← Книги сунны

Книги сунны · id 720

نوادر الأصول في أحاديث الرسول

الحكيم الترمذي

Полный текст (1 237 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

قَالَ ﵇ (الْغَضَب يفْسد الْإِيمَان كَمَا يفْسد الصَّبْر الْعَسَل) وَقَالَ أَيْضا ﵇ (الْإِيمَان حُلْو نزه فنزهوه ونزاهته أَن تفطم نَفسك عَن الشَّهَوَات حَتَّى لَا يصل إِلَى قَلْبك مِنْهُ بِمَنْزِلَة مَاء صَاف جرى إِلَيْهِ مَاء كدر فَذهب بصفائه أَو عسل ماذي وصل إِلَيْهِ الصَّبْر فَغَيره عَن حَالَته لِأَنَّهُ إِذا اسْتَقر فِي قلب الْمُؤمن تَوْحِيد رب كريم ودود ظهر لَهُ وداده وَكَرمه وبره فقد وجد حلاوة التَّوْحِيد ونزاهته فَإِذا جَاءَت شهوات النَّفس سَبِيلا إِلَى الْقلب فخالطته وكدرته ومازجت حلاوته فدنست وكدرت فَأَي خسران أعظم من هَذَا وَمن خلع عَلَيْهِ ملك خير خلعه فِي خزانته فدنسها بقلة التوقي لَهَا عَن مَوَاضِع الدنس أَو لم يكن محقوقا أَن يسلب فيهان أم لَيْسَ على حَيَاء من فعله فِي الْيَوْم الَّذِي دخل على الْملك بِتِلْكَ الخلعة فَمَا ظَنك بِمن خلع الله تَعَالَى عَلَيْهِ التَّوْحِيد فدنسه فَانْظُر مَاذَا حل بِهِ إِذا دخل عَلَيْهِ وَالْقلب مثله مثل ملك لَهُ عبيد لَهُم هَيْئَة وشارة ومراكب وزي الْأَغْنِيَاء وَالْملك فَقير معدم لَيْسَ لَهُ مَادَّة وَلَا كنز فَإِذا نظر إِلَيْهِ الْعَاقِل يَقُول لَيْسَ لهَذَا الْأَمر نظام وَلَا لَهُ دوَام فَإِنَّهُ معدم فَهَذِهِ الهيئآت الَّتِي أَرَاهَا لَا تدوم وسيحتاج إِلَى مثلهَا وَلَيْسَ لَهُ مدد وَإِن برز لَهُ مناوئ يكون زَوَال ملكه وضياع هَؤُلَاءِ العبيد وَنظر أَحْوَالهم وَإِن كَانَ الْملك ذَا كنوز ومادة وَالْعَبِيد فِي هَيْئَة بذة يَقُول فِي نَفسه لَهُ بيُوت أَمْوَال من الْكُنُوز فَفِي سَاعَة وَاحِدَة يصيرهم فُرْسَانًا بِجَمِيعِ آلتهم ويكسوهم من الْكسْوَة ويعطيهم من الْعدة مَا يعرفهُمْ لغناه فَكَذَلِك من كَانَ قلبه بَين يَدي الله تَعَالَى فِي غناهُ وسلطانه وَقد احتظى

стр. 772

مِنْهُ الْحَظ الأوفى من جَلَاله وعظمته وكبريائه ومجده فَهُوَ فِي تِلْكَ الْأَنْوَار مشرق صَدره بهَا فَإِذا رأى أَرْكَانه معطلة من أَعمال الْبر لم يحيره ذَلِك لِأَن الْملك غَنِي فعري الأرقام لَا يضرّهُ إِذْ لَا يتْرك فرضا وَإِنَّمَا يتْرك فضلا وَلَا تستبين الْفَضَائِل فِي جنب مَا تفضل الله تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِ من مَعْرفَته الَّتِي برز بهَا على الْخلق وَقد عرف الله تَعَالَى معرفَة وثق بِهِ فِي جَمِيع أَحْوَاله وفوض أُمُوره إِلَيْهِ فَانْظُر إِلَى تَدْبيره مراقبا لَهُ قَابلا لأحكامه قنعا بِالَّذِي يُؤْتى من دُنْيَاهُ مؤتمرا بأَمْره مطمئنا بِهِ لَيست لَهُ همة وَلَا نهمة وَلَا قَرَار إِلَّا الْخَلَاص من هَذَا السجْن الَّذِي أَخذ بِنَفسِهِ قد ضَاعَت عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَصَارَت سجنا لطول احتباسه لِأَنَّهُ ظمآن إِلَى لِقَاء مَوْلَاهُ وَأي شَيْء ألذ من لِقَاء العَبْد سَيّده الَّذِي كَانَ أمله من الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَأَما الْإِبَاق من العبيد الَّذين جهلوا سيدهم لَا يحب لِقَاء سَيّده وَهل شَيْء أثقل عَلَيْهِ من لِقَائِه لأَنهم استطابوا الْحُرِّيَّة وتعجلوها بتقلبهم فِي دنياهم وشهواتهم وهربوا من العبودة فهم وَإِن كَانُوا قد عرفوه وَلم يشكوا فِيهِ بعد أَن أيقنوا وعلموه علم اللِّسَان إِلَّا أَنهم جهال بِهِ لم ينكروه لِأَنَّهُ لم يتراء على قُلُوبهم نور جَلَاله وَلَا حل بقلوبهم عَظمته وَلَا تجلل عَلَيْهَا كبرياؤه وَلَا طالعت مجده وسلطانه وَلَا عَايَنت منته وإحسانه وَلَا فهمت تَدْبيره ولطفه فِي الْأُمُور وَلَا انْتَبَهت لربوبيته وَلَا شربت بالكأس الأوفى من محبته وَلَا ظمئت من الشوق إِلَيْهِ وَلَا ولهت وَله العكف بِبَابِهِ وَلَا تفسحت فِي ساحات توحيده متأنسا بجماله وَلَا انْفَرَدت لأحديته وَلَا حييت بحياته وَلَا خلصت لوحدانيته وَلَا طابت بنسيم قربه وَلَا انشرحت صُدُورهمْ بذلك من قُلُوبهم بل علمُوا علما مُجملا اقتضاهم الْإِيمَان الْإِقْرَار بذلك قولا

стр. 773

والاعتقاد لَهُ قلبا وصدورهم غير منشرحة بباطن علمه فَمن جهل هَذَا اكْتفى بهيئة العبيد وَالْملك فَقير مَعْدُوم والعاقل ينظر إِلَى صلَاته وصيامه وحجه وجهاده وأعمال بره وَكَأَنَّهُ نظر إِلَى أَرْكَان وجوارح كَهَيئَةِ العبيد عَلَيْهِم هَيْئَة مُرْتَفعَة ومراكب سَرِيَّة وأسلحة وافرة وَإِذا نظر إِلَى بَاطِن أحدهم وجد خوف الرزق على قلبه كالجبال كَاد يَمُوت من همه وَخَوف الْخلق وَسُقُوط مَنْزِلَته عَن قُلُوبهم وَوجد فيهم الْفَرح بمدح الْخلق لَهُم وَالثنَاء عَلَيْهِم وَحب الرياسة وَطلب الْعُلُوّ والتبصبص للأغنياء والاستحقار للْفُقَرَاء والأنفة مِنْهُم والاستكبار فِي مَوضِع الْحق والحقد على أَخِيه الْمُسلم والعداوة والبغضة وَترك الْحق لمخافة ذل ينزل بِهِ وَالْقَوْل بالهوى وَالرَّغْبَة فِي الدُّنْيَا والحرص عَلَيْهَا وَالشح وَالْبخل وَطول الأمل والأشر والبطر والغل والغش والمباهاة والرياء والسمعة والاشتغال بعيوب الْخلق والمداهنة والإعجاب بِالنَّفسِ والتزين للمخلوقين والصلف والتجبر وغرة النَّفس وَالْقَسْوَة والفظاظة وَغلظ الْقلب والغفلة وَسُوء الْخلق وضيق الصَّدْر والفرح بالدنيا والحزن على فَوتهَا وَترك القناعة والمراء فِي الْكَلَام والجفاء والطيش والعجلة والحدة وَقلة الرَّحْمَة وَقلة الْحيَاء والاتكال على الطَّاعَات وفضول الْكَلَام والشهوة الْخفية وَطلب الْعِزّ واتخاذ الأخوان فِي الْعَلَانِيَة على عَدَاوَة فِي السِّرّ والتماس المغالبة والانتصار للنَّفس والتعظيم للأغنياء من أجل غناهم والاستهانة بالفقراء من أجل فَقرهمْ والغيبة والحسد والنميمة والجور والعدوان فَهَذِهِ كلهَا مزابل قد انضمت عَلَيْهَا طويات صَدره وَظَاهره الْعِبَادَة وأنواع أَعمال الْبر فَإِذا انْكَشَفَ الغطاء عَن هَذِه الْأَشْيَاء بَين يَدي الله تَعَالَى كَانَ كمزبلة فِيهَا أَنْوَاع الأقذار غشيت بالديباج فَلَمَّا رفع عَنهُ الغطاء أخذت بالأنف من نتنها وَأعْرض الناظرون عَن قبحها فَهَذَا المتصنع الْمرَائِي عبد شهواته لم يقدر أَن يخلص من عمله وَنَفسه

