوله إِنِّي لأغضب لَهُم كَمَا يغْضب اللَّيْث الْحَرْب فالليث كريم لَا يُؤْذِي حَتَّى يجترأ عَلَيْهِ فاذا اجترىء عَلَيْهِ اصطفه حَرْب فَكسر وَدَمرَ على من ظفر بِهِ فَمن آذي ولي الله تَعَالَى فَإِنَّمَا يجترىء على الله تَعَالَى يُرِيد أَن يحاربه فَيَأْخُذ مِنْهُ مَا إصطفاه لنَفسِهِ فَيفْسد شَأْنه ويهدم تَرْبِيَته وبنيانه فَإِن الْوَلِيّ إِذا بلغ غَايَة الصدْق فِي السّير إِلَى الله تَعَالَى ومجاهدة النَّفس وفطم نَفسه عَن سيىء الْأَخْلَاق وَقد انْقَطَعت حيلته وَبَقِي بَين يَدَيْهِ ينْتَظر رَحمته انتخبه الله تَعَالَى للولاية ووكل

стр. 601

الْحق بِهِ يهديه ويطهره ويسير بِهِ إِلَيْهِ وَترد إِلَيْهِ الْأَنْوَار من قربه وتطهر نَفسه وتميت مِنْهُ الْأَخْلَاق الرَّديئَة فَذَاك تربية الله تَعَالَى لَهُ فَإِذا تمّ الْبُنيان والتربية كشف الغطاء وأشرق على صَدره نوره وَجعل لِقَلْبِهِ إِلَيْهِ طَرِيقا لَا يَحْجُبهُ عَنهُ شَيْء فَهُوَ ولي الله يَتَوَلَّاهُ فِي أُمُوره وَهُوَ يكلؤه ويستعمله فَمن يتَعَرَّض لَهُ ويظلمه فقد اجترأ على الله تَعَالَى يُرِيد أَن يهدم بُنْيَانه وَيفْسد تَرْبِيَته فَغَضب الله لَهُ وَهَذَا مثل قَوْله ﷺ إياك ونار الْمُؤمن لَا تحرقك وَإِن عثر كل يَوْم سبع مَرَّات فَإِن يَمِينه بيد الله تَعَالَى إِذا شَاءَ أَن ينعشه نعشه وَأَرَادَ بِالْمُؤمنِ هَهُنَا الْمُؤمن الْبَالِغ وَهُوَ الْوَلِيّ لله تَعَالَى الَّذِي احتظى من النُّور والقربة وَقد تولاه الله تَعَالَى فَإِذا تعرضت لَهُ بمكروه فَنَار نوره تحرقك فَأَما الْعَامَّة من الْمُؤمنِينَ فمعه نور التَّوْحِيد وَلَا حَظّ لَهُ من نوره فَلَيْسَ لَهُ نَار تحرق وَلِهَذَا حذرك ﷺ أَن يشْتَبه عَلَيْك أمره فَإِذا رَأَيْته عثر أَو وَقع فِي زلَّة أَن تنظر إِلَيْهِ بِعَين الازراء كَسَائِر الْعَامَّة فَإِن يَمِينه بيد الله تَعَالَى لِأَنَّهُ صَار فِي قَبضته وَقد أَخذه من نَفسه فَهُوَ يمسِكهُ وَهُوَ يحفظه فَإِذا عثر فَتلك العثرة كَانَت فِي تَدْبِير الله تَعَالَى لَهُ ليجدد عَلَيْهِ أَمر أَو ليرفعه إِلَى مَا هُوَ أعظم شَأْنًا وَلَيْسَت تِلْكَ عَثْرَة رفض إِنَّمَا هِيَ عَثْرَة تَدْبِير كَذَا دبر لَهُ كَمَا دبر لداود ﵇ تِلْكَ الْخَطِيئَة ثمَّ انْظُر أَي شَيْء كَانَ لَهُ بعد الْخَطِيئَة من الْكَرَامَة والقربة وَظهر لَهُ من الله تَعَالَى الزلفة والعطف عَلَيْهِ فَيكون للأولياء عثرات يجدد الله تَعَالَى لَهُم بهَا كرامات ويبرز لَهُم مَا كَانَ مغيبا عَنْهُم من حبه إيَّاهُم وَعطفه عَلَيْهِم فينعشهم فَهُوَ مَعَ ذَلِك الذَّنب يَمِينه بيد الله لم يكله إِلَى نَفسه وَلَا تخلى عَنهُ

стр. 602

وَإِنَّمَا يجْرِي عَلَيْهِ الذَّنب ثمَّ ينعشه فيدخله الله الْجنَّة وَيدخل الَّذِي يعير بِهِ النَّار وَقَوله وَمَا تقرب إِلَيّ عَبدِي الْمُؤمن بِمثل أَدَاء مَا افترضته فَإِنَّمَا فرض الله تَعَالَى الْفَرَائِض من الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَالْحج ليحط بهَا عَنهُ الْخَطَايَا وليتطهر بهَا العَبْد قَالَ تَعَالَى وأقم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار إِلَى قَوْله إِن الْحَسَنَات يذْهبن السيئآت فَإِن العَبْد قد يلهو عَن العبودة ويطيع الْهوى ويركب الْخَطَايَا والذنُوب فَهَذِهِ سيئآت قد قبحته وشانته فَإِذا صلى فالقيام تذلل وَتَسْلِيم وَالرُّكُوع خشوع وَالسُّجُود خضوع وَالْجُلُوس رَغْبَة وضرع فَهَذِهِ حَسَنَات تذْهب السيآت وَتظهر الزين وتستر الشين وَأما الزَّكَاة فَقَالَ تَعَالَى خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا وَأما الْحَج فَإِن الله تَعَالَى أَمر بِالْوُقُوفِ ثمَّ قَالَ فِي آخِره فَمن تعجل فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْم عَلَيْهِ وَمن تَأَخّر فَلَا إِثْم عَلَيْهِ أَي يرجعُونَ مغفورين قد حطت عَنْهُم الآثام فَهَذِهِ الْفَرَائِض فَرضهَا عَلَيْهِم لتَكون دَوَاء للداء الَّذِي اكتسبوه فَإِذا أَقَامَهَا فقد تطهر فصلح للقربة فَإِذا تنفل بعد ذَلِك اسْتوْجبَ الْمحبَّة فَإِن النَّفْل فِي الْمَغَازِي كالعطف من الْأَمِير على الْوَاحِد من أهل الْعَسْكَر يَخُصُّهُ بِهِ وَالنَّفْل زِيَادَة على الْقِسْمَة خَارج مِنْهَا يبره الْأَمِير على قدر عنائه فِي الْحَرْب وبلائه فَإِذا تنفل العَبْد بِزِيَادَة على الْفَرْض ينفل الْقرْبَة والمحبة فَإِذا أحبه أَحْيَاهُ وَاخْتَارَهُ وأوصله إِلَى حَبَّة الْقُرْبَى وَلكُل

