← Книги сунны

Книги сунны · id 720

نوادر الأصول في أحاديث الرسول

الحكيم الترمذي

Полный текст (1 237 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

- الأَصْل الثَّالِث عشر والمائتان - فِي أَن العَبْد يسْأَل عَن صدق لَا إِلَه إِلَّا الله وَالْفرق بَين أهل الْكَلِمَة وَأهل القَوْل بِالْكَلِمَةِ عَن أنس ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فوربك لنسألنهم أَجْمَعِينَ﴾ قَالَ عَن لَا إِلَه إِلَّا الله مَعْنَاهُ عَن صدق لَا إِلَه إِلَّا الله وَالْوَفَاء بهَا قَالَ الْحسن ﵁ لَيْسَ الْإِيمَان بالتحلي وَلَا بالتمني وَلَكِن مَا وقر فِي الْقُلُوب وصدقته الْأَعْمَال وَلِهَذَا قَالَ رَسُول الله ﷺ (من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مخلصا دخل الْجنَّة) قيل يَا رَسُول الله مَا إخلاصها قَالَ (أَن يحجره عَن محارم الله تَعَالَى)

стр. 737

قَالَ ﵇ (إِن الله تَعَالَى عهد إِلَيّ أَن لَا يأتيني أحد من أمتِي بِلَا إِلَه إِلَّا الله لم يخلط بهَا شَيْئا إِلَّا وَجَبت لَهُ الْجنَّة) قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا الَّذِي يخلط بِلَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ (حرصا على الدُّنْيَا وجمعا لَهَا ومنعا لَهَا يَقُولُونَ قَول الْأَنْبِيَاء ويعملون أَعمال الْجَبَابِرَة) وَثَمَرَة هَذِه الْكَلِمَة لأَهْلهَا وَأَهْلهَا من رعاها حَتَّى قَامَ بوفائها وصدقها وَمن لم يرعها فَلَيْسَ من أهل لَا إِلَه إِلَّا الله إِنَّمَا هم من أهل قَول لَا إِلَه إِلَّا الله فَأهل قَول لَا إِلَه إِلَّا الله من كَانَ مرجعه إِلَى القَوْل بِهِ وَالْعَمَل بهواه وَأهل لَا إِلَه إِلَّا الله من كَانَ مرجعه إِلَى إِقَامَة هَذَا القَوْل وَفَاء وصدقا قَالَ ﵇ (لَا إِلَه إِلَّا الله يمْنَع الْعباد من سخط الله تَعَالَى مَا لم يؤثروا صَفْقَة دنياهم على دينهم فَإِذا آثروا صَفْقَة دنياهم على دينهم ثمَّ قَالُوا لَا إِلَه إِلَّا الله ردَّتْ عَلَيْهِم وَقَالَ الله تَعَالَى كَذبْتُمْ) وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا يزَال قَول لَا إِلَه إِلَّا الله يرفع سخط الله عَن الْعباد حَتَّى إِذا نزلُوا بالمنزل الَّذِي لَا يبالون مَا نقص من دينهم إِذا سلمت دنياهم فَقَالُوا عِنْد ذَلِك قَالَ الله تَعَالَى لَهُم كَذبْتُمْ كَذبْتُمْ) وَصدق لَا إِلَه إِلَّا الله أَن يقف عِنْد صنع الله تَعَالَى وَعند أمره كالعبيد أما صنعه فَهُوَ أَحْكَامه عَلَيْك وتدبيره فِيك مثل الْعِزّ والذل وَالصِّحَّة والسقم والفقر والغنى وكل حَال مَحْبُوب ومكروه فتقف هُنَاكَ كالعبيد لَا تعصى الله فِي جنب مَا حكم عَلَيْك ودبر لَك وَيحكم بِهِ عَلَيْك وَأما أمره فَهُوَ أَدَاء الْفَرَائِض وَاجْتنَاب الْمَحَارِم فَلَا تعصيه فِي ترك فَرِيضَة وَلَا انتهاك محرم وَهَذَا أدنى منزلَة فِي صدق لَا إِلَه إِلَّا الله لِأَنَّهُ بعد فِي حفظ الْجَوَارِح وَأما الْمنزلَة الْأَعْلَى أَن

стр. 738

يكون مَعَ هذَيْن حَافِظًا لِقَلْبِهِ قد رَاض نَفسه وَمَاتَتْ شهواته فَمَا ورد عَلَيْهِ من أَحْكَام الله تَعَالَى رَضِي بهَا واهتشت نَفسه إِلَى قبُولهَا حبا لَهُ وإعظاما وَمَا أعطي من الدُّنْيَا قنع بهَا وَكَانَ كالخازن الَّذِي يُعْطِيهِ مَوْلَاهُ شَيْئا يأتمنه عَلَيْهِ فَهُوَ يمْسِكهَا بالأمانة يرقب مَتى يُومِئ إِلَيْهِ حَتَّى يبذلها من غير تلجلج وَمَا ورد عَلَيْهِ من أمره وَنَهْيه أنفذ من غير أَن يلْتَفت إِلَى عوض عَنْهَا فِي عَاجل أَو ثَوَاب فِي آجل فَهَؤُلَاءِ هم السَّابِقُونَ راضوا أنفسهم وفطموها عَن الشَّهَوَات فَلَمَّا جَاءَهُم أَمر الله وَأَحْكَامه انقادوا وذلت نُفُوسهم لأَمره إعظاما لجلاله ذلة العبيد الَّذين قد استسلموا لسيدهم وهم المبهوتون فِي طَاعَة الله تَعَالَى لَا يفرقون بَين أُمُور الدُّنْيَا وَالْآخِرَة قد اسْتَوَت عِنْدهم لأَنهم لله وَبِاللَّهِ لَا يخْطر على بالهم عِنْد تصرفهم فِي الْأُمُور اخْتِيَار الْأُمُور وَالْأَحْوَال فَإِن كَانَ فِي مرمة نفس أَو إصْلَاح معاش فَهُوَ لله وَإِن كَانَ فِي أَمر الْآخِرَة فَهُوَ لله تَعَالَى فأعمارهم غير معطلة كلهَا عبَادَة لمليكهم عبدُوا الله بنومهم كَمَا عبدوه بسهرهم وبأكلهم كَمَا عبدوه بجوعهم وعبدوه بتناول الدُّنْيَا وَأَخذهَا كَمَا عبدوه بِتَرْكِهَا إِنَّمَا نظرهم إِلَى تَدْبيره لَهُم فعلى أَي حَال سَار بهم إِلَيْهِ سَارُوا طيبَة بذلك نُفُوسهم حَسَنَة أَخْلَاقهم فَإِنَّهُم نظرُوا إِلَى الْمُقْتَصِدِينَ الَّذين لم يرْضوا أنفسهم وَلَا فطموها عَن الشَّهَوَات إِلَّا أَن خوف الْوَعيد حَال بَين نُفُوسهم وَبَين الْمعاصِي فحجرهم عَن أَعمال أهل الهلكى وَحَملهمْ على أَعمال أهل النوال لما أطمعوا من الثَّوَاب كَفعل الدَّوَابّ تتلكأ وتبطئ فِي السّير حَتَّى إِذا أحست بالدنو من الْمنزل اسْتَقَلت الحمولة وجدت للسير تحننا إِلَى الاوازي أَو أحست بِالسَّوْطِ من راكبها فتهتاج فِي السّير مجدا فَهَؤُلَاءِ قد اسْتَحْيوا من أَن يكون شَبِيها بهم وَأَن تكون عِبَادَتهم طَمَعا فِي الثَّوَاب أَو رهبة من الْعقَاب فَإِن هَؤُلَاءِ انقادوا لله تَعَالَى من أجل نُفُوسهم وَلَيْسَ هَذَا بخالص العبودة إِنَّمَا خَالص

стр. 739

العبودة لقوم هامت قُلُوبهم فِي حب الله تَعَالَى وهامت فِي جَلَاله وعظمته فانبعثوا لأعمال الْبر شفوفا بهم لعلمهم أَنه يحب ذَلِك وامتنعوا عَن الآثام هَيْبَة لَهُ وإجلالا لمعرفتهم أَنه مساخطه ومكروهه فهذان الصنفان هم أهل لَا إِلَه إِلَّا الله إِلَّا أَن أَحدهمَا أَعلَى من الآخر وَمن لم يكن فِيهِ ذَلِك فَهُوَ من أهل قَول لَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ ﵇ (لَيْسَ على أهل لَا إِلَه إِلَّا الله وَحْشَة فِي الْقُبُور وَلَا فِي النشور كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِم وهم يَنْفضونَ التُّرَاب عَن رؤوسهم وهم يَقُولُونَ الْحَمد لله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن) وَالنَّاس فِي الْحزن على دَرَجَات وكل يحمد الله على إذهاب حزنه فالمتقون حزنهمْ قطع النَّار وفوت الْجنَّة ومجاهدة النَّفس أَيَّام الْحَيَاة وَالصِّدِّيقُونَ حزنهمْ تَقْصِير شكر مَا لَزِمَهُم من الْعِصْمَة والتوفيق بِأَن وفقهم للطاعات وعصمهم من الآثام فوجدوا أنفسهم مقصرين فِي شكره ينتظرون الْعَفو والعارفون على صنفين وحزنهم على وَجْهَيْن فصنف مِنْهُم حزنهمْ حزن الْعَاقِبَة وَهُوَ الْغَالِب على قلبه فَإِنَّهُ اشتاق إِلَى الله تَعَالَى فرقي بِهِ إِلَى دَرَجَة الْجلَال وَالْجمال فسكن شوقه لطعم لَذَّة مَا نَالَ من الْقرْبَة فَمر فِي العبودة بِقُوَّة حَظه من الْجلَال وَعظم عمله لغد بِقُوَّة حَظه من الْجمال فَهُوَ مطمئن سَاكن وَلِهَذَا قيل لوَاحِد مِنْهُم أما تشتاق فَقَالَ إِنَّمَا يشتاق الْغَائِب فاستعظموا هَذَا وصيروه غَايَة الْأَمر وَلَا يعلمُونَ أَن وَرَاء هَذَا دَرَجَة فِيهَا تنافس الْأَنْبِيَاء والأولياء ﵈ المجذوبين الْمُحدثين وَهُوَ حزن القلق فَإِنَّهُ يقلقل أحشاءهم إِلَى آخر رَمق من الْحَيَاة حَتَّى تخرج أَرْوَاحهم بغصة من الكمد لأَنهم خلصوا إِلَى فردانيته وتعلقوا بوحدانيته

стр. 740

فظمئت أكبادهم عطشا إِلَى لِقَائِه وَهَذَا هُوَ الَّذِي أقلق مُوسَى ﵇ حَتَّى حمله على سُؤال الرُّؤْيَة ثمَّ عَاشَ أَيَّام الدُّنْيَا عطشان إِلَى لِقَائِه فمحال أَن يسْتَقرّ الْعَارِف حَتَّى ينْكَشف لَهُ الغطاء يَوْم الزِّيَادَة ويصل إِلَى مَا سَأَلَ كليم الله ﵇ لِأَنَّهُ كلما ازْدَادَ العَبْد إِلَيْهِ قربا زَاده مَوْلَاهُ دنوا فازداد هيمانا وولها حَتَّى يقلق ويكمد ويحترق من نيران الشوق

