Полный текст (1 237 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
- الأَصْل الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَة
-
فِي ذكر جملَة من مَكَارِم الْأَخْلَاق
عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا محق الاسلام محق الْبُخْل شَيْء قطّ وَمن كف غَضَبه كف الله عَنهُ عَذَابه وَمن حفظ لِسَانه ستر الله عَوْرَته وَمن اعتذر إِلَى الله فِي الدُّنْيَا قبل الله تَعَالَى معذرته
بني أس الْإِسْلَام على السماحة والجود لِأَنَّهُ هُوَ تَسْلِيم النَّفس وَالْمَال لحقوق الله تَعَالَى فَإِذا جَاءَ الْبُخْل فقد ذهب بذل المَال وَمن بخل بِالْمَالِ كَانَ بِالنَّفسِ أبخل وَمن جاد بِالنَّفسِ كَانَ بِالْمَالِ أَجود فالبخل يمحق الْإِسْلَام ويبطله ويدرس الْإِيمَان وَفِيه سوء الظَّن بِاللَّه تَعَالَى وَمنع حُقُوقه والاعتماد على المَال دون الله تَعَالَى
وَقَوله من حفظ لِسَانه ستر الله عَوْرَته إِنَّمَا يحفظ عَن أَعْرَاض الْمُسلمين كَيْلا يهتك استارهم فعاجل الله تَعَالَى ثَوَابه بِأَن ستر عَوْرَته
وَقَوله من كف غَضَبه كف الله عَنهُ عَذَابه فعذابه النَّار وحشوها غَضَبه وَإِنَّمَا تلظت وتسعرت بغضب الله تَعَالَى فَإِذا كف غَضَبه فقد
стр. 632
تواضع لله تَعَالَى فَكف عَنهُ غَضَبه وَإِذا كف غَضَبه فَمن وَرَائه الرضى عَن الله تَعَالَى
وَقَوله من اعتذر إِلَى الله فِي الدُّنْيَا قبل الله معذرته فالكريم يقبل الْعذر إِذا اعتذر إِلَيْهِ صَادِقا كَانَ أَو كَاذِبًا لِأَن اعتذاره نَدم وتوبة وإقبال إِلَيْهِ فيأبى الْكَرِيم أَن يخيبه من معذرته
قَالَ ﷺ مَا من أحد يعْتَذر إِلَى أَخِيه فَلم يقبل عذره إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ كخطيئة صَاحب مكس وَهُوَ العشار
стр. 633
- الأَصْل الثَّالِث وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَة
-
فِي قدر تَعْظِيم الدُّنْيَا والمداهنة ووزر السيئآت
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا عظمت أمتِي الدُّنْيَا نزعت مِنْهَا هَيْبَة الْإِسْلَام وَإِذا تركت الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر حرمت بركَة الْوَحْي وَإِذا تَسَابَّتْ أمتِي سَقَطت من عين الله تَعَالَى
شَرط الْإِسْلَام تَسْلِيم النَّفس وبذلها لله تَعَالَى عبودة فَإِذا عظم مَا صغر الله تَعَالَى وحقرها وَقد أخذت بِقَلْبِه فسبته ذهبت العبودة وَلم يقدر على بذل النَّفس لله تَعَالَى فَكَانَ إِسْلَامه مَدْخُولا وَإِذا فسد الْبَاطِن ذهبت الهيبة لِأَنَّهُ لَو هابه لم يسْتَقرّ قرارا حَتَّى يصلح بَاطِنه وَإِنَّمَا يهابه من صلحت سَرِيرَته
قَالَ ﷺ تَمام الْبر أَن تعْمل فِي السِّرّ عمل الْعَلَانِيَة وَإِذا عظمت النَّفس الدُّنْيَا آثرها على حُقُوق الله تَعَالَى
стр. 634
وَلَا يجْتَمع تَعْظِيم الْحُقُوق وتعظيم الدُّنْيَا فِي قلب فَأَما إِذا أسلم نَفسه وَوَجهه إِلَى الله تَعَالَى وبذل نَفسه لله تَعَالَى عبودة صَار من رجال الله تَعَالَى وعبيده وخاصته فتعلوه مهابة كَمَا إِذا صَار عبدا للْملك ظهر عَلَيْهِ من بهجة ملكه وغناه وَوجدت لَهُ هَيْبَة فعبيد الله صدقا عَلَيْهِم من الله تَعَالَى طلاوة وحلاوة وملاحة ومهابة فَإِذا غيروا وبدلوا فَعَظمُوا الدُّنْيَا بخراب قُلُوبهم فقد ارتجعوا فِي نُفُوسهم فَذَهَبت الهيبة لِأَنَّهُ الْآن لَيْسَ من عبيد الْملك إِنَّمَا هُوَ عبد نَفسه وهواه ودنياه وشهواته وسلطانه
وَقَوله وَإِذا تركت الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر حرمت بركَة الْوَحْي فَإِن فِي ترك ذَلِك خذلانا للحق تَعَالَى وجفوة للدّين وَفِي ذَلِك ذهَاب البصيرة وفقد النُّور فَيصير الْقلب محجوبا فَيحرم بركَة الْوَحْي فيقرأه وَلَا تعي اذنه مِنْهُ شَيْئا قد حرم فهمه وَهُوَ من أعلم النَّاس باللغة وأبصرهم بتفسيره وَقد عمي عَن لطائفه ومعانيه ووعده ووعيده وَأَمْثَاله لِأَنَّهُ إِذا وَقع من لِسَانه فِي أُذُنه صَار إِلَى قلب صَدره مظلما فَكَأَنَّهُ قد غرق فِي لجة إِنَّمَا هُوَ كَلَام يدْخل سَمعه فَإِذا صَار إِلَى الصَّدْر صَار فِي عمى وَالَّذِي أشرق صَدره بِالنورِ فعلى قلبه ينابيع الْفَهم يلتذ باللطائف أحلى من القطائف ويفرح بالوعد ويحذر الْوَعيد ويرغب ويرهب وَيعْتَبر ويتعظ فَهَذَا بركَة الْوَحْي
وَقَوله وَإِذا تَسَابَّتْ أمتِي سَقَطت من عين الله تَعَالَى لِأَن بدوه الْكبر والإستحقار للْمُسلمين والحسد وَالْبَغي والتنافس فِي أَحْوَال الدُّنْيَا فَبِهَذَا سقط من عين الله والساقط من عينه قد خرج من كلاءته وَحفظه ورعايته فليستعد للخذلان فِي نَوَائِب الدّين وَالدُّنْيَا فَإِنَّهُ إِذا زَالَت عَنهُ رعايته ذهبت عصمته وَله فِي كل نائبة ورطة حَتَّى تُؤَدِّيه إِلَى الورطة الْكُبْرَى سلب الدّين والانتكاص على العقبين وَمن سقط عَن عينه لم يبال فِي أَي وَاد هلك وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى مِنْهُ
стр. 635
- الأَصْل الرَّابِع وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَة
-
فِي إِيدَاع الْعَهْد بِالدُّعَاءِ بعد الصَّلَاة
عَن أبي بكر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من قَالَ فِي دبر الصَّلَاة بعد مَا يسلم هَؤُلَاءِ الْكَلِمَات كتبه ملك فِي رق فختم بِخَاتم ثمَّ رَفعهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَإِذا بعث الله العَبْد من قَبره جَاءَهُ الْملك وَمَعَهُ الْكتاب يُنَادي أَيْن أهل العهود حَتَّى يدْفع إِلَيْهِ والكلمات أَن تَقول