стр. 603

شَيْء حَبَّة وحبة كل شَيْء وَسطه وجوفه ولبابه فنال الْقرْبَة بأَدَاء الْفَرَائِض وَنفل بالمحبة بالتطوع فأوصل إِلَى أقرب الْقرْبَة وحبته فهناك يحيى قلبه بالحي الَّذِي لَا يَمُوت فَإِذا أَحْيَاهُ بِهِ كَانَ سَمعه وبصره وفؤاده وَلسَانه وَقَوله وَمَا تعبد لي عَبدِي بِمثل الزّهْد فِي الدُّنْيَا هَكَذَا شَأْن العَبْد يزهد فِي كل شَيْء لم يقدر لَهُ فِي اللَّوْح فَمَا أعطي علم أَنه كَانَ قدر لَهُ فَقبله وَمَا منع علم أَنه لم يكن قدر لَهُ فَرفع عَنهُ باله فَإِذا فعل ذَلِك فقد أبرز صدق الْعِبَادَة وتهاون بالدنيا فَلم يلحظ إِلَيْهَا فَهَذَا مِنْهُ تَصْدِيق إِيمَان وَتَحْقِيق لِأَنَّهُ لما أَيقَن بِالآخِرَة وَنظر إِلَيْهَا بِنور الْيَقِين تلاشت الدُّنْيَا فِي عينه فِي جنب مَا أعد الله لَهُ فِي الْآخِرَة فصغرت عِنْده وزهدت وَإِذا قل الشَّيْء فِي عين الْمَرْء تهاون بِهِ فَإِنَّمَا أبصروا قلَّة الدُّنْيَا بِنور الْإِيمَان الَّذِي أبصروا بِهِ كَثْرَة الْآخِرَة وعظمها فنيلوا بذلك وشرفوا وأعرضوا عَن جَمِيعهَا إِلَّا مَا قدر لَهُم فِي اللَّوْح فَعَظمُوا ذَلِك الْقدر الَّذِي أوصل إِلَيْهِم لأَنهم علمُوا أَن هَذَا وصل إِلَيْهِم بتدبير الله تَعَالَى وصنعه وَعطفه وَرَحمته فَعظم شَأْن ذَلِك عِنْدهم فَفَرِحُوا وَاسْتَبْشَرُوا وحمدوا رَبهم وتوسعوا فِي ذَلِك فَمن بلغك عَن أحد من أَئِمَّة السّلف ﵏ أَنه فَرح بِشَيْء مِمَّا أُوتِيَ أَو عظمه فَإِنَّمَا عظمه أَو فَرح بِهِ لَا من طَرِيق قدر الشَّيْء بل فرحه بتدبير الله تَعَالَى وصنعه لَهُ كَيفَ دبر لَهُ مَا قسم لَهُ فِي اللَّوْح وَلها عَمَّا سوى ذَلِك فأنعم فِيهِ النّظر كي لَا تغلط وتظن بهم ظن السوء فالزاهدون متعبدة فعبدوه بالزهد حَتَّى تقربُوا إِلَيْهِ وأعرضوا عَن الدُّنْيَا والأولياء عبيد تَعْبُدُوهُ بالعبودة وتقربوا إِلَيْهِ حَتَّى أَعرضُوا عَن النَّفس فَمن أعرض عَن الدُّنْيَا أَقَامَ الزّهْد وَمن أعرض عَن النَّفس أَقَامَ العبودة وَعَن الْحسن ﵁ بني الْإِسْلَام على عشرَة أَرْكَان أَحدهَا الْإِخْلَاص بِاللَّه تَعَالَى وَهِي الْفطْرَة وَمعنى ذَلِك أَن الْخلق

стр. 604

فطروا على الْمعرفَة فَلَيْسَ أحد يقدر أَن يُنكره فهم يقرونَ بِهِ ويعرفونه معرفَة الْفطْرَة وَقد اسْتَوَى فِيهِ الْخلق قَالَ تَعَالَى ﴿فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا﴾ قَوْله الْإِخْلَاص بِاللَّه أَي الْمُؤمن لما أَدْرَكته الْهِدَايَة وَجعل الله تَعَالَى لَهُ نورا فأحياه خلص الله تَعَالَى أمره الثَّانِي الصَّلَاة وَهِي الْملَّة وَمعنى ذَلِك أَنَّهَا تشْتَمل على أَفعَال مَضْمُومَة بَعْضهَا إِلَى بعض فصيرت فعلا وَاحِدًا وَكَذَلِكَ يجْتَمع الْخلق بأجسادهم على هَذَا الْأَمر الْوَاحِد فَتكون صلَاتهم مَضْمُومَة بَعْضهَا إِلَى بعض فَتكون صَلَاة وَاحِدَة وَالْملَّة مَا ضمت وَلذَلِك سميت الخبزة المضمومة إِلَى الحفرة مِلَّة الثَّالِث الزَّكَاة وَهِي الطهرة وَمَعْنَاهُ أَن الزَّكَاة طهرة لَهُم من أدناسهم قَالَ تَعَالَى خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا فَإِن الله تَعَالَى جعل المَال سَببا لقوام معاشهم وخلقهم مُحْتَاجين مضطرين والمضطر مفزعه إِلَى من اضْطر إِلَى نَفسه فَترك مفزعه وَجعل الْبَاب الَّذِي صير سَببا مفزعا لِحَاجَتِهِ فَمَال بِقَلْبِه عَن الله تَعَالَى وَلِهَذَا سمي مَالا لميل الْقُلُوب عَن الله تَعَالَى إِلَيْهَا فقد دنس بذلك فَقيل تصدقوا أَي أعْطوا من هَذَا المَال مَا يظْهر صدق أقوالكم انا لله وان الْأَمْوَال مِنْهُ فِي أَيْدِينَا وَسميت صَدَقَة لِأَنَّهُ يظْهر بالإعطاء صدق أَقْوَالهم فَتَصِير صَدَقَاتهمْ طهرة لَهُم من أدناسهم إِذا أَصَابَهُ من الْحَلَال يصير دنسا لميل قلبه عَن الله تَعَالَى فَكيف بالحرام والشبهة فالحرام لَا

стр. 605

يطهرها شَيْء والشبهة مَوْقُوفَة والحلال متقبل وَقد أَمر الله تَعَالَى بِالصَّدَقَةِ من مكاسب الْحَلَال والغنائم الرَّابِع الصّيام وَهِي الْجنَّة قَالَ ﷺ حفت الْجنَّة بالمكاره وَالنَّار بالشهوات وَفِي الصّيام ترك الشَّهَوَات فَإِذا تَركهَا فقد ترك حفاف النَّار فَصَارَ جنَّة لَهُ من النَّار الْخَامِس الْحَج وَهِي الشَّرِيعَة فَإِن الله تَعَالَى دعاهم إِلَى أَن يُؤمنُوا بِهِ ويسلموا إِلَيْهِ وَجها وَجعل الْبَيْت معلمه فهناك آثاره وآياته وَقد كَانَ من قبل خلق الأَرْض زبدة بَيْضَاء فاقتضاهم الْإِجَابَة لَهُ بإتيانهم الْمظهر الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَرْش قلبا وبإتيانهم الْمعلم الَّذِي على الأَرْض بدنا وهما طَرِيقَانِ لَهُم إِلَيْهِ السَّادِس الْجِهَاد وَهِي الْعِزَّة وَمعنى ذَلِك أَن الله تَعَالَى دَعَا الْعباد إِلَى أَن يوحدوه فأجابته طَائِفَة وامتنعت طَائِفَة وتعززوا بِالْكبرِ الَّذِي فِي صُدُورهمْ وَالْقُوَّة الَّتِي فِي أبدانهم وَالنعْمَة الَّتِي أسبغها عَلَيْهِم فَقَالَ للطائفة المجيبة أَنْتُم أَنْصَارِي وأوليائي ﴿فَإِذا لَقِيتُم الَّذين كفرُوا فَضرب الرّقاب﴾ فثارت هَذِه الطَّائِفَة حمية لله تَعَالَى ونصرته وولايته فَقَتَلُوهُمْ وأخذوهم وَأسرُوهُمْ قَالَ الله تَعَالَى وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ فالجهاد هُوَ الْعِزَّة السَّابِع الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ الْحجَّة لِأَن الْمُرْسلين بعثوا لذَلِك

стр. 606

فَمن فعله من بعدهمْ فَهُوَ من خلفائهم يُقيم حجَّة الله على خلقه الثَّامِن النَّهْي عَن الْمُنكر وَهُوَ الواقية قَالَ الله تَعَالَى ﴿كَانُوا لَا يتناهون عَن مُنكر فَعَلُوهُ﴾ وَقَالَ ﷺ إِن الظَّالِم إِذا لم يَأْخُذُوا على يَدَيْهِ يُوشك أَن يعمهم الله بِعَذَاب وروى النُّعْمَان بن بشير ﵁ يَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ على منبرنا هَذَا يَقُول مثل الْقَائِم على حُدُود الله والمداهن فِي حُدُود الله والساكت عَنهُ والراكب حُدُود الله كَمثل قوم ركبُوا سفينة فاقترعوا منازلها فَأخذ أحدهم الْقدوم فَنقرَ السَّفِينَة فَقَالَ أحدهم لآخر يخرق السَّفِينَة وَيُرِيد أَن يغرقنا فَقَالَ لَهُ الآخر دَعه فَإِنَّمَا يخرق مَكَانَهُ فَإِن تَرَكُوهُ هلك وهلكوا وَإِن أخذُوا على يَدَيْهِ نجا ونجوا فَإِذا غيروا ونهوا كَانَ ذَلِك واقية للعذاب وَالتَّاسِع الطَّاعَة وَهِي الْعِصْمَة فَإِن طَاعَة الْأَئِمَّة مَنُوط بِطَاعَة الله تَعَالَى وَهِي عصمَة بهم يعصمهم الله تَعَالَى ويسكن الْفِتْنَة ويقمع أهل الريب وَيقوم الْحَج وَالْجهَاد وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر

стр. 607

فالسلطان شَأْنه عَظِيم وَهُوَ رَحْمَة من الله تَعَالَى فطاعتهم عصمَة والعاشر الْجَمَاعَة وَهِي الألفة فَإِن الله تَعَالَى جمع الْمُؤمنِينَ على معرفَة وَاحِدَة وَشَرِيعَة وَاحِدَة ليألف بَعْضهَا بَعْضًا بِاللَّه تَعَالَى وَفِي الله فيكونون كَرجل وَاحِد قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة﴾ فَإِذا لم يخرج إِلَى حدث وَلَا إِلَى بِدعَة فَهُوَ فِي الألفة مَعَهم وَالله أعلم وَأحكم

стр. 608

- الأَصْل الثَّالِث وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَة - فِي مَذَاهِب أهل الْأَهْوَاء عَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا من هم قلت الله وَرَسُوله أعلم قَالَ هم أَصْحَاب الْأَهْوَاء وَأَصْحَاب الْبدع وَأَصْحَاب الضلال من هَذِه الْأمة يَا عَائِشَة إِن لكل ذَنْب تَوْبَة مَا خلا أَصْحَاب الْأَهْوَاء والبدع لَيْسَ لَهُم تَوْبَة أَنا مِنْهُم بَرِيء وهم مني برَاء أهل الْأَهْوَاء قوم استعملوا أهواءهم والأهواء ميالة عَن الله تَعَالَى فَحَيْثُ مَا مَالَتْ اتبعها قُلُوبهم لِأَنَّهُ لم يكن فِي قُلُوبهم من النُّور مَا يصدهم عَن إتباعها قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ فيتبعون مَا تشابه مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَة وابتغاء تَأْوِيله﴾ وَسميت زيغا لِأَنَّهَا زائغة بِالْقَلْبِ عَن الله تَعَالَى وَأهل الْأَهْوَاء كلما استحلوا شَيْئا ركبوه واتخذوه دينا حَتَّى ضربوا الْقُرْآن بعضه بِبَعْض وحرفوه فَمنهمْ من يرفض حَتَّى جحد نبوة مُحَمَّد ﷺ ونسبوا الرسَالَة

стр. 609

إِلَى عَليّ كرم الله وَجهه وَمِنْهُم من اتَّخذهُ رَبًّا فَدخل عَلَيْهِ فَقَالَ أَنْت رَبِّي فَقَامَ عَليّ فوطئه بقدمه حَتَّى قَتله وَأحرقهُ بالنَّار وَمِنْهُم من أبدعوا من تِلْقَاء أنفسهم بدعا فازالت بهم تِلْكَ الْبدع حَتَّى أدتهم إِلَى الْخُرُوج على عَليّ ﵁ وَإِلَى حربه وهم الْخَوَارِج وَأهل حروراء وَقوم قد تزهدوا بِغَيْر علم فأداهم الْجَهْل إِلَى أَن أبدعوا من تِلْقَاء أنفسهم بدعا وَحَسبُوا أَن الزّهْد فِي الدُّنْيَا تجنب الْأَشْيَاء فعلا وَالْعُزْلَة من أهل الدُّنْيَا فضيعوا الْحُقُوق وَقَطعُوا الْأَرْحَام وجفوا الْخلق واكفهروا فِي وُجُوه الْأَغْنِيَاء وَفِي قُلُوبهم من شَهْوَة الْغنى أَمْثَال الْجبَال الشامخات وَلم يعلمُوا أَن أصل الزّهْد موت الشَّهَوَات من الْقلب فَلَمَّا اعتزلوها بالجوارح اكتفوا بِهِ وَحَسبُوا أَنهم استكملوا الزّهْد حَتَّى تأدى بهم الْجَهْل إِلَى أَن طعنوا فِي الْأَئِمَّة الَّذين عرفُوا بسعة المعاش وَكَثْرَة المَال حَتَّى عابوا الْأَنْبِيَاء وطعنوا على سُلَيْمَان ﵈ وَقوم زَعَمُوا أَنهم توكلوا على رَبهم وَأَن الطّلب شكّ وَأَن الرزق يَأْتِي فِي وقته فقعدوا رفضا للطلب والمكسب فضيعوا الأهلين وَالْأَوْلَاد فِي خلال ذَلِك يتدنسون فِي أَبْوَاب المطامع ويخادعون الله تَعَالَى فِي مُعَامَلَته وَقوم اتَّخذُوا الْعلم الَّذِي هُوَ حجَّة الله تَعَالَى على عباده حِرْفَة وصيروها مأكلة فأكدوا بهَا رياستهم واحتظوا بِهِ من الْقُلُوب وصحبوا بهَا الْمُلُوك ختلا لما فِي أَيْديهم من الحطام فلينوا لَهُم فِي القَوْل طَمَعا لما فِي أَيْديهم وداهنوهم لما يرجون من نوالهم وساعدوهم على تجبرهم وجورهم

стр. 610

وَقوم مفتونون نسبوا إِلَى الدّين والتقطوا الرُّخص وزلات الْعلمَاء فاتخذوها دينا وتذرعوا بذلك إِلَى شهواتهم وزينوا لِلْخلقِ بذلك تسترا على أَحْوَالهم السَّيئَة من تعَاطِي الْأَشْرِبَة الْمُحرمَة والمكسبة الرَّديئَة وَأَشْبَاه ذَلِك وَقوم هم أهل الضَّلَالَة كالمشبهة والقدرية والجبرية والجهمية وأشباههم مَالَتْ قُلُوبهم وأبدعوا وَضَلُّوا عَن الله تَعَالَى فَإِن الله تَعَالَى اقْتضى للعباد الْإِسْلَام دينا وَالْإِسْلَام تَسْلِيم النَّفس وَالدّين الخضوع لله تَعَالَى بِتَسْلِيم النَّفس إِلَيْهِ قَالَ الله تَعَالَى وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ فَجعل الدّين فِي تَسْلِيم النَّفس إِلَيْهِ فدانوا بِأَن سلمُوا نُفُوسهم إِلَيْهِ قبولا لآمره وطاعته فَأنْزل كلَاما فرقانا يفرق بَين الْحق وَالْبَاطِل وَأمر بالاعتصام بِهِ وَأَشَارَ إِلَى دَار السَّلَام أَن هَذَا مصيركم وإليها أدعوكم فَقَالَ واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا وَهُوَ عَهده

