Полный текст (1 237 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
- الأَصْل السَّابِع وَالْعشْرُونَ والمائتان
-
فِي حَقِيقَة الفراسة ودواعيها
عَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (اتَّقوا فراسة الْمُؤمن فَإِنَّهُ ينظر بِنور الله تَعَالَى)
الفراسة مُشْتَقَّة من الفروسية فركضه بالجوارح على الْفرس فروسية وركضه ببصر قلبه بِنور الله تَعَالَى هِيَ فراسة فبالفرس يقطع مَسَافَة
стр. 807
الدُّنْيَا وبنور الله تَعَالَى يقطع مَسَافَة الْقلب وَذَلِكَ أَن على الْأَشْيَاء دَلَائِل وسمات وَقد وسم الله تَعَالَى خلقه بذلك فبنوره تدْرك تِلْكَ السمات حَتَّى يدْرك مَا لم يَأْتِ بعد وَكَانَ عمر ﵁ تفرس روى عبد الله بن سَلمَة ﵁ قَالَ دَخَلنَا على عمر معاشر وَفد مذْحج وَكنت من أقربهم مِنْهُ مَجْلِسا فَجعل ينظر عمر إِلَى الأشتر ويصوب بَصَره فَقَالَ لي أمنكم هَذَا قلت نعم فلأي باله تسأله مَا لَهُ قَاتله الله كفى الله أمة مُحَمَّد ﷺ شَره وَالله أَنِّي لأحسب أَن للْمُسلمين مِنْهُ يَوْمًا عصيبا
وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ مَا حذر عمر شَيْئا قطّ فَتكلم بِهِ إِلَّا كَانَ
وَقَالَ النَّبِي ﷺ (إِن لله عبادا يعْرفُونَ النَّاس بالتوسم)
وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات للمتوسمين﴾ قَالَ للمتفرسين
فالتوسم مَأْخُوذ من السمة وَهُوَ أَن يعرف سمات الله تَعَالَى وعلائمه
стр. 808
فِي الْأُمُور والتفرس أَن يرْكض قلبه فَارِسًا بِنور الله تَعَالَى إِلَى أَمر لم يكن بعد فيدركه مثل مَا أدْركهُ عمر ﵁ وَمَا أدْركهُ الْحسن الْبَصْرِيّ ﵁ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنه قَالَ لعَمْرو بن عبيد هَذَا سيد فتيَان أهل الْبَصْرَة إِن لم يحدث وَقَالَ لأيوب هَذَا سيد فتيَان أهل الْبَصْرَة وَلم يسْتَثْن
وَقَالَ الشّعبِيّ ﵀ لداود الأودي وَهُوَ يماريه إِنَّك لَا تَمُوت حَتَّى تكوى فِي رَأسك فَكَانَ كَمَا قَالَ
وَإِذا امْتَلَأَ الْقلب من نور الله تَعَالَى نظرت عينا قلبه بنوره فأبصر فِي صَدره مَا لَا يحاط بِهِ وَصفا فالفراسة من الله تَعَالَى لعَبْدِهِ كائنة
стр. 809
- الأَصْل الثَّامِن وَالْعشْرُونَ والمائتان
-
فِي تَفْسِير الِاسْتِئْنَاس
عَن أبي أَيُّوب ﵁ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُول الله هَذَا السَّلَام فَمَا الِاسْتِئْنَاس قَالَ (يتَكَلَّم الرجل بِالتَّسْبِيحَةِ وَالتَّكْبِيرَة وَالتَّحْمِيدَة وَأَن ينحنح فَيُؤذن أهل الْبَيْت)
الِاسْتِئْنَاس تَنْبِيه والاستئذان عهد فندب إِلَى أَن يَبْتَدِئ بالتنبيه ثمَّ بالعهد ليَكُون أوكد للْعهد وَأقوى للحجة وَأَنه إِذا فوجئ بِالسَّلَامِ وَالْإِنْسَان فِي غَفلَة وَالْعقل عَازِب عَنهُ كَانَت الْحجَّة عَلَيْهِ أَضْعَف يَقُول فوجئت بِالسَّلَامِ وعوجلت بِهِ فَلم أقبله بالتثبيت أَلا ترى أَن الله تَعَالَى خَاطب الْخلق فَقدم على الدعْوَة تَنْبِيها فَقَالَ ﴿يَا﴾ وَهُوَ كلمة تَنْبِيه حُرُوف ذَات أصداء لينبهك عَمَّا أَنْت بِهِ مشتغل ليرْجع إِلَيْك عقلك بِصَوْتِهِ كَأَنَّهُ يَعْنِي بِهَذَا أَن يَقُول يَا دَعْوَة دَعْوَة ثَانِيَة ثمَّ قَالَ أَي وَهِي كلمة الفتش مضمرة فِيهَا من كَأَنَّهُ قَالَ أَيهمْ أُرِيد بدعوتي ثمَّ قَالَ هَا هُوَ تَنْبِيه آخر يُشِير إِلَى شَيْء مَعْلُوم عينه مَعْنَاهُ
стр. 810
من أذكر اسْمه أُرِيد بدعوتي ثمَّ قَالَ (النَّاس) أَو الَّذين آمنُوا فَهَذِهِ التَّنْبِيهَات من إِلْقَاء الْعذر وإتمام الْحجَّة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الله ليضل قوما بعد إِذْ هدَاهُم حَتَّى يبين لَهُم مَا يَتَّقُونَ﴾
وَقَالَ ﷺ (لَا أحد أحب إِلَيْهِ الْعذر من الله تَعَالَى وَلذَلِك بعث الرُّسُل ﵈
فَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا تدْخلُوا بُيُوتًا غير بُيُوتكُمْ حَتَّى تستأنسوا وتسلموا على أَهلهَا﴾
فالاستئناس التَّنْبِيه ثمَّ يكون بعده التَّسْلِيم وَعِنْدهم كَانَ التَّسْلِيم هُوَ الاسْتِئْذَان فَإِذا ردوا جَاءَ الْإِذْن بعد ذَلِك وَإِن قيل ارْجعُوا رجعُوا وَأدنى الاسْتِئْذَان النحنحة لِأَن الْحس حس الْمَجِيء وَقد يخْتَلف فَإِذا سمع لم يدر السَّامع أَسَبْعٌ أم بَهِيمَة أم داهية من الدَّوَاهِي فَإِذا تنحنح عرف أَنه من جنسه فأنس بِهِ لِأَن الْآدَمِيّ يأنس بِجِنْسِهِ ويستوحش من غير جنسه وأعلا الاسْتِئْذَان التسبيحة ليعلم السَّامع أَنه أَخُوهُ الْمُسلم وَذَلِكَ أفضل لِأَن بالتنحنح لَا يعرف السَّامع أمسلم هُوَ أم كَافِر ولي هُوَ أم عَدو فتدخله روعة لمجيئه فَإِذا ذكر الله كَانَ أوفر للاستئناس
وَمَا رَوَاهُ شُعْبَة عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس ﵃ أَن هَذَا خطأ من الْكَاتِب إِنَّمَا هُوَ (تستأذنوا وتسلموا
стр. 811
على أَهلهَا) فَهَذَا كَلَام جَاهِل أَو ملحد يكيد الدّين أَو لَيْسَ فِيمَا روى أَبُو أَيُّوب ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ فِي تَفْسِير الِاسْتِئْنَاس مَا يبطل هَذَا وَكَانَ كتاب الله تَعَالَى بَين ظهراني أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فِي مضيعة حَتَّى كتب الْكَاتِب فِيهَا مَا شَاءُوا أَو زادوا أَو نَقَصُوا وَكَانَ الصَّحَابَة أهملوا أَمر دينهم حَتَّى فَوضُوا عهد رَبهم إِلَى كَاتب يُخطئ فِيهِ ثمَّ يَقْرَؤُهُ أَبُو بكر وَعمر وَأبي ﵃ حَيْثُ جَمَعُوهُ فِي خلَافَة أبي بكر ﵁ ثمَّ من بعده مرّة أُخْرَى فِي زمن عُثْمَان ﵁ وهم على الْخَطَأ وَشعْبَة وَأَبُو بشر رُوَاة لَا يعْرفُونَ مَا غور هَذَا وَإِنَّمَا يُنكر هَذِه الْأَشْيَاء ويدفعها الرُّعَاة عقلوا عَن الله تَعَالَى وَعَن تَدْبيره فَهموا وهم المقربون أهل الْيَقِين الَّذين وَصفهم رَسُول الله ﷺ فِي قَوْله (كنت سَمعه وبصره) فَهُوَ الَّذِي يَنْفِي هَذِه الْأَشْيَاء ويدفعه فَإِذا نَفَاهُ وَدفعه فبه يَنْفِي وَبِه يدْفع لِأَنَّهُ بِهِ يعقل وَبِه ينْطق وَهُوَ حجَّة الله تَعَالَى على خلقه وراعي غنمه وطبيب عباده فَمن عَارضه هلك وَهُوَ لَا يشْعر
وَلِهَذَا حذر ﷺ فَقَالَ عَن ربه (من آذَى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وَإِنِّي لأسرع شَيْء فِي نصْرَة أوليائي أفيظن أَن يفوتني كَيفَ وَأَنا الثائر لَهُم)
стр. 812
- الأَصْل التَّاسِع وَالْعشْرُونَ والمائتان
-
فِي أَن أهل الغرف فِي الْجنَّة ومراتب الدَّرَجَات
عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أهل الْجنَّة ليتراءون أهل الغرف من فَوْقهم كَمَا يتراءون الْكَوْكَب الدُّرِّي الغائر فِي الْأُفق من الْمشرق أَو الْمغرب لتفاضل مَا بَينهم قَالُوا يَا رَسُول الله تِلْكَ منَازِل الْأَنْبِيَاء فَلَا يبلغهَا إِلَّا هم قَالَ (بلَى وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ رجال آمنُوا بِاللَّه وَصَدقُوا الْمُرْسلين)
فَأهل الغرف أهل العليين الَّذين قد ارْتَفَعت درجاتهم إِلَى قرب الْعَرْش والإغتراف الإرتفاع وَسميت الغرفة لارتفاعها وَالْجنَّة ثَلَاثَة أَثلَاث أَعْلَاهَا للسابقين وأوسطها للمقتصدين وأدانيها وَمَا فِيهَا دني للمخلطين وعدن مَقْصُورَة الرَّحْمَن وجنات عدن مَحل الْأَنْبِيَاء ﵈ والفردوس مَحل الْأَوْلِيَاء وَهِي الغرف وَهِي سرة الْجنَّة بحيال بَاب
стр. 813
الْعَرْش فتوهموا أَن تِلْكَ منَازِل الْأَنْبِيَاء ﵈ لَا يبلغهَا غَيرهم فأعلمهم أَن ذَلِك لَيست بمنازل الْأَنْبِيَاء ﵈ وَإِنَّمَا هُوَ منَازِل الْأَوْلِيَاء والأنبياء فَوْقهم لِأَن دَرَجَة النُّبُوَّة أَعلَى الْأَنْبِيَاء ﵈ فَوق الغرف فِي جنَّات عدن وعدن كالمدينة وجنات عدن كالقرى حولهَا والفردوس حول جنَّات عدن مضموم إِلَيْهَا مَنْسُوب مِنْهَا كعوالي الْقرى وَمَا دونهَا من الْجنان كالخيام والمراعي حول عوالي الْقرى فَأعْلم ﷺ أَن الغرف منَازِل رجال آمنُوا بِاللَّه وَصَدقُوا الْمُرْسلين أَرَادَ بِهِ إِيمَان الصديقين لَا إِيمَان المخلطين من الْمُوَحِّدين لِأَن أهل الغرف أهل الدَّرَجَات العلى
قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يَأْته مُؤمنا قد عمل الصَّالِحَات فَأُولَئِك لَهُم الدَّرَجَات العلى﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَذَلِكَ جَزَاء من تزكّى﴾ أَي تطهر من مساخط الله قلبا وقولا وفعلا
وَهَذَا شَأْن الصديقين لِأَن إِيمَانهم إِيمَان طمأنينة بِهِ وبجميع أَحْكَامه وتصديقهم الْمُرْسلين تَصْدِيق لله تَعَالَى وَسُكُون
وَقَالَ ﷺ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ يجزون الغرفة بِمَا صَبَرُوا﴾ قَالَ الغرفة من ياقوتة حَمْرَاء أَو زبرجد خضراء أَو درة بَيْضَاء لَيْسَ فِيهَا فَصم وَلَا وصم وَإِن أهل الْجنَّة ليتراءون الغرفة فِيهَا كَمَا يتراءون الْكَوْكَب الدُّرِّي الشَّرْقِي أَو الغربي فِي أفق السَّمَاء وَإِن أَبَا بكر وَعمر ﵄ مِنْهُم وانعما
وَقَالَ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ ابْن مَسْعُود ﵁ إِن المتحابين فِي الله لعلى عَمُود من ياقوتة حَمْرَاء فِي رَأس العمود
стр. 814
سَبْعُونَ ألف غرفَة يضيء حسنهم أهل الْجنَّة كَمَا تضيء الشَّمْس أهل الدُّنْيَا يَقُول أهل الْجنَّة بَعضهم لبَعض انْطَلقُوا بِنَا حَتَّى نَنْظُر إِلَى المتحابين فِي الله فَإِذا أشرفوا عَلَيْهِم أَضَاء حسنهم أهل الْجنَّة كَمَا تضيء الشَّمْس أهل الدُّنْيَا عَلَيْهِم ثِيَاب خضر من سندس مَكْتُوب على جباههم هَؤُلَاءِ المتحابون فِي الله
فَهَؤُلَاءِ أهل الغرف وهم أهل محبَّة الله فِي الله تَعَالَى وَإِنَّمَا تحَابوا فِي الله لمحبة الله تَعَالَى وَهُوَ قَوْله تَعَالَى (حقت محبتي للمتحابين بجلالي)
وَقد وصف الله تَعَالَى أهل الغرفة فَقَالَ ﴿وَعباد الرَّحْمَن الَّذين يَمْشُونَ على الأَرْض هونا﴾ إِلَى قَوْله ﴿واجعلنا لِلْمُتقين إِمَامًا﴾
وصف مشيهم وخطابهم وانتصابهم لَهُ ودعاءهم ونفقاتهم ونزاهتهم وانتباههم وَصدقهمْ ومحبتهم ونصحهم ثمَّ قَالَ ﴿أُولَئِكَ يجزون الغرفة بِمَا صَبَرُوا﴾
وَالصَّبْر بذل النَّفس والثبات لَهُ وقوفا بَين يَدَيْهِ بالقلوب عبَادَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أَمْوَالكُم وَلَا أَوْلَادكُم﴾ إِلَى قَوْله ﴿وهم فِي الغرفات آمنون﴾
ذكر أَن الْقرْبَة لَا تنَال بالأموال وَالْأَوْلَاد وَإِنَّمَا تنَال بِالْعَمَلِ الصَّالح يعلمك أَن هَذَا إِيمَان طمأنينة وَتعلق قلب بِهِ فِي كل مَا نابه وبجميع أُمُوره وَأَحْكَامه وَالْعَمَل الصَّالح الَّذِي لَا يخلطه بضده
стр. 815
فَأَما المخلط فَغير مطمئن بأموره وَأَحْكَامه بل هُوَ تَابع لهوى نَفسه يعْمل على شَهْوَته وَقَضَاء منيته
وَهَذَانِ وَإِن كَانَ إِيمَانهم إيمانهما بِرَبّ وَاحِد إِلَّا أَن ذَلِك قد جثمت على قلبه شهوات نَفسه فأظلمت صَدره وانكمن نوره فَلَا يعْمل شَيْئا من الْإِشْرَاق والإنارة وَهَذَا الْبَالِغ من الله تَعَالَى بنوره وهتك هَذِه الْحجب من الظُّلُمَات وأمات مِنْهُ الشَّهَوَات وولج قلبه من عَظمَة الله تَعَالَى وجلاله فأذهل نَفسه واستقام الْقلب لله تَعَالَى
فعنى رَسُول الله ﷺ بِأَهْل الغرف هَؤُلَاءِ إِذْ لَو جَازَ أَن تنَال الغرف بِالْإِيمَان والتصديق الَّذِي للعامة لَكَانَ جَمِيع الْمُوَحِّدين فِي أعالي الدَّرَجَات
стр. 816
- الأَصْل الثَّلَاثُونَ والمائتان
-
فِي مَرَاتِب أهل الْجنَّة
عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من ترك الْكَذِب وَهُوَ بَاطِل بني لَهُ فِي ربض الْجنَّة وَمن ترك المراء وَهُوَ محق بني لَهُ فِي وَسطهَا وَمن حسن خلقه بني لَهُ فِي أَعْلَاهَا
ترك الْكَذِب هُوَ ترك الشّرك وَلَا كذب بأعظم من الشّرك فَمحل تَاركه فِي ربض الْجنَّة وَهُوَ أدانيها فَهَذَا الصِّنْف هُوَ الظَّالِم
وَترك المراء إِذا اقْتَضَاهُ الْحق أَمر الله من آداء فَرَائِضه وَاجْتنَاب مَحَارمه أَن يخضع للحق وَلَا يماريه فَيذْهب بِرَقَبَتِهِ من حق الله تَعَالَى فِي أمره وَنَهْيه فَهَذَا مقتصد فمحله فِي وسط الْجنَّة
وَأما حسن الْخلق فَإِن الله تَعَالَى دبر لعَبْدِهِ قبل أَن يخلقه شَأْنه من الرزق وَالْأَحْوَال والْآثَار كل ذَلِك موقت مُقَدّر يبرز لَهُ فِي وقته
стр. 817
كَمَا قدره وَدبره مرّة سقم وَمرَّة صِحَة وَمرَّة غنى وَمرَّة فقر وَمرَّة عز وَمرَّة ذل وَمرَّة مَحْبُوب وَمرَّة مَكْرُوه فأحوال الدُّنْيَا تتداوله لَا يَنْفَكّ من تَدْبيره وقضائه وَالْعَبْد يُرِيد مَا وَافقه واشتهاه وتدبير الله تَعَالَى فِيهِ غير ذَلِك فَإِذا رَاض نَفسه وقمعها وخشعت لله تَعَالَى بِمَا أريده من نور الْيَقِين حسن خلقه واستقام قلبه وَترك جَمِيع مشيئآته لمشيئته ينْتَظر مَا يبرز لَهُ من تَدْبيره فِي جَمِيع أَحْوَاله فيتلقاه بهشاشة قلب وَطيب نفس فَهَذَا حسن الْخلق فمحله فِي أعالي الدَّرَجَات وَسُوء الْخلق حجاب بَين العَبْد وَبَين ربه لِأَنَّهُ من نفس شهوانية وَالنَّفس مَا لم تمت شهوتها لَا تنقاد للحق وَلَا يتَخَلَّص الْقلب من مخاليبها وَلَا يبرأ الْإِيمَان من سقمه
