Полный текст (1 237 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
أَمَانَة وَالْيَد أَمَانَة وَالرجل أَمَانَة فَالَّذِي يكْشف لَك عَمَّا خبأه الله إهمالا وَاسْتعْمل بِغَيْر حق اسْتوْجبَ هَذِه الْعُقُوبَات وَالَّذِي فِي الدُّنْيَا النكال وَالرَّجم وَأما الَّذِي فِي الْآخِرَة فَإِن أهل النَّار يتأذون من نَتن فروج الزناة ويزدادون بذلك عذَابا وَلذَلِك قَالَ ﷺ (أَكثر مَا يدْخل النَّاس النَّار الأجوفان الْبَطن والفرج)
فقد قلد كل جارحة بِقسْطِهِ من الْأَمَانَة فَمن استبدل بهَا خِيَانَة انْتقصَ من وزن إيمَانه وَمن ضوئه مَا دَامَ حَيا وضوء الْإِيمَان رَأس مَال الْمُوَحِّدين بِهِ يستضيئون فِي السّير إِلَى الله تَعَالَى فِي الطَّاعَات فَإِذا غَابَ الضَّوْء ضل الْقلب بِمَنْزِلَة قمر وَقع فِي كسوف فكسوف ضوء الْأَمَانَة فِي ظلمَة الْخِيَانَة فَكل فعل حرم الله على جارحة من الْجَوَارِح فهتك تِلْكَ الْجَارِحَة ذَلِك السّتْر وانهتكت تِلْكَ الْحُرْمَة بِرَفْع حجابها فقد خَان الْأَمَانَة فالمتقون فَهموا هَذِه الْقِصَّة فخرست ألسنتهم عَن أَن تنطق بِمَا نهى الله عَنهُ والسمع إِلَى الِاسْتِمَاع إِلَى مَا نهى الله عَنهُ وكل عُضْو كَذَلِك وحفظوا الْقلب وساحته وَهِي الصَّدْر مَعَ الله تَعَالَى وَفِيمَا بَينه وَبَين الْخلق فَكلما زلت جارحة من جوارحك بِفعل حظر الله عَلَيْك فقد ضيعت الْأَمَانَة بِقَدرِهَا وانكسف من ضوء قمرك بِقَدرِهِ وَنقص من وزن إيمانك غَدا بِقَدرِهِ فَإِذا حكمت شَأْن الْجَوَارِح السَّبع وجعلتها فِي وثاق الْأَمَانَة فقد نجوت فَإِن كَانَ مِمَّن فتح لَهُم الطَّرِيق فَسَار إِلَى الله صَار حفظ الْأَمَانَة أصعب وَأعظم خطرا وأوفر حظا من ثَمَرَته لِأَنَّهُ حَتَّى الْآن كَانَ فِي كسب الْجَوَارِح عملا ينَال بِهِ أجرا والآن قد وَقع فِي كسب الْقلب سعيا إِلَى الله ينَال
стр. 877
بِهِ الْقرْبَة فالحراسة هَهُنَا للأمانة من الخواطر فَإِن حرسها بِحَقِّهَا وصدقها تحول الضَّوْء الَّذِي كَانَ بدءا شعاعا يتوهج يخطف بصائر النَّفس فضوء الْإِيمَان للصادقين مَعَ جهدهمْ وشعاعه للصديقين مَعَ تفويضهم فَإِن الْكفْر كليل مظلم وَالْإِيمَان فِي الصَّدْر كَالْقَمَرِ فالموحدون يَأْخُذ كل من ذَلِك الْقَمَر بِقَدرِهِ وكل مُطِيع يَأْخُذ بِقَدرِهِ من الضَّوْء فَإِذا كَانَ صَادِقا مُطيعًا لله فِي كل جارحة فَالظَّاهِر مُسْتَقِيم وَالْبَاطِن فَاسد مجهود صَار كمن أقمر لَيْلَة بدر أَو صَار ضوء إيمَانه كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر
إِلَّا أَن الضَّوْء لَيْسَ لَهُ شُعَاع وَلَا حريق وَمن فتح لِقَلْبِهِ الطَّرِيق إِلَى الله تَعَالَى فَصَارَ على مَنْهَج الصدْق وَهُوَ الْبَذْل لنَفسِهِ لله غير ملتفت إِلَيْهَا تحول قمره شمسا فَإِنَّمَا يَبْدُو لِقَلْبِهِ من شُعَاع تِلْكَ الشَّمْس بِمِقْدَار مَا كَانَ يَبْدُو من الْقَمَر فِي مُبْتَدأ أمره فَلَا يزَال يسير حَافِظًا للأمانة فِي العطايا حَتَّى تَزُول عَنهُ الْخِيَانَة ويتبرأ من النَّفس وينسيها وافتقد مَشِيئَته بِمَشِيئَة مَوْلَاهُ وَنسي أَحْوَال نَفسه لما طالع من العظائم وأشرقت شمسه بِتَمَامِهَا بِجَمِيعِ شعاعها وَذَلِكَ قَوْله لداود ﵇ (يمشي تَمامًا وَيَقُول صَوَابا) وَقَوله تَعَالَى ﴿ثمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب تَمامًا على الَّذِي أحسن﴾ وَهُوَ الْمُؤمن المستكمل لوقارة الْإِيمَان وبهائه
