← Книги сунны

Книги сунны · id 720

نوادر الأصول في أحاديث الرسول

الحكيم الترمذي

Полный текст (1 237 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

فَانْظُر كم بَين النومة والقومة فَهُوَ قصد المشتاقين إِلَى الله تَعَالَى فِي الْمَنَام يتوخون بهَا تجدّد أَحْوَال النُّفُوس ويتوقعون من الله تَعَالَى المنن وَكَانَ أَبُو بكر ﵁ يَقُول لِأَن أسمع برؤيا صَالِحَة أحب إِلَيّ من كَذَا وَكَذَا

стр. 842

- الأَصْل السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ والمائتان - فِي التَّعَوُّذ بِاللَّه من الرغب عَن أبي سعيد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (تعوذوا بِاللَّه من الرغب) قَالَ وَكَانَت ابْنة رغيبة فَدَعَا الله عَلَيْهَا فَمَاتَتْ الرغب كَثْرَة الْأكل والشبع مَفْقُود حَتَّى يحْتَاج صَاحبه أَن يثابر عَلَيْهِ فِي الْيَوْم مَرَّات وَذَلِكَ من غَلَبَة الْحِرْص ولهبان ناره يهضم ذَلِك الطَّعَام وينشف رطوبته حَتَّى يسْرع فِي يبسه فَيصير تفلا يحْتَاج إِلَى أَن ينفضه نفضا وَقَالَ ﷺ (الرغب شُؤْم) لِأَن ذَلِك من جعامة النَّفس وَإِذا كَانَت النَّفس جعمة فصاحبها مفتون وجعامة النَّفس من قلَّة حَظه من الله تَعَالَى وَبعد قلبه مِنْهُ وربة نفس مَالَتْ جعامتها إِلَى بَطْنه فَيكون مفتونا ببطنه وَلَذَّة حلقه هالعا لَا يدع رطبا وَلَا يَابسا وربة نفس مَالَتْ جعامتها بهَا إِلَى فرجه فَكَانَ منهوما بذلك وَإِذا عجز عَنهُ فعلا لكبر أَو ضعف فقلبه منهوم وَلسَانه رافث وعينه طماحة

стр. 843

خَائِنَة قَالَ ﷺ (أَكثر مَا يدْخل النَّاس الْجنَّة حسن الْخلق وَأكْثر مَا يدْخل النَّاس النَّار الأجوفان الْبَطن والفرج) وَقَالَ ﷺ (أشر مَا فِي الْإِنْسَان شح هَالِع وَجبن خَالع) وَالشح الهالع هُوَ الْحِرْص الَّذِي لَهُ حريق فِي الْجوف وَصَاحبه لَا يشْبع والجبن الخالع هُوَ الَّذِي إِذا وَقع الْخَوْف فِي الرئة انتفخ من الْجُبْن وَسُوء الظَّن حَتَّى يرحل الْقلب من مَكَانَهُ فَيبقى مُعَلّقا كالمتخلع والرغب مُشْتَقّ من الرَّغْبَة وَالرَّغْبَة خلقت من أَخْلَاق الْكفْر قَالَ وهب ﵁ وجدت فِي الْحِكْمَة مَكْتُوبًا بني الْكفْر على أَرْبَعَة أَرْكَان على الرَّغْبَة والرهبة والشهوة وَالْغَضَب فالرغبة ربع الْكفْر وَالْمُؤمن لَا يرغب بل يتَنَاوَل على الْحَاجة وَلَا يسْتَمْتع بل يتزود لِأَنَّهُ مُسَافر قد أَيقَن بِالْبَعْثِ فَهُوَ فِي السّير إِلَى ربه فَمَا أَخذه من الدُّنْيَا أَخذه تزودا ليقطع مَسَافَة أَيَّام الدُّنْيَا إِلَى يَوْم مقدمه عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ الَّذِي حل بِهِ وَالْكَافِر قد ركن إِلَى الدُّنْيَا وَنَعِيمهَا وَلم يقر بِالْبَعْثِ وَلَا اطْمَأَن إِلَى أَنه صائر إِلَى الله تَعَالَى وَإِلَى مَا يأمله الْمُؤمن من الرَّجَاء الْعَظِيم والأمل الفسيح فَيَأْخُذ من الدُّنْيَا متمتع وَيَأْكُل أكل متشبع قَالَ ﷺ (مَا مَلأ آدَمِيّ وعَاء شرا لَهُ من بطن بِحَسب

стр. 844

ابْن آدم لقمات يقمن صلبه فَإِن كَانَ لَا بُد فثلث طَعَام وَثلث شراب وَثلث نفس) وَقَالَ ﷺ لأبي جُحَيْفَة ﵁ حَيْثُ تجشأ (يَا أَبَا جُحَيْفَة أقصر من جشائك فَإِن أطول النَّاس جوعا يَوْم الْقِيَامَة أَكْثَرهم شبعا فِي الدُّنْيَا) وَيُقَال الشِّبَع أَب الْكفْر لِأَنَّهُ يحدث مِنْهُ الأشر والبطر ومنهما يتكبر ويتجبر وَقَالَ ﵇ إِن الله تَعَالَى يحب القتير من أمتِي قيل يَا رَسُول الله وَمَا القتير قَالَ قَلِيل الطّعْم وَرُوِيَ عَن يحيى بن زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام أَنه قَالَ لإبليس هَل وجدت مني شَيْئا قطّ قَالَ لَا إِلَّا أَنَّك رُبمَا شبعت فَثقلَتْ عَن الصَّلَاة فعاهد الله تَعَالَى أَن لَا يشْبع حَتَّى يخرج من الدُّنْيَا فَأمر ﵇ بالتعوذ مِنْهُ ليعافى من هَذِه الْآفَات إِن شَاءَ الله تَعَالَى

стр. 845

- الأَصْل الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ والمائتان - فِي سَبَب زِيَادَة الْعُمر عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (يَا بني أَسْبغ الْوضُوء يزدْ فِي عمرك) فَزِيَادَة الْعُمر على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن العَبْد إِذا عمر بِالْإِيمَان وبحياة الْقلب بِهِ فَذَاك كثير وَإِن قل مدَّته لِأَن الْقصير من الْعُمر إِذا احتشى من الْإِيمَان أربى على الْكثير لِأَن المبتغي من الْعُمر العبودة لله تَعَالَى كي يصير عِنْد الله تَعَالَى وجيها أَلا ترى أَن المعمرين من الرُّسُل ﵈ كلهم عمروا مَا بَين الْمِائَتَيْنِ إِلَى الْألف وَمُحَمّد ﷺ لبث فِي النُّبُوَّة نيفا وَعشْرين سنة فأربى على الْجَمِيع وتقدمهم لعَظيم حشوه ووفور حَظه ودنو قربه حَتَّى قَالَ (أَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر وَإِن الله تَعَالَى أَعْطَانِي خِصَالًا لم يُعْط أحدا قبلي سميت

стр. 846

أَحْمد ونصرت بِالرُّعْبِ وَجعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا وَأحلت لي الْغَنَائِم) الْوَجْه الثَّانِي أَن الله تَعَالَى قدر الْآجَال والأرزاق والحظوظ من أَهلهَا فَجعل بَعْضهَا وَاجِبَة وَبَعضهَا هَدِيَّة ثمَّ أثبت ذَلِك فِي الْكتاب الَّذِي عِنْده لَا يطلع عَلَيْهِ أحد وَمِنْه نسخ إِلَى اللَّوْح فَيَمْحُو من ذَلِك الْأُم مَا شَاءَ وَيثبت مَا شَاءَ وَإِنَّمَا يمحو من الْهَدَايَا بالأحداث الَّتِي تكون من أَهلهَا فِي الأَرْض فَأَما الْوَاجِبَات فقد وَجَبت لأَهْلهَا فَإِذا حَافظ الْمُؤمن على الْوضُوء وأسبغه فَإِنَّمَا يَدُوم هَذَا الْفِعْل لوفارة إيمَانه واتساع صَدره شرحا لِلْإِسْلَامِ فهداياه فِي أم الْكتاب مثبتة تربو بحفظه وصونه للهدايا فَإِذا استخف بهَا دخل التَّخْلِيط فِي إيمَانه وَذَهَبت الوفارة وانتقص من كل شيئ بِمَنْزِلَة الشَّمْس الَّتِي ينكسف طرف مِنْهَا فبقدر مَا انكسف وَلَو مِقْدَار رَأس إبرة انْتقصَ من شعاعها وإشراقها فَكَذَلِك نور الْمعرفَة بِقدر مَا ينكسف من شمسها ينتقص من جَمِيع أَعماله وأخلاقه وَسيرَته فِي الدّين بَين يَدي الله تَعَالَى لِأَن الْقلب صَار محجوبا وَمن حجب عَن الله تَعَالَى بِمِقْدَار رَأس إبرة فزوال الدُّنْيَا بكليتها أَهْون من ذَلِك فَلَا يزَال العَبْد ينتقص ويدوم ويتراكم نقصانه وَهُوَ أبله لَا ينتبه بذلك حَتَّى يسْتَوْجب الحرمان فتمحى الْهَدِيَّة وَيبقى العَبْد خَالِيا وَلَو قد عقل لما حل بِهِ وانتبه لَهُ لم يزل صَارِخًا إِلَى الله تَعَالَى حَتَّى تثبت لَهُ الْهَدِيَّة وَيُزَاد فِي الْعُمر فيؤخر أَجله ويزداد فِي رزقه وقوته فِي أَعمال الدّين وَالدُّنْيَا وَيُزَاد فِي الْبركَة فِي كل شَيْء مِنْهُ وَقد جَاءَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (إِن الرجل ليبقى من أَجله ثَلَاثَة أَيَّام فيصل رَحمَه فيزيد الله تَعَالَى فِي عمره ثَلَاثِينَ سنة)

стр. 847

وَكَيف لَا يُزَاد فِي عمره وَقد تعلق بقميص الرَّحْمَة وَالْأَخْبَار مستفيضة فِي نسأ من أَعمال الْبر أَنه يُزَاد فِي عمره ثَوابًا لتِلْك الْأَعْمَال فَذَلِك عَاجل الثَّوَاب بشرى لما أعد لَهُ فِي الْآخِرَة من الثَّوَاب وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ تَذَاكرنَا زِيَادَة الْعُمر عِنْد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ (لن يُؤَخر الله نفسا إِذا جَاءَ أجلهَا زِيَادَة الْعُمر ذُرِّيَّة صَالِحَة يرزقها الله تَعَالَى العَبْد يدعونَ لَهُ بعد مَوته يلْحقهُ دعاؤهم فَذَلِك الزِّيَادَة فِي الْعُمر) وَعَن أنس ﵁ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من كَانَ يُرِيد أَن يبسط عَلَيْهِ فِي رزقه وينسأ فِي أَثَره فَليصل رَحمَه)