قَالَ ﷺ فِي حَدِيث الرُّؤْيَا (رَأَيْت رجلا من أمتِي جاثيا على رُكْبَتَيْهِ وَبَينه وَبَين الله تَعَالَى حجاب فَجَاءَهُ حسن خلقه فَأدْخلهُ على الله تَعَالَى)
وَقَالَ ﷺ (أوحى الله إِلَى إِبْرَاهِيم ﵇ يَا إِبْرَاهِيم حسن خلقك وَلَو مَعَ الْكفَّار تدخل مدَاخِل الْأَبْرَار فَإِن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أَن أظلهُ فِي عَرْشِي وَأَن أسْكنهُ فِي حَظِيرَة قدسي وَأَن أدنيه من جواري)
وَحسن الْخلق على ثَلَاث منَازِل
أَولهَا أَن يحسن خلقه مَعَ أمره وَنَهْيه
الثَّانِيَة أَن يحسن خلقه مَعَ جَمِيع خلقه
الثَّالِثَة أَن يحسن خلقه مَعَ تَدْبِير ربه فَلَا يَشَاء إِلَّا مَا يَشَاء لَهُ ربه
وَمن أسوء خلقا مِمَّن دبر الله الْمَطَر من بَرَكَات السَّمَاء سقيا لِعِبَادِهِ وبلاده يَجْعَل فِيهِ أَرْزَاقهم ومعاشا لَهُم ويحيي بذلك أمة من الْأُمَم وَالْعَبْد يكرههُ ويأباه لأجل إِنَّه يبتل ثِيَابه أَو يتَأَخَّر عَن سفر يُريدهُ
стр. 818
فثقل عَلَيْهِ تَدْبِير الله تَعَالَى لهَذِهِ الْأمة لشهوته لذَلِك الْعَمَل الَّذِي هُوَ فِيهِ وَمن كَانَ ميت الشَّهْوَة فأعماله كلهَا عبودة لله تَعَالَى وَمن كَانَ يثقل عَلَيْهِ تَدْبيره وَحسن خلقه فِي جَمِيع أُمُوره وَأَحْكَامه وَإِن محَاسِن الْأَخْلَاق جَاءَت من الله تَعَالَى وَقد خزنه الله تَعَالَى عَن خلقه فَلَا يُعْطِيهِ إِلَّا من أحبه وَسعد جده فَمن منحه خلقا من تِلْكَ الْأَخْلَاق وتخلق بهَا يرى بهجة ذَلِك فِي شمائله وَفِي مَنْطِقه ومعاشرته حَتَّى فِي سيماء وَجهه وَالله أعلم
стр. 819
- الأَصْل الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ والمائتان
-
فِي ظن العَبْد بربه إِن كَانَ حسنا حقق لَهُ ذَلِك وَإِن كَانَ سَيِّئًا وَكله إِلَيْهِ
عَن وَاثِلَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَقُول الله تَعَالَى أَنا عِنْد ظن عَبدِي فليظن بِي مَا يَشَاء
فالظن مَا تردد فِي الصَّدْر وَإِنَّمَا يحدث من الْوَهم وَهُوَ هاجسة النَّفس وأيد الله تَعَالَى الْمُؤمن بِنور التَّوْحِيد فِي الْقلب وَنور فِي الصَّدْر وَيَطوف حول الْقلب حِجَابا لذَلِك النُّور الْأَعْظَم فَإِذا هجست النَّفس بِعَارِض أَمر وَنور الصَّدْر بمكانه يضيء اسْتَقَرَّتْ النَّفس فاطمأن الْقلب وَحسن الظَّن لِأَن النُّور الَّذِي فِي قلبه يُؤَدِّي إِلَيْهِ أَن الله تَعَالَى كافيه وحسبه فِي كل أُمُوره وَأَنه كريم رؤوف رَحِيم عطوف وَإِذا كَانَت
стр. 820
النَّفس ذَات شَهْوَة غالبة فارت بِدُخَان شهوتها فأظلمت الصَّدْر فَصَارَ الصَّدْر مظلما وَجَاءَت النَّفس بهواجسها فاضطربت فَذَلِك سوء ظَنّهَا بِاللَّه تَعَالَى وَالظَّن ظنان ظن عَطاء فَذَاك الَّذِي تَسْتَقِر عَلَيْهِ النَّفس ويطمئن الْقلب ويوفي لَهُ بذلك وَلَا يخيبه
قَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ وَالله الَّذِي لَا إِلَه غَيره مَا أعطي عبد عَطاء خيرا من حسن الظَّن بِاللَّه
وَالظَّن الآخر ظن خالطه تُهْمَة فَلم يطمئن الْقلب فَإِن خيب فَغير مستنكر
وَقَوله أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي أَي أَن الْقلب بيَدي لم أكلهَا إِلَى أحد فَإِذا ظن عَبدِي بِي حسنا حققت لَهُ ذَلِك وَلم أخيبه وَإِذا ظن بِي سَيِّئًا وكلته إِلَى سيئ مَا ظن وتخليت عَنهُ لِأَنِّي أَعْطيته من النُّور فِي الْقلب مَا يُؤَدِّي إِلَى الصَّدْر وَفِي الصَّدْر مَا يضيء فيتصور لَهُ مَا يُؤَدِّي الْقلب إِلَيْهِ وَضاع ذَلِك الضَّوْء لقُوَّة مَا أَتَت بِهِ النَّفس من دُخان شهواتها وتقوية الشَّهَوَات من العَبْد فَعُوقِبَ عَلَيْهِ وَنسب إِلَيْهِ بِتَرْكِهِ تعاهد الْقلب حَتَّى استولت النَّفس عَلَيْهِ فألهته عَن ذكر الله
وَقَوله فليظن بِي مَا شَاءَ أَي يجدني قَرِيبا وفيا بِمَا أمل وَرَجا وَإِنَّمَا يحسن ظَنّه من انْفَرد لَهُ بَين يَدَيْهِ وَأعْرض عَن نَفسه وَرفع عَنهُ بالها فانكشف لَهُ الغطاء عَن رأفته وَرَحمته فاستقر قلبه وَمن كَانَ صَاحب شهوات واشتغال بِنَفسِهِ فَلَو انْكَشَفَ لَهُ الغطاء عَن رأفته وَرَحمته لأفسد أمره وضيع حُدُوده وَركب شهواته واجترأ فَستر عَنهُ حَتَّى يكون فِي مَخَافَة وحذر وَلِهَذَا كَانَت الْأَنْبِيَاء ﵈ لما سكنت شهواتهم وَمَاتَتْ نُفُوسهم وحييت بِاللَّه تَعَالَى قُلُوبهم بشروا بالنجاة فَلم تَضُرهُمْ الْبُشْرَى بل زادهم ألها أَي شكرا
стр. 821
- الأَصْل الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ والمائتان
-
فِي حِكْمَة دُعَاء الرمد
عَن أنس ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا أَصَابَهُ الرمد أَو أحدا من أَهله وَأَصْحَابه دَعَا هَؤُلَاءِ الدَّعْوَات اللَّهُمَّ أمتعني ببصري واجعله الْوَارِث مني وَأَرِنِي ثَأْرِي فِيهِ وَانْصُرْنِي على من ظَلَمَنِي
جعل الله لِلْبَصَرِ فِي الْجَسَد محلا رفيعا ومكانا عَالِيا وَفِي الْخَبَر أَن العَبْد يُؤْخَذ يَوْم الْقِيَامَة بِنِعْمَة الْبَصَر فيوجد قد استفرغ جَمِيع حَسَنَات العَبْد وَبَقِي سَائِر النعم عَلَيْهِ مَعَ التبعة
وَمن رفيع درهته على سَائِر الْجَوَارِح أَنه ينظر بِهِ إِلَى الله تَعَالَى يَوْم الزِّيَادَة وَبِه يلذ تنعما بِرُؤْيَتِهِ وَبِه ينظر إِلَى العبر فِي الدُّنْيَا فالعين قالب الْبَصَر وَالْبَصَر من نور الرّوح وَلكُل ذِي جسم لطافة فالروح مَسْكَنه فِي الدِّمَاغ ومعلقة فِي الوتين وَهُوَ نِيَاط الْقلب ثمَّ هُوَ منفش
стр. 822
فِي سَائِر الْجَسَد من الظفر إِلَى شعر الرَّأْس نفخ فِيهِ الرّوح من طرف إبهامه فِي الْمُبْتَدَأ ثمَّ يخرج مِنْهُ عِنْد الْقَبْض من طرف لِسَانه لِأَن الله تَعَالَى رفع دَرَجَة اللِّسَان على سَائِر الْجَوَارِح بِالتَّوْحِيدِ وَبِه يظْهر مَا فِي الْقلب
قَالَ ﷺ (مَا من شَيْء أحب إِلَى الله من بضعَة لحم وَذَلِكَ لِسَان الْمُؤمن وَمَا من شَيْء أبْغض إِلَى الله من بضعَة لحم وَذَلِكَ لِسَان الْكَافِر)
فَجعل سَبِيل الرّوح عِنْد خُرُوجه من طرف لِسَانه ليَكُون آخر الْجَوَارِح موتا وَتَكون حَرَكَة لِسَانه عِنْد خُرُوج الرّوح مِنْهُ بِالتَّوْحِيدِ والحياة مَعَ الرّوح وَالْعقل والمعرفة فالروح نور وَالْعقل نور والمعرفة نور وَلكُل نور بصر فَبَصر الْعقل مُتَّصِل ببصر الرّوح ولطافة الرّوح فَمَا رق مِنْهَا وَصفا فَهُوَ فِي الْعين وَإِذا أبْصر النَّاظر إِلَى حدقة رأى الرقة واللطافة فِي الحدقة فِي ذَلِك السوَاد فَتلك لطافة الرّوح كَالْمَاءِ وبصر الرّوح فِي تِلْكَ الإنسانة فِي الحدقة فَذَلِك النُّور الْمشرق فِيهِ هُوَ بصر الرّوح والضوء من خَارج وَإِدْرَاك الألوان من بَين هَذَا النُّور الَّذِي فِي الإنسانة وَبَين الضَّوْء الَّذِي هُوَ خَارج وَحَتَّى لَا يَجْتَمِعَانِ لَا يدْرك النَّاظر بِعَيْنِه الألوان فَهَذَا لعامة الْآدَمِيّين