قَالَ أَبُو بكر ﵁ وددت أَنِّي شَعْرَة فِي صدر مُؤمن
وَقَالَ تَعَالَى حِين أثنى على إِبْرَاهِيم ﵇ ﴿إِنَّه من عبادنَا الْمُؤمنِينَ﴾
وَقَالَ ﷺ (ثَلَاثَة تَحت الْعَرْش الْقُرْآن لَهُ ظهر وبطن يحاج الْعباد
стр. 878
وَالرحم تنادي صل من وصلني وإقطع من قطعني وَالْأَمَانَة)
وَقَالَ ﷺ انْطلق ثَلَاثَة نفر فَدَخَلُوا غارا فَأرْسل الله عَلَيْهِم صَخْرَة فانطبق الْغَار عَلَيْهِم فَقَالَ بَعضهم لبَعض قد ترَوْنَ مَا نَحن فِيهِ وَمَا قد ابتلينا بِهِ فَلْينْظر كل رجل مِنْكُم أفضل عمل عمله فِيمَا بَينه وَبَين ربه فليذكره ثمَّ يَدْعُو الله تَعَالَى لَعَلَّ الله يفرج عَنَّا مَا نَحن فِيهِ ويلقي عَنَّا هَذِه الصَّخْرَة فَقَالَ رجل مِنْهُم اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنه كَانَت لي بنت عَم وَكَانَت من أحب النَّاس إِلَيّ فطلبت مِنْهَا نَفسهَا فَأَبت عَليّ إِلَّا أَن أعطيها مائَة دِينَار فجمعتها من حسي وَنسي حَتَّى جِئْتهَا بهَا فدفعتها إِلَيْهَا فَلَمَّا قعدت مِنْهَا مقْعد الرجل من امْرَأَته أرعدت وبكت فَقَالَت يَا عبد الله اتَّقِ الله وَلَا تفتح هَذَا الْخَاتم إِلَّا بِحقِّهِ فَقُمْت عَنْهَا وَتركت الدَّنَانِير لَهَا من مخافتك اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَنِّي إِنَّمَا تركتهَا وَتركت الدَّنَانِير لَهَا من مخافتك فافرج لنا من هَذِه الصَّخْرَة فُرْجَة نرى مِنْهَا السَّمَاء فَفرج الله عَنْهُم مِنْهَا فُرْجَة فنظروا إِلَى السَّمَاء وَقَالَ الثَّانِي اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنه كَانَ لي أَبَوَانِ وَكَانَت لي صبية صغَار فَكنت أرعى على أَبَوي وَكنت أجيء بالحلاب فأبدأ بأبوي فأسقيهما ثمَّ أجيء بفضلهما على الصبية فأسقيهم وَإِنِّي جِئْت ذَات لَيْلَة بالحلاب فَوجدت أَبَوي نائمين والصبية يتضاغون من الْجُوع فَلم أزل بهم حَتَّى نَامُوا ثمَّ قُمْت بالحلاب على أَبَوي لَيْلَتي حَتَّى قاما وشربا ثمَّ جِئْت بفضلهما إِلَى الصبية فأسقيتهم اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَنِّي إِنَّمَا فعلت ذَلِك من مخافتك فأفرج عَنَّا مِنْهَا فُرْجَة فَفرج الله عَنْهُم مِنْهَا فُرْجَة وَقَالَ الثَّالِث اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنه كَانَ لي أجِير يعْمل عِنْدِي فأعطيته أجره فغمضه وَذهب وَتَركه فَعمِلت لَهُ بأجره حَتَّى صَار لَهُ بقر وغنم ثمَّ أَتَانِي بعد حِين يطْلب أجره فَقلت لَهُ
стр. 879
دُونك هَذَا الْبَقر وَالْغنم وراعيها فَخذهَا وَهِي لَك فَانْطَلق فَأَخذهَا اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَنِّي إِنَّمَا فعلت ذَلِك من مخافتك فَأَلْقِهَا عَنَّا فَألْقى الله عَنْهُم فَخَرجُوا يَمْشُونَ
وَعَن عَطاء قَالَ كَانَ رجل من بني إِسْرَائِيل لَهُ مَكَان من الْمُلُوك لَيْسَ مِنْهُم ملك يَمُوت فيخلفه ملك إِلَّا أنزلهُ مِنْهُ بِمَنْزِلَتِهِ من الْملك الأول فَبعث على بني إِسْرَائِيل ملك صَالح دَعَا النَّاس إِلَى الْحُقُوق والمظالم فارتحلت الْأَحْيَاء إِلَيْهِ حَيّ حَيّ لَيْسَ مِنْهُم أحد إِلَّا وَهُوَ ينظر فِي شَأْنه وَمن كَانَت لَهُ مظْلمَة يرد عَلَيْهِ مظلمته وَمن كَانَ لَهُ حق أنصفه من حَقه وَمن كَانَت لَهُ حَاجَة قضى لَهُ حَاجته حَتَّى ارتحل حَيّ الْفَتى وارتحل هُوَ فيهم وهم يظنون أَن الْملك سينزله مِنْهُ مَنْزِلَته من الْمُلُوك قبله