стр. 611

الَّذِي أنزل قَالَ وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام وَدلّ على الطَّرِيق الْمُسْتَقيم إِلَيْهَا من غير تعريج وَلَا تلوية ودبر فِي هَذَا الطَّرِيق فَرَائض مَعْلُومَة وسننا وَأخذ زِينَة ليَوْم الْعرض عَلَيْهِ فالزائغون تركُوا الخضوع لله تَعَالَى وَتَسْلِيم النَّفس إِلَيْهِ ففارقوا دينهم فصاروا شيعًا وأحزابا وزين لَهُم سوء أَعْمَالهم وسد عَلَيْهِم بَاب الْقدر فاستبدوا وتعمقوا فِي طلبه حَتَّى هَلَكُوا وأداهم ذَلِك إِلَى أَن برءوا الله من قدرته وشاركوه فِي مَشِيئَته إفكا وافتراء وسد عَلَيْهِم بَاب دَرك الْكَيْفِيَّة فاستبدوا يطْلبُونَ الكنه والكيفية حَتَّى عدلوه بخلقه وسد عَلَيْهِم بَاب التعمق فَمَا زَالُوا ينزهونه حَتَّى تاهوا فِي الْإِلْحَاد عَنهُ فنفوا عَنهُ مَا لم ينف عَن نَفسه الْكَرِيمَة وَقَالَ ﷺ قد افْتَرَقت بَنو إِسْرَائِيل الْيَهُود مِنْهُم على إِحْدَى وَسبعين فرقة كلهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة وافترقت النَّصَارَى على اثْنَتَيْنِ وَسبعين فرقة كلهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة وَسَتَفْتَرِقُ هَذِه الْأمة على ثَلَاث وَسبعين فرقة كلهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة قيل يَا رَسُول الله من هَذِه الْوَاحِدَة قَالَ السوَاد الْأَعْظَم وَعَن عمر ﵁ قَالَ أَتَانِي رَسُول الله ﷺ وَأَنا أعرف الْحزن فِي وَجهه فَأخذ بلحيته فَقَالَ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون

стр. 612

قَالَ وأتاني جبرئيل فَقَالَ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون قلت أجل فانا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون فمم ذَاك يَا جبرئيل قَالَ إِن أمتك مفتتنة بعْدك بِقَلِيل من الدَّهْر غير كثير فَقلت فتْنَة كفر أَو فتْنَة ضَلَالَة قَالَ كل ذَلِك سَيكون قلت وَمن أَيْن ذَاك وَأَنا تَارِك فيهم كتاب الله تَعَالَى قَالَ بِكِتَاب الله يضلون وَأول ذَلِك من قبل قرائهم وأمرائهم يمْنَع الْأُمَرَاء النَّاس حُقُوقهم فَلَا يعطونها فيقتتلوا وَيتبع الْقُرَّاء أهواء الْأُمَرَاء فيمدونهم فِي الغي ثمَّ لَا يقصرون قلت يَا جبرئيل فَبِمَ يسلم من يسلم مِنْهُم قَالَ بالكف وَالصَّبْر إِن أعْطوا الَّذِي لَهُم أَخَذُوهُ وَإِن منعُوا تَرَكُوهُ وَعَن أَفْلح مولى رَسُول الله ﷺ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أخوف مَا أَخَاف على أمتِي ثَلَاث ضَلَالَة الْأَهْوَاء وَاتِّبَاع الشَّهَوَات فِي الْبَطن والفرج وَالْعجب وَإِنَّمَا صَار هَؤُلَاءِ فرقا لأَنهم فارقوا دينهم فبمفارقة الدّين تشتتت أهواءهم فافترقوا فَأَما اصحاب رَسُول الله ﷺ بعده فقد اخْتلفُوا فِي أَحْكَام الدّين فَلم يفترقوا لأَنهم لم يفارقوا الدّين وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِيمَا أذن لَهُم النّظر فِيهِ وَالْقَوْل بِاجْتِهَاد الرَّأْي وَاخْتلفت آراؤهم فاختلفت أَقْوَالهم وَقد أمروا بذلك فصاروا باختلافهم محمودين لِأَنَّهُ أدّى كل وَاحِد مِنْهُم على حياله مَا أَمر من جهد الرَّأْي وَالنَّظَر فِيهِ وَكَانَ ذَلِك الِاخْتِلَاف رَحْمَة من الله تَعَالَى على هَذِه الْأمة حَيْثُ

стр. 613

أَيّدهُم بِالْيَقِينِ ثمَّ وسع على الْعلمَاء مِنْهُم النّظر فِيمَا لَا يَجدونَ ذكره فِي التَّنْزِيل وَلَا فِي سنة الرَّسُول ﷺ حَتَّى يلحقوه بِبَعْض وَكَانُوا أهل مَوَدَّة وَعطف متناصحين أخوة الْإِسْلَام فِيمَا بَينهم قَائِمَة فَكل مَسْأَلَة حدثت فِي الْإِسْلَام فَخَاضَ فِيهَا النَّاس وَاخْتلفُوا فَلم يُورث ذَلِك الِاخْتِلَاف عَدَاوَة بَينهم وَلَا بغضا وَلَا فرقة علم أَن ذَلِك من مسَائِل الْإِسْلَام يتناظر فِيهِ وَيَأْخُذ كل فريق بقول من تِلْكَ الْأَقْوَال ثمَّ لَا يكونُونَ على أَحْوَالهم من الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة والألفة والمودة والنصيحة كَمَا فعل الصَّحَابَة والتابعون رضوَان الله عَلَيْهِم وكل مَسْأَلَة حدثت فَاخْتَلَفُوا فِيهَا فردهم اخْتلَافهمْ فِي ذَلِك إِلَى التولي والإعراض وَالرَّمْي بالْكفْر علم أَن ذَلِك لَيْسَ من أَمر الدّين فِي شَيْء بل حدثت من الْأَهْوَاء المردية الداعية صَاحبهَا إِلَى النَّار وتورث الْعَدَاوَة والتباين والفرقة لِأَنَّهَا من الَّتِي ابتدعها الشَّيْطَان فأقاها على أَفْوَاه أوليائه ليختلفوا وَيَرْمِي بَعضهم بَعْضًا بالْكفْر لِأَنَّهُ مَا خلت قُلُوبهم من خشيَة الله تَعَالَى وَخَوف عِقَابه بِمَا قدمت أَيْديهم من ذكر الْمَوْت والأهوال الَّتِي أمامهم والاهتمام بِصِحَّة الْأُمُور وَطلب الْخَلَاص فِيمَا بَينهم والانتباه لحسن صَنِيعه بهم وَطلب النجَاة من رق النُّفُوس إِلَى حريَّة العبودة لرَبهم فَلَمَّا خلت من هَذِه الْأَشْيَاء قُلُوبهم وجد الْعَدو فرْصَة فَألْقى إِلَيْهِم مثل هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي يعلم المستنيرة قُلُوبهم أَن هَذَا تكلّف وخوض فِيمَا لَا يعنيه مثل قَوْلهم فِي الْجَبْر وَالْقدر والاستطاعة قبل الْفِعْل وَمَعَهُ وَطلب كَيْفيَّة صِفَات الله تَعَالَى وَفِي الْإِيمَان مَخْلُوق هُوَ أم لَا وَفِي الْقُرْآن مَا هُوَ وَفِي الْإِمَامَة من اسْتحقَّهَا بعد الرَّسُول ﷺ حَتَّى أداهم ذَلِك إِلَى أَن رفضوا الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم وأظهروا شتمهم فلولا خذلانهم ونكوس قُلُوبهم لكانوا لَا يشتغلون بِمثل هَذَا وهم قوم قد مضوا إِلَى الله تَعَالَى بأعمالهم وَهُوَ يقسم لَهُم الْمنَازل بهواه وَيحمل بَعْضًا على بعض قَالَ الله تَعَالَى تِلْكَ أمة قد

стр. 614

خلت لَهَا مَا كسبت وَلكم مَا كسبتم وَلَا تسْأَلُون عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ) وَقد بعث رَسُول الله ﷺ مبلغا ومعلما وهاديا فَخرج من الدُّنْيَا وَقد بلغ الرسَالَة وَأدّى الْأَمَانَة وَعلم وَهدى وأبلغ فِي النَّصِيحَة فَأَيْنَ القَوْل مِنْهُ للْأمة فِي هَذِه الْأَشْيَاء وَأَيْنَ هدايته وتعليمه لَهُم وَلم يُوجد من الرَّسُول ﷺ خبر وَاحِد فِي ذَلِك فَإِن كَانَ بعث مبلغا وَقد بلغ وَلم يكتم شَيْئا من الْوَحْي فَأَيْنَ هَذَا فِي الْوَحْي وَفِي السّنَن الَّتِي جَاءَت عَنهُ وَقد أدَّت عَنهُ أَئِمَّة الدّين آدَاب الْإِسْلَام فِي طعامهم وشرابهم ونومهم وخلائهم ووضوئهم ولباسهم ومشيهم وزيهم وَتركُوا هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي أدّى اخْتِلَاف الْقَائِلين عَنهُ إِلَى اكفار بَعضهم بَعْضًا ليعلم أَن هَذِه من مسَائِل الْفِتْنَة وَأَنَّهَا تُؤدِّي إِلَى الْحيرَة وَأَن الْكَلَام فِي ذَلِك مِمَّا لم يُؤذن فِيهِ