стр. 741

- الأَصْل الرَّابِع عشر والمائتان - فِي أَن الْأَمْثَال من مَعْدن الْحِكْمَة وَأَن الْمَرْأَة لم مثلت بِالسَّيْفِ المصقول عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مر لُقْمَان ﵇ على جَارِيَة فِي الْكتاب فَقَالَ لمن يصقل هَذَا السَّيْف هَذِه كلمة تَمْثِيل من مَعْدن الْحِكْمَة وَعَامة الْحِكْمَة فِي الْأَمْثَال لِأَن الْأَمْثَال أنموذج الْآخِرَة والملكوت وبالخلق حَاجَة إِلَى مُعَاينَة الْأَجَل وَإِنَّمَا يعاينوه بالعاجل وَلِهَذَا مَا ضرب الله تَعَالَى الْأَمْثَال فِي تَنْزِيله الْكَرِيم وَعجل لأهل الدُّنْيَا من نعيم الْجنان أنموذجا من الْأَنْوَار وَالطّيب وَالذَّهَب وَالْفِضَّة واللؤلؤ والزبرجد وَسَائِر الْجَوَاهِر لأَنهم لَو لم يرَوا ذَلِك فِي الدُّنْيَا لم يفهموا مِنْهُ تِلْكَ الصّفة فوصف لَهُم ثَلَاث دَرَجَات دَرَجَة فضَّة ودرجة ذهب ودرجة نور وَأمْسك عَن وصف سَائِر الدَّرَجَات إِذْ لَيْسَ عِنْدهم أنموذجاتها فيفهمون بهَا عَنهُ مَا يصفه فَقَالَ ﴿لَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين﴾

стр. 742

وَالسيف أمره وجي لَا يكَاد يلبث بِصَاحِبِهِ فَكَذَلِك الْمَرْأَة شهوتها من بَين الشَّهَوَات كالسيف من بَين الأسلحة رُوِيَ أَن إِبْلِيس لما خلقت الْمَرْأَة قَالَ أَنْت نصف جندي وَأَنت مَوضِع سري وَأَنت سهمي الَّذِي أرمي بك فَلَا أخطئ وَذكر الله تَعَالَى فِي تَنْزِيله الْكَرِيم حب الشَّهَوَات فَبَدَأَ بِذكر النِّسَاء فَقَالَ عز من قَائِل ﴿زين للنَّاس حب الشَّهَوَات من النِّسَاء والبنين﴾ ليعلم أَنَّهَا أقوى الشَّهَوَات وَقَالَ ﴿وَخلق الْإِنْسَان ضَعِيفا﴾ أَي فِي شَأْن النِّسَاء وَقَالَ تَعَالَى ﴿لتسكنوا إِلَيْهَا﴾ وَلَا يكون السكن إِلَّا من الِاضْطِرَاب والجولان وَذكر الله تَعَالَى فِي تَنْزِيله الْكَرِيم شَأْن ثَلَاثَة من أنبيائه وأعلام أرضه ابتلوا بِهن يُوسُف وَدَاوُد وَمُحَمّد ﵈ فَأَما يُوسُف فابتلي بِامْرَأَة الْعَزِيز فَلَمَّا تزينت لَهُ وراودته ﴿قَالَ معَاذ الله إِنَّه رَبِّي أحسن مثواي﴾ فَلم تزل فِي مراودته ومخادعته حَتَّى خلت بِهِ فِي بَيتهَا وغلقت الْأَبْوَاب فَقَالَت لَهُ يَا يُوسُف مَا أحسن صُورَة وَجهك قَالَ فِي الرَّحِم صورني قَالَت مَا أحسن شعرك قَالَ هُوَ أول شَيْء يبْلى مني فِي قَبْرِي

стр. 743

قَالَت مَا أحسن عَيْنَيْك قَالَ بهما أنظر إِلَى رَبِّي قَالَت ارْفَعْ بَصرك فَانْظُر فِي وَجْهي قَالَ أَخَاف الْعَمى فِي آخرتي قَالَت أدنو مِنْك وتتباعد عني قَالَ أُرِيد الاقتراب من رَبِّي قَالَت فَادْخُلْ القيطون معي قَالَ القيطون لَا يسترني من رَبِّي قَالَت فرَاش الْحَرِير قد فرشته قُم فَاقْض حَاجَتي قَالَ إِذن يذهب من الْجنَّة نَصِيبي قَالَت إِنَّك لجريء على سخطي قَالَ أُرِيد بِذَاكَ مرضاة رَبِّي قَالَت أَنْت عَبدِي اشتريتك بِمَالي فتعظم عَليّ قَالَ بجرمي وخطيئتي اشتريتني قَالَت ضع يدك على صَدْرِي قَالَ إِنَّه لَا صَبر لي على احتراق جَسَدِي إِذا زرعت فِي أَرض غَيْرِي قَالَت يَا يُوسُف الجنينة قد عطشت قُم فاسقها قَالَ الَّذِي بِيَدِهِ مفاتيحها أَحَق بسقيها قَالَت أَعتَقتك من الرّقّ وجعلتك بِمَنْزِلَة زَوجي فَبِأَي حول امْتنعت مني قَالَ بحول رَبِّي الَّذِي فِي السَّمَاء معمره وَمَكَان سَيِّدي الَّذِي فِي الأَرْض سُلْطَانه أخافه على نَفسِي قَالَت إِنِّي مسلمتك إِلَى الْمُعَذَّبين قَالَ ذَاك فعل إخوتي قَالَت النَّار قد التهبت قُم فاطفئها

стр. 744

قَالَ أَخَاف أَن يحرقني بهَا رَبِّي فَلم تزل تخدعه وتراوده حَتَّى هم بهَا فَلَمَّا حل سراويله ورد يَده إِلَى جيب قَمِيصه ليخلعه وَيدخل مَعهَا فِي فراشها ناداه مُنَاد من السَّمَاء ثَلَاث مَرَّات مهلا يَا يُوسُف فَإنَّك إِن واقعت الْخَطِيئَة مُحي اسْمك من ديوَان النُّبُوَّة فَلم يكترث لذَلِك الصَّوْت وغلبه مَا حدث فِيهِ من الشَّهْوَة فَمثل الله تَعَالَى لَهُ أَبَاهُ فِي مثل صورته الَّتِي عَهده فِيهَا فَنظر إِلَيْهِ غَضْبَان عاضا على أنملته المسبحة يوعده فَلَمَّا رأى ذَلِك يُوسُف ﵇ كف وهرب موليا نَحْو الْبَاب واتبعته سيدته فتداركا عِنْد الْبَاب ينازعها ليخرج وتجره من خَلفه ليرْجع فانقد قَمِيصه من دبر وألفيا سَيِّدهَا لَدَى الْبَاب ﴿قَالَت مَا جَزَاء من أَرَادَ بأهلك سوءا إِلَّا أَن يسجن أَو عَذَاب أَلِيم﴾ فَلَمَّا رأى ذَلِك يُوسُف ﵇ أفشاها فَقَالَ ﴿هِيَ راودتني عَن نَفسِي﴾ حَتَّى آل الْأَمر إِلَى أَن شاع أمرهَا فِي النِّسَاء وقبح عَلَيْهَا الْأَمر فَجمعت النِّسَاء وَجعلت عيدا واستعانت بِهن عَلَيْهِ وأوعدته وهددته إِن لم يفعل ذَلِك ليسجنن أَو عَذَاب أَلِيم وليكونن من الصاغرين ﴿قَالَ رب السجْن أحب إِلَيّ مِمَّا يدعونني إِلَيْهِ﴾ فَاسْتَجَاب لَهُ ربه فصرف عَنهُ كيدهن فَلبث فِي السجْن بضع سِنِين أَي عشر سِنِين فَلَمَّا انْتَهَت مُدَّة عُقُوبَة الْهم وَجَاء أَوَان الْخُرُوج مِنْهُ قَالَ لذَلِك الَّذِي كَانَ حَبسه الْملك

стр. 745

ثمَّ أخرجه ﴿اذْكُرْنِي عِنْد رَبك﴾ ﴿فأنساه الشَّيْطَان ذكر ربه فَلبث فِي السجْن بضع سِنِين﴾ أَي ثَلَاث سِنِين فَلَمَّا انْتَهَت مُدَّة عُقُوبَة قَوْله ﴿اذْكُرْنِي عِنْد رَبك﴾ جَاءَ جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ لَهُ إِن الله تَعَالَى يَقُول لَك أَتُحِبُّ أَن يكلك الله فِي شَيْء من أَمرك إِلَى فِرْعَوْن عِنْده قَالَ يُوسُف ﵇ أعوذ من ذَلِك برأفة رَبِّي وَرَحمته فَخرج من السجْن وآتاه الله تَعَالَى ملك مصر وخوله خَزَائِن أرْضهَا حَتَّى جمع بَينه وَبَين يَعْقُوب ﵉ وَجمع شَمله فِي إخْوَته وَأهل بَيته وانتقلوا إِلَى مصر وَرُوِيَ أَن امْرَأَة الْعَزِيز أصابتها حَاجَة فَقَالُوا لَهَا لَو أتيت يُوسُف فَسَأَلته فاستشارت النَّاس فِي ذَلِك فَقَالُوا لَهَا لَا تفعلي ذَلِك فَإنَّا نَخَاف عَلَيْك قَالَت كلا إِنِّي لَا أَخَاف مِمَّن يخَاف الله تَعَالَى فَدخلت عَلَيْهِ فرأته فِي ملكه فَقَالَت الْحَمد لله الَّذِي جعل العبيد ملوكا بِطَاعَتِهِ وَجعل الْمُلُوك عبيدا بمعصيته فَقضى لَهَا جَمِيع حوائجها ثمَّ تزَوجهَا فَوَجَدَهَا بكرا فَقَالَ لَهَا أَلَيْسَ هَذَا أجمل مِمَّا أردْت فَقَالَت يَا نَبِي الله إِنِّي ابْتليت فِيك بِأَرْبَع كنت أجمل النَّاس كلهم وَكنت أَنا أجمل أهل زماني وَكنت بكرا وَكَانَ زَوجي عنينا وَأما دَاوُد ﵇ فَإِنَّهُ قعد فِي الْمِحْرَاب وَالزَّبُور فِي حجره يقرأه إِذا طَائِر بَين يَدَيْهِ عَلَيْهِ من الألوان أَكْثَرهَا وَسليمَان ﵇ صَغِير يلْعَب عِنْده فَلَمَّا أَهْوى ليأخذه طَار من الكوة وَقيل إِنَّه كَانَ إِبْلِيس فَظهر لَهُ فِي هَيْئَة طَائِر ليفتنه فَأخْرج دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام

стр. 746

رَأسه فَوَقع بَصَره على امْرَأَة حسناء تَغْتَسِل على رَأس بركَة فِي بستانها تَحت محراب دَاوُد ﵇ فرأت ظله فِي الْبركَة وَأَنه قد اطلع عَلَيْهَا إِنْسَان فحركت شعرهَا فجللت جَمِيع جَسدهَا بشعرها فَرجع دَاوُد ﵇ من الكوة بجسده وَبَقِي الْقلب هُنَاكَ فَخرج من الْمِحْرَاب وَقصد بَيت الْمَرْأَة لينقلها إِلَى نِسَائِهِ لتَكون لنَفسِهِ فِي ذَلِك شِفَاء مِمَّا حدث حَتَّى يقدم زَوجهَا أَو ينْتَظر مَا يكون فَوقف على مدرجته ملكان يَقُول أَحدهمَا لصَاحبه لقد أكْرم الله إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب عَن مثل هَذَا الممشى فَلم ينْتَفع بِمَا سمع حَتَّى صَار من أمره إِلَى أَن كتب لصَاحب الْبَعْث أَن يقدم زَوجهَا إِلَى التابوت وَكَانَ من قدم لذَلِك لَا يرجع حَتَّى تفتح الْمَدِينَة أَو يقتل فَقدم زَوجهَا فِي نفر إِلَى التابوت فَقَاتلُوا حَتَّى قتلوا واعتدت الْمَرْأَة فَخَطَبَهَا وَتَزَوجهَا واشتغل عَنْهَا بِالتَّوْبَةِ وَأَقْبل على الْعِبَادَة متداركا لما سلف مِنْهُ حَتَّى شغل عَن أُمُور بني إِسْرَائِيل وَجعل يَأْكُل قويهم ضعيفهم فَلَا يجد الضَّعِيف غياثا وَيُقِيم شهرا بِبَابِهِ فَلَا يصل إِلَيْهِ لشغله بِمَا أحدث من الْأَمر حَتَّى طمع فِيهِ سُفَهَاء بني إِسْرَائِيل وائتمروا فِي خلعه فَانْطَلقُوا إِلَى إِبْنِ لَهُ أكبرهم سنا وأعزهم عَلَيْهِ وَهُوَ يكرههُ فخدعوه ومنوه الْملك وَقَالُوا أَنْت أكبر ولد أَبِيك وَقد كبر أَبوك وشغل وَعجز عَن السياسة وضاعت حُقُوق النَّاس وأحكامهم وَأَنت أَحَق من يدارك ذَلِك وَلَا نرَاهُ يكره ذَلِك فَإِن هُوَ عاتبك فِي ذَلِك أخْبرته أَنَّك إِنَّمَا فعلت ذَلِك نظرا لَهُ وشفقة عَلَيْهِ حِين خشيت

стр. 747

الْأُمَم وضياع النَّاس وخشيت على ملكه الْأَعْدَاء فَلم يزَالُوا يخدعونه حَتَّى بايعهم فَلم يشْعر دَاوُد ﵇ حَتَّى خلع وَأصْبح ابْنه يُبَايع النَّاس وَيَدْعُو إِلَى نَفسه فَلَمَّا بلغ ذَلِك دَاوُد ﵇ عرف أَنه عُقُوبَة لذنبه فخاف الْفِتْنَة وَالْبَلَاء فهرب بِنَفسِهِ وَمَعَهُ أَمِير جنده وَصَاحب مشورته حَتَّى إِذا كَانَ بِبَعْض الطَّرِيق وَهُوَ يُرِيد جبلا يتحصن فِيهِ لقِيه رجل من بني إِسْرَائِيل قد غلب الْقُضَاة والحكام قبل دَاوُد فَلَمَّا ولي دَاوُد ﵇ أنصف مِنْهُ الضَّعِيف وَأقَام عَلَيْهِ الْحُدُود فَلَمَّا نظر الرجل دَاوُد فِي مذلة الْبلَاء قَالَ الْحَمد لله الَّذِي نزع ملكك وأهانك وأذلك وأفردك إِلَى نَفسك وَفرق عَنْك جموعك فسل ابْن أُخْت دَاوُد الَّذِي هُوَ أَمِير جُنُوده سَيْفه ليضربه فَقَالَ لَهُ دَاوُد ﵇ مهلا فَإِن هَذَا لَيْسَ هُوَ الَّذِي يسبني على لِسَانه وَلَكِن الله هُوَ الَّذِي يسبني على لساني بذنبي وخطيئتي وَمَتى كَانَ يطْمع هَذَا أَو يرومني حَتَّى يَأْذَن الله لَهُ فِي فَلم يظلمني رَبِّي وَأَنا الَّذِي ظلمت نَفسِي فَلَمَّا انْطَلقُوا هاربين كمنوا فِي تِلْكَ الْجبَال لَا يأمنون الْقَتْل وَكَانَ لداود ﵇ صَاحب شُورَى يُقَال لَهُ نوفيل فَغَضب عَلَيْهِ وعزله واستبدل بِهِ فَقَالَ ابْن دَاوُد ﵇ لنوفيل كَيفَ الرَّأْي فِي أمره قَالَ أَن تطَأ فرَاشه حَتَّى يستيقن النَّاس أَنه لَيست لداود بَقِيَّة عنْدك قَالَ كَيفَ الرَّأْي فِي قِتَاله قَالَ إِن كنت تُرِيدُ من يَوْم من الْأَيَّام فعجله الْيَوْم مَا دَامَ مخذولا مسخوطا عَلَيْهِ وَإِن أخرت أمره حَتَّى يَتُوب الله عَلَيْهِ وَيغْفر لَهُ لم تطقه فَهُوَ الَّذِي قتل جالوت وبز طالوت ملكه وأذل رِقَاب الْمُلُوك ثمَّ اسْتَشَارَ ابْن دَاوُد آخر فَقَالَ لَهُ سَمِعت بِابْن نَبِي قتل أَبَاهُ

стр. 748

أم هَل سَمِعت بِنَبِي أذْنب فَلم تقبل تَوْبَته أم مَاذَا تَقول لِرَبِّك يَوْم الْقِيَامَة وَقد قتلت نبيه وأباك ووطئت فرَاشه وَمَا وَجه من قتل أَبَا نَبيا ونكح أمه مَا أعلم يقبل مِمَّن فعل هَذَا صرف وَلَا عدل فَإِن كَانَ لَا محَالة أَنْت ضَابِط هَذَا الْملك وَبِمَا أَجمعت عَلَيْهِ من عقوق أَبِيك وخلعه فَلَا تطلبه وَلَا تقتله فَإِن كَانَ الله تَعَالَى قد أذن بفنائه فَمَا أَكثر معاريض الْبلَاء الَّتِي تكفيك ذَلِك مِنْهُ وَإِن كَانَت لَهُ مُدَّة وحياة يستكملها ألفيتك لم تأثم بِرَبِّك وَلم تفرط بوالدك فَقَالَ الرَّأْي رَأْيك وَمَا أسمعك عرضت بغش وَلَا ادخرت نصيحة وَأَنا متابعك على مَا فِي قَلْبك وكاف عَن دَاوُد مَا كف عني فَإِن قاتلني حميت نَفسِي مَخَافَة أَن يظفر فَيَقْتُلنِي فَقَالَ لَهُ الرجل إِن دَاوُد لن يقاتلك حَتَّى يقبل الله تَوْبَته وَيَأْذَن لَهُ لِقِتَالِك وَإِن ظفر بك أحياك وأمنك فَإِنَّهُ أعظم حلما وأوسع عفوا من أَن يقتل وَلَده ولبث دَاوُد ﵇ من يَوْم خرج إِلَى أَن رَجَعَ إِلَى ملكه سنتَيْن وَانْقطع الْوَحْي فَلَمَّا رد الله تَعَالَى إِلَيْهِ ملكه سرح ابْن أُخْته وَهُوَ أَمِير جنده فَأمره أَن يدْخل الْمَدِينَة ثمَّ يَدْعُو إِلَى دَاوُد ﵇ ويخبر بني إِسْرَائِيل أَن الله تَعَالَى قد قبل تَوْبَته ورد إِلَيْهِ ملكه فَاتَّبعُوهُ إِلَّا قَلِيل مِنْهُم انحازوا إِلَى ابْنه وكرهوا أَن ينْظرُوا إِلَى وَجه دَاوُد ﵇ بعد الَّذِي كَانَ مِنْهُم فَاسْتَقْبلُوا فَقَاتلُوا قتالا شَدِيدا حَتَّى قتلوا وكف ابْن دَاوُد ﵇ فَلم يُقَاتل حَتَّى قتل أَصْحَابه ثمَّ إِنَّه هرب حَيَاء من أَبِيه وَأَن لَا يرى أَبوهُ وَجهه فَتَبِعَهُ ابْن أُخْت دَاوُد وعهد إِلَيْهِ دَاوُد ﵇ وحذره أَن يقْتله وَقَالَ لَهُ إياك أَن تقتله فَإِنِّي قَاتلك بِهِ إِذا خَالَفت أَمْرِي فَإِنَّهُ أعز وَلَدي عَليّ ابتلاني الله تَعَالَى بِهِ ليذلني وينقمني بذنبي ويهينني بخطيئتي وَينْزع ملكي ثمَّ تداركني عَفوه وَرَحمته فَعَفَا عني وَقبل مني وَقبل