فَدخل على الْملك بعض قومه فَقضى حوائجهم ورد عَلَيْهِم مظالمهم حَتَّى دخل الْفَتى فَكَلمهُ بِمثل مَا كَانَ يكلم بِهِ الْمُلُوك قبله فيعجبهم ويقربونه فَقَالَ لَهُ الْملك أَولا تتقي الله وَتُؤَدِّي الْأَمَانَة قَالَ أَيَّة أَمَانَة فَأخذ رجل من حرسته بِيَدِهِ فَأخْرجهُ فَانْصَرف إِلَى قومه فَقَالَ لَعَلَّ بَعْضكُم سبقني عِنْد الْملك فَحَلَفُوا لَهُ فَصَدَّقَهُمْ فَانْصَرف إِلَى أَهله
فَمَاتَ ذَلِك الْملك وَبعث عَلَيْهِم ملك صَالح فَدَعَا النَّاس إِلَى مَا دعاهم إِلَيْهِ الْملك قبله فارتحل النَّاس إِلَيْهِ فارتحل الْفَتى مَعَ حيه فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ كلمة الْفَتى بالْكلَام الَّذِي يكلم بِهِ الْمُلُوك قبله فيقربونه فَقَالَ لَهُ الْملك أَولا تتقي الله وَتُؤَدِّي حق الْأَمَانَة فَقَالَ أَيَّة أَمَانَة
стр. 880
فَأخذ رجل من حرسته بِيَدِهِ فَأخْرج فَانْصَرف إِلَى قومه فَقَالَ لَعَلَّ بَعْضكُم سبقني عِنْد الْملك فَحَلَفُوا لَهُ فَصَدَّقَهُمْ فانصرفوا وَانْصَرف الْفَتى إِلَى أَهله فَقَالَ لَا أَحسب هَذَا إِلَّا لما كنت أصبت مِمَّا لَا يصلح لي فَوضع يَده الْيُمْنَى على الْيُسْرَى ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أُبَايِعك على أَن لَا أسأَل أحدا شَيْئا أبدا فَمَكثَ بذلك ثمَّ قَالَ لَا حَاجَة لي بِقرب النَّاس ومخالطتهم
فَانْطَلق إِلَى بَريَّة فتعبد فِيهَا وتخرق عَنهُ ثِيَابه وَصَارَ كَهَيئَةِ المسمار المحترق وَجعل يَأْكُل من نَبَات الأَرْض فَبينا هُوَ على ذَلِك إِذْ هُوَ بشخين بَين أَيْدِيهِمَا طَعَام يأكلانه فتعرض لَهما فَرَفعهَا رؤوسهما ونظرا إِلَيْهِ حَتَّى إِذا علما أَنه قد علم أَنَّهُمَا قد نظرا إِلَيْهِ أكبا على طعامهما ثمَّ رفعا رؤوسهما فدعواه فَأقبل فَإِذا هما يأكلان خبز شعير فَنَظَرا إِلَيْهِ ثمَّ قَالَا اجْلِسْ فَجَلَسَ ثمَّ مد يَده إِلَى كسرة فأمسكاها فنظروا إِلَيْهِ ثمَّ أكبا على طعامنا ثمَّ قَالَا كل فَكبر فأمسكا بِيَدِهِ وَقَالا لم كَبرت على كعامنا قَالَ إِنِّي كنت حَلَفت أَن لَا أسأَل أحدا شَيْئا فلولا أنكما قلتما كل لم أتناول طعامكما قَالَا أَو لَا تتقي الله وَتُؤَدِّي الْأَمَانَة قَالَ وأية أَمَانَة فوَاللَّه مَا أخرجني من النَّاس إِلَّا هَذِه الْكَلِمَة وَلَا لقِيت مَا تريان إِلَّا لَهَا قَالَا أشرف هَذَا الشّرف فَانْظُر مَا ترى وَرَاءه ثمَّ ارْجع إِلَيْنَا
فَأَشْرَف ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِمَا فَقَالَ رَأَيْت خَمْسمِائَة ضائنة أَو سِتّمائَة لم أر مثلهَا حسنا جَمِيعًا قَالَا أتأخذها بأمانة الله على أَن تؤدها إِلَيْنَا إِذْ نَحن سألناكها صحاحا شقّ الشعرة شطرين قَالَ نعم فدفعا إِلَيْهِ هَذَا الْغنم وانطلقا فَنمت وَبَارك الله فِيهَا فَنزل قَرْيَة من الْقرى وَبَاعَ مِنْهَا فَاشْترى مِنْهَا رعاء فَجعلت ترعى جناب الْقرْيَة وتأوي إِلَيْهَا فكثرت ونمت وَبَارك الله وَجعل لَا يَبِيع مِنْهَا فيتخذ صنفا من أَصْنَاف الْأَمْوَال إِلَّا بَارك الله فِيهَا ونما فَتزَوج النِّسَاء وَاتخذ السراري وَكثر
стр. 881
لَهُ الْوَلَد وَكَانَ فِي ذَلِك رجلا صَالحا يقري الضَّيْف وينول ابْن السَّبِيل وَيُعْطِي السَّائِل