стр. 774

متقدة بِنَار الشَّهْوَة وَقَلبه مشحون بهوى نَفسه وَلَو اجْتهد فِي إخلاص الصَّلَاة وَالصَّوْم فَهُوَ مُحْتَاج إِلَى أَن يخلص فِي مشيته وركوبه ونزوله وَأكله وشربه ومنطقه وصمته وَأَخذه وإعطائه وَجَمِيع معاملاته وَلَو أخْلص هَذَا كُله أَلَيْسَ هَذِه الْمَزَابِل مَعَه فَهَذِهِ كلهَا عُيُوب وَالْعَبْد إِذا كثرت عيوبه انحطت قِيمَته والعاقل لَا يغره مَا رأى من ظَاهر أَحْوَاله إِذا اطلع على بَاطِنه فَوَجَدَهُ كَمَا وَصفنَا كمن رأى ملكا لَهُ عبيد فِي زِيّ وهيئة ومراكب وَالْملك بِنَفسِهِ لَيست لَهُ مَادَّة من الْأَمْوَال وَإِذا رأى عبدا أَرْكَانه معطلة من أَعمال الْبر وَقَلبه ملك من الْمُلُوك مَمْلُوءَة خزائنه أَمْوَالًا وبيوته جَوَاهِر وَالْأَمْوَال غناهُ بِاللَّه تَعَالَى وَأي غَنِي أغْنى مِمَّن اسْتغنى بِاللَّه تَعَالَى إِذْ الْغنى بالأموال مُنْقَطع والغنى بِاللَّه تَعَالَى دَائِم إِذْ هُوَ حَيّ لَا يَزُول وَأما الْجَوَاهِر فحكمة صِفَاته وَقد عجز عَن دركها الْعَامَّة وَإِنَّمَا خص بهَا الْأَنْبِيَاء والأولياء ﵈ أهل خدمَة الله تَعَالَى فَإِنَّهُ قد انْفَرد بالفرد الْوَاحِد واحتظي من جَلَاله وعظمته وكبريائه ومجده وجماله فتواضع لَهُ وخشعت جوارحه لخشوع قلبه وَعظم أَمر الله وَحفظ حُدُوده وراقب تَدْبيره إعظاما لجلاله وهيبته وتذللا لربوبيته فَعنده الرأفة بالخلق وَالرَّحْمَة لَهُم واللين والرأفة والحلم وسعة الصَّدْر وتعظيم أَمر الله تَعَالَى وَالْإِخْلَاص لَهُ وحراسة الْقلب ودوام الْفِكر والقناعة والرضى والإنابة والشوق إِلَيْهِ والتبرم بِالْحَيَاةِ واليقظة فِي الْأُمُور والمعاينة لَهَا والرزانة والصيانة والشفقة والعطف والتأني وَالْوَقار والسكون وَالذكر الدَّائِم والرهبة وَالرَّغْبَة وَالْخَوْف والرجاء والأنس بِاللَّه تَعَالَى وَالسُّرُور بِهِ والسخاء والجود والبشاشة والنصيحة وسلامة الصَّدْر صَار كمن رأى عبدا فِي هَيْئَة رثَّة وَالْملك صَاحب كنوز وجواهر فَعلم هَذَا الْعَاقِل أَن هَذِه الْهَيْئَة لَا تضر عبيده لِأَنَّهُ مَتى عرض لَهُم أَمر فتح لَهُم بَابا من خزائنه فعرفهم فَكَذَا هَذَا الْقلب قد امْتَلَأَ خيرا

стр. 775

وامتلأ جوارحه من هَذَا الْخَيْر فلساعة من عمره بِهَذِهِ الصّفة أفضل من أَعمال الثقلَيْن دهرا وَإِذا تعطلت أَرْكَانه عَن كثير من أَعمال الْبر فَهُوَ فِي الْخَيْر كُله دَائِم عَلَيْهِ بدوام قلبه على ذَلِك وَقَلِيل من عمله أزكى من عمل ذَلِك المخلط سِنِين كَثِيرَة يرْوى أَن رجلا جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا رأى مَا بِهِ من الضّر قَالَ (مَا بلغ بك مَا أرى) قَالَ بِأبي أَنْت وَأمي السقم وَالْحَاجة قَالَ لَهُ (أَفلا أعلمك كَلِمَات إِذا أَنْت قلتهن أذهب الله عَنْك مَا بك) قَالَ بِأبي أَنْت وَأمي مَا أحب أَن لي مِمَّا ترى بِي وقْعَة بدر وَأحد فَقَالَ ﵇ (يَا أَخا الْأَنْصَار وَأَيْنَ تقع وقْعَة بدر وَأحد من مَوضِع الْفَقِير القانع) وَشهد رَسُول الله ﷺ رجلا بِالْجنَّةِ فَلم ير لَهُ صَوْم وَلَا صَلَاة فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ إِنِّي أَبيت وَلَيْسَ لأحد فِي قلبِي غل وَلَو أَعْطَيْت الدُّنْيَا مَا فرحت بهَا وَلَو أخذت مني لم أَحْزَن عَلَيْهَا وَعَن أبي بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ ﵁ قَالَ إِن أَبَا بكر ﵁ لم يفضل النَّاس بِكَثْرَة صَلَاة وَلَا صَوْم وَإِنَّمَا فَضلهمْ بِشَيْء كَانَ فِي قلبه وَعَن الْحسن ﵁ قَالَ إِن عمر لم يغلب النَّاس بِالْأَعْمَالِ إِنَّمَا غلبهم بِالصبرِ وَالْيَقِين والزهد وَقَالَ عبد الله ﵁ أَنْتُم الْيَوْم أَكثر صَلَاة وصوما وجهادا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وهم كَانُوا خيرا مِنْكُم قَالُوا مِم ذَاك قَالَ كَانُوا أزهد فِي الدُّنْيَا وأرغب فِي الْآخِرَة وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 776

فِيمَا يَحْكِي عَن ربه أَنه قَالَ يَا مُوسَى إِنَّه لن يتصنع المتصنعون بِمثل الزّهْد فِي الدُّنْيَا وَلنْ يتَقرَّب المتقربون بِمثل الْوَرع عَمَّا حرمت عَلَيْهِم وَلم يعبدني العابدون بِمثل الْبكاء من خَشْيَتِي فَأَما الزاهدون فأبيحهم الْجنَّة حَتَّى يتبوؤا مِنْهَا حَيْثُ شَاءُوا وَأما الورعون عَمَّا حرمت عَلَيْهِم فَإِنَّهُ لَيْسَ من عبد يلقاني يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا ناقشته الْحساب وفتشته عَمَّا فِي يَدَيْهِ إِلَّا مَا كَانَ من الورعين فَإِنِّي أَجلهم وَأكْرمهمْ وأدخلهم الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وَأما البكاءون من خَشْيَتِي فَلهم الرفيق الْأَعْلَى لَا يشركُونَ فِيهِ وَقَالَ ﵇ (الْوَرع سيد الْعَمَل) وَمن لم يكن لَهُ ورع يردهُ عَن مَعْصِيّة الله تَعَالَى إِذا خلا بهَا لم يعبأ الله بِسَائِر عمله شَيْئا فَذَلِك مَخَافَة الله فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة والاقتصاد فِي الْفقر والغنى والصدق عِنْد الرضى والسخط أَلا وَإِن الْمُؤمن حَاكم لنَفسِهِ يرضى للنَّاس مَا يرضى لنَفسِهِ وَهَذِه الْخِصَال لَا تكون إِلَّا لأهل الْقُلُوب وَقَالَ أنس ﵁ مَا أعرف الْيَوْم فِيكُم شَيْئا كنت عهدته على عهد رَسُول الله ﷺ لبس قَوْلكُم لَا إِلَه إِلَّا الله فصلاح الْقلب صَلَاح الْجَسَد وعمارته عمَارَة دينه قَالَ ﵇ (من كَانَ لَهُ قلب صَالح تَحَنن الله عَلَيْهِ) وَقَالَ ﵇ (بالقلوب الصَّالِحَة يعمر الله الأَرْض وَبهَا يخرب الأَرْض إِذا كَانَت على غير ذَلِك)

стр. 777

- الأَصْل الْحَادِي وَالْعشْرُونَ والمائتان - فِي أَن الوسوسة من برازخ الْإِيمَان عَن أنس ﵁ أَن بعض أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ شكا إِلَى رَسُول الله ﷺ مَا يَجدونَ فِي صُدُورهمْ من الوسوسة فَقَالَ (كَيفَ أَنْتُم فِي ربكُم) قَالُوا لَا نشك فِي رَبنَا وَلِأَن يَقع أَحَدنَا من السَّمَاء فيتقطع أحب إِلَيْهِ من أَن يتَكَلَّم بِمَا يجد فِي صَدره فَقَالَ ﵇ (الله أكبر ذَاك مَحْض الْإِيمَان) وَكَانَ ثَابت يَقُول اللَّهُمَّ أَكثر لنا مِنْهُ قَالَ أَبُو عبد الله أحكم الله تَعَالَى الْإِيمَان فِي قُلُوب من اجتباهم وهداهم وأبرز أَسْمَاءَهُم بالسعادة فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وأخرجهم يَوْم الْمِيثَاق فِي أَصْحَاب الْيَمين وفزع الشَّيْطَان من أَن يوسوس إِلَيْهِم فِي توحيدهم مَا يُبطلهُ عَنْهُم وَكَيف يجوز ذَلِك وَقد أَخذ الله بِقَلْبِه وناصيته وَفِي قلبه نوره فَكيف يقوم الْعَدو لنوره حَتَّى يطفئه إِذْ لَيْسَ أحد ينشرح صَدره بِاللَّه تَعَالَى وبالنطق بِلَا إِلَه إِلَّا الله إِلَّا بمنة الله عَلَيْهِ

стр. 778

فَلَنْ يُسَلط عَلَيْهِ الْعَدو حَتَّى يُبطلهُ وَالله أكْرم من أَن يرتجع فِي منته ويسلط عَلَيْهِ الْعَدو أَلا ترى إِلَى قَوْله لِلْعَدو ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان وَكفى بِرَبِّك وَكيلا﴾ أَي مَانِعا شَيْطَانه من أَن يدْخل عَلَيْهِ فِي قلبه فَيفْسد توحيده لِأَن التَّوْحِيد هُوَ الْإِيمَان وَذَلِكَ نور الله تَعَالَى فِي قلبه قَالَ تَعَالَى ﴿حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ﴾ وَالْقلب هُوَ الْبضْعَة الْبَاطِنَة والبضعة الظَّاهِرَة يُقَال لَهَا فؤاد وفيهَا العينان والأذنان وَالْقلب يقلبه الله تَعَالَى وَلم يكله إِلَى أحد وَلم يطلع عَلَيْهَا أحدا من خلقه وَإِنَّمَا سُلْطَان الشَّيْطَان فِي الصَّدْر لِأَنَّهُ بَيت الْقلب وَالنَّفس مَعْدن الشَّهَوَات قَالَ تَعَالَى ﴿يوسوس فِي صُدُور النَّاس﴾ فالشيطان يزين وَيُشِير ويمني وَيحدث فِي صُدُور النَّاس الشَّهْوَة الَّتِي فِي النَّفس حَتَّى يضله ويفتنه وَلَيْسَ يجد الْمُؤمن فِي نَفسه شَهْوَة الْكفْر لِأَن الله تَعَالَى نَزعهَا بإيصال الْإِيمَان إِلَى حَبَّة قلبه ثمَّ بَقِي شَهْوَة الْأَشْيَاء فِي قلبه ثمَّ حرم وَأحل ليبلغه بالمجاهدة فِي هَذِه الشَّهَوَات فاذن الْمُؤمن قد حلاه الله تَعَالَى بِالْإِيمَان وطهره وطيبه وزين قلبه وَلَيْسَ للكفر شَهْوَة فِي النَّفس حَتَّى يدْخل الشَّيْطَان فِيهِ بظلمته فيزين لَهُ الشّرك حَتَّى يفْسد توحيده وَلَا لَهُ إِلَيْهِ سَبِيل فَإِذا وسوس فِي صَدره أنكر الْقلب بِمَا فِيهِ من النُّور وإنكاره مَحْض الْإِيمَان لِأَنَّهُ اهتاج فَاسْتَنَارَ وَصَارَ كجمرة قد علاها الرماد لخمودها فَلَا تكَاد تضيء مِمَّا علاها فوصلت إِلَيْهِ نفحة فطار عَنْهَا رمادها فتوقدت وتلظت واستضاء الْبَيْت بتوقده فازدادت تِلْكَ الْجَمْرَة فَصَارَت مَحْضَة لما طَار عَنْهَا الرماد