стр. 615

- الأَصْل الرَّابِع وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَة - فِي أَن أحب الْأَصْوَات إِلَى الله تَعَالَى صَوت عبد لهفان عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من صَوت أحب إِلَى الله تَعَالَى من صَوت عبد لهفان قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا اللهفان قَالَ ﷺ عبد أصَاب ذَنبا فَكلما ذكر بِذَنبِهِ امْتَلَأَ قلبه فرقا من الله تَعَالَى فَقَالَ يَا رباه اللهفان على مخرج فعلان إِذا كَانَ الشَّيْء الغا غَايَته فَهُوَ غَايَة التلهف على مَا فَاتَهُ بالتوجع وَالْفرق نفار الْقلب وَالْعَبْد إِذا اشْتَدَّ هيبته وَهُوَ الْغَالِب على قلبه وَذكر ذَنبه نفر قلبه بِمَا يلاحظه فَذَاك الْفرق فَإِذا امْتَلَأَ قلبه من ذَلِك فرق فَنَادَى نِدَاء من ينحط من مهوى لَا يدْرِي مَا قَعْره فَهُوَ فِي الانحطاط يُنَادي نِدَاء مستغيث يتلهف على مَا فَاتَهُ من مَكَان الْقرْبَة بغاية التلهف يَا رباه نِدَاء ندبة الثكلى نِدَاء توجع وحرقة وللفرق شَأْن عَظِيم لِأَنَّهُ عاين الْقلب سُلْطَانا عَظِيما وَهُوَ فِي مَحل ملك الْملك فَلم يَتَمَالَك الْقلب أَن لَا يفرق لانه فتح لَهُ من ملك الهيبة مَا فرقه

стр. 616

وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ قَرَأَ الْقُرْآن وَبَين يَدَيْهِ رجل فَسقط فَمَاتَ فَقَالَ ﷺ إِن الْفرق فلذ كبده أَي قطعه لِأَن الكبد مُتَّصِل بِالْقَلْبِ من شقَّه الْأَيْمن فحرارته أحرقت الكبد

стр. 617

- الأَصْل الْخَامِس وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَة - فِي سنَن الْمُرْسلين عَن مليح بن عبد الله الخطمي عَن أَبِيه عَن جده رضوَان الله عَلَيْهِم قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ خمس من سنَن الْمُرْسلين الْحيَاء والحلم والحجامة والسواك والتعطر وَفِي رِوَايَة أبي أَيُّوب أَربع من سنَن الْمُرْسلين التعطر وَالْحيَاء وَالنِّكَاح والسواك مَعْنَاهُ هَذِه الْخَمْسَة من شَأْنهمْ أما الْحيَاء فَإِن النُّور إِذا دخل الْقلب تخلص الرّوح من أسر النَّفس فَصَارَ إِلَى طبعه السماوي فالحياء خجالة الرّوح وتلكيه عَن كل عمل لَا يحسن فِي أهل السَّمَاء فَصَارَ الْحيَاء من شَأْنهمْ لطهارة الرّوح من أَسبَاب النَّفس وَأما الْحلم فَهُوَ سَعَة الصَّدْر وانشراحه لوُرُود النُّور

стр. 618

وَأما الْحجامَة فلأجل أَن للدم حرارة وَقُوَّة وللنور حرارة فَإِذا لم ينقص من حرارة الدَّم أضربه وتبيغ الدَّم فَقتل لِأَن النُّور غَالب على صُدُورهمْ وَقُلُوبهمْ فتغلي من ذَلِك دِمَاؤُهُمْ فَإِذا لم يأخذوها فارت وأضرت وَكَانَ ﷺ يلقى من الصداع من نور الْوَحْي فيغلف رَأسه بِالْحِنَّاءِ ليخفف عَن رَأسه بِالْحِنَّاءِ سُلْطَان تِلْكَ الْحَرَارَة وَمِمَّا يُحَقّق ذَلِك مَا رُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ مَا مَرَرْت بملأ من الْمَلَائِكَة لَيْلَة أسرِي بِي إِلَّا قَالُوا يَا مُحَمَّد مر أمتك بالحجامة وَإِنَّمَا خصت هَذِه الْأمة من أجل زِيَادَة النُّور قَالَ ﷺ مَا أَعْطَيْت أمة مَا أَعْطَيْت أمتِي من الْيَقِين وَأما السِّوَاك فَلِأَنَّهُ طَرِيق التَّنْزِيل وَالْوَحي الْوَارِد وَمَوْضِع نجوى الْمَلَائِكَة فَكَانُوا يقصدون تطييبها وتطهيرها لِئَلَّا يُؤْذِي الْملك وتضيع حُرْمَة الْوَحْي وَأما النِّكَاح فَإِن الْأَنْبِيَاء ﵈ زيدوا فِي النِّكَاح بِفضل نبوتهم فَإِنَّهُ إِذا امْتَلَأَ الصَّدْر بِالنورِ وفاض فِي الْعُرُوق التذت النَّفس وَالْعُرُوق فأثارت الشَّهْوَة وقواها وريح الشَّهْوَة إِذا قويت فَإِنَّمَا تقَوِّي من الْقلب وَالنَّفس فَعندهَا تَجِد الْقُوَّة قَالَ ﷺ أَعْطَيْت قُوَّة أَرْبَعِينَ رجلا من الْبَطْش وَالنِّكَاح وَأعْطِي الْمُؤمن قُوَّة عشرَة

стр. 619

قَالَ ابْن عمر ﵄ مَا أعطي أحد من الْجِمَاع بعد رَسُول الله ﷺ مَا أَعْطَيْت أَنا وَأما التعطر فَإِن الطّيب يذكي الْفُؤَاد وَأَصله من الْجنَّة وَحين تستر آدم ﵇ بِوَرَقَة مِنْهَا فرحم وَتركت عَلَيْهِ فَمن ذَلِك أصل الطّيب فَفِي تذكية الْفُؤَاد قُوَّة الْقلب والجوارح لِأَن حسن الْقلب بالفؤاد لِأَن الْأذن عَلَيْهِ وَالْبَصَر لَهُ والنور بَين الْقلب والفؤاد والرؤية للفؤاد قَالَ الله تَعَالَى ﴿مَا كذب الْفُؤَاد مَا رأى﴾ والفؤاد اللحمة الظَّاهِرَة وَالْقلب اللحمة الْبَاطِنَة وَإِنَّمَا هِيَ بضعَة وَاحِدَة بَعْضهَا مُشْتَمل على بعض فأظهر فَهُوَ فؤاد فاذا كَانَ الْفُؤَاد منحرفا لم يع شَيْئا من النُّور قَالَ الله تَعَالَى وأفئدتهم هَوَاء أَي منحرفة لَا تعي شَيْئا وَلَا تعقل وَهُوَ قَوْله ﷺ أَتَاك أهل الْيمن أَلين قلوبا وأرق أَفْئِدَة

стр. 620

- الأَصْل السَّادِس وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَة - فِي ذكر الْفَاجِر بِمَا فِيهِ للتحذير مِنْهُ عَن بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده رضوَان الله عَلَيْهِم قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَتَرْعَوْنَ عَن ذكر الْفَاجِر حَتَّى يعرفهُ النَّاس إذكروه بِمَا فِيهِ يحذرهُ النَّاس الْفَاجِر هُوَ الَّذِي يفجر الْحُدُود فَإِن الْإِسْلَام كحظيرة حظرها الله تَعَالَى على أَهله فَلَا يتعدون حُدُود الحظائر فَإِذا ثلم أحدهم الحظيرة بِالْخرُوجِ مِنْهَا متخطيا إِلَى مَا وَرَائِهَا فقد فجرها ونعني بالفاجر الْفَاجِر الموحد دون الْكَافِر فَإِن الْمُشرك لَا حُرْمَة لَهُ وَلَا يتوقى لذكره وَقد تورعوا عَن ذكر الْمُسلم لحُرْمَة التَّوْحِيد وَلِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يحث على السّتْر وَهُوَ يَقُول من ستر الْمُسلم ستره الله تَعَالَى وَمن هتك سترا لِأَخِيهِ هتك الله تَعَالَى ستره فهابوا هَذَا الْأَمر