فَبينا هم على ذَلِك وَقد أَتَى على ذَلِك سنُون إِذْ هُوَ بشيخين يقرعان عَلَيْهِ بَاب دَاره فَنَادَى غُلَامه فَقَالَ أنظر من يقرع بَاب الدَّار فَخرج غُلَامه فَإِذا هُوَ بشيخين قَالَ مَا حاجتكما قَالَا حاجتنا إِلَى سيدك فَرجع إِلَى سَيّده فَأخْبرهُ قَالَ انْطلق بهما ففرغ لَهما بَيْتا فِي نَاحيَة الدَّار ثمَّ أفرشهما وأتحفهما وأطعمهما وأسقهما فليبيتا بِخَير ثمَّ ليغدوا لحاجتهما وَهُوَ يحْسب أَنه كَانَ كمن يضيف فَرجع الْغُلَام إِلَيْهِمَا فَقَالَ إِن سَيِّدي أَمرنِي أَن أفرغ لَكمَا بَيْتا وَأَن أفرشكما وأتحفكما وأطعمكما وأسقيكما فتبيتا بِخَير ثمَّ تغدوا لحاجتكما قَالَا هَذَا مَكَاننَا أَو يَأْذَن لنا عَلَيْهِ قَالَ وَهِي لَيْلَة قُرَّة بَارِدَة شَدِيدَة الْبرد فَرجع إِلَى سَيّده فَأخْبرهُ فَقَالَ قل لَهما إِنِّي قد وضعت ثِيَابِي وخلوت بأهلي فبيتا ثمَّ أغدوا على حاجتكما فَرجع إِلَيْهِمَا فَأَخْبرهُمَا قَالَا هَذَا مَكَاننَا أَو يَأْذَن لنا فَغَضب العَبْد فأغلق الْبَاب دونهمَا وَانْصَرف إِلَى مضجعه
فَلَمَّا أصبح دَعَا غُلَامه فَقَالَ وَيحك مَا فعل ضيفاي قَالَ عرضت عَلَيْهِمَا مَا أَمرتنِي فأبيا فأغلقت الْبَاب وانصرفت قَالَ وَيحك تركت ضَيْفِي فِي سقيع بِغَيْر عشَاء لَا جرم لَأَفْعَلَنَّ بك وَلَأَفْعَلَن ائْذَنْ لَهما فدخلا إِلَيْهِ فَجعل يعْتَذر إِلَيْهِمَا أتيتماني فِي سَاعَة لَا يدْخل عَليّ فِيهَا فَأمرت الْغُلَام بقراكما فغمضتما ذَلِك فَذكر لي أَنه أغلق الْبَاب دونكما لَا جرم لَأَفْعَلَنَّ بِهِ وَلَأَفْعَلَن
قَالَا إِن لنا حَاجَة فأخلنا لحاجتنا فَأمر من حوله فارتفع حَتَّى إِذا خلوا بِهِ قَالَا هَل تعرفنا قَالَ لَا قَالَا أَتَذكر شيخين أتيتهما ببرية كَذَا وَكَذَا وَبَين أَيْدِيهِمَا خبز شعير يأكلانه وَأَنت كالمسمار المحترق قَالَ أذكر قَالَا فَمَا فعلت الْغنم قَالَ فعلت خيرا كثرت ونمت واتخذت أَصْنَاف الْأَمْوَال قَالَا أَلَسْت قد عرفت شرطنا عَلَيْك قَالَ
стр. 882
بلَى صحاحا بشطرين قَالَا فَادع لنا بِمَا لنا قَالَ فَدَعَا بدواوينه وَإِذ الْأَمْوَال أَكثر من أَن تحصى إِلَّا بِكِتَاب فَدَعَا بالغنم فقسمت شطرين ثمَّ دَعَا بِالْإِبِلِ وَالْبَقر وَسَائِر الْأَمْوَال فقسمت شطرين فَقَالَ قد فعلت ووفيت لَكمَا بِالشّرطِ قَالَا ائتنا بأمهات أولادك قَالَ وَمَا لَكمَا وَأُمَّهَات أَوْلَادِي نسَاء قد ولدن وعتقن قَالَا إِن أَثْمَانهنَّ من مالنا قَالَ لَا أفعل قَالَا اتَّقِ الله وأد الْأَمَانَة تعلم أَنا لسنا نأخذك بسُلْطَان وَلَيْسَ لنا عَلَيْك بَيِّنَة وَإنَّك إِن تجحد يصدقك النَّاس ويكذبوننا
قَالَ فَبَاتَ يتسلق على فرَاشه وَيَقُول أيتها النَّفس اصْبِرِي واذكري الْحَال الَّذِي كنت عَلَيْهِ صدقا لعمري إِن أُمَّهَات أَوْلَادِي وَالنَّفقَة عَلَيْهِنَّ لمن مَالهمَا فَلَمَّا أصبح قَالَ ادعوا بأمهات أَوْلَادِي فَدَعَا بِهن فقسمهن شطرين فَجعل يبكي بَعضهم إِلَى بعض قَالَ قد فعلت فَقَالَا ائتنا بنسائك قَالَ وَمَا شَأْن نسَائِي بَنَات قوم أَحْرَار فَأَما أُمَّهَات أَوْلَادِي فهن من مالكما قَالَا إِن صدقاتهن وَالنَّفقَة عَلَيْهِنَّ من مالنا قَالَ لَا أفعل قَالَا اتَّقِ الله وأد الْأَمَانَة تعلم أَنا لسنا نأخذك بسُلْطَان وَلَيْسَت لنا عَلَيْك بَيِّنَة وَإنَّك إِن تجحد يصدقك النَّاس ويكذبوننا
قَالَ يَا نفس اذكري الْحَال الَّذِي أتيتهما عَلَيْهِ صدقاتهن عَلَيْهِنَّ وَالنَّفقَة عَلَيْهِنَّ من مَالهمَا ائْتُونِي بِنِسَائِي فَأتي بِهن فقسمهن شطرين قَالَ قد فعلت قَالَا ائتنا بولدك قَالَ وَمَا شَأْن وَلَدي أما أُمَّهَات أَوْلَادِي فالثمن وَالنَّفقَة من مالكما وَأما النِّسَاء فالصدقات وَالنَّفقَة من مالكما وَأما وَلَدي فَخَرجُوا من صلبي فَلم أكن لَأَفْعَلَنَّ قَالَا اتَّقِ الله وأد الْأَمَانَة تعلم أَنا لسنا نأخذك بسُلْطَان وَلَيْسَت لنا عَلَيْك حجَّة وَإنَّك إِن تجحد يصدقك النَّاس ويكذبوننا