стр. 779

فَكَذَلِك الْقلب فِيهِ الْإِيمَان وَقد سقم وعلاه رماد حريق الشَّهَوَات فَإِذا جَاءَهُ الوسواس بكيده وَحَدِيثه يُرِيد بِهِ نقض توحيده كَانَ ذَلِك كمن ينْفخ فِي تِلْكَ الْجَمْرَة لتتقد ويطير عَنهُ الْغُبَار وَتلك النفخة هِيَ أَمر من الله تَعَالَى خَفِي يلطف لَهُ من لطفه ليفي لَهُ بِمَا توكل لَهُ من قَوْله ﴿وَكفى بِرَبِّك وَكيلا﴾ فَلَمَّا صَار إيمَانه ذَا غُبَار رَحمَه ولطف لَهُ من حَيْثُ خَفِي على الْعباد بالعصمة فَمنع كَيده من أَن يفْسد عَلَيْهِ توحيده واهتاج الْإِيمَان مُنْكرا لما جَاءَ بِهِ ونافرا عَنهُ فطار عَنهُ رماد الشَّهَوَات ودخانه واستوقدت جَمْرَة الْإِيمَان فَأَضَاءَتْ الصَّدْر فَلذَلِك صَار مَحْض الْإِيمَان لِأَنَّهُ فِي ذَلِك بِلَا رماد وَلَا دُخان وَلِهَذَا قَالَ ثَابت ﵁ اللَّهُمَّ زِدْنَا مِنْهُ سَأَلَ الزِّيَادَة من لطف الله تَعَالَى لعَبْدِهِ وَقَالَ عبد الله ﵁ حَيْثُ سُئِلَ عَن الوسوسة فَقَالَ ذَاك برازخ الْإِيمَان والبرزخ الحاجز بَين الشَّيْئَيْنِ وَلِهَذَا قَالَ ﵇ (مثل الْمُؤمن مثل الْفرس فِي آخيته يحول ويجول ثمَّ يرجع إِلَى آخيته) فيحق على الْمُؤمن أَن يقل عبؤه بوسوسته فأخسأ مَا يكون إِذا استحقر لَهُ وَلم يعبأ بِهِ فَمن اعتراه ضعف فِي قلبه حَتَّى يخَاف على نَفسه فَذَاك لضيق صَدره وَقلة انشراحه وظلمة الشَّهَوَات والذنُوب فَإِن وسوس إِلَيْهِ فِي التَّشْبِيه فالرد عَلَيْهِ أَن يَقُول فِي نَفسه كل مَا

стр. 780

تصور فِي صَدْرِي فالرب بِخِلَافِهِ فَإِنَّهُ لَا يتَصَوَّر فِي صَدْرِي إِلَّا مَخْلُوق لَهُ كيفيه وَمثل وربي لَا يدْرِي كَيفَ هُوَ وَلَا مثل لَهُ وَلَا كَيْفيَّة فَمَا تمثل فِي صَدْرِي فَهُوَ غير رَبِّي ثمَّ جَاءَ عَن رَسُول الله ﷺ (الله الله رَبِّي لَا أشرك بِهِ شَيْئا) لتطيب بهَا نَفسه بِمَا ضَاقَ مِنْهُ صَدره ليخرج من ضيقه بهَا إِلَى السعَة

стр. 781

- الأَصْل الثَّانِي وَالْعشْرُونَ والمائتان - فِي أَن النُّجُوم أَمَان لأهل السَّمَاء وَالْعُلَمَاء الصديقين أهل بَيت النُّبُوَّة أَمَان للْأمة عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (النُّجُوم أَمَان لأهل السَّمَاء وَأهل بَيْتِي أَمَان لأمتي) فالنجوم هن الطوالع السوائر الغوارب عُطَارِد والمريخ وزحل وَالْمُشْتَرِي والزهرة وَسميت نجوما لِأَنَّهَا تنجم أَي تطلع من مطالعها فِي أفلاكها قَالَ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي جعل لكم النُّجُوم لتهتدوا بهَا﴾ وَمَا عدا ذَلِك كواكب

стр. 782

قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا زينا السَّمَاء الدُّنْيَا بزينة الْكَوَاكِب﴾ فالكواكب معلقات من السَّمَاء كالقناديل والنجوم لَهَا مطالع ومغارب فهن أَمَان لأهل السَّمَاء فَإِذا ذهبت أَتَى أهل السَّمَاء مَا يوعدون وعَلى هَذَا يأول قَوْله ﵇ (مثل أَصْحَابِي مثل النُّجُوم بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ) وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ من لَقِي رَسُول الله ﷺ أَو بَايعه أَو رَآهُ رُؤْيَة وَاحِدَة وَإِنَّمَا أَرَادَ من لَازمه غدْوَة وَعَشِيَّة وَكَانَ يتلَقَّى الْوَحْي مِنْهُ طريا وَيَأْخُذ عَنهُ الشَّرِيعَة الَّتِي جعلت منهجا للْأمة وَينظر مِنْهُ إِلَى آدَاب الْإِسْلَام وشمائله فصاروا من بعده أَئِمَّة أَدِلَّة فبهم الإقتداء وعَلى سيرتهم الاحتذاء فَكَانُوا يسمون عِنْده ويصبحون عِنْده ولازموه فِي السّفر والحضر وتفقهوا فِي دين الله وَعرفُوا النَّاسِخ والمنسوخ وَالسّنَن وهم الَّذين أثنى الله عَلَيْهِم وَأمر نبيه ﵇ بِالصبرِ مَعَهم فَقَالَ ﴿واصبر نَفسك مَعَ الَّذين يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي﴾ فَهَؤُلَاءِ هم النُّجُوم الْأَدِلَّة وشبههم ﵇ بالنجوم لِأَن بهم الإقتداء وهم من الْأَصْحَاب قَلِيل عَددهمْ كَالنُّجُومِ لأَنهم أهل بصائر ويقين وَجَاز لَهُم اجْتِهَاد الرَّأْي بِفضل الْيَقِين والبصائر فَلَمَّا اخْتلفُوا فِي اجتهادهم جَازَ لكل أحد لم يكن من أهل النّظر والتمييز أَن يَأْخُذ بقول من أَقْوَالهم تقليدا لَهُ وَمن كَانَ من أهل النّظر فَاخْتَارَ قولا من أَقْوَالهم مُجْتَهدا مستنبطا كَانَ لَهُ ذَلِك وَأما غير هَؤُلَاءِ فهم مِثَال الْكَوَاكِب يضئن لأَنْفُسِهِمْ وَلَيْسوا بأدلة وَلَا أَئِمَّة

стр. 783

وَقَوله (أهل بَيْتِي أَمَان لأمتي) فَأهل بَيته من خَلفه من بعده على منهاجه وهم الصديقون والأبدال الَّذين روى عَليّ كرم الله وَجهه قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (إِن الأبدال يكونُونَ بِالشَّام وهم أَرْبَعُونَ رجلا كلما مَاتَ مِنْهُم رجل أبدل الله مَكَانَهُ رجلا بهم يسْقِي الْغَيْث وينصر بهم على الْأَعْدَاء وَيصرف عَن أهل الأَرْض بهم الْبلَاء) فَهَؤُلَاءِ أهل بَيت رَسُول الله ﷺ وأمان هَذِه الْأمة فَإِذا مَاتُوا فَسدتْ الأَرْض وَخَربَتْ الدُّنْيَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا دفع الله النَّاس بَعضهم بِبَعْض لفسدت الأَرْض﴾ وَهَذَا لِأَن الْبَيْت من تبوئة الذّكر وَكَانَ رَسُول الله ﷺ بعث ليبوئ لذكره فِي الأَرْض فَبَدَأَ بِمَكَّة فطرد وَنفى الذّكر ثمَّ جعل الله تَعَالَى لَهُ مُهَاجرا ومستقرا فَمن هَاجرُوا إِلَيْهِ ولزموه فصاروا أهل الذّكر فهم أهل بَيته وَمن آووا إِلَيْهِ وَلم يصيروا من أهل الذّكر فليسوا من أهل بَيته بل هم من أَصْحَابه وَأَتْبَاعه قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِن يكفر بهَا هَؤُلَاءِ فقد وكلنَا بهَا قوما لَيْسُوا بهَا بكافرين﴾ وهم الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار فتبوئوا الدَّار وَالْإِيمَان فصاروا أهل بَيت رَسُول الله ﷺ لتبوئه الذّكر