стр. 848

- الأَصْل التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ والمائتان - فِي خَصَائِص النَّبِي الْأُمِّي وَفِي سر قَوْله أَعْطَيْت خمْسا … إِلَخ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (أَعْطَيْت خمْسا لم يُعْطهنَّ نَبِي من قبلي وَلَا أَفْخَر بعثت إِلَى الْأسود والأحمر وَكَانَ النَّبِي قبلي يبْعَث إِلَى قومه وَجعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا ونصرت بِالرُّعْبِ أَمَامِي مسيرَة شهر وَأحلت لي الْغَنَائِم وَلم تحل لأحد قبلي وَأعْطيت الشَّفَاعَة فدخرتها لأمتي فَهِيَ نائلة إِن شَاءَ الله تَعَالَى لمن لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا) الرَّسُول ﷺ مَبْعُوث إِلَى الْخلق بِمَنْزِلَة الْأَمِير المؤمر يُعْطي الْإِمَارَة وَالْولَايَة وَالرِّعَايَة فَهُوَ بِمَنْزِلَة الرَّاعِي يرْعَى غنمه فِي مرَاعِي تسمن عَلَيْهَا ويوردهم صفو المَاء ويرتاد لَهُم فِي الصَّيف مشتاهم وَفِي الشتَاء

стр. 849

مصيفهم ويعد لَهُم لكل لَيْلَة مأوى قبل هجومه ويفر بهَا عَن مراتع الهلكة ويجنبها الْأَرْضين الوبئة ويحرسها من السبَاع ويحوطها عَن الشذوذ وَيلْحق شذاذها وَيجْبر كسيرها ويداوي مريضها وَيجمع رسلها من الألبان وَالصُّوف لرب الْغنم فَهَذَا رَاع نَاصح لمَوْلَاهُ وأجره موفور عَلَيْهِ يَوْم الْجَزَاء ومتوقع من رب الْغنم أفضل هَدِيَّة على قدر ملكه فالرسول ﵇ هُوَ راعي الْخلق والخلق غنمه بعث ليرعاهم فشرع لكل خَارِجَة فِي واديها مَاذَا تباشر وماذا تجتنب فأحل من كل خَارِجَة بَعْضًا وَحرم بَعْضًا وأوردهم من الْمِيَاه أصفاها وَهُوَ الْعلم الصافي وهيأ لَهُم المشتى والمصيف وَهُوَ الاستعداد فِي الْحَيَاة وَأَيَّام الصِّحَّة وَالْقُوَّة قبل الْهَرم وَالْمَرَض قبل الْمَوْت وَأعد لَهُم المأوى فَبين لَهُم عِنْد حُدُوث الْفِتَن كالليل المظلم إِلَى أَيْن يأوون وبمن يعتصمون ويعزلهم عَن مراتع الهلكة وَهِي الشَّهَوَات الدُّنْيَوِيَّة المشوبة بالحرص ويجنبهم الأَرْض الوبئة وَهِي الأفراح الَّتِي تحل بِالْقَلْبِ مِنْهَا فيوبأ ويمرض مِنْهَا الْقلب ويحرسهم عَن الشذوذ مَخَافَة الذئاب وَهُوَ الْعَدو وَيجْبر كسيرهم إِذا وَقَعُوا فِي الْمعاصِي ويدعوهم إِلَى التَّوْبَة ويعينهم عَلَيْهَا حَتَّى يجْبر كسيرهم ويداوي مريضهم وَهُوَ أَن يعظ مفتونهم حَتَّى يخلصهم بالمواعظ من فتن النُّفُوس وَيحمل بهماتهم وَهُوَ أَن يَدْعُو لَهُم ويستغفر لَهُم وَيسْأل الله تَعَالَى قبُول أَعْمَالهم فَهَذَا رَاع وَهُوَ مَعَ ذَلِك أَمِير يؤدبهم ويحملهم على المكاره ويسوقهم ويسير بهم بِسَوْط الْأَدَب على مشارع الاسْتقَامَة ليوافي بهم الْموقف بَين يَدي الله فَكل رَاع إِلَّا وَمَعَهُ عَصا يهش بهَا على الْغنم ويؤدبهم بهَا وَقد ذكر سُبْحَانَهُ عَصا مُوسَى ﵇ فِي تَنْزِيله فَكل رَاع مُؤْنَته على قدر غنمه وكل أَمِير مُؤْنَته على قدر رَعيته فالأمير الْمَبْعُوث إِلَى كورة مُحْتَاج على قدر ولَايَته إِلَى آلَة الْولَايَة من

стр. 850

الخدم وَالدَّوَاب والمراكب والكنوز على قدر ولَايَته لينفق فِي إمارته فَمن أَمر على مجارستان فَهُوَ أقل حظا من هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي وَصفنَا وَمن أَمر على خُرَاسَان كَانَت حَاجته إِلَى مَا ذكرنَا أَكثر وَمن كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ يحْتَاج إِلَى كنز عَظِيم وَمن ملك الْمشرق وَالْمغْرب احْتَاجَ إِلَى خَزَائِن الْأَمْوَال حَتَّى يضْبط بهَا ذَلِك الْملك فَكَذَلِك كل رَسُول بعث إِلَى قوم أعطي من كنز التَّوْحِيد وجواهر الْمعرفَة على قدر مَا حمل من الرسَالَة فالمرسل إِلَى قومه فِي نَاحيَة من الأَرْض إِنَّمَا يعْطى من النُّبُوَّة والكنوز على قدر مَا يقوم بِهِ من شَأْن نبوته ورعاية قومه والمرسل إِلَى جَمِيع أهل الأَرْض كَافَّة إنسها وجنها ﷺ أعطي من الْمعرفَة بِقدر مَا يقوم بهَا فِي شَأْن النُّبُوَّة إِلَى جَمِيع أهل الأَرْض كَافَّة فحظنا من قَوْله ﷺ بعثت إِلَى الْأَحْمَر وَالْأسود وَقَوله تَعَالَى لَهُ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا كَافَّة للنَّاس﴾ كحظه من ولَايَة ملك يملك الدُّنْيَا وجواهر شرقها وغربها وَمَا بَينهمَا وَمن ملك الأَرْض كلهَا جواهرها ومعادنها وَمن ملك نَاحيَة من الأَرْض لَيْسَ لَهُ إِلَّا مَعْدن ناحيته وجوهر ذَلِك الْمَعْدن فَلذَلِك قَالَ ﷺ (اختصر لي الْكَلَام وَأُوتِيت جَوَامِع الْكَلم) وَلذَلِك صَار كِتَابه مهيمنا على الْكتب وَصَارَ الْقُرْآن الْكَرِيم مُشْتَمِلًا على التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور وَالْفرْقَان وَبَقِي الْمفصل نَافِلَة لهَذِهِ الْأمة خَاصَّة وأوحي إِلَيْهِ بِالْعَرَبِيَّةِ الَّتِي برزت على سَائِر اللُّغَات بالاتساع وَهِي لِسَان أهل الْجنَّة وَلما أعطي الرسَالَة إِلَى الكافة أعطي من الْكُنُوز

стр. 851

مِقْدَار الْكِفَايَة للْجَمِيع وأوتي من الْحِكْمَة وجواهرها كلهَا وأوتي ختم الرسَالَة والرعب فبجواهر الرسَالَة قوي على علم مُخْتَصر الحَدِيث وجوامع الْكَلم وَكَانَ التَّوْرَاة يحملهَا سَبْعُونَ جملا موقرة وَالزَّبُور من بعْدهَا وَالْإِنْجِيل من بعده فَجمع لَهُ ذَلِك كُله فِي الْقُرْآن الْكَرِيم وَالْفرْقَان فِي فَاتِحَة الْكتاب وَلذَلِك سمي أم الْكتاب قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم﴾ وَهِي سبع آيَات سميت مثاني لِأَن الله تَعَالَى جمع الْكتب كلهَا فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ ثمَّ أنزل مِنْهَا على كل رَسُول مَا علم أَنه مُحْتَاج إِلَيْهِ هُوَ وَأمته وَاسْتثنى فَاتِحَة الْكتاب من جَمِيع ذَلِك وخزنها لهَذِهِ الْأمة فَجَمِيع علم التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور وَالْفرْقَان مستخرج من أم الْقُرْآن وَالْقُرْآن مستخرج من أمه وَسَائِر الْكتب فِي الْقُرْآن قَالَ ﷺ (أُوتيت السَّبع يَعْنِي الطول مَكَان التَّوْرَاة وَأعْطيت المثاني مَكَان الْإِنْجِيل وَأعْطيت المتين مَكَان الزبُور وفضلت بالمفصل) فَمن عمي قلبه عَن الله وَلم يكن فِي قلبه نور الْهِدَايَة لم يبصر آثَار النُّبُوَّة على مُحَمَّد ﷺ وَإِنَّمَا يبصر مِنْهُ شخصه وجثته قَالَ تَعَالَى ﴿وتراهم ينظرُونَ إِلَيْك وهم لَا يبصرون﴾ وَمن هداه الله تَعَالَى لنوره فانفتح عين قلبه بذلك واستقرت الْمعرفَة

стр. 852

فِي قلبه أبْصر مِنْهُ شخص النُّبُوَّة بارزا من الْحَيَاة والذكاء واليقظة والانقياد والسرعة وَالْبرَاز والسبق والسماحة وَالْكَرم وَالسعَة والجود وَالْحيَاء والسكينة وَالْوَقار والحلم وَمن الْأَفْعَال السِّوَاك والحجامة والتعطر وَالْجِمَاع وَيرى على شخص النُّبُوَّة شخص الرسَالَة فائقا من الْجلَال والبهاء والنزاهة والحلاوة والطلاوة والملاحة والمهابة وَالسُّلْطَان وأصل هَذَا كُله من الْيَقِين وَالْحب والحياة وَإِنَّمَا نَالَ الْمُؤْمِنُونَ من معرفَة مُحَمَّد ﷺ على قدر معرفتهم بِاللَّه وعلمهم بِهِ فَمن صدق مُحَمَّدًا ﷺ فِي الصُّحْبَة كَانَ صدق صحبته على قدر مَعْرفَته إِيَّاه وَعلمه بِهِ وعَلى حسب ذَلِك كَانَ يترآى لبصر عينه فِي الظَّاهِر مَا عددنا من الْخلال فأوفرهم حظا من نور الله أوفرهم علما بِهِ وقدرة وجلاله وخطير مَنْزِلَته وأوفرهم علما بِهِ أسرعهم إِجَابَة لدعوته وأبذلهم نفسا ومالا أَلا ترى أَن أَبَا بكر ﵁ لما أفشى إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ أَنه مَبْعُوث صدقه على الْمَكَان وَلم يتَرَدَّد وَلم يضطرب وَقَالَ عَليّ كرم الله وَجهه حَتَّى أسأَل أبي ثمَّ رَجَعَ عَن الطَّرِيق وَصدقه وَصدقه عمر بعد مُدَّة وَبَعْدَمَا أسلم تسع وَثَلَاثُونَ نفسا فتم بِإِسْلَامِهِ عدد الْأَرْبَعين بعد دَعْوَة رَسُول الله ﷺ لَيْلَة أسلم من الْغَد (اللَّهُمَّ أعز الدّين بعمر بن الْخطاب أَو بِعَمْرو بن هِشَام) يَعْنِي أَبَا جهل فجرت الدعْوَة من عَدو الله عَمْرو إِلَى محق الله عمر

