← Книги сунны

Книги сунны · id 720

نوادر الأصول في أحاديث الرسول

الحكيم الترمذي

Полный текст (1 237 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

التمحيص خرج مِنْهَا كالبردة فِي الصفاء فِي الْقلب واللون فِي الْوَجْه طلاوة وحلاوة قَالَ رَسُول الله ﷺ يَقُول الله تَعَالَى ابْتُلِيَ عَبدِي الْمُؤمن فَإِن لم يشكني إِلَى عواده أطلقته من أسَارِي ثمَّ أبدلته لَحْمًا هُوَ خير من لَحْمه ودما هُوَ خير من دَمه ثمَّ ليأتنف الْعَمَل وشتان بَين مَا داويت بالفرائض جوارحك وَبَين مَا داواك رَبك فدواؤك قل مَا يَخْلُو من الْعجب والرياء والتخليط والشبه وَمَا داواك لَا رِيَاء فِيهِ وَلَا عجب وَلَا صلف ولاتخليط وَإِنَّمَا هِيَ أسقام حل بلحمك ودمك ومخك وقواك ليأخذها ويبدلك خيرا مِنْهَا أَو يقبضك إِلَيْهِ طَاهِرا حَتَّى إِذا وصلت إِلَى الْعَرَصَة واضطررت إِلَى الْجَوَاز على الصِّرَاط إِلَى دَار الله وَجَدْتُك النَّار قد تطهرت إِمَّا بِالتَّوْبَةِ أَو بالفرائض أَو بالأسقام والمصائب الَّتِي احتسبتها وَصَبَرت عَلَيْهَا فطهرك وأعطاك ثَوَاب الصابرين وَإِن حمدته كتبك من الحامدين وَقدم عَلَيْهِ بِغَيْر تمحيص مَعَ دنس الْمعاصِي وأوساخها فَالنَّار بالمرصاد قد أعدت منتقمة من الْأَعْدَاء ومطهرة للموحدين فَإِذا مر عَلَيْهَا أخذت فِي الْمَمَر من جوارحه تِلْكَ الأدناس فتأكل من لَحْمه وَدَمه ثمَّ يُبدل لَحْمًا طريا وجسدا يصلح لدار السَّلَام عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَنه وضع يَده على رَسُول الله ﷺ وَبِه حمى فَوَجَدَهَا من فَوق اللحاف فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا أَشدّهَا عَلَيْك

стр. 702

فَقَالَ ﷺ إِنَّا كَذَلِك يشْتَد علينا الْبلَاء ويضاعف لنا الْأجر فَقلت يَا رَسُول الله أَي النَّاس أَشد بلَاء قَالَ الْأَنْبِيَاء قلت ثمَّ من قَالَ الصالحون إِن كَانَ الرجل ليبتلى بالفقر حَتَّى مَا يجد إِلَّا العباءة يحوها وَإِن كَانَ الرجل ليبتلى بالقملة حَتَّى تقتله وَإِن كَانَ أحدهم ليفرح بالبلاء كَمَا يفرح أحدكُم بالرخاء

стр. 703

- الأَصْل التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ وَالْمِائَة - فِي تخير المغبون عَن عَليّ كرم الله وَجهه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ المغبون لَا مَحْمُود وَلَا مأجور إِذا استرسل فِي وَقت الْمُبَالغَة فَاشْترى فغبن لم يَقع عِنْد البَائِع موقع الْمَعْرُوف فيحمد وَلَا يحْتَسب بِمَا زَاد على قِيمَته ليسر فيؤجر فالكيس يماكس مستقصيا وَلَا يخرج مَاله الَّذِي ائْتمن عَلَيْهِ وَجعل قواما لَهُ بَاطِلا بِلَا حمد وَلَا أجر وَفِي المكاس شَرَائِط وَهُوَ أَن يحفظ لِسَانه وأمانته وَعَهده يماكس لَا لحرص على الدُّنْيَا وَلَا رَغْبَة فِيهَا وَهُوَ مَعَ ذَلِك حَافظ لدينِهِ وَدين صَاحبه لِئَلَّا يَأْثَم أَو يؤثم رُوِيَ أَن رَسُول الله ﷺ مر برجلَيْن يتبايعان وَأَحَدهمَا يَقُول للْآخر لَا أُعْطِيك وَقَالَ الآخر لَا أزيدك فَمر الرجل بالسلعة قد اشْتَرَاهَا

стр. 704

فَقَالَ ﷺ قد وَجب إِثْم أَحدهمَا وساوم معَاذ ﵁ رجلا سلْعَة فَقَالَ لَا أُعْطِيك فَانْصَرف معَاذ ثمَّ دَعَاهُ فَقَالَ هَل لَك فِيهِ قَالَ لَا إِنِّي أكره أَن أعينك على إِثْم

стр. 705

- الأَصْل المائتان - فِيمَا يُقَال عِنْد إهلال الْهلَال عَن طَلْحَة بن عبد الله ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا رأى الْهلَال قَالَ اللَّهُمَّ أَهله علينا بِالْيمن وَالْإِيمَان والسلامة وَالْإِسْلَام رَبِّي وَرَبك الله وَفِي رِوَايَة أُخْرَى قَالَ إلهي وَإِلَهك وربي وَرَبك الله الْحَمد لله الَّذِي سخرك لنا الْيمن السَّعَادَة وَالْإِيمَان الطُّمَأْنِينَة بِاللَّه تَعَالَى كَأَنَّهُ سَأَلَهُ دوامها والسلامة وَالْإِسْلَام أَن يَدُوم لَهُ الْإِسْلَام وَيسلم لَهُ شهره وَقَوله رَبِّي وَرَبك الله فَإِن من النَّاس من كَانَ يسْجد للشمس وَالْقَمَر دون الله تَعَالَى فَقَالَ تَعَالَى لَا تسجدوا للشمس وَلَا للقمر واسجدوا لله الَّذِي خَلقهنَّ

стр. 706

وَقَوله الْحَمد لله الَّذِي سخرك لنا فخاطبه أَن الْإِلَه إِلَيْهِ الربوبية وَهُوَ الْملك لَهُ وَأَنت مسخر لنا يحمده على تسخيره إِيَّاه شكرا لَهُ فقد سَخَّرَهُ ليضيء لأهل الأَرْض وَقدره منَازِل ليعلم عدد السنين والحساب وَيكون معلم مَوَاقِيت حجنا وديوننا وَعدد نسائنا وَعند مستهل كل شهر حكم وَأمر مَعْلُوم وَالله تَعَالَى أعلم بِالصَّوَابِ

стр. 707

- الأَصْل الْحَادِي والمائتان - فِي الْحَسَنَة الحديثة والذنب الْقَدِيم عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لم أر شَيْئا أحسن طلبا وَلَا أسْرع إدراكا من حَسَنَة حَدِيثَة لذنب قديم إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات ذَلِك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ الْحَسَنَة نور والسيئة ظلمَة فإدراك النُّور الظلمَة سريع لِأَن الْحَسَنَة نور مُبتَدأَة من نور الْإِيمَان وَالْإِيمَان هدى الله فبنور الْإِيمَان يحسن طلبه وبقوة هدى الله تَعَالَى يسْرع إِدْرَاكه فَلَمَّا كَانَ فِي الْحَسَنَة نور ربه كَانَ هادي الْحَسَنَة حَتَّى يلْحق السَّيئَة بِسُرْعَة ومركب الْحَسَنَة فَإِن مركب الْحَسَنَة نِيَّته وَالنِّيَّة من نور التَّوْحِيد فَمن كَانَ مركبه نور التَّوْحِيد فلحاقه بِمن يطْلب سريع فِي أسْرع من الطّرف فَطَلَبه أحسن طلب لِأَن مَعَه هداه وَمن ولى الله هداه فهداه فِي لَحْظَة أَو أسْرع وَمن ولى الله إبلاغه فدركه فِي أسْرع من الطرفة وَالْقَدِيم والْحَدِيث عِنْد الله بِمَنْزِلَة وَإِنَّمَا يتَفَاوَت هَذَا عِنْد الْآدَمِيّ وَسَائِر المخلوقين وَلِأَن السَّيئَة قد تقدّمت فِي الصَّحِيفَة مَوضِع

стр. 708

تخليطها مُنْذُ أَعْوَام كَثِيرَة والحسنة الحديثة لذَلِك الذَّنب هِيَ التَّوْبَة وَهِي طالبة لموضعها من الصَّحِيفَة أحسن طلب وأسرع إِدْرَاك حَتَّى تصير مَكْتُوبَة تَحت السَّيئَة أَنه تَابَ ثمَّ تضيء تِلْكَ الْحَسَنَة فِي مَكَانهَا حَتَّى تعلو الظلمَة الَّتِي على السَّيئَة وَفِي الْخَبَر أَنه إِذا تنَاول العَبْد الصَّحِيفَة يَوْم الْقِيَامَة أعطي مِنْهَا مَا يَلِي السَّيِّئَات فيجد تَحت كل سَيِّئَة مَكْتُوبَة تَابَ وَتلك حَسَنَة تضيء بمكانها فتستر على السَّيئَة فيقرأها العَبْد فَرُبمَا أَتَى العَبْد على عَظِيمَة يشْتَد عَلَيْهِ النّظر إِلَيْهَا فَتُدْرِكهُ رَحْمَة من ربه فِي ذَلِك الْمَكَان فتستر عَلَيْهِ تِلْكَ الْعَظِيمَة وَيُقَال لَهُ جاوزها لِأَنَّهُ قد كَانَ دَعَاهُ أَيَّام الْحَيَاة بِأَحْسَن التجاوز فَإِذا انْتهى إِلَى آخرهَا غفر لَهُ مَا فِيهَا فَيصير جَمِيع مَا فِيهَا بَيَاضًا لِأَن التَّوْبَة قد علت السَّيئَة بضوئها ثمَّ يقلب الصَّحِيفَة فَيقْرَأ الْحَسَنَات والخلق ينظرُونَ إِلَى صَحِيفَته حَسَنَات فَإِذا قَلبهَا نظرُوا إِلَى الْوَجْه الآخر فرأوها قد علت بضوئها فَيَقُولُونَ طُوبَى لهَذَا العَبْد لم يُذنب ذَنبا قطّ فَقبل حَسَنَاته فَعِنْدَ ذَلِك يُنَادي هاؤم إقرءوا كِتَابيه الْآيَة

стр. 709

- الأَصْل الثَّانِي والمائتان - فِي أَن عرامة الصَّبِي من ذَكَاة فُؤَاده عَن عَمْرو بن معد يكرب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ عرامة الصَّبِي فِي صغره زِيَادَة فِي عقله فِي كبره العرم الْمُنكر وَصَارَ ذَلِك من ذكاوة فُؤَاده وحرارة رَأسه وَالنَّاس يتفاضلون فِي أصل البنية فِي الفطنة والكياسة والحظ من الْعقل وَالْعقل على ضَرْبَيْنِ ضرب مِنْهُ يبصر أَمر دُنْيَاهُ وَهُوَ من نور الرّوح وَهُوَ مَوْجُود فِي عَامَّة ولد آدم ﵇ إِلَّا من كَانَ فِيهِ خلل أَو عِلّة وَبينهمْ فِي ذَلِك الْعقل تفَاوت عَظِيم وَضرب مِنْهُ يبصر أَمر آخرته وَهُوَ من نور الْهِدَايَة والقربة وَذَاكَ مَوْجُود فِي الْمُوَحِّدين مَفْقُود فِي الْمُشْركين وَبَين الْمُوَحِّدين فِي ذَلِك الْعقل تفَاوت عَظِيم وَسمي عقلا لِأَن الْجَهْل ظلمَة وَعَمله على الْقلب فَإِذا غلب النُّور وبصره فِي تِلْكَ الظلمَة زَالَت الظلمَة وَأبْصر فَصَارَ عقَالًا للْجَهْل

стр. 710

فالصبي إِذا رُؤِيَ مِنْهُ زِيَادَة بَصِيرَة فِي الْأُمُور وذكاوة فهم قيل عَارِم والعرم بلغَة أهل الْعَرَب المسناة وَهِي السد وَهِي عَرَبِيَّة يَمَانِية فالصبي يسد أَبْوَاب البلاهة بِزِيَادَة ذَلِك النُّور فيكايس فِي الْأَعْمَال ويهتدي للطائف الْأُمُور ومحاسنه بِالنورِ الزَّائِد المتقد فِي دماغه فَإِذا أدْرك مدرك الرِّجَال وجاءه نور الْهِدَايَة من الله تَعَالَى فأمن كَانَ الَّذِي ركب فِي صغره عونا لَهُ فِي جَمِيع أُمُوره فَصَارَ بذلك زِيَادَة فِي عقله وَمن لم يكن لَهُ ذَلِك فِي صغره فَيكون فِيهِ نقص الْعُقُول الديناوية من البلة والحمق فَإِذا جَاءَهُ الْعقل الثَّانِي إفتقد العون وَلم يكن لَهُ فِي النوائب هِدَايَة الطَّبْع وَإِنَّمَا لَهُ هِدَايَة الْإِيمَان فَحسب وَقد إجتمع للعارم هِدَايَة الطَّبْع وهداية الْإِيمَان وَالله أعلم

стр. 711

- الأَصْل الثَّالِث والمائتان - فِي حق الْوَلَد على الْوَالِد عَن أبي رَافع ﵁ قَالَ قلت يَا رَسُول الله للْوَلَد علينا حق كحقنا عَلَيْهِم قَالَ نعم حق الْوَلَد على الْوَالِد أَن يُعلمهُ الْكِتَابَة والسباحة والرماية وَأَن لَا يرزقه إِلَّا طيبا الْكِتَابَة عون لَهُ على الدّين وَالدُّنْيَا والسباحة منجاة من الْهَلَاك والرماية دفع عَن مهجته وحريمه وَشرف لَهُ عِنْد لِقَائِه الْعَدو وَلَا يرزقه إِلَّا طيبا لِئَلَّا ينْبت لَحْمه على سحت فتنزع مِنْهُ الْبركَة وَهَذِه الْخِصَال رُؤُوس الْآدَاب

стр. 712

- الأَصْل الرَّابِع والمائتان - فِي حَال التائب وإتباع الذَّنب بِالْحَسَنَة عَن أبي سعيد الْأنْصَارِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ التائب من الذَّنب كمن لَا ذَنْب لَهُ والندم تَوْبَة التائب حبيب الله تَعَالَى إِن الله يحب التوابين والحبيب يستر الحبيب وَيُحب زينه فَإِن بدا شين ستره فَإِذا أحب الله عبدا فأذنب ستره فَصَارَ كمن لَا ذَنْب لَهُ فَإِن الذَّنب يدنس العَبْد وَالرُّجُوع إِلَى الله تَعَالَى بِالتَّوْبَةِ يطهره لِأَن بالرجعة يصير فِي مَحل الْقرْبَة مِنْهُ وَمحل الْقرْبَة ينوره وَيذْهب دنسه