стр. 784

وَإِنَّمَا يكون من أهل التبوئة من بوأ لذكره على طَرِيقه صافيا غير مغشوش صادر من إِيمَان غير مغشوش وَلَا سقيم وسقمه أَن يمازجه شَهْوَة النَّفس حَتَّى تميل بِهِ عَن الله تَعَالَى وتثقله عَن أمره وتلهيه عَن ذكره قَالَ تَعَالَى ﴿لَا تلهكم أَمْوَالكُم وَلَا أَوْلَادكُم عَن ذكر الله﴾ إِذْ الْإِيمَان هُوَ طمأنينة الْقلب إِلَى الله تَعَالَى فِي كل أَمر فَإِذا آمن بِهِ على الْجُمْلَة ثمَّ مَال يَمِينا وَشمَالًا لِيَطمَئِن إِلَى الْخلق والأسباب فَذَلِك غش الْإِيمَان إِذْ خلط بِهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ فَأَما الْأَنْبِيَاء والأولياء ﵈ قد اطمأنوا إِلَيْهِ يراقبون مَا يخرج من حجب الْغَيْب من مَشِيئَته وتدبيره فيقبلون مِنْهُ اهتشاشا وتسارعا لمشيئآته وَأَحْكَامه قد أخبتوا لَهُ وانخشعت نُفُوسهم لِأَن شهواتهم قد مَاتَت من هَيْبَة جَلَاله تَعَالَى وتقدس فالمستحقون للذّكر هم أهل الذّكر وهم الَّذِي ذكرهم الله تَعَالَى بِحَقِيقَة الذّكر وَهُوَ أَن لَا يبْقى على قلبه مَعَ ذكره فِي ذَلِك الْوَقْت ذكر نَفسه وَلَا ذكر مَخْلُوق فَذَاك الذّكر الصافي الَّذِي لَا غش فِيهِ قَالَ ﵇ (يَقُول الله من شغله ذكري عَن مَسْأَلَتي أَعْطيته أفضل مَا أعطي السَّائِلين) هَذَا فِيمَن شغله ذكر الْخَالِق فَكيف بِمن شغله الْخَالِق بأنسه هَذَا فِيمَن شغله الْخَالِق بأنسه فَكيف بِمن شغله الْخَالِق بجلاله وجماله وَكَيف بِمن شغله الْخَالِق فِي فردانيته بِنَفسِهِ فِي وحدانيته وهم الَّذين أَشَارَ إِلَيْهِم ﵇ فَقَالَ (سِيرُوا فقد سبق المفردون) قيل يَا رَسُول الله من المفردون

стр. 785

قَالَ (الَّذين اهتروا فِي ذكر الله يأْتونَ يَوْم الْقِيَامَة خفافا يضع الذّكر عَنْهُم أثقالهم) فالمهتر إِذا نطق يشبه كَلَامه كَلَام من لم يَسْتَعْمِلهُ عقله لِأَن الْعقل يخرج الْكَلَام على اللِّسَان بتدبير وتؤدة وتأني وَهَذَا المهتر إِنَّمَا ينْطق بِهِ فَكَأَنَّهُ المَاء على لِسَانه يجْرِي حَتَّى يشبه الهذيان فِي بعض أَحْوَاله عِنْد الْعَامَّة وَهُوَ فِي الْبَاطِن مَعَ الله تَعَالَى من أصفي الناطقين وأصدقهم والمهتر فِي اللُّغَة الشَّيْخ الْكَبِير الَّذِي قد أفند عقله وَهُوَ يهتر فِي الْكَلَام كالخرف فَهَذَا قد خمد نور عقله لنُور وَجهه الْكَرِيم بِمَنْزِلَة قمر طلع عَلَيْهِ شمس فخمد نور الْقَمَر بضوء الشَّمْس فَلم يعْمل عقله ذَلِك الْعَمَل وَمن خمد عقله للقرب والدنو فقد اسْتوْجبَ من الله تَعَالَى كَرَامَة أنطق لِسَانه وَحفظ عَلَيْهِ شَأْنه وأيده وَعَصَمَهُ فَصَارَ بَيت رَسُول الله ﷺ لتبوئة الذّكر على الْوَجْه الَّذِي بَينا والأهل والآل بِمَنْزِلَة وَاحِدَة إِذْ الْهَاء والهمزة أختَان تجزي أحديهما عَن الْأُخْرَى وَإِنَّمَا قيل أهل لِأَنَّهُ حَيْثُ مَا ذهب بِهِ فَهُوَ رَاجع إِلَى ذَلِك المستقر فَكَذَا الْآل حَيْثُ مَا تفرق وَالنّسب يؤول إِلَى الأَصْل فَأهل الْبَيْت كل من رَجَعَ نسبه إِلَى ذَلِك الأَصْل فَكَذَا أهل بَيت الرَّسُول ﷺ فَإِن الله تَعَالَى قد أَخذ الرَّسُول ﵇ من خلقه فاختصه لنَفسِهِ واصطفاه لذكره فَكَانَ فِي كل أَمر قلبه رَاجعا إِلَى الله تَعَالَى من عِنْده يصدر وَمَعَهُ يَدُور وَإِلَيْهِ يرجع فَكَانَ هَذَا بَيْتا أشرف وَأَعْلَى من الْبَيْت الَّذِي هيأ لَهُ فِي أرضه وَهُوَ النّسَب فَكَانَ هَذَا الْبَيْت عَالِيا على ذَلِك الْبَيْت أَلا ترى أَنه غلب على النّسَب نِسْبَة مَا أكْرمه الله تَعَالَى بِهِ من الْأَمَانَة فَكَانَ يُقَال مُحَمَّد بن عبد الله ثمَّ يُقَال مُحَمَّد

стр. 786

الْأمين لِأَنَّهُ أَعلَى مِنْهُ فَلَمَّا جَاءَت الْكَرَامَة غلب على هَذَا الِاسْم فَقيل نَبِي الله وَرَسُوله فَكَذَا كَانَ لَهُ بَيت النِّسْبَة وَأهل بَيت النِّسْبَة فَلَمَّا جَاءَهُ بَيت الْكَرَامَة والنبوة فغلب على ذَلِك الْبَيْت كَانَ كل من رَجَعَ قلبه إِلَى الله تَعَالَى على طَرِيقه من أهل ذَلِك الْبَيْت وهم الْأَرْبَعُونَ الَّذِي خلفوه من بعده حَتَّى تقوم بهم الأَرْض وبهم يمطرون وَيُرْزَقُونَ وَلَا يجوز أَن يحمل على أهل بَيت النّسَب لمعان أَحدهَا أَنه رُوِيَ فِي الحَدِيث (فَإِذا ذهب أهل بَيْتِي أَتَى أمتِي مَا يوعدون) فَكيف يتَصَوَّر أَن يذهب أهل بَيته حَتَّى لَا يبْقى مِنْهُم أحد وهم أَكثر من أَن يُحْصى وبركة الله تَعَالَى عَلَيْهِم دائمة وَرَحمته مظلة من فَوْقهم وَقد قَالَ ﵇ (كل سَبَب يَنْقَطِع إِلَّا سببي ونسبي) وَالثَّانِي أَن أهل بَيته نِسْبَة بَنو هَاشم وَبَنُو عبد الْمطلب وَلم يَكُونُوا أَمَانًا لهَذِهِ الْأمة حَتَّى إِذا ذَهَبُوا ذهبت الدُّنْيَا وَالثَّالِث أَنه قد يُوجد مِنْهُم الْفساد كَمَا يُوجد فِي غَيرهم وَمِنْهُم المحسن وَمِنْهُم الْمُسِيء فَبِأَي شَيْء صَارُوا أَمَانًا لأهل الأَرْض فَعلم أَن المُرَاد بِهِ من بِهِ

стр. 787

تقوم الدُّنْيَا وهم أَعْلَامه وأدلة الْهدى فِي كل وَقت فَإِذا تفانوا لم يبْق للْأَرْض حُرْمَة فعمهم بالبلاء فَإِن قَالَ قَائِل بِحرْمَة رَسُول الله ﷺ وقربهم مِنْهُ صَارُوا أَمَانًا لأهل الأَرْض قيل حُرْمَة رَسُول الله ﷺ عَظِيمَة جليلة وَفِي الأَرْض مَا هُوَ أعظم من حُرْمَة ذُريَّته وَهُوَ كتاب الله فَلَا نجد ذكره فِي الحَدِيث ثمَّ الْحُرْمَة لأهل التَّقْوَى لِأَنَّهُ إِنَّمَا عظمت حُرْمَة رَسُول الله ﷺ لفضل النُّبُوَّة مَا أكْرمه الله تَعَالَى بِهِ وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا روى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ قَالَ دخل رَسُول الله ﷺ على فَاطِمَة وَعِنْدهَا صَفِيَّة عمَّة رَسُول الله ﷺ فَقَالَ (يَا بني عبد منَاف يَا بني عبد الْمطلب يَا فَاطِمَة بنت مُحَمَّد يَا صَفِيَّة عمَّة رَسُول الله اشْتَروا أَنفسكُم من الله لَا أُغني عَنْكُم من الله شَيْئا سلوني من مَالِي مَا شِئْتُم وَاعْلَمُوا أَن أولى النَّاس بِي يَوْم الْقِيَامَة المتقون وَإِن تَكُونُوا أَنْتُم مَعَ قرابتكم فَذَلِك لَا يأتيني النَّاس بِالْأَعْمَالِ وتأتوني بالدنيا تحملونها على أَعْنَاقكُم فتقولون يَا مُحَمَّد فَأَقُول هَكَذَا ثمَّ تَقولُونَ يَا مُحَمَّد فَأَقُول هَكَذَا أعرض بوجهي عَنْكُم فتقولون يَا مُحَمَّد أَنا فلَان ابْن فلَان فَأَقُول أما النّسَب فأعرف وَأما الْعَمَل فَلَا أعرف نبذتم الْكتاب فَارْجِعُوا إِلَى قرَابَة بيني وَبَيْنكُم) وَرُوِيَ أَنه قَالَ جهارا غير سرا (أَلا إِن أوليائي مِنْكُم لَيْسُوا بِأبي فلَان لَكِن أوليائي مِنْكُم المتقون من كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا)