стр. 621

وَكفوا فَقَالَ لَهُم ﷺ أَتَرْعَوْنَ عَن ذكر الْفَاجِر مَعْنَاهُ إِذا غلب عَلَيْهِ الْفُجُور وَقد أعلن بِهِ وهتك ستره فَإِذا لم يبْق لَهُ سترا اسْتَحَالَ أَن يستر أَو يكتم أمره وَفِي كتمان أمره خِيَانَة وَلِهَذَا قَالَ ﷺ حَتَّى يعرفهُ النَّاس ثمَّ بَين نفع الذّكر فَقَالَ يحذرهُ النَّاس وَإِنَّمَا هَذَا الذّكر لمن احتسب بِهِ النَّصِيحَة للعامة لِئَلَّا يعثر مُسلم بِهِ فَأَما من ذكر تشفيا لغيظه أَو تنقما لنَفسِهِ فَهُوَ خَارج عَن هَذَا الحَدِيث حَتَّى يذكرهُ على تِلْكَ النِّيَّة

стр. 622

- الأَصْل السَّابِع وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَة - فِي أَن لَا أحد أحب إِلَيْهِ الْعذر من الله تَعَالَى وَعرض الاعمال عَن النُّعْمَان بن بشير ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لم يبْق من الدُّنْيَا إِلَّا مثل الذُّبَاب تمور فِي جوها فَالله الله فِي إخْوَانكُمْ من أهل الْقُبُور فان أَعمالكُم تعرض عَلَيْهِم الْأَرْوَاح أَنْوَاع أَرْوَاح تجول فِي البرزخ فتبصر أَحْوَال الدُّنْيَا وَالْمَلَائِكَة تَتَحَدَّث فِي السَّمَاء عَن أَحْوَال الْآدَمِيّين وأرواح تَحت الْعَرْش وأرواح طيارة فِي الْجنان على قدر أقدارهم من السَّعْي أَيَّام الْحَيَاة إِلَى الله تَعَالَى والعبودة لَهُ فِي محلهم قَالَ سلمَان ﵁ أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ تذْهب فِي بزرخ من الأَرْض حَيْثُ شَاءَت من السَّمَاء وَالْأَرْض حَتَّى يردهَا الله تَعَالَى إِلَى جَسدهَا فَإِذا تردت الْأَرْوَاح هَكَذَا علمت أَحْوَال الْأَحْيَاء وَإِذا ورد عَلَيْهِم ميت الْتَقَوْا بِهِ فتحدثوا وتسائلوا عَن الْأَخْبَار وَخرج من تَدْبِير الله تَعَالَى أَن وكل بهم أَيْضا مَلَائِكَة تعرض أَعمال الْأَحْيَاء عَلَيْهِم كي إِذا عرضوا عَلَيْهِم مَا يعاقبون بِهِ فِي الدُّنْيَا ويصابون بِهِ من أَنْوَاع

стр. 623

المصائب من أجل الذُّنُوب كَانَ عذر الله تَعَالَى ظَاهرا مكشوفا عِنْد الْأَمْوَات بِأَنَّهُ لَا أحد احب إِلَيْهِ الْعذر من الله تَعَالَى قَالَ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ أنس ﵁ إِن أَعمالكُم تعرض على عشائركم وأقاربكم من الْمَوْتَى فَإِن كَانَ خيرا اسْتَبْشَرُوا بِهِ وَإِن كَانَ غير ذَلِك قَالُوا اللَّهُمَّ لَا تمتهم حَتَّى تهديهم إِلَى مَا هديتنا وَقَالَ ﷺ تعرض الْأَعْمَال يَوْم الِاثْنَيْنِ وَيَوْم الْخَمِيس على الله تَعَالَى وَتعرض على الْأَنْبِيَاء وعَلى الْآبَاء والأمهات يَوْم الْجُمُعَة فيفرحون بحسناتهم ويزدادون وُجُوههم بيضًا ونزهة فَاتَّقُوا الله وَلَا تُؤْذُوا مَوْتَاكُم وروى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الله تَعَالَى يعْتَذر إِلَى آدم يَوْم الْقِيَامَة بِثَلَاثَة معاذير يَقُول الله تَعَالَى يَا آدم لَوْلَا أَنِّي لعنت الْكَذَّابين وَأبْغض الْكَذِب وَالْحلف وأعذب عَلَيْهِ لرحمت الْيَوْم ذريتك أَجْمَعِينَ من شدَّة مَا أَعدَدْت لَهُم من الْعَذَاب وَلَكِن حق القَوْل مني لمن كذب رُسُلِي وَعصى أَمْرِي لأملئن جَهَنَّم مِنْهُم أَجْمَعِينَ وَيَقُول الله تَعَالَى يَا آدم إِنِّي لَا أَدخل أحدا من ذريتك النَّار وَلَا أعذب أحدا مِنْهُم بالنَّار إِلَّا من قد علمت فِي سَابق علمي أَنِّي لَو رَددته إِلَى الدُّنْيَا لعاد إِلَى شَرّ مِمَّا كَانَ فِيهِ لم يُرَاجع وَلم يعتب وَيَقُول لَهُ يَا آدم قد جعلتك الْيَوْم حكما بيني وَبَين ذريتك قُم عِنْد الْمِيزَان فَانْظُر مَا يرفع إِلَيْك من أَعْمَالهم فَمن رجح مِنْهُم خَيره على شَره مِثْقَال ذرة فَلهُ الْجنَّة حَتَّى تعلم أَنِّي لَا أَدخل النَّار مِنْهُم إِلَّا ظَالِما فَإِذا ستر الله على عبد فِي دُنْيَاهُ عِنْد

стр. 624

الْأَحْيَاء ستر عَلَيْهِ عِنْد الْأَمْوَات وَذَلِكَ لمن ولي الله تَدْبيره ستره لِئَلَّا يرى الْخلق من الْأَحْيَاء والأموات معايبه رُوِيَ أَن أَبَا أَيُّوب الْأنْصَارِيّ ﵁ خرج غازيا فِي أَرض الرّوم فَقص عَلَيْهِ قاص فَقَالَ لَيْسَ أحد من بني آدم يعْمل عملا أول النَّهَار إِلَّا عرض على معارفه من أهل الْآخِرَة فِي آخر النَّهَار وَلَا عمل عملا فِي آخر النَّهَار إِلَّا عرض على معارفه من أول الْغَد فَقَالَ أَبُو أَيُّوب إِن ذَاك لكذاك اللَّهُمَّ لَا تفضحني عِنْد سعد بن عبَادَة وَلَا عِنْد عبَادَة بن الصَّامِت مِمَّا عملت بعدهمَا فَقَالَ الْقَاص وَالله الَّذِي لَا إِلَه غَيره مَا كتب الله لعبد ولَايَته إِلَّا ستر عَوْرَته وَأثْنى عَلَيْهِ بِأَحْسَن عمله وَمعنى ولَايَة التَّدْبِير أَن الله تَعَالَى شرع السَّبِيل وَهدى الْقُلُوب ورزق الْعُقُول وأكد الْحجَّة بالرسل وَبِمَا جَاءُوا بِهِ من الْبَيَان وأيد بِالْمَلَائِكَةِ يهْدُونَ ويسددون وَقيل لَهُم سِيرُوا إِلَى الله تَعَالَى سيرا مُسْتَقِيمًا فِي هَذَا الصِّرَاط فَإِن عارضتم نفوسكم بِخِلَاف مَا أَمر الله تَعَالَى فجاهدوها وسلوا الله المعونة فَهَذَا تَدْبيره الَّذِي وَضعه للْجَمِيع فَمن صدق الله تَعَالَى فِي مجاهدة النَّفس حَتَّى بلغ أقصاها لم يقدر على أَكثر من أَن يمْنَع قلبه من الْكفْر كَمَا يمْنَع جوارحه من الْعَمَل فَهَذَا غَايَة جِهَاد النَّفس وَتَصْحِيح الْبَاطِن وَالظَّاهِر وَنِهَايَة الصدْق فقد أَتَى بالوسع وَحَال الطَّبْع بَاقٍ على تركيبه من الشَّهْوَة واللذة وَالْغَضَب وَالرَّغْبَة والرهبة وَمن هَذِه الْأَشْيَاء حدثت الْمعاصِي إِلَى الْقُلُوب وَمِنْه إِلَى الْأَركان فيجأر إِلَى الله تَعَالَى لكدورة الْأَخْلَاق فَإِنَّهَا تكدر عَلَيْهِ إيمَانه فَلَا يصفو فَعندهَا يرحمه الله تَعَالَى عِنْد انْقِطَاع أَسبَابه وتغوثه بهَا صَارِخًا مُضْطَرّا فَيَأْخذهُ من تَدْبيره الَّذِي وَضعه لِعِبَادِهِ وَمن مجاهدة النَّفس إِلَى تَدْبيره الَّذِي وَضعه لِعِبَادِهِ وَمن مجاهدة النَّفس إِلَى تَدْبِير نَفسه فَهُوَ الْقَادِر على ذَلِك