اللَّهُمَّ فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة الرَّحْمَن الرَّحِيم إِنِّي أَعهد إِلَيْك فِي هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا أَنَّك أَنْت الله لَا إِلَه إِلَّا أَنْت وَحدك لَا شريك لَك وَأَن مُحَمَّدًا عَبدك وَرَسُولك فَلَا تَكِلنِي إِلَى نَفسِي فَإنَّك أَن تَكِلنِي إِلَى نَفسِي تقربني من الشَّرّ وَتُبَاعِدنِي من الْخَيْر وَإِنِّي لَا أَثِق إِلَّا بِرَحْمَتك فَاجْعَلْ رحمتك لي عهدا عنْدك تُؤَدِّيه إِلَيّ يَوْم الْقِيَامَة إِنَّك لَا تخلف الميعاد
صَاحب هَذَا الْعَهْد يتحلى بِهَذَا الْعَهْد الَّذِي عهد إِلَى ربه من الْأَسْبَاب وَيكون مُتَعَلّقه رَحمته وَلَا يَثِق إِلَّا بهَا وَلَا يلحظ النجَاة إِلَّا بهَا
стр. 636
وَيجْعَل هَذَا الْعَهْد فِي الدُّنْيَا كَالْوَدِيعَةِ عِنْد ربه وانه أمله ورجاؤه فَمن كرم رَبنَا أَن لَا يقطع رَجَاءَهُ وَلَا يخيب أمله قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا يملكُونَ الشَّفَاعَة إِلَّا من اتخذ عِنْد الرَّحْمَن عهدا﴾
واتخاذ الْعَهْد من صدق لَا إِلَه إِلَّا الله وَالْوَفَاء بهَا وَهُوَ أَن لَا يعْتَمد قَلْبك شَيْئا سواهُ فِي أَمر آخِرَة وَلَا دنيا فَيكون هُوَ كافيك وحسبك من الدَّاريْنِ
стр. 637
- الأَصْل الْخَامِس وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَة
-
فِي سر الْكَلِمَات الْعشْر بعد الصَّلَاة
عَن بُرَيْدَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من قَالَ عشر كَلِمَات عِنْد دبر كل صَلَاة وجد الله عِنْدهن مكفيا مجزيا خمس للدنيا وَخمْس للآخرة حسبي الله لديني حسبي الله لدنياي حسبي الله لما أهمني حسبي الله لمن بغي عَليّ حسبي الله لمن حسدني حسبي الله لمن كادني بِسوء حسبي الله عِنْد الْمَوْت حسبي الله عِنْد المساءلة فِي الْقَبْر حسبي الله عِنْد الْمِيزَان حسبي الله عِنْد الصِّرَاط حسبي الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب
هَذِه مَوَاطِن نَوَائِب العَبْد فِي دُنْيَاهُ وآخرته وَقد جعل لَهُ فِي كل موطن سَببا وعدة يقطع بِهِ تِلْكَ النائبة فاذا أعرض عَن الْعدة وَالسَّبَب وَضرب عَنهُ صفحا واغتنى بِاللَّه تَعَالَى كَافِيا وحسيبا كَفاهُ الله تَعَالَى وَكَانَ عِنْد ظَنّه بِهِ فعدته فِي دينه الْعَهْد الَّذِي أنزل وَهُوَ الْحَبل الَّذِي أَمر بالاعتصام بِهِ وعدته فِي دُنْيَاهُ التَّوَكُّل وَالْكَسْب من الطّيب وعدته
стр. 638
فِيمَا أهمه الْحِيَل الَّتِي وضعت لكل هم وحيلة وعدته فِي الْبَغي الِاحْتِرَاز والتجافي وَالْأَخْذ بالحزم وعدته فِي الْحَسَد التَّوَاضُع والمقاربة للحاسد وعدته فِي المكابدة بالسوء سد الْأَبْوَاب الَّتِي مِنْهَا يجد الكائد السَّبِيل عَلَيْهِ وعدته فِي الْمَوْت الْعَمَل الصَّالح وعدته فِي المساءلة فِي الْقَبْر تَصْحِيح الْأَمر للجواب وعدته عِنْد الْمِيزَان كَثْرَة الْأَعْمَال لثقل الْوَزْن وعدته عِنْد الصِّرَاط النُّور للْجُوَاز فَإِذا لَهَا عَن هَذِه الْعدَد وَكَانَ الله تَعَالَى شرح بهَا صَدره وَلم يشخص أمله إِلَى شَيْء سواهُ وَلَا لحظ إِلَى خلق وَلَا إِلَى فعل وَقَالَ حسبي الله عِنْد كل موطن فقد تعلق بربه تَعَالَى وَمن تعلق بِهِ لم يخيبه وَكَانَ لَهُ فِي تِلْكَ المواطن كظنه بِهِ
قَالَ ﷺ فِيمَا يروي عَن ربه تَعَالَى أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي وَأَنا مَعَه إِذا دَعَاني
وَكَانَ إِبْرَاهِيم ﵇ لما وضع فِي المنجنيق ليرمي بِهِ فِي النَّار جأرت السَّمَوَات والأرضون وَالْمَلَائِكَة والخلق والخليقة بكاء وعويلا قَالَت يَا رب عَبدك يحرق بالنَّار فَأذن الله لَهُم فِي نصرته ان اسْتَغَاثَ بهم ودعاهم إِلَى نصرته وَرمي فِي الْهَوَاء إِذْ عَارضه جبرئيل ﵇ بلوى من الله تَعَالَى فَقَالَ يَا إِبْرَاهِيم هَل من حَاجَة
стр. 639
فَقَالَ أما إِلَيْك فَلَا حسبي الله قَالَ الله تَعَالَى يَا نَار كوني بردا وَسلَامًا على إِبْرَاهِيم
فولي الله تَعَالَى نصرته إِذْ لم يفزع إِلَى اُحْدُ سواهُ فَلم يكله إِلَى أحد من خلقه فَهَذَا صدق قَوْله حسبي الله فَإِذا لم يكن العَبْد فِي قلبه من الْحَقِيقَة مَا كَانَ لإِبْرَاهِيم ﵇ فَإِن لكل مقَال حُرْمَة وَالله تَعَالَى لَا يضيع حرمته فَإِذا ردد هَذِه الْكَلِمَات نفعته فِي هَذِه المواطن بِأَن كن شُفَعَاء إِلَى الله تَعَالَى وَإِذا تكلم بهَا على يقظة وانشراح صدر وجد الله تَعَالَى فِي هَذِه المواطن قد كَفاهُ
قَالَ ﷺ إِذا قَالَ العَبْد حسبي الله سبع مَرَّات قَالَ الله تَعَالَى صدق عَبدِي لأكفينه صَادِقا أَو كَاذِبًا
стр. 640
- الأَصْل السَّادِس وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَة
-
فِي أَن حسن الْجَواب فِي خلال الْخطاب من لطافة الْفَهم من قِرَاءَة الرَّحْمَن من الْوَحْي
عَن جَابر ﵁ قَالَ قَرَأَ علينا رَسُول الله ﷺ سُورَة الرَّحْمَن حَتَّى خَتمهَا ثمَّ قَالَ مَا لي أَرَاكُم سكُوتًا للجن كَانُوا أحسن ردا مِنْكُم مَا قَرَأت عَلَيْهِم هَذِه الْآيَة من مرّة فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ إِلَّا قَالُوا وَلَا بِشَيْء من نعم رَبنَا نكذب فلك الْحَمد
حسن الرَّد فِي الْجَواب من لطائف الْفَهم وأجساد الْجِنّ من نَار وَلم يشغلهم شغل الْآدَمِيّين فجوهرهم أرق وجوهر الْآدَمِيّ أغْلظ لأَنهم من تُرَاب وَهَذِه السُّورَة قد عدد الله تَعَالَى فِيهَا النعم وخاطب بتعديده الثقلَيْن وَقَالَ فِي ذكر كل نعْمَة فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ
فَكل هَذَا القَوْل سُؤال يحْتَاج إِلَى رد الْجَواب فِيهِ وَأثْنى ﷺ على مُؤمن الْجِنّ بِحسن ردهم الْجَواب وَمن رُتْبَة الْخطاب
стр. 641