стр. 788

وَمَا زَالَت الطَّبَقَة الزائفة المفتونة بحب أهل بَيت رَسُول الله ﷺ نسبا مازالت بهم فتنتهم حَتَّى عَمدُوا إِلَى كل شَيْء من هَذِه الْأَشْيَاء فنسبوه إِلَيْهِم وحرموا غَيرهم ذَلِك إعجابا بهم وفتنة وَإِن الله فَضلهمْ بِأَن طيب عنصرهم وطهر أَخْلَاقهم وَاخْتَارَ قبيلتهم على الْقَبَائِل فَلهم حُرْمَة التَّفْضِيل والأثرة وَحُرْمَة الِاتِّصَال برَسُول الله ﷺ فيحق علينا أَن نحبهمْ حبا لَا يرجع علينا بوبال وظلمة وَهَؤُلَاء الغلاة جَاءُوا بِأَحَادِيث مُخْتَلفَة وأكاذيب مُنكرَة حَتَّى أداهم ذَلِك إِلَى أَن طعنوا فِي الشَّيْخَيْنِ المهديين المرضيين الَّذين كَانَ عَليّ كرم الله وَجهه ينكل من فَضله عَلَيْهِمَا فَقَالَ لَا أجد أحدا يُفَضِّلُنِي عَلَيْهِمَا إِلَّا جلدته حد المفترين وَبلغ من إفراط هَؤُلَاءِ أَن رووا أَحَادِيث مُخْتَلفَة يُرِيدُونَ أَن يقيموا لعَلي ﵁ فضلا وَقد فضل الله عليا ﵁ بأَشْيَاء كَثِيرَة وفضائل جمة قد أغناه عَن مثل ذَلِك لكِنهمْ تركُوا لظلمة قُلُوبهم وشقاء جدهم تِلْكَ الْأَشْيَاء وَأَقْبلُوا على الْكَذِب وتأولوا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت﴾ إِنَّمَا هم عَليّ وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن رضوَان الله عَلَيْهِم وَهِي لَهُم خَاصَّة وَكَيف يجوز هَذَا ومبتدأ هَذَا الْخطاب قَوْله ﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك﴾ إِلَى قَوْله ﴿أجرا عَظِيما﴾ ثمَّ قَالَ ﴿يَا نسَاء النَّبِي﴾ إِلَى قَوْله ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت﴾ ثمَّ قَالَ ﴿واذكرن مَا يُتْلَى فِي بيوتكن﴾

стр. 789

وَهَذَا كَلَام منسوق بعضه على أثر بعض فَكيف صَارَت هَذِه المخاطبات كلهَا لِنسَاء النَّبِي ﵇ قبلا وبعدا وينصرف مَا فِي الْوسط إِلَى غَيْرهنَّ وَهُوَ على نسق ونظام وَاحِد لِأَنَّهُ قَالَ ﴿ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت﴾ ثمَّ قَالَ على أَثَره ﴿فِي بيوتكن﴾ فَكيف صَار الْكَاف الثَّانِي خطابا للنِّسَاء وَالْأول لعَلي وَفَاطِمَة ﵄ وَأَيْنَ ذكرهمَا فِي هَذِه الْآيَات فَإِن قَالَ إِن كَانَ الْخطاب لنسائه فَكيف قَالَ ﴿ليذْهب عَنْكُم﴾ وَلم يقل (عنكن) قُلْنَا إِنَّمَا ذكره لينصرف إِلَى الْأَهْل والأهل مُذَكّر فسماهن باسم التَّذْكِير وَإِن كن إِنَاثًا وَقد يرْوى عَن رَسُول الله ﷺ أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة دخل عَلَيْهِ عَليّ وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن رضوَان الله عَلَيْهِم فَعمد النَّبِي ﵇ إِلَى كسَاء فلفها عَلَيْهِم ثمَّ ألوى بِيَدِهِ إِلَى السَّمَاء فَقَالَ (هَؤُلَاءِ أَهلِي أذهب عَنْهُم الرجس وطهرهم تَطْهِيرا) فَهَذِهِ دَعْوَة مِنْهُ لَهُم بعد نزُول الْآيَة أحب أَن يدخلهم فِي الْآيَة الَّتِي خُوطِبَ بهَا الْأزْوَاج رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ

стр. 790

- الأَصْل الثَّالِث وَالْعشْرُونَ والمائتان - فِي أَخْلَاق الْمُسَافِرين عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِذا اجْتمع الْقَوْم فِي سفر فليجمعوا نفقاتهم عِنْد أحدهم فَإِنَّهُ أطيب لنفوسهم وَأحسن لأخلاقهم) فِي النُّفُوس ضيق وشح وللشيء عِنْدهم قدر وَمَا أَتَى الشُّح وَالْبخل وتعظيم الشَّيْء إِلَّا لضعف يقينهم وظلمة صُدُورهمْ لِأَن الْيَقِين نور فِي قَلْبك فَإِذا تمكن صَارَت عين قَلْبك ذَا بَصِيرَة أبْصر الْغَيْب بذلك النُّور فتريك مَا فِي الملكوت فتصغر عنْدك الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا كَمَا أَن بصر عين الرَّأْس يُرِيك الْأَشْيَاء فِي الدُّنْيَا فَإِذا ضعف الْيَقِين يعجزك عَن رُؤْيَة الْآخِرَة وعظيم مَا فِي الملكوت فتصغر عنْدك بِمَا فِيهَا كَمَا أَن بصر عين الرَّأْس يُرِيك الْأَشْيَاء فِي الدُّنْيَا فَإِذا ضعف الْيَقِين يعجزك عَن رُؤْيَة الْآخِرَة وعظيم مَا فِي الملكوت وَبَين الْيَقِين تفَاوت فأوفرهم حظا من الْيَقِين أَكْثَرهم معرفَة وأغزرهم علما بِمَا فِي الملكوت وأخشاهم لله تَعَالَى وأعلمهم بتدبيره وأغناهم بغناه وَهَذَا قَلِيل فِي النَّاس

стр. 791

وَقد عجزت الْعَامَّة من هَذَا لما يرَوْنَ الْأَشْيَاء بالأسباب وتعلقت بذلك قُلُوبهم وَمِنْهَا افتتنوا حَتَّى عصوا الله فِي جنبه فمحال أَن لَا يكون للشَّيْء قدر عِنْدهم إِلَّا أَن الله تَعَالَى عصم طَائِفَة مِنْهُم لخوف الْعقَاب عَن تنَاول حرامها وأوساخها ثمَّ هم مَعَ ذَلِك لَهَا يغضبون وَلها يرضون وَبهَا يفرحون وَمن أجلهَا يَحْزَنُونَ وَعظم قدر مَا فِي أَيْديهم من الحطام حَتَّى لَا تسخوا نفس أحدهم أَن يخرج من يَده فلسًا إِلَّا على ذكر الْخلف من الله تَعَالَى فِي دُنْيَاهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى وَمَا أنفقتم من شَيْء فَهُوَ يخلفه أَو على ذكر الثَّوَاب فِي الْآخِرَة أَن يُعْطِيهِ قصورا وحورا وحبورا وسرورا وَلَا تسخو نُفُوسهم على إتعاب جوارحهم وأعمالهم لله تَعَالَى فِي شَيْء من أَعمال الْبر إِلَّا على نوال الثَّوَاب غَدا وَلم ينْتَهوا عَن محارم الله تَعَالَى إِلَّا على خوف الْعقَاب ركضا فَهَؤُلَاءِ عبيد عبدُوا الله من أجل نُفُوسهم لم تأخذهم هَيْبَة عَظمته وسلطان كبريائه فيركض بهم فِي ميدان الطَّاعَة ركضا وميدان الْهَرَب عَن مساخطه ركضا إجلالا لرؤية الله تَعَالَى إيَّاهُم على الْأَحْوَال وتوخيا لمحابه وتلذذا لعبودته فَإِذا اجْتمعت هَذِه الطَّائِفَة الَّتِي للشَّيْء عِنْدهم قدر فِي السّفر وَانْفَرَدَ كل وَاحِد مِنْهُم لطعامه كَانَت فِي ذَلِك وَحْشَة ونزعت الْبركَة وَفِيه ذهَاب الألفة وَظُهُور الْفرْقَة والتصور بِصُورَة أهل الْبُخْل والدناءة وَإِذا أنْفق أحدهم على الْجَمَاعَة لم يقم بذلك وَعجز عَنهُ فالسبيل فِي ذَلِك مَا ندبهم ﵇ إِلَيْهِ أَن يجمعوا نفقاتهم إِلَى أحدهم حَتَّى ينفقها عَلَيْهِم فَيكون أطيب لنفوسهم وَأحسن لأخلاقهم فَكل وَاحِد إِنَّمَا خرج من يَده مِقْدَار كِفَايَته وَهُوَ طيب النَّفس بذلك وَلَا يحتشم من الْأكل وَلَو أنْفق وَاحِد وَاحِد يحتشم أحدهم من صَاحبه ويستحيي ويثقل عَلَيْهِ حَتَّى تَجِيء نوبَته

стр. 792

وَرُبمَا انْقَطع السّفر وَذَهَبت النّوبَة فَفِيمَا دلّ ﵇ تسكين النُّفُوس من وَجْهي الحشمة والتثاقل والنفوس سَاكِنة وَالْأَيْدِي مجتمعة والألفة بَاقِيَة وَالْبركَة نازلة وَالْبخل وَالشح زائل وَخلق الْإِسْلَام قَائِم وَسمي التناهد لِأَن النَّفس تنهد أَي تسارع إِلَيْهَا وَقد سبق ذكر النهد فِي التَّنْزِيل مِمَّا قصّ الله تَعَالَى فِي شَأْن أهل الْكَهْف من قَوْله ﴿فَابْعَثُوا أحدكُم بورقكم هَذِه إِلَى الْمَدِينَة فَلْينْظر أَيهَا أزكى طَعَاما فليأتكم برزق مِنْهُ﴾ وَقد قَالَ ﵇ (إِن أحب الطَّعَام إِلَى الله مَا كثرت عَلَيْهِ الْأَيْدِي) وَقَالَ ﵇ (أَلا أنبئكم بشراركم قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ من أكل وَحده وَمنع رفده وَجلد عَبده) وَقَالَ أَبُو أُمَامَة ﵁ فِي قَوْله ﴿إِن الْإِنْسَان لرَبه لكنود﴾ وَهُوَ الَّذِي يَأْكُل وَحده فأرشد ﵇ الْعَامَّة إِلَى النهد فَأَما الْكِرَام مُلُوك الدّين فهم أرفع شَأْنًا من أَن يتناهدوا لِأَن قدر الشَّيْء عَن قلبهم سَاقِط وَمن طبيعتهم السخاء والجود وَقل مَا يجْرِي فِيمَا بَينهم إِذا انفردوا عَن الْعَامَّة وزن أَو عدد ومجرى أُمُورهم على صدق الْأُخوة يَأْخُذ أحدهم من مَال أَخِيه عِنْد الْحَاجة فطابت بذلك نُفُوسهم لِأَنَّهُ لَا يَأْخُذ لرغبة فِيهِ أَو شَهْوَة أَو قَضَاء نهمة بل يتَنَاوَل لله تَعَالَى وَعرف أَخُوهُ ذَلِك