стр. 853

رَضِي الله عَنهُ فسعد عمر ﵁ وشقي عَمْرو وَدلّ اسماهما على حظيهما من الله تَعَالَى وَمِقْدَار الْكَائِن من أمريهما لِأَن عمر ﵁ أول اسْمه مضموم مثقل والمضموم الَّذِي قد آواه الله وضمه إِلَى باله وَعَمْرو أول اسْمه مَفْتُوح مخفف والمفتوح هُوَ الَّذِي أهمله الله تَعَالَى وَأخرجه من باله فضمة أول اسْم عمر ﵁ دَلِيل على أَنه كَانَ مضموما إِلَى بَال الله تَعَالَى فأعز الله تَعَالَى بِهِ الْإِسْلَام عزا حَتَّى صَار بِمحل أَن جَاءَ جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ يَا مُحَمَّد أَقْْرِئ عمر السَّلَام وَأخْبرهُ أَن غَضَبه عز وَرضَاهُ حكم وفتحة أول الِاسْم فِي عَمْرو تدل على أَنه خرج من بَال الله تَعَالَى وَقد انْكَشَفَ الغطاء عَن شَأْنه فَكَانَت كنيته فِي قُرَيْش أَبَا الحكم فجرت كنيته فِي أهل الْإِسْلَام بِأبي جهل وعَلى حسب خُرُوجه من بَال الله تَعَالَى عظمت آفته على رَسُول الله ﷺ وعَلى الْإِسْلَام حَتَّى قَتله الله تَعَالَى أذلّ قتلة وَقد أكْرم الله رَسُوله ﷺ وأبرز فضيلته وكرامته بِأَن جعل لكل نَبِي وزيرا وَجعل لمُحَمد ﷺ أَرْبَعَة من الوزراء فَأَبُو بكر وَعمر ﵄ وزيرا الرسَالَة وَعُثْمَان وَعلي ﵄ وزيرا النُّبُوَّة ثمَّ نحلهم من الحظوظ من عِنْده فحظ أبي بكر ﵁ مِنْهُ الْعِصْمَة وَالْحيَاء وحظ عمر ﵁ الْحق وَالْوكَالَة وحظ عُثْمَان ﵁ النُّور وَالْحيَاء وحظ عَليّ ﵁ الْحُرْمَة والخلة فتفاوت أَعْمَالهم فِي صحبتهم الرَّسُول ﷺ أَيَّام الْحَيَاة وَفِي سيرتهم فِي الْأمة بعده على قدر حظوظهم فَلَمَّا أحس رَسُول الله ﷺ بالإرتحال إِلَى الله تَعَالَى من الدُّنْيَا وابتدئ لَهُ فِي وَجَعه وَعجز عَن الْخُرُوج إِلَى الصَّلَاة بالأمة أَمر أَبَا بكر ﵁ بِالصَّلَاةِ فاتفقت الْأمة على أَنه هُوَ الَّذِي ولي الصَّلَاة وَكَانَ من صنع الله تَعَالَى للْأمة أَن خفف الله عَنهُ يَوْم قبض فَخرج

стр. 854

والمسلمون فِي صَلَاة الْغَدَاة وَرجلَاهُ يخطان الأَرْض حَتَّى جلس إِلَى جنب أبي بكر ﵁ فصلى ليعلم الْجَمِيع أَنه رَضِي بذلك من فعله لِئَلَّا يبْقى لمعاند أَو طَاعن مقَال أَنه لم يَأْمر بذلك أَو أمره وَهُوَ مغلوب على عقله لشدَّة علته فأظهر الله ذَلِك بِمَا خفف عَنهُ حَتَّى خرج وَقعد إِلَى جنبه فصلى من حَيْثُ انْتهى أَبُو بكر ﵁ ثمَّ صَار المتأولون لذَلِك على صنفين مِنْهُم من يَقُول أَبُو بكر هُوَ الإِمَام وَصلى رَسُول الله ﷺ بِصَلَاتِهِ وَمِنْهُم من قَالَ بل رَسُول الله ﷺ الإِمَام وَأَبُو بكر الْمُقْتَدِي قَالَ أنس ﵁ آخر صَلَاة صلاهَا رَسُول الله ﷺ خلف أبي بكر وَقَالَ أَبُو بكر ﵁ آخر صلاهَا رَسُول الله ﷺ خَلْفي فِي ثوب وَاحِد وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت مرض رَسُول الله ﷺ مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَاءَهُ بِلَال يُؤذنهُ بِالصَّلَاةِ فَقَالَ مروا أَبَا بكر فَليصل بِالنَّاسِ قلت إِن أَبَا بكر رجل أسيف وَمَتى مَا يقوم مقامك يبكي فَلَا يَسْتَطِيع فَلَو أمرت عمر يُصَلِّي بِالنَّاسِ قَالَ مروا أَبَا بكر يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَإِنَّكُنَّ صواحبات يُوسُف قَالَت فَأَرْسَلنَا إِلَى أبي بكر فَخرج يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَوجدَ النَّبِي ﷺ من نَفسه خفَّة فَخرج وَهُوَ يهادي بَين رجلَيْنِ وَرجلَاهُ يخطان بِالْأَرْضِ فَلَمَّا أحس بِهِ أَبُو بكر ذهب ليتأخر فَأَوْمأ إِلَيْهِ أَن مَكَانك فجَاء رَسُول الله ﷺ حَتَّى جلس

стр. 855

إِلَى جنبه فَكَانَ أَبُو بكر يأتم بِالنَّبِيِّ ﷺ وَالنَّاس يأتمون بِأبي بكر وروى عبد الله بن زَمعَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (مروا من يُصَلِّي بِالنَّاسِ) فَخرجت فَإِذا عمر فِي النَّاس وَكَانَ أَبُو بكر غَائِبا فَقلت يَا عمر صل بِالنَّاسِ فَقَامَ فَلَمَّا كبر سمع صَوته رَسُول الله ﷺ وَكَانَ رجلا مجهرا فَقَالَ هَذَا صَوت ابْن الْخطاب فَأَيْنَ أَبُو بكر يَأْبَى الله ذَلِك والمسلمون فَقَالَ عمر وَيحك يَا ابْن زَمعَة مَاذَا صنعت بِي مَا ظَنَنْت إِذْ قلت لي إِلَّا أَن رَسُول الله ﷺ أَمرك بذلك وَلَوْلَا ذَلِك مَا صليت بِالنَّاسِ فَقَالَ وَالله مَا أَمرنِي وَلَكِن لم أر أَبَا بكر فرأيتك أَحَق من حضر بِالصَّلَاةِ وَحَدِيث عَائِشَة ﵂ حَيْثُ قَالَت إِن أَبَا بكر ﵁ يُصَلِّي فَصَلَاة رَسُول الله ﷺ محسبة مِنْهَا هَكَذَا حسبت وَهِي فِي الْبَيْت وَحَدِيث أنس ﵁ أصح لِأَنَّهُ خَارج مَعَ رَسُول الله ﷺ على رَأْي الْعين وَلِأَنَّهُ روى أَن أَبَا بكر ﵁ ذهب ليتأخر وَلَو كَانَ رَسُول الله ﷺ هُوَ الإِمَام لَكَانَ لَا يحْبسهُ عَن التَّأَخُّر وَكَانَ يقوم مقَام الْأَئِمَّة وَلِأَن أَبَا بكر ﵁ قَالَ آخر صَلَاة صلاهَا رَسُول الله ﷺ خَلْفي وَأَبُو بكر ﵁ أعلم بِهَذِهِ الْقِصَّة من جَمِيع النَّاس فَثَبت أَن أَبَا بكر ﵁ هُوَ الَّذِي ولي الصَّلَاة وَالصَّلَاة عماد الدّين وَأول شَيْء فَرْضه الله تَعَالَى يَوْم أوحى إِلَيْهِ وَالصَّلَاة إقبال الله تَعَالَى على العبيد ليقبلوا إِلَيْهِ

стр. 856

فِي صُورَة العبيد تذللا بِالْوُقُوفِ وتسلما بِالتَّكْبِيرِ وتبذلا بالثناء والتلاوة وتخضعا بِالرُّكُوعِ وتخشعا بِالسُّجُود وترغبا بِالْجُلُوسِ وتملقا بالتشهد وَقَالَ ﷺ (الصَّلَاة عماد الدّين) وَقَالَ ﷺ (الصَّلَاة نور) وَقَالَ ﷺ (إِن الله تَعَالَى جعل قُرَّة عَيْني فِي الصَّلَاة) فَأَبُو بكر وَعمر ﵄ لَهما وزارة الرسَالَة وحاجة الْخلق إِلَى الرسَالَة أمس وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ اقتدوا بالذين من بعدِي أَبُو بكر وَعمر فالحاجة إِلَى الإقتداء بالرسالة آكِد وَلذَلِك أَمر رَسُول الله ﷺ بِمَا عَلَيْهِ مدَار الدّين أَبَا بكر ﵁ أَن يتَقَدَّم ليتبعه الْأمة ويقتدي فَلَمَّا رأى أَبُو بكر ﵁ قُوَّة مَا أعطي من تقلده لضمان الصَّلَاة عَن الله تَعَالَى لعبيده وَعَن العبيد لله تَعَالَى ثمَّ عَن الله

стр. 857

تَعَالَى فِي مرض الرَّسُول ﷺ أحس بالتأييد من الله تَعَالَى بعد وَفَاته ﷺ أَن الله تَعَالَى مؤيده فِيمَا دون الصَّلَاة من أُمُور الشَّرِيعَة وتقلد خلَافَة رَسُول الله ﷺ لأمته وَلذَلِك قَالَت الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار ﵃ فِي وَقت المشورة قدمك رَسُول الله ﷺ فَمن يؤخرك فَبَايعُوهُ وَمِمَّا يُحَقّق أَنَّهُمَا وزيرا الرسَالَة مَا روى أَبُو أُمَامَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنِّي رَأَيْتنِي أدخلت الْجنَّة فَلَمَّا خرجت مِنْهَا أتيت بكفة فَوضعت وَوضعت أمتِي فِي الكفة الْأُخْرَى فرجحت بأمتي ثمَّ رفعت ثمَّ جِيءَ بِأبي بكر فَوضع فِي كفة الْمِيزَان وَجِيء بأمتي فَوضعت فِي الكفة الْأُخْرَى فرجح بهَا ثمَّ رفع أَبُو بكر وَجِيء بعمر فَوضع فِي كفة الْمِيزَان ثمَّ جِيءَ بأمتي فَوضعت فِي الكفة الْأُخْرَى فرجح بهَا ثمَّ رفع الْمِيزَان إِلَى السَّمَاء وَفِي رِوَايَة سفينة مولى أم سَلمَة ﵄ خلَافَة النُّبُوَّة ثَلَاثُونَ عَاما ثمَّ يكون ملكا فَقَالَ سفينة أمسك سنتي أبي بكر وَعشر عمر وثنتي عشر عُثْمَان وست عَليّ

стр. 858

فَمضى أَبُو بكر مَحْمُودًا بِنِعْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِ فِي الْخلَافَة ثمَّ نظر بحظه من الله تَعَالَى وَبِمَا وجد من تأييد الله تَعَالَى بعد الرَّسُول ﷺ نظرا شافيا لحق الله ثمَّ لنَفسِهِ فَلم ير أحدا أَحَق بِأَن يخلف خلَافَة رَسُول الله ﷺ من عمر ﵁ وَقد كَانَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار حوله فَاخْتَارَ مِنْهُم عمر ﵁ وَرَأى الْحق لَهُ حَتَّى جادلوه فَقَالُوا لَهُ اسْتخْلفت علينا فظا غليظا فَمَاذَا تَقول لِرَبِّك قَالَ أتهددوني وتخوفوني بربي أَقُول اسْتخْلفت عَلَيْهِم يَا رب خير أهلك فَمضى بسبيله وَولي الْأَمر عمر من بعده فحقق فراسة أبي بكر ﵁ وإلهامه ووطأ الْإِسْلَام ومهده وزينه وأعزه وَقَالَ فِيهِ النَّبِي ﷺ (مَا من أمة إِلَّا وَلها مُحدث فَإِن يَك فِي أمتِي فعمر مِنْهُم) وَقَالَ (إِن الله جعل الْحق على لِسَان عمر وَقَلبه) وَقَالَ أَيْضا ﷺ (الْحق بعدِي مَعَ عمر حَيْثُ كَانَ) وَقَالَ (لَو كَانَ بعدِي نَبِي لَكَانَ عمر) قد امتثل أَبُو بكر ﵁ هَذِه الْأَشْيَاء مَعَ إلهامه وفراسته فاستخلفه فَفتح الله الْفتُوح على يَده ومصر الْأَمْصَار ودر الأرزاق وَبث السَّرَايَا وجنود الله فِي نواحي أقطار الأَرْض حَتَّى تمهد الْإِسْلَام