стр. 625

فيوكل بِهِ الْحق ﵎ حَتَّى يسير بِهِ إِلَى منَازِل الْقرْبَة فَلَمَّا سَار فِي الْقرْبَة زيد مركبا من النُّور ليسير بِهِ إِلَى مَحَله من الْقرْبَة فَكل نور يُزَاد يَمُوت من طبعه بِقدر ذَاك لِأَنَّهُ يُزَاد بِكُل نور قربَة وتخطي إِلَى مَحَله فَيَزْدَاد بِاللَّه تَعَالَى علما مِنْهُ وخشية فَالْحق ﵎ يربيه بِهَذِهِ الْأَنْوَار حَتَّى إِذا انْتَهَت التربية وَتغَير الطَّبْع عَن النفسية إِلَى خلق الْإِيمَان جذب جذبة إِلَى مَحل الْقرْبَة وانكشف لَهُ الغطاء عَن جلال الله تَعَالَى وعظمته فانتهبت فِيهِ وَإِذا الْهوى قد طاوعته وَالنَّفس قد مَاتَت فحيى قلبه بِاللَّه تَعَالَى فَهُوَ الصدْق فَهَذَا وَإِن كَانَ صديقا فَلم يخل من ذَنْب كَانَ فِي سَابق علم الله تَعَالَى وَجرى بذلك الْقَلَم فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ فَهُوَ يعمله لَا محَالة لكنه فِي ستر عِنْد الْأَحْيَاء وَفِي ستر عِنْد الْأَمْوَات وَالله أَعلَى وَأعلم وَأحكم

стр. 626

- الأَصْل الثَّامِن وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَة - فِي أَن الْمَرَض لِلْمُؤمنِ تمحيص للذنوب عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مثل الْمَرِيض إِذا برىء من مَرضه وَصَحَّ كَمثل الْبردَة تقع من السَّمَاء فِي صفائها ولونها الْمُؤمن يتلوث فِي شهواته فتدنس الْأَفْعَال وتوسخ الْأَركان وتكدر الطلاوة فَإِذا رَحمَه وَأَرَادَ بِهِ خيرا أسقمه حَتَّى يطهره ويصفيه فالمرض لِلْمُؤمنِ تمحيص من الآثام كالفضة تلقى فِي كيرة ينْفخ عَلَيْهِ يَزُول خبثه وتصفو فضته فتصلح للضرب وَالسِّكَّة والتشرف باسم الْملك على وَجهه فشبهه بعد الْبُرْء بالبردة صفاء وطيبا وطهارة ونظافة

стр. 627

- الأَصْل التَّاسِع وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَة - فِي حسن الْمُجَاورَة لنعم الله تَعَالَى عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ فَرَأى كسيرة ملقاة فَمشى إِلَيْهَا فمسحها فَقَالَ يَا عَائِشَة أحسني جوَار نعم الله تَعَالَى فَإِنَّهَا قل مَا نفرت عَن أهل بَيت فَكَادَتْ ترجع إِلَيْهِم حسن الْمُجَاورَة لنعم الله من تعظيمها وتعظيمها شكرها وَالرَّمْي بهَا من الاستخفاف بهَا وَذَلِكَ من الكفران والكفور ممقوت مسلوب فارتباط النعم فِي شكرها وزوالها فِي كفرانها وَمن عظمها فقد ابْتَدَأَ فِي شكرها وَمن صغرها أَو استخف بهَا فقد تعرض لزوالها وفيهَا رأى رَسُول الله ﷺ خِصَالًا غير وَاحِدَة مِنْهَا الاستخفاف بِالنعْمَةِ وَالْفساد والاسراف

стр. 628

وَالله لَا يحب الْفساد ﴿لَا يصلح عمل المفسدين﴾ ﴿لَا يحب المسرفين﴾ ﴿لَا يحب كل خوان كفور﴾

стр. 629

- الأَصْل الْمِائَة وَالسَّبْعُونَ - فِي تَفْسِير الْمَرْوِيّ لِلْآيَةِ ﴿هَل جَزَاء الْإِحْسَان إِلَّا الْإِحْسَان﴾ عَن أنس ﵁ قَالَ تَلا رَسُول الله ﷺ ﴿هَل جَزَاء الْإِحْسَان إِلَّا الْإِحْسَان﴾ ثمَّ قَالَ هَل تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ ربكُم قَالُوا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ إِن ربكُم يَقُول هَل جَزَاء من أَحْسَنت إِلَيْهِ بِأَن هديته للتوحيد إِلَّا أَن أسْكنهُ دَاري فِي جواري وَهل جَزَاء من قربته بالمعرفة قلبا حَتَّى يعرفنِي إِلَّا أَن أقربه فِي الْمسكن نفسا حَتَّى ينظر إِلَى وَهل جَزَاء من أكرمته بمعرفتي إِلَّا أَن أَغفر لَهُ ذنُوبه وأتجاوز عَن سيئاته وأصفح عَنهُ تكرمات كَمَا تكرمت وجدت عَلَيْهِ بتوحيدي هَل جَزَاء من ابتدأته بِهَذِهِ النعم الْعَظِيمَة فمننت عَلَيْهِ بهَا إِلَّا أَن أحفظها عَلَيْهِ حَتَّى أختم لَهُ بهَا وأتمم عَلَيْهِ وَله كَرَامَتِي

стр. 630

- الأَصْل الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَة - فِي أَن الْكَلِمَة من الْبَاقِيَات خير من الدُّنْيَا بحذافيرها عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَو أَن الدُّنْيَا كلهَا بحذافيرها فِي يَد رجل من أمتِي ثمَّ قَالَ الْحَمد لله لَكَانَ الْحَمد لله أفضل من ذَلِك مَعْنَاهُ من أعطي الدُّنْيَا ثمَّ أعطي على أَثَرهَا هَذِه الْكَلِمَة حَتَّى نطق بهَا لكَانَتْ هَذِه الْكَلِمَة أفضل من الدُّنْيَا كلهَا لِأَن الدُّنْيَا فانية والكلمة بَاقِيَة قَالَ تَعَالَى والباقيات الصَّالِحَات خير عِنْد رَبك ثَوابًا وَخير أملا وَفِي رِوَايَة لَكَانَ مَا أعطي أفضل مِمَّا أَخذ

стр. 631

- الأَصْل الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَة - فِي ذكر جملَة من مَكَارِم الْأَخْلَاق عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا محق الاسلام محق الْبُخْل شَيْء قطّ وَمن كف غَضَبه كف الله عَنهُ عَذَابه وَمن حفظ لِسَانه ستر الله عَوْرَته وَمن اعتذر إِلَى الله فِي الدُّنْيَا قبل الله تَعَالَى معذرته بني أس الْإِسْلَام على السماحة والجود لِأَنَّهُ هُوَ تَسْلِيم النَّفس وَالْمَال لحقوق الله تَعَالَى فَإِذا جَاءَ الْبُخْل فقد ذهب بذل المَال وَمن بخل بِالْمَالِ كَانَ بِالنَّفسِ أبخل وَمن جاد بِالنَّفسِ كَانَ بِالْمَالِ أَجود فالبخل يمحق الْإِسْلَام ويبطله ويدرس الْإِيمَان وَفِيه سوء الظَّن بِاللَّه تَعَالَى وَمنع حُقُوقه والاعتماد على المَال دون الله تَعَالَى وَقَوله من حفظ لِسَانه ستر الله عَوْرَته إِنَّمَا يحفظ عَن أَعْرَاض الْمُسلمين كَيْلا يهتك استارهم فعاجل الله تَعَالَى ثَوَابه بِأَن ستر عَوْرَته وَقَوله من كف غَضَبه كف الله عَنهُ عَذَابه فعذابه النَّار وحشوها غَضَبه وَإِنَّمَا تلظت وتسعرت بغضب الله تَعَالَى فَإِذا كف غَضَبه فقد

стр. 632

تواضع لله تَعَالَى فَكف عَنهُ غَضَبه وَإِذا كف غَضَبه فَمن وَرَائه الرضى عَن الله تَعَالَى وَقَوله من اعتذر إِلَى الله فِي الدُّنْيَا قبل الله معذرته فالكريم يقبل الْعذر إِذا اعتذر إِلَيْهِ صَادِقا كَانَ أَو كَاذِبًا لِأَن اعتذاره نَدم وتوبة وإقبال إِلَيْهِ فيأبى الْكَرِيم أَن يخيبه من معذرته قَالَ ﷺ مَا من أحد يعْتَذر إِلَى أَخِيه فَلم يقبل عذره إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ كخطيئة صَاحب مكس وَهُوَ العشار

стр. 633

- الأَصْل الثَّالِث وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَة - فِي قدر تَعْظِيم الدُّنْيَا والمداهنة ووزر السيئآت عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا عظمت أمتِي الدُّنْيَا نزعت مِنْهَا هَيْبَة الْإِسْلَام وَإِذا تركت الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر حرمت بركَة الْوَحْي وَإِذا تَسَابَّتْ أمتِي سَقَطت من عين الله تَعَالَى شَرط الْإِسْلَام تَسْلِيم النَّفس وبذلها لله تَعَالَى عبودة فَإِذا عظم مَا صغر الله تَعَالَى وحقرها وَقد أخذت بِقَلْبِه فسبته ذهبت العبودة وَلم يقدر على بذل النَّفس لله تَعَالَى فَكَانَ إِسْلَامه مَدْخُولا وَإِذا فسد الْبَاطِن ذهبت الهيبة لِأَنَّهُ لَو هابه لم يسْتَقرّ قرارا حَتَّى يصلح بَاطِنه وَإِنَّمَا يهابه من صلحت سَرِيرَته قَالَ ﷺ تَمام الْبر أَن تعْمل فِي السِّرّ عمل الْعَلَانِيَة وَإِذا عظمت النَّفس الدُّنْيَا آثرها على حُقُوق الله تَعَالَى

стр. 634

وَلَا يجْتَمع تَعْظِيم الْحُقُوق وتعظيم الدُّنْيَا فِي قلب فَأَما إِذا أسلم نَفسه وَوَجهه إِلَى الله تَعَالَى وبذل نَفسه لله تَعَالَى عبودة صَار من رجال الله تَعَالَى وعبيده وخاصته فتعلوه مهابة كَمَا إِذا صَار عبدا للْملك ظهر عَلَيْهِ من بهجة ملكه وغناه وَوجدت لَهُ هَيْبَة فعبيد الله صدقا عَلَيْهِم من الله تَعَالَى طلاوة وحلاوة وملاحة ومهابة فَإِذا غيروا وبدلوا فَعَظمُوا الدُّنْيَا بخراب قُلُوبهم فقد ارتجعوا فِي نُفُوسهم فَذَهَبت الهيبة لِأَنَّهُ الْآن لَيْسَ من عبيد الْملك إِنَّمَا هُوَ عبد نَفسه وهواه ودنياه وشهواته وسلطانه وَقَوله وَإِذا تركت الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر حرمت بركَة الْوَحْي فَإِن فِي ترك ذَلِك خذلانا للحق تَعَالَى وجفوة للدّين وَفِي ذَلِك ذهَاب البصيرة وفقد النُّور فَيصير الْقلب محجوبا فَيحرم بركَة الْوَحْي فيقرأه وَلَا تعي اذنه مِنْهُ شَيْئا قد حرم فهمه وَهُوَ من أعلم النَّاس باللغة وأبصرهم بتفسيره وَقد عمي عَن لطائفه ومعانيه ووعده ووعيده وَأَمْثَاله لِأَنَّهُ إِذا وَقع من لِسَانه فِي أُذُنه صَار إِلَى قلب صَدره مظلما فَكَأَنَّهُ قد غرق فِي لجة إِنَّمَا هُوَ كَلَام يدْخل سَمعه فَإِذا صَار إِلَى الصَّدْر صَار فِي عمى وَالَّذِي أشرق صَدره بِالنورِ فعلى قلبه ينابيع الْفَهم يلتذ باللطائف أحلى من القطائف ويفرح بالوعد ويحذر الْوَعيد ويرغب ويرهب وَيعْتَبر ويتعظ فَهَذَا بركَة الْوَحْي وَقَوله وَإِذا تَسَابَّتْ أمتِي سَقَطت من عين الله تَعَالَى لِأَن بدوه الْكبر والإستحقار للْمُسلمين والحسد وَالْبَغي والتنافس فِي أَحْوَال الدُّنْيَا فَبِهَذَا سقط من عين الله والساقط من عينه قد خرج من كلاءته وَحفظه ورعايته فليستعد للخذلان فِي نَوَائِب الدّين وَالدُّنْيَا فَإِنَّهُ إِذا زَالَت عَنهُ رعايته ذهبت عصمته وَله فِي كل نائبة ورطة حَتَّى تُؤَدِّيه إِلَى الورطة الْكُبْرَى سلب الدّين والانتكاص على العقبين وَمن سقط عَن عينه لم يبال فِي أَي وَاد هلك وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى مِنْهُ

стр. 635

- الأَصْل الرَّابِع وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَة - فِي إِيدَاع الْعَهْد بِالدُّعَاءِ بعد الصَّلَاة عَن أبي بكر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من قَالَ فِي دبر الصَّلَاة بعد مَا يسلم هَؤُلَاءِ الْكَلِمَات كتبه ملك فِي رق فختم بِخَاتم ثمَّ رَفعهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَإِذا بعث الله العَبْد من قَبره جَاءَهُ الْملك وَمَعَهُ الْكتاب يُنَادي أَيْن أهل العهود حَتَّى يدْفع إِلَيْهِ والكلمات أَن تَقول اللَّهُمَّ فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة الرَّحْمَن الرَّحِيم إِنِّي أَعهد إِلَيْك فِي هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا أَنَّك أَنْت الله لَا إِلَه إِلَّا أَنْت وَحدك لَا شريك لَك وَأَن مُحَمَّدًا عَبدك وَرَسُولك فَلَا تَكِلنِي إِلَى نَفسِي فَإنَّك أَن تَكِلنِي إِلَى نَفسِي تقربني من الشَّرّ وَتُبَاعِدنِي من الْخَيْر وَإِنِّي لَا أَثِق إِلَّا بِرَحْمَتك فَاجْعَلْ رحمتك لي عهدا عنْدك تُؤَدِّيه إِلَيّ يَوْم الْقِيَامَة إِنَّك لَا تخلف الميعاد صَاحب هَذَا الْعَهْد يتحلى بِهَذَا الْعَهْد الَّذِي عهد إِلَى ربه من الْأَسْبَاب وَيكون مُتَعَلّقه رَحمته وَلَا يَثِق إِلَّا بهَا وَلَا يلحظ النجَاة إِلَّا بهَا
следующие страницы →