стр. 793

مِنْهُ وأمنه على نَفسه وَمَاله وَشهد لَهُ قلبه بالشفقة والعطف وَالرَّحْمَة فَلَا يتهمه على نفقه وَلَا على إمْسَاك قَالَ الْحسن ﵁ إِن كَانَ الرجل ليدْخل يَده فِي كيس أَخِيه فَمَا يسْأَله كم أخذت وَقَالَ أَبُو جَعْفَر ﵁ يدْخل أحدكُم يَده فِي كيس أَخِيه قُلْنَا لَا قَالَ لَسْتُم بأخوة وَجَاء رجل إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله لَيْسَ لي ثوب أتوارى بِهِ قَالَ (فَمَا لَك جيران) قَالَ بلَى قَالَ (فَهَل مِنْكُم أحد لَهُ ثَوْبَان) قَالَ نعم قَالَ (فَيعلم أَن لَا ثوب لَك) قَالَ نعم قَالَ (فَيَعُود عَلَيْك بِأحد ثوبيه) قَالَ لَا قَالَ مَا ذَاك بِأَخ وَدخل عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁ على عمر ﵁ وَهُوَ يُصَلِّي فَعمد إِلَى مزوده فَأخذ مِنْهُ سويقا وَتَمْرًا فَأَكله وَفعل الْحسن ﵁ مثل ذَلِك وَدخل أَبُو أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ ﵀ كرم صديق لَهُ فَأكل مِنْهُ بِغَيْر إِذن وَإِنَّمَا كف النَّاس عَن ذَلِك بعد مُضِيّ السّلف ﵏ لتغير الْقُلُوب فَلَا يَأْمَن بَعضهم بَعْضًا لفقد الرَّحْمَة والعطف وَذَهَاب الألفة وَظُهُور الْحَسَد فامتنعوا من أَن يتَنَاوَل أحدهم شَيْء صَاحبه إِلَّا بِإِذْنِهِ وَمن بعد الْإِذْن تأن وَنظر واحتياط وحذر وَلم يبْق لأحد على غَيره أَمن وثقة إِلَّا أُولَئِكَ الْأَرْبَعُونَ البدلاء العارفون الَّذين دقَّتْ الدُّنْيَا فِي أَعينهم فِي جنب الْآخِرَة ودقت الْآخِرَة فِي جنب ملك الله تَعَالَى وعظيم مَا أبرز من غيبه ودق مَا أبرز من ملكه فِي جنب عَظمته

стр. 794

وجلاله فهم الَّذين لَا قسْمَة بَينهم وَلَا وزن وَلَا عدد يتَنَاوَل أحدهم مَا شَاءَ من مَال أَخِيه من غير إِذن وَكَانَ ﵇ يعْمل فِي مَال أبي بكر ﵁ كَمَا يعْمل فِي مَال نَفسه كَمَا قد عرف مِنْهُ وَهل كَانَ يفعل فِي مَال غَيره مثل ذَلِك فَإِن مُخَالطَة المطبوع على السخاء أطيب والتناول من مَاله أشهى وَالْأكل من طَعَامه أطيب وَأحلى لأجل سُقُوط قدر ذَلِك عَن قلبه وَلِهَذَا كَانَ أَبُو بكر ﵁ تصدق بِمَالِه كُله وَلَا يكَاد أهل الانتباه واليقظة يدْخلُونَ بيُوت البخلاء ويتناولون من أطعمتهم إِلَّا ويجدون ثقل ذَلِك على قُلُوبهم ويفتقدون ذَلِك الطّيب وَتلك الْحَلَاوَة واللذة من طعامهم لأَنهم قد أحسوا بِمَا فِي نُفُوسهم من قدر ذَلِك الشَّيْء عِنْدهم فَيذْهب طعمه وطيبه وَرُوِيَ أَن رَسُول الله ﷺ لما أسرِي بِهِ نزل على الْقَوْم الَّذين ذكرهم الله تَعَالَى فِي تَنْزِيله ﴿وَمن قوم مُوسَى أمة يهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِه يعدلُونَ﴾ وعلمهم الشَّرِيعَة ومستقرهم بِأَرْض الصين من وَرَاء نهر الرمل فَسَأَلَهُمْ عَن معاشهم فَقَالُوا نَزْرَع ونحصد ونجمعه فِي بَريَّة من الأَرْض فَيخرج كل من احْتَاجَ إِلَى شَيْء فَيَأْخُذ مِنْهُ وسائره مَتْرُوك هُنَاكَ فَهَذَا صدق الْأُخوة فِي أهل الْهِدَايَة بِالْحَقِّ وَالْعَدَالَة فَصَارَ الْعدْل مقومهم وَالْحق هاديهم وَقد كَانَت أَوَائِل هَذِه الْأمة على هَذَا السَّبِيل وَقد أثنى الله تَعَالَى فِي تَنْزِيله الْكَرِيم عَلَيْهِم فَقَالَ عز من قَائِل ﴿ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة﴾ ﴿وَلَا يَجدونَ فِي صُدُورهمْ حَاجَة مِمَّا أُوتُوا﴾

стр. 795

وَذَلِكَ لِأَن رَسُول الله ﷺ لما افْتتح خَيْبَر قسم الْغَنَائِم بَين الْمُهَاجِرين دون الْأَنْصَار فَلم يَجدوا فِي صُدُورهمْ ضيقا وَلَا حسدا وَلَا شكا وَلَا وجدا على رَسُول الله ﷺ فِي فعله حِين ضربوا بِالسُّيُوفِ حَتَّى غنموا ثمَّ أعْطى الْغَنِيمَة للمهاجرين دونهم فَأثْنى الله تَعَالَى عَلَيْهِم وَشهد لَهُم بِالصّدقِ وَسُقُوط قدر الشَّيْء عَن قُلُوبهم وَقَول الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْكَرِيم لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَأْكُلُوا من بُيُوتكُمْ … إِلَى قَوْله (. . أَو صديقكم) إِذن بَالغ لَكِن الصّديق لَهُ حَقِيقَة فَمَا لم يعرف حَقِيقَة صداقته لم يغرر المتقي المتورع بِنَفسِهِ فِي ذَلِك وَأول حَقِيقَة الصداقة فِي سُقُوط قدر الشَّيْء من قلبه فَإِذا لم يعرف بِهَذَا وَإِن صادقه بِكُل قلبه فَهُوَ مُجْتَهد فِي صداقته وَلَا يَخْلُو من كَرَاهِيَة وَثقل أَن تناولت من ملكه شَيْئا وَقد أذن الله تَعَالَى فِي الْأَمْوَال عَن طيب النَّفس قَالَ عز من قَائِل فَإِن طبن لكم عَن شَيْء مِنْهُ نفسا فكلوه هَنِيئًا مريئا وَلم يقل قلبا لِأَن الْقلب رُبمَا طَابَ وَرَضي بِمَا فِيهِ من الْإِيمَان وَالنَّفس تكره بِمَا فِيهَا من الشَّهْوَة وَقَالَ ﵇ (لَا يحل لامرئ من عَطاء أَخِيه إِلَّا بِطيب نَفسه) فالإقدام فِي هَذَا الْيَوْم على مثل هَذَا جرْأَة عَظِيمَة إِذْ لَا تعلم هَذِه الْخصْلَة إِلَّا لأولئك الَّذين خلت قُلُوبهم من نُفُوسهم وتعلقت بالخالق الْكَرِيم فَلَا يبالون مَا أقبل وَمَا أدبر وَمن أَخذ وَمن أعْطى يتناولون من الدُّنْيَا لله تَعَالَى ويمسكونها لله على نَوَائِب الْحق ويعطونها لله تَعَالَى فَإِن تناولت من أَمْوَالهم لم يرجع عَلَيْك وبال مِنْهُم إِذْ أَخَذتهَا لله تَعَالَى فَإِن تناولته بِغَيْر حق يثقل فعله عَلَيْهِم

стр. 796

أَلا ترى أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ أسخى الْبشر وَالدُّنْيَا سَاقِطَة عَن قلبه فَقَالَ (إِنَّمَا أَنا خَازِن الله تَعَالَى يُعْطي وَأَنا أقسم فَمن أَخذ مني شَيْئا بِطيب النَّفس بورك لَهُ فِيهِ وَمن أَخذ مني شَيْئا وَأَنا لَهُ كَارِه فَإِنَّمَا يتأبطها نَارا) وحاشا أَن يظنّ برَسُول الله ﷺ أَنه كره من أجل قدر ذَلِك الشَّيْء فَإِن ذَلِك بخل وَلَكِن إِنَّمَا كَانَ تطيب نَفسه بالإعطاء لمن سَأَلَ بِحَق وَأخذ بِحَق فَأَما من أحس بِهِ أَنه يَأْخُذهُ أشرا وبطرا وحرصا وجمعا فَكَانَ يُعْطِيهِ على كَرَاهَة نفس ويخبرهم أَنه لَا يُبَارك لَهُم فِيهِ وَرُوِيَ فِي الحَدِيث أَنه قيل يَا رَسُول الله فَلم تعطيه قَالَ (يَأْبَى الله لي الْبُخْل) وَكَانَ ﵇ لَا يزن وَلَا يحصي وَقَالَ لعَائِشَة ﵂ (لَا توكي فيوكى عَلَيْك وَلَا تحصي فيحصى عَلَيْك) وَكَانَ لَا يدّخر شَيْئا لغد ليرى الْخلق عِنْده قلَّة قدره وَقَالَ جَابر ﵁ مَا سُئِلَ شَيْئا قطّ فَقَالَ لَا

стр. 797

- الأَصْل الرَّابِع وَالْعشْرُونَ والمائتان - فِي قُوَّة الْإِيمَان وَيسر الْعَمَل وَهُوَ التأييد وَالصَّبْر والاستعفاف والاستغناء عَن أبي سعيد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من تصبر يصبره الله وَمن يستعف يعفه الله وَمن يسْتَغْن يغنه الله وَمَا أعطي عبد عَطاء هُوَ خير وأوسع من الصَّبْر) قَالَ أَبُو عبد الله أَعْطَاهُم الله تَعَالَى الْعُقُول وَمن عَلَيْهِم بِالْإِيمَان وَالصَّبْر والعفة والغنى إِنَّمَا يخرج كُله من الْإِيمَان فَإِذا أعطي الْإِيمَان فقد أعطي هَذَا كُله فبقوة الْإِيمَان يصبر على طَاعَة الله ويستعف عَن مَحَارمه وَتَنَاول شُبُهَات الدُّنْيَا وَيقوم فِي العبودة على سَبِيل الاسْتقَامَة ثمَّ لَا يتم لَهُ ذَلِك إِلَّا بعون من الله تَعَالَى لِأَن النَّفس تقوم بهدم ذَلِك وَتَدْعُو إِلَى خِلَافه وَوَقع العَبْد فِي المجاهدة مَعهَا فلولا عون الله تَعَالَى العَبْد لمالت النَّفس وَلَكِن سَبِيل العَبْد أَن لَا يتَخَيَّر

стр. 798

فَإِذا جَاءَ مَوضِع الصَّبْر تصبر وعزم عَلَيْهِ فوشيكا يَجِيئهُ العون من الله تَعَالَى فَوجدَ الْيُسْر فِي أمره فَذَاك عون الله تَعَالَى فَإِنَّهُ قبل ذَلِك يدْخل فِي الْأُمُور مَعَ الْجهد لِأَن النَّفس تأبى ذَلِك فَدخلت فِيهِ بإكراه صَاحبهَا لَهَا على ذَلِك فَجَاءَهُ العون من الله تَعَالَى فيسر عَلَيْهَا وعَلى ذَلِك دلّ عباده ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ أمره بِالْعبَادَة وسؤال العون لِأَنَّهُ أعطي الْقُوَّة على الْقيام بِمَا أمره إِلَّا أَن النَّفس تَدْعُو إِلَى خلاف ذَلِك فَجَاءَت شهواتها تُرِيدُ أَن تغلب الْقلب على مَا أَمر فَاحْتَاجَ عِنْد مجاهدة النَّفس إِلَى عون من الله تَعَالَى وَهُوَ نور على الْقلب يَسْتَنِير الْإِيمَان ويمتزج بِهِ فيقوى الْقلب وتذل النَّفس وتخمد شهواتها فتذل النَّفس فَيَنْبَغِي للْعَبد أَن يقوم على كل أَمر أَمر بِهِ وَأَن يَنْتَهِي عَن كل نهي نهي عَنهُ بِمَا أعطي من الْعلم وَالْعقل وَالْإِيمَان وَذَلِكَ مَعَ جهد شَدِيد ينْتَظر العون من الله تَعَالَى وَلَا يلقِي بِيَدِهِ للتهلكة فَإِذا العون من الله تَعَالَى يَجِيء وييسر عَلَيْهِ كل ذَلِك فَإِن الله تَعَالَى لم يَأْمُرنَا بِأَن نقُول ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ ثمَّ يحبس عَنَّا العون وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِن مَعَ الْعسر يسرا إِن مَعَ الْعسر يسرا﴾ وَقَالَ ﵇ (لن يغلب عسر يسرين) فاليسر الأول هُوَ مَا أعطي العَبْد من الْآلَة والمعرفة وَالْعلم وَالْقُوَّة فلولا النَّفس الَّتِي يحارب صَاحبهَا بِدفع مَا تُرِيدُ لَكَانَ الْأَمر قد تمّ

стр. 799

فَإِنَّهُ قد أعطي يسر بِهِ يقوم الْأَمر الَّذِي أَمر وَلَكِن جَاءَت النَّفس بشهوتها فَاحْتَاجَ العَبْد إِلَى يسر آخر فوعده الله تَعَالَى فَقَالَ عسر عَلَيْك الْأَمر فأعطيتك مَعَ الْعسر يسرا وَهُوَ الْعقل الَّذِي هُوَ حجَّة الله تَعَالَى على عباده إِذْ لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا ويسرا بعد الْأَمر حِين تَأْخُذهُ فِيهِ وَهُوَ العون فَإِذا جَاءَ العون انْهَزَمت النَّفس وخمدت الشَّهْوَة وهرب الْعَدو وَبَطل كَيده فهما يسران لم يغلبهما هَذَا الْعسر الَّذِي بَينهمَا من مجاهدة النَّفس حَتَّى يَأْتِيك بحربه وجهاده ليصدك ويقهرك بشهواته وَهُوَ قَوْله ﵇ (لن يغلب عسر يسرين) فبشرهم أَن العَبْد إِذا اسْتعْمل مَا أعطي من الْيُسْر فِي وَقت هَذَا الْعسر الَّذِي عارضته النَّفس بِهِ جَاءَ الْيُسْر الثَّانِي فَلَنْ يغلب هَذَا الْعسر هذَيْن اليسرين واليسر الثَّانِي هُوَ عونه وَهُوَ عطف الله على الْعباد وَرَحمته وَإِذا عطف على عَبده لم يبْق للنَّفس عَلَيْهِ سَبِيل وَلَا لِلْعَدو مطمع وَقَوله (من تصبر يصبره الله تَعَالَى) أَي من اسْتعْمل مَا أعطي من الصَّبْر الَّذِي يخرج لَهُ من الْإِيمَان صبره الله أَي جَاءَهُ المدد والعون حَتَّى يتم لَهُ صبره فِي يسر وَهَكَذَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿واصبر وَمَا صبرك إِلَّا بِاللَّه﴾ أَي لَا يتم ذَلِك إِلَّا بعون الله تَعَالَى وغياث مِنْهُ وَهَكَذَا قَوْله (من يستعفف يعفه الله) فَأَما قَوْله (فَمن يسْتَغْن يغنه الله) أَي من التجأ إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِج صدقا فَهُوَ أكْرم من أَن يردك ويلجئك إِلَى عبيده روى ثَابت ﵁ قَالَ حبس ابْن أَخ لِصَفْوَان بن مُحرز فَلم يبْق بِالْبَصْرَةِ رجل لَهُ وَجه عِنْد الْأَمِير إِلَّا تحمل بِهِ عَلَيْهِ فَلم يزده إِلَّا شدَّة فَبَاتَ لَيْلَة فَقيل لَهُ فِي مَنَامه يَا صَفْوَان اطلب الْأَمر

стр. 800

من وَجهه فَقَامَ وَتَوَضَّأ وَصلى رَكْعَتَيْنِ وَسَأَلَ ربه ثمَّ عَاد إِلَى مضجعه فَنُوديَ بِالْبَابِ يَا صَفْوَان هَذَا ابْن أَخِيك قد جِئْنَا بِهِ فَصَارَ إِلَى الْبَاب فَإِذا ابْن أَخِيه فَقَالَ نبه الْأَمِير فِي جَوف اللَّيْل فَبعث إِلَى السجْن فَنُوديَ أَيْن ابْن أخي صَفْوَان فَطلب حَتَّى جِيءَ بِهِ فَإِذا هُوَ ذَا وَخرج ابْن عمر ﵄ فِي سفر لَهُ فَإِذا بِجَمَاعَة على طَرِيق فَقَالَ مَا هَذِه الْجَمَاعَة فَقَالُوا أَسد قطع الطَّرِيق فَنزل فَمشى إِلَيْهِ حَتَّى قفده بِيَدِهِ ونحاه عَن الطَّرِيق فَقَالَ مَا كذب عَلَيْك رَسُول الله ﷺ قَالَ (إِنَّمَا يُسَلط على ابْن آدم من خافه ابْن آدم وَلَو أَن ابْن آدم لم يخف غير الله لم يُسَلط الله عَلَيْهِ غَيره وَإِنَّمَا وكل ابْن آدم لمن رجا ابْن آدم فَلَو أَن ابْن آدم لم يرج إِلَّا الله لم يكله الله إِلَى غَيره) وَقَوله (وَمَا أعطي عبد عَطاء هُوَ أوسع من الصَّبْر) لِأَن الصَّدْر قد اتَّسع وانشرح للنور الْوَارِد على قلبه وَإِذا اتَّسع الصَّدْر يسرت عَلَيْهِ الْأُمُور كلهَا وَإِذا اسْتَقر النُّور فِي الْقلب اِنْفَسَحَ الصَّدْر وانشرح وَألقى بيدَيْهِ سلما لمَوْلَاهُ فِي أمره وَنَهْيه وَجَمِيع أَحْكَامه عَلَيْهِ وتدبيره لَهُ وَلم يبْق للقلب مُنَازع لِأَن النَّفس تذل وَتَمُوت شهوتها وتلقى بِيَدَيْهَا حِين يشرق الصَّدْر فَيحل بهَا من ذَلِك الْإِشْرَاق خوف الله

стр. 801

تَعَالَى وَخَوف عِقَابه فَتحل بِهِ الرهبة ثمَّ يزْدَاد النُّور فتدخله العظمة فَتحل بهَا الهيبة وَالْخَوْف الْخَالِص مِنْهُ فتيبس وَتذهب شهوتها وتخشع لله تَعَالَى فَتَصِير تَابِعَة للقلب فحين بَدَأَ أول النُّور وجد العَبْد متسعا فِي صَدره فَقيل صابر ثمَّ زيد فَهُوَ صابر قَانِع ثمَّ زيد فَهُوَ صابر رَاض مراقب واله ثمَّ زيد فَهُوَ مُنْفَرد لرَبه وَلها عَن الصَّبْر والرضى والمراقبة والوله وَهَذَا كُله لَهُ والانفراد غَالب عَلَيْهِ فَهُوَ فِي قَبضته يَسْتَعْمِلهُ وَهُوَ قَوْله ﵇ (كنت سَمعه وبصره وَيَده وَرجله وَلسَانه وفؤاده فَبِي ينْطق وَبِي يعقل وَبِي يمشي وَبِي يبصر وَبِي يبطش) وَهُوَ قَول عمر ﵁ حِين شج عَليّ رجلا فَقَالَ لعمر ﵁ مَرَرْت بِهِ وأصغيت إِلَيْهِ سَمْعِي فَإِذا هُوَ يكلم امْرَأَة بِكَلَام فَلم أملك حَتَّى ضَربته فَقَالَ عمر ﵁ أَيهَا الرجل أصابتك عين من عُيُون الله وَإِن لله فِي الأَرْض عيُونا وَالصَّبْر ثبات النَّفس على حكم الله تَعَالَى وتدبيره وَأمره وَنَهْيه وَرمي شَهْوَته ومنيته وَإِنَّمَا يبصر ذَلِك بِالنورِ الْوَارِد على الْقلب فيطيب ويستقر ويوقن وَأي شَيْء أوسع مِنْهُ وَبِذَلِك يثقل مِيزَانه ويملأ مِيزَانه وسعة كفته سَعَة السَّمَوَات وَالْأَرْض

стр. 802

- الأَصْل الْخَامِس وَالْعشْرُونَ والمائتان - فِي النَّهْي عَن إسكان النِّسَاء الغرف وتعليمهن الْكِتَابَة عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا تسكنوا نساءكم الغرف وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ الْكِتَابَة) حذرهم ذَلِك لِأَن فِي إسكانهن الغرف تطلعا إِلَى الرِّجَال وَلَيْسَ فِي ذَلِك تحصين لَهُنَّ وَلَا ستر فَإِنَّهُنَّ لَا يملكن أَنْفسهنَّ حَتَّى يشرفن على الرِّجَال فَيحدث الْبلَاء والفتنة فَحَذَّرَهُمْ أَن يجْعَلُوا لَهَا ذَرِيعَة إِلَى الْفِتْنَة وَهُوَ كَمَا قَالَ ﵇ (لَيْسَ للنِّسَاء شَيْء خير لَهُنَّ من أَن لَا يراهن الرِّجَال وَلَا يرين الرِّجَال) لِأَنَّهَا خلقت من الرِّجَال فهمتها فِيهِ وَخلق فِي الرجل الشَّهْوَة فَجعلت سكنا لَهُ فَغير مَأْمُون كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي صَاحبه وَكَذَلِكَ تَعْلِيم الْكِتَابَة رُبمَا كَانَت سَببا

стр. 803

للفتنة وكتبت إِلَى من تهوى وَفِي الْكِتَابَة عين من الْعُيُون بِهِ يبصر الشَّاهِد الْغَائِب وَفِي ذَلِك تَعْبِير عَن الضَّمِير بِمَا لَا ينْطق بِهِ اللِّسَان فَهُوَ أبلغ من اللِّسَان فَأحب ﵇ أَن يقطع عَنْهُن أَسبَاب الْفِتْنَة تحصينا لَهُنَّ وطهارة لقلوبهن

стр. 804

- الأَصْل السَّادِس وَالْعشْرُونَ والمائتان - فِي أَن رَأس الْحِكْمَة لم صَار مَخَافَة الله عَن عبد الله ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (رَأس الْحِكْمَة مَخَافَة الله تَعَالَى) فمخافة الله تَعَالَى هِيَ الَّتِي ألهت عَن الْأَسْبَاب حَتَّى صَارَت رَأس الحكم وَهِي تعلق الْقلب بِمَشِيئَة الله تَعَالَى وَلما صَار إِلَى الْمَشِيئَة

стр. 805

أبهم عَلَيْهِ الْأُمُور فَإِنَّهُ يعلم أَنه شَاءَ فخلقه وَلَا يعلم أَنه لماذا خلقه فَظهر لَهُ بعض الْمَشِيئَة وخفي عَلَيْهِ آخر شَأْنه من مَشِيئَته وأقلقه وألهاه وأذهله عَن النَّفس وَعَن دُنْيَاهُ فَلَمَّا زايلته نَفسه ودنياه انْشَرَحَ صَدره واتسع فِي الْحِكْمَة وَالله أحكم

стр. 806

- الأَصْل السَّابِع وَالْعشْرُونَ والمائتان - فِي حَقِيقَة الفراسة ودواعيها عَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (اتَّقوا فراسة الْمُؤمن فَإِنَّهُ ينظر بِنور الله تَعَالَى) الفراسة مُشْتَقَّة من الفروسية فركضه بالجوارح على الْفرس فروسية وركضه ببصر قلبه بِنور الله تَعَالَى هِيَ فراسة فبالفرس يقطع مَسَافَة

стр. 807

الدُّنْيَا وبنور الله تَعَالَى يقطع مَسَافَة الْقلب وَذَلِكَ أَن على الْأَشْيَاء دَلَائِل وسمات وَقد وسم الله تَعَالَى خلقه بذلك فبنوره تدْرك تِلْكَ السمات حَتَّى يدْرك مَا لم يَأْتِ بعد وَكَانَ عمر ﵁ تفرس روى عبد الله بن سَلمَة ﵁ قَالَ دَخَلنَا على عمر معاشر وَفد مذْحج وَكنت من أقربهم مِنْهُ مَجْلِسا فَجعل ينظر عمر إِلَى الأشتر ويصوب بَصَره فَقَالَ لي أمنكم هَذَا قلت نعم فلأي باله تسأله مَا لَهُ قَاتله الله كفى الله أمة مُحَمَّد ﷺ شَره وَالله أَنِّي لأحسب أَن للْمُسلمين مِنْهُ يَوْمًا عصيبا وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ مَا حذر عمر شَيْئا قطّ فَتكلم بِهِ إِلَّا كَانَ وَقَالَ النَّبِي ﷺ (إِن لله عبادا يعْرفُونَ النَّاس بالتوسم) وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات للمتوسمين﴾ قَالَ للمتفرسين فالتوسم مَأْخُوذ من السمة وَهُوَ أَن يعرف سمات الله تَعَالَى وعلائمه

стр. 808

فِي الْأُمُور والتفرس أَن يرْكض قلبه فَارِسًا بِنور الله تَعَالَى إِلَى أَمر لم يكن بعد فيدركه مثل مَا أدْركهُ عمر ﵁ وَمَا أدْركهُ الْحسن الْبَصْرِيّ ﵁ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنه قَالَ لعَمْرو بن عبيد هَذَا سيد فتيَان أهل الْبَصْرَة إِن لم يحدث وَقَالَ لأيوب هَذَا سيد فتيَان أهل الْبَصْرَة وَلم يسْتَثْن وَقَالَ الشّعبِيّ ﵀ لداود الأودي وَهُوَ يماريه إِنَّك لَا تَمُوت حَتَّى تكوى فِي رَأسك فَكَانَ كَمَا قَالَ وَإِذا امْتَلَأَ الْقلب من نور الله تَعَالَى نظرت عينا قلبه بنوره فأبصر فِي صَدره مَا لَا يحاط بِهِ وَصفا فالفراسة من الله تَعَالَى لعَبْدِهِ كائنة

стр. 809

- الأَصْل الثَّامِن وَالْعشْرُونَ والمائتان - فِي تَفْسِير الِاسْتِئْنَاس عَن أبي أَيُّوب ﵁ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُول الله هَذَا السَّلَام فَمَا الِاسْتِئْنَاس قَالَ (يتَكَلَّم الرجل بِالتَّسْبِيحَةِ وَالتَّكْبِيرَة وَالتَّحْمِيدَة وَأَن ينحنح فَيُؤذن أهل الْبَيْت) الِاسْتِئْنَاس تَنْبِيه والاستئذان عهد فندب إِلَى أَن يَبْتَدِئ بالتنبيه ثمَّ بالعهد ليَكُون أوكد للْعهد وَأقوى للحجة وَأَنه إِذا فوجئ بِالسَّلَامِ وَالْإِنْسَان فِي غَفلَة وَالْعقل عَازِب عَنهُ كَانَت الْحجَّة عَلَيْهِ أَضْعَف يَقُول فوجئت بِالسَّلَامِ وعوجلت بِهِ فَلم أقبله بالتثبيت أَلا ترى أَن الله تَعَالَى خَاطب الْخلق فَقدم على الدعْوَة تَنْبِيها فَقَالَ ﴿يَا﴾ وَهُوَ كلمة تَنْبِيه حُرُوف ذَات أصداء لينبهك عَمَّا أَنْت بِهِ مشتغل ليرْجع إِلَيْك عقلك بِصَوْتِهِ كَأَنَّهُ يَعْنِي بِهَذَا أَن يَقُول يَا دَعْوَة دَعْوَة ثَانِيَة ثمَّ قَالَ أَي وَهِي كلمة الفتش مضمرة فِيهَا من كَأَنَّهُ قَالَ أَيهمْ أُرِيد بدعوتي ثمَّ قَالَ هَا هُوَ تَنْبِيه آخر يُشِير إِلَى شَيْء مَعْلُوم عينه مَعْنَاهُ

стр. 810

من أذكر اسْمه أُرِيد بدعوتي ثمَّ قَالَ (النَّاس) أَو الَّذين آمنُوا فَهَذِهِ التَّنْبِيهَات من إِلْقَاء الْعذر وإتمام الْحجَّة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الله ليضل قوما بعد إِذْ هدَاهُم حَتَّى يبين لَهُم مَا يَتَّقُونَ﴾ وَقَالَ ﷺ (لَا أحد أحب إِلَيْهِ الْعذر من الله تَعَالَى وَلذَلِك بعث الرُّسُل ﵈ فَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا تدْخلُوا بُيُوتًا غير بُيُوتكُمْ حَتَّى تستأنسوا وتسلموا على أَهلهَا﴾ فالاستئناس التَّنْبِيه ثمَّ يكون بعده التَّسْلِيم وَعِنْدهم كَانَ التَّسْلِيم هُوَ الاسْتِئْذَان فَإِذا ردوا جَاءَ الْإِذْن بعد ذَلِك وَإِن قيل ارْجعُوا رجعُوا وَأدنى الاسْتِئْذَان النحنحة لِأَن الْحس حس الْمَجِيء وَقد يخْتَلف فَإِذا سمع لم يدر السَّامع أَسَبْعٌ أم بَهِيمَة أم داهية من الدَّوَاهِي فَإِذا تنحنح عرف أَنه من جنسه فأنس بِهِ لِأَن الْآدَمِيّ يأنس بِجِنْسِهِ ويستوحش من غير جنسه وأعلا الاسْتِئْذَان التسبيحة ليعلم السَّامع أَنه أَخُوهُ الْمُسلم وَذَلِكَ أفضل لِأَن بالتنحنح لَا يعرف السَّامع أمسلم هُوَ أم كَافِر ولي هُوَ أم عَدو فتدخله روعة لمجيئه فَإِذا ذكر الله كَانَ أوفر للاستئناس وَمَا رَوَاهُ شُعْبَة عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس ﵃ أَن هَذَا خطأ من الْكَاتِب إِنَّمَا هُوَ (تستأذنوا وتسلموا
следующие страницы →