стр. 859

فِي الوطن الَّذِي مِنْهُ بدا ثمَّ أكْرمه الله تَعَالَى بِالشَّهَادَةِ ففوض ذَلِك إِلَى سِتَّة نفر أزكن فيهم الْخَيْر وَأحسن بهم الظَّن وَلَو وجد فيهم مساغا للفراسة أَو حظا من الإلهام لنصه باسمه وَلكنه انسد عَلَيْهِ بَاب الفراسة وَانْقطع حَظّ الإلهام فَرَأى التَّفْوِيض إِلَى هَؤُلَاءِ خيرا من إهمال أَمر الْأمة فَقبض إِلَى الله وَترك الْأَمر شُورَى بَينهم فَاخْتَارُوا من بَينهم وَاحِدًا بعد الِاحْتِيَاط والتأني والتشاور وافتقدت الْأمة وزارة الرسَالَة وَحَضَرت نوبَة وزارة النُّبُوَّة فاتفق أَمر السِّتَّة على أحد وزيري النُّبُوَّة إِذْ لم يبْق مِنْهُم من الْأَرْبَعَة إِلَّا هذَيْن عُثْمَان وَعلي ﵄ فَلم يزَالُوا يستخيرون الله تَعَالَى حَتَّى اتَّفقُوا على عُثْمَان ﵁ ثمَّ أَقبلت الدُّنْيَا وَجَاء كفران النِّعْمَة وهاجت الْفِتْنَة وَعز الْيَقِين وَأدبر الْحق رَاجعا إِلَى الله تَعَالَى عِنْد إقبال الدُّنْيَا وَذَهَبت حَيَاة الْقُلُوب لكفران النِّعْمَة وتبديل الْأُمُور وَغَلَبَة الْهوى حَتَّى قتل عُثْمَان ﵁ وَجَاءَت نوبَة عَليّ كرم الله وَجهه وَالزَّمَان بِتِلْكَ الْحَال فَلم يبْق لوزارة النُّبُوَّة من الْقُوَّة مَا يقوم مقَام أبي بكر وَلَا عمر ﵄ بَايعُوا أَبَا بكر ﵁ وسلوا على أهل الرِّدَّة سيوفهم فَلم يغمدوها وَلم يخذلوه وَلم ينكثوا الْبيعَة وَبَقِي السَّيْف مسلولا إِلَى انْقِضَاء وزارة الرسَالَة بِمَوْت عمر ﵁ وَبَايَعُوا عليا كرم الله وَجهه فِي وقته ثمَّ نكثوا بيعَته وسلوا السيوف عَلَيْهِ وَآخَرُونَ بَايعُوهُ وسلوا السيوف لَهُ ثمَّ خَرجُوا عَلَيْهِ مارقين وَآخَرُونَ بَايعُوهُ وسلوا السيوف لَهُ وهم أهل الْكُوفَة ثمَّ خذلوه وَآخَرُونَ امْتَنعُوا من بيعَته وأبوا خِلَافَته وحاربوه وَلَو كَانَت لَهُ وزارة الرسَالَة لَصَارَتْ الْقُلُوب كلهَا كقلب وَاحِد وَكَانَت الفئة القليلة المستضعفة يغلبُونَ الفئة الْكَثِيرَة كَمَا كَانَ فِي زمن أبي بكر ﵁ وَمن لحظ إِلَى عَليّ ﵁ بِالْقَرَابَةِ والختونة ومعاني لَيْسَ فِي هَذَا الْأَمر من شَيْء إِنَّمَا هَذَا أَمر الرسَالَة وَإِنَّمَا يقوم بهَا الْقَائِم ويقوى بهَا بحظه من الله الَّذِي ضمن حَشْو الرسَالَة

стр. 860

وَأما الْقَرَابَة وَالْمِيرَاث ومقالات جَاءَت عَن رَسُول الله ﷺ (من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَال من وَالَاهُ وَعَاد من عَادَاهُ) فلعلي ﵁ من الْفَضَائِل والمناقب مَا يسْتَحق أَن يوالي من وَالَاهُ ويعادي من عَادَاهُ وَلَيْسَ فِي ذَلِك مَا يثبت لَهُ الْخلَافَة وَيقدم على أبي بكر ﵁ قَالَ فُضَيْل بن مَرْزُوق سَأَلت عمرَان بن عَليّ هَل فِيكُم إِنْسَان مفترض طَاعَته تعرفُون لَهُ ذَلِك وَمن لم يعرفهُ فَمَاتَ مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة قَالَ لَا وَالله مَا هَذَا فِينَا فَهُوَ كَذَّاب قلت لَهُ إِن نَاسا يَقُولُونَ إِن رَسُول الله ﷺ أوصى إِلَى عَليّ ﵁ وَإِن عليا ﵁ أوصى إِلَى الْحسن ﵁ وَأَن الْحسن أوصى إِلَى الْحُسَيْن ﵄ وَأَن الْحُسَيْن أوصى إِلَى عَليّ ابْن الْحُسَيْن فَقَالَ وَالله لما مَاتَ أبي وَمَا أوصى بحرفين وَإِن هَؤُلَاءِ لمتأكلون بِنَا قَالَ وَسمعت الْحسن بن الْحُسَيْن أَخا عبد الله بن الْحُسَيْن ﵃ وَهُوَ يَقُول لرجل مِمَّن يغلوا فيهم وَيحكم أحبونا فِي الله فَإِن أَطعْنَا الله فأحبونا وَإِن عصينا الله فابغضونا فَقَالَ الرجل إِنَّكُم لذُو قرَابَة من رَسُول الله ﷺ فَقَالَ وَالله لَو كَانَ الله نَافِعًا بِقرَابَة مِنْهُ لنفع بذلك أقرب مِنْهُ أَبَاهُ وَأمه وَالله إِنِّي لأخاف أَن يُضَاعف للعاصي منا الْعَذَاب ضعفين كَمَا يُؤْتِي المحسن منا أجره مرَّتَيْنِ وَلَو كَانَ الْأَمر على مَا يَقُولُونَ أَن رَسُول الله ﷺ أوصِي إِلَى عَليّ وَأمره بِالْقيامِ بِالْأَمر بعده ثمَّ ترك على مَا أمره رَسُول الله ﷺ لَكَانَ عَليّ فِي ذَلِك أعظم النَّاس خَطِيئَة وجرما إِذْ ترك مَا أمره رَسُول الله

стр. 861

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهُ الرافضي ألم يقل رَسُول الله ﷺ (من كنت مَوْلَاهُ) فعلي مَوْلَاهُ فَقَالَ وَالله لَو عَنى بِهِ الامرة وَالسُّلْطَان لأفصح لَهُم كَمَا أفْصح لَهُم بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة فَقَالَ هَذَا ولي أَمركُم من بعدِي فَمَا كَانَ وَرَاء هَذَا فَإِن أنصح النَّاس للنَّاس كَانَ رَسُول الله ﷺ وَعَن زيد بن عَليّ قَالَ لبَعْضهِم وَيلك من يخَاف رَسُول الله ﷺ حَتَّى تعرض بالخلافة فَهَؤُلَاءِ الغلاة قد تعلقوا بِمثل هَذِه الْأَشْيَاء حَتَّى خَرجُوا إِلَى شتم وزيري رَسُول الله ﷺ ونسبوهما إِلَى الاغتصاب لحق الله تَعَالَى قَالَ ﷺ (إِن لي وزيرين من أهل السَّمَاء ووزيرين من أهل الأَرْض فوزيري من أهل السَّمَاء جبرئيل وَمِيكَائِيل ﵉ ووزيري من أهل الأَرْض أَبُو بكر وَعمر) وَخرج ﷺ وَيَمِينه على أبي بكر وشماله على عمر فَقَالَ هَكَذَا نبعث يَوْم الْقِيَامَة

стр. 862

وَقَالَ ﷺ (أحْشر أَنا وَأَبُو بكر وَعمر وَنحن مشرفون على النَّاس هَكَذَا) وَأَشَارَ بأصابعه الثَّلَاث وَكَانَ سبابته أطول من الْوُسْطَى وَعَن أسيد بن صَفْوَان ﵁ قَالَ لما قبض أَبُو بكر ارتجت الْمَدِينَة بالبكاء كَيَوْم قبض رَسُول الله ﷺ فسجوه وَجَاء عَليّ ﵁ باكيا مسرعا مسترجعا وَهُوَ يَقُول الْيَوْم انْقَطَعت خلَافَة النُّبُوَّة حَتَّى وقف على بَاب الْبَيْت الَّذِي فِيهِ أَبُو بكر مسجى فَقَالَ رَحِمك الله يَا أَبَا بكر كنت إلْف رَسُول الله وأنيسه وثقته وَمَوْضِع سره ومشاورته كنت أول الْقَوْم إسلاما وأخلصهم إِيمَانًا وأشدهم يَقِينا وأخوفهم لله وأعظمهم عناء فِي دين الله وأحوطهم على رَسُول الله ﷺ وَأَجد بهم على الْإِسْلَام وأيمنهم على أَصْحَابه وَأَحْسَنهمْ صُحْبَة وَأَكْثَرهم مَنَاقِب وأفضلهم سوالف وأرفعهم دَرَجَة وأقربهم وَسِيلَة وأشبههم برَسُول الله ﷺ هَديا وسمتا وَرَحْمَة وفضلا وخلقا وأشرفهم منزلَة وَأكْرمهمْ عَلَيْهِ وأوثقهم عِنْده فجزاك الله عَن الْإِسْلَام وَعَن رَسُول الله ﷺ وَالْمُسْلِمين خيرا كنت عِنْده بِمَنْزِلَة السّمع وَالْبَصَر صدقت رَسُول الله حِين كذبه النَّاس فسماك الله فِي التَّنْزِيل صديقا فَقَالَ ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ﴾ وآسيته حِين بخلوا وَقمت مَعَه عِنْد المكاره حِين قعدوا وصحبته فِي الشدَّة أحسن الصُّحْبَة ثَانِي اثْنَيْنِ وَصَاحبه فِي الْغَار والمنزل عَلَيْهِ السكينَة ورفيقه فِي الْهِجْرَة خلفته فِي دين الله وَأمته أحسن الْخلَافَة حِين ارْتَدَّ النَّاس وَقمت بِالْأَمر مَا لم يقم بِهِ خَليفَة نَبِي نهضت حِين وَهن أَصْحَابك

стр. 863

وبرزت حِين اسْتَكَانُوا وقويت حِين ضعفوا ولزمت منهاج رَسُوله إِذْ وهنوا كنت خَلِيفَته حَقًا لم تنَازع وَلم تصدع برغم الْمُنَافِقين وكبت الْكَافرين وَكره الكارهين وَصغر الْفَاسِقين وغيظ الباغين قُمْت بِالْأَمر حِين فشلوا ونطقت حِين تتعتعوا مضيت بِنور إِذْ وقفُوا فاتبعوك فهدوا كنت أخضعهم صَوتا وَأَعْلَاهُمْ فوقا أقلهم كلَاما وأصوبهم منطقا أطولهم صمتا وأبلغهم قولا أكبرهم رَأيا وأشجعهم نفسا وأعرفهم بالأمور وأشرفهم عملا كنت وَالله فِي الدّين يعسوبا أَولا حِين نفر النَّاس عَنهُ وآخرا حِين قَفَلُوا كنت للْمُؤْمِنين أَبَا رحِيما إِذْ صَارُوا عَلَيْك عيالا فَحملت أثقال مَا ضعفوا ورعيت مَا أهملوا وحفظت مَا أضاعوا لعلمك مَا جهلوا فشمرت إِذْ خنعوا وعلوت إِذْ هلعوا وَصَبَرت إِذْ جزعوا فأدركت أوتار مَا طلبُوا وراجعوا رشدهم بِرَأْيِك فظفروا ونالوا بك مَا لم يحتسبوا كنت على الْكَافرين عذَابا صبيبا ونهبا وَلِلْمُؤْمنِينَ رَحْمَة وإنسا فطرت وَالله بفنائها وفزت بحبائها وَذَهَبت بفضائلها وَأدْركت سوابقها لم تغلل حجتك وَلم تضعف بصيرتك وَلم تجبن نَفسك وَلم يزغ قَلْبك وَلم يخف كنت كالجبل لَا تحركه العواصف وَلَا تزيله القواصف وَكنت كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ أأمن النَّاس عَلَيْهِ فِي صحبتك وَذَات يدك وكما

стр. 864

قَالَ ضَعِيفا فِي بدنك قَوِيا فِي أَمر الله متواضعا فِي نَفسك عَظِيما عِنْد الله جَلِيلًا فِي أعين الْمُؤمنِينَ كَبِيرا فِي أنفسهم لم يكن لأحد فِيك مغمز وَلَا لقَائِل مهمز وَلَا لأحد مطمع وَلَا لمخلوق عنْدك هوادة الضَّعِيف الذَّلِيل عنْدك قوي عَزِيز حَتَّى تَأْخُذ لَهُ بِحقِّهِ وَالْقَوِي الْعَزِيز عنْدك ضَعِيف حَتَّى تَأْخُذ مِنْهُ الْحق الْقَرِيب والبعيد عنْدك فِي ذَلِك سَوَاء أقرب النَّاس إِلَيْك أطوعهم لله وأتقاهم لَهُ شَأْنك الْحق والرفق والصدق قَوْلك حكم وحتم وأمرك حلم وحزم ورأيك علم وعزم فأقلعت وَقد نهج السَّبِيل وَسَهل العسير وأطفئت النيرَان واعتدل بك الدّين وَقَوي الْإِيمَان وَثَبت الْإِسْلَام والمسلمون وَظهر أَمر الله وَلَو كره الْكَافِرُونَ فجليت عَنْهُم فَأَبْصرُوا وسبقت وَالله سبقا بَعيدا وأتعبت من بعْدك أتعابا شَدِيدا وفزت بِالْخَيرِ فوزا مُبينًا فجللت عَن الْبكاء وعظمت رزيتك فِي السَّمَاء وهدت مصيبتك الْأَنَام فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون رَضِينَا بِقَضَاء الله وَسلمنَا لَهُ أمره فوَاللَّه لن يصاب الْمُسلمُونَ بعد رَسُول الله بمثلك أبدا كنت للدّين عزا وحرزا وكهفا فألحقك الله بِنَبِيِّهِ وَجمع بَينه وَبَيْنك وَلَا حرمنا الله أجرك وَلَا أضلنا بعْدك فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون قَالَ وَسكت الْقَوْم حَتَّى انْقَضى كَلَامه فَبكى أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ حَتَّى علت أَصْوَاتهم فَقَالُوا صدقت يَا ختن رَسُول الله ﷺ قَوْله (جعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا) وفر الله تَعَالَى حَظّ الرَّسُول ﷺ وَأمته على الرُّسُل كلهم وعَلى سَائِر الْأُمَم فَحَيْثُ مَا انتصبوا لله قيَاما كَانَ لَهُم من النُّور مَا يتهيأ لَهُم الإقبال على الله وَأَقْبل الله عَلَيْهِم فطهرت لَهُم بقاع الْأَرْضين وَقَوله وَطهُورًا إِذا لم يَجدوا المَاء الَّذِي جعله الله طهُورا لِلْخلقِ

стр. 865

وَتعذر عَلَيْهِم وجوده أَمرهم أَن يَتَطَهَّرُوا من أحداثهم بالصعيد الطّيب وَهُوَ التُّرَاب الَّذِي يصعدونها ويمشون عَلَيْهَا فَجعل مَا تَحت أَقْدَامهم طهُورا لَهُم إِذا لم يَجدوا مَا فَوق رؤوسهم من المَاء وَهُوَ مَاء الْحَيَاة الراكد تَحت الْعَرْش الَّذِي خلقه الله حَيَاة لكل شَيْء قَالَ تَعَالَى وَجَعَلنَا من المَاء كل شَيْء حَيّ فَمِنْهُ حَيَاة الْقُلُوب والأرواح وَمِنْه يحيون فِي قُبُورهم يَوْم النشور وَإِذا دخلُوا الْجنَّة يغتسلون بِهِ حَتَّى يكون ذَلِك لَهُم طهُورا من الذُّنُوب والأدران وَمن شرب مِنْهُ زايلهم كل أَذَى فِي أَجْوَافهم وصفت ألوانهم وَجَرت النضرة فِي أَجْسَادهم ووجوههم وأمنوا الْمَوْت لقُوَّة الْحَيَاة الَّتِي فِي ذَلِك المَاء وَقد جعل الله تَعَالَى أرزاق الْخلق من ذَلِك المَاء يقدر فِي لَيْلَة الْقدر وَهِي لَيْلَة يحكم أرزاق المرتزقة من خلقه فِي تِلْكَ اللَّيْلَة إِلَى مثلهَا من قَابل فَإِذا نفذ ذَلِك الْبَحْر نفخ فِي الصُّور وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَفِي السَّمَاء رزقكم وَمَا توعدون﴾ وَأنزل الله تَعَالَى هَذَا المَاء وَسَماهُ طهُورا فَإِن الشَّيْطَان بِنَجَاسَتِهِ ورجاسته قد وجد السَّبِيل إِلَى الولوج فِي جَوف ابْن آدم وبدء ذَلِك كَانَ حِين أكل آدم ﷺ من الشَّجَرَة الَّتِي أَشَارَ الْعَدو إِلَيْهِ بِأَكْلِهِ فَجعل الْعَدو السَّبِيل إِلَى الْمعدة فَجعل لَهُ هُنَاكَ موطنا فَلذَلِك نَتن مَا فِي جَوْفه حِين أخرج من الْجنَّة لرجاسة الْعَدو ونجاسته ثمَّ ورث ذَلِك وَلَده فَأمر آدم وَولده بِالْوضُوءِ لذَلِك وأعلمهم أَن هَذَا المَاء طهُور لَهُم يطهرهم من الْآفَات الظَّاهِرَة والباطنة فالظاهرة مَا يخرج من الْآدَمِيّ من الْبَوْل وَالْغَائِط فَإِنَّهُ بلغ من عداوته أَن جعل فِي ذَلِك الموطن الَّذِي صير لَهُ مِنْك معدنا وَهُوَ مجمع الطَّعَام فَإِذا انطبخ صَار رَوْثًا ودما وَالدَّم غذاؤه وَمَوْضِع الروث مِنْك مَجْلِسه

стр. 866

وَبلغ من عداوته أَنه ينْفخ عَلَيْك فَإِذا خرج مِنْك الصَّوْت هيج الضحك من الطحال فَإِن الطحال بَيته وَمِنْه يتسخط الْآدَمِيّ فِي أُمُوره وَفِيه مجمع نفاية الْبدن من كدورة الدَّم وَغَيره وَذَاكَ الضحك الَّذِي يهيج مِنْك وَمِمَّنْ سَمعه من النَّاس وَهُوَ سخرية مِنْهُ وشماتة يُرِيد أَن يعلمك أَنِّي هَهُنَا ليصغرك عِنْد نَفسك ويريك فِي باطنك مَا يستر عَنْك ليفسد منن الله تَعَالَى عَلَيْك فِي جسدك الَّذِي خلقه لَك وَقَالَ تَعَالَى ﴿لقد خلقنَا الْإِنْسَان فِي أحسن تَقْوِيم﴾ فَهَذَا الْعَدو يحسدك فِي كل شَيْء ويصيبك مِنْهُ آفاته سَاعَة فساعة من همزه ونفخه ونفثه ونزغته وَلذَلِك أَمر النَّبِي ﷺ بالتعوذ مِنْهُ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقل رب أعوذ بك من همزات الشَّيَاطِين وَأَعُوذ بك رب أَن يحْضرُون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فاستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل أعوذ بِرَبّ النَّاس ملك النَّاس إِلَه النَّاس من شَرّ الوسواس الخناس الَّذِي يوسوس فِي صُدُور النَّاس﴾ فَهَل أَمر أَن يتَعَوَّذ مِنْهُ إِلَّا من تتَابع الْآفَات وتواليها فَجعل هَذَا المَاء طهُورا من هَذِه الْآفَات الَّتِي تعتوره من هَذَا الْعَدو الَّذِي لَا يُفَارِقهُ وَذَلِكَ قَوْله ﷺ (مَا من أحد من الْآدَمِيّين إِلَّا وَله قرين من الشَّيْطَان مُوكل بِهِ) قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن الله تَعَالَى أعانني عَلَيْهِ فَأسلم فَلَا يَأْمُرنِي إِلَّا بِخَير

стр. 867

ووسواس هَذَا الْعَدو ونزغاته وهمزاته ونفثاته تطمس وَجه الْقلب وَتذهب بحياته وَذَهَاب حَيَاة الْقلب يوهن عقد الْإِيمَان ويرخي عراه ويخمد توقده فيجد الْعَدو سَبِيلا إِلَى إهاجة النَّفس شهواتها وخدايعها وأمانيها واغترارها فَإِذا هَاجَتْ النَّفس هَاجَتْ ريَاح الْهوى فنسفت النَّفس وَالْقلب والأركان فرمته فِي آبار الْمعاصِي إِلَّا فِيمَن دخل فِي مأمن الله وحرزه ووكالته ومعاقله فَجعل الله تَعَالَى هَذَا المَاء طهُورا للْمُؤْمِنين من آفاته الظَّاهِرَة والباطنة فَأَما فِي الظَّاهِرَة فليطهر جوارحه من تِلْكَ الْأَحْدَاث الَّتِي جرت عَلَيْهَا وَفِي الْبَاطِن يرد عَلَيْهِ مَا ذهب من حَيَاة الْقلب قَالَ تَعَالَى ﴿لنحيي بِهِ بَلْدَة مَيتا﴾ فالبلدة فِي الظَّاهِر هِيَ الأَرْض الَّتِي إِذا وصل إِلَيْهَا ذَلِك المَاء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج والبلدة فِي الْبَاطِن الْقُلُوب تخلص إِلَيْهَا آفَات الْعَدو فتموت عَن الله فيحييها الله بذلك الْوضُوء قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اعلموا أَن الله يحيي الأَرْض بعد مَوتهَا﴾ يلين الْقُلُوب من بعد قسوتها وَقَوله ﵇ (لن يحافظ على الْوضُوء إِلَّا مُؤمن)

стр. 868

وَقَوله ﵇ لأنس ﵁ (يَا بني إِن اسْتَطَعْت أَن لَا تزَال على الْوضُوء فافعل فَإِنَّهُ من أَتَاهُ الْمَوْت وَهُوَ على وضوء أعطي الشَّهَادَة) وَالْمُؤمن الْبَالِغ إيمَانه إِذا أحدث لم يقدر أَن يَدُوم على حَدثهُ وَلَا يطمئن حَتَّى يتَوَضَّأ فَيكون أبدا على الْوضُوء لِأَن قلبه فِي وَقت الْحَدث يفتقد نزاهة الْإِيمَان وطيبه ووسواسه يصير عَامله على الْقلب فانطفأ بعض توقد ناره فَإِذا تَوَضَّأ عَاد إِلَى الْحَالة الأولى فَإِذا لم يجد المَاء صَار الصَّعِيد لَهُم طهُورا بدل المَاء لهَذِهِ الْأمة خَاصَّة لِأَن الأَرْض لما أحست بمولود مُحَمَّد ﷺ وبظهوره من بطن أمه انبسطت وتمددت وتطاولت ولبست ثِيَاب الدَّالَّة وافتخرت على السَّمَوَات وَسَائِر الْخلق بِأَنَّهُ مني خلق وعَلى ظَهْري تَأتيه كرامات الله تَعَالَى وعَلى متني يتقلب نَبيا يعبد ربه وعَلى بقاعي تسْجد جَبهته وَفِي خلال أوديتي يتنزل كَلَام الله ووحيه البارز على الْكتب كلهَا وَفِي بَطْني مدفنه وَأَنا الَّذِي أتضمن جسده وعَلى ظَهْري يكون خَاصَّة الله من أمته وورثة مِيرَاثه فجرت الأَرْض رِدَاء فخرها فَجعل ترابها طهُورا لأمته فبالأرض يتطهرون وينتصبون بهَا بَين يَدي الله تَعَالَى فَحَيْثُمَا ضربوا بأقدامهم بَين يَدي الله تَعَالَى صَارَت الأَرْض من تَحت أَقْدَامهم مَسْجِدا قَالَت عَائِشَة ﵂ يَا رَسُول الله إِنَّك إِذا دخلت صليت فِي مَوَاضِع من الْبَيْت أَفلا نهيئ لَك موضعا تصلي فِيهِ فَقَالَ (يَا عَائِشَة أما علمت أَن الْمُؤمن إِذا وضع جَبينه لله طهرت تِلْكَ الْبقْعَة إِلَى سبع أَرضين) وَإِنَّمَا صَار التَّيَمُّم لهَذِهِ الْأمة عوضا عَن الْوضُوء بِالْمَاءِ دون سَائِر الْأُمَم لِأَنَّهُ بمجيء مُحَمَّد ﷺ طهرت الأَرْض فَلَمَّا جَاءَ بِالتَّيَمُّمِ إِلَى الْأمة قبلوه فَحَيْثُمَا مدوا أَيْديهم إِلَى بقْعَة صَار ذَلِك التُّرَاب طَاهِرا

стр. 869

بِمد أَيْديهم وزايلته أنجاس الشّرك والمعاصي الَّتِي عَلَيْهَا وَإِنَّمَا صَارَت طَاهِرَة بِمد أَيْديهم على ذَلِك الْقبُول الَّذِي قبلوه عَن الله تَعَالَى قَاصِدا بِالْقَلْبِ التطهر قَابلا لما جَاءَ بِهِ الْهَدِيَّة وَهُوَ مُحَمَّد ﷺ من الْمهْدي هَذِه الْعَطِيَّة وَالتَّيَمُّم كالطرفة والتحفة يتحف بهَا الْملك عَبده يُرِيد بِهِ لطفه وبره فَيظْهر ذَلِك التُّرَاب بِمد الْيَد إِلَيْهِ وقبوله للهدية وَهُوَ مُحَمَّد ﷺ صَار يطهر مَا جَاءَ بِهِ تُرَاب الأَرْض طهُورا كطهور المَاء الَّذِي أنزلهُ الله من بَحر الْحَيَاة قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا﴾ ثمَّ قَالَ ﴿فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيد الله ليجعل عَلَيْكُم من حرج وَلَكِن يُرِيد ليطهركم وليتم نعْمَته عَلَيْكُم لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ وَقَوْلنَا إِن رَسُول الله ﷺ هُوَ الْهَدِيَّة صَحِيح فَإِنَّهُ قَالَ ﷺ (بعثت إِلَيْكُم وَإِنَّمَا أَنا رَحْمَة مهداة) فَهُوَ من الله لنا هَدِيَّة وَالرسل قبله بعثوا على الْأُمَم حجَّة وعطية والهدية لَيست كالعطية فَمن قبل الْعَطِيَّة بورك لَهُ وَمن لم يقبل تأكدت الْحجَّة عَلَيْهِ وعوجل بالعقوبة ورسولنا ﷺ كَانَ عَطِيَّة وهدية فَمن قبل مُحَمَّدًا ﷺ عَطِيَّة وهدية سعد ورشد وَصَارَ سَابِقًا ومقربا وَمن قبل عَطِيَّة وَلم يفْطن للهدية سعد وَلم يصب ثَمَرَة الرشد وَنَجَا بالسعادة وَمن أَبَاهُ وَكفر النِّعْمَة وجحدها كَانَ حَظه من السَّعَادَة النجَاة من عقوبات الْأُمَم الَّتِي عوجلوا بهَا فِي الدُّنْيَا فسعدوا بِهَذَا الْقدر وَتَأَخر عَنْهُم الْعَذَاب إِلَى يَوْم الْقِيَامَة والأولون عوجلوا بالعقوبة فِي الدُّنْيَا إِلَى أَن ألْحقُوا بِعَذَاب الْآخِرَة فَمن قبل مُحَمَّد عَطِيَّة وهدية اجتباه الله وَمن قبله

стр. 870

عَطِيَّة هداه الله إِلَيْهِ بالإنابة وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿الله يجتبي إِلَيْهِ من يَشَاء وَيهْدِي إِلَيْهِ من ينيب﴾ والعطية من الرَّحْمَة والهدية من الْمحبَّة فَمن رق لعَبْدِهِ ورحمه إِذا رَآهُ فِي بؤس أَو ضعف قواه وجبره بِمَا يذهب ضعفه وبؤسه فَهَذِهِ عَطِيَّة من الرَّحْمَة وَمن أحب عَبده أهْدى إِلَيْهِ خلعا وحملانا يُرِيد بذلك أَن يختصه ويستميل قلبه وَلذَلِك سميت هَدِيَّة لاستمالة الْقلب بِهِ فالرسل إِلَى الْخلق عطايا من رَبنَا رَحِمهم فبعثهم إِلَيْهِم ليهديهم وَيذْهب عَنْهُم بؤس فقر الْكفْر وَيجْبر كسيرهم وربنا قد رحمنا فَبعث إِلَيْنَا مُحَمَّدًا ﷺ عَطِيَّة وهدية فَجعل الْإِيمَان وَالْإِسْلَام فِي الْعَطِيَّة وَحِكْمَة الْإِيمَان وَالْإِسْلَام فِي الْهَدِيَّة وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي بعث فِي الْأُمِّيين رَسُولا مِنْهُم﴾ إِلَى أَن قَالَ ﴿ويزكيهم وَيُعلمهُم الْكتاب وَالْحكمَة﴾ فحكمة الْإِيمَان وَالْإِسْلَام هَدِيَّة لهَذِهِ الْأمة بمبعث مُحَمَّد ﷺ خَاصَّة فضلا على الْأُمَم والهدية كنوز الْمعرفَة من خَزَائِن السَّمَوَات احتظى بهَا هَذِه الْأمة حَتَّى صَارُوا موصوفين فِي التَّوْرَاة صفوة الرَّحْمَن وَفِي الْإِنْجِيل حكماء عُلَمَاء أبرارا أتقياء كَأَنَّهُمْ من الْفِقْه أَنْبيَاء وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل إِن الْهدى هدى الله﴾ الْآيَة وَقَالَ ﷺ (مَا أَعْطَيْت أمة من الْيَقِين مَا أَعْطَيْت أمتِي) فَإِنَّمَا صير مُحَمَّدًا ﷺ لنا ليهدينا إِلَى أعالي دَرَجَات الدُّنْيَا عبودة

стр. 871

لنكون غَدا فِي أعالي دَرَجَات الْجنَّة بِالْقربِ من رَسُولنَا لتقر عينه ﷺ بِنَا وَقَوله (نصرت بِالرُّعْبِ) أَصله من فورة سُلْطَان الله تَعَالَى من بَاب النَّار فَإِذا جعل نصرته من الرعب فقد أعطي جندا لَا يقاومه أحد وَلم يُعْط أحد من الرُّسُل ذَلِك فَكَانَ أَيْن مَا ذكر من مسيرَة شهر وَقع ذَلِك الرعب فِي قلب عدوه فذل بمكانه وَقَوله (أحلّت لي الْغَنَائِم) كَانَت الْغَنَائِم نَجِسَة لِأَنَّهَا أخذت من الْعَدو وَملك الْعَدو كُله نجس أَلا يرى أَن الله ذكر حلي آل فِرْعَوْن فَقَالَ ﴿أوزارا من زِينَة الْقَوْم﴾ فَكَانَت لَا تحل لَهُم لنجاستها فَكَانُوا يضعونها فتجيء نَار من السَّمَاء فتأكلها وَكَانَ هَارُون ﵇ أَمرهم أَن يقذفوا مَا فِي أَيْديهم من تِلْكَ الحلى الَّتِي استعاروها من آل فِرْعَوْن وَقَالَ لَهُم تطهروا فرموا بهَا فجمعها السامري فاتخذها عجلا وَقذف فِيهَا التُّرَاب الَّذِي كَانَ رَفعه من حافر فرس جبرئيل فرس الْحَيَاة للفتنة الَّتِي كتب الله عَلَيْهِم بلوى بهَا فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكنَّا حملنَا أوزارا من زِينَة الْقَوْم﴾ تسمى أوزارا لنجاستها وَأحلت لي الْغَنَائِم لهَذِهِ الْأمة قَالَ تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُم حَلَالا طيبا﴾ لمُحَمد وَأمته لأَنهم ضربوا السيوف بحرارة حمية حب الله وزايلها رجاسة الْكفْر وَأَهله لِأَن حرارة الْحبّ تقطع علائق النَّفس وَتحرق أَسبَابهَا وعلائق النَّفس من أَسبَاب الشّرك وَسَائِر الْأُمَم لم يُعْطوا هَذَا فَلم تطب لَهُم الْغَنَائِم وَلم تزل رجاسة أهل الْكفْر مِنْهَا فَلم تحل لَهُم

стр. 872

لِأَن بني إِسْرَائِيل قَاتلُوا على الديار والأرضيين الَّتِي كَانَت لِآبَائِهِمْ قَاتلُوا عَلَيْهَا ليردوها إِلَى ملكهم وأنبياؤهم بعثوا للدعوة إِلَى الله تَعَالَى وَنَبِينَا ﷺ بعث للتَّوْبَة والملحمة يَعْنِي إِن لم يتوبوا لحموا بِالسُّيُوفِ قَالَ ﷺ (أَنا نَبِي التَّوْبَة وَأَنا نَبِي الملحمة) وَمعنى ذَلِك أَنِّي بعثت إِلَى الْأمة بِأَن أدعوا إِلَى لَا إِلَه إِلَّا الله فَإِن أجابت وَإِلَّا أمهلهم حَتَّى يتوبوا وللتوبة انْتِظَار وَمُدَّة وَالْعَذَاب مَأْمُون فيهم يَتَقَلَّبُونَ فِي الشّرك مَعَ الْمدَّة فَإِن تَابُوا قبل الله ذَلِك مِنْهُم بِأَن جعلني نَبِي التَّوْبَة وَمن تَمَادى فِي ذَلِك لحمت أَجْسَادهم بِالسُّيُوفِ فَكَمَا صَارَت الْغَنَائِم طيبَة من رجاسة الْكفْر فَكَذَلِك طابت الأَرْض من رجاسة الْكفْر والمعاصي بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد ﷺ من الْأَنْوَار القدسية فَصَارَت لَهُم مَسْجِدا وَطهُورًا وَطَابَتْ أَيْضا بليلة الْقدر ومشاهدة الرب أهل الأَرْض بالقربة وَكَانَت الْمُشَاهدَة لِلنَّبِيِّينَ على أَجْسَادهم وَأعْطيت هَذِه الْأمة على أرْضهَا حَتَّى يَرَاهَا من سبقت لَهُ الْحسنى من الله بِعَيْنِه أشواق الْمُشَاهدَة وَقَالَ ﷺ (هَذِه لَيْلَة كشف غطاؤها) وَقَالَ عَليّ ﵁ اسْتَأْذَنت مَلَائِكَة الرّوح فِي النُّزُول إِلَى الأَرْض طَمَعا أَن ينالوا مَا لم يكن عِنْدهم فِي مقاومهم قَالَ الله تَعَالَى ﴿تنزل الْمَلَائِكَة وَالروح﴾

стр. 873

وَقَالَ ﷺ (لَا يَرْمِي فِي تِلْكَ اللَّيْلَة بِنَجْم وَلَا يحدث فِيهَا دَاء) لِأَن الشَّيَاطِين قد اختنست من أجل الْمُشَاهدَة والخلق فِي مأمن من مُشَاهدَة السَّلَام فَهَذَا كُله لهَذِهِ الْأمة وَقَوله (أَعْطَيْت الشَّفَاعَة) فَإِن تِلْكَ دَعْوَة كَانَت لكل نَبِي فتعجلتها الْأَنْبِيَاء فِي الدُّنْيَا وأخرها مُحَمَّد ﷺ ذخْرا لأمته ونصيحة لله فِي عباده فاستوجب بنصيحة الله برأفته على عبيده أَن وضع دَعوته فِي مَحل التربية حَتَّى تربو وتتضاعف حَتَّى تخرج لَهُ يَوْم الْقِيَامَة تِلْكَ الدعْوَة بهيجة يحْتَاج الْخلق كلهم إِلَيْهَا حَتَّى إِبْرَاهِيم خَلِيل الله ﷺ قَالَ ﷺ لما أَتَانِي جبرئيل بِهَذِهِ الدعْوَة قلت إِنِّي ادخرتها لأمتي فَيحْتَاج الْخلق كلهم إِلَيّ فِي هَذِه حَتَّى إِبْرَاهِيم خَلِيل الله عَلَيْهِ السَّلَام

стр. 874

- الأَصْل المائتان وَالْأَرْبَعُونَ - فِي فضل الْأَمَانَة عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا إِيمَان لمن لَا أَمَانَة لَهُ وَلَا دين لمن لَا عهد لَهُ) الْإِيمَان عش الْأَمَانَة وَالْأَمَانَة فِي جَوْفه كالفرخ الَّذِي يتفقأ عَن الْبَيْضَة ووكل الْعباد بتربيتها كَمَا يُربي الطير فرخه فِي عشه ويزقه وَيَغْدُو فِي طلب تَرْبِيَته حَتَّى ينْقل إِلَيْهِ من أقطار الأرضيين ويكتنفه ويذب عَنهُ وَيُقَاتل من يرومه فِي عشه تحننا عَلَيْهِ وشفقة وصيانة حَتَّى ينْبت لَهُ جنَاح ويطير مَعَه فَكَذَا الْمُؤمن مُوكل بِحِفْظ الْأَمَانَة وَقد قبلهَا مَعَ قبُول الْإِيمَان وَلم يتم لَهُ الْإِيمَان إِلَّا بِقبُول الْأَمَانَة وَكَانَت مستورة فَأحب الله أَن يبرزها حَتَّى يقبلهَا آدم ﵇ ظَاهرا فمثلها لَهُ درة بَيْضَاء وَجعلهَا مستورة فِي جَوْفه فعرضت على السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فهبنها وأشفقن مِنْهَا لِأَنَّهُ انْكَشَفَ الغطاء عَن ذَلِك لَهُنَّ وَستر عَن آدم ﵇ لطفا من الله حَتَّى قبلهَا لتحرك مَا فِي قلبه من الْإِيمَان فَلم يملك أَن أسْرع إِلَى الْقبُول مقتدرا فابتلي باقتداره

стр. 875

فَسُمي ظلوما لقبوله على الاقتدار جهولا بِمَا فِي بَاطِن تِلْكَ الدرة فوضعها على العاتق فألزمها عُنُقه كطوق العبيد وذلت لله رقبته فتكرر عَلَيْهِ الْأَمر للاقتدار وَإِنَّمَا عمل فِيهِ الاقتدار وانسد عَلَيْهِ بَاب التَّعَلُّق بِاللَّه لما كَانَ فِي ظَهره من الْأَعْدَاء فابتلي بِقبُول الْأَمَانَة ليميز الْخَبيث من الطّيب فَقبله على الاقتدار فَصَارَ الْقبُول حَظّ الأحباب وَصَارَ الاقتدار حَظّ الإهداء وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة﴾ الْآيَة ثمَّ أعلم الْعباد لم فعل هَذَا فَقَالَ ﴿ليعذب الله الْمُنَافِقين والمنافقات﴾ الْآيَة وَمَعْنَاهُ لأعذب الْأَعْدَاء وَأَتُوب على الأحباب فَأغْفِر لَهُم سيئ مَا عمِلُوا وارحمهم فِي تقصيرهم حَتَّى تؤديهم الرَّحْمَة إِلَى دَار رَحْمَتي فتقلد حفظ هَذِه الْأَمَانَة فَجرى قبُولهَا من الْقلب إِلَى الْجَوَارِح السَّبع فتجزأ حملهَا على هَذِه الْجَوَارِح فللعين جُزْء وللسمع جُزْء ولليد جُزْء وللرجل جُزْء وللبطن جُزْء وللفرج جُزْء وللسان جُزْء وَجعل أَمَانَة الْفرج من بَين الْجَوَارِح كلهَا مستورة وَسميت فَاحِشَة إِذا كشف عَنْهَا بِغَيْر حق والاستعمال لَهَا بِغَيْر حق هلكة وتأديبه الْقَتْل بِالْحِجَارَةِ والتنكيل والناظر إِلَيْهَا عَامِدًا مَلْعُون والكاشف عَنْهَا منزوع الْحيَاء ممقوت وَقَالَ عبد الله بن عَمْرو ﵄ أول مَا خلق الله من الْإِنْسَان فرجه ثمَّ قَالَ (هَذِه أَمَانَة خبأتها عنْدك فَلَا تبسل مِنْهَا شَيْئا) إِلَّا بِحَقِّهَا فالسمع أَمَانَة وَالْبَصَر أَمَانَة والفرج أَمَانَة والبطن أَمَانَة وَاللِّسَان

стр. 876

أَمَانَة وَالْيَد أَمَانَة وَالرجل أَمَانَة فَالَّذِي يكْشف لَك عَمَّا خبأه الله إهمالا وَاسْتعْمل بِغَيْر حق اسْتوْجبَ هَذِه الْعُقُوبَات وَالَّذِي فِي الدُّنْيَا النكال وَالرَّجم وَأما الَّذِي فِي الْآخِرَة فَإِن أهل النَّار يتأذون من نَتن فروج الزناة ويزدادون بذلك عذَابا وَلذَلِك قَالَ ﷺ (أَكثر مَا يدْخل النَّاس النَّار الأجوفان الْبَطن والفرج) فقد قلد كل جارحة بِقسْطِهِ من الْأَمَانَة فَمن استبدل بهَا خِيَانَة انْتقصَ من وزن إيمَانه وَمن ضوئه مَا دَامَ حَيا وضوء الْإِيمَان رَأس مَال الْمُوَحِّدين بِهِ يستضيئون فِي السّير إِلَى الله تَعَالَى فِي الطَّاعَات فَإِذا غَابَ الضَّوْء ضل الْقلب بِمَنْزِلَة قمر وَقع فِي كسوف فكسوف ضوء الْأَمَانَة فِي ظلمَة الْخِيَانَة فَكل فعل حرم الله على جارحة من الْجَوَارِح فهتك تِلْكَ الْجَارِحَة ذَلِك السّتْر وانهتكت تِلْكَ الْحُرْمَة بِرَفْع حجابها فقد خَان الْأَمَانَة فالمتقون فَهموا هَذِه الْقِصَّة فخرست ألسنتهم عَن أَن تنطق بِمَا نهى الله عَنهُ والسمع إِلَى الِاسْتِمَاع إِلَى مَا نهى الله عَنهُ وكل عُضْو كَذَلِك وحفظوا الْقلب وساحته وَهِي الصَّدْر مَعَ الله تَعَالَى وَفِيمَا بَينه وَبَين الْخلق فَكلما زلت جارحة من جوارحك بِفعل حظر الله عَلَيْك فقد ضيعت الْأَمَانَة بِقَدرِهَا وانكسف من ضوء قمرك بِقَدرِهِ وَنقص من وزن إيمانك غَدا بِقَدرِهِ فَإِذا حكمت شَأْن الْجَوَارِح السَّبع وجعلتها فِي وثاق الْأَمَانَة فقد نجوت فَإِن كَانَ مِمَّن فتح لَهُم الطَّرِيق فَسَار إِلَى الله صَار حفظ الْأَمَانَة أصعب وَأعظم خطرا وأوفر حظا من ثَمَرَته لِأَنَّهُ حَتَّى الْآن كَانَ فِي كسب الْجَوَارِح عملا ينَال بِهِ أجرا والآن قد وَقع فِي كسب الْقلب سعيا إِلَى الله ينَال

стр. 877

بِهِ الْقرْبَة فالحراسة هَهُنَا للأمانة من الخواطر فَإِن حرسها بِحَقِّهَا وصدقها تحول الضَّوْء الَّذِي كَانَ بدءا شعاعا يتوهج يخطف بصائر النَّفس فضوء الْإِيمَان للصادقين مَعَ جهدهمْ وشعاعه للصديقين مَعَ تفويضهم فَإِن الْكفْر كليل مظلم وَالْإِيمَان فِي الصَّدْر كَالْقَمَرِ فالموحدون يَأْخُذ كل من ذَلِك الْقَمَر بِقَدرِهِ وكل مُطِيع يَأْخُذ بِقَدرِهِ من الضَّوْء فَإِذا كَانَ صَادِقا مُطيعًا لله فِي كل جارحة فَالظَّاهِر مُسْتَقِيم وَالْبَاطِن فَاسد مجهود صَار كمن أقمر لَيْلَة بدر أَو صَار ضوء إيمَانه كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر إِلَّا أَن الضَّوْء لَيْسَ لَهُ شُعَاع وَلَا حريق وَمن فتح لِقَلْبِهِ الطَّرِيق إِلَى الله تَعَالَى فَصَارَ على مَنْهَج الصدْق وَهُوَ الْبَذْل لنَفسِهِ لله غير ملتفت إِلَيْهَا تحول قمره شمسا فَإِنَّمَا يَبْدُو لِقَلْبِهِ من شُعَاع تِلْكَ الشَّمْس بِمِقْدَار مَا كَانَ يَبْدُو من الْقَمَر فِي مُبْتَدأ أمره فَلَا يزَال يسير حَافِظًا للأمانة فِي العطايا حَتَّى تَزُول عَنهُ الْخِيَانَة ويتبرأ من النَّفس وينسيها وافتقد مَشِيئَته بِمَشِيئَة مَوْلَاهُ وَنسي أَحْوَال نَفسه لما طالع من العظائم وأشرقت شمسه بِتَمَامِهَا بِجَمِيعِ شعاعها وَذَلِكَ قَوْله لداود ﵇ (يمشي تَمامًا وَيَقُول صَوَابا) وَقَوله تَعَالَى ﴿ثمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب تَمامًا على الَّذِي أحسن﴾ وَهُوَ الْمُؤمن المستكمل لوقارة الْإِيمَان وبهائه قَالَ أَبُو بكر ﵁ وددت أَنِّي شَعْرَة فِي صدر مُؤمن وَقَالَ تَعَالَى حِين أثنى على إِبْرَاهِيم ﵇ ﴿إِنَّه من عبادنَا الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَالَ ﷺ (ثَلَاثَة تَحت الْعَرْش الْقُرْآن لَهُ ظهر وبطن يحاج الْعباد

стр. 878

وَالرحم تنادي صل من وصلني وإقطع من قطعني وَالْأَمَانَة) وَقَالَ ﷺ انْطلق ثَلَاثَة نفر فَدَخَلُوا غارا فَأرْسل الله عَلَيْهِم صَخْرَة فانطبق الْغَار عَلَيْهِم فَقَالَ بَعضهم لبَعض قد ترَوْنَ مَا نَحن فِيهِ وَمَا قد ابتلينا بِهِ فَلْينْظر كل رجل مِنْكُم أفضل عمل عمله فِيمَا بَينه وَبَين ربه فليذكره ثمَّ يَدْعُو الله تَعَالَى لَعَلَّ الله يفرج عَنَّا مَا نَحن فِيهِ ويلقي عَنَّا هَذِه الصَّخْرَة فَقَالَ رجل مِنْهُم اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنه كَانَت لي بنت عَم وَكَانَت من أحب النَّاس إِلَيّ فطلبت مِنْهَا نَفسهَا فَأَبت عَليّ إِلَّا أَن أعطيها مائَة دِينَار فجمعتها من حسي وَنسي حَتَّى جِئْتهَا بهَا فدفعتها إِلَيْهَا فَلَمَّا قعدت مِنْهَا مقْعد الرجل من امْرَأَته أرعدت وبكت فَقَالَت يَا عبد الله اتَّقِ الله وَلَا تفتح هَذَا الْخَاتم إِلَّا بِحقِّهِ فَقُمْت عَنْهَا وَتركت الدَّنَانِير لَهَا من مخافتك اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَنِّي إِنَّمَا تركتهَا وَتركت الدَّنَانِير لَهَا من مخافتك فافرج لنا من هَذِه الصَّخْرَة فُرْجَة نرى مِنْهَا السَّمَاء فَفرج الله عَنْهُم مِنْهَا فُرْجَة فنظروا إِلَى السَّمَاء وَقَالَ الثَّانِي اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنه كَانَ لي أَبَوَانِ وَكَانَت لي صبية صغَار فَكنت أرعى على أَبَوي وَكنت أجيء بالحلاب فأبدأ بأبوي فأسقيهما ثمَّ أجيء بفضلهما على الصبية فأسقيهم وَإِنِّي جِئْت ذَات لَيْلَة بالحلاب فَوجدت أَبَوي نائمين والصبية يتضاغون من الْجُوع فَلم أزل بهم حَتَّى نَامُوا ثمَّ قُمْت بالحلاب على أَبَوي لَيْلَتي حَتَّى قاما وشربا ثمَّ جِئْت بفضلهما إِلَى الصبية فأسقيتهم اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَنِّي إِنَّمَا فعلت ذَلِك من مخافتك فأفرج عَنَّا مِنْهَا فُرْجَة فَفرج الله عَنْهُم مِنْهَا فُرْجَة وَقَالَ الثَّالِث اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنه كَانَ لي أجِير يعْمل عِنْدِي فأعطيته أجره فغمضه وَذهب وَتَركه فَعمِلت لَهُ بأجره حَتَّى صَار لَهُ بقر وغنم ثمَّ أَتَانِي بعد حِين يطْلب أجره فَقلت لَهُ

стр. 879

دُونك هَذَا الْبَقر وَالْغنم وراعيها فَخذهَا وَهِي لَك فَانْطَلق فَأَخذهَا اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَنِّي إِنَّمَا فعلت ذَلِك من مخافتك فَأَلْقِهَا عَنَّا فَألْقى الله عَنْهُم فَخَرجُوا يَمْشُونَ وَعَن عَطاء قَالَ كَانَ رجل من بني إِسْرَائِيل لَهُ مَكَان من الْمُلُوك لَيْسَ مِنْهُم ملك يَمُوت فيخلفه ملك إِلَّا أنزلهُ مِنْهُ بِمَنْزِلَتِهِ من الْملك الأول فَبعث على بني إِسْرَائِيل ملك صَالح دَعَا النَّاس إِلَى الْحُقُوق والمظالم فارتحلت الْأَحْيَاء إِلَيْهِ حَيّ حَيّ لَيْسَ مِنْهُم أحد إِلَّا وَهُوَ ينظر فِي شَأْنه وَمن كَانَت لَهُ مظْلمَة يرد عَلَيْهِ مظلمته وَمن كَانَ لَهُ حق أنصفه من حَقه وَمن كَانَت لَهُ حَاجَة قضى لَهُ حَاجته حَتَّى ارتحل حَيّ الْفَتى وارتحل هُوَ فيهم وهم يظنون أَن الْملك سينزله مِنْهُ مَنْزِلَته من الْمُلُوك قبله فَدخل على الْملك بعض قومه فَقضى حوائجهم ورد عَلَيْهِم مظالمهم حَتَّى دخل الْفَتى فَكَلمهُ بِمثل مَا كَانَ يكلم بِهِ الْمُلُوك قبله فيعجبهم ويقربونه فَقَالَ لَهُ الْملك أَولا تتقي الله وَتُؤَدِّي الْأَمَانَة قَالَ أَيَّة أَمَانَة فَأخذ رجل من حرسته بِيَدِهِ فَأخْرجهُ فَانْصَرف إِلَى قومه فَقَالَ لَعَلَّ بَعْضكُم سبقني عِنْد الْملك فَحَلَفُوا لَهُ فَصَدَّقَهُمْ فَانْصَرف إِلَى أَهله فَمَاتَ ذَلِك الْملك وَبعث عَلَيْهِم ملك صَالح فَدَعَا النَّاس إِلَى مَا دعاهم إِلَيْهِ الْملك قبله فارتحل النَّاس إِلَيْهِ فارتحل الْفَتى مَعَ حيه فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ كلمة الْفَتى بالْكلَام الَّذِي يكلم بِهِ الْمُلُوك قبله فيقربونه فَقَالَ لَهُ الْملك أَولا تتقي الله وَتُؤَدِّي حق الْأَمَانَة فَقَالَ أَيَّة أَمَانَة

стр. 880

فَأخذ رجل من حرسته بِيَدِهِ فَأخْرج فَانْصَرف إِلَى قومه فَقَالَ لَعَلَّ بَعْضكُم سبقني عِنْد الْملك فَحَلَفُوا لَهُ فَصَدَّقَهُمْ فانصرفوا وَانْصَرف الْفَتى إِلَى أَهله فَقَالَ لَا أَحسب هَذَا إِلَّا لما كنت أصبت مِمَّا لَا يصلح لي فَوضع يَده الْيُمْنَى على الْيُسْرَى ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أُبَايِعك على أَن لَا أسأَل أحدا شَيْئا أبدا فَمَكثَ بذلك ثمَّ قَالَ لَا حَاجَة لي بِقرب النَّاس ومخالطتهم فَانْطَلق إِلَى بَريَّة فتعبد فِيهَا وتخرق عَنهُ ثِيَابه وَصَارَ كَهَيئَةِ المسمار المحترق وَجعل يَأْكُل من نَبَات الأَرْض فَبينا هُوَ على ذَلِك إِذْ هُوَ بشخين بَين أَيْدِيهِمَا طَعَام يأكلانه فتعرض لَهما فَرَفعهَا رؤوسهما ونظرا إِلَيْهِ حَتَّى إِذا علما أَنه قد علم أَنَّهُمَا قد نظرا إِلَيْهِ أكبا على طعامهما ثمَّ رفعا رؤوسهما فدعواه فَأقبل فَإِذا هما يأكلان خبز شعير فَنَظَرا إِلَيْهِ ثمَّ قَالَا اجْلِسْ فَجَلَسَ ثمَّ مد يَده إِلَى كسرة فأمسكاها فنظروا إِلَيْهِ ثمَّ أكبا على طعامنا ثمَّ قَالَا كل فَكبر فأمسكا بِيَدِهِ وَقَالا لم كَبرت على كعامنا قَالَ إِنِّي كنت حَلَفت أَن لَا أسأَل أحدا شَيْئا فلولا أنكما قلتما كل لم أتناول طعامكما قَالَا أَو لَا تتقي الله وَتُؤَدِّي الْأَمَانَة قَالَ وأية أَمَانَة فوَاللَّه مَا أخرجني من النَّاس إِلَّا هَذِه الْكَلِمَة وَلَا لقِيت مَا تريان إِلَّا لَهَا قَالَا أشرف هَذَا الشّرف فَانْظُر مَا ترى وَرَاءه ثمَّ ارْجع إِلَيْنَا فَأَشْرَف ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِمَا فَقَالَ رَأَيْت خَمْسمِائَة ضائنة أَو سِتّمائَة لم أر مثلهَا حسنا جَمِيعًا قَالَا أتأخذها بأمانة الله على أَن تؤدها إِلَيْنَا إِذْ نَحن سألناكها صحاحا شقّ الشعرة شطرين قَالَ نعم فدفعا إِلَيْهِ هَذَا الْغنم وانطلقا فَنمت وَبَارك الله فِيهَا فَنزل قَرْيَة من الْقرى وَبَاعَ مِنْهَا فَاشْترى مِنْهَا رعاء فَجعلت ترعى جناب الْقرْيَة وتأوي إِلَيْهَا فكثرت ونمت وَبَارك الله وَجعل لَا يَبِيع مِنْهَا فيتخذ صنفا من أَصْنَاف الْأَمْوَال إِلَّا بَارك الله فِيهَا ونما فَتزَوج النِّسَاء وَاتخذ السراري وَكثر
следующие страницы →