قَالَ أيتها النَّفس اصْبِرِي واذكري الْحَال الَّذِي أتيتهما عَلَيْهِ أَرَأَيْت كسْوَة الْوَلَد وَالنَّفقَة عَلَيْهِم أليست من مَالهمَا ائْتُونِي ببني فَأتي بهم فقسموا شطرين فَإِذا مِنْهُم غُلَام لَا يعدل بِهِ أحد من الْوَلَد قَالَ
стр. 883
قد قسمت وَهَذَا غُلَام فَإِن أحببتما أَن تقوما قِيمَته ثمَّ أرد عَلَيْكُمَا الشّطْر فعلت قَالَا لَا نُرِيد أَن تشتري منا شَيْئا قَالَ فهبا لي نصيبكما قَالَا مَا نُرِيد أَن نعطي أحدا من حَقنا شَيْئا قَالَ فَأَنا أهب لَكمَا نَصِيبي قَالَا مَا نُرِيد أَن تكون لَك عندنَا منَّة قَالَ فَمَاذَا قَالَا قد عرفت شرطنا عَلَيْك صحاحا كشق الشعرة قَالَ أفأشقه قَالَا أَنْت أعلم قَالَ وَالله لَا أفعل هَذَا أبدا قَالَا اتَّقِ الله وأد الْأَمَانَة تعلم أَنا لَا نأخذك بسُلْطَان وَلَيْسَت لنا عَلَيْك بَيِّنَة وَإنَّك إِن تجحد يصدقك النَّاس ويكذبوننا
قَالَ يَا نفس اصْبِرِي واذكري الْحَال الَّذِي أتيتهما عَلَيْهِ قربوا الْمِنْشَار فَأتي بِالْمِنْشَارِ قَالَ خذا بناصيته وآخذ بناحيته قَالَا نعم ذَاك لَك قَالَ فأخذا بِنَاحِيَة الْمِنْشَار وَأخذ بناحيته ثمَّ أَدْرَكته رقة الْوَالِد فَقَالَ ابدءا فأشعراه بِهِ قَالَا أَنْت أَحَق من بَدَأَ قَالَ إِنِّي لأجد لَهُ مَا لَا تجدان فأشعراه لي قَالَا أَنْت أَحَق من بدا فتقاعس فِي الْمِنْشَار ليأشره ورفعاه قَالَا إِن كنت لفاعلا قَالَ نعم وَالله حَتَّى أوفي لله بِمَا جعلت لَهُ وأؤدي الْأَمَانَة قَالَا إذهب فلك أهلك وولدك وَمَالك بَارك الله لَك لسنا من الْبشر كَانَ هَذَا بلَاء قَضَاهُ الله عَلَيْك فبررت وأوفيت وَنحن منعنَا ملكي بني إِسْرَائِيل أَن يعطياك شَيْئا لما قَضَاهُ الله عَلَيْك من الْبلَاء فاطمئن فِي مَالك
وَعَن عَطاء قَالَ لما أعتق لُقْمَان أعطَاهُ مَوْلَاهُ مَالا فَبَارك الله للقمان فِي ذَلِك المَال فَكثر ونما وَجعل لَا يَأْتِيهِ أحد يستقرضه قرضا إِلَّا أقْرضهُ لَا يَأْخُذ عَلَيْهِ حميلا وَلَا رهنا إِلَّا أَنه إِذا أَرَادَ أَن يدْفع إِلَيْهِ المَال قَالَ تَأْخُذهُ بأمانة الله لتؤدينه إِلَيّ عَام قَابل فَإِذا قَالَ نعم دَفعه إِلَيْهِ فَجعل النَّاس يَأْخُذُونَ مِنْهُ ويؤدون فَذكر فعل لُقْمَان لرجل يسكن سَاحل الْبَحْر تِجَارَته فِي الْبَحْر لص ملط فَاجر فَقَالَ وَالله إِن رَأَيْت مَالا أضيع من هَذَا مَا يَأْخُذ مني رهنا وَلَا حميلا وَالله لَآتِيَن هَذَا
стр. 884
الرجل ولأقطعن من مَاله مَالا عَظِيما فَأقبل إِلَيْهِ فَقَالَ يَا لُقْمَان ذكر لي مَعْرُوفك وَأَنا رجل أسكن كَذَا وَكَذَا من سَاحل الْبَحْر وتجارتي فِيهِ فَإِن رَأَيْت أَن تقرضني قرضا أصبت فِيهِ ثمَّ أؤديه إِلَيْك فعلت قَالَ نعم وَكم تُرِيدُ فَسمى لَهُ فَأكْثر قَالَ نعم أما أَنِّي لست أَسأَلك جميلا حميلا وَلَا آخذ مِنْك رهنا أتأخذه بأمانة الله أَن تُؤَدِّيه إِلَى عَام قَابل فِي هَذَا الْيَوْم قَالَ نعم فَدفع إِلَيْهِ مَا سمى وَكتب عِنْده اسْمه وَاسم أَبِيه ومنزله الَّذِي سمى