стр. 749

تَوْبَتِي فَيَنْبَغِي لي أَن أعفو كَمَا عَفا وَأَرْجُو لَهُ من التَّوْبَة مَا رَجَوْت لنَفْسي فَلَيْسَ هُوَ بأعظم جرما مني فالحذر على دَمه فَلحقه فَوَجَدَهُ قد علقته شَجَرَة دخل عود مِنْهَا برنسه فاقتلعه من السرج وزلت الدَّابَّة من تَحْتَهُ حَتَّى اقتلعه الْعود فَبَقيَ مُعَلّقا وَذَهَبت الدَّابَّة فطعنه ابْن أُخْت دَاوُد بِالرُّمْحِ حَتَّى اعتدل فِيهِ وَترك وَصِيَّة دَاوُد ﵇ ثمَّ انْصَرف وَتَركه حَتَّى مَاتَ مُعَلّقا فَغَضب دَاوُد ﵇ وَقَالَ إِنِّي قَاتلك عَاجلا أَو آجلا فوطن نَفسك على ذَلِك واستبقاه دَاوُد ﵇ لِأَنَّهُ كَانَ رجلا منصورا بعيد الصَّوْت والنكاية فِي الْعَدو فكره أَن يعجل قَتله فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة أوصى سُلَيْمَان ﵇ بقتْله فَقتله سَاعَة رفع يَده من قَبره فَلَمَّا تيب عَلَيْهِ التَّوْبَة الظَّاهِرَة ورد الله تَعَالَى إِلَيْهِ ملكه وَاطْمَأَنَّ نزل عَلَيْهِ الْملكَانِ فتسورا الْمِحْرَاب على مَا قصّ الله تَعَالَى وانكشف عَنهُ الغطاء عَن فعله فبرز صَارِخًا متململا وَسجد سَجْدَة العويل وَالنوح دَامَ فِي ذَلِك أَرْبَعِينَ صباحا حَتَّى نبت العشب حول رَأسه من دموع عَيْنَيْهِ فَأَتَاهُ جبرئيل ﵇ فَقَالَ يَا دَاوُد ارْفَعْ رَأسك فقد غفر لَك فَقَالَ يَا جبرئيل كَيفَ بِالرجلِ قَالَ إِن الله تَعَالَى قد أعاضه الْجنَّة وَقد غفر لَك فارفع رَأسك وَأما مُحَمَّد ﷺ فَإِنَّهُ وافى بَاب زيد بن حَارِثَة وَوَقع بَصَره على امْرَأَته زَيْنَب بنت جحش ﵂ وَهِي فِي خمار أسود وَكَانَت وسيمة وَذَات هَيْئَة وَهِي واقفة فِي صحن الدَّار فَوَقَعت فِي نَفسه فَقَالَ بكفيه على عَيْنَيْهِ وَتَوَلَّى وَقَالَ سُبْحَانَ مُقَلِّب الْقُلُوب والأبصار فَرجع إِلَى منزله فَلَمَّا آوى زيد إِلَى فرَاشه عجز عَنْهَا وحيل بَينه وَبَين إتيانها فَلَمَّا رأى ذَلِك أحس بِأَمْر حَادث من الله فجَاء إِلَى رَسُول الله ﷺ ليُطَلِّقهَا فاعتل بعلل تطييبا لقلب رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ (اتَّقِ الله يَا زيد وَأمْسك عَلَيْك زَوجك) فَلم يزل زيد

стр. 750

عَن عزمه الَّذِي عزم الله على قلبه فَكَمَا قلب قلب مُحَمَّد ﷺ فهويها كَذَلِك قلب قلب زيد حَتَّى طَلقهَا وَانْقَضَت عدتهَا فَنزل الْقُرْآن الْكَرِيم بتزويجها مِنْهُ على لِسَان جبرئيل فَلَمَّا نزل قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا قضى زيد مِنْهَا وطرا زَوَّجْنَاكهَا﴾ قَامَ ﵇ فَدخل عَلَيْهَا بِغَيْر إِذن وَهِي لَا تعلم شَيْئا فَقعدَ عِنْدهَا فَأَما يُوسُف ﵇ حِين الْبلَاء قَالَ معَاذ الله إِنَّه رَبِّي أحسن مثواي اعْتصمَ بِاللَّه تَعَالَى وَأخذ الْعدة من التَّعَوُّذ بِهِ وَذكر إِحْسَان من ملكه وكفران نعْمَته أَن يخون فِي أَهله وَأما دَاوُد ﵇ حِين شخص لَهُ الْبلَاء اعْتصمَ بالحيل وَنقل تِلْكَ الْمَرْأَة إِلَى نِسَائِهِ لتطمئن النَّفس وَأما مُحَمَّد ﷺ فزع إِلَى الله تَعَالَى فَردا حِين شخص لَهُ الْبلَاء واعتصم بفردانيته فَقَالَ سُبْحَانَ مُقَلِّب الْقُلُوب فَذكر نزاهته ومشيئته فَتعلق بهَا وتضرع إِلَيْهِ أَن لَا يقلبها إِلَى مَا لَا يَلِيق بِهِ وَلَا يحسن عِنْده فَكَانَ عُقبى نطق يُوسُف ﵇ أَن تَركه حَتَّى هم بهَا وَكَاد الْأَمر أَن يكون ثمَّ تَدَارُكه برحمته الَّتِي بهَا نَالَ الاستخلاص وَصرف عَنهُ بالبرهان وَهُوَ جبرئيل فِي صُورَة يَعْقُوب ﵇ وَهُوَ سَبَب من الْأَسْبَاب وَكَانَ عُقبى تعلق دَاوُد ﵇ أَن تَركه حَتَّى هم بِمَا هم من شَأْن أوريا حَتَّى مضى الْأَمر إِلَى آخِره ثمَّ نبهه بالملكين وعاتبه وملأ الْمشرق وَالْمغْرب جزعا على مأتمه للمصيبة الَّتِي حلت بِهِ وللحرقات الَّتِي هَاجَتْ مِنْهُ وَصَارَت إنابته وتوبته حَدِيثا فِي الْعَالمين ليَكُون مدَدا للنواحين أَيَّام الدُّنْيَا وَكَانَ عُقبى تعلق مُحَمَّد ﷺ أَن ولي خلاصه من ذَلِك بِنَفسِهِ فَردا وَمنع زيدا من إتيانها وَأخذ بِقَلْبِه عَنْهَا حَتَّى طَلقهَا ثمَّ ولي تَزْوِيجهَا

стр. 751

مِنْهُ فَردا وَأَنْبَأَهُ من طَرِيق الْوَحْي أَن قد زَوَّجْنَاكهَا وَأخرج ذَلِك من تَدْبِير أهل الدُّنْيَا حَيْثُ تزوجوا بولِي ورضاء وشاهدان وَمهر فَهَذِهِ مرتبَة رفيعة لمُحَمد ﷺ حِين أخرج تَزْوِيجه زَيْنَب من تَدْبيره لعامة من خلقه فزوج أمته من عَبده وَولي ذَلِك بكرمه وَرَحمته وَأشْهد الْوَحْي على ذَلِك وَجعل مرتبته صَدَاقا لَهَا مِنْهُ وَأعلم الْأمة مَحل هَذِه الْقُلُوب الثَّلَاثَة أَيْن كَانَت مِنْهُ وبروز قلب مُحَمَّد ﷺ على سَائِر الْقُلُوب

стр. 752

- الأَصْل الْخَامِس عشر والمائتان - فِي أَن أَبَا مُوسَى أُوتِيَ مِزْمَارًا من مَزَامِير آل دَاوُد ﵇ عَن أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (لقد أُوتِيَ أَبُو مُوسَى مِزْمَارًا من مَزَامِير آل دَاوُد) فَبلغ ذَلِك أَبَا مُوسَى فَقَالَ يَا رَسُول الله لَو علمت أَنَّك تسمع لقراءتي لحبرته لَك تحبيرا الرَّمْز وَالزمر بِمَعْنى وَاحِد إِلَّا أَن الرَّمْز بالشفتين وَالزمر بالحنجرة وَالرَّمْز بتحريك الشفتين فَإِذا كَانَ بِصَوْت فَهُوَ كَلَام لِأَنَّهُ يدْخل السّمع فيكلم الْقلب أَي يُؤثر فيصور مَعَاني ذَلِك الصَّوْت

стр. 753

الَّذِي نطق بِهِ فِي الصَّدْر وَإِذا كَانَ بِغَيْر صَوت فَهُوَ رمز لِأَنَّهُ إِشَارَة إِلَى حُرُوف شَفَتَيْه فَيقوم مقَام الصَّوْت فيفهم مِنْهُ وَأما الرَّمْز فَإِذا خرج الصَّوْت من جو الصَّدْر إِلَى جو الرَّأْس حرك الحنجرة المركبة بَعْضهَا على بعض حَتَّى يرد الصَّوْت ويرجعه فَإِذا تردد صَارَت لَهُ صداء وَبِذَلِك الصداء يَتلون الصَّوْت فَيصير ألوانا فتلذذ بِهِ لِأَن بَين اللونين تدبيرا من تَدْبِير الله تَعَالَى ولطفا من لطفه ففصل بَين اللونين حَتَّى إِذا سَمِعت الأول ورد الثَّانِي ثمَّ عَاد الأول فورد على السّمع طريا ثمَّ عَاد الثَّانِي فورد طريا فَتلك الطراوة على السماع وجود اللَّذَّة وَلِهَذَا إِذا دَامَ اللَّوْن سمج وفقدت لذته فَأخْبر ﵇ أَن هَذِه الْأَصْوَات الزَّائِدَة على أصوات الْعَامَّة من عَطاء رَبنَا وفضله وَإِنَّمَا يُؤْتِي من يَشَاء من رَحمته فَلَمَّا بلغ ذَلِك أَبَا مُوسَى ﵁ عظمت منَّة الله تَعَالَى عَلَيْهِ أَن ركب فِي جِسْمه وخلقته شَيْئا لَهُ موقع عِنْد رَسُول الله ﷺ من عطايا ربه فَقَالَ لَو علمت أَنَّك تسمع لقراءتي لحبرته تحبيرا والتحبير تلوين الصَّوْت وَمِنْه برد حبرَة إِذا كَانَ ذَا ألوان وَقَالَ تَعَالَى ﴿فِي رَوْضَة يحبرون﴾ وَخص أهل الْيَقِين بِهَذَا لِأَن النُّور يفتح سدد تِلْكَ الطّرق الَّتِي هِيَ مخارج الصَّوْت فيصفو قَالَ ﵇ (لم يبْعَث نَبِي إِلَّا حسن الصَّوْت حسن الصُّورَة) وَأَبُو مُوسَى ﵁ كَانَ من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى المشتعلة

стр. 754

قُلُوبهم بنوره سَلام الله عَلَيْهِم وَالَّذين لَا تملكهم نُفُوسهم بل أوفرهم حظا فَلم يكن تَأْخُذهُ محمدة الْخلق فتملكه فَلذَلِك أمكنه أَن يَقُول لَو علمت أَنَّك تستمع لقراءتي لحبرته تحبيرا يَبْتَغِي بذلك سرُور رَسُول الله ﷺ قَالَ ﵇ (المخلص من لَا يحب أَن يحمده النَّاس فِي شَيْء من عمله) وأحق من ينْفق عَلَيْهِ صَوته الْمَمْنُون عَلَيْهِ بذلك هُوَ الرَّسُول ﵇ لِأَن الصَّوْت الْحسن حلية الْقُرْآن قَالَ ﵇ لكل شَيْء حلية وزينة وَحلية الْقُرْآن الصَّوْت الْحسن وَالدَّلِيل أَن أَبَا مُوسَى ﵁ كَانَ من الْأَوْلِيَاء أَنه نزل قَوْله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا من يرْتَد مِنْكُم عَن دينه فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قَالَ ﵇ (نعم قوم هَذَا) وَأَشَارَ إِلَى أبي مُوسَى ﵁ فَمَا لَبِثُوا إِلَّا يَسِيرا حَتَّى قدمت سفائن الْأَشْعَرِيين وقبائل الْيَمين من طَرِيق الْبَحْر وَكَانَ لَهُم بلَاء فِي الْإِسْلَام فِي زمن

стр. 755

رَسُول الله ﷺ وَكَانَت عَامَّة فتوح الْعرَاق على يَدي قبائل الْيمن فِي زمن عمر ﵁ وَعَن زيد بن أسلم ﵁ أَن الْأَشْعَرِيين أَبَا مُوسَى وَأَبا مَالك وَأَبا عَامر فِي نفر مِنْهُم لما هَاجرُوا قدمُوا على رَسُول الله ﷺ فِي فلك وَقد أرملوا من الزَّاد فأرسلوا رجلا مِنْهُم إِلَى رَسُول الله ﷺ يسْأَله فَلَمَّا انْتهى إِلَى بَاب رَسُول الله ﷺ سَمعه يقْرَأ هَذِه الْآيَة ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها﴾ فَقَالَ الرجل مَا الأشعريون بِأَهْوَن الدَّوَابّ على الله فَرجع وَلم يدْخل على رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لأَصْحَابه (أَبْشِرُوا أَتَاكُم الْغَوْث) وَلَا يظنون إِلَّا أَنه قد كلم رَسُول الله ﷺ فوعده فَبينا هم كَذَلِك إِذْ أَتَاهُم رجلَانِ يحْملَانِ قَصْعَة بَينهمَا مملوءا خبْزًا وَلَحْمًا فَأَكَلُوا مِنْهَا مَا شَاءُوا ثمَّ قَالَ بَعضهم لبَعض لَو أَنا رددنا هَذَا الطَّعَام إِلَى رَسُول الله ﷺ ليقضي بِهِ حَاجته فَقَالُوا للرجلين اذْهَبَا بِهَذَا الطَّعَام إِلَى رَسُول الله ﷺ وَإِنَّا قد قضينا مِنْهُ حاجتنا ثمَّ إِنَّهُم أَتَوا رَسُول الله ﷺ فَقَالُوا يَا رَسُول الله فَمَا رَأينَا طَعَاما أَكثر وَلَا أطيب من طَعَام أرْسلت بِهِ فَقَالَ يَا رَسُول الله فَمَا رَأينَا طَعَاما أَكثر وَلَا أطيب من طَعَام أرْسلت بِهِ فَقَالَ (مَا أرْسلت إِلَيْكُم شَيْئا) فأخبروه أَنهم أرْسلُوا صَاحبهمْ فَسَأَلَهُ رَسُول الله ﷺ فَأخْبرهُ مَا صنع وَمَا قَالَ لَهُم فَقَالَ ﷺ ذَلِك شَيْء رزقكموه الله سُبْحَانَهُ وَعَن أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (يقدم عَلَيْكُم قوم هم أرق أَفْئِدَة مِنْكُم) فَقدم الأشعريون فيهم أَبُو مُوسَى

стр. 756

رَضِي الله عَنهُ فَجعلُوا يرتجزون وَيَقُولُونَ غَدا نلقى الْأَحِبَّة مُحَمَّدًا وَحزبه وَقَوله (من مَزَامِير آل دَاوُد) فَإِن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ كَانَ دَاوُد ﵇ يقْرَأ الزبُور بسبعين صَوتا يلون فِيهَا وَكَانَ يقْرَأ قِرَاءَة يطرب مِنْهَا المحموم وَكَانَ إِذا أَرَادَ أَن يبكي نَفسه لم تبْق دَابَّة فِي بر وَلَا بَحر إِلَّا سمعن لصوته وَعَن عبيد بن عُمَيْر ﵁ قَالَ كَانَ دَاوُد ﵇ يَأْخُذ المعزفة فَيضْرب بهَا ثمَّ يقْرَأ عَلَيْهِم يُرِيد أَن يبكي بذلك ويبكي والمعزفة تهيج من مَعْدن السرُور مَا فِيهِ لَا من مَوضِع الْحزن فَدلَّ أَن هَذَا بكاء الشوق يبكي دَاوُد ﵇ ويبكي المشتاقين لِأَن المشتاق الهائم من طول الْغَيْبَة عَمَّن اشتاق إِلَيْهِ يشْتَد حزنه وَفِي بَاطِن حزنه السرُور لِأَن الْحبّ أَصله وَالسُّرُور من الْحبّ والشوق من السرُور والحزن من أجل الشوق فَإِذا لَاقَى قلبه أصوات السرُور بكي.

стр. 757

- الأَصْل السَّادِس عشر والمائتان - فِي بئس العَبْد من ثَمَانِيَة أوجه والتحذير مِنْهَا عَن أَسمَاء بنت عُمَيْس ﵂ قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (بئس العَبْد عبد تجبر واعتدى وَنسي الْجَبَّار الْأَعْلَى بئس العَبْد عبد سهى وَلها وَنسي المبدأ والمنتهى بئس العَبْد عبد بغى وعتا وَنسي الْمَقَابِر والبلى بئس العَبْد عبد يحتال بِالدّينِ وَالدُّنْيَا بئس العَبْد عبد يخْتل الدُّنْيَا بِالشُّبُهَاتِ بئس العَبْد عبد يذله الرعب عَن الْحق بئس العَبْد عبد طمع يَقُودهُ بئس العَبْد عبد هوى يضله) قَوْله (تجبر واعتدي) احتشى من الشَّهَوَات وَعمل بهواه وجبر الْخلق على هَوَاهُ وَصَارَ ذَلِك لَهُ عَادَة واعتدى فِي جبريته وَنسي

стр. 758

الْجَبَّار الْأَعْلَى الَّذِي لَهُ الْجَبْر وَقد صغرت الدُّنْيَا بِمن فِيهَا والملكوت فِي ملك جبروته ودق وَقَوله (سَهَا وَلها) سَهْوه بالأماني ولهوه بالشهوات وَنسي المبدأ من أَيْن خلق وَنسي الْمُنْتَهى إِلَى أَيْن يرد وَقَوله (بغى وعتا) أَي طلب الْعُلُوّ كلما رأى من الدُّنْيَا دَرَجَة أحب أَن ينَال ذَلِك ويسلب غَيره ليتفرد بهَا دون نظرائه (وعتا) يبس قلبه فَإِن حرارة شَهْوَته انتشفت رُطُوبَة قلبه وَمَا ركب فِيهِ من الرأفة وَالرَّحْمَة الخلقية وَنسي أَن الْقَبْر متضمنه ومحتوى على أَرْكَانه ومبلي لَحْمه وَدَمه أكلا وَقَوله (يحتال الدُّنْيَا بِالدّينِ) فَهُوَ متصنع مداهن همته فِيمَا يعرض لَهُ فِي العاجل من النهمة مَتى ينالها لبعد قلبه عَن الْآخِرَة مترصد للتوثب على الدُّنْيَا لينالها وليظفر بهَا منتهزا لفرصتها يتحلى بِظَاهِر الْإِيمَان ليطارد بِهِ الدُّنْيَا وصير معالم الْإِيمَان شبكة لحطامها وأوساخها يظْهر الْخُشُوع بالتماوت ليحظى عِنْد أهل الدُّنْيَا فينال من عزها وجاهها ويتحازن عِنْد لِقَاء الْخلق ويتنفس الصعداء يظْهر الاهتمام لدينِهِ والتحسر على إدبار أمره وأسفه على مَا يفوتهُ من الدُّنْيَا وَيمْتَنع من قبُول النزر الْيَسِير من الدُّنْيَا ليَكُون فِي هَيْئَة الزاهدين وَلِئَلَّا ينكسر جاهه عِنْد الْخلق وَيصير عِنْدهم فِي صُورَة الراغبين وَمَعَ ذَلِك قد هيأ على كل بَاب من منالات الدُّنْيَا بَابا من أَبْوَاب الدّين ليختله من أَيْديهم يظْهر الزهادة ليمال عَلَيْهِم الدُّنْيَا وَيظْهر الْعِبَادَة لتكفي مؤنه وَيظْهر الْوَرع ليؤتمن على الْأَمْوَال وَيظْهر الانقباض ليهاب وَيظْهر الشره على أهل الريب ليشار إِلَيْهِ بالأصابع وَيطْلب الرياسة ليحكم فِي الْخلق فِي مُعَامَلَته تحكم الْمُلُوك وَيطْلب الْعِزّ لنفاذ مشيآته فيهم قَوْله (يخْتل الدُّنْيَا بِالشُّبُهَاتِ) فَهُوَ رجل فر من الْحَرَام ويغمص عِنْد الشُّبْهَة يُخَادع الله تَعَالَى بذلك وَيَقُول أفر من الْحَرَام

стр. 759

وَقَوله (يذله الرعب عَن الْحق) إِذا استقبله حق من حُقُوق الله تَعَالَى فَأَرَادَ أَن يقيمه جَاءَت النَّفس بِسوء ظَنّهَا فخوفته وُجُوه المهالك حَتَّى ترعبه فتذله قد علاهُ الرعب من سوء الظَّن فانكسر قلبه وانخلع جبنا قَالَ ﵇ (شَرّ مَا فِي الْإِنْسَان حرص هَالِع وَجبن خَالع) وَقَوله (طمع يَقُودهُ) هُوَ أَن يتَمَنَّى أمرا من شهوات الدُّنْيَا فَلَا يزَال يتَمَنَّى ويفكر حَتَّى يجد طمعه فِي الْفِكر الَّذِي جال فِي صَدره فَإِذا وجد الْقلب طمعه قادته تِلْكَ الشَّهْوَة وَقَوله (هوى يضله) هُوَ ترك الْحق فِي أُمُوره وَفِي سيره إِلَى الله تَعَالَى حَتَّى يَقع فِي الْبَاطِل والهوى والزيغ عَن سَوَاء السَّبِيل

стр. 760

- الأَصْل السَّابِع عشر والمائتان - فِي سر دعوات أبي ذَر ﵁ عَن عَليّ ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه أَتَاهُ جبرئيل ﵇ فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْده إِذْ أقبل أَبُو ذَر فَنظر إِلَيْهِ جبرئيل فَقَالَ هُوَ أَبُو ذَر قلت يَا أَمِين الله وتعرفون أَنْتُم أَبَا ذَر فَقَالَ نعم وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ ان أَبَا ذَر أعرف فِي أهل السَّمَاء مِنْهُ فِي أهل الأَرْض وَإِنَّمَا ذَلِك لدعاء يَدْعُو بِهِ كل يَوْم مرَّتَيْنِ وَقد تعجبت الْمَلَائِكَة مِنْهُ فَادع بِهِ فسل عَن دُعَائِهِ فَقَالَ ﵇ (يَا أَبَا ذَر دُعَاء تَدْعُو بِهِ كل يَوْم مرَّتَيْنِ) قَالَ نعم فدَاك أبي وَأمي مَا سمعته من بشر وَإِنَّمَا هُوَ عشرَة أحرف ألهمني رَبِّي إلهاما وَأَنا أَدْعُو بِهِ كل يَوْم مرَّتَيْنِ أستقبل الْقبْلَة فأسبح الله مَلِيًّا وَأهْلك مَلِيًّا وأحمده مَلِيًّا وأكبره مَلِيًّا ثمَّ أَدْعُو بِتِلْكَ الْعشْر الْكَلِمَات اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك إِيمَانًا دَائِما وَأَسْأَلك قلبا خَاشِعًا وَأَسْأَلك علما نَافِعًا وَأَسْأَلك يَقِينا صَادِقا وَأَسْأَلك دينا قيمًا وَأَسْأَلك الْعَافِيَة من

стр. 761

كل بلية وَأَسْأَلك تَمام الْعَافِيَة وَأَسْأَلك دوَام الْعَافِيَة وَأَسْأَلك الشُّكْر على الْعَافِيَة وَأَسْأَلك الْغنى عَن النَّاس قَالَ جبرئيل يَا مُحَمَّد وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لَا يَدْعُو أحد من أمتك هَذَا الدُّعَاء إِلَّا غفرت لَهُ ذنُوبه وَإِن كَانَت أَكثر من زبد الْبَحْر وَعدد تُرَاب الأَرْض وَلَا يلقاك أحد من أمتك وَفِي قلبه هَذَا الدُّعَاء إِلَّا اشتاقت إِلَيْهِ الْجنان واستغفر لَهُ الْمَكَان وَفتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة وَنَادَتْ الْمَلَائِكَة يَا ولي الله أَدخل من أَي بَاب شِئْت (إِيمَانًا دَائِما) أَن يَدُوم لَهُ توحيده حَتَّى يخْتم لَهُ بذلك فَلَا يسلبه فَيلقى ربه بإيمانه وَأَن يكون لَهُ يَقِين يصير أُمُوره مُعَاينَة وَلَا يَنْقَطِع ذكر الله تَعَالَى عَن قلبه على كل حَال وَيصير قلبه خَالِيا عَن ذكر كل شَيْء وينفرد للفرد الْوَاحِد فيأنس بِهِ ويطمئن إِلَى حكمه وَإِذا غلبته شَهْوَة أَو رَغْبَة أَو رهبة أَو غضبة فملكته نَفسه صَار إيمَانه فِي قلبه كشمس قد انكسفت فَذهب ضوؤها فَسَأَلَ إِيمَانًا دَائِما أَي يَدُوم لَهُ شمسه فَلَا تنكسف حَتَّى يكون صَدره مستنيرا بِنور الْيَقِين فِي كل أَمر وَمِنْه قَول أبي الدَّرْدَاء ﵁ حِين بلغه أَن فلَانا أعتق مائَة رَقَبَة إِيمَان ملزوم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وَلِسَانك رطب بِذكر الله تَعَالَى أفضل من ذَلِك وَقَالَ ابْن رَوَاحَة ﵁ إِذا دَامَ الْإِيمَان على الْقلب دَامَ الذّكر وَمن هَهُنَا قَالَ معَاذ ﵁ تعال نؤمن سَاعَة

стр. 762

وَقَالَ ﵇ أَشد الْأَعْمَال ذكر الله تَعَالَى على كل حَال (وَقَلْبًا خَاشِعًا) مَاتَت شهواته فذلت النَّفس لله تَعَالَى وخشع الْقلب مِمَّا طالع من جلال الله تَعَالَى وعظمته (وعلما نَافِعًا) هُوَ الَّذِي تمكن فِي الصَّدْر وتصور بِالنورِ الَّذِي أشرق فِي الصَّدْر فتصور الْأُمُور حسنها وسيئها فَيَأْتِي حسنها ويجتنب سيئها فَذَلِك الْعلم النافع من نور الْقلب وَالْعلم الَّذِي تعلمه فَذَلِك علم اللِّسَان إِنَّمَا هُوَ شَيْء قد استودع الْحِفْظ والشهوة غالبة عَلَيْهِ قد أحاطت وأذهبت بظلمتها ضوءه (ويقينا صَادِقا) يَنْفِي الشَّك وَلَا يغلب الشَّهْوَة وَهُوَ يَقِين التَّوْحِيد ويقين آخر نور مشرق للصدر غَالب للشهوات صَارَت لَهُ أُمُور الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأمر الملكوت مُعَاينَة قد ورث قلبه الخشية والمحبة والهيبة والتعظيم لله (ودينا قيمًا) أَي الخضوع لله تَعَالَى بأَمْره وَنَهْيه بِأَن يكون مسيره إِلَيْهِ فِي الشَّرِيعَة على سَبِيل الاسْتقَامَة لَا زيغ فِيهِ وَلَا بِدعَة فَيحل مَا أحله وَيحرم مَا حرمه وَيُؤَدِّي فَرَائِضه ويجتنب مساخطه قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ الْآيَة وَأَعلاهُ أَن يدين لله تَعَالَى حَتَّى لَا يلْتَفت إِلَى أحد سواهُ فَيكون هُوَ ملجأه ومفزعه (والعافية من كل بلية) بلية تَعْجِيل عُقُوبَة العَبْد مثل مَا نزل بِيُوسُف

стр. 763

عَلَيْهِ السَّلَام من لبثه فِي السجْن بالهم وبلية امتحان مثل مَا نزل بِأَيُّوب ﵇ قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ وبلية كَرَامَة مثل مَا نزل بِيَحْيَى بن زَكَرِيَّا الَّذِي لم يعْمل خَطِيئَة قطّ وَلم يهم بهَا فذبح ذبحا وأهدي رَأسه إِلَى بغي من بَغَايَا بني إِسْرَائِيل فَسَأَلَ الْعَافِيَة من ذَلِك كُله والعافية أَن لَا يكله إِلَى نَفسه وَلَا يَخْذُلهُ بل يكلؤه ويرعاه فِي كل هَذِه الْوُجُوه (ودوام الْعَافِيَة) أَن تدوم لَهُ فَلَا تَنْقَطِع وَتَمام الْعَافِيَة أَن تكون عَافِيَة لَا شوب فِيهَا وَالشُّكْر على الْعَافِيَة فَإِن بِهِ ترتبط النِّعْمَة ويجلب الْمَزِيد والغنى عَن النَّاس بالاستغناء بِاللَّه تَعَالَى وَفِيه الْخُرُوج من الرّقّ إِلَى الْحُرِّيَّة

стр. 764

- الأَصْل الثَّامِن عشر والمائتان - فِي أَن الْعين حق عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (الْعين حق وَلَو كَانَ شَيْء سَابِقًا الْقدر لسبقه الْعين وَإِذا استغسلتم فَاغْسِلُوا) قَالَ أَبُو عبد الله ﵀ كَانَ الله وَلَا شَيْء ثمَّ أبدا ملكه وربوبيته ثمَّ خلق الْخلق لإِظْهَار ملكه ليدينوا لَهُ عبودة وَلَا يشغلوا بالأشياء عَن صانع الْأَشْيَاء فيلهيهم عَنهُ ويفتتنوا بهم فَإِذا أعجب وَاحِد بِشَيْء من خلقه غير ذَلِك الْحَال ليفسد إعجابه وَكَانَ هَذَا حق من فعله لِأَن شَرطه حِين خلق الْخلق أَن ينتظروا إِلَى صنعه ويرونه مَحْمُودًا قَوْله (لَو كَانَ شَيْء سَابِقًا الْقدر لسبقته الْعين) فَإِن الله تَعَالَى

стр. 765

قدر الْمَقَادِير قبل الْخلق بِخَمْسِينَ ألف سنة فَلَيْسَ شَيْء من الْخلق سبق الْقدر لأَنهم خلقُوا بعد الْقدر وَإِنَّمَا قدر الْخلق ليخلق وَيظْهر ملكه وربوبيته فيحمدوه ويعبدوه ويضيفوا الْأَشْيَاء إِلَى وَليهَا وصانعها كَمَا رُوِيَ أَن الله تَعَالَى قَالَ (مَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس لحَاجَة كَانَت بِي إِلَيْهِ وَلَكِن لأبين بِهِ قدرتي ولأعرف بِهِ الناظرين نَفسِي ولينظروا فِي ملكي وتدبير حكمتي وليدين الْخَلَائق كلهَا لعزتي ويسبح الْخلق بحمدي ولتعنو الْوُجُوه كلهَا لوجهي) فَمن غفل عَن الله تَعَالَى وَنظر إِلَى الْأَشْيَاء بِعَين الْغَفْلَة فيعجب بهَا وَتصير فتْنَة عَلَيْهِ وَمن شَرط الله تَعَالَى أَن يعتبروا وعبروا عَن الْأَشْيَاء إِلَى خَالِقهَا فَإِذا لم يعتبروا وبقوا مَعَ الْأَشْيَاء عجبا وفتنة فسد ذَلِك الشَّيْء عَلَيْهِم كي ينبئهم ويعير عَلَيْهِم عجبهم وَقد تقدم شَرط الْقدر على الْخلق فَلَو كَانَ شَيْء سَابق الْقدر لسبقته الْعين لقُرْبه وجواره لَهُ وَلَا يسْبقهُ لِأَن الْقدر قبل أَن يخلق الْخلق وَقَوله (فَإِذا استغسلتم فَاغْسِلُوا) هَكَذَا جرت السّنة أَن العاين يتَوَضَّأ أَو يغْتَسل ليغسل بِتِلْكَ الغسالة هَذَا المعان فيخف مَا بِهِ وينحل من ثقله كَمَا ينْحل صَاحب الأخذة من سحره فَإِن أَخذه المعان من قبل الْحق فَإِن الْحق يَقْتَضِي أَن ينسبوا الْأَشْيَاء إِلَى وَليهَا ومالكها وَلَا يرضى أَن تُضَاف إِلَى غير خَالِقهَا فَإِذا أخذت الْأَشْيَاء عَن الْأَسْبَاب فِي حَالَة الْغَفْلَة عَن الله تَعَالَى وَالشّرط النّظر إِلَى صنع الله تَعَالَى ولطفه فِي صنعه وبره بِالْعَبدِ وَعطفه عَلَيْهِ فَاقْتضى الْحق تَعَالَى شكره لوَلِيّ الْخلق فَإِذا نظرُوا إِلَى الْأَشْيَاء فَأُعْجِبُوا بهَا نَاشد الْحق وَليهَا فِي إِفْسَاد مَا بِهِ أعجبوا لِأَن تِلْكَ النِّعْمَة

стр. 766

حدثت من الْملك من خَزَائِن الْمِنَّة على أَيدي لطفه فغيرها الْعباد بعمى النُّفُوس عَن جِهَتهَا فَغير الله تَعَالَى مَا بهم قَالَ الله تَعَالَى ﴿ذَلِك بِأَن الله لم يَك مغيرا نعْمَة أنعمها على قوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾ الْآيَة فَغير الله تَعَالَى الْحَال وأفسد عَلَيْهَا إعْجَابهَا رَحْمَة للنَّاظِر والمنظور إِلَيْهِ ليَكُون للنَّاظِر عِبْرَة وللمنظور إِلَيْهِ خُرُوجًا من أَن يكون سَببا لما كره الله تَعَالَى من فتْنَة الْعباد من دونه فَأمر هَذَا العاين أَن يغْتَسل فَإِن الغسالة مرفوضة تعافها النَّفس وَجعل الله الشِّفَاء فِيمَا رفضت نَفسهَا وعافته إِذْ لَيْسَ شَيْء فِي الأَرْض مِمَّا يلائم النَّفس إِلَّا وَلها فِيهِ شَهْوَة وإليها نزوع فَإِذا استشفي هَذَا المعان بِمَا قد رفضت نفس العاين وَلَيْسَ لَهَا فِيهِ شَهْوَة وَلَا إِرَادَة تخلصت من آفَة النَّفس تقربا إِلَى الله تَعَالَى بِخِلَافِهَا وَالرَّدّ عَلَيْهَا تأميلا للشفاء وَحسن ظَنّه بِهِ فحقق الله تَعَالَى أمله ويفي بِالظَّنِّ فيعافيه وَصَارَت النَّفس مزجورة مذمومة بِفِعْلِهَا وَعَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (أَكثر من يَمُوت من أمتِي بِالنَّفسِ بعد كِتَابه وقضائه) يَعْنِي بِالْعينِ وَعَن أنس ﵁ قَالَ كَانَ عِنْد رَسُول الله ﷺ يَتِيم مَرِيض فَسَأَلَ عَنهُ يَوْمًا فَقَالُوا إِنَّه لمثبت يَا رَسُول الله قَالَ (أَفلا استرقيتم فَإِن ثلث منايا أمتِي من الْعين) وَإِنَّمَا صَار كَذَلِك لِأَن هَذِه الْأمة فضلت بِالْيَقِينِ على سَائِر الْأُمَم فحجبوا يقينهم بالشهوات فعوقبوا

стр. 767

بِآفَة رَحْمَة من الله لَهُم فَإِنَّهُ لما فَضلهمْ بِالْيَقِينِ وَهُوَ التأييد الْأَعْظَم لم يرض مِنْهُم بِأَن ينْظرُوا إِلَى الْأَشْيَاء بِعَين الْغَفْلَة وتتعطل منَّة الله تَعَالَى عَلَيْهِم وتفضيله إيَّاهُم وَالله أعلم

стр. 768

- الأَصْل التَّاسِع عشر والمائتان - فِي الِاسْتِعَاذَة بِاللَّه تَعَالَى عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من استعاذكم بِاللَّه فأعيذوه وَمن سألكم بِاللَّه فَأَعْطوهُ وَمن استجاركم بِاللَّه فأجيروه وَمن أَتَى إِلَيْكُم مَعْرُوفا فكافئوه فَإِن لم تَجدوا فَادعوا لَهُ حَتَّى تعلمُوا أَن قد كافأتموه) الِاسْتِعَاذَة بِاللَّه تَعَالَى دُخُول فِي مأمنه وحريمه وَمن التجأ إِلَى ملك فِي الدُّنْيَا هاب طَالبه أَن يتَكَلَّف عَنهُ أَذَى وكف عَنهُ إعظاما لمن التجأ إِلَيْهِ وَلم يرض الْملك أَن يتَكَلَّف الطَّالِب مِنْهُ بعد ذَلِك مَكْرُوها وَإِن خذله عد ذَلِك منقصة فَكيف مِمَّن دخل فِي عياذ الله وجواره وَقَوله (من سألكم بِاللَّه فَأَعْطوهُ) فالسؤال بِاللَّه أَن يسْأَل ربه أَن يسْأَل هَذِه الْحَاجة لَهُ فَكَأَنَّهُ صير الرب سَائِلًا بَينه وَبَين صَاحبه إِذا سَأَلَ بِحَق وَالله تَعَالَى لَا يرد وَإِذا سَأَلَ بباطل فَإِنَّهُ لن يسْأَل بِاللَّه تَعَالَى وَإِنَّمَا يسْأَل بالشيطان

стр. 769

سَأَلَ رجل عَليّ بن أبي طَالب ﵁ شَيْئا فَلم يُعْطه فَقَالَ أَسأَلك بِوَجْه الله تَعَالَى فَقَالَ لَهُ كذبت لَيْسَ بِوَجْه الله سَأَلتنِي إِنَّمَا وَجه الله الْحق وَلَكِن سَأَلت بِوَجْهِك الْخلق وَقَالَ ﷺ (من سألكم بِاللَّه فَأَعْطوهُ وَإِن شِئْتُم فَدَعوهُ) قَالَ معَاذ ﵁ فَإِن سَأَلَ وَهُوَ مُسْتَحقّ فَإِن لم تعطوه فَأنْتم ظلمَة وَإِن عَرَفْتُمْ أَنه غير مُسْتَحقّ أَو اشْتبهَ عَلَيْكُم فَلم تعرفوا أَنه سَأَلَ بِحَق فَيجوز أَن لَا تعطوه وَأما الْمَعْرُوف فَإِنَّهُ يُكَافِئ فَإِن لم يجد الْمُكَافَأَة فالدعاء أكبر من الْمُكَافَأَة بالشَّيْء لِأَن الَّذِي أعطَاهُ عوضا من الدُّنْيَا وَهَذَا قد كافأه بِالْمَسْأَلَة من الله تَعَالَى نوالا ونوال العَبْد يدق فِي جنب نوال الله تَعَالَى وَالْعَبْد إِذا صنع إِلَيْهِ مَعْرُوف فَلم يجد مَا يُكَافِئ اشْتَدَّ عَلَيْهِ لكرم طبعه وَكَونه عَارِفًا بالصنائع شاكرا لَهُ فَأَثْقَله مَعْرُوفَة فأوعزته الْحَاجة من الْخَلَائق من أثقال مَعْرُوفَة فَفَزعَ إِلَى الله تَعَالَى وَسَأَلَهُ أَن يُكَافِئهُ عَنهُ وَهُوَ يحب هَذَا الْخلق من الْمُؤمن فَإِنَّهُ مَحْض الشُّكْر فقمن أَن يستجيب لَهُ

стр. 770

- الأَصْل الْعشْرُونَ والمائتان - فِي أَن الْقلب ملك والأركان عبيد عَن النُّعْمَان بن بشير ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن فِي الْجَسَد مُضْغَة إِذا صلحت صلح الْجَسَد كُله وَإِذا فَسدتْ فسد الْجَسَد كُله أَلا وَهِي الْقلب الْقلب ملك والأركان عبيد وَإِنَّمَا يعْمل كل ركن فِي معمله بِمَشِيئَة الْقلب وَأمره وَالْقلب عَن مَشِيئَة الله تَعَالَى شَاءَ لم يكله إِلَى أحد سواهُ وَلم يطلع عَلَيْهِ أحدا يضع فِيهِ مَا يَشَاء وَيرْفَع مِنْهُ مَا شَاءَ والنور والتوحيد فِيهِ والطاعات مِنْهُ وفكر ذَلِك كُله فِي الصَّدْر وَعنهُ تصدر الْأُمُور وَلذَلِك سمي صَدرا وَالْقلب لتقلبه وَالْقلب مَعْدن النُّور ومستقر التَّوْحِيد ومنظر الرب والصدر مَوضِع التَّدْبِير والفكر وَالنَّفس مَعْدن الشَّهَوَات فَإِذا وجدت النَّفس طَرِيقا إِلَى الْقلب مرت بشهواتها إِلَيْهِ فدنست الْإِيمَان

стр. 771

قَالَ ﵇ (الْغَضَب يفْسد الْإِيمَان كَمَا يفْسد الصَّبْر الْعَسَل) وَقَالَ أَيْضا ﵇ (الْإِيمَان حُلْو نزه فنزهوه ونزاهته أَن تفطم نَفسك عَن الشَّهَوَات حَتَّى لَا يصل إِلَى قَلْبك مِنْهُ بِمَنْزِلَة مَاء صَاف جرى إِلَيْهِ مَاء كدر فَذهب بصفائه أَو عسل ماذي وصل إِلَيْهِ الصَّبْر فَغَيره عَن حَالَته لِأَنَّهُ إِذا اسْتَقر فِي قلب الْمُؤمن تَوْحِيد رب كريم ودود ظهر لَهُ وداده وَكَرمه وبره فقد وجد حلاوة التَّوْحِيد ونزاهته فَإِذا جَاءَت شهوات النَّفس سَبِيلا إِلَى الْقلب فخالطته وكدرته ومازجت حلاوته فدنست وكدرت فَأَي خسران أعظم من هَذَا وَمن خلع عَلَيْهِ ملك خير خلعه فِي خزانته فدنسها بقلة التوقي لَهَا عَن مَوَاضِع الدنس أَو لم يكن محقوقا أَن يسلب فيهان أم لَيْسَ على حَيَاء من فعله فِي الْيَوْم الَّذِي دخل على الْملك بِتِلْكَ الخلعة فَمَا ظَنك بِمن خلع الله تَعَالَى عَلَيْهِ التَّوْحِيد فدنسه فَانْظُر مَاذَا حل بِهِ إِذا دخل عَلَيْهِ وَالْقلب مثله مثل ملك لَهُ عبيد لَهُم هَيْئَة وشارة ومراكب وزي الْأَغْنِيَاء وَالْملك فَقير معدم لَيْسَ لَهُ مَادَّة وَلَا كنز فَإِذا نظر إِلَيْهِ الْعَاقِل يَقُول لَيْسَ لهَذَا الْأَمر نظام وَلَا لَهُ دوَام فَإِنَّهُ معدم فَهَذِهِ الهيئآت الَّتِي أَرَاهَا لَا تدوم وسيحتاج إِلَى مثلهَا وَلَيْسَ لَهُ مدد وَإِن برز لَهُ مناوئ يكون زَوَال ملكه وضياع هَؤُلَاءِ العبيد وَنظر أَحْوَالهم وَإِن كَانَ الْملك ذَا كنوز ومادة وَالْعَبِيد فِي هَيْئَة بذة يَقُول فِي نَفسه لَهُ بيُوت أَمْوَال من الْكُنُوز فَفِي سَاعَة وَاحِدَة يصيرهم فُرْسَانًا بِجَمِيعِ آلتهم ويكسوهم من الْكسْوَة ويعطيهم من الْعدة مَا يعرفهُمْ لغناه فَكَذَلِك من كَانَ قلبه بَين يَدي الله تَعَالَى فِي غناهُ وسلطانه وَقد احتظى

стр. 772

مِنْهُ الْحَظ الأوفى من جَلَاله وعظمته وكبريائه ومجده فَهُوَ فِي تِلْكَ الْأَنْوَار مشرق صَدره بهَا فَإِذا رأى أَرْكَانه معطلة من أَعمال الْبر لم يحيره ذَلِك لِأَن الْملك غَنِي فعري الأرقام لَا يضرّهُ إِذْ لَا يتْرك فرضا وَإِنَّمَا يتْرك فضلا وَلَا تستبين الْفَضَائِل فِي جنب مَا تفضل الله تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِ من مَعْرفَته الَّتِي برز بهَا على الْخلق وَقد عرف الله تَعَالَى معرفَة وثق بِهِ فِي جَمِيع أَحْوَاله وفوض أُمُوره إِلَيْهِ فَانْظُر إِلَى تَدْبيره مراقبا لَهُ قَابلا لأحكامه قنعا بِالَّذِي يُؤْتى من دُنْيَاهُ مؤتمرا بأَمْره مطمئنا بِهِ لَيست لَهُ همة وَلَا نهمة وَلَا قَرَار إِلَّا الْخَلَاص من هَذَا السجْن الَّذِي أَخذ بِنَفسِهِ قد ضَاعَت عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَصَارَت سجنا لطول احتباسه لِأَنَّهُ ظمآن إِلَى لِقَاء مَوْلَاهُ وَأي شَيْء ألذ من لِقَاء العَبْد سَيّده الَّذِي كَانَ أمله من الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَأَما الْإِبَاق من العبيد الَّذين جهلوا سيدهم لَا يحب لِقَاء سَيّده وَهل شَيْء أثقل عَلَيْهِ من لِقَائِه لأَنهم استطابوا الْحُرِّيَّة وتعجلوها بتقلبهم فِي دنياهم وشهواتهم وهربوا من العبودة فهم وَإِن كَانُوا قد عرفوه وَلم يشكوا فِيهِ بعد أَن أيقنوا وعلموه علم اللِّسَان إِلَّا أَنهم جهال بِهِ لم ينكروه لِأَنَّهُ لم يتراء على قُلُوبهم نور جَلَاله وَلَا حل بقلوبهم عَظمته وَلَا تجلل عَلَيْهَا كبرياؤه وَلَا طالعت مجده وسلطانه وَلَا عَايَنت منته وإحسانه وَلَا فهمت تَدْبيره ولطفه فِي الْأُمُور وَلَا انْتَبَهت لربوبيته وَلَا شربت بالكأس الأوفى من محبته وَلَا ظمئت من الشوق إِلَيْهِ وَلَا ولهت وَله العكف بِبَابِهِ وَلَا تفسحت فِي ساحات توحيده متأنسا بجماله وَلَا انْفَرَدت لأحديته وَلَا حييت بحياته وَلَا خلصت لوحدانيته وَلَا طابت بنسيم قربه وَلَا انشرحت صُدُورهمْ بذلك من قُلُوبهم بل علمُوا علما مُجملا اقتضاهم الْإِيمَان الْإِقْرَار بذلك قولا

стр. 773

والاعتقاد لَهُ قلبا وصدورهم غير منشرحة بباطن علمه فَمن جهل هَذَا اكْتفى بهيئة العبيد وَالْملك فَقير مَعْدُوم والعاقل ينظر إِلَى صلَاته وصيامه وحجه وجهاده وأعمال بره وَكَأَنَّهُ نظر إِلَى أَرْكَان وجوارح كَهَيئَةِ العبيد عَلَيْهِم هَيْئَة مُرْتَفعَة ومراكب سَرِيَّة وأسلحة وافرة وَإِذا نظر إِلَى بَاطِن أحدهم وجد خوف الرزق على قلبه كالجبال كَاد يَمُوت من همه وَخَوف الْخلق وَسُقُوط مَنْزِلَته عَن قُلُوبهم وَوجد فيهم الْفَرح بمدح الْخلق لَهُم وَالثنَاء عَلَيْهِم وَحب الرياسة وَطلب الْعُلُوّ والتبصبص للأغنياء والاستحقار للْفُقَرَاء والأنفة مِنْهُم والاستكبار فِي مَوضِع الْحق والحقد على أَخِيه الْمُسلم والعداوة والبغضة وَترك الْحق لمخافة ذل ينزل بِهِ وَالْقَوْل بالهوى وَالرَّغْبَة فِي الدُّنْيَا والحرص عَلَيْهَا وَالشح وَالْبخل وَطول الأمل والأشر والبطر والغل والغش والمباهاة والرياء والسمعة والاشتغال بعيوب الْخلق والمداهنة والإعجاب بِالنَّفسِ والتزين للمخلوقين والصلف والتجبر وغرة النَّفس وَالْقَسْوَة والفظاظة وَغلظ الْقلب والغفلة وَسُوء الْخلق وضيق الصَّدْر والفرح بالدنيا والحزن على فَوتهَا وَترك القناعة والمراء فِي الْكَلَام والجفاء والطيش والعجلة والحدة وَقلة الرَّحْمَة وَقلة الْحيَاء والاتكال على الطَّاعَات وفضول الْكَلَام والشهوة الْخفية وَطلب الْعِزّ واتخاذ الأخوان فِي الْعَلَانِيَة على عَدَاوَة فِي السِّرّ والتماس المغالبة والانتصار للنَّفس والتعظيم للأغنياء من أجل غناهم والاستهانة بالفقراء من أجل فَقرهمْ والغيبة والحسد والنميمة والجور والعدوان فَهَذِهِ كلهَا مزابل قد انضمت عَلَيْهَا طويات صَدره وَظَاهره الْعِبَادَة وأنواع أَعمال الْبر فَإِذا انْكَشَفَ الغطاء عَن هَذِه الْأَشْيَاء بَين يَدي الله تَعَالَى كَانَ كمزبلة فِيهَا أَنْوَاع الأقذار غشيت بالديباج فَلَمَّا رفع عَنهُ الغطاء أخذت بالأنف من نتنها وَأعْرض الناظرون عَن قبحها فَهَذَا المتصنع الْمرَائِي عبد شهواته لم يقدر أَن يخلص من عمله وَنَفسه

стр. 774

متقدة بِنَار الشَّهْوَة وَقَلبه مشحون بهوى نَفسه وَلَو اجْتهد فِي إخلاص الصَّلَاة وَالصَّوْم فَهُوَ مُحْتَاج إِلَى أَن يخلص فِي مشيته وركوبه ونزوله وَأكله وشربه ومنطقه وصمته وَأَخذه وإعطائه وَجَمِيع معاملاته وَلَو أخْلص هَذَا كُله أَلَيْسَ هَذِه الْمَزَابِل مَعَه فَهَذِهِ كلهَا عُيُوب وَالْعَبْد إِذا كثرت عيوبه انحطت قِيمَته والعاقل لَا يغره مَا رأى من ظَاهر أَحْوَاله إِذا اطلع على بَاطِنه فَوَجَدَهُ كَمَا وَصفنَا كمن رأى ملكا لَهُ عبيد فِي زِيّ وهيئة ومراكب وَالْملك بِنَفسِهِ لَيست لَهُ مَادَّة من الْأَمْوَال وَإِذا رأى عبدا أَرْكَانه معطلة من أَعمال الْبر وَقَلبه ملك من الْمُلُوك مَمْلُوءَة خزائنه أَمْوَالًا وبيوته جَوَاهِر وَالْأَمْوَال غناهُ بِاللَّه تَعَالَى وَأي غَنِي أغْنى مِمَّن اسْتغنى بِاللَّه تَعَالَى إِذْ الْغنى بالأموال مُنْقَطع والغنى بِاللَّه تَعَالَى دَائِم إِذْ هُوَ حَيّ لَا يَزُول وَأما الْجَوَاهِر فحكمة صِفَاته وَقد عجز عَن دركها الْعَامَّة وَإِنَّمَا خص بهَا الْأَنْبِيَاء والأولياء ﵈ أهل خدمَة الله تَعَالَى فَإِنَّهُ قد انْفَرد بالفرد الْوَاحِد واحتظي من جَلَاله وعظمته وكبريائه ومجده وجماله فتواضع لَهُ وخشعت جوارحه لخشوع قلبه وَعظم أَمر الله وَحفظ حُدُوده وراقب تَدْبيره إعظاما لجلاله وهيبته وتذللا لربوبيته فَعنده الرأفة بالخلق وَالرَّحْمَة لَهُم واللين والرأفة والحلم وسعة الصَّدْر وتعظيم أَمر الله تَعَالَى وَالْإِخْلَاص لَهُ وحراسة الْقلب ودوام الْفِكر والقناعة والرضى والإنابة والشوق إِلَيْهِ والتبرم بِالْحَيَاةِ واليقظة فِي الْأُمُور والمعاينة لَهَا والرزانة والصيانة والشفقة والعطف والتأني وَالْوَقار والسكون وَالذكر الدَّائِم والرهبة وَالرَّغْبَة وَالْخَوْف والرجاء والأنس بِاللَّه تَعَالَى وَالسُّرُور بِهِ والسخاء والجود والبشاشة والنصيحة وسلامة الصَّدْر صَار كمن رأى عبدا فِي هَيْئَة رثَّة وَالْملك صَاحب كنوز وجواهر فَعلم هَذَا الْعَاقِل أَن هَذِه الْهَيْئَة لَا تضر عبيده لِأَنَّهُ مَتى عرض لَهُم أَمر فتح لَهُم بَابا من خزائنه فعرفهم فَكَذَا هَذَا الْقلب قد امْتَلَأَ خيرا

стр. 775

وامتلأ جوارحه من هَذَا الْخَيْر فلساعة من عمره بِهَذِهِ الصّفة أفضل من أَعمال الثقلَيْن دهرا وَإِذا تعطلت أَرْكَانه عَن كثير من أَعمال الْبر فَهُوَ فِي الْخَيْر كُله دَائِم عَلَيْهِ بدوام قلبه على ذَلِك وَقَلِيل من عمله أزكى من عمل ذَلِك المخلط سِنِين كَثِيرَة يرْوى أَن رجلا جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا رأى مَا بِهِ من الضّر قَالَ (مَا بلغ بك مَا أرى) قَالَ بِأبي أَنْت وَأمي السقم وَالْحَاجة قَالَ لَهُ (أَفلا أعلمك كَلِمَات إِذا أَنْت قلتهن أذهب الله عَنْك مَا بك) قَالَ بِأبي أَنْت وَأمي مَا أحب أَن لي مِمَّا ترى بِي وقْعَة بدر وَأحد فَقَالَ ﵇ (يَا أَخا الْأَنْصَار وَأَيْنَ تقع وقْعَة بدر وَأحد من مَوضِع الْفَقِير القانع) وَشهد رَسُول الله ﷺ رجلا بِالْجنَّةِ فَلم ير لَهُ صَوْم وَلَا صَلَاة فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ إِنِّي أَبيت وَلَيْسَ لأحد فِي قلبِي غل وَلَو أَعْطَيْت الدُّنْيَا مَا فرحت بهَا وَلَو أخذت مني لم أَحْزَن عَلَيْهَا وَعَن أبي بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ ﵁ قَالَ إِن أَبَا بكر ﵁ لم يفضل النَّاس بِكَثْرَة صَلَاة وَلَا صَوْم وَإِنَّمَا فَضلهمْ بِشَيْء كَانَ فِي قلبه وَعَن الْحسن ﵁ قَالَ إِن عمر لم يغلب النَّاس بِالْأَعْمَالِ إِنَّمَا غلبهم بِالصبرِ وَالْيَقِين والزهد وَقَالَ عبد الله ﵁ أَنْتُم الْيَوْم أَكثر صَلَاة وصوما وجهادا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وهم كَانُوا خيرا مِنْكُم قَالُوا مِم ذَاك قَالَ كَانُوا أزهد فِي الدُّنْيَا وأرغب فِي الْآخِرَة وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
следующие страницы →