ثمَّ خص الْمُوَحِّدين بِأَن أَرْوَاحهم من النُّور وأرواح الْكَافرين من النَّار وَلَيْسَ للْكَافِرِ عقل فَخص الموحد بِالْعقلِ فَاجْتمع نور التَّوْحِيد وَنور الْعقل وَنور الْمعرفَة وَنور الرّوح فِي تِلْكَ الإنسانة فبها تبصر الْعين فِي الدُّنْيَا وتتمثل لَهُ أُمُور الْآخِرَة
стр. 823
ثمَّ خص الْأَوْلِيَاء مِنْهُم بِنور الْقرْبَة وَلذَلِك النُّور أَيْضا بصر فالنور فِي الْقلب وبصره فِي بصر الْعين فبقوة ذَلِك يتفرس والفراسة أَمر جليل من أُمُور الْغَيْب خص بهَا الْأَوْلِيَاء ﵈ ينظرُونَ بِنور الله تَعَالَى إِلَى سمات الْقُدْرَة على عبيد الله تَعَالَى فِي الْغَيْب فتوسمهم نظرهم ببصر ذَلِك الْعين الَّذِي اتَّصَلت الْأَبْصَار فِيهَا بَعْضهَا بِبَعْض وغشيها بصر الْقُدْرَة فيدركون سمات الْقُدْرَة وَالتَّدْبِير فيخبرون بالعجائب فَهَذَا بصر الْأَوْلِيَاء ثمَّ للأنبياء ﵈ زِيَادَة نور فِي أَبْصَارهم وَهُوَ بصر النُّبُوَّة ثمَّ للرسل ﵈ بصر الرسَالَة ثمَّ لرسولنا ﷺ بصر سيادة الرُّسُل صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فاجتمعت هَذِه الْأَبْصَار كلهَا فِي إنسانة تِلْكَ الحدقة من عينه ﷺ
وَقَالَ ﷺ (رَأَيْت لَيْلَة أسرِي بِي من العلى الذّرة تدب على وَجه الأَرْض من السِّدْرَة الْمُنْتَهى)
قَوْله (أمتعني ببصري) والإمتاع بالبصر أَن يرى هَذِه الْعَجَائِب من تَدْبِير الله تَعَالَى من أُمُور الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَيرى كل شَيْء كَمَا خلقه الله تَعَالَى بِمَا ينظر إِلَيْهِ من العبر قَالَ تَعَالَى ﴿وأنبتنا فِيهَا من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾
والمنيب الَّذِي قد أناب بِقَلْبِه فَأقبل على الله تَعَالَى وَفرغ قلبه لَهُ من حَشْو الدُّنْيَا وطهره من أدناس الْمعاصِي وكدورة الْأَخْلَاق وفضول الدُّنْيَا فقربه ربه وَأَدْنَاهُ ونقى قلبه بنوره واحتد بَصَره فِي خلقه وصنعه وتدبيره فَلَو نظر إِلَى ورقة لحار عقله فِيهَا من الْعَجَائِب الَّتِي فِيهَا من رطوبتها ولونها وطعمها وريحها ولينها ومقدارها وتقطيعها وهيئتها ونقوشها وتخطيطها واللطف الَّذِي حواها على
стр. 824
هَذِه الصّفة ثمَّ كل شَجَرَة لَهَا ورق لَا يشبه الْأُخْرَى فللمؤمن الْمُنِيب فِي هَذَا الْبَصَر بهجة
فَأَما المكب على نَفسه فِي خلو من لطائف الله تَعَالَى فِيهِ الَّتِي هِيَ عِنْد الْعَارِف أحلى من القطايف وبره وتدبيره وَرَحمته وَإِنَّمَا بِهِ شغل نَفسه مَاذَا ينَال مِنْهَا من عَاجل النَّفْع أكلا وتمتعا واعتقادا لما فضل مِنْهُ حرصا على الدُّنْيَا وجمعا لَهَا قد اتَّخذهُ عدَّة لنوائبه دون الله تَعَالَى وَاعْتمد عَلَيْهِ فاستولت بهجة النَّفس عَلَيْهِم لينالوا بهَا عزا ويتمتعوا لهوا وسهوا فوقعوا فِي الخسران وحرموا رُؤْيَة الْبَهْجَة وَصَارَ عَاقِبَة أَمرهم إِلَى الكفران قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا تلهكم أَمْوَالكُم وَلَا أَوْلَادكُم عَن ذكر الله وَمن يفعل ذَلِك فَأُولَئِك هم الخاسرون﴾
فَسَأَلَ ﷺ أَن يمتعه ببصره الَّذِي ينَال بِهِ هَذِه الْأَشْيَاء حَتَّى يتوسم بِهِ آيَات الله وَينظر بِهِ إِلَى سمات الْقُدْرَة وَيكون مِمَّن يعبد الله بِكُل نظرة فَإِنَّمَا أعطي الْعباد ليعبدوا الله تَعَالَى بهَا لَا ليتمتعوا بهَا تمتّع الْكفَّار قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين كفرُوا يتمتعون ويأكلون كَمَا تَأْكُل الْأَنْعَام وَالنَّار مثوى لَهُم﴾
فالمؤمن يتزود فِي جَمِيع نظره وسعيه وَعَمله ينظر بِعَين الْعبْرَة والفكرة فِي أَمر الله تَعَالَى ويتقرب إِلَى الله تَعَالَى بِهِ ويتزود لآخرته وَالْكَافِر يتمتع وَإِذا نظر الْمُؤمن بِعَين الْغَفْلَة والشهوة كَانَ تمتعا فالمتنبه كلما نظر إِلَى شَيْء ازْدَادَ علما وَكَانَ بَصَره رَأس مَاله والمزيد من الْعلم ربحه وَلِهَذَا جَاءَت بِهِ الْأَخْبَار أَن النّظر إِلَى الْبَحْر عبَادَة وَإِلَى الْعَالم عبَادَة وَإِلَى وَجه الْأَبَوَيْنِ عبَادَة لِأَنَّهُ عبد الله بِتِلْكَ النظرة
стр. 825
وَقَوله (واجعله الْوَارِث مني) أَي اجْعَل بَصرِي آخر مَا يخرج مني فَيكون قد ختمت لي بِالنُّبُوَّةِ والتوحيد وَالْعقل فَيكون بَصرِي هُوَ الْوَارِث لجوارحي فَإِن هَذِه الْأَبْصَار قد اجْتمعت فِي هَذَا الْبَصَر فَكَانَ آخر مَا يخرج مني لطافة الرّوح وَهُوَ بصر الْعين فَقَط فالسعيد من قبض روحه وَكَانَ آخر مَا يخرج مِنْهُ بصر توحيده وعقله والشقي من سلب ذَلِك ثمَّ قبض روحه فَكَانَ آخر مَا يخرج مِنْهُ بصر روحه فَقَط
قَالَ ﷺ (إِن الرّوح إِذا فَارق الْجَسَد تبعه الْبَصَر أَلا ترى إِلَى شخوص عينه)
فَسَأَلَ ﷺ الإمتاع ببصره أَن يديم لَهُ ذَلِك إِلَى أَن تُفَارِقهُ روحه وَكَانَ آخر مَا يخرج عَنهُ بَصَره لِأَنَّهُ كَانَ مُتَّصِلا ببصر الْعقل والتوحيد وَالْولَايَة والنبوة والرسالة والقيادة والسيادة حَتَّى يكون ذَلِك ختاما لأَمره
وَقَوله (وَأَرِنِي ثَأْرِي) مَعْنَاهُ أَرِنِي ببصري هَذَا مَا يكون فِي أمتِي إِلَى آخر الدَّهْر من النُّصْرَة لما جِئْت بِهِ فاستجيب لَهُ فأري ملك فَارس وَالروم فِي أمته ومنازل الْحُكَمَاء وَالْعُلَمَاء وَالْأَئِمَّة الهادية بِالْحَقِّ والقائمة بِالْعَدْلِ والفتن الَّتِي هِيَ كائنة فِي أمته وَالرَّحْمَة الَّتِي عمتهم
وَقَوله (وَانْصُرْنِي على من ظَلَمَنِي) ظلم الرَّسُول ﷺ أَن يكذب وتنفى عَنهُ منَّة الله تَعَالَى عَلَيْهِ فِي شَأْن النُّبُوَّة فَسَأَلَ إِظْهَار حَقه الَّذِي جَاءَ بِهِ فَكَانَت تِلْكَ نصْرَة النُّبُوَّة فَكَانَ المستعدي عَلَيْهِ على أحد أَمريْن إِمَّا أَن يهديه الله تَعَالَى وَإِمَّا أَن يقْتله
стр. 826
- الأَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ والمائتان
-
فِي حَقِيقَة الْخَوْف وَحَقِيقَة الْمعرفَة
عَن معَاذ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَو خِفْتُمْ الله تَعَالَى حق خيفتة لعلمتم الْعلم الَّذِي لَا جهل مَعَه وَلَو عَرَفْتُمْ الله تَعَالَى حق مَعْرفَته لزالت بدعائكم الْجبَال)
حَقِيقَة الْخَوْف لمن وصل قلبه إِلَى فردانيته فَامْتَلَأَ من عَظمَة الفردية باهت فِي جَلَاله فأينما وَقع بَصَره على شَيْء وأينما دارت فكره واطلعت نَفسه تِلْكَ الْمطَالع علم الْعلم الصافي الَّذِي لَا يمازجه شُبْهَة وَلَا جهل بِمَنْزِلَة الشَّمْس إِذا أشرقت على أهل الدُّنْيَا بضوئه يُرِيك الْأَشْيَاء كلهَا حَتَّى لَا يخفى عَلَيْك مِنْهُ شَيْء لعُمُوم إشراقه على الْأَشْيَاء كلهَا فَكَذَا شَأْن الْقلب إِذا كمل علمه وأشرق نور الله تَعَالَى فِي صَدره فَذَلِك الضَّوْء يُرِيك أَمر الملكوت وَأُمُور الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَإِنَّمَا ينَال هَذَا الْعلم بِنور الْخَوْف وَنور الْخَوْف مَا أشرق فِي صَدره من نور العظمة الفردية فخافه حق خيفته وَعلم الْعلم الَّذِي لَا جهل مَعَه
стр. 827
لِأَنَّهُ يُرِيك ذَلِك النُّور بَاطِن الْأُمُور والأسرار الَّتِي فِي الغيوب الَّتِي خص الله تَعَالَى بالكشف عَنْهَا الْأَنْبِيَاء والأولياء ﵈
وَقَوله (حق مَعْرفَته) أَن تعرفه بصفاته العلى وأسمائه الْحسنى معرفَة يَسْتَنِير قَلْبك بهَا فَإِذا عَرفته بذلك كَانَ دعاؤك عَن معرفَة وَحسن الظَّن بِهِ وَقَالَ عز من قَائِل أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي والكريم يستحيي أَن يعرف بِشَيْء ثمَّ لَا يكون لَهُ من ذَلِك الشَّيْء مِنْهُ نوال فَمَا ظَنك بِعَبْد يعرف ربه بِالْكَرمِ ثمَّ يَدعُوهُ فَيَقُول يَا كريم هَل يخيب الْعَارِف لَهُ بذلك وَقد عرفه بِالْكَرمِ معرفَة يَقِين
وَقد عرف الموحدون كلهم أَنه كريم وَلَكِن تِلْكَ معرفَة التَّوْحِيد لَا معرفَة الْيَقِين وَلِهَذَا يعاملونه مُعَاملَة اللئام وَلَا يأتمنونه على أَحْوَالهم إِذْ لَو ائتمنه لم يتَخَيَّر الْأَحْوَال وَألقى مَفَاتِيح الْأُمُور إِلَيْهِ حَتَّى يكون هُوَ الَّذِي يخْتَار لَهُ وَإِذا اخْتَار لَهُ مَا تكره نَفسه ويثقل عَلَيْهَا رَاض نَفسه وأدبها حَتَّى إِذا اخْتَار الله تَعَالَى لَهُ ذَلِك اهتش إِلَى الْمَكْرُوه كَمَا يهتش إِلَى المحبوب ثِقَة بِهِ وتفويضا إِلَيْهِ فَهَؤُلَاءِ الراضون عَن الله تَعَالَى رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ فهم أهل الخشية وَالَّذين عرفوه بِالْكَرمِ معرفَة التَّوْحِيد يتخيرون لَهُ الْأَحْوَال فيهربون من الْفقر والذل ويحتالون لأَنْفُسِهِمْ الْأَحْوَال المحبوبة ويطلبونها ويدبرون لأَنْفُسِهِمْ أمورا وَإِذا جَاءَهُم الْمَكْرُوه من الْأُمُور وَذَلِكَ لَهُ صنع من الله جميل رَأَيْت لَهُ نفسا دنية وخلقا شكسا فَلَا يزَال ذَلِك السوء يتَرَدَّد فِي صَدره حَتَّى يتكدر عَلَيْهِ عيشه فَإِن كَانَ صَاحب تقوى اتَّقى الله بجوارحه وصدره بِهَذِهِ الصّفة وَإِن خذل فَترك تقواه خرج ذَلِك من صَدره إِلَى الْجَوَارِح فافتضح عِنْد الْمَلَائِكَة وعقلاء خلقه فِي الأَرْض
стр. 828
- الأَصْل الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ والمائتان
-
فِي أَن الطاعم الشاكر لم صَار بِمَنْزِلَة الصَّائِم الصابر وَأَن الصَّبْر أفضل
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (الطاعم الشاكر بِمَنْزِلَة الصَّائِم الصابر)
الصَّوْم هُوَ أَن يعزم على أَن يكف عَن الطَّعَام وَالشرَاب ومباشرة النِّسَاء طول النَّهَار والصائم كل سَاعَة تَتَرَدَّد فِيهِ شَهْوَة الطَّعَام وَالشرَاب وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ مَمْنُوع مِنْهُ فَرد شَهْوَته وتجرعت نَفسه مرَارَة الرَّد فَهُوَ صابر يَتَجَدَّد عَلَيْهِ الصَّبْر سَاعَة بعد سَاعَة عِنْد تحرّك كل شَهْوَة فِي نَفسه وَمنعه مِنْهَا فَهُوَ يردهَا وَيثبت على الْوَفَاء بنذره فَسُمي
стр. 829
الصَّائِم الصابر وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى (الصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ) إِنَّمَا صَار مُخْتَصًّا من بَين الْأَعْمَال بِأَن نسبه إِلَى نَفسه الْكَرِيمَة وَإِن كَانَ الْأَعْمَال كلهَا لله تَعَالَى لِأَن الصَّوْم لَيْسَ بِعَمَل الْأَركان وَيَقَع سرا فِيمَا بَينه وَبَين ربه والحفظة لَا تعلم ذَلِك وَلَا تطلع عَلَيْهِ وخفي عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَمِقْدَار ثَوَابه فولي الله تَعَالَى ذَلِك لعَبْدِهِ لِأَنَّهُ كلما ترددت شَهْوَة تَجَدَّدَتْ للْعَبد عَزمَة على الثَّبَات فَلهُ بِكُل عَزمَة ثَوَاب جَدِيد
وَلِهَذَا قَالَ ﷺ (مَا من نعْمَة وَإِن تقادم عهدها فَذكرهَا العَبْد فَحَمدَ الله عَلَيْهَا إِلَّا جدد الله تَعَالَى لَهُ ثَوَاب شكرها كَيَوْم شكره وَمَا من مُصِيبَة وَإِن تقادم عهدها فَذكرهَا العَبْد فَاسْتَرْجع إِلَّا جدد الله لَهُ ثَوَابهَا كَهَيْئَته يَوْم أُصِيب)
فللصائم بِكُل عَزمَة اسْتِئْنَاف صَبر قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُوفى الصَّابِرُونَ أجرهم بِغَيْر حِسَاب﴾ فقد خرج هَذَا من عمل الْحفظَة وإدراكهم
قَالَ ﷺ (الْأَعْمَال كل حَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة إِلَّا الصَّوْم فَإِنَّهُ لَا يعلم ثَوَاب عَامله إِلَّا الله تَعَالَى)
وَقَالَ ﷺ الْأَعْمَال عِنْد الله سَبْعَة عملان موجبان
стр. 830
وعملان بأمثالهما وَعمل بِعشر أَمْثَاله وَعمل بسبعمائة ضعف وَعمل لَا يعلم ثَوَاب عَامله إِلَّا الله تَعَالَى فَأَما الموجبان فَمن لَقِي الله يعبده مخلصا لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا وَجَبت لَهُ الْجنَّة وَمن لَقِي الله قد أشرك بِهِ وَجَبت لَهُ النَّار وَمن عمل سَيِّئَة جزي بِمِثْلِهَا وَمن عمل حَسَنَة جزي عشرا وَمن أنْفق مَاله فِي سَبِيل الله ضعفت بسبعمائة وَالصِّيَام الَّذِي لَا يعلم ثَوَاب عَامله إِلَّا الله تَعَالَى
وَقَوله (الطاعم الشاكر بِمَنْزِلَة الصَّائِم الصابر) فالإيمان منقسم على الشُّكْر وَالصَّبْر
قَالَ ﷺ (الْإِيمَان نِصْفَانِ نصف للشكر وَنصف للصبر)
لِأَن العَبْد فِي جَمِيع عمره بَين مَحْبُوب ومكروه فالإيمان يَقْتَضِي الشُّكْر عِنْد المحبوب وَالصَّبْر عِنْد الْمَكْرُوه فَإِذا وفى لَهما وفر إيمَانه فَإِذا طعم وَهُوَ مَحْبُوب النَّفس فَشكر فقد أَتَى بِنصْف وَفَاء الْإِيمَان وَإِذا جَاع وَهُوَ مَكْرُوه النَّفس فَصَبر فقد أَتَى بِنصْف وَفَاء الْإِيمَان وَهَكَذَا فِي جَمِيع الْأَعْمَال وَهَذَا لِأَن العَبْد لما آمن بِقَلْبِه واعترف بِلِسَانِهِ امتحن صدق مَا فِي قلبه وطمأنينة نَفسه بِالْإِيمَان بالمحبوب وَالْمَكْرُوه فَإِن أبرز عِنْد المحبوب شكرا وَعند الْمَكْرُوه صبرا فقد أَتَى بوفاء الْإِيمَان
قَالَ تَعَالَى ﴿الم أَحسب النَّاس أَن يتْركُوا أَن يَقُولُوا آمنا وهم لَا يفتنون وَلَقَد فتنا الَّذين من قبلهم فليعلمن الله الَّذين صدقُوا وليعلمن الْكَاذِبين﴾
стр. 831
لِأَن الشَّهْوَة الَّتِي فِي ابْن آدم من المحفوف بِبَاب النَّار فَإِذا أثارها مَحْبُوب من الْأُمُور فَهِيَ حِرْفَة يَقْتَضِي عَلَيْهَا الشُّكْر وَهُوَ رؤيتها من خَالِقهَا والمقدر لَهُ وَإِذا آثرها بمكروه فَهِيَ حِرْفَة يَقْتَضِي عَلَيْهَا الصَّبْر للمقدر الْحَاكِم عَلَيْهِ بذلك لتظهر صِحَة إيمَانه فيباهي الله تَعَالَى بِهِ يَوْم الْموقف مَلَائكَته عليم السَّلَام إِذا أَتَى الله تَعَالَى بِالصبرِ وَالشُّكْر
стр. 832
- الأَصْل الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ والمائتان
-
فِي أدب شرب المَاء وفوائد كل شربة وَحِكْمَة الشُّكْر والشفاء والوترية
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِذا شربتم فَاشْرَبُوا بِثَلَاثَة أنفاس فَالْأول شكر لشرابه وَالثَّانِي شِفَاء فِي جَوْفه وَالثَّالِث مطردَة للشَّيْطَان وَإِذا شربتم فمصوه مصا فَإِنَّهُ أَجْدَر أَن يجْرِي مجْرَاه وَأَنه أهنا وأمرأ)
النَّفس الأول صَار شكرا للمنتهين لما خلص إِلَيْهِ عذوبة المَاء ورطوبته وبرودته ترَاءى لِقَلْبِهِ لطف الله تَعَالَى فِي ذَلِك المَاء كَيفَ جرت ربوبيته فِيهِ حَتَّى رطبه وأعذبه وبرده فَكَانَت رُؤْيَته لذَلِك شكرا وَإِذا كَانَ النَّفس الأول بِهَذِهِ الْهَيْئَة ذهب بالداء وَإِذا ذهب الدَّاء جَاءَت نوبَة الشِّفَاء فَلَمَّا شكر هَذَا العَبْد فِي النَّفس الأول اسْتوْجبَ من الله تَعَالَى الْمَزِيد قَالَ تَعَالَى ﴿لَئِن شكرتم لأزيدنكم﴾
стр. 833
فاجتلب فِي النَّفس الثَّانِي الْمَزِيد فَصَارَ شِفَاء لِأَن الْبركَة قد اشْتَمَلت على الْمَزِيد
وَأما النَّفس الثَّالِث صَار مطردَة للشَّيْطَان للوترية الَّتِي فِيهِ فَإِن الله تَعَالَى وتر يحب الْوتر فَالنَّفْس الأول رَحمته وَالنَّفس الثَّانِي شكره لعَبْدِهِ وَهُوَ مزيده وَالنَّفس الثَّالِث محبوبه لسمة الوترية فوتريته تَعَالَى نفت كل خلط فِي الْأَعْمَال مِمَّا يُرِيد الشَّيْطَان أَن يزاوجه لِأَنَّهُ مستعد لِأَن يزاوج بِمَا يُورد على الْقُلُوب فِي ملك الصُّدُور والموحد يَنْفِي مزاوجته بحظه من وترية الله تَعَالَى حَتَّى يبطل كَيده ويصفو عمله لله تَعَالَى الْوتر وَلذَلِك كَانَت الْعلمَاء يتوخون الْوتر فِي كل شَيْء فَكَانَ رَسُول الله ﷺ يتَوَضَّأ وترا وَإِذا تكلم فَأَعَادَ الحَدِيث أعَاد وترا وَكَانَ يتوخى الوترية فِي كل شَيْء وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ يتوخى الوترية فِي كل شَيْء حَتَّى أَنه كَانَ يقْرَأ فِي صلَاته بِأم الْقُرْآن بِثَلَاثَة أنفاس وَكَانَ ابْن سِيرِين ﵁ يتفقد بِطَلَب ذَلِك حَتَّى يَأْمر الْخَادِم أَن يضع على مائدته من كل شَيْء وترا يتوخون بذلك مَحْبُوب الله تَعَالَى والتماس الْبركَة وانطراد الشَّيْطَان ونفوره وَإِذا انطرد الشَّيْطَان بَقِي الشِّفَاء على هَيئته وَثَبت الشُّكْر لصَاحبه قَالَ ﷺ (إِن الله ليرضى على العَبْد بالشربة الْوَاحِدَة والأكلة الْوَاحِدَة يشْربهَا أَو يأكلها فيحمد الله عَلَيْهَا)
وَقَالَ ﷺ (مَا أنعم الله على عبد من نعْمَة صَغِيرَة وَلَا
стр. 834
كَبِيرَة فَحَمدَ الله عَلَيْهَا إِلَّا كَانَ قد أعطي خيرا مِمَّا أَخذ)
فَالنَّفْس الأول للشكر وَإِنَّمَا يثبت الشُّكْر للوترية فِي النَّفس الثَّالِث لانطراد الشَّيْطَان لِأَنَّهُ لم يكن مطرودا دخل عَلَيْهِ بوسوسة مَا يبطل شكره بِأَن يوسوس إِلَيْهِ فِي عذوبته أَو فِي صفائه أَو فِي برده خللا ينغص عَلَيْهِ النِّعْمَة حَتَّى يغيب عَن قلبه لطف ربوبية الله تَعَالَى فِي ذَلِك المَاء فِي وَقت الشّرْب
وَقد اسْتوْجبَ العَبْد رِضَاء الله تَعَالَى فِي شربة وَاحِدَة لهَذِهِ الْآدَاب الَّتِي دأب عَلَيْهَا مُطيعًا لله تَعَالَى طَالبا فِيهَا حسن الْعَمَل وَهَذِه الشربة الْوَاحِدَة إِنَّمَا رَضِي الله بهَا عَن العَبْد لِأَنَّهُ سمى فِي أَولهَا وتنفس حِين قطع الشُّكْر للمزيد ليجتلبه فَإِن الْمَزِيد أَكثر من الشُّكْر ثمَّ تنفس فَقطع ليجتلب الوترية فينفي الْعَدو الْحَاسِد الَّذِي قد أعد لَهُ فِي كل شَيْء حسدا فَيثبت لَهُ الشُّكْر فيدوم فَإِذا حمد الله فقد خَتمه بِكَلِمَة الصدْق فَرضِي عَنهُ بِتِلْكَ الْكَلِمَة الصادقة وَإِذا حمد حمدا مَعَ ترك الْأَدَب كَانَت كَلمته مدخولة فَلَا يسْتَوْجب الرضى لِأَنَّهُ مَعَ اسْتِيلَاء الْغَفْلَة كحمد السكارى وَإِذا رَضِي الله تَعَالَى عَن عَبده أثنى عَلَيْهِ وأحبه مَلَائكَته
قَالَ ﷺ (من شرب المَاء بِثَلَاثَة أنفاس بَدَأَ فَسمى فِي كل مرّة وَحمد كل مرّة سبح المَاء فِي جَوْفه حَتَّى يشرب مَاء غَيره)
стр. 835
وَقَوله (إِذا شربتم فمصوا) لِأَن اللهاة تيبس من حرارة الْجوف ولهبان الكبد فتعطش اللهاة فَإِذا مص المَاء كَانَ كثير الْبُرُودَة على اللهاة فيسكن الْعَطش فاستغنى عَن كثرته إِذْ كَثْرَة المَاء تتخم وتحدث دَاء كَثِيرَة فَإِذا مص أسْرع إِلَى تسكين الْعَطش فاستغنى عَن الازدياد وَلِأَنَّهُ أرْفق لمجراه فِي الْعُرُوق
قَالَ (لَا تَعبه عبا فَإِن الكباد من العب)
فَإِنَّهُ إِذا عب أضرّ بالكبد لِأَنَّهُ مجمع الْعُرُوق وَمِنْه تَنْقَسِم فِي الْعُرُوق فَإِذا عبه فِي دفْعَة وَاحِدَة كَانَ بِمَنْزِلَة نهر فتحت مفتحه دفْعَة وَاحِدَة فَدخل المَاء جملَة لم يُؤمن البثق وَالْفساد فَكَذَا إِذا شربه عبا لَا مصا لم تحْتَمل الْعُرُوق وفاضت من الْمعدة إِلَى الْعُرُوق فَرُبمَا كَانَ على الطَّرِيق سدة فِي الْعُرُوق فاحتبس المَاء هُنَاكَ فدوي فَصَارَ خاما وَقَوي البلغم فَحدثت مِنْهُ أدواء فِي النَّفس وأورثت كسلا عَن عبَادَة الله تَعَالَى وفتورا فَمن لَهَا عَن تفقد ذَلِك يُوشك أَن يُؤَدِّيه إِلَى مَا هُوَ أكبر مِنْهُ فَكَانَ ﷺ شفيقا على الْأمة رؤوفا رحِيما أَن يؤديهم إِلَى الله تَعَالَى مَعَ زِينَة الْإِسْلَام وبهاء الْإِيمَان فعلمهم تنَاول الطَّعَام وَالشرَاب وكل شَيْء للنَّفس فِيهِ حق وَقد طهره الله تَعَالَى وأدبه وَأَحْيَا قلبه وَنَفسه فَقبل أدبه وَصَارَ مهذبا وأمرنا بالاتساء بِهِ فَقَالَ تَعَالَى ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ وَجعل الإتباع لَهُ عَلامَة محبته فِي قُلُوب الْعباد فَقَالَ ﴿إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ فَأوجب محبته لمن اتبعهُ
стр. 836
- الأَصْل السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ والمائتان
-
فِي أَن النّوم مَعَ الطُّهْر كَالصَّوْمِ مَعَ الْقيام
عَن عَمْرو بن حُرَيْث ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (النَّائِم الطَّاهِر كالصائم الْقَائِم)
الصَّائِم بترك الشَّهَوَات يطهر وبقيامه بِاللَّيْلِ يحيا والنائم نوم الْعدة محتسبا إِذا نَام على طَهَارَة بِمَنْزِلَتِهِ فَإِن نَفسه تعرج إِلَى الله تَعَالَى فَإِذا كَانَ طَاهِرا قرب فَسجدَ تَحت الْعَرْش
قَالَ عبد الله بن عَمْرو ﵄ تعرج الْأَرْوَاح إِلَى الله تَعَالَى فِي منامها فَمَا كَانَ طَاهِرا سجد تَحت الْعَرْش وَمَا كَانَ غير طَاهِر سجد قاصيا فَلذَلِك يسْتَحبّ أَن لَا ينَام الرجل إِلَّا وَهُوَ طَاهِر
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ إِذا نَام الْإِنْسَان عرج بِنَفسِهِ
стр. 837
حَتَّى يُؤْتى بهَا إِلَى الْعَرْش فَإِذا كَانَ طَاهِرا أذن لَهَا فِي السُّجُود وَإِن كَانَ حنبا لم يُؤذن لَهَا فِي السُّجُود
وَمَا قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ إِن النَّفس تعرج أصوب فَإِنَّهُ يرْوى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (وكل بالنفوس شَيْطَان يُقَال لَهُ الهو فَهُوَ يخيل إِلَيْهَا ويتراءى إِلَى أَن يَنْتَهِي إِذا عرج بهَا فَإِذا انْتَهَت إِلَى السَّمَاء فَمَا رَأَتْ فَهُوَ الرُّؤْيَا الَّتِي تصدق) إِلَّا أَن عبد الله بن عَمْرو إستجاز أَن يُسَمِّي الرّوح باسم قرينها كالقلب والفؤاد وَالنَّفس وَالروح قرينان إِلَّا أَن الرّوح سماوي يَدْعُو إِلَى الطَّاعَة ومسكنه فِي الرَّأْس وَالنَّفس أرضية تَدْعُو إِلَى الشَّهَوَات وَقد وضع فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا شَيْء من الْحَيَاة فَيعْمل بِتِلْكَ الْحَيَاة فبالنفس يَأْكُل وَيشْرب وَيسمع ويبصر وبالروح يعف ويستحيي ويتكرم ويتلطف ويعبد ربه ويطيع وَالنَّفس هِيَ الأمارة بالسوء وَهِي حارة وَالروح بَارِد فَإِذا نَام العَبْد خرجت النَّفس بحرارتها فعرج بهَا إِلَى الملكوت وَالروح بَاقٍ مُعَلّق بنياط الْقلب يحرس الْقلب بِمَا فِيهِ من التَّوْحِيد وأصل النَّفس بَاقٍ يتَقَيَّد بِالروحِ وَقد خرج شعاعها قَالَ الله تَعَالَى ﴿الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا وَالَّتِي لم تمت فِي منامها فَيمسك الَّتِي قضى عَلَيْهَا الْمَوْت وَيُرْسل الْأُخْرَى إِلَى أجل مُسَمّى﴾
وَلذَلِك تَجِد النَّائِم اسْتَيْقَظَ فِي أَعْضَائِهِ بردا فِي أَيَّام الصَّيف لخُرُوج حرارة النَّفس
والنفوس تشترك بَين الْآدَمِيّ والبهائم وَفضل الْآدَمِيّ بِالروحِ السماوي ليَكُون دَاعيا لنَفسِهِ إِلَى الطَّاعَة وَإِذا نَام العَبْد خرجت النَّفس فَلَقِيت من أُمُور الملكوت وأخبار الْغَيْب مَا يرجع إِلَى صَاحبهَا بِالْعلمِ الشافي
стр. 838
قَالَ ﷺ (رُؤْيا الْمُؤمن جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُّبُوَّة)
وَقَالَ أَيْضا ﷺ (لم يبْق بعدِي من النُّبُوَّة شَيْء إِلَّا الْمُبَشِّرَات رُؤْيا الْمُؤمن)
فَإِذا عرجت النَّفس صَارَت إِلَى فنَاء الْعَرْش فظهرت بِقرب الله تَعَالَى وبالسجود الَّذِي أذن لَهَا فَرَجَعت إِلَى صَاحبهَا طَاهِرَة بِالْقربِ محبوة بكرامة السُّجُود فَصَارَت بِمَنْزِلَة الصَّائِم الَّذِي طهر بترك الشَّهَوَات وحيى بِقِيَام اللَّيْل فَهَذِهِ منزلَة الصَّادِقين اسْتَوَى نَومه على طَهَارَة بصيامه وقيامه
وَلِهَذَا قَالَ معَاذ ﵁ لأبي مُوسَى إِنِّي أَنَام نصف اللَّيْل وأقوم نصفه فأحتسب نومتي كَمَا أحتسب قومتي
فَأَما منزلَة الصديقين خَاصَّة الله تَعَالَى فَهِيَ أرفع من هَذَا فَإِن النّوم
стр. 839
عِنْدهم أثر من الْقيام لِأَن نُفُوسهم قد قلقت بَين الأحشاء فَهِيَ تطلب الانفلات إِلَى فسحة التَّوْحِيد إِلَى فحص الْعَرْش وَطلبت الْعُقُول الْوُصُول إِلَى الله تَعَالَى فاغتنم مَا تطلب النَّفس فاقترنا فَخرج الْعقل بحظه من الْقلب اشتياقا إِلَى الله تَعَالَى وَخرجت النَّفس اشتياقا إِلَى فسحة الْعَرْش وَالروح الَّذِي هُنَاكَ فَإِذا رجعا إِلَى الْبدن أوردا على الرّوح من الطهارات والكرامات مَا لَا يخْطر على قلب بشر حَتَّى يرتاح ويطهر وَلذَلِك كَانَ رَسُول الله ﷺ يتوخى نوم السحر
قَالَت عَائِشَة ﵂ مَا أَلْقَاهُ السحر عِنْدِي إِلَّا نَائِما
فالسحر سَاعَة نزُول الرب إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا واطلاعه على الْخلق والعطف عَلَيْهِم والنداء أَلا هَل من دَاع فأستجيب لَهُ أَلا هَل من تائب فأتوب عَلَيْهِ أَلا هَل من سَائل فَأعْطِيه أَلا هَل من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ وَهُوَ باسط يَده لمسيء النَّهَار أَن يَتُوب بِاللَّيْلِ ثمَّ يَقُول من يقْرض غير مَعْدُوم وَلَا مطول
فَكَانَ ﷺ يتوخى النّوم فِي ذَلِك الْوَقْت لعروج نَفسه إِلَى الله تَعَالَى فَتَلقاهُ فِي سمائه وَهَذَا أفضل عِنْده من قِيَامه لِأَنَّهُ فِي حَال الْقيام إِنَّمَا يعرج إِلَيْهِ قلبه بعقله وَفِي حَالَة النّوم تعرج النَّفس وَالْعقل وَالْقلب فاجتماع الثَّلَاثَة أفضل عِنْده فخاصة الله تَعَالَى نالوا هَذَا الْحَظ وتوخوا بنومهم ذَلِك فصاروا أفضل من الصائمين القائمين وَأما الصَّادِق فقد اعتدل نَومه بصومه ومكثه فِي نَومه بقومته وإليهم أَشَارَ ﷺ فِي الحَدِيث وَهَذَا مثل قَوْله ﷺ (الطاعم الشاكر بِمَنْزِلَة الصَّائِم الصابر)
فَهَذَا شكر الصَّادِقين عدل شكره على طَعَامه بصبره فِي صِيَامه فَأَما شكر الصديقين فقد فاق وبرز على صَبر الصائمين لِأَن الصَّبْر ثبات العَبْد فِي مركزه عَن الشَّهَوَات برد مَا يهتاج مِنْهُ من الشَّهَوَات
стр. 840
فِي وَجه النَّفس والشاكر من الصديقين يطعم ويفتتح طَعَامه بِبسْم الله الَّذِي يمْلَأ تَسْمِيَته مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض ويطفئ حرارة شَهْوَته وَيرى لطف الله تَعَالَى فِي ذَلِك الطَّعَام ورأفته بِهِ فِي سياقته إِلَيْهِ ويحمد الله تَعَالَى على مَا يرى من صَنْعَة الله تَعَالَى فِي ذَلِك الطَّعَام حمدا لَا يَنْتَهِي فقد بَان تفَاوت مَا بَين هذَيْن الْحَالين
وَعند معَاذ بن جبل ﵁ قَالَ أَبْطَأَ عَنَّا رَسُول الله ﷺ بِصَلَاة الْفجْر حَتَّى كَادَت الشَّمْس تدركنا ثمَّ خرج فصلى بِنَا فَخفف فِي صلَاته ثمَّ انْصَرف فَأقبل علينا بِوَجْهِهِ فَقَالَ على مَكَانكُمْ أخْبركُم بإبطائي عَنْكُم الْيَوْم فِي هَذِه الصَّلَاة إِنِّي صليت فِي لَيْلَتي هَذِه مَا شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ ملكتني عَيْني فَرَأَيْت رَبِّي فِي أحسن صُورَة وأجملها فَقَالَ يَا مُحَمَّد قلت لبيْك يَا رب قَالَ فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى قلت لَا أَدْرِي يَا رب ثمَّ قَالَ يَا مُحَمَّد قلت لبيْك يَا رب قَالَ فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى قلت لَا أَدْرِي يَا رب قَالَ فَوضع كَفه بَين كَتِفي فَوجدت برد أنامله بَين ثديي فَعلمت من كل شَيْء وبصرته ثمَّ قَالَ يَا مُحَمَّد قلت لبيْك يَا رب قَالَ فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى قلت فِي الْكَفَّارَات قَالَ وَمَا هن قلت فِي الْمَشْي على الْأَقْدَام إِلَى الْجَمَاعَات وَفِي إسباغ الْوضُوء فِي السبرات وَفِي الْقعُود فِي الْمَسَاجِد بعد الصَّلَوَات قَالَ ثمَّ فيمَ قَالَ قلت وَفِي إطْعَام الطَّعَام ولين الْكَلَام وَالصَّلَاة بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام قَالَ سل قلت اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك حب الْحَسَنَات وَترك الْمُنْكَرَات وَحب الْمَسَاكِين وَأَن تغْفر لي وترحمني وَإِذا أردْت فتْنَة فِي خلقك فنجني إِلَيْك مِنْهَا غير مفتون اللَّهُمَّ وَأَسْأَلك حبك وَحب من يحبك وَحب عمل يقرب إِلَى حبك ثمَّ أقبل علينا فَقَالَ تُعَلِّمُوهُنَّ وادرسوهن فَإِنَّهُنَّ حق
стр. 841
فَانْظُر كم بَين النومة والقومة فَهُوَ قصد المشتاقين إِلَى الله تَعَالَى فِي الْمَنَام يتوخون بهَا تجدّد أَحْوَال النُّفُوس ويتوقعون من الله تَعَالَى المنن وَكَانَ أَبُو بكر ﵁ يَقُول لِأَن أسمع برؤيا صَالِحَة أحب إِلَيّ من كَذَا وَكَذَا
стр. 842
- الأَصْل السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ والمائتان
-
فِي التَّعَوُّذ بِاللَّه من الرغب
عَن أبي سعيد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (تعوذوا بِاللَّه من الرغب) قَالَ وَكَانَت ابْنة رغيبة فَدَعَا الله عَلَيْهَا فَمَاتَتْ
الرغب كَثْرَة الْأكل والشبع مَفْقُود حَتَّى يحْتَاج صَاحبه أَن يثابر عَلَيْهِ فِي الْيَوْم مَرَّات وَذَلِكَ من غَلَبَة الْحِرْص ولهبان ناره يهضم ذَلِك الطَّعَام وينشف رطوبته حَتَّى يسْرع فِي يبسه فَيصير تفلا يحْتَاج إِلَى أَن ينفضه نفضا
وَقَالَ ﷺ (الرغب شُؤْم) لِأَن ذَلِك من جعامة النَّفس وَإِذا كَانَت النَّفس جعمة فصاحبها مفتون وجعامة النَّفس من قلَّة حَظه من الله تَعَالَى وَبعد قلبه مِنْهُ وربة نفس مَالَتْ جعامتها إِلَى بَطْنه فَيكون مفتونا ببطنه وَلَذَّة حلقه هالعا لَا يدع رطبا وَلَا يَابسا وربة نفس مَالَتْ جعامتها بهَا إِلَى فرجه فَكَانَ منهوما بذلك وَإِذا عجز عَنهُ فعلا لكبر أَو ضعف فقلبه منهوم وَلسَانه رافث وعينه طماحة
стр. 843
خَائِنَة قَالَ ﷺ (أَكثر مَا يدْخل النَّاس الْجنَّة حسن الْخلق وَأكْثر مَا يدْخل النَّاس النَّار الأجوفان الْبَطن والفرج)
وَقَالَ ﷺ (أشر مَا فِي الْإِنْسَان شح هَالِع وَجبن خَالع)
وَالشح الهالع هُوَ الْحِرْص الَّذِي لَهُ حريق فِي الْجوف وَصَاحبه لَا يشْبع والجبن الخالع هُوَ الَّذِي إِذا وَقع الْخَوْف فِي الرئة انتفخ من الْجُبْن وَسُوء الظَّن حَتَّى يرحل الْقلب من مَكَانَهُ فَيبقى مُعَلّقا كالمتخلع والرغب مُشْتَقّ من الرَّغْبَة وَالرَّغْبَة خلقت من أَخْلَاق الْكفْر
قَالَ وهب ﵁ وجدت فِي الْحِكْمَة مَكْتُوبًا بني الْكفْر على أَرْبَعَة أَرْكَان على الرَّغْبَة والرهبة والشهوة وَالْغَضَب
فالرغبة ربع الْكفْر وَالْمُؤمن لَا يرغب بل يتَنَاوَل على الْحَاجة وَلَا يسْتَمْتع بل يتزود لِأَنَّهُ مُسَافر قد أَيقَن بِالْبَعْثِ فَهُوَ فِي السّير إِلَى ربه فَمَا أَخذه من الدُّنْيَا أَخذه تزودا ليقطع مَسَافَة أَيَّام الدُّنْيَا إِلَى يَوْم مقدمه عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ الَّذِي حل بِهِ وَالْكَافِر قد ركن إِلَى الدُّنْيَا وَنَعِيمهَا وَلم يقر بِالْبَعْثِ وَلَا اطْمَأَن إِلَى أَنه صائر إِلَى الله تَعَالَى وَإِلَى مَا يأمله الْمُؤمن من الرَّجَاء الْعَظِيم والأمل الفسيح فَيَأْخُذ من الدُّنْيَا متمتع وَيَأْكُل أكل متشبع
قَالَ ﷺ (مَا مَلأ آدَمِيّ وعَاء شرا لَهُ من بطن بِحَسب
стр. 844
ابْن آدم لقمات يقمن صلبه فَإِن كَانَ لَا بُد فثلث طَعَام وَثلث شراب وَثلث نفس)
وَقَالَ ﷺ لأبي جُحَيْفَة ﵁ حَيْثُ تجشأ (يَا أَبَا جُحَيْفَة أقصر من جشائك فَإِن أطول النَّاس جوعا يَوْم الْقِيَامَة أَكْثَرهم شبعا فِي الدُّنْيَا)
وَيُقَال الشِّبَع أَب الْكفْر لِأَنَّهُ يحدث مِنْهُ الأشر والبطر ومنهما يتكبر ويتجبر
وَقَالَ ﵇ إِن الله تَعَالَى يحب القتير من أمتِي قيل يَا رَسُول الله وَمَا القتير قَالَ قَلِيل الطّعْم
وَرُوِيَ عَن يحيى بن زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام أَنه قَالَ لإبليس هَل وجدت مني شَيْئا قطّ قَالَ لَا إِلَّا أَنَّك رُبمَا شبعت فَثقلَتْ عَن الصَّلَاة فعاهد الله تَعَالَى أَن لَا يشْبع حَتَّى يخرج من الدُّنْيَا فَأمر ﵇ بالتعوذ مِنْهُ ليعافى من هَذِه الْآفَات إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 845
- الأَصْل الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ والمائتان
-
فِي سَبَب زِيَادَة الْعُمر
عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (يَا بني أَسْبغ الْوضُوء يزدْ فِي عمرك)
فَزِيَادَة الْعُمر على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن العَبْد إِذا عمر بِالْإِيمَان وبحياة الْقلب بِهِ فَذَاك كثير وَإِن قل مدَّته لِأَن الْقصير من الْعُمر إِذا احتشى من الْإِيمَان أربى على الْكثير لِأَن المبتغي من الْعُمر العبودة لله تَعَالَى كي يصير عِنْد الله تَعَالَى وجيها أَلا ترى أَن المعمرين من الرُّسُل ﵈ كلهم عمروا مَا بَين الْمِائَتَيْنِ إِلَى الْألف وَمُحَمّد ﷺ لبث فِي النُّبُوَّة نيفا وَعشْرين سنة فأربى على الْجَمِيع وتقدمهم لعَظيم حشوه ووفور حَظه ودنو قربه حَتَّى قَالَ (أَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر وَإِن الله تَعَالَى أَعْطَانِي خِصَالًا لم يُعْط أحدا قبلي سميت
следующие страницы →