فَذهب بِالْمَالِ فَوضع يَده فِيهِ وخلطه بِمَالِه وعزم أَن لَا يُؤَدِّيه إِلَيْهِ وَأدْركَ ابْن للقمان فَقَالَ يَا أَبَت إِنِّي أُرِيد أَرض كَذَا وَكَذَا وَإِن رَأَيْت أَن تَأذن لي فعلت قَالَ نعم يَا بني إذهب فاحمل على دوابك وَشد عَلَيْك ثِيَابك ثمَّ ائْتِنِي أوصيك بوصيتي فَفعل ذَلِك ابْنه ثمَّ أَتَاهُ فَقَالَ قد فعلت يَا أَبَت قد حملت على ظَهْري وشددت عَليّ ثِيَابِي فأوصني قَالَ نعم يَا بني إِن فِي طريقك مفازة فأبكر فِيهَا الدلجة فَإِنَّهُ ستعرض لَك شَجَرَة وَاسِعَة الظل تحتهَا عين فَلَا أعلمن مَا قربت الشَّجَرَة وَلَا نزلت تحتهَا يَا بني إِنِّي أَرْجُو أَن يخْرجك الله مِنْهَا سالما فتأتي حَيّ بني فلَان وهم لنا أصدقاء قد أعلم أَنهم سيكرمونك يَا بني وَفِيهِمْ امْرَأَة شَابة كَرِيمَة الْحسب كَثِيرَة المَال وَقد أعلم أَنهم سيعرضونها عَلَيْك فَلَا أعلمن نكحتها وَلَا ضمنت لشَيْء من أمرهَا يَا بني أَرْجُو أَن يسلمك الله مِنْهَا وَإِن رجلا يسكن سَاحل كَذَا وَكَذَا وَقد أَتَانِي مُنْذُ حِين فاقتطع من مَالِي كَذَا وَكَذَا وَهَذَا اسْمه وَاسم أَبِيه فأته فاقبض مَا عَلَيْهِ وَلَا تبت عِنْده
стр. 885
لَيْلَة يَا بني أنظر الَّذِي أوصيك بِهِ فافعله قَالَ الْفَتى نعم قَالَ يَا بني إِن من أفضل مَا أوصيك بِهِ إِن صحبك فِي طريقك هَذَا رجل أكبر مِنْك فَلَا تعصه حَتَّى ترجع إِلَيّ قَالَ أفعل
فَسَار ابْن لُقْمَان حَتَّى انْتهى إِلَى الْمَفَازَة بكر فِيهَا الدلجة فَإِذا هُوَ أبعد من ذَلِك واسحق فَقَامَ قَائِم الظهيرة وَاشْتَدَّ الْحر وَهُوَ فِي وسط مِنْهَا فَبينا هُوَ يسير إِذْ عرضت لَهُ الشَّجَرَة فَلَمَّا نظر إِلَيْهَا عرفهَا بنعت أَبِيه فَإِذا تحتهَا شيخ جَالس فَعدل إِلَيْهَا فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ مَا الَّذِي تُرِيدُ يَا فَتى قَالَ أُرِيد أَن أَسِير قَالَ فَلَا تفعل فقد قَامَ قَائِم الظهيرة وتوقد الْحر وَلَكِن انْزِلْ فاستظل فِي ظلّ هَذِه الشَّجَرَة وضع عَن دوابك واشرب من المَاء فَإِذا أبردت فارتحل قَالَ الْفَتى فِي نَفسه هَذِه الشَّجَرَة الَّتِي نهاني عَنْهَا أبي مَا أُرِيد أَن أفعل قَالَ أَقْسَمت عَلَيْك لتنزلن قَالَ وَوَافَقَ ذَاك مِنْهُ هَوَاهُ وَذكر أَن أَبَاهُ قَالَ إِن صحبك رجل هُوَ أكبر مِنْك فَلَا تعصه
فَنزل الْفَتى فَوضع عَن دوابه واستظل وَأكل وَشرب ثمَّ رقد وأبى الشَّيْخ أَن ينَام فَلَمَّا اسْتلْقى ابْن لُقْمَان انحطت حَيَّة من رَأس الشَّجَرَة فَلَمَّا نظر إِلَيْهَا الشَّيْخ رَمَاهَا فَقَتلهَا ثمَّ قطع رَأسهَا فَجعله فِي قرَابه وغيب لَحمهَا حَتَّى إِذا برد النَّهَار وَأَيْقَظَ ابْن لُقْمَان فَقَامَ فَلم يستنكر من نَفسه شَيْئا فَحمل على دوابه وَقَالَ لَهُ الشَّيْخ أَيْن تُرِيدُ قَالَ أُرِيد أَرض كَذَا وَكَذَا قَالَ أَنا أريدها فَهَل لَك فِي صَحَابَتِي قَالَ ابْن لُقْمَان أحب صَاحب فَلَمَّا نزلُوا بالحي الَّذِي سماهم لَهُ لُقْمَان قَالُوا ابْن لُقْمَان فأنزلوه وأكرموه
فَبينا هم يَأْكُلُون عِنْده وَيَشْرَبُونَ إِذْ قَالَ لَهُ رجل مِنْهُم يَا ابْن لُقْمَان هَل لَك فِي امْرَأَة شَابة كَرِيمَة الْحسب كَثِيرَة المَال تنكحها قَالَ ابْن لُقْمَان فِي نَفسه هَذِه الَّتِي منعنيها أبي مَا لي حَاجَة بِالنِّكَاحِ قَالَ الشَّيْخ مَا تعرضون عَلَيْهِ قَالُوا نعرض عَلَيْهِ امْرَأَة شَابة جميلَة كَبِيرَة
стр. 886
الْحسب كَثِيرَة المَال قَالَ الشَّيْخ أشباب وجمال وَمَال مَا يتْرك هَذَا أحدا نَكَحَهَا قَالَ ابْن لُقْمَان مَا أُرِيد النِّكَاح يَا عَم وَإِنِّي لعَلي رحلي قَالَ أَقْسَمت عَلَيْك لتفعلن فَوَافَقَ ذَلِك مِنْهُ هَوَاهُ وَذكر الَّذِي عوفي فِي الشَّجَرَة وَأَن أَبَاهُ قَالَ إِن صَحِبت رجلا هُوَ أكبر مِنْك فَلَا تعصه فنكحها
فَلَمَّا ملك عصمتها أَتَاهُ بعض صديق أَبِيه قَالَ مَا صنعت هَذِه امْرَأَة قد نكحت تِسْعَة لَيْسَ مِنْهُم رجل إِلَّا يصبح مَيتا على فراشها وَأَنت الْعَاشِر فَدخل الشَّيْخ على ابْن لُقْمَان وَهُوَ مهموم حَزِين قَالَ مَا يحزنك قَالَ الْمَرْأَة الَّتِي أَمرتنِي أَن أنْكحهَا نكحت قبلي تِسْعَة لَيْسَ مِنْهُم رجل إِلَّا يصبح مَيتا على فراشها وَأَنا الْعَاشِر وَأَنا أكره الْمَوْت قَالَ انْظُر الَّذِي آمُرك بِهِ فافعله فَإِذا أدخلت عَلَيْك فَلَا تَقربهَا حَتَّى تَأتِينِي
فَأَقْبَلُوا بهَا إِلَيْهِ حَتَّى أدخلوها عَلَيْهِ وَكَانَ من خلق أَهلهَا وغلمانها أَنَّهَا إِذا أدخلوها على الزَّوْج حفوا بِالْبَيْتِ فَإِذا صَاح كَانَت عَلامَة مَوته دخلُوا فاحتملوا صاحبتهم وَمَا مَعهَا وتركوه فحفوا بِالْبَيْتِ كَمَا كَانُوا يصنعون وَقَالَ ابْن لُقْمَان للْمَرْأَة إِن لي حَاجَة فَخرج إِلَى الشَّيْخ فَقَالَ الْمَرْأَة فِي الْبَيْت وَأَنا عنْدك قَالَ ائْتِنِي بمجمرة فِيهَا جمر فَأَتَاهُ بهَا ابْن لُقْمَان فَعمد إِلَى رَأس الْحَيَّة الَّتِي قتل عِنْد الشَّجَرَة فَجَعلهَا على المجمرة ثمَّ قَالَ انْطلق بهَا فاجعلها تَحت الْمَرْأَة فَإِذا برد فائتني بهَا فَفعل بهَا ابْن لُقْمَان فَقَالَ اجعلي هَذَا تَحْتك فَفعلت فَلَمَّا طفئ الْجَمْرَة أخرجهَا فَذهب ابْن لُقْمَان بهَا إِلَى الشَّيْخ فَإِذا شبه الدودة محترقة فِي المجمرة فَقَالَ إذهب إِلَى أهلك فَلَا بَأْس عَلَيْك فَإِن هَذِه الَّتِي كَانَت تقتل الرِّجَال فَانْطَلق إِلَى أَهله فَأصْبح قرير عين وأصبحت فرحة وتفرق الَّذين كَانُوا حفوا بِالْبَيْتِ فَلَمَّا أَرَادَ ابْن لُقْمَان أَن يرتحل قَالَ لَهُ الشَّيْخ أَيْن تُرِيدُ قَالَ غريما لنا فِي سَاحل بَحر
стр. 887
كَذَا وَكَذَا أُرِيد أَن آتيه فأقبض حَقنا قبله قَالَ فَهَل لَك فِي صَحَابَتِي قَالَ أحب صَاحب
فَانْطَلق مَعَه حَتَّى إِذا قدما السَّاحِل سَأَلَا عَن غريمهما فَقَالَ أهل الْبَلَد ذَاك لص ملط فَاجر وَكَانَ قد عمد إِلَى قصر فبناه على سَاحل الْبَحْر يمد الْبَحْر حِين يمد فَلَا يتْرك حول الْقصر شَيْئا إِلَّا احتمله لَا يخلص إِلَى الْقصر وَلَا إِلَى من فِيهِ فَأَتَاهُ ابْن لُقْمَان وَقَالَ لَهُ حَقنا عَلَيْك فَقَالَ مرْحَبًا بَيْتا اللَّيْلَة ثمَّ اغدوا على مالكما فَقَالَ ابْن لُقْمَان فِي نَفسه هَذَا الَّذِي مَنَعَنِي عَنهُ أبي مَا أُرِيد أَن أَبيت اللَّيْلَة قَالَ الشَّيْخ مَا تعرض عَلَيْهِ قَالَ أعرض عَلَيْكُمَا أَن تبيتا اللَّيْلَة ثمَّ تغدوا على مالكما قَالَ افْعَل يَا بني قَالَ مَا أُرِيد ذَاك قَالَ أَقْسَمت عَلَيْك لتفعلن قد أنسأته أطول من لَيْلَة فَلَا تنسئه لَيْلَة فَوَافَقَ ابْن لُقْمَان هَوَاهُ وَذكر الَّذِي عوفي من الشَّجَرَة وَالْمَرْأَة فباتا
فَلَمَّا فرغ من عشائهما عمد إِلَى وطاء تَحت الْقصر ففرش لَهما على سريرين وَقد علم أَن المَاء إِذا جَاءَ احتملهما وَعمد إِلَى ابْن لَهُ فأضجعه على سَرِير فَوْقهمَا فِي مَكَان قد علم أَن المَاء لَا يبلغهُ فرقد ابْن لُقْمَان وأبى الشَّيْخ أَن ينَام
فَلَمَّا كَانَ فِي جَوف اللَّيْل أقبل الْبَحْر فَلَمَّا رَآهُ الشَّيْخ أيقظ ابْن لُقْمَان فاحتملا سريرهما فجعلاه مَكَان سَرِير الْغُلَام وحملا سَرِير الْغُلَام وَهُوَ نَائِم فوضعاه مَوضِع سريرهما وَأَقْبل الْبَحْر فَاحْتمل الْغُلَام بسريره فَذهب بِهِ وَلم يخلص إِلَيْهِمَا
فَلَمَّا أصبحا اطلع صَاحب الْقصر ينظر مَا فعل غريماه فَإِذا هما نائمان وَإِذا ابْنه قد ذهب فناداهما فَقَالَ مكرت بكما وحاق بِي الْمَكْر فاغدوا على مالكما فَغَدوْا على مَالهمَا فانتقداه ثمَّ انصرفا إِلَى الْمَرْأَة فَأمرهَا ابْن لُقْمَان بالرحيل فارتحلت فَإِذا أَكثر مَال قَومهَا لَهَا
стр. 888
مِمَّا كَانَت تصيب من الْأزْوَاج فارتحلت بِمَال عَظِيم من أَصْنَاف المَال وَأَقْبل مَعَه الشَّيْخ حَتَّى إِذا شارفا منزل لُقْمَان قَالَ الشَّيْخ لِابْنِ لُقْمَان أَي صَاحب وجدتني فِي سفرك قَالَ خير صَاحب كف الله بك ورزق قَالَ أفما لي فِيمَا أصبت نصيب قَالَ بلَى نصفه لَك طيبَة لَك بِهِ نَفسِي قَالَ فإمَّا أَن تقسم وتخيرني وَإِمَّا أَن أقسم وأخيرك قَالَ ابْن لُقْمَان لَا بل اقْسمْ وخيرني فَعرف الشَّيْخ هوى ابْن لُقْمَان فِي الْمَرْأَة فَعمد إِلَيْهَا وَإِلَى شَيْء يسير من مَالهَا فَعَزله وَعمد إِلَى عَظِيم المَال فَتَركه
ثمَّ قَالَ لِابْنِ لُقْمَان اختر قَالَ ابْن لُقْمَان أما إِنَّك عدلت وأنصفت حِين خيرت فَإِن كنت فعلت مَا فعلت أخْتَار الْمَرْأَة وَمَا مَعهَا فارتحل ابْن لُقْمَان بِالْمَرْأَةِ وَمَا مَعهَا وَقَامَ الشَّيْخ فِي عَظِيم المَال
فَلَمَّا سَار ابْن لُقْمَان وَكَاد أَن يتغيب عَن الشَّيْخ أدْركهُ فَقَالَ أَعْطَيْتنِي مَالك فَبِمَ ذَاك لَعَلَّك تخوفت مني شَيْئا قَالَ ابْن لُقْمَان وَمَا عَسَيْت أَن أَتَخَوَّف مِنْك وَلَكِن لَا يذكر صَاحب من صَاحب أفضل مِمَّا أذكر مِنْك وَسَأَلتنِي قَالَ أتعطيني ذَاك طيبَة بِهِ نَفسك قَالَ نعم قَالَ فَاذْهَبْ فلك أهلك وَمَالك بَارك الله فِيك لست من الْبشر أَنا أَمَانَة أَبِيك الَّذِي كَانَ يأتمن بهَا النَّاس بَعَثَنِي الله لأصحبك فِي طريقك ثمَّ أردك إِلَى أَبِيك صَالحا فاطمئن فِي مَالك مُبَارَكًا لَك فِيهِ فَصَاحب الْأَمَانَة المحافظ عَلَيْهَا فِي أَمَان الله حَيْثُ مَا انْقَلب
وَقَالَ ﷺ (أول مَا يرفع من النَّاس الْأَمَانَة)
فالأمانة من الْإِيمَان بِمَنْزِلَة الْقلب من الْجَسَد فَإِذا مَال الْقلب إِلَى
стр. 889
شَيْء مَال الْجَسَد إِلَى مَا مَال إِلَيْهِ الْقلب فالإيمان يشدد عقد الْقلب ويؤكد عزمه وَيُقَوِّي ضَمِيره وَالْأَمَانَة فِي الْإِيمَان بِمَنْزِلَة الْعِمَاد فَإِذا وَهن الْعِمَاد يتضع صَاحبه بسقم الْإِيمَان وَذهب بقوته فَإِذا جَاءَت الْخِيَانَة رفعت الْأَمَانَة لِأَنَّهَا ضدها وَلنْ يجتمعا وَإِذا رفعت الْأَمَانَة سقم الْإِيمَان
قَالَ ﷺ (يَا سُلَيْمَان قل اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك صِحَة فِي إِيمَان وإيمانا فِي حسن خلق ونجاحا يتبعهُ فلاح)
وَالْإِيمَان عَطِيَّة من الْمِنَّة وَالْأَمَانَة فِي الْإِيمَان هَدِيَّة من الْجُود فَإِذا ضَاعَت الْهَدِيَّة ذهب بهاء الْعَطِيَّة افْتقدَ صَاحبه زينته وحلاوته ولذاذته وذبلت النَّفس واستراحت وَإِذا ذهب بهَا الشَّيْء وثقلت عَن الْمُحَافظَة عَلَيْهَا وَذهب قُوَّة الْقلب لذبول النَّفس وثقلها فَحلت الْخِيَانَة محلهَا والخيانة فِي اللُّغَة كل شَيْء يعْمل من وَرَاء وَهِي مكر النَّفس فَإِنَّهَا لما لم تقدر على أَن تسْتَقْبل الْقلب صبرا بِالَّذِي هويت من الْمعْصِيَة أسرته من الْقلب والتمست الْغرَّة والغفلة من الْقلب فأوجدته اللَّذَّة الