← Книги сунны

Книги сунны · id 720

نوادر الأصول في أحاديث الرسول

الحكيم الترمذي

Полный текст (1 237 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الْقلب وَلَا قَرَار لَهُ لِأَنَّهُ شرارة من شرر الْإِيمَان وَهِي حجَّة الله تَعَالَى على ابْن آدم وَعلم الْقلب علم الْيَقِين قَالَ ﷺ الْعلم علمَان علم بِالْقَلْبِ فَذَاك الْعلم النافع وَعلم على اللِّسَان فَذَاك حجَّة الله على ابْن آدم فالزكاة هِيَ الطهرة والنماء فَإِذا قَالَ العَبْد صَادِقا من قلبه هَذِه الْكَلِمَة فَإِنَّمَا قَوْله من النُّور الَّذِي أحيى الله تَعَالَى بِهِ قلبه فَذَلِك النُّور طهر جَمِيع جسده ولصدق هَذِه الْكَلِمَة ثَلَاث منَازِل أَولهَا الظَّالِمُونَ وأوسطها المقتصدون وَآخِرهَا المقربون فالظالمون زكوا قُلُوبهم وجوارحهم بِهَذَا القَوْل ثمَّ دنسوها بِالْمَعَاصِي فَهُوَ مَعَ ظلمه شرِيف الْمنزلَة رفيع الْقدر لم يخرج بظلمه نَفسه من ولَايَة الله تَعَالَى وَمن رَحمته وَلَا زَالَت عَنهُ حرمته وَإِن تابعوا زَالَت الأدناس وصاروا من أهل نورالطاعات والمقتصدون زكوا قُلُوبهم بِهَذِهِ الْكَلِمَة وزكوا أَمْوَالهم وأجسادهم بالائتمار بِأَمْر الله والتناهي عَن نَهْيه ثمَّ ثبتوا على تَزْكِيَة الْأَمْوَال والأجساد ودنسوا قُلُوبهم بالرغبة والرهبة والشهوة والغفلة والحرص والعجلة ومحبة النَّفس وهواها ومحبة الدُّنْيَا وَأَحْوَالهَا والمقربون زكوا بِمَا زكى بِهِ المقتصدون وَأَقْبلُوا على قُلُوبهم فرعوها عَن أَن تتدنس بِشَيْء مِمَّا ذكرنَا فَكَانَ مرعى قُلُوبهم بَين يَدَيْهِ لم يكن للدنيا وَلَا للنَّفس هُنَاكَ دنو وَلَا لحاظ فتزكية قُلُوب الظَّالِمين بِنور التَّوْحِيد وَجَاءَت الشَّهَوَات بظلمتها وأحاطت بِالْقَلْبِ وَلم يكن لنوره الَّذِي أعطي مَا يحرق هَذِه الشَّهَوَات

стр. 667

وتزكية قُلُوب الْمُقْتَصِدِينَ بِنور الْإِنَابَة فَإِنَّهُ إِذا أناب العَبْد استنار قلبه بنوره فَأخْرجهُ من سكر الظَّالِمين فأفاق فخاف الْعقَاب وَرَجا الثَّوَاب وَأبْصر الْآخِرَة حَتَّى صَارَت نصب عَيْنَيْهِ وتزكية قُلُوب المقربين نور الْقرْبَة فَأحرق الشَّهَوَات وامتلأ الْقلب من نور التَّوْحِيد وأشرق الصَّدْر بنوره فأيقظه من نومَة الغافلين فانتبه وَفِي المقربين قوم مصطفون مجتبون هم خَاصَّة المقربين وهم المحدثون فتزكية قُلُوبهم نور وَجهه الْكَرِيم فهم فِي قَبضته يتصرفون فالظالمون علانيتهم أكبر من سريرتهم وَهُوَ الْجور والمقتصدون اسْتَوَت سريرتهم وعلانيتهم وَهُوَ الْعدْل والمقربون فضلت سريرتهم علانيتهم فللحظة من سرائرهم أعظم من أَعمال الثقلَيْن عمر نوح ﵇ قَالَ إِبْنِ مَسْعُود ﵁ إِن الرجل من هَذِه الْأمة يبلغ عمله يَوْمًا وَاحِدًا مَا يكون أثقل من سبع سموات وَسبع أَرضين فِي الْوَزْن وَنظر رَسُول الله ﷺ إِلَى جبل أحد فَقَالَ رب رجل من أمتِي يعدل الْحَرْف الْوَاحِد من تَسْبِيحَة هَذَا الْجَبَل وَقَوله أَن يعلم أَن الله مَعَه حَيْثُ مَا كَانَ فَهَذِهِ تَزْكِيَة النُّفُوس وَهَذَا الْعلم علم الْإِنَابَة فَإِنَّهُ إِذا أناب استنار فَبَقيَ خَوفه مَعَه فقيده عَن الْمعاصِي سرا وجهرا وَهُوَ علم الْقلب الَّذِي قَالَ ﷺ فَذَاك الْعلم النافع والظالم إِنَّمَا يعلم علم إِيمَان أَن الله تَعَالَى مَعَه ثمَّ لَا تَأْخُذهُ مَخَافَة هذاالعلم حَتَّى يُقَيِّدهُ عَن الْمعاصِي سرا وجهرا فَذَاك هُوَ الْعلم الَّذِي قَالَ ﷺ هُوَ علم اللِّسَان وَأما المقرب فَعلمه علم يُقَارب المعاينة قَالَ ﷺ أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ

стр. 668

وكلم عُرْوَة بن الزبير عبد الله بن عمر ﵃ فِي الطّواف بِشَيْء من خطْبَة ابْنَته فَلم يجبهُ فَلَمَّا لقِيه بعد ذَلِك قَالَ إِنَّا كُنَّا نتراءى الله فِي الطّواف بَين أَعيننَا فَذَاك الَّذِي مَنَعَنِي من جوابك وَقَالَ ﷺ إِن أفضل إِيمَان العَبْد أَن يعلم أَن الله مَعَه حَيْثُ مَا كَانَ وَهَذَا علم الْيَقِين لَا علم الْقلب وَلَا اللِّسَان فالموحدون علمُوا أَن الله تَعَالَى مَعَهم وقررهم إِيمَانهم بِهِ ثمَّ لم يعملوا فِي قُلُوبهم وَرَاء ذَلِك شَيْئا والمقتصدون أعْطوا علم الْإِنَابَة وَهُوَ النُّور الَّذِي إِذا أناب أعطي فَوجدَ المخافة فقيده ذَلِك النُّور الَّذِي ورد على قلبه عَمَّا كره الله تَعَالَى ووقف بِهِ على سَبِيل الاسْتقَامَة والمقربون من أعطي الْيَقِين وانكشف الغطاء عَن قلبه بنوره وَهُوَ نور الْأَنْوَار فَنظر إِلَى جلال الله تَعَالَى وعظمته فاندست أعضاؤه بَعْضهَا فِي بعض وَصَارَت نَفسه الشهوانية كشجرة أَصَابَهَا الْحَرِيق فيبست حَتَّى صَارَت جذعا وَصَارَت أَرْكَانه كوعاء فِيهِ حبوب عذرا وضعفا وعجزا ثمَّ أحله مرتبَة من مراتبه بَين يَدَيْهِ فأحيا قلبه فقوي بِاللَّه تَعَالَى وخبت شهواته وَرطب جسده وانبسطت جوارحه وانفتقت أعضاؤه وعاش فِي غذائه ونجواه وبشراه بَقِيَّة محياه مراقبا لأموره كَأَنَّهُ يرَاهُ فحياؤه مِنْهُ أَكثر من حَيَاء ملاء عَظِيم ضمهم اشراف الْمُسلمين وهيبته لَهُ أَكثر من هيبته من ملك من مُلُوك الدُّنْيَا بل يدق حياؤهم فِي جنب حيائه مِنْهُ وهيبته لذَلِك الْملك فِي جنب هيبته لَهُ وَهُوَ الَّذِي قد علم حق الْحق أَن الله تَعَالَى مَعَه فلولا أَن الله تَعَالَى يلطف لَهُ حَتَّى ينبسط مِنْهُ ويؤنسه ويقويه لَا حتمال ذَلِك لما قدر عَلَيْهِ وَلَا صلح للمعاش وَالْعشرَة

стр. 669

- الأَصْل التَّاسِع وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَة - فِي أَن الأَرْض تنادي ابْن آدم كل يَوْم سبعين مرّة عَن ثَوْبَان ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الأَرْض لتنادي كل يَوْم سبعين مرّة يَا بني آدم كلوا مَا شِئْتُم واشتهيتم فوَاللَّه لاكلن لحومكم وجلودكم هَذَا نِدَاء متسخط فِيهِ وَعِيد يَقع على من أكل بِشَهْوَة ونهمة وغفلة فَإِن الله تَعَالَى سخر لنا لنشكر لَا لنكفر وَالشُّكْر ذكره عِنْد كل نعْمَة وقبولها وَالْحَمْد عَلَيْهَا فَإِذا غفل عَن هَذَا كُله فقد أكل مِنْهَا بِغَيْر حق فسلطت الأَرْض عَلَيْهِ لتأكله كَمَا أكل مِنْهَا بِغَيْر حق فَأَما الْأَنْبِيَاء والأولياء ﵈ فَلَا تسخط الأَرْض عَلَيْهِم بل تفرح بكونهم على ظهرهَا وتفخر بقاعها بمنقلبهم عَلَيْهَا فَإِذا وَجَدتهمْ فِي بَطنهَا ضمتهم ضمة الوالدة الوالهة الواجدة بِوَلَدِهَا وَلِأَنَّهُم أكلُوا بِاللَّه وَللَّه وَفِي ذَات الله تَعَالَى وَمن كَانَ كَذَلِك فالأرض أذلّ وَأَقل من أَن تجترىء عَلَيْهِ لِأَن الأَرْض دون النَّار وَقد رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَن النَّار تنادي جز يَا مُؤمن فقد أطفأ نورك لهبي

стр. 670

وَقَالَ ﷺ إِن النَّار تنزوي وتنقبض عِنْد وُرُود الْمُؤمن وَقَالَ ﷺ يَجْعَل الله النَّار على الْمُؤمن بردا وَسلَامًا كَمَا كَانَت على إِبْرَاهِيم فَإِذا كَانَت النَّار تخمد لممر عبد فَكيف تجترىء الأَرْض على أكله وَرُوِيَ فِي الْخَبَر أَن الشُّهَدَاء لَا تأكلهم الأَرْض وَرُوِيَ أَن من أذن سبع سِنِين لم يدود فِي قَبره فَإِذا كَانَ الشَّهِيد والمؤذن قد امتنعا من الأَرْض بحالتيهما فحالة الْأَنْبِيَاء وَالصديقين والأولياء ﵈ أرفع من هَذَا وَأجل فانهم هم الشُّهَدَاء أَيَّام الْحَيَاة والدعاة إِلَى الله تَعَالَى على بَصِيرَة وروى جَابر ﵁ قَالَ لما أَرَادَ مُعَاوِيَة ﵁ أَن يجْرِي الْعين إِلَى جنب أحد عِنْد قُبُور الشُّهَدَاء أَمر مناديا فنادي فيهم من كَانَ لَهُ قَتِيل فَليخْرجْ إِلَيْهِ قَالَ جَابر فخرجنا إِلَيْهِم فوجدناهم رطابا فرأيتهم ينثون على رِقَاب الرِّجَال كَأَنَّهُمْ رجال نوم فأصابت المسحاة قدم حَمْزَة بن عبد الْمطلب ﵁ فثارت إصبعه فانبعث دَمًا ثمَّ الْأَوْلِيَاء على ثَلَاث مَرَاتِب مِنْهُم من أكل بِاللَّه تَعَالَى وَهُوَ الأرفع وَهُوَ من كَانَ فِي قَبضته قد انْفَرد بِهِ وخلص قلبه إِلَى وحدانيته فبه يقوم وَبِه يقْعد وَبِه ينْطق على مَا أَشَارَ إِلَيْهِ ﷺ عَلَيْهِ فَإِذا أَحْبَبْت عَبدِي فَكنت سَمعه وبصره الحَدِيث وَمِنْهُم من أكل لله تَعَالَى ومقامه دون مقَام الأول وَهُوَ عبد ألْقى نَفسه بَين يَدَيْهِ سلما يراقب أُمُوره فَهُوَ يمْضِي فِيهَا كالعبيد لَا يُؤثر أمرا على أَمر وَلَا يدبر لنَفسِهِ تدبيرا بل يراقب تَدْبيره وَيعْمل لَهُ وَمِنْهُم من أكل فِي ذَات الله وَهُوَ دون الثَّانِي بِدَرَجَة

стр. 671

وَذَاكَ عبد قد شغف بحب الله تَعَالَى وَذكر آلائه يَبْتَغِي فِي جَمِيع متقلبه رِضَاهُ فهم كلهم أهل ولَايَة الله تَعَالَى وَحرَام على الأَرْض لحومهم ودماؤهم لأَنهم عبيد الله تَعَالَى وخاصته وَالْأَرْض سخرة لَهُم فالأرض تمْضِي فِي سخرتها وَالْعَبِيد يمضون فِي حُقُوق الله تَعَالَى فَإِن الله تَعَالَى جعل الأَرْض ممرا للآدميين ليأخذوا مِنْهَا الزَّاد ليقطعوا هَذِه السفرة فَهِيَ بلغتهم قل أَو كثر ضَاقَ أَو اتَّسع فالمنتبه اطلع على هَذَا المطلع فَأَخذهَا تزودا وَوَجهه إِلَى الله تَعَالَى وَقَلبه مَعَ الله تَعَالَى يسير إِلَيْهِ ركضا يقطع اللَّيْل وَالنَّهَار كلما ذكر الْمَوْت وارتاح لعلمه بِأَن الْمَوْت يذهب بِهِ إِلَيْهِ وَيقدم بِهِ عَلَيْهِ إِذْ لَيْسَ لأحد أَن يقدم على مَوْلَاهُ الَّذِي هُوَ عطشان إِلَى لِقَائِه إِلَّا بعد وُرُود الْمَوْت الَّذِي وَكله بِهِ وَالرَّسُول الَّذِي جعله بَين يَدَيْهِ فَإِذا صَار إِلَى ملحده لم يكن بَينه وَبَين الأَرْض إِلَّا كل جميل قَالَ ﷺ إِنَّهَا تستاذن رَبهَا فِي أَن تدخل عَلَيْهِ فِي لحده فِي صورتهَا الَّتِي خلقت فِيهَا فَإِن لكل شَيْء صُورَة فَيُؤذن لَهَا فَتدخل عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الصُّورَة وتؤنسه وتبشر بِهِ وَتقول طَال مَا كنت تمشي على ظَهْري وَأَنا إِلَيْك مشتاقة ويبكي ظهر الأَرْض عَلَيْهِ أَرْبَعِينَ صباحا وَتقول فِي بكائها يَا رب عَبدك كَانَ يذكرك فِي فجاجي وبقاعي أسفا على مَا فاتها وافتقدت من ذَلِك وَالسَّمَاء تبْكي عَلَيْهِ فَتَقول يَا رب عَبدك كَانَ ينزل عَلَيْهِ رزقه مني ويصعد عمله إِلَيّ فَلَا يزَال ذَلِك دأبهما من الْبكاء وَهَذَا لِأَن الله تَعَالَى جعل هَذِه الأَرْض سخرة للآدمي لتَكون لَهُ قواما قطعا لعذره وَخلق الْآدَمِيّ لعبودته وَإِقَامَة حُقُوقه فَإِذا اشْتغل العَبْد فِي إِقَامَة حُقُوقه ونهمته وهمته وهواه ذَلِك فالسخرة لَهُ سليمَة طيبَة بِلَا وبال وَإِذا أحدث فِي السخرة حَدثا لم يكن لَهُ بِأَن إشتغل عَن إِقَامَة حَقه بهَا بِمَا سخر لَهُ عَادَتْ عَلَيْهِ وبالا وَصَارَت عَلَيْهِ فتْنَة وَقد تحولت العبودة عَن الْوَاحِد إِلَى الْأَعْدَاد قَالَ

стр. 672

الله تَعَالَى ضرب الله مثلا رجلا فِيهِ شُرَكَاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هَل يستويان مثلا فَهَذِهِ الْآيَة لَهَا ظهر وبطن فَأَما ظَاهره فَهُوَ الْمُشرك والموحد وباطنه رجل فِي شُرَكَاء متشاكسون أَي قلب فِيهِ شُرَكَاء قد سبوه وادعوه كل على ناحيته يَدعِيهِ فَكل همة لَهَا شقص من قلبه فقد صَار فِيهِ شُرَكَاء أحزابا فَفِي قلبه أفراح شهوات الدُّنْيَا وَأَحْوَالهَا اللذيذة وسلطان الْكل قَائِم على قلبه يزاحم صَاحبهَا فهم متشاكسون أَي متشاقصون فِيمَا بَينهم وَهُوَ مفتون بِكُل شَهْوَة قد سبت شُعْبَة من قلبه رُوِيَ عَن ابْن عمر ﵄ أَنه بَاعَ حمارا لَهُ فَقَالَ كَانَ لنا مُوَافقا وَلكنه أذهب شُعْبَة من قلبِي فَبِعْته وَقَالَ ﷺ من تشعبت بِهِ همومه فِي دُنْيَاهُ لم يبال الله فِي أَي وَاد هلك وَبَاعَ عمر ﵁ حمارا لَهُ فَقَالَ قد كَانَ مُوَافقا لنا وَلكنه أذهب شُعْبَة من قلبِي فَبِعْته فَهَذَا قلب فِيهِ فتْنَة المَال والأهل وَالْولد والعز وَحب الرياسة وَالثنَاء والمحمدة وفتنة الْعلم ورجلا سالما لرجل أَي قلبا سلما للْوَاحِد الْفَرد

стр. 673

فالمخذول من عبيده من قلبه بَين هَذِه الشُّرَكَاء فكلهم يَدعِيهِ ويستعبده وَكلهمْ ساخط عَلَيْهِ إِذْ لَا ينَال غَايَة نهمته والمؤيد من أَخذ الله تَعَالَى بِقَلْبِه فَجَذَبَهُ إِلَيْهِ جذبة فأقامة فِي فرديته وَقد قَالَ ﷺ إِن هَذِه الدُّنْيَا خضرَة حلوة فاتقوها وَقَالَ ﷺ إِن هَذَا المَال خضر حُلْو فَمن أَخذه بِحقِّهِ بورك لَهُ فِيهِ وَنعم المعونة هُوَ وَمن أَخذه بِغَيْر حَقه لم يُبَارك لَهُ فِيهِ وَكَانَ كَالَّذي يَأْكُل وَلَا يشْبع فالأخذ بِحقِّهِ أَن يَأْخُذهُ بحاجة إِلَيْهِ للتزود وَالْأَخْذ بِغَيْر حَقه أَن يَأْخُذهُ بِشَهْوَة التَّمَتُّع

стр. 674

- الأَصْل التِّسْعُونَ وَالْمِائَة - فِي سر مَكَارِم الْأَخْلَاق عَن عَائِشَة ﵂ تَقول كَانَ رَسُول الله ﷺ يَقُول مَكَارِم الْأَخْلَاق عشرَة تكون فِي الرجل وَلَا تكون فِي ابْنه وَتَكون فِي الابْن وَلَا تكون فِي أَبِيه وَتَكون فِي العَبْد وَلَا تكون فِي سَيّده يقسمها الله تَعَالَى لمن أَرَادَ بِهِ السَّعَادَة صدق الحَدِيث وَصدق الْبَأْس وَإِعْطَاء السَّائِل والمكأفاة بالصنايع وَحفظ الْأَمَانَة وصلَة الرَّحِم والتذمم للْجَار والتذمم للصاحب واقراء الضَّيْف ورأسهن الْحيَاء وكل خلق من هَذِه الْأَخْلَاق مكرمَة لمن منحها قَالَ ﷺ إِن الْأَخْلَاق مخزونة عِنْد الله فَإِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا منحه مِنْهَا خلقا والأخلاق الطبيعية كَالْأَكْلِ وَالشرب وَغير ذَلِك والأخلاق الَّتِي ركب عَلَيْهَا الْآدَمِيّ تِلْكَ أَخْلَاق الطبيعة وَقد عَم الْجَمِيع ثمَّ لله تَعَالَى منائح من فَضله لعبد من عبيده يختصهم بمشيئته منا مِنْهُ عَلَيْهِم من المخزونات عِنْده

стр. 675

قَالَ ﷺ إِنَّمَا بعثت لأتمم مَكَارِم الْأَخْلَاق فَهَذَا يدل على أَن الْأَنْبِيَاء ﵈ قبله ﷺ كَانَت مَعَهم هَذِه الْأَخْلَاق وَبقيت مِنْهَا بَقِيَّة بعث هُوَ ليتممها وَقَالَ ﷺ إِن لله مائَة وَسَبْعَة عشر خلقا فَمن أَتَى بِوَاحِدَة مِنْهَا دخل الْجنَّة وَقَالَ ﵇ إِن الله تَعَالَى يحب معالي الْأَخْلَاق فَإِذا جعل من محابه فِي عبد من عبيده أَنْجَاهُ محبوبه وَقَالَ ﷺ إِن الله تَعَالَى قسم بَيْنكُم أخلاقكم كَمَا قسم بَيْنكُم أرزاقكم فَالله تَعَالَى يحب العَبْد على أخلاقه إِذا تخلق بهَا لَهُ فَإِذا تخلق بهَا لدُنْيَا كَانَ من حُرْمَة تِلْكَ المكرمة الَّتِي أعطيها أَن يعقبه مِنْهَا مَعْرُوفا فَإِن كَانَ ظَالِما يتب عَلَيْهِ ورزق الْإِنَابَة وَإِن مَاتَ على غير تَوْبَة غفر لَهُ بِحرْمَة ذَلِك الْخلق وَإِن كَانَ كَافِرًا خفف عَنهُ الْعَذَاب قَالَ ﷺ لأم حَبِيبَة ﵂ ذهب حسن الْخلق بِخَير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقَالَ إِنَّه لينال بِحسن الْخلق دَرَجَة الصَّائِم الْقَائِم وَقَالَ ﷺ رَأَيْت رجلا من أمتِي جاثيا على رُكْبَتَيْهِ بَينه وَبَين لله حجاب فَجَاءَهُ حسن خلقه فَأدْخلهُ على الله تَعَالَى

стр. 676

وَعَن عَليّ ﵁ قَالَ سُبْحَانَ الله مَا أزهد النَّاس فِي الْخَيْر عجبت لرجل يَجِيئهُ أَخُوهُ الْمُسلم فِي حَاجته لَا يرى نَفسه للخير أَهلا فَلَو كُنَّا لَا نرجو جنَّة وَلَا نخشى نَارا وَلَا ثَوابًا وَلَا عقَابا لَكَانَ يَنْبَغِي لنا أَن نطلب مَكَارِم الْأَخْلَاق فانها مِمَّا تدل على سَبِيل النجاح فَقَامَ رجل فَقَالَ فدَاك أبي وَأمي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ سمعته من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 677

قَالَ نعم وَمَا هُوَ خير مِنْهُ لما أَتَانَا سَبَايَا طيىء وَقعت لي جَارِيَة حماء حَوَّاء لعساء لمياء عيطاء مسنونة الْخَدين صلته الجبين مقرونة الحاجبين صَغِيرَة الْأُذُنَيْنِ شماء الْأنف مَقْبُوضَة الهامه درماء الْكَعْبَيْنِ خدلة السَّاقَيْن لفاء الفخذين خميصة الخصرين ممكورة الكحشين مسقولة المتنين فَلَمَّا رايتها أعجبت بهَا وَقلت لاطلبن إِلَى رَسُول الله ﷺ أَن يَجْعَلهَا فِي فيئي فَلَمَّا تَكَلَّمت نسيت جمَالهَا لما رَأَيْت من فصاحتها فَقَالَت يَا مُحَمَّد إِن رَأَيْت أَن تخلي عني وَلَا تشمت بِي احياء الْعَرَب فَإِنِّي ابْنة سرة قومِي كَانَ أبي يفك العاني ويحمي الذمار ويقري الضَّيْف ويشبع الجائع ويفرج عَن المكروب وَيطْعم الطَّعَام ويفشي السَّلَام وَلم يرد طَالب حَاجَة قطّ وَأَنا ابْنة حَاتِم طيىء فَقَالَ يَا جَارِيَة هَذِه صفة الْمُؤمن حَقًا لَو كَانَ أَبوك إسلاميا لترحمنا عَلَيْهِ خلوا عَنْهَا فَإِن أَبَاهَا كَانَ يحب مَكَارِم الْأَخْلَاق وَالله تَعَالَى يحب مَكَارِم الْأَخْلَاق فَقَامَ أَبُو بردة ﵁ فَقَالَ يَا رَسُول الله الله يحب مَكَارِم الْأَخْلَاق فَقَالَ يَا أَبَا بردة لَا يدْخل الْجنَّة أحد إِلَّا بِحسن الْخلق فَأَما مَا عده رَسُول الله ﷺ عشرا مِنْهَا صدق الحَدِيث وَهُوَ من الْإِيمَان لِأَن الْكَذِب مُجَانب للْإيمَان لِأَنَّهُ إِذا كذب فَقَالَ كَانَ كَذَا وَلم يكن فقد افترى على الله تَعَالَى لِأَنَّهُ زعم أَن الله تَعَالَى قد كَونه وَإِن كَانَ ذَلِك فَزعم أَنه لم يكن فقد افترى على الله تَعَالَى قَالَ أَبُو بكر ﵁ الْكَذِب مُجَانب للْإيمَان

стр. 678

وَقَوله صدق الْبَأْس لِأَنَّهُ من الثِّقَة بِاللَّه تَعَالَى شجاعة وسماحة وَإِعْطَاء السَّائِل من الرَّحْمَة والمكافأة بالصنايع من الشُّكْر وَحفظ الْأَمَانَة من الْوَفَاء وصلَة الرَّحِم من الْعَطف والتذمم للْجَار من نزاهة النَّفس وَكَذَلِكَ التذمم للصاحب وإقراء الضَّيْف من سخاوة النَّفس وَالْحيَاء من عفة الرّوح وكل خلق من هَذِه الْأَخْلَاق مكرمَة عَظِيمَة يسْعد بِالْوَاحِدِ مِنْهَا صَاحبه فَكيف لمن جمعت لَهُ المكارم والأخلاق الْحَسَنَة كَثِيرَة وَكلهَا تقرب إِلَى الله تَعَالَى وَلَكِن هَذِه مَكَارِم تِلْكَ الْأَخْلَاق فَكل مكرمَة مِنْهَا تمنح العَبْد فَهِيَ لَهُ شرف وفضيلة فِي الدُّنْيَا ورفعة ووسيلة فِي الْآخِرَة

стр. 679

- الأَصْل الْحَادِي وَالتِّسْعُونَ وَالْمِائَة - فِي الْخِصَال الْأَرْبَع الَّتِي تطهر الْجَسَد وَالْقلب عَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ أَربع خِصَال إِذا أعطي العَبْد فَلَا يضرّهُ مَا عزل عَنهُ من الدُّنْيَا حسن خلقه وعفاف طعمه وَصدق حَدِيث وَحفظ أَمَانَة هَذِه خِصَال كلهَا تطهر الْجَسَد وَالْقلب فَأَما حسن خلقه فَأن يكون حسن الْعشْرَة مَعَ الْخلق حسن الْخلق مَعَ أَمر الله تَعَالَى وَنَهْيه حسن الْعشْرَة والخلق مَعَ تَدْبِير الله تَعَالَى وَأَحْكَامه وعفاف طعمه بِأَن يطعم مَا لَا يشوبه الْحَرَام وَلَا الشَّهْوَة وَلَا المطامع وَصدق الحَدِيث فَأن يعف لِسَانه وَحفظ أَمَانَة بِأَن يحفظ جوارحه وَمَا ائْتمن عَلَيْهِ

стр. 680

- الأَصْل الثَّانِي وَالتِّسْعُونَ وَالْمِائَة - فِي فضل صَلَاة الْفجْر يَوْم الْجُمُعَة عَن أبي عُبَيْدَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَيْسَ من الصَّلَوَات أفضل من صَلَاة الغدوة يَوْم الْجُمُعَة فِي جمَاعَة وَمَا أَحْسبهُ شَهِدَهَا أحد مِنْكُم إِلَّا مغفورا لَهُ يَوْم الْجُمُعَة اصطفاه الله تَعَالَى واستأثر بِهِ على الْأَيَّام وَختم فِيهِ آخر الْخلق وَهُوَ آدم ﵇ وَفِيه قَبضه وَجعله يَوْم الْجَزَاء وَفِيه تقوم السَّاعَة وَفِيه فصل الْقَضَاء وَفِيه زِيَارَة الأحباب إِلَى الله تَعَالَى فِي الفراديس وَصَلَاة الغدوة فَإِن الله تَعَالَى يشهدها وَمَلَائِكَته ﵈ كَمَا قَالَ ﷺ ثمَّ قَرَأَ وَقُرْآن الْفجْر إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا وَلذَلِك قَالَ ﷺ من صلى الصُّبْح فِي جمَاعَة فَهُوَ فِي

стр. 681

ذمَّة الله تَعَالَى فَإِذا وَافق العَبْد شُهُوده فِي يَوْمه دخل فِي ستره وذمته فالستر الْمَغْفِرَة والذمة الْجوَار والحصن من الْعَدو

стр. 682

- الأَصْل الثَّالِث وَالتِّسْعُونَ وَالْمِائَة - فِي تَمْثِيل بِلَال ﵁ بالنحلة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ مر ببلال ﵁ وَهُوَ يقْرَأ من هَذِه السُّورَة وَهَذِه السُّورَة وَقَالَ أخلط الطّيب بالطيب فَقَالَ ﷺ إقرأ السُّورَة على نَحْوهَا ثمَّ قَالَ مثل بِلَال كَمثل نحلة غَدَتْ تآكل من الحلو والمر ثمَّ يُمْسِي حلوا كُله النحلة مأمورة بذلك وَجعل الحلو والمر رزقا لَهَا فَإِن فِي الحلو شِفَاء وداء وَفِي المر شِفَاء وداء فَأمرت بِالْجمعِ بَين ذَلِك ليَكُون الدَّاء بالشفاء والشفاء بالداء فيعتدل فَلَا يضرّهُ وَيكون شِفَاء قَالَ الله تَعَالَى وَأوحى رَبك إِلَى النَّحْل فذللت لله تَعَالَى مطيعة فاتخذت بُيُوتًا من الْأَمَاكِن الَّتِي تسير إِلَيْهَا وَاتَّبَعت رزقها من حَيْثُ ذكر لَهَا فالمر من الثِّمَار كريه على كل دَابَّة وَنَفس لَكِن النحلة كَمَا سخرت للآدمي فذلت وإنقادت كَذَلِك

стр. 683

فِيمَا صرفت إِلَيْهَا من الرزق سخرت لأكلها حلوا كَانَ أَو مرا وَقد نجد الدَّوَابّ فِي مرعاهن يتقين كثيرا من الكلاء ونبات الأَرْض فَلَا يقربن وَذَوَات الأجنحة يتقين كثيرا من الثِّمَار فَلَا يقربنه وسخرت النحلة لأكل كل الثمرات حلوها ومرها ومحبوبها ومكروهها واتخذت النَّحْل بُيُوتًا بِمَا أُوحِي إِلَيْهَا لتَكون أوعية لما يَجْعَل الله تَعَالَى فِي مأكولها من الشِّفَاء للآدميين وَلَوْلَا تِلْكَ الْبيُوت لَكَانَ الَّذِي يخرج مِنْهَا يذهب فَسَادًا فَهَذِهِ الْبيُوت وَإِن كَانَت مساكنها فَهِيَ للعسل ولأمر الله تَعَالَى وَسَائِر الْهَوَام وَالدَّوَاب والطيور تتَّخذ المأوى والأوكار لقرارها ثمَّ أمرهَا الله تَعَالَى أَن تَأْكُل من كل الثمرات فَإِن لكل ثَمَرَة نفعا فَإِذا أكلت من الْكل فقد جمعت النَّفْع كُله فِي أكلهَا وَإِذا تركت شهوتها اسْتَوَى عِنْدهَا مَحْبُوب الثِّمَار ومكروهها لما ذلت لأمر الله تَعَالَى وَصَارَ هَذَا الْأكل لله تَعَالَى لَا لنَفسهَا إِذْ لَو آثرت المحبوب على الْمَكْرُوه لَكَانَ أكلهَا لنَفسهَا فَلَمَّا ذللت لَهُ فِي أكل الثمرات فِيمَا وافقته وَفِيمَا لم توافقه صَار ذَلِك شِفَاء بِمَنْزِلَة الْأَدْوِيَة يخلط من كل نوع فَإِذا ذلت النَّفس ذهبت الْكَرَاهَة وانتظمت الطَّاعَة فِي أكلهَا لله تَعَالَى لَا لنَفسهَا وَحسب شهوتها ونهمتها صَار مَا فِي جوفها من الْمَأْكُول حلوا وَصَارَ شِفَاء لأسقام الْآدَمِيّين أَلا ترى أَن الْبَقَرَة صَار لَبنهَا شِفَاء ولحمها دَاء لِأَنَّهَا تَأْكُل من كل الشّجر قَالَ ﷺ عَلَيْكُم بألبان الْبَقر فَإِنَّهَا ترم أَي تآكل من كل الشّجر وَقَالَ ﷺ لَبنهَا دَوَاء وسمنها شِفَاء ولحمها دَاء

стр. 684

إِنَّمَا صَار لَبنهَا دَوَاء لِأَنَّهَا تَأْكُل من كل شجر وَصَارَ لَحمهَا دَاء لِأَنَّهَا تَأْكُل بالنهمة لِأَنَّهَا جعمة وَلِهَذَا ترعى من كل الشّجر حلوه ومره لجعامتها لِأَنَّهَا ذللت لله تَعَالَى بِأَمْر رَبهَا كالنحل فَإِنَّهَا لم يلق إِلَيْهَا مَا ألقِي إِلَى النَّحْل إلهاما من الله تَعَالَى وَلِهَذَا ترعى من الْمَزَابِل وترتع من القاذورات لجعامتها فَصَارَت لَحمهَا دَاء وَاللَّبن الَّذِي حدث عَن أخلاط الشّجر دَوَاء للنهمة عَلَيْهَا صَارَت لحمانها منزوعة الْبركَة وكل شَيْء لَا يُبَارك فِيهِ فَهُوَ دَاء فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَأَما النحلة ذلت بالهام الله تَعَالَى وأكلت من الحلو والمر لله تَعَالَى فَصَارَ مَا فِي جوفها شِفَاء وَلِهَذَا نهى ﷺ عَن قتل النحلة لِأَن فِي خلقهَا جوهرا يتَقَدَّم الْجَوَاهِر وَقد شرحناه فِيمَا قبله وَثَمَرَة هَذِه الْآيَة لمن صفا فكره فِيهَا أَن الله يعلمك أَن النحلة الَّتِي سخرتها لَك ذلت لي فَاسْتَوَى عِنْدهَا فِي الْمطعم محبوبها ومكروهها وَتركت نهمتها وشهوتها فَجعلت مَا فِي بَطنهَا حلوها ومرها حلوا كُله وَجَعَلته شِفَاء من الأسقام فَكيف بالآدمي المسخر لَهُ إِذا ذلت نَفسه لي فَتركت نهمتها وشهوتها رياضة لَهَا حَتَّى إستوي عِنْدهَا الْمَكْرُوه والمحبوب من أحوالها وَيصير ذَلِك الْمَكْرُوه كُله عِنْده حلوا محبوبا يكون كَلَامه شِفَاء للمذنبين وأفعاله شِفَاء للناظرين إِلَيْهِ من الْمعاصِي ورؤيته حَيَاة قُلُوبهم وَأما تَمْثِيل فعل بِلَال ﵁ بالنحلة أَنه إِذا قَرَأَ قصد آيَات الرَّحْمَة وصفات الْجنَّة فيتلوها نظاما وَإِنَّمَا يقْصد من الْقُرْآن مَا طيب نَفسه فَأمره ﷺ أَن يقْرَأ السُّورَة على نَحْوهَا كَمَا

стр. 685

جَاءَت ممزوجة وَالله تَعَالَى أعلم بدواء الْعباد وحاجتهم إِذْ وَلَو شَاءَ لصنفها أصنافا كل صنف عل حِدة لكنه مزجها ليعْمَل على الْقُلُوب على المزاج وَلَا يفهم نظامه إِلَّا الْأَنْبِيَاء والأولياء ﵈ وَحرَام على قُلُوب التفتت إِلَى أَحْوَال النَّفس أَو حجبت عقولها عَنهُ لشَهْوَة أَن تفهم نظامه فنظامه فِي جَمِيع كَلَامه نظام يعجز عَنهُ الواصف والمفكر وَمن هَذَا النظام تخرج اللطائف وَكَانَ بِلَال ﵁ عجز عَن إِدْرَاكه فقصد مَا تطيب بِهِ النُّفُوس من آيَات الرَّحْمَة فَأمره النَّبِي ﷺ أَن يقْرَأ على نظام رب الْعِزَّة وَهُوَ أعلم بالشفاء فانه سَمَّاهُ شِفَاء لما فِي الصُّدُور فَإِن فِي الصُّدُور دَاء النُّفُوس وَهِي الشَّهَوَات وَإِذا جَاءَت مواعظ الله تَعَالَى جَاءَت بالشفاء مَعهَا فَذهب الدَّاء ثمَّ مثل شَأْن بِلَال ﵁ بالنحلة تَغْدُو فتآكل حلوا وَمَرا ثمَّ يُمْسِي كلهَا حلوا فَكَذَلِك الْمُؤمن يَتْلُو آيَة الْوَعْد فيسر قلبه ثمَّ يَتْلُو آيَة الْوَعيد فينكسر قلبه فَهُوَ بَين خوف ورجاء فَهَذَا حُلْو وَذَاكَ مر ثمَّ يطمئن إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى وَإِلَى مَعْرفَته بربه فَيصير حلوا كُله قَالَ الله تَعَالَى تقشعر مِنْهُ جُلُود الَّذين يَخْشونَ رَبهم ثمَّ تلين جُلُودهمْ وَقُلُوبهمْ إِلَى ذكر الله اقشعرت الْجُلُود من هول الْوَعيد الَّذِي حل بقلوبهم فَهَذِهِ مرَارَة ثمَّ اطمأنت جُلُودهمْ وَقُلُوبهمْ إِلَى ذكر الله تَعَالَى بِمَا عرفوه كَرِيمًا رحِيما سَمحا جوادا ودودا رؤوفا فطابت نُفُوسهم ولانت جُلُودهمْ فَإِذا تَلا وعده رجا وَإِذا تَلا وعيده خَافَ ثمَّ التَّوْحِيد لَا يَدعه حَتَّى يجذب قلبه إِلَى ربه تَعَالَى فيطمئن إِلَى عطفه فشبهه بالنحلة تَأْكُل حلوا وَمَرا ثمَّ أَمْسَى فَعَاد كُله حلوا

стр. 686

- الأَصْل الرَّابِع وَالتِّسْعُونَ وَالْمِائَة - فِي سر دعوات نبوية عَن أبي بكر ﵁ قَالَ قلت يَا رَسُول الله عَلمنِي دُعَاء أَدْعُو بِهِ قَالَ قل اللَّهُمَّ إِنِّي ظلمت نَفسِي ظلما كثيرا وَلَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت فَاغْفِر لي مغْفرَة من عنْدك وارحمني إِنَّك أَنْت الغفور الرَّحِيم قد اعْترف بالظلم ثمَّ إلتجأ إِلَيْهِ التجاء مُضْطَر لَا يجد لذنبه ساترا غَيره ثمَّ سَأَلَهُ الْمَغْفِرَة من عِنْده وَإِن كَانَ الْأَشْيَاء كلهَا من عِنْد الله تَعَالَى إِلَّا أَن لله تَعَالَى رَحْمَة قد عَمت الْخلق فِي أَرْزَاقهم ومعاشهم وأحوالهم ثمَّ لَهُ رَحْمَة الْإِيمَان خص بهَا الْمُؤمنِينَ وَله رَحْمَة الطَّاعَة وَقد خص بهَا الْمُتَّقِينَ وَله رَحْمَة قد خص بهَا الْأَوْلِيَاء فبها نالوا الْولَايَة قَالَ الله تَعَالَى والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد

стр. 687

رَبنَا) إِلَى أَن قَالَ ﴿وهب لنا من لَدُنْك رَحْمَة﴾ وَله رَحْمَة قد خص بهَا الْأَنْبِيَاء ﵈ فبها نالوا النُّبُوَّة قَالَ الله تَعَالَى وَوَهَبْنَا لَهُم من رَحْمَتنَا سَأَلُوهُ رَحْمَة من عِنْده

стр. 688

- الأَصْل الْخَامِس وَالتِّسْعُونَ وَالْمِائَة - فِي سر قَوْله تَعَالَى هُوَ أهل التَّقْوَى وَأهل الْمَغْفِرَة عَن أنس ﵁ قَالَ قَرَأَ رَسُول الله ﷺ هُوَ أهل التَّقْوَى وَأهل الْمَغْفِرَة فَقَالَ ﷺ قَالَ ربكُم جلّ وَعز أَنا أهل أَن أتقى فَلَا يَجْعَل معي اله فَمن اتَّقى أَن يَجْعَل معي إِلَهًا كَانَ أَهلا أَن أَغفر لَهُ وَفِي رِوَايَة أُخْرَى أَنا أهل أَن أَغفر لَهُ فَالْعَبْد إِذا اتَّقى أَن يَجْعَل مَعَه إِلَهًا آخر فربنا أهل لذَلِك لِأَنَّهُ لَا إِلَه غَيره فَهُوَ أهل أَن يَتَّقِي دَعْوَى الشّرك لأحد فِي ربوبيته وإلهيته وَلَو أشرك بِهِ لفعل محالا لَا يكون وَلَيْسَ بكائن فَمن اتَّقى كَانَ أَهلا أَن يستر عَلَيْهِ ذنُوبه وعيوبه ويقيه ظلمَة النَّار وحرها قَالَ تَعَالَى

стр. 689

والزمهم كلمة التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَق بهَا وَأَهْلهَا وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى فَأَنا أهل أَن أَغفر لَهُ وَمَعْنَاهُ أَغفر لمن وحدني وَاتَّقَى أَن يَجْعَل معي إِلَهًا وَهَذَا رد على من قَالَ إِن أهل التَّوْحِيد يبْقى فِي النَّار أبدا وَمَا أَتَى من لفظ الْخلد أَرَادَ بِهِ طول الْمكْث قَالَ الله تَعَالَى ﴿أخلد إِلَى الأَرْض﴾ أَي أَبْطَأَ عَن الْآخِرَة إِلَيْهَا وَقَالَ ﷺ خيرني رَبِّي بَين لِقَائِه وَبَين الْخلد فِي الدُّنْيَا فاخترت لِقَاء رَبِّي وَلَا شكّ أَن الْخلد فِي الدُّنْيَا لَا يكون أبدا قَالَ رَسُول الله ﷺ قَالَ الله إِنِّي لأجدني أستحيي من عَبدِي يرفع يَدَيْهِ ثمَّ أردهما قَالَت الْمَلَائِكَة إلهنا لَيْسَ لذَلِك بِأَهْل قَالَ الله تَعَالَى لكني أهل التَّقْوَى وَأهل الْمَغْفِرَة أشهدكم أَنِّي غفرت لَهُ

стр. 690

- الأَصْل السَّادِس وَالتِّسْعُونَ وَالْمِائَة - فِي ديدان الْقُرَّاء والتمسك بِالسنةِ عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يكون فِي آخر الزَّمَان ديدان الْقُرَّاء فَمن أدْرك ذَلِك فليتعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم وَمِنْهُم وَهُوَ الأنتنون ثمَّ تظهر قلانس البرود فَلَا يستحيي يَوْمئِذٍ من الرِّيَاء والمتمسك يَوْمئِذٍ بِدِينِهِ كالقابض على جَمْرَة والمتمسك بِدِينِهِ أجره كَأَجر خمسين قَالُوا أمنا أَو مِنْهُم قَالَ بل مِنْكُم وَفِي رِوَايَة ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ ﷺ يَأْتِي على النَّاس زمَان المتمسك فِيهِ بِسنتي عِنْد اخْتِلَاف أمتِي كالقابض على الْجَمْر

стр. 691

الْقُرَّاء على ثَلَاثَة أَنْوَاع ديدان الْقُرَّاء والصادقون وَالصِّدِّيقُونَ فَأَما ديدان الْقُرَّاء فهم الَّذين تنسكوا فِي ظَاهر الْأَحْوَال تصنعا ليأكلوا بِهِ الدُّنْيَا قد رموا أَبْصَارهم إِلَى الأَرْض ومدوا بأعناقهم تيها وتكبروا إعجابا بِظَاهِر أَحْوَالهم يقصرون الْخَطَأ ويتماوتون وَيَنْظُرُونَ إِلَى أهل الذُّنُوب بِعَين الإزدراء حقارة لَهُم وعجبا بِأَنْفسِهِم أعْطوا الْقُوَّة على لبس الخشن وَالصَّبْر على ترك ملاذ الدُّنْيَا وشهواتها وسخت نُفُوسهم بترك جَمِيع اللَّذَّات فِي جنب لَذَّة ثَنَاء الْخلق عَلَيْهِم والتعظيم لَهُم وَالنَّظَر إِلَيْهِم بِعَين الإجلال وسولت لَهُم نُفُوسهم أَنه إِنَّمَا تنَال الرّفْعَة الْعُظْمَى عِنْد الْخلق بترك ظَاهر الدُّنْيَا ولذاتها حَتَّى تنَال ملكا بِلَا سلَاح وجندا بِلَا إرتزاق وغنى بِلَا خزانَة وَعبيد بِلَا ملك فسبت قُلُوبهم بِمَا مُنَاهُمْ فَأَقْبَلُوا على ترك الدُّنْيَا وذمها وذم من تنَاولهَا والطعن على من وسم بالغنى من أَئِمَّة أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ حَتَّى أداهم جهلهم إِلَى أَن خَرجُوا على من وسع عَلَيْهِ هَذِه الدُّنْيَا من الرُّسُل ﵈ طَعنا ورميا فمرقوا من الدّين وَعظم شَأْن هَؤُلَاءِ فِي أعين الْخلق حِين تركُوا هَذَا الحطام وَكبر فِي صُدُورهمْ ذَلِك وَحَسبُوا أَنه لم يبْق وَرَاء هَذَا شَيْء وَإِن هَذَا عبد قد بلغ الْغَايَة وَلَا يعلمُونَ أَنه ترك شَيْئا قَلِيلا مِمَّا لَا يزن جَمِيع ذَلِك عِنْد الله تَعَالَى جنَاح بعوضة قد تركُوا الدُّنْيَا من حَيْثُ يظْهر لِلْخلقِ وأخذوها من حَيْثُ يخفى عَلَيْهِم اتَّخَذُوهَا بِتَرْكِهَا فِي الظَّاهِر واكتسبوا عِنْد الْخلق منزلَة نالوا فِي الْبَاطِن بِتِلْكَ الْمنزلَة أوفر مِمَّا تركوها وأسهل مِمَّا تناولوها يزرون على أهل الْغنى ويجفون أهل الذَّنب ويشمئزون عَن مُخَالطَة الْعَامَّة العبوس فِي وُجُوههم والتماوت فِي أركانهم وَعجب النَّفس فِي صُدُورهمْ وَسُوء الْخلق فِي أفعالهم وضيق الصَّدْر فِي عشرتهم الْوَاحِد مِنْهُم فِي نَفسه أعظم من

стр. 692

ملْء بلدته رجَالًا يهابهم النَّاس هَيْبَة سوء الْخلق لَا هَيْبَة الْحق والخشية هم الأنتنون لأَنهم فِي نَتن من الْأُمُور ودناءة وصدورهم أنتن من أُمُورهم لأَنهم يموتون على الدُّنْيَا عشقا همتهم هواهم وَدينهمْ مُنَاهُمْ وتبعهم غواة وهم من الصدْق عُرَاة قد ملكوا الْقُلُوب بتصنعهم وريائهم وهجروا الْخلق من أجل دنياهم كَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ضعوها حَتَّى نرفعها وتخلوا عَنْهَا حَتَّى نملكها رُوِيَ فِي الْخَبَر أَن الله تَعَالَى يَقُول لتارك الدُّنْيَا زهدت فِي الدُّنْيَا رَاحَة تعجلتها وَيَقُول للعابد عبدتني فحملك الْعباد فَوق رؤوسهم هَل فِي وليا أَو عاديت فِي عدوا وَعِزَّتِي لَا ينَال رَحْمَتي من لم يوال فِي وَلم يُعَاد فِي وصنف آخر تصنعوا لِلْخلقِ بزِي أهل المسكنة والفقر من حسن اللابس وَطول القلانس وطرة اللحى وصف الشَّوَارِب ليتمكنوا فِي صُدُور الْمجَالِس وليستدروا الحطام من الشَّيَاطِين والأبالس فالمتمسك بِسنة رَسُول الله ﷺ عِنْد ظُهُور هَذَا كالقابض على الْجَمْر لِأَن هذَيْن الصِّنْفَيْنِ قد تمكنوا من صُدُور الْخلق لغَلَبَة الْجَهْل فهم الْمُقْتَدِي بهم والمنظور إِلَيْهِم فهم عِنْد الْخلق عُلَمَاء وَفِي الملكوت جهال قَالَ ﷺ إِن الله لَا يقبض الْعلم ينتزعه إنتزاعا من قُلُوب النَّاس وَلَكِن يقبض الْعلمَاء فَإِذا مَاتُوا إتخذ النَّاس رُؤَسَاء جُهَّالًا فسئلوا فأفتوا بِغَيْر علم فضلوا وأضلوا

стр. 693

فَمن تمسك بِالسنةِ بَين ظهرانيهم بعد تمكنهم من الرياسة ونفاذ القَوْل فيهم فقد هتك سترهم وكشف عورتهم وَأَبَان كذبهمْ وَحط رياستهم وَقطع مآكلهم وَقد بارزهم بالمحاربة وهم يستعدون لمحاربته ينتقصونه وَيطْلبُونَ الغوايل مِنْهُ فَصَارَت مؤنتهم عَلَيْهِ أعظم من مُؤنَة محاربة الْكَافرين لِأَن الْكَافِر لَا حُرْمَة لَهُ وَالْقلب والأركان قد تعاونوا عَلَيْهِ فِي إهلاكه وَهَذَا مَعَه حُرْمَة الْإِيمَان فَاحْتَجت إِلَى أَن تداريه وتداهنه وتلاطفه وترفق بِهِ وتراقب الله تَعَالَى فِي شَأْنه وتحتمل أَذَاهُ وَتحفظ جوارحك حَتَّى لَا تعتدي وقلبك حَتَّى لَا يجور وهمك فِيهِ حَتَّى لَا يغش وتنتظر الْفرج من خالقك وَترى تَدْبيره فِيهِ وفيك فَلذَلِك شبهه بالقابض على الْجَمْر لِأَن الْجَمْر يحرق الْيَد وَهَذَا يحرق الْقلب والكبد من تَغْيِيره الْحق عَن جِهَته واغترار الْخلق بِهِ وتحتاج أَن تعاشره معاشرة يسلم إيمانك وإيمانه وتذب عَن الْحق الَّذِي بِهِ ألف الله تَعَالَى الْعباد وجمعهم عَلَيْهِ ذبا لَا يدْخل عَلَيْهِ من نَاحيَة أُخْرَى بِمَا يؤذية ويثلمه وَتحفظ قَلْبك مَعَ الله تَعَالَى فِي هَذِه الْأَحْوَال لِأَن هَذَا الْمِسْكِين قد غلب عَلَيْهِ سكرتان سكرة الْجَهْل وسكرة حب الدُّنْيَا وخطاب السكارى على سَبِيل الْعدْل والإنصاف أَمر من الصَّبْر وَأَشد من الْقَبْض على الْجَمْر قَالَ رَسُول الله ﷺ لأَصْحَابه أَنْتُم الْيَوْم على بَيِّنَة من ربكُم تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر وتجاهدون فِي سَبِيل الله ثمَّ تظهر فِيكُم سكرتان سكرة الْعَيْش وسكرة الْجَهْل وستحولون إِلَى غير ذَلِك يفشو فِيكُم حب الدُّنْيَا فَإِذا كُنْتُم كَذَلِك لم تأمروا بِمَعْرُوف وَلم تنهوا عَن مُنكر وَلم تجاهدوا فِي سَبِيل الله والقائمون يَوْمئِذٍ بِالْكتاب وَالسّنة فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة السَّابِقُونَ الْأَولونَ

стр. 694

هَذَا شَأْن ديدان الْقُرَّاء وَأما الصادقون فهم قوم تَابُوا صدقا فَتَابَ الله عَلَيْهِم فَأَعْطَاهُمْ نورا قذفه فِي قُلُوبهم فشرح صُدُورهمْ من الَّذِي أشرق فِي قُلُوبهم وَبرد وهج حر نُفُوسهم وَسكن غليان شهواتهم فَأَقْبَلُوا على تَصْحِيح أُمُورهم فِيمَا بَينهم وَبَين الله تَعَالَى وَعَن التخلي عَن كل مَا نهى الله عَنهُ دق أَو جلّ وَجَاهدُوا أنفسهم فِي ذَات الله تَعَالَى حق جهاده فَلم يزل هَذَا دأب أحدهم يُجَاهد نَفسه فِي شَأْن الاسْتقَامَة لله تَعَالَى على سَبِيل الطَّاعَة ويأتيه المدد من الله تَعَالَى نورا على نور حَتَّى قوي على ترك كثير من الْحَلَال تَحَصُّنًا مِمَّا نهى الله تَعَالَى عَنهُ حَتَّى دق نظره فِي الْأَشْيَاء وورعه عَن دَقِيق الْأُمُور الَّتِي يخَاف مِنْهَا غَدا فَثَبت على ذَلِك يَرْجُو الثَّوَاب وَيخَاف الْعقَاب وَيطْلب الْخَلَاص فِي الْإِتْيَان بِمَا امْر والتناهي عَن كل مَا نهى وَيعلم أَنه لَا يُثَاب غَدا إِلَّا على الصدْق مَشْغُول بِنَفسِهِ لَا يتفرغ لغيره فيعيبه أَو يزري عَلَيْهِ فِي ريبه قد أوثقه خَوفه من الله تَعَالَى وثاقا شغله عَن جَمِيع الْخلق برعاية هَذِه الْجَوَارِح السَّبع الَّتِي وكل برعايتهن وَأخذ عَلَيْهِ الْعَهْد والميثاق فِيهِنَّ يطْلب إِلَى الله تَعَالَى فكاكهن مِمَّا انْفَلق بِهِ من الْأَعْمَال السَّيئَة والعون على رعايته إياهن فِيمَا بَقِي من عمره المأتم نَهَاره وَالنوح ليله وَالصَّلَاة نحلته وَالصَّوْم عَادَته وكل مَا شغله عَن أمره فالهرب مِنْهُ عَزِيمَة قد تحصن من الْخلق بعزلته وباينهم بهمته مبتهلا إِلَى الله تَعَالَى فِي طلب الْمَغْفِرَة لجماعته وَأهل مِلَّته وَهُوَ على مثل هَذَا الْحَال يطْلب معيشته ويقوت عِيَاله وَيحسن إِلَيْهِم ويعطف عَلَيْهِم فَإِن كَانَ عِنْده سَعَة أنْفق من سعته وَألا يجْرِي من وُجُوه المكاسب أسلمها وأحمدها عُقبى وجد فِيهِ واجتهد حفظا للجوارح فِي طلبَهَا وَأَدَاء الْأَمَانَة وإنصاف الْخلق فِي تنَاولهَا واجتزاء باليسير لنَفسِهِ وسعة على عِيَاله وعفة عَن المطامع الخبيثة ونزاهة عَن شُبُهَات الدُّنْيَا والمكاسب الرَّديئَة وصيانة لوجهه وَدينه عَن المعايش الشائنة لدينِهِ وَكَانَ فِي طلبَهَا كالمضطر

стр. 695

الَّذِي لَا يجد عَنهُ مندوحة ليطلبها على خطر وحذر مَخَافَة أَن تَدعُوهُ نَفسه إِلَى فتْنَة وبلية ويقصد بذلك أَن تطمئِن نَفسه كَمَا قَالَ سلمَان ﵁ النَّفس إِذا أحرزت رزقها اطمأنت يطْلبهَا على أحسن هَيْئَة وأجمل طلب مَعَ قلب واثق بِاللَّه تَعَالَى فِي رزقه وَنَفس قنعة لم يفتنها حرصها حَتَّى يدعوها إِلَى تنَاول شُبْهَة أَو طلب رخصَة قَالَ الله تَعَالَى رجال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله فَهَؤُلَاءِ هم المقتصدون أهل الاسْتقَامَة أَعينهم مَادَّة إِلَى الثَّوَاب والتفاتهم إِلَى أَعْمَالهم عَلَيْهَا يعتمدون وَبهَا يدلون وفيهَا يفكرون وَعَلَيْهَا ينطقون وَإِيَّاهَا يطْلبُونَ حَتَّى إِذا وردوا عَرصَة الْقِيَامَة وانكشف الغطاء صَارَت رؤوسهم بَين أَرجُلهم من الْحيَاء فلولا رَحْمَة الله تَعَالَى الَّتِي قد شملتهم من الدُّنْيَا إِلَى ذَلِك الْموقف لكانوا من الهالكين وَأما الصديقون فقوم فتح لَهُم الطَّرِيق إِلَى الله تَعَالَى فَمروا إِلَيْهِ لَا يعرجون على شَيْء وَلَا يلتفتون إِلَى جنَّة وَلَا نَار وَلَا ثَوَاب وَلَا عِقَاب حَتَّى وصلوا إِلَى الْبَاب فَمَا زَالُوا إِلَى بَابه يرفعون إِلَيْهِ شكواهم حَتَّى فتح لَهُم وأشرق على قُلُوبهم بِنور جَلَاله فشغفوا بِهِ وشغلوا عَن كل شَيْء سواهُ فوقفوا بَين يَدَيْهِ للعبودة صدقا وفوضوا إِلَيْهِ أُمُورهم وائتمنوا على نُفُوسهم وآثروا مختاره كَيفَ مَا دبر لَهُم وَاخْتَارَ رَضوا عَن الله تَعَالَى فِي الْأَحْوَال وَرَضي الله عَنْهُم فِي الْأُمُور يقبلُونَ النِّعْمَة مِنْهُ ويتلقون أوامره ونواهيه بالبشاشة والسماحة يراقبون أمره ويقفون عِنْد حكمه وهم مَعَ الله تَعَالَى فِي كل أَمر وَحَال فسلطان الله على قُلُوبهم قد أمات من نُفُوسهم الشَّهَوَات فَلَا يخَافُونَ من خِيَانَة النَّفس وخروجها عَلَيْهِم من مكامنها كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 696

مَا لَقِي الشَّيْطَان عمر إِلَّا خر لوجهه وَمَا سمع حسه إِلَّا فر فَهَؤُلَاءِ أهل الْيَقِين وهم السَّابِقُونَ المقربون ﴿ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم﴾

стр. 697

- الأَصْل السَّابِع وَالتِّسْعُونَ وَالْمِائَة - فِي شرف الْخبز وقوام الرّوح عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ فَرَأى كسيرة ملقاة فَمشى إِلَيْهَا فمسحها وَقَالَ يَا عَائِشَة أحسني جوَار نعم الله فَإِنَّهَا قل مَا نفرت عَن أهل بَيت فَكَادَتْ ترجع إِلَيْهِم الْخبز غذَاء الْجَسَد والغذاء قوام الرّوح وَقد جعل الله تَعَالَى الْخبز أشرف الأرزاق قَالَ ﷺ أكْرمُوا الْخبز فَإِن الله أنزلهُ من بَرَكَات السَّمَاء وَأخرج لَهُ من بَرَكَات الأَرْض

стр. 698

فاكرامه أَن لَا يُوطأ وَلَا يطْرَح فَإِذا رمي بِهِ أَو طَرحه مطرح الرَّفْض والهوان كَانَ قد كفر النِّعْمَة وجفاها وَفِي سَعَة الرزق قُوَّة عَظِيمَة على الدّين فَإِذا جفاها صيرت للنعمة الْعُظْمَى نفرة وَإِذا نفرت لم تكد ترجع لِأَنَّهَا قد وسمتهم بالجفاء وَقَالَ بعض التَّابِعين الدُّنْيَا ظئر وَالْآخِرَة أم وَلكُل يتبعهَا بنوها فَإِذا جفوت الظِّئْر نفرت وأعرضت وَإِذا جفوت الْأُم عطفت لِأَن الظِّئْر لَيْسَ لَهَا عطف الْأُمَّهَات وَهَذِه النِّعْمَة تخرج من هَذِه الأَرْض المسخرة هِيَ بِمَنْزِلَة الظِّئْر تربيك

стр. 699

- الأَصْل الثَّامِن وَالتِّسْعُونَ وَالْمِائَة - فِي أَن الْمُؤمن يبْلى ويصفى عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مثل الْمَرِيض إِذا برىء وَصَحَّ من مَرضه كَمثل الْبردَة تقع من السَّمَاء فِي صفائها ولونها يقدم الله تَعَالَى إِلَى الْعباد أَن يحفظوا جوراحهم من أَن يتدنسوا لِيُصْلِحُوا لدار الْقُدس فِي جوَار القدوس فتركوا الرِّعَايَة وضيعوا الْحِفْظ فتدنسوا وتوسخوا فدلهم على أَن يَتَطَهَّرُوا بِالتَّوْبَةِ فَلم يَفْعَلُوا لأَنهم تَابُوا من الْبَعْض وأصروا على الْبَعْض على الْجهد من نُفُوسهم الشهوانية ثمَّ دعاهم إِلَى هَذِه الْفَرَائِض مثل الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْحج وَصَوْم رَمَضَان ليتطهروا بهَا قَالَ تَعَالَى فِي شَأْن الصَّلَاة وأقم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار وَزلفًا من اللَّيْل إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات

стр. 700

وَقَالَ فِي الزَّكَاة خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا وَقَالَ فِي الْحَج فَمن تعجل فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْم عَلَيْهِ وَمن تَأَخّر فَلَا إِثْم عَلَيْهِ أَي مغفورا لَهُ وَقَالَ ﷺ الصَّوْم جنَّة فدلهم على هَذِه الْفَرَائِض ليتطهروا بهَا خلطوها وغشوها وأدوها مَعَ النُّقْصَان والوسوسة والمكاسب الرَّديئَة فَلم يَك هَذَا مِمَّا يطهرهم إِذْ لَا تطهر النَّجَاسَة بِالنَّجَاسَةِ وَلَا ينفى الْوَسخ بالوسخ فَلَمَّا رأى الله تَعَالَى حَالهم هَذِه وَأَنَّهُمْ قد توسخوا وتدنسوا وكدرت طينتهم فَأبى أَن يضيعهم وَقد اكتنفتهم رَحمته فداواهم بِهَذِهِ الأسقام ليمحصهم ويطهرهم ثمَّ يداويهم ويشفيهم كَمَا تداوي الشفيقة من الْأُمَّهَات لولدها بمر الْأَدْوِيَة البشعة لما تَأمل من شفائه عَن سقمه فَسلط الله تَعَالَى عَلَيْهِم الأسقام حَتَّى إِذا تمت مُدَّة

стр. 701

التمحيص خرج مِنْهَا كالبردة فِي الصفاء فِي الْقلب واللون فِي الْوَجْه طلاوة وحلاوة قَالَ رَسُول الله ﷺ يَقُول الله تَعَالَى ابْتُلِيَ عَبدِي الْمُؤمن فَإِن لم يشكني إِلَى عواده أطلقته من أسَارِي ثمَّ أبدلته لَحْمًا هُوَ خير من لَحْمه ودما هُوَ خير من دَمه ثمَّ ليأتنف الْعَمَل وشتان بَين مَا داويت بالفرائض جوارحك وَبَين مَا داواك رَبك فدواؤك قل مَا يَخْلُو من الْعجب والرياء والتخليط والشبه وَمَا داواك لَا رِيَاء فِيهِ وَلَا عجب وَلَا صلف ولاتخليط وَإِنَّمَا هِيَ أسقام حل بلحمك ودمك ومخك وقواك ليأخذها ويبدلك خيرا مِنْهَا أَو يقبضك إِلَيْهِ طَاهِرا حَتَّى إِذا وصلت إِلَى الْعَرَصَة واضطررت إِلَى الْجَوَاز على الصِّرَاط إِلَى دَار الله وَجَدْتُك النَّار قد تطهرت إِمَّا بِالتَّوْبَةِ أَو بالفرائض أَو بالأسقام والمصائب الَّتِي احتسبتها وَصَبَرت عَلَيْهَا فطهرك وأعطاك ثَوَاب الصابرين وَإِن حمدته كتبك من الحامدين وَقدم عَلَيْهِ بِغَيْر تمحيص مَعَ دنس الْمعاصِي وأوساخها فَالنَّار بالمرصاد قد أعدت منتقمة من الْأَعْدَاء ومطهرة للموحدين فَإِذا مر عَلَيْهَا أخذت فِي الْمَمَر من جوارحه تِلْكَ الأدناس فتأكل من لَحْمه وَدَمه ثمَّ يُبدل لَحْمًا طريا وجسدا يصلح لدار السَّلَام عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَنه وضع يَده على رَسُول الله ﷺ وَبِه حمى فَوَجَدَهَا من فَوق اللحاف فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا أَشدّهَا عَلَيْك

стр. 702

فَقَالَ ﷺ إِنَّا كَذَلِك يشْتَد علينا الْبلَاء ويضاعف لنا الْأجر فَقلت يَا رَسُول الله أَي النَّاس أَشد بلَاء قَالَ الْأَنْبِيَاء قلت ثمَّ من قَالَ الصالحون إِن كَانَ الرجل ليبتلى بالفقر حَتَّى مَا يجد إِلَّا العباءة يحوها وَإِن كَانَ الرجل ليبتلى بالقملة حَتَّى تقتله وَإِن كَانَ أحدهم ليفرح بالبلاء كَمَا يفرح أحدكُم بالرخاء

стр. 703

- الأَصْل التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ وَالْمِائَة - فِي تخير المغبون عَن عَليّ كرم الله وَجهه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ المغبون لَا مَحْمُود وَلَا مأجور إِذا استرسل فِي وَقت الْمُبَالغَة فَاشْترى فغبن لم يَقع عِنْد البَائِع موقع الْمَعْرُوف فيحمد وَلَا يحْتَسب بِمَا زَاد على قِيمَته ليسر فيؤجر فالكيس يماكس مستقصيا وَلَا يخرج مَاله الَّذِي ائْتمن عَلَيْهِ وَجعل قواما لَهُ بَاطِلا بِلَا حمد وَلَا أجر وَفِي المكاس شَرَائِط وَهُوَ أَن يحفظ لِسَانه وأمانته وَعَهده يماكس لَا لحرص على الدُّنْيَا وَلَا رَغْبَة فِيهَا وَهُوَ مَعَ ذَلِك حَافظ لدينِهِ وَدين صَاحبه لِئَلَّا يَأْثَم أَو يؤثم رُوِيَ أَن رَسُول الله ﷺ مر برجلَيْن يتبايعان وَأَحَدهمَا يَقُول للْآخر لَا أُعْطِيك وَقَالَ الآخر لَا أزيدك فَمر الرجل بالسلعة قد اشْتَرَاهَا

стр. 704

فَقَالَ ﷺ قد وَجب إِثْم أَحدهمَا وساوم معَاذ ﵁ رجلا سلْعَة فَقَالَ لَا أُعْطِيك فَانْصَرف معَاذ ثمَّ دَعَاهُ فَقَالَ هَل لَك فِيهِ قَالَ لَا إِنِّي أكره أَن أعينك على إِثْم

стр. 705

- الأَصْل المائتان - فِيمَا يُقَال عِنْد إهلال الْهلَال عَن طَلْحَة بن عبد الله ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا رأى الْهلَال قَالَ اللَّهُمَّ أَهله علينا بِالْيمن وَالْإِيمَان والسلامة وَالْإِسْلَام رَبِّي وَرَبك الله وَفِي رِوَايَة أُخْرَى قَالَ إلهي وَإِلَهك وربي وَرَبك الله الْحَمد لله الَّذِي سخرك لنا الْيمن السَّعَادَة وَالْإِيمَان الطُّمَأْنِينَة بِاللَّه تَعَالَى كَأَنَّهُ سَأَلَهُ دوامها والسلامة وَالْإِسْلَام أَن يَدُوم لَهُ الْإِسْلَام وَيسلم لَهُ شهره وَقَوله رَبِّي وَرَبك الله فَإِن من النَّاس من كَانَ يسْجد للشمس وَالْقَمَر دون الله تَعَالَى فَقَالَ تَعَالَى لَا تسجدوا للشمس وَلَا للقمر واسجدوا لله الَّذِي خَلقهنَّ
следующие страницы →