أَن لَا يتْرك الْخطاب الَّذِي لَهُ جَوَاب مهملا ليَكُون المستمع كالغافل وَكَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ إِذا أَتَوا على هَذِه الْآيَة ﴿أَلَيْسَ ذَلِك بِقَادِر على أَن يحيي الْمَوْتَى﴾
قَالُوا اللَّهُمَّ بلَى
وَإِذا مروا بِذكر النَّار استعاذوا بِاللَّه فاقتضاهم ﷺ فِي وَقت قِرَاءَته عَلَيْهِم مَا وجده من الْجِنّ وَاسْتَحْسنهُ مِنْهُم وَكَانَ من أَصْحَابه ﷺ من يشْغلهُ ذرو كَلَامه عَن النّظر فِي مَعْنَاهُ إجلالا لكَلَام الله تَعَالَى ودهشا فِي ذكره وَمِنْهُم من يتَعَلَّق قلبه بِأول الْآيَة فيشغله أَولهَا عَن ذكر مَا بعْدهَا كَمَا صلى عَليّ بن فُضَيْل بن عِيَاض ﵁ خلف إِمَام قَرَأَ سُورَة الرَّحْمَن فَلَمَّا انْفَتَلَ قيل لَهُ يَا عَليّ ألم تسمع إِلَى مَا أعد الله للْمُؤْمِنين من نعيم الْجنان فَقَالَ شغلني مَا قبلهَا عَن ذكر الْجنان يَعْنِي ذكر النَّار وسلطان كَلَام الله تَعَالَى على الْقُلُوب على قدر مَا فِيهَا من الْعلم بِاللَّه تَعَالَى والخشية لَهُ والحظ من الْقرْبَة وَإِنَّمَا ينزل من الْقلب كَلَام كل وَاحِد مِنْهُم على قدر مَنْزِلَته عِنْده
قَالَ ﷺ من أحب أَن يعلم مَا مَنْزِلَته عِنْد الله فَلْينْظر مَا لله عِنْده من الْمنزلَة فَإِن الله تَعَالَى ينزل من العَبْد حَيْثُ أنزلهُ العَبْد من نَفسه
стр. 642
- الأَصْل السَّابِع وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَة
-
فِي كَلِمَات الْفرج وَالْمَغْفِرَة والتلقين
عَن عبد الله بن جَعْفَر ﵄ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يَقُول لقنوا مَوْتَاكُم لَا إِلَه إِلَّا الله الْحَلِيم الْكَرِيم سُبْحَانَ الله رب السَّمَوَات السَّبع وَرب الْعَرْش الْعَظِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين قَالُوا يَا رَسُول الله فَكيف هِيَ للحي قَالَ أَجود وأجود
وتسمي هَذِه الْكَلِمَات عِنْد أهل الْبَيْت كَلِمَات الْفرج يدعونَ بهَا فِي النوائب والشدائد
وَذَلِكَ مَا روى عَليّ كرم الله وَجهه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا أعلمك كَلِمَات إِذا قلتهن غفرت لَك ذنوبك مَعَ أَنه مغْفُور لَك لَا إِلَه إِلَّا الله الْعلي الْعَظِيم لَا إِلَه إِلَّا الله الْحَلِيم الْكَرِيم سُبْحَانَ الله رب السَّمَوَات وَرب الْعَرْش الْعَظِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين
стр. 643
- الأَصْل الثَّامِن وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَة
-
فِي حِكْمَة الصَّدَقَة لم صَارَت بِعشر وَالْقَرْض بِثمَانِيَة عشر
عَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ رَأَيْت على بَاب الْجنَّة مَكْتُوبًا الْقَرْض بِثمَانِيَة عشر وَالصَّدَََقَة بِعشر فَقلت يَا جبرئيل مَا بَال الْقَرْض بِثمَانِيَة عشر وَالصَّدَََقَة بِعشر قَالَ لِأَن صَاحب الْقَرْض لَا يَأْتِيك إِلَّا وَهُوَ مُحْتَاج وَرُبمَا وضعت الصَّدَقَة فِي غَنِي
الْمُتَصَدّق حسب لَهُ الدِّرْهَم بِعشْرَة فدرهم صدقته وَتِسْعَة زَائِدَة فَصَارَت لَهُ عشرَة وَالْقَرْض على ضعف الصَّدَقَة فدرهم قرضه يرجع إِلَيْهِ فَلَا يحْسب بَقِي تِسْعَة فتضاعف فَيكون ثَمَانِيَة عشر وَالله أعلم وَأحكم
стр. 644
- الأَصْل التَّاسِع وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَة
-
فِي بَيَان أفضل مَا أعطي النَّاس
عَن أبي بكر ﵁ وَكَانَ يخْطب وَقَالَ قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ كقيامي فِيكُم ثمَّ بَكَى ثمَّ أَعَادَهَا ثمَّ بَكَى ثمَّ أَعَادَهَا ثمَّ بَكَى فَقَالَ إِن النَّاس لم يُعْطوا شَيْئا أفضل من الْعَفو والعافية فأسألوههما الله
الْعَفو والعافية مُشْتَقّ أَحدهمَا من الآخر أَلا إِن الْعَفو يسْتَعْمل فِي نَوَائِب الْآخِرَة والعافية تسْتَعْمل فِي نَوَائِب الدُّنْيَا وأصل ذَلِك التفضل عَلَيْهِ أَن يتفضل على عَبده فَلَا يُعَاقِبهُ وَلَا يَبْتَلِيه وَالْعَفو الدَّرْس وَمَعْنَاهُ أَن يدرس عَنهُ آثَار الذُّنُوب وَالْبَلَاء عَن جوارحه فَإِن لكل نعْمَة تبعة وَلكُل ذَنْب نقمة فِي الدُّنْيَا أَو فِي الْآخِرَة فَإِذا درست عَنهُ التَّبعَات والنقمات تخلص بِهَذَا فِي الْعَفو وَالله أعلم
стр. 645
- الأَصْل الثَّمَانُونَ وَالْمِائَة
-
فِي الإلحاح فِي الدُّعَاء وسر كَونه محبوبا
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الله يحب الملحين فِي الدُّعَاء
الإلحاح ملق وَالْمُؤمن حبيب الله وَكلما كثر سُؤال الحبيب فَهُوَ أحب إِلَى محبه وَالله تَعَالَى يحب صَوته
قَالَ ﷺ يَقُول الله تَعَالَى لجبرئيل ﵇ يَا جبرئيل قد قضيت حَاجَة فلَان وأجبت دَعوته وَلَكِن احبسها عَنهُ فَانِي أحب صَوته
وَعَن وهب ﵁ قَالَ إِن الله تَعَالَى يَقُول أنزل الْبلَاء استخرج مِنْهُ الدعْوَة
وَإِنَّمَا صَار الْملح محبوبا لِأَنَّهُ لَا يَنْقَطِع رجاؤه فَهُوَ يسْأَل فَلَا يرى إِجَابَة فَلَا يزَال يلح وَلَا يَنْقَطِع رجاؤه وَلَا يدْخلهُ الْيَأْس فَذَلِك لعلمه بِاللَّه تَعَالَى وَصِحَّة قلبه وَصدق عبودته واستقامة وجهته فَمن صدق
стр. 646
الله فِي دَعوته اسْتعْمل اللِّسَان وانتظر بِالْقَلْبِ مَشِيئَته فَلَا يضيق وَلَا ييأس لِأَن قلبه صَار مُعَلّقا بمشيئته فانتظاره الْمَشِيئَة من أفضل مَا يقدم بِهِ على ربه وَهُوَ صفو العبودة واستعماله اللِّسَان عبَادَة لِأَن فِي السُّؤَال اعترافا بِأَنَّهَا لَهُ وإنتظار مَشِيئَته لقضائه عبَادَة فَهُوَ بَين عبادتين وجهتين وَأفضل الدُّعَاء من داوم عَلَيْهِ
قَالَ ﷺ ليَدع أحدكُم وَلَا يَقُولَن قد سَأَلت وَلم يستجب لي قَالَ ﷺ إِن العَبْد الْمُؤمن يُسْتَجَاب لَهُ فَإِذا قَالَ العَبْد يَا رب قَالَ الله تَعَالَى لبيْك فَإِذا سَأَلَهُ حَاجَة فإمَّا أَن يعجل لَهُ حَاجته وَإِمَّا أَن يصرف عَنهُ شرا بدل حَاجته وَإِمَّا أَن يدّخر لَهُ فِي آخرته مَا هُوَ خير لَهُ مِمَّا سَأَلَ فَلم تسْقط دَعوته على كل حَال
وَأما أهل الْيَقِين فَإِنَّهُم يدعونَ ويلحون فَإِن أجَاب قبلوا وَإِن تَأَخّر صَبَرُوا وَإِن منع رَضوا وأحسنوا الظَّن وهم فِي الْأَحْوَال ساكنون مطمئنون ينتظرون مَشِيئَته
قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ ﵀ أتيت أَبَا حبيب الْعَدوي أسلم عَلَيْهِ وَمَا كنت رَأَيْته قطّ قَالَ لي أَنْت سُفْيَان الثَّوْريّ الَّذِي يُقَال قلت نعم نسْأَل الله تَعَالَى بركَة مَا يُقَال ثمَّ قَالَ يَا سُفْيَان مَا
стр. 647
رَأينَا خيرا قطّ إِلَّا من رَبنَا قلت أجل قَالَ فَمَا لنا نكره لِقَاء من لم نر خيرا قطّ إِلَّا مِنْهُ ثمَّ قَالَ لي يَا سُفْيَان منع الله إياك عَطاء مِنْهُ لَك وَذَاكَ أَنه لم يمنعك من بخل وَلَا عدم وَإِنَّمَا مَنعه نظرا واختيارا يَا سُفْيَان ان فِيك لأنسا ومعك شغلا سَلام عَلَيْك ثمَّ أقبل على غنيمته وَتَرَكَنِي
فالإعطاء أحب إِلَى أهل الْجُود من الْأَخْذ للسؤال وهم يلتذون بالجود والإعطاء أَكثر مِمَّا يلتذ الْآخِذ بالنوال لِأَن الْأَخْذ خلق الْفُقَرَاء والإعطاء خلق الْأَغْنِيَاء وَهُوَ خلق أهل الْجنان وَهُوَ خلق الله الْأَعْظَم وَكَانَ من دُعَاء سُفْيَان ﵀ يَا من يحب أَن يسْأَل ويغضب على من لَا يسْأَل وَيَا من أحب عباده إِلَيْهِ من سَأَلَهُ فَأكْثر سُؤَاله وَلَيْسَ أحد غَيْرك كَذَلِك يَا كريم وَيَا من أبْغض عباده إِلَيْهِ من لَا يسْأَله وَلم يطْلب إِلَيْهِ وَلَيْسَ أحد غَيْرك كَذَلِك يَا كريم وَيَا من أحب عباده إِلَيْهِ من سَأَلَهُ الْعَظِيم وَلم يعظم عَلَيْك وَعزَّتك عَظِيم يَا عَظِيم
وَقَالَ الله تَعَالَى لمُوسَى ﵇ اطلب الي الْعلف لشاتك وَلَا تَسْتَحي أَن تَسْأَلنِي صَغِيرا وَلَا تخف مني بخلا أَن تَسْأَلنِي وَالله أعلم
стр. 648
- الأَصْل الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَة
-
فِي قِرَاءَة الْقُرْآن فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَة
عَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ أمره أَن يقْرَأ الْقُرْآن فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَة فاستزاده حَتَّى رَجَعَ إِلَى سبع
فالأربعون مُدَّة الضُّعَفَاء وأولي الأشغال وَيكون خَتمه فِي السّنة تسع مَرَّات وَمُدَّة الْأَرْبَعين مرددة فِي الْأَشْيَاء كَثِيرَة وَأما تَوْقِيت السَّبع فَإِنَّهُ للأقوياء الَّذين يقوون على سهر اللَّيَالِي واحترفوا الْعِبَادَة وتفرغوا من أشغال النَّفس وَالدُّنْيَا
قَالَ رجل يَا رَسُول الله من قَرَأَ الْقُرْآن فِي سبع قَالَ ذَاك عمل المقربين قَالُوا يَا رَسُول الله فَمن قَرَأَهُ فِي خمس قَالَ ذَاك عمل الصديقين قَالُوا يَا رَسُول الله فَمن قَرَأَهُ فِي ثَلَاث قَالَ ذَاك عمل النَّبِيين وَذَاكَ الْجهد لَا أَرَاكُم تطيقونه إِلَّا أَن تصبروا على مكابدة اللَّيْل أَو يبدا أحدكُم بالسورة وهمه فِي آخرهَا قَالُوا يَا رَسُول الله وَفِي
стр. 649
أقل من ثَلَاث قَالَ لَا وَمن وجد مِنْكُم نشاطا فليجعله فِي حسن تلاوتها
أَرَادَ ﷺ بذلك المداومة عَلَيْهِ وَأَن يصيرها عَادَة وَلَو قَرَأَ فِي يَوْم وَلَيْلَة لَكَانَ عَظِيم الْقدر وَكَانَ عُثْمَان ﵁ ختم فِي رَكْعَة وَاحِدَة وَكَانَ رَسُول الله ﷺ مِمَّا يقرأه فِي سبع تيسيرا على الْأمة
عَن أَوْس ﵁ قَالَ احْتبسَ عَنَّا رَسُول الله ﷺ لَيْلَة فَقُلْنَا لَهُ فَقَالَ إِنَّه طَرَأَ على حزب من الْقُرْآن فَأَحْبَبْت أَن لَا أخرج من الْمَسْجِد حَتَّى أقضيه فَقُلْنَا لأَصْحَاب رَسُول الله ﷺ كَيفَ تحزبون قَالُوا ثَلَاث سور وَخمْس سور وَسبع سور وتسع سور وَإِحْدَى عشرَة سُورَة وَثَلَاث عشرَة سُورَة وحزب الْمفصل مَا بَين قَاف فأسفل
ودلهم رَسُول الله ﷺ فِي الحَدِيث الأول على حسن التِّلَاوَة فَإِن الْقُرْآن موعظة وَالله تَعَالَى يحب أَن تعقل مواعظه ونصائحه ولطائفه فَإِذا خَاطب عَبده بِشَيْء يُرِيد إِظْهَار مَا لَهُم عِنْده من الأثرة والمحبة وَيُحب أَن يعجل أَوَائِل بره فِي عَاجل محياهم ليتلذذوا بِهِ ويفرحوا فَإِذا مر عَلَيْهِ التَّالِي يهذه هذاو قلبه فِي عماء من ذَلِك مقته كَمَا أَن وَاحِدًا منا إِذا كلم آخر بِشَيْء يُرِيد بِهِ بره والطافه فاستمع إِلَى كَلَامه باذنه لاهيا عَن ذَلِك بِقَلْبِه سقط عَن عَيْنَيْهِ فَكيف بِرَبّ الْعَالمين وَقد أدب الله تَعَالَى عباده ودلهم على الترتيل فَقَالَ تَعَالَى ورتل الْقُرْآن ترتيلا
وَقَالَ تَعَالَى وقرآنا فرقناه لتقرأه على النَّاس على مكث
стр. 650
وَقَالَ تَعَالَى كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك مبارك ليدبروا آيَاته وليتذكر أولُوا الْأَلْبَاب
ودلهم على الترتيل والتؤدة والتدبر ليصل إِلَيْهِم نفع ذَلِك فأفضلهم قِرَاءَة أعقلهم عَنهُ فَمن أسْرع الْقِرَاءَة وعقل عَنهُ كَانَ فِي نور عَظِيم ومنزلة علية لفضل نوره وَمن قصر ذَلِك فالتفكر والتدبر خير لَهُ وأنفع
стр. 651
- الأَصْل الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَة
-
فِي أَن النَّفس لَا تَمُوت حَتَّى تستكمل رزقها
عَن حُذَيْفَة ﵁ قَالَ قَامَ رَسُول الله ﷺ على الْمِنْبَر فَدَعَا النَّاس بِيَدِهِ هَكَذَا فَقَالَ اجلسوا وَأَقْبل النَّاس فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا اجلسوا ثمَّ قَالَ إِنِّي رأيتكم تطلبون معايشكم هَذَا رَسُول رب الْعَالمين جبرئيل نفث فِي روعي أَن لَا تَمُوت نفس حَتَّى تستكمل رزقها وَإِن أَبْطَأَ عَلَيْهَا فَاتَّقُوا الله أَيهَا النَّاس وأجملوا فِي الطّلب وَلَا يحملنكم استبطاء شَيْء من الرزق أَن تأخذوه بِمَعْصِيَة فَإِن الله لَا يدْرك مَا عِنْده إِلَّا بِطَاعَتِهِ
الروع الْقلب والنفث هُوَ من الرّوح وَيُشِير فِي قَوْله هَذَا رَسُول رب الْعَالمين أَن جبرئيل ﵇ شَاهده فِي ذَلِك الْوَقْت
стр. 652
والأرزاق مَعْلُومَة وقسط كل نفس وَاصل إِلَيْهَا وَإِن هربت مِنْهُ وَلَا تَمُوت حَتَّى تستوفي مَا قسم لَهَا فَحَذَّرَهُمْ ﷺ عَن الْغَفْلَة ودلهم على إِجْمَال الطّلب وَهُوَ أَن يحسن نِيَّته فِي طلبه ويطلبه للعفة ولقوام الدّين وَالْقِيَام بِمَا أَمر الله تَعَالَى فِي ذَلِك ويحفظ فِيهِ الْجَوَارِح ويبذل النَّصِيحَة ويراعي الْأَمَانَة ويتجنب الْخِيَانَة وَالْحلف وَالْكذب والغش ويطلبه مَعَ ذكر آخرته كَمَا قَالَ تَعَالَى رجال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله
طهر قُلُوبهم خوف ذَلِك الْيَوْم وأذهل نُفُوسهم عَن شَهْوَة تستخفهم أَو فتْنَة فِي طلبَهَا تستفزهم وأمات خوف الْعقَاب مِنْهُم كل حرص وأكسلهم ثقل الْحساب عَن طلبه فتخلصوا بذلك من فتنته
стр. 653
- الأَصْل الثَّالِث وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَة
-
فِي أجر الصَّبْر الْجَمِيل عِنْد الْمُصِيبَة
عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ قَالَ الله تَعَالَى إِذا وجهت إِلَى عبد من عبَادي مُصِيبَة فِي بدنه أَو فِي وَلَده أَو فِي مَاله فَاسْتَقْبلهُ بصبر جميل استحييت يَوْم الْقِيَامَة أَن أنصب لَهُ ميزانا أَو أنشر لَهُ ديوانا
الصَّبْر ثَلَاث الأول صَبر الْمُوَحِّدين وَهُوَ أَن لَا يسخطوا على رَبهم وَلَا يجوروه فلموجب إِيمَانهم صَبَرُوا واعترفوا أَنه عدل فِي ذَلِك ثمَّ أهملوا جوارحهم فِي الْمعاصِي لحرقة تِلْكَ الْمُصِيبَة فَهُوَ صَبر الظَّالِمين
وَالثَّانِي صَبر الْمُقْتَصِدِينَ فَإِنَّهُم صَبَرُوا بِالْقَلْبِ والجوارح فرضوا بِالْقَلْبِ عَن رَبهم وحفظوا جوارحهم عَن الْمعْصِيَة بِسَبَب مَا نزل بهم لَكِن فِي النَّفس شدَّة كزة ومرارة وعسر وَلم يملكُوا أَكثر من ذَلِك فَهَذَا صَبر قد أذهبت النَّفس بشؤمها جماله
وَالثَّالِث صَبر المقربين فَهُوَ الرضاء لم تَجِد لوعة الْمُصِيبَة مساغا
стр. 654
فِي قُلُوبهم لما فِيهَا من الْحَلَاوَة واللذاذة بِقرب الله تَعَالَى لِأَن النُّور لما اشتعل فِي صُدُورهمْ بعد امتلاء الْقلب مِنْهُ وأحرقت شهوات النَّفس ومناها وَصَارَ الصَّدْر مستنيرا من نور الْقلب وَشرح الله صَدره بِالْإِسْلَامِ لم يبْق فِي النَّفس غل وَلَا كزة وَلَا مرَارَة وَلَا عسر انْتَبَهت النَّفس عَن نومتها وَخرجت من مشيئتها وأفاقت عَن سكرتها فَصَارَت مَشِيئَة الله تَعَالَى عِنْدهَا أحلى من مَشِيئَته وَصَارَ بدل المرارة حلاوة وَعوض الْعسر غنى فَأَيْنَ مَا برزت مَشِيئَته فِي شَيْء من حجب غيبه وقفت قُلُوبهم عِنْد مَشِيئَته وهم الصادقون فِي قَوْلهم مَا شَاءَ الله كَانَ
فَصَبر المخلطين صَبر إِيمَان محشو بالجزع وصبر الْمُقْتَصِدِينَ رِضَاء مَعَ كزة النَّفس وصبر المقربين رِضَاء الْقلب ورضاء النَّفس لِأَنَّهُ قد انْكَشَفَ لَهُم أَنه قد أوصلهم إِلَى أشرف الْأَشْيَاء لعطفه ورأفته وَهُوَ مَعْرفَته فَلم يتهموه بعد ذَلِك فِي حَال من أَحْوَال نُفُوسهم فَكيف مَا دبر لَهُم من مَحْبُوب أَو مَكْرُوه وَقع ذَلِك مِنْهُم موقع بر وَرَحْمَة وَعطف ورأفة كَمَا قَالَ معَاذ ﵁ حِين اشْتَدَّ بِهِ النزع فِي الطَّاعُون فيغشي عَلَيْهِ ثمَّ يفِيق فَيَقُول اخنقني خنقك رب فوعزتك لَا تزداد بذلك عِنْدِي إِلَّا حبا
وَكَانَ الرّبيع بن خَيْثَم ﵁ رُبمَا خرج إِلَى صلَاته فِي مَرضه فَغشيَ عَلَيْهِ فيجده إخوانه صَرِيعًا فِي الطَّرِيق فيرشون عَلَيْهِ المَاء حَتَّى يفِيق فَيَقُول يَا رب غط مَا شِئْت أَن تغط فوعزتك لَا تزداد بذلك عِنْدِي إِلَّا حبا فَيُقَال لَهُ إِنَّك لفي سَعَة أَن لَا تكلّف نَفسك هَذَا فَيَقُول فَكيف بِهَذَا الَّذِي يُنَادي حَيّ على الصَّلَاة لَا أقدر أَن لَا أُجِيبهُ
стр. 655
وروى أَبُو مُوسَى ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الصَّبْر رِضَاء
قَوْله فَاسْتَقْبلهُ بصبر جميل استحييت أَن أنصب لَهُ ميزانا لِأَن العَبْد إِذا صَار يتلَقَّى أَحْكَامه بِالرِّضَا وَهُوَ جمال الصَّبْر صَار من أوليائه وخاصته والخاصة لَا يحاسبون وَلَا يفتشون وَلَا يقابلون فِي الثَّوَاب بِالْأَعْمَالِ بل يرفعون إِلَى معالي الدَّرَجَات بالحظوظ الَّتِي كَانَت فِي قُلُوبهم من رَبهم ويسامحون بالنوال فِي الدَّرَجَات كَمَا سامحوا بنفوسهم وَلم يكن لَهُم شَيْء أعظم مِنْهَا فألقوها بَين يَدَيْهِ عبيدا كَمَا خلقهمْ فثوابهم بِغَيْر حِسَاب ونوالهم بِغَيْر مِقْدَار وقربتهم بِغَيْر حد وَلَا ضبط
стр. 656
- الأَصْل الرَّابِع وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَة
-
فِي طلب الْخَيْر والتعرض لنفحات رَحْمَة الله
عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اطْلُبُوا الْخَيْر دهركم وتعرضوا لنفحات ﵀ فَإِن لله تَعَالَى نفحات من رَحمته يُصِيب بهَا من يَشَاء من عباده وسلوا الله أَن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم
فالنفحة الدفعة من الْعَطِيَّة فيعطي فِي دفْعَة وَاحِدَة مَا يَأْتِي على كثير من النعم والنفحات من فتحات بَاب خَزَائِن المنن فَإِن خَزَائِن الثَّوَاب بِمِقْدَار وعَلى طَرِيق الْجَزَاء وخزائن المنن تغرق الْوَاحِدَة مِنْهَا لِأَنَّهَا مِنْهُ يمن جودا وعطفا وو قت الفتحة غير مَعْلُوم وَإِنَّمَا غيب علمه عَنْهُم ليداوموا على طلبَهَا بالسؤال المتدارك ويكونوا متعرضين لَهُ فِي كل وَقت وكل حَال فَإِنَّهُ إِذا داوم على ذَلِك كَانَ وشيكا أَن يُوَافق دَعوته الْوَقْت الَّذِي يفتح فَيكون قد ظفر بالغنى الْأَكْبَر وَسعد سَعَادَة الْأَبَد كملك قدر الأرزاق على عبيده وجنده شهرا شهرا ثمَّ لَهُ فِي خلال ذَلِك عَطِيَّة من سماحة وجود فَيفتح بَاب الخزانة فيعطي
стр. 657
مِنْهَا مَا يعم ويستغرق فِي جَمِيع الأرزاق الدارة الَّتِي أخذوها مُدَّة سِنِين فَمن وَافق ذَلِك من الْملك اسْتغنى آخر الْأَبَد وَلَا يدْرِي أَي وَقت يسمح ويعطف فَيَنْبَغِي أَن يديم الِاخْتِلَاف إِلَيْهِ فِي الْيَوْم مرَارًا رَجَاء أَن يُوَافق تِلْكَ السَّاعَة
قَالَ لُقْمَان ﵇ لِابْنِهِ يَا بني عود لسَانك أَن تَقول اللَّهُمَّ اغْفِر لي فَإِن لله سَاعَات لَا ترد
وَقَالَ الْحسن أَكْثرُوا الاسْتِغْفَار على أحوالكم فَإِنَّكُم لَا تَدْرُونَ أَي حِين تنزل الْمَغْفِرَة
стр. 658
- الأَصْل الْخَامِس وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَة
-
فِي عَثْرَة الْحَلِيم وتجربة الْكَرِيم الْحَكِيم
عَن أبي سعيد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لاحليم إِلَّا ذُو عَثْرَة وَلَا حَكِيم إِلَّا ذُو تجربة
الْحَلِيم المنشرح صَدره الَّذِي يَتَّسِع صَدره لمساوىء الْخلق وَسُوء سيرتهم وَكَانَ رَسُول الله ﷺ من أَصْبِر النَّاس على أقذار الْخلق
وَقَالَ الْحسن ﵁ مَا سَمِعت الله تَعَالَى نحل عباده شَيْئا أقل من الْحلم قَالَ تَعَالَى ﴿إِن إِبْرَاهِيم لحليم﴾ وَقَالَ ﴿فبشرناه بِغُلَام حَلِيم﴾
إِنَّمَا عظم حلمهما بِمَا أتسع صدرهما لِلْأَمْرِ الْعَظِيم الَّذِي حل بهما
стр. 659
من الذّبْح فاتسع صدر إِبْرَاهِيم ﵇ لذبح وَلَده وَصدر الْغُلَام ﵇ لتسليم نَفسه لله تَعَالَى
فالحليم من يسلم النَّفس لرَبه عبودة فِي جَمِيع مَا يَأْمر وَفِيمَا يحكم عَلَيْهِ فِي الْأَحْوَال والحلم وَالْملح وَاحِد كَمَا لَا تطيب الْأَطْعِمَة إِلَّا بالملح لَا تطيب النَّفس إِلَّا بالحلم
قَالَ عَليّ كرم الله وَجهه الْحلم كظم الغيظ وملاك النَّفس وَفِي الْخَبَر أَن أَيُّوب ﵇ كَانَ أحلم النَّاس وأصبره وأكظمه لغيظه
قَوْله لَا حَلِيم إِلَّا ذُو عَثْرَة أَي لَا يَتَّسِع الرجل لما يرى من الْخلق إِلَّا بعد مَا يعثر فَإِذا رأى عثرته رحم الْخلق واتسع لَهُم وَاتَّقَى أَن يلوم أحدا بِعَيْب أَو يعيره بذنب
وَكَانَ دَاوُد ﵇ يشدد على الْخَطَّائِينَ وَلَا يجالسهم وَقَالَ يَا رب لَا تغْفر للخطائين لشدَّة الْغيرَة لله تَعَالَى وَكَثْرَة الحنق عَلَيْهِم فَلَمَّا عثر كَانَ ينظر إِلَى أغمص مجْلِس فِي بني إِسْرَائِيل وَيقْعد مَعَهم وَيَقُول مِسْكين بَين ظهراني مَسَاكِين رب اغْفِر للخطائين كي تغْفر لداود مَعَهم
وَقَوله لَا حَكِيم إِلَّا ذُو تجربة فالعقل يدل على الرشد وَالْحكمَة نور يكْشف عَن مَكْنُون الْأُمُور وَلَا تستكمل الْحِكْمَة مَعَ كشف الغطاء وإطلاعه بِالْقَلْبِ حَتَّى يطالع الْأُمُور بِمُبَاشَرَة النَّفس فَإِن كل شَيْء تَجدهُ الْقُلُوب فمباشرة النَّفس مَعَ الْقُلُوب أثبت وآكد فالحكيم قد انْكَشَفَ لَهُ الغطاء فَيرى عواقب الْأُمُور وزينها وشينها فَإِذا رأى ذَلِك بالجوارح كَانَ ذَلِك عيَانًا لَا يرفع وَلَا ينسى فَبعد التجارب تستكمل الْحِكْمَة لِأَنَّهَا كَانَت قبل التجربة مُعَاينَة الْقلب فَصَارَت مُعَاينَة الْعين وَكَانَ ذَلِك علم الْيَقِين فَصَارَ الْآن عين الْيَقِين وَلِهَذَا قيل إِن الْعقل بالتجارب
стр. 660
- الأَصْل السَّادِس وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَة
-
فِي أَن فزع وعد الْقُرْآن يُورث الشيب وسر اللحظات
عَن أبي جُحَيْفَة ﵁ قَالَ قَالُوا يَا رَسُول الله نرَاك قد شبت قَالَ شيبتني هود وَأَخَوَاتهَا
الْفَزع يذهل النَّفس فينشف رُطُوبَة الْجَسَد وَتَحْت كل شَعْرَة منبع وَمِنْه يعرق فَإِذا انتشف الْفَزع رطوبته يَبِسَتْ المنابع فيبس الشّعْر فابيض لذهاب رطوبته ويبس جلده كالزرع إِذا ذهب سقياه يبس وابيض وَلِهَذَا يسْرع الشيب إِلَى المحرور لانتشاف المَاء لِأَن الْمرة يابسة فتأدت إِلَى المنابع فيبست وإبيض الشّعْر فَالنَّفْس تذهل لوعيد الله تَعَالَى فتذبل وينشف ماءها ذَلِك الْوَعيد والهول الَّذِي حل بهَا فَمِنْهُ تشيب قَالَ
стр. 661
الله تَعَالَى ﴿يَوْمًا يَجْعَل الْولدَان شيبا﴾
وَسورَة هود وَأُخُوَّتهَا مثل الحاقة وَسَأَلَ سَائل وَإِذا الشَّمْس كورت وَالْقَارِعَة فَفِيهَا ذكر الْأُمَم وَمَا حل بهم من عَاجل بَأْس الله تَعَالَى فَفِي تلاوتها ينْكَشف لقلوب العارفين سُلْطَان الله تَعَالَى وبطشه فتذهل مِنْهُ النُّفُوس وتشيب مِنْهُ الرؤوس وَلَو مَاتُوا من الْفَزع لحق لَهُم وَلَكِن الله تَعَالَى يلطف بهم فِي تِلْكَ الْأَحَايِين حَتَّى يعوا وحيه وتنزيله قَالَ تَعَالَى ﴿لَو أنزلنَا هَذَا الْقُرْآن على جبل لرأيته خَاشِعًا متصدعا من خشيَة الله﴾
وَرُوِيَ أَنه ﷺ تَلا آيَة وَعِنْده شَاب فَخر مَيتا فَقَالَ ﷺ إِن الْفرق فلذ كبده أَي قطعه
فَأهل الْيَقِين بارز على قُلُوبهم لحظات الله تَعَالَى وَالْعَفو جنايب لَوْلَا ذَلِك مَا اسْتَقر لَهُم قَرَار من هول أَخذه واللحظة قد شملت الْقُدْرَة والحلم إِلَّا أَن أهل الْيَقِين قد اطمأنت قُلُوبهم فارتفعت فِي سَعَة عَفوه
قَالَ مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة ﵁ إِن لله ثلثمِائة وَسِتِّينَ لَحْظَة يلحظ بهَا إِلَى كل عبد من عبيده فِي كل صباح فَإِن أَخذ أَخذ بِقدر وَإِن عَفا عَفا بحلم وَكتب عَليّ بن الْحُسَيْن ﵄ إِلَى الْحجَّاج جَوَاب كِتَابه الَّذِي كَانَ يوعده فِيهِ بَلغنِي أَن
стр. 662
رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن لله فِي كل يَوْم ثلثمِائة وَسِتِّينَ لَحْظَة يلحظ بهَا إِلَى أهل الأَرْض فَمن أدْركهُ تِلْكَ اللحظة صرف الله عَنهُ شَرّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأَعْطَاهُ خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأَرْجُو من الله أَن يدركني بعض لحظاته فَيصْرف عني شرك ويرزقني مَا وَعَدَني رَسُول الله ﷺ فَبلغ هَذَا الْكَلَام هِرقل فَقَالَ لَا يخرج هَذَا إِلَّا من أهل بَيت نبوة
стр. 663
- الأَصْل السَّابِع وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَة
-
فِي النَّهْي عَن الاعتزاز بالعبيد
عَن عمر ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من اعتز بالعبيد أذله الله تَعَالَى
الاعتزاز الِامْتِنَاع من الْأَشْيَاء الَّتِي تنوبه فَإِن امْتنع بِمن لَا يملك لنَفسِهِ ضرا وَلَا نفعا فَذَاك من الْعِزَّة والاعتزاز بالعبيد من الْجَهْل بِاللَّه وجهله بِهِ سَبَب لضَعْفه فِي كل الْأُمُور وَقد دلهم الله تَعَالَى على مَا فِيهِ رشدهم فَقَالَ واعتصموا بِاللَّه هُوَ مولاكم
والاعتصام بِهِ والاعتزاز من ذرى الايمان وَمن اعْتصمَ بالمخلوقين واعتز لعرض الدُّنْيَا فَهُوَ المخذول فِي دينه السَّاقِط عَن عين الله تَعَالَى وَأوحى الله تَعَالَى إِلَى دَاوُد ﵇ مَا من عبد يعتصم بِي دون خلقي فتكيده السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا جعلت لَهُ من ذَلِك مخرجا
стр. 664
وَمَا من عبد يعتصم بمخلوق دوني إِلَّا قطعت أَسبَاب السَّمَاء من بَين يَدَيْهِ وأسخطت الأَرْض من تَحت قَدَمَيْهِ
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ قَالَ الله تَعَالَى إِنِّي وَالْجِنّ وَالْإِنْس فِي نبأ عَظِيم أخلق ويعبد غَيْرِي وأرزق ويشكر غَيْرِي
стр. 665
- الأَصْل الثَّامِن وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَة
-
فِي خِصَال طعم يحصل بهَا طعم الْإِيمَان
عَن عبد الله بن مُعَاوِيَة العامري ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ثَلَاث من فعلهن طعم طعم الْإِيمَان من عبد الله وَحده انه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَأعْطى زَكَاة مَاله طيبَة بهَا نَفسه وَلم يُعْط الهرمة وَلَا الذُّرِّيَّة وَلَا الْمَرِيضَة وَلَكِن من أَوسط أَمْوَالكُم فَإِن الله يَأْمُركُمْ بخيره وَلم يَأْمُركُمْ بشره وزكى نَفسه فَقَالَ رجل وَمَا تَزْكِيَة نَفسه قَالَ أَن يعلم أَن الله مَعَه حَيْثُمَا كَانَ
فالزكاة ثَلَاثَة زَكَاة الْقلب لَا إِلَه إِلَّا الله وَزَكَاة المَال إِخْرَاج مَا افْترض الله فِيهِ مِنْهُ وَزَكَاة النَّفس علمهَا بِأَن الله تَعَالَى مَعَه حَيْثُمَا كَانَ فَإِذا علم ذَلِك اسْتَوَت سَرِيرَته وعلانيته وهابه واستحيى مِنْهُ كل الْخلق فِي كل وَقت وَمَكَان والهيبة وَالْحيَاء وثاقان لنَفس العَبْد من جَمِيع مَا كره الله سرا وجهرا وظاهرا وَبَاطنا وَالنَّفس فِي هَذِه الْأَحْوَال تخشع لهيبته وتذل وتخمد شهواته وتذبل حركاته وانبعاثه وتخجل وتنقبض للحياء مِنْهُ فَإِذا كَانَ من الله تَعَالَى لعَبْدِهِ تأييد بِهَذَيْنِ فاكتنفاه فقد استقام
وأردنا بِالْعلمِ علم الْقلب لَا علم اللِّسَان فَإِن علم اللِّسَان أَصله من
стр. 666
الْقلب وَلَا قَرَار لَهُ لِأَنَّهُ شرارة من شرر الْإِيمَان وَهِي حجَّة الله تَعَالَى على ابْن آدم وَعلم الْقلب علم الْيَقِين
قَالَ ﷺ الْعلم علمَان علم بِالْقَلْبِ فَذَاك الْعلم النافع وَعلم على اللِّسَان فَذَاك حجَّة الله على ابْن آدم
فالزكاة هِيَ الطهرة والنماء فَإِذا قَالَ العَبْد صَادِقا من قلبه هَذِه الْكَلِمَة فَإِنَّمَا قَوْله من النُّور الَّذِي أحيى الله تَعَالَى بِهِ قلبه فَذَلِك النُّور طهر جَمِيع جسده ولصدق هَذِه الْكَلِمَة ثَلَاث منَازِل أَولهَا الظَّالِمُونَ وأوسطها المقتصدون وَآخِرهَا المقربون فالظالمون زكوا قُلُوبهم وجوارحهم بِهَذَا القَوْل ثمَّ دنسوها بِالْمَعَاصِي فَهُوَ مَعَ ظلمه شرِيف الْمنزلَة رفيع الْقدر لم يخرج بظلمه نَفسه من ولَايَة الله تَعَالَى وَمن رَحمته وَلَا زَالَت عَنهُ حرمته وَإِن تابعوا زَالَت الأدناس وصاروا من أهل نورالطاعات
والمقتصدون زكوا قُلُوبهم بِهَذِهِ الْكَلِمَة وزكوا أَمْوَالهم وأجسادهم بالائتمار بِأَمْر الله والتناهي عَن نَهْيه ثمَّ ثبتوا على تَزْكِيَة الْأَمْوَال والأجساد ودنسوا قُلُوبهم بالرغبة والرهبة والشهوة والغفلة والحرص والعجلة ومحبة النَّفس وهواها ومحبة الدُّنْيَا وَأَحْوَالهَا
والمقربون زكوا بِمَا زكى بِهِ المقتصدون وَأَقْبلُوا على قُلُوبهم فرعوها عَن أَن تتدنس بِشَيْء مِمَّا ذكرنَا فَكَانَ مرعى قُلُوبهم بَين يَدَيْهِ لم يكن للدنيا وَلَا للنَّفس هُنَاكَ دنو وَلَا لحاظ فتزكية قُلُوب الظَّالِمين بِنور التَّوْحِيد وَجَاءَت الشَّهَوَات بظلمتها وأحاطت بِالْقَلْبِ وَلم يكن لنوره الَّذِي أعطي مَا يحرق هَذِه الشَّهَوَات
стр. 667
وتزكية قُلُوب الْمُقْتَصِدِينَ بِنور الْإِنَابَة فَإِنَّهُ إِذا أناب العَبْد استنار قلبه بنوره فَأخْرجهُ من سكر الظَّالِمين فأفاق فخاف الْعقَاب وَرَجا الثَّوَاب وَأبْصر الْآخِرَة حَتَّى صَارَت نصب عَيْنَيْهِ
وتزكية قُلُوب المقربين نور الْقرْبَة فَأحرق الشَّهَوَات وامتلأ الْقلب من نور التَّوْحِيد وأشرق الصَّدْر بنوره فأيقظه من نومَة الغافلين فانتبه وَفِي المقربين قوم مصطفون مجتبون هم خَاصَّة المقربين وهم المحدثون فتزكية قُلُوبهم نور وَجهه الْكَرِيم فهم فِي قَبضته يتصرفون
فالظالمون علانيتهم أكبر من سريرتهم وَهُوَ الْجور
والمقتصدون اسْتَوَت سريرتهم وعلانيتهم وَهُوَ الْعدْل
والمقربون فضلت سريرتهم علانيتهم فللحظة من سرائرهم أعظم من أَعمال الثقلَيْن عمر نوح ﵇
قَالَ إِبْنِ مَسْعُود ﵁ إِن الرجل من هَذِه الْأمة يبلغ عمله يَوْمًا وَاحِدًا مَا يكون أثقل من سبع سموات وَسبع أَرضين فِي الْوَزْن
وَنظر رَسُول الله ﷺ إِلَى جبل أحد فَقَالَ رب رجل من أمتِي يعدل الْحَرْف الْوَاحِد من تَسْبِيحَة هَذَا الْجَبَل
وَقَوله أَن يعلم أَن الله مَعَه حَيْثُ مَا كَانَ فَهَذِهِ تَزْكِيَة النُّفُوس وَهَذَا الْعلم علم الْإِنَابَة فَإِنَّهُ إِذا أناب استنار فَبَقيَ خَوفه مَعَه فقيده عَن الْمعاصِي سرا وجهرا وَهُوَ علم الْقلب الَّذِي قَالَ ﷺ فَذَاك الْعلم النافع والظالم إِنَّمَا يعلم علم إِيمَان أَن الله تَعَالَى مَعَه ثمَّ لَا تَأْخُذهُ مَخَافَة هذاالعلم حَتَّى يُقَيِّدهُ عَن الْمعاصِي سرا وجهرا فَذَاك هُوَ الْعلم الَّذِي قَالَ ﷺ هُوَ علم اللِّسَان وَأما المقرب فَعلمه علم يُقَارب المعاينة قَالَ ﷺ أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ
стр. 668
وكلم عُرْوَة بن الزبير عبد الله بن عمر ﵃ فِي الطّواف بِشَيْء من خطْبَة ابْنَته فَلم يجبهُ فَلَمَّا لقِيه بعد ذَلِك قَالَ إِنَّا كُنَّا نتراءى الله فِي الطّواف بَين أَعيننَا فَذَاك الَّذِي مَنَعَنِي من جوابك
وَقَالَ ﷺ إِن أفضل إِيمَان العَبْد أَن يعلم أَن الله مَعَه حَيْثُ مَا كَانَ
وَهَذَا علم الْيَقِين لَا علم الْقلب وَلَا اللِّسَان فالموحدون علمُوا أَن الله تَعَالَى مَعَهم وقررهم إِيمَانهم بِهِ ثمَّ لم يعملوا فِي قُلُوبهم وَرَاء ذَلِك شَيْئا والمقتصدون أعْطوا علم الْإِنَابَة وَهُوَ النُّور الَّذِي إِذا أناب أعطي فَوجدَ المخافة فقيده ذَلِك النُّور الَّذِي ورد على قلبه عَمَّا كره الله تَعَالَى ووقف بِهِ على سَبِيل الاسْتقَامَة والمقربون من أعطي الْيَقِين وانكشف الغطاء عَن قلبه بنوره وَهُوَ نور الْأَنْوَار فَنظر إِلَى جلال الله تَعَالَى وعظمته فاندست أعضاؤه بَعْضهَا فِي بعض وَصَارَت نَفسه الشهوانية كشجرة أَصَابَهَا الْحَرِيق فيبست حَتَّى صَارَت جذعا وَصَارَت أَرْكَانه كوعاء فِيهِ حبوب عذرا وضعفا وعجزا ثمَّ أحله مرتبَة من مراتبه بَين يَدَيْهِ فأحيا قلبه فقوي بِاللَّه تَعَالَى وخبت شهواته وَرطب جسده وانبسطت جوارحه وانفتقت أعضاؤه وعاش فِي غذائه ونجواه وبشراه بَقِيَّة محياه مراقبا لأموره كَأَنَّهُ يرَاهُ فحياؤه مِنْهُ أَكثر من حَيَاء ملاء عَظِيم ضمهم اشراف الْمُسلمين وهيبته لَهُ أَكثر من هيبته من ملك من مُلُوك الدُّنْيَا بل يدق حياؤهم فِي جنب حيائه مِنْهُ وهيبته لذَلِك الْملك فِي جنب هيبته لَهُ وَهُوَ الَّذِي قد علم حق الْحق أَن الله تَعَالَى مَعَه فلولا أَن الله تَعَالَى يلطف لَهُ حَتَّى ينبسط مِنْهُ ويؤنسه ويقويه لَا حتمال ذَلِك لما قدر عَلَيْهِ وَلَا صلح للمعاش وَالْعشرَة
стр. 669
- الأَصْل التَّاسِع وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَة
-
فِي أَن الأَرْض تنادي ابْن آدم كل يَوْم سبعين مرّة
عَن ثَوْبَان ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الأَرْض لتنادي كل يَوْم سبعين مرّة يَا بني آدم كلوا مَا شِئْتُم واشتهيتم فوَاللَّه لاكلن لحومكم وجلودكم
هَذَا نِدَاء متسخط فِيهِ وَعِيد يَقع على من أكل بِشَهْوَة ونهمة وغفلة فَإِن الله تَعَالَى سخر لنا لنشكر لَا لنكفر وَالشُّكْر ذكره عِنْد كل نعْمَة وقبولها وَالْحَمْد عَلَيْهَا فَإِذا غفل عَن هَذَا كُله فقد أكل مِنْهَا بِغَيْر حق فسلطت الأَرْض عَلَيْهِ لتأكله كَمَا أكل مِنْهَا بِغَيْر حق فَأَما الْأَنْبِيَاء والأولياء ﵈ فَلَا تسخط الأَرْض عَلَيْهِم بل تفرح بكونهم على ظهرهَا وتفخر بقاعها بمنقلبهم عَلَيْهَا فَإِذا وَجَدتهمْ فِي بَطنهَا ضمتهم ضمة الوالدة الوالهة الواجدة بِوَلَدِهَا وَلِأَنَّهُم أكلُوا بِاللَّه وَللَّه وَفِي ذَات الله تَعَالَى وَمن كَانَ كَذَلِك فالأرض أذلّ وَأَقل من أَن تجترىء عَلَيْهِ لِأَن الأَرْض دون النَّار وَقد رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَن النَّار تنادي جز يَا مُؤمن فقد أطفأ نورك لهبي
стр. 670
وَقَالَ ﷺ إِن النَّار تنزوي وتنقبض عِنْد وُرُود الْمُؤمن وَقَالَ ﷺ يَجْعَل الله النَّار على الْمُؤمن بردا وَسلَامًا كَمَا كَانَت على إِبْرَاهِيم
فَإِذا كَانَت النَّار تخمد لممر عبد فَكيف تجترىء الأَرْض على أكله وَرُوِيَ فِي الْخَبَر أَن الشُّهَدَاء لَا تأكلهم الأَرْض وَرُوِيَ أَن من أذن سبع سِنِين لم يدود فِي قَبره
فَإِذا كَانَ الشَّهِيد والمؤذن قد امتنعا من الأَرْض بحالتيهما فحالة الْأَنْبِيَاء وَالصديقين والأولياء ﵈ أرفع من هَذَا وَأجل فانهم هم الشُّهَدَاء أَيَّام الْحَيَاة والدعاة إِلَى الله تَعَالَى على بَصِيرَة
وروى جَابر ﵁ قَالَ لما أَرَادَ مُعَاوِيَة ﵁ أَن يجْرِي الْعين إِلَى جنب أحد عِنْد قُبُور الشُّهَدَاء أَمر مناديا فنادي فيهم من كَانَ لَهُ قَتِيل فَليخْرجْ إِلَيْهِ قَالَ جَابر فخرجنا إِلَيْهِم فوجدناهم رطابا فرأيتهم ينثون على رِقَاب الرِّجَال كَأَنَّهُمْ رجال نوم فأصابت المسحاة قدم حَمْزَة بن عبد الْمطلب ﵁ فثارت إصبعه فانبعث دَمًا
ثمَّ الْأَوْلِيَاء على ثَلَاث مَرَاتِب مِنْهُم من أكل بِاللَّه تَعَالَى وَهُوَ الأرفع وَهُوَ من كَانَ فِي قَبضته قد انْفَرد بِهِ وخلص قلبه إِلَى وحدانيته فبه يقوم وَبِه يقْعد وَبِه ينْطق على مَا أَشَارَ إِلَيْهِ ﷺ عَلَيْهِ فَإِذا أَحْبَبْت عَبدِي فَكنت سَمعه وبصره الحَدِيث
وَمِنْهُم من أكل لله تَعَالَى ومقامه دون مقَام الأول وَهُوَ عبد ألْقى نَفسه بَين يَدَيْهِ سلما يراقب أُمُوره فَهُوَ يمْضِي فِيهَا كالعبيد لَا يُؤثر أمرا على أَمر وَلَا يدبر لنَفسِهِ تدبيرا بل يراقب تَدْبيره وَيعْمل لَهُ
وَمِنْهُم من أكل فِي ذَات الله وَهُوَ دون الثَّانِي بِدَرَجَة
следующие страницы →