стр. 713

قَالَ ﷺ إِذا أذْنب العَبْد نكتت فِي قلبه نُكْتَة سَوْدَاء فَإِذا عَاد نكتت أُخْرَى فَإِذا تَابَ صقل قلبه فَذَهَبت النُّكْتَة وَصَارَت كالمرآة تتلألأ وَمن هَهُنَا قَالَ الشّعبِيّ ﵁ إِذا أحب الله عبدا لم يضرّهُ ذَنبه حَدثنَا بذلك عبد الله بن الوضاح النَّخعِيّ قَالَ حَدثنَا ابْن يمَان عَن سُفْيَان عَن عَاصِم الْأَحول عَن الشّعبِيّ وَاعْتبر بِهَذِهِ الرأفة وَالرَّحْمَة الَّتِي وَضعهَا فِي الْآبَاء والأمهات ثمَّ تراهم كَيفَ مَحل أَوْلَادهم مِنْهُم فِي مَحل البطالة وَالْفساد من الرَّحْمَة عَلَيْهِم والشفقة والرفق بهم والتأني والانتظار والاحتراق عَلَيْهِم مِمَّا يخَافُونَ عَلَيْهِم من الوبال وفرحهم بِالتَّوْبَةِ إِذا هم تَابُوا إِلَى الله تَعَالَى فَاعْتبر بِهَذِهِ الرأفة الَّتِي فِي جَمِيع الْأُمَّهَات والآباء لَو جمعهَا فوضعها فِي أم وَاحِدَة أَو أَب وَاحِد لولد وَاحِد لَكَانَ لَا يتَرَاءَى لَهُ فَسَاد هَذَا الْوَلَد وسيئ عمله من عَظِيم الشَّفَقَة عَلَيْهِ والمحبة لَهُ وَكَانَ ذَلِك ساترا لَهُ فَكيف بالخالق الْبَارِي الْمَاجِد الْكَرِيم الْبر الرَّحِيم الَّذِي يدق جَمِيع رأفة أهل الدُّنْيَا ورحمتهم جنب رَحْمَة من الْمِائَة المخلوقة ثمَّ مَاذَا تكون تِلْكَ فِي جنب الرَّحْمَة الْعُظْمَى الَّتِي شملت كل الْخَيْر للعبيد فَهَذَا العَبْد الْمُؤمن لَهُ كل هَذَا الْحَظ فَإِذا تَابَ صَار فِي كنفه وَهُوَ فِي الأَصْل حَبِيبه فَيدق ذنُوبه فِي جنب مَا لَهُ عِنْده من الرأفة وَالرَّحْمَة وَإِن الله ﵎ اسْمه لما وَقعت خيرته وجبايته على عبد من عبيده ثمَّ أخرجه امهِ إِلَى الدُّنْيَا فَأَدْرَكته الْهِدَايَة بِمَا سبقت لَهُ من الجباية وَكتب عَلَيْهِ هَذَا الذَّنب أَنه سيصيبه لَا محَالة فَلَمَّا أَصَابَهُ لم يتْركهُ حيران فَلم يغلق عَنهُ بَاب التَّوْبَة وتكرم على أَن يرجع إِلَيْهِ عَبده صدق الرُّجُوع أَن لَا يقبله وَإِذا قبله صَار كمن لَا ذَنْب لَهُ فِي معنى الْقبُول

стр. 714

- الأَصْل الْخَامِس والمائتان - فِي أَن الالتفاع لبسة أهل الْإِيمَان عَن ابْن عمر ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ الالتفاع لبسة أهل الْإِيمَان والتردي لبسة الْعَرَب الإلتفاع الالتحاف بِالثَّوْبِ متقنعا وَهُوَ أستر وَكَانَ ﷺ يكثر التقنع وَذَلِكَ للحياء من الله تَعَالَى لِأَن الْحيَاء فِي الْعين والفم وَهُوَ من عمل الرّوح وسلطانه فِي الرَّأْس ثمَّ هُوَ متفش فِي جَمِيع الْجَسَد وَرُوِيَ أَن من أَخْلَاق النَّبِيين التقنع وَهَذَا من آدَاب الْأَنْبِيَاء والأولياء ﵈ لأَنهم أبصروا بقلوبهم أَن الله تَعَالَى يراهم فَصَارَت الْأُمُور كلهَا لَهُم مُعَاينَة يعبدونه كَأَن هم يرونه فَفِي الْأَعْمَال الَّتِي فِيهَا حشمة يعلوهم الْحيَاء وَالْحيَاء من الْإِيمَان فَلذَلِك قَالَ لبسة أهل الْإِيمَان قَالَ أَبُو بكر ﵁ إِنِّي لأدخل الْخَلَاء فأقنع رَأْسِي حَيَاء من الله تَعَالَى

стр. 715

والتردي لبسة الْعَرَب توارثوه فِي الْجَاهِلِيَّة من آبائها كَانُوا فِي إِزَار ورداء والالتفاع وَرثهُ بَنو إِسْرَائِيل على أَنْبِيَائهمْ ﵈ لأَنهم قطعُوا أعمارهم بِالْعبَادَة وَكَانُوا أَصْحَاب لفاع

стр. 716

- الأَصْل السَّادِس والمائتان - فِي أَن الِاعْتِبَار فِي الِاجْتِهَاد بِعقد الْعقل عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا بلغه عَن رجل شدَّة عبَادَة سَأَلَ كَيفَ عقله فَإِن قَالُوا غير ذَلِك قَالَ لن يبلغ وَذكر لَهُ عَن رجل من أَصْحَابه ﵃ شدَّة عبَادَة واجتهاد فَقَالَ كَيفَ عقله قَالُوا لَيْسَ بِشَيْء قَالَ لن يبلغ صَاحبكُم حَيْثُ تظنون الْعقل نور خلقه الله تَعَالَى وقسمه بَين عباده على مَشِيئَته فيهم وَعلمه بهم فَروِيَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لما خلق الله الْعقل قَالَ لَهُ أقبل فَأقبل ثمَّ قَالَ لَهُ أدبر فَأَدْبَرَ ثمَّ قَالَ لَهُ أقعد فَقعدَ ثمَّ قَالَ لَهُ انطق فَنَطَقَ ثمَّ قَالَ لَهُ اصمت فَصمت فَقَالَ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وكبريائي وسلطاني وجبروتي مَا خلقت خلقا أحب إِلَيّ مِنْك وَلَا أكْرم عَليّ مِنْك بك أعرف وَبِك أَحْمد وَبِك أطَاع وَبِك آخذ وَبِك أعطي وَإِيَّاك أعاتب وَلَك الثَّوَاب وَعَلَيْك الْعقَاب وَمَا أكرمتك بِشَيْء أفضل من الصَّبْر

стр. 717

وَقَالَ ﷺ إِن أول شَيْء خلق الله تَعَالَى الْقَلَم ثمَّ خلق النُّون وَهِي الدواة ثمَّ قَالَ لَهُ أكتب قَالَ وَمَا أكتب قَالَ مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من عمل أَو أثر أَو رزق أَو أجل فَكتب مَا يكون وَمَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿ن والقلم﴾ ثمَّ ختم على فِي الْقَلَم فَلم ينْطق وَلَا ينْطق إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ خلق الْعقل فَقَالَ وَعِزَّتِي لأكملنك فِيمَن أَحْبَبْت ولأنقصنك فِيمَن أبغضت قسم الله تَعَالَى الْعقل بَين خلقه على علمه بهم ثمَّ قسم بَين الْمُوَحِّدين عقل الْهِدَايَة على علمه بهم فتفاوت الْقسم فَكل مَا اسْتَقر فِي عبد كَانَ دَلِيله على مقاديره الَّذِي كَانَ فِيهِ يَوْمئِذٍ فَكل فعل فعله يلهم الْعقل صَاحبه فِي كل مَا أذن لَهُ وَمَا خطر عَلَيْهِ فَكل من كَانَ حَظه من الْعقل أوفر فسلطان الدّلَالَة فِيهِ أعظم وأنور وَمن شَأْن الْعقل الدّلَالَة على الرشد وَالنَّهْي عَن الغي فَكَانَ ﷺ إِذا ذكر لَهُ عَن رجل شدَّة اجْتِهَاد وَعبادَة سَأَلَ عَن عقله لما قد علم أَن الْعقل هُوَ الَّذِي يكْشف عَن مقادير العبودة ومحبوب الله تَعَالَى ومكروهه لِأَن الْعِبَادَة الظَّاهِرَة قد تكون من الْعَادة وَقد تكون من المساعدة فَإِن كَانَ الْعقل يدله على الْعِبَادَة الظَّاهِرَة كَانَ علامته أَن يتورع عَن مساخط الله تَعَالَى فَكَانَ الْعقل مِمَّا عقل عَن

стр. 718

الله تَعَالَى مَا أمره وَنَهَاهُ فائتمر بِمَا أمره وانزجر عَمَّا نَهَاهُ فَتلك عَلامَة الْعقل فَإِذا تعبد عَن عقل تعبد عَن بَصِيرَة وَإِذا تعبد عَن عَادَة ومساعدة فَلم يحسن الظَّن بِهِ وَلذَلِك قَالَ ﷺ لَا يعجبنكم إِسْلَام رجل حَتَّى تعلمُوا مَا عقده عقله مَعْنَاهُ لَا يعجبنكم ظَاهر مَا ترَوْنَ حَتَّى تعلمُوا بِأَيّ شَيْء عقد عقله بِهِ فَإِن كَانَ عقله عقيد هَوَاهُ لَا يتورع وَلَا يَتَّقِي قَالَ لن يبلغ صَاحبكُم حَيْثُ تظنون قَالَ ﷺ الْوَرع سيد الْعَمَل وَمن لم يكن لَهُ ورع يردهُ عَن مَعْصِيّة الله تَعَالَى إِذا خلا بهَا لم يعبأ الله سَائِر عمله شَيْئا فَذَلِك مَخَافَة الله تَعَالَى فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة والاقتصاد فِي الْفقر والغنى والصدق عِنْد الرضاء والسخط الا وَأَن الْمُؤمن حَاكم على نَفسه يرضى للنَّاس مَا يرضى لنَفسِهِ وَالْمُؤمن حسن الْخلق وَأحب الْخلق إِلَى الله تَعَالَى أحْسنهم خلقا ينَال بِحسن الْخلق دَرَجَة الصَّائِم الْقَائِم وَهُوَ رَاقِد على فرَاشه قَالَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ إِنَّكُم لتعملون أعمالا لهي أدق عنْدكُمْ من الشّعْر كُنَّا نعدها على عهد رَسُول الله ﷺ من الموبقات وَقَالَ ﷺ يَا عَائِشَة إياك والمحقرات فَإِن لَهَا من الله تَعَالَى طَالبا

стр. 719

وَقَالَ ﷺ إِن الله ناجى مُوسَى فَكَانَ فِيمَا قَالَ يَا مُوسَى إِنَّه لن يتَقرَّب إِلَيّ المتقربون بِمثل الْوَرع عَمَّا حرمت عَلَيْهِم فَإِنَّهُ لَيْسَ من عبد يلقاني يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا ناقشته الْحساب وفتشته عَمَّا كَانَ فِي يَدَيْهِ إِلَّا مَا كَانَ من الورعين فَإِنِّي أَجلهم وَأكْرمهمْ وأدخلهم الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وَقَالَ ﷺ ثَلَاث من لم يَأْتِ بِهن يَوْم الْقِيَامَة فَلَا شَيْء لَهُ ورع يحجره عَن محارم الله تَعَالَى وَخلق يُدَارِي بِهِ النَّاس وحلم يرد بِهِ جهل السَّفِيه وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قلت يَا رَسُول الله بِأَيّ شَيْء يتفاضل النَّاس قَالَ بِالْعقلِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة قلت أَلَيْسَ يجزى النَّاس بأعمالهم قَالَ يَا عَائِشَة وَهل يعْمل بِطَاعَة الله تَعَالَى إِلَّا من عقل فبقدر عُقُولهمْ يعْملُونَ وعَلى قدر مَا يعْملُونَ يجزون وَقَالَ ﷺ إِن الرجل لينطلق إِلَى الْمَسْجِد فَيصَلي فَصلَاته لَا تعدل جنَاح بعوضة وَإِن الرجل ليَأْتِي الْمَسْجِد فَيصَلي فَصلَاته تعدل جبل أحد إِذا كَانَ أحسنهما عقلا قيل وَكَيف يكون أحسنهما عقلا فَقَالَ أورعهما عَن محارم الله تَعَالَى وأحرصهما على أَسبَاب الْخَيْر وَإِن كَانَ دونه فِي الْعَمَل والتطوع وَعَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قضي رَسُول الله ﷺ بَين مُهَاجِرِي وأنصاري فَقَالَ الْمُهَاجِرِي يَا رَسُول الله حَقي ثَابت وَمَا قضى لي شَيْئا قَالَ الْأنْصَارِيّ صدق يَا رَسُول الله إِن

стр. 720

حَقه ثَابت وَمَا قَضيته شَيْئا فَقَالَ ﷺ فأد إِلَيْهِ فَقَالَ أما دَعْوَاهُ فقد أدّيت إِلَيْهِ وَأما حق ثَوَاب معروفه فَإِنَّهُ عَليّ أكافئه فَقَالَ الْمُهَاجِرِي صدق يَا رَسُول الله فَقَالَ ﷺ تبَارك الَّذِي قسم الْعقل بَين عباده أشتاتا ان الرجلَيْن ليستوي عملهما وبرهما وصومهما وصلاتهما لكنهما يتفاوتان فِي الْعقل كالذرة فِي جنب أحد وَمَا قسم الله تَعَالَى لخلقه حظا هُوَ أفضل من الْعقل وَالْيَقِين قَالَ وهب ﵁ أجد فِي سبعين كتابا أَن جَمِيع مَا أعطي النَّاس من بَدو الدُّنْيَا إِلَى انقطاعها من الْعقل فِي جنب عقل مُحَمَّد ﷺ إِلَّا كحبة رمل رفعت من بَين جَمِيع رمال الدُّنْيَا وَقَالَ إِن الشَّيْطَان لم يكن يكابد شَيْئا أَشد عَلَيْهِ من الْمُؤمن الْعَاقِل إِنَّه ليكابد مائَة ألف جَاهِل فيسخرهم ويكابد الْمُؤمن الْعَاقِل فيضعف عَنهُ وَمَا من شَيْء أحب إِلَيْهِ من فتْنَة الْعَاقِل وفتنة عَاقل أحب إِلَيْهِ من غواية ألف جَاهِل وَقَالَ ﷺ إِن الأحمق يُصِيب بحمقه أعظم من فجور الْفَاجِر وَإِنَّمَا يقرب النَّاس الزلف على قدر عُقُولهمْ وَعَن أنس ﵁ قَالَ قيل يَا رَسُول الله رجل يكون قَلِيل الْعَمَل كثير الذُّنُوب قَالَ كل آدَمِيّ خطاء فَمن كَانَت لَهُ سجية عقل وغريزة يَقِين لم يضرّهُ ذنُوبه شَيْئا قيل وَكَيف ذَاك يَا رَسُول الله قَالَ كلما أخطألم يلبث أَن يَتُوب فيمحى ذنُوبه وَيبقى فضل يدْخلهُ الْجنَّة قَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ وَمن أَعقل مِمَّن خَافَ ذنُوبه واستحقر عمله

стр. 721

وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَا عُوَيْمِر إزدد عقلا تَزْدَدْ من رَبك قربا قلت يَا رَسُول الله كَيفَ قَالَ اجْتنب مساخط الله وأد فَرَائض الله تكن عَاقِلا ثمَّ تنفل بالصالحات من الْأَعْمَال تَزْدَدْ فِي الدُّنْيَا عقلا وَمن رَبك قربا وَعَلِيهِ عزا عَن كَعْب ﵁ قَالَ تَجِد الرجل يستكثر من أَنْوَاع الْبر ويحتاط فِي صنائع الْمَعْرُوف ويكابد سهر اللَّيْل وَشدَّة ظماء الهواجر وَهُوَ فِي ذَلِك لَا يُسَاوِي عِنْد الله جيفة حمَار قَالُوا وَكَيف قَالَ ذَاك من قلَّة عقله وَسُوء رعايته ولعلك تَجِد الرجل الْعَاقِل نَائِما بِاللَّيْلِ مُفطرا بِالنَّهَارِ لَا يظْهر لَك بره وَلَا ينْسب إِلَى صنائع الْمَعْرُوف وَبَينهمَا كَمَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قيل وَكَيف ذَاك قَالَ لِأَن رَبنَا افْترض على عباده أَن يعرفوه ويطيعوه ويعبدوه وَإِنَّمَا يطيعه ويعرفه ويعبده من يعقل فَأَما الْجَاهِل فَإِنَّهُ لَا يعرفهُ وَلَا يطيعه وَلَا يعبده عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله خلق الْعقل أَكثر من عدد الرمل فَمن النَّاس من أعطي حَبَّة من ذَلِك وَمِنْهُم من أعطي حبتين وَمِنْهُم من أعطي مدا وَمِنْهُم من أعطي صَاعا وَمِنْهُم من أعطي فرقا وَبَعْضهمْ وسْقا فَقَالَ ابْن سَلام من هم يَا رَسُول الله قَالَ الْعمَّال بِطَاعَة الله على قدر عُقُولهمْ ويقينهم وجدهم والنور الَّذِي فِي قُلُوبهم

стр. 722

عَن مهْدي قَالَ شهِدت عمر وَعِنْده ابْن مَسْعُود وَأَبُو مُوسَى ﵃ فَقَالَ أَبُو مُوسَى سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول رب رجل يعْمل بِطَاعَة الله فَلَعَلَّ الْحَرْف الْوَاحِد من تسبيحه وتحميده وبره أثقل من أحد ثمَّ على قدر ذَلِك يتفاضل عمله قَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ إِن من الْمُؤمنِينَ من يكون عمله يَوْمًا وَاحِدًا أثقل من السَّمَوَات وَالْأَرْض قَالَ عمر ﵁ فَكيف ذَاك قَالَ إِن الله قسم الْأَشْيَاء بَين عباده على قدر مَا أحب أَن يقسمهُ وَلما خلق الْخلق أقسم بعزته أَنه أحب خلقه إِلَيْهِ وأعزهم عَلَيْهِ وأفضلهم عِنْده وأرجح عباده أحْسنهم عقلا وَأَحْسَنهمْ من كَانَ فِي ثَلَاث خِصَال صدق الْوَرع وَصدق الْيَقِين وَصدق الْحِرْص على الْبر وَالتَّقوى فَبكى عمر ﵁ بكاء نشج مِنْهُ وَقَالَ ﷺ قسم الله الْعقل ثَلَاثَة أَجزَاء فَمن كَانَ فِيهِ فَهُوَ الْعَاقِل حسن الْمعرفَة بِاللَّه تَعَالَى وَحسن الطَّاعَة لله وَحسن الصَّبْر لله تَعَالَى فَحسن الْمعرفَة الثِّقَة بِاللَّه فِي كل أَمرك والتفويض إِلَيْهِ والائتمار على نَفسك وأحوالك فِي الْوُقُوف عِنْد مَشِيئَته لَك فِي كل أمره دينا وَدُنْيا وَحسن الطَّاعَة أَن تُطِيعهُ فِي كل أَمر ثمَّ لَا تلْتَفت إِلَى نوال فتتخذه عدَّة دون الله تَعَالَى وَحسن الصَّبْر أَن تصبر فِي النوائب صبرا لَا يرى عَلَيْك أثر النائبة من الاستكانة وَأَن تتلقى حكمه بالرضاء كَمَا تتلقى مَا وَافق نَفسك فيستوي عنْدك المحبوب وَالْمَكْرُوه

стр. 723

- الأَصْل السَّابِع والمائتان - فِي تَفْسِير المغربين عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن فِيكُم مغربون قلت يَا رَسُول الله مَا المغربون قَالَ الَّذين يشْتَرك فيهم الْجِنّ فالجن وَالْإِنْس ابتليا بِالْعبَادَة وَلَهُمَا الثَّوَاب وَعَلَيْهِمَا الْعقَاب وَأمر الرَّسُول ﷺ بالنذارة إِلَى الْجِنّ والرسالة إِلَى الْآدَمِيّين فأنذرهم وعلمهم الْقُرْآن فللجن مُسَاوَاة بِابْن آدم فِي الْأُمُور والاختلاط فَمنهمْ من يتَزَوَّج فيهم وَكَانَت بلقيس ملكة سبأ أحد أَبَوَيْهَا من الْجِنّ وَرُبمَا غلب الْجِنّ الْآدَمِيّ على أَهله فَيَأْخُذ بقلبها ويعذبها والامتناع مِنْهُم باسم الله تَعَالَى فَإِذا أحب الْآدَمِيّ أَن يطرده من مشاركته طرده باسم الله قَالَ ﷺ ستر بَين عورات بني آدم وَبَين أعين الْجِنّ إِذا وضع الرجل ثَوْبه أَن يَقُول باسم الله قَالَ مُجَاهِد رَضِي الله

стр. 724

عَنهُ إِذا جَامع الرجل وَلم يسم انطوى الجان على إحليله فجامع مَعَه قَالَ فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم وَلَا جَان﴾

стр. 725

- الأَصْل الثَّامِن والمائتان - فِي سر شَهَادَة العطاس عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من حدث بِحَدِيث فعطس عِنْده فَهُوَ حق) العطسة تنفس الرّوح وتحننه إِلَى الله تَعَالَى لِأَنَّهَا من الملكوت فَإِذا تحرّك ساطعا عِنْد حَدِيث فَهُوَ شَاهد يُخْبِرك عَن صدقه وَحقه قَالَ ﵇ (إِن الله يحب العطاس وَيكرهُ التثاؤب فَإِذا

стр. 726

عطس أحدكُم فَحَمدَ الله فَحق على كل مُسلم سَمعه يشمته والتثاؤب من الشَّيْطَان فَإِذا تثاءب أحدكُم فليرده مَا اسْتَطَاعَ فَإِن أحدكُم إِذا قَالَ هاه ضحك الشَّيْطَان مِنْهُ) وَقَالَ عمر ﵁ لعطسة وَاحِدَة عِنْد حَدِيث أحب إِلَيّ من شَاهد عدل وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (الفال مُرْسل والعاطس شَاهد عدل قَوْله (الفال مُرْسل) مثل مَا يرْوى أَنه ﷺ سمع رجلا يَقُول فِي الْعَسْكَر يَا حسن فَقَالَ أَخذنَا فالك من فِيك واستقبله بُرَيْدَة فِي طَرِيق الْهِجْرَة فَقَالَ مَا اسْمك قَالَ بُرَيْدَة فَالْتَفت إِلَى أبي بكر ﵁ فَقَالَ برد أمرنَا قَالَ مِمَّن قَالَ من أسلم قَالَ سلمنَا يَا أَبَا بكر وَمَعْنَاهُ أَن هَذِه الْأَسْمَاء مِمَّا يُرْسِلهُ الله تَعَالَى حَتَّى يستقبلك كالبشير لَك فَإِذا تفاءلت فقد أَحْسَنت بِهِ الظَّن وَالله عِنْد ظن عَبده وَعَن أنس ﵁ قَالَ عطس عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ عِنْد رَسُول الله ﷺ ثَلَاث عطسات مُتَوَالِيَات فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ يَا عُثْمَان أَلا أُبَشِّرك هَذَا جِبْرَائِيل يُخْبِرنِي عَن الله تَعَالَى أَنه قَالَ (مَا من مُؤمن يعطس ثَلَاث عطسات مُتَوَالِيَات إِلَّا كَانَ الْإِيمَان فِي قلبه ثَابتا)

стр. 727

- الأَصْل التَّاسِع والمائتان - فِي النَّهْي عَن الْجُلُوس على الْقُبُور عَن أبي مرْثَد الغنوي ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (لَا تجلسوا على الْقُبُور وَلَا تصلوا إِلَيْهَا) نهى أَن يُوطأ الْقَبْر أَو يجلس عَلَيْهِ استهانة بِهِ إِقَامَة لحُرْمَة الْمُسلم بعد مَوته وَعَن معَاذ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يكره أَن تُوطأ الْقُبُور إعظاما للْمُسلمين وإكراما لَهُم وَيكرهُ أَن يتَّخذ الْقُبُور مَسْجِدا وقبلة يصلى إِلَيْهَا فَإِن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك وروى بشر بن الخصاصية أَن رَسُول الله ﷺ رأى رجلا يمشي فِي الْقُبُور فِي نَعْلَيْنِ فَقَالَ (يَا صَاحب السبتين اخلع)

стр. 728

وَفِي رِوَايَة أُخْرَى (ألق سبتيك لَا تشغله) هَذَا يدل على إِقَامَة الْحُرْمَة وتعظيم شَأْن الْمُسلم أَن يمشي الْمَرْء على أعظم مدفونة قد اختبأها الرب واختارها لمحبته ملكا فِي الْجنان فِي جواره وَقَالَ ﵇ لمن رَآهُ جَالِسا على قبر (انْزِلْ عَن الْقَبْر لَا تؤذ صَاحبك وَلَا يُؤْذِيك) مَعْنَاهُ أَن الْأَرْوَاح تعلم بترك إِقَامَة الْحُرْمَة وبالاستهانة فتتأذى بذلك

стр. 729

- الأَصْل الْعَاشِر والمائتان - فِي أَن أَبَا بكر ﵁ ويومه خير من مُؤمن آل فِرْعَوْن عَن عمر ﵁ قَالَ مَا نيل من رَسُول الله ﷺ مَا نيل مِنْهُ ذَات يَوْم أَنه كَانَ يطوف بِالْبَيْتِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقطعُوا عَلَيْهِ الطّواف وَأخذُوا بتلابيبه وَقَالُوا أَنْت الَّذِي تَنْهَانَا أَن نعْبد مَا يعبد آبَاؤُنَا قَالَ (هُوَ ذَاك) وَأَبُو بكر ﵁ ملتزمه من خَلفه وَهُوَ يَقُول أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله وَعَيناهُ تهملان فَخلوا سَبيله مرتبَة أبي بكر ﵁ من الدّين وَمحله من الْإِسْلَام أَن يذب عَن رَسُول الله ﷺ وَحده وَلم يهب شَرْقي الدُّنْيَا وغربيها

стр. 730

وَقَالَ الْحسن ﵁ عَاتب الله تَعَالَى جَمِيع أهل الأَرْض غير أبي بكر فَقَالَ ﴿إِلَّا تنصروه فقد نَصره الله إِذْ أخرجه الَّذين كفرُوا﴾ وَعَن سَالم بن عبيد قَالَ لما قبض النَّبِي ﷺ قَالَ رجل من الْأَنْصَار منا أَمِير ومنكم أَمِير قَالَ عمر ﵁ سيفين فِي غمد لَا يصطلحان ثمَّ أَخذ بيد أبي بكر فَقَالَ من لَهُ هَذِه الثَّلَاثَة ﴿ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تحزن إِن الله مَعنا﴾ ثمَّ بَايعه فَبَايع النَّاس أحسن بيعَة وأجملها وَعَن عَليّ ﵁ قَالَ اجْتمعت قُرَيْش بعد وَفَاة أبي طَالب بِثَلَاث فأرادوا قتل رَسُول الله ﷺ فَأقبل هَذَا يجاؤه وَهَذَا يتلتله إِلَّا أَبُو بكر وَله ضفيرتان فَأقبل يجَأ ذَا ويتلتل ذَا وَيَقُول بِأَعْلَى صَوته وَيْلكُمْ أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله وَالله إِنَّه لرَسُول الله فَقطعت إِحْدَى ضفيرتي أبي بكر يَوْمئِذٍ فَقَالَ عَليّ ﵁ ليَوْم من أبي بكر خير من مُؤمن آل فِرْعَوْن إِن ذَلِك رجل كتم إيمَانه فَأثْنى الله تَعَالَى عَلَيْهِ فِي كِتَابه وَهَذَا أَبُو بكر أظهر إيمَانه وبذل مَاله وَدَمه لله تَعَالَى وَعَن أَسمَاء بنت أبي بكر ﵄ أَنهم قَالُوا لَهَا

стр. 731

مَا أَشد شَيْء رَأَيْت الْمُشْركين بلغُوا من رَسُول الله ﷺ فَقَالَت كَانَ الْمُشْركُونَ قعُودا فِي الْمَسْجِد الْحَرَام يتذاكرون رَسُول الله ﷺ مَا يَقُول فِي آلِهَتهم فَبينا هم كَذَلِك إِذْ دخل رَسُول الله ﷺ فَقَامُوا إِلَيْهِ بأجمعهم وَكَانُوا إِذا سَأَلُوهُ عَن شَيْء صدقهم فَقَالُوا لَهُ أَلَسْت تَقول فِي آلِهَتنَا كَذَا قَالَ بلَى فتشبسوا بِهِ بأجمعهم فَأتى الصَّرِيخ إِلَى أبي بكر فَقيل لَهُ أدْرك صَاحبك فَخرج من عندنَا وَإِن لَهُ غدائر فَدخل الْمَسْجِد وَهُوَ يَقُول وَيْلكُمْ أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله فلهوا عَن رَسُول الله ﷺ وَأَقْبلُوا إِلَى أبي بكر فَرجع إِلَيْنَا أَبُو بكر فَجعل لَا يمس شَيْئا من غدائره إِلَّا جَاءَ مَعَه وَهُوَ يَقُول تَبَارَكت يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام

стр. 732

- الأَصْل الْحَادِي عشر والمائتان - فِي المصافحة وسرها عَن عمر ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (إِذا التقى المسلمان كَانَ أحبهما إِلَى الله أحسنهما بشرا لصَاحبه فَإِذا تصافحا أنزل الله تَعَالَى عَلَيْهِمَا مائَة رَحْمَة تسعون مِنْهَا للَّذي بَدَأَ بالمصافحة وَعشرَة للَّذي صوفح) الْمُؤمن عَلَيْهِ سمة الْإِيمَان ووقاره وبهاء الْإِسْلَام وجماله فأحسنهما بشرا أعقلهما عَن الله تَعَالَى مَا من الله عَلَيْهِ وَيظْهر بشره لعلمه بِاللَّه تَعَالَى ولمنة الله على عَبده وَلِأَن الْمُؤمن عطشان إِلَى لِقَاء ربه شوقا إِلَيْهِ فَإِذا رأى الْمُؤمن اهتش إِلَى ذَلِك روحه وتنسم قلبه روح مَا وجد من آثَار مَوْلَاهُ فيطمئن ويبشر بذلك فَيظْهر بشره وَإِنَّمَا صَار أحب إِلَى الله تَعَالَى بِمَا لَهُ من الْحَظ من الله تَعَالَى وَلِأَن الَّذِي يظْهر الْبشر لِأَخِيهِ يسر أَخَاهُ الْمُؤمن لِأَن فِي ذَلِك إِظْهَار الْمَوَدَّة لَهُ

стр. 733

وَرُوِيَ أَن يحيى بن زَكَرِيَّا ﵉ إِذا لقى عِيسَى ﵇ بَدَأَ بِالسَّلَامِ فَسلم عَلَيْهِ وَكَانَ لَا يلقاه إِلَّا باشا مُتَبَسِّمًا وَلَا يلقى عِيسَى إِلَّا مَحْزُونا شبه الباكي فَقَالَ لَهُ عِيسَى إِنَّك تَبَسم تَبَسم رجل يضْحك كَأَنَّك آمن فَقَالَ يحيى إِنَّك لتعبس تعبس رجل يبكي كَأَنَّك آيس فَأوحى الله تَعَالَى إِلَى عِيسَى ﵇ أَن أحبكما إِلَيّ أكثركما تبسما وَأما المصافحة هُوَ الْأَخْذ بِالْيَدِ وَهُوَ كالبيعة لِأَن من شَرَائِط الْإِسْلَام الْأُخوة قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة﴾ وَقَالَ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض … شَرط الله تَعَالَى فِيمَا بَينهم الْأُخوة وَالْولَايَة فَإِذا لقِيه فصافحه كَأَنَّهُ يبايعه على هَاتين الخصلتين فَفِي كل مرّة يلقى يجدد بيعَته فيجدد الله تَعَالَى لَهما ثَوابًا كَمَا يجدد الْمُصَاب الاسترجاع فيجدد لَهُ ثَوَاب الْمُصِيبَة ويجدد صَاحب النِّعْمَة الْحَمد فيجدد لَهُ ثَوَاب الشُّكْر فللسابق إِلَى تَجْدِيد لَهُ تسعون رَحْمَة كتمسكه بِالْولَايَةِ والأخوة وَإِقَامَة الْحُرْمَة وَأول مَا ظَهرت الْبيعَة يَوْم الْمِيثَاق وَلذَلِك قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ الرُّكْن يَمِين الله يُصَافح بِهِ عباده يَوْم الْقِيَامَة لأَنهم يَوْم الْمِيثَاق بَايعُوا الله فصافحوا الْحجر فَلَمَّا أنزلهُ من الفردوس وضع فِي ركن الْبَيْت ودعى النَّاس إِلَيْهَا ليجددوا بيعتهم فَكلما تَمسحُوا فَذَلِك مِنْهُم بيعَة متجددة

стр. 734

- الأَصْل الثَّانِي عشر والمائتان - فِي فضل يَوْم عَاشُورَاء وسر التوسيع فِيهِ عَن أبي سعيد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من وسع على أَهله يَوْم عَاشُورَاء وسع الله تَعَالَى عَلَيْهِ فِي سنته كلهَا) الأَصْل فِي ذَلِك أَن سفينة نوح ﵇ اسْتَوَت على الجودي يَوْم عَاشُورَاء فَقيل لَهُ ﴿اهبط بِسَلام منا وبركات عَلَيْك وعَلى أُمَم مِمَّن مَعَك﴾ أَي الْمُوَحِّدين ﴿وأمم سنمتعهم ثمَّ يمسهم منا عَذَاب أَلِيم﴾ وهم الْمُشْركُونَ وَكَانُوا كلهم فِي صلبه وَهَذَا السَّلَام والبركات إِلَى آخر الدَّهْر وَقيل لَهُ اهبط لتبوء لأهْلك وولدك متبوأ صدق ومستقرا لمعاشك بِهَذَا السَّلَام وَهَذِه البركات فَمن أَرَادَ أَن يَأْخُذ بحظه من تِلْكَ البركات فَوَافى ذَلِك الْيَوْم كَانَ فِي تِلْكَ الْهَيْئَة هَيْئَة من يبوء لأَهله وَعِيَاله مرمة

стр. 735

لمعاشهم وَيزِيد فِي وظائفهم ويهيئ لَهُم لينالهم حَظه من ذَلِك السَّلَام وَتلك البركات لِأَن الله تَعَالَى اسْتَقْبَلَهُمْ بالدنيا بعد أَن غرقها وخربها شرقا وغربا فَلم يبْق فِي جَمِيع الدُّنْيَا إِلَّا سفينة نوح ﵇ بِمن فِيهَا فَرد عَلَيْهِم دنياهم يَوْم عَاشُورَاء وَأمرُوا بالهبوط للتبوئة والتهيؤ لأمر المعاش مَعَ السَّلَام والبركات عَلَيْهِم وعَلى الْأُمَم الْمُوَحِّدين الَّذين فِي صلبه فَمن أَتَى عَلَيْهِ ذَلِك الْيَوْم فَكَأَنَّهُ فِي وقته يهْبط من السَّفِينَة ويهيئ لِعِيَالِهِ معاشا وتناله السَّلامَة والبركات لذَلِك وَرُوِيَ أَن من اكتحل يَوْم عَاشُورَاء بكحل أثمد لم تتوجع عينه تِلْكَ السّنة وعوفي من الرمد وَقَالَ ﵇ خير أكحالكم الأثمد فَإِنَّهُ ينْبت الشفر ويجلو الْبَصَر فالاكتحال مرمة الْعين وَفِي الْكحل قُوَّة لِلْبَصَرِ ومدد للروح لِأَنَّهُ ينْبت الأشفار وَهُوَ ستر الناظرين وَيُقَوِّي الْبَصَر فَإِنَّهُ يجليه وَيذْهب بالغشاوة وَمَا يتحلب من الماقين من فضول الدُّمُوع والبلة الطبيعية ينشفه الأثمد وَلَا يَدعه يتلبث فَيصير غشاوة وغيما على حدقتيه وَفِيه مدد للروح لِأَن بصر الرّوح فِي الْبَاطِن مُتَّصِل ببصر الْعين فَإِذا ذهبت الغشاوة وصل النَّفْع إِلَى بصر الرّوح وَوجد لذهابه رَاحَة وخفة فَإِذا كَانَ مِنْهُ فِي هَذَا الْيَوْم مرمة النَّفس نَالَ الْبركَة والسلامة وعوفي من الضّيق ووسع عَلَيْهِ سَائِر سنته وَإِن كَانَت مرمة الرّوح عوفي من الرمد

стр. 736

- الأَصْل الثَّالِث عشر والمائتان - فِي أَن العَبْد يسْأَل عَن صدق لَا إِلَه إِلَّا الله وَالْفرق بَين أهل الْكَلِمَة وَأهل القَوْل بِالْكَلِمَةِ عَن أنس ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فوربك لنسألنهم أَجْمَعِينَ﴾ قَالَ عَن لَا إِلَه إِلَّا الله مَعْنَاهُ عَن صدق لَا إِلَه إِلَّا الله وَالْوَفَاء بهَا قَالَ الْحسن ﵁ لَيْسَ الْإِيمَان بالتحلي وَلَا بالتمني وَلَكِن مَا وقر فِي الْقُلُوب وصدقته الْأَعْمَال وَلِهَذَا قَالَ رَسُول الله ﷺ (من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مخلصا دخل الْجنَّة) قيل يَا رَسُول الله مَا إخلاصها قَالَ (أَن يحجره عَن محارم الله تَعَالَى)

стр. 737

قَالَ ﵇ (إِن الله تَعَالَى عهد إِلَيّ أَن لَا يأتيني أحد من أمتِي بِلَا إِلَه إِلَّا الله لم يخلط بهَا شَيْئا إِلَّا وَجَبت لَهُ الْجنَّة) قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا الَّذِي يخلط بِلَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ (حرصا على الدُّنْيَا وجمعا لَهَا ومنعا لَهَا يَقُولُونَ قَول الْأَنْبِيَاء ويعملون أَعمال الْجَبَابِرَة) وَثَمَرَة هَذِه الْكَلِمَة لأَهْلهَا وَأَهْلهَا من رعاها حَتَّى قَامَ بوفائها وصدقها وَمن لم يرعها فَلَيْسَ من أهل لَا إِلَه إِلَّا الله إِنَّمَا هم من أهل قَول لَا إِلَه إِلَّا الله فَأهل قَول لَا إِلَه إِلَّا الله من كَانَ مرجعه إِلَى القَوْل بِهِ وَالْعَمَل بهواه وَأهل لَا إِلَه إِلَّا الله من كَانَ مرجعه إِلَى إِقَامَة هَذَا القَوْل وَفَاء وصدقا قَالَ ﵇ (لَا إِلَه إِلَّا الله يمْنَع الْعباد من سخط الله تَعَالَى مَا لم يؤثروا صَفْقَة دنياهم على دينهم فَإِذا آثروا صَفْقَة دنياهم على دينهم ثمَّ قَالُوا لَا إِلَه إِلَّا الله ردَّتْ عَلَيْهِم وَقَالَ الله تَعَالَى كَذبْتُمْ) وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا يزَال قَول لَا إِلَه إِلَّا الله يرفع سخط الله عَن الْعباد حَتَّى إِذا نزلُوا بالمنزل الَّذِي لَا يبالون مَا نقص من دينهم إِذا سلمت دنياهم فَقَالُوا عِنْد ذَلِك قَالَ الله تَعَالَى لَهُم كَذبْتُمْ كَذبْتُمْ) وَصدق لَا إِلَه إِلَّا الله أَن يقف عِنْد صنع الله تَعَالَى وَعند أمره كالعبيد أما صنعه فَهُوَ أَحْكَامه عَلَيْك وتدبيره فِيك مثل الْعِزّ والذل وَالصِّحَّة والسقم والفقر والغنى وكل حَال مَحْبُوب ومكروه فتقف هُنَاكَ كالعبيد لَا تعصى الله فِي جنب مَا حكم عَلَيْك ودبر لَك وَيحكم بِهِ عَلَيْك وَأما أمره فَهُوَ أَدَاء الْفَرَائِض وَاجْتنَاب الْمَحَارِم فَلَا تعصيه فِي ترك فَرِيضَة وَلَا انتهاك محرم وَهَذَا أدنى منزلَة فِي صدق لَا إِلَه إِلَّا الله لِأَنَّهُ بعد فِي حفظ الْجَوَارِح وَأما الْمنزلَة الْأَعْلَى أَن

стр. 738

يكون مَعَ هذَيْن حَافِظًا لِقَلْبِهِ قد رَاض نَفسه وَمَاتَتْ شهواته فَمَا ورد عَلَيْهِ من أَحْكَام الله تَعَالَى رَضِي بهَا واهتشت نَفسه إِلَى قبُولهَا حبا لَهُ وإعظاما وَمَا أعطي من الدُّنْيَا قنع بهَا وَكَانَ كالخازن الَّذِي يُعْطِيهِ مَوْلَاهُ شَيْئا يأتمنه عَلَيْهِ فَهُوَ يمْسِكهَا بالأمانة يرقب مَتى يُومِئ إِلَيْهِ حَتَّى يبذلها من غير تلجلج وَمَا ورد عَلَيْهِ من أمره وَنَهْيه أنفذ من غير أَن يلْتَفت إِلَى عوض عَنْهَا فِي عَاجل أَو ثَوَاب فِي آجل فَهَؤُلَاءِ هم السَّابِقُونَ راضوا أنفسهم وفطموها عَن الشَّهَوَات فَلَمَّا جَاءَهُم أَمر الله وَأَحْكَامه انقادوا وذلت نُفُوسهم لأَمره إعظاما لجلاله ذلة العبيد الَّذين قد استسلموا لسيدهم وهم المبهوتون فِي طَاعَة الله تَعَالَى لَا يفرقون بَين أُمُور الدُّنْيَا وَالْآخِرَة قد اسْتَوَت عِنْدهم لأَنهم لله وَبِاللَّهِ لَا يخْطر على بالهم عِنْد تصرفهم فِي الْأُمُور اخْتِيَار الْأُمُور وَالْأَحْوَال فَإِن كَانَ فِي مرمة نفس أَو إصْلَاح معاش فَهُوَ لله وَإِن كَانَ فِي أَمر الْآخِرَة فَهُوَ لله تَعَالَى فأعمارهم غير معطلة كلهَا عبَادَة لمليكهم عبدُوا الله بنومهم كَمَا عبدوه بسهرهم وبأكلهم كَمَا عبدوه بجوعهم وعبدوه بتناول الدُّنْيَا وَأَخذهَا كَمَا عبدوه بِتَرْكِهَا إِنَّمَا نظرهم إِلَى تَدْبيره لَهُم فعلى أَي حَال سَار بهم إِلَيْهِ سَارُوا طيبَة بذلك نُفُوسهم حَسَنَة أَخْلَاقهم فَإِنَّهُم نظرُوا إِلَى الْمُقْتَصِدِينَ الَّذين لم يرْضوا أنفسهم وَلَا فطموها عَن الشَّهَوَات إِلَّا أَن خوف الْوَعيد حَال بَين نُفُوسهم وَبَين الْمعاصِي فحجرهم عَن أَعمال أهل الهلكى وَحَملهمْ على أَعمال أهل النوال لما أطمعوا من الثَّوَاب كَفعل الدَّوَابّ تتلكأ وتبطئ فِي السّير حَتَّى إِذا أحست بالدنو من الْمنزل اسْتَقَلت الحمولة وجدت للسير تحننا إِلَى الاوازي أَو أحست بِالسَّوْطِ من راكبها فتهتاج فِي السّير مجدا فَهَؤُلَاءِ قد اسْتَحْيوا من أَن يكون شَبِيها بهم وَأَن تكون عِبَادَتهم طَمَعا فِي الثَّوَاب أَو رهبة من الْعقَاب فَإِن هَؤُلَاءِ انقادوا لله تَعَالَى من أجل نُفُوسهم وَلَيْسَ هَذَا بخالص العبودة إِنَّمَا خَالص

стр. 739

العبودة لقوم هامت قُلُوبهم فِي حب الله تَعَالَى وهامت فِي جَلَاله وعظمته فانبعثوا لأعمال الْبر شفوفا بهم لعلمهم أَنه يحب ذَلِك وامتنعوا عَن الآثام هَيْبَة لَهُ وإجلالا لمعرفتهم أَنه مساخطه ومكروهه فهذان الصنفان هم أهل لَا إِلَه إِلَّا الله إِلَّا أَن أَحدهمَا أَعلَى من الآخر وَمن لم يكن فِيهِ ذَلِك فَهُوَ من أهل قَول لَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ ﵇ (لَيْسَ على أهل لَا إِلَه إِلَّا الله وَحْشَة فِي الْقُبُور وَلَا فِي النشور كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِم وهم يَنْفضونَ التُّرَاب عَن رؤوسهم وهم يَقُولُونَ الْحَمد لله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن) وَالنَّاس فِي الْحزن على دَرَجَات وكل يحمد الله على إذهاب حزنه فالمتقون حزنهمْ قطع النَّار وفوت الْجنَّة ومجاهدة النَّفس أَيَّام الْحَيَاة وَالصِّدِّيقُونَ حزنهمْ تَقْصِير شكر مَا لَزِمَهُم من الْعِصْمَة والتوفيق بِأَن وفقهم للطاعات وعصمهم من الآثام فوجدوا أنفسهم مقصرين فِي شكره ينتظرون الْعَفو والعارفون على صنفين وحزنهم على وَجْهَيْن فصنف مِنْهُم حزنهمْ حزن الْعَاقِبَة وَهُوَ الْغَالِب على قلبه فَإِنَّهُ اشتاق إِلَى الله تَعَالَى فرقي بِهِ إِلَى دَرَجَة الْجلَال وَالْجمال فسكن شوقه لطعم لَذَّة مَا نَالَ من الْقرْبَة فَمر فِي العبودة بِقُوَّة حَظه من الْجلَال وَعظم عمله لغد بِقُوَّة حَظه من الْجمال فَهُوَ مطمئن سَاكن وَلِهَذَا قيل لوَاحِد مِنْهُم أما تشتاق فَقَالَ إِنَّمَا يشتاق الْغَائِب فاستعظموا هَذَا وصيروه غَايَة الْأَمر وَلَا يعلمُونَ أَن وَرَاء هَذَا دَرَجَة فِيهَا تنافس الْأَنْبِيَاء والأولياء ﵈ المجذوبين الْمُحدثين وَهُوَ حزن القلق فَإِنَّهُ يقلقل أحشاءهم إِلَى آخر رَمق من الْحَيَاة حَتَّى تخرج أَرْوَاحهم بغصة من الكمد لأَنهم خلصوا إِلَى فردانيته وتعلقوا بوحدانيته

стр. 740

فظمئت أكبادهم عطشا إِلَى لِقَائِه وَهَذَا هُوَ الَّذِي أقلق مُوسَى ﵇ حَتَّى حمله على سُؤال الرُّؤْيَة ثمَّ عَاشَ أَيَّام الدُّنْيَا عطشان إِلَى لِقَائِه فمحال أَن يسْتَقرّ الْعَارِف حَتَّى ينْكَشف لَهُ الغطاء يَوْم الزِّيَادَة ويصل إِلَى مَا سَأَلَ كليم الله ﵇ لِأَنَّهُ كلما ازْدَادَ العَبْد إِلَيْهِ قربا زَاده مَوْلَاهُ دنوا فازداد هيمانا وولها حَتَّى يقلق ويكمد ويحترق من نيران الشوق
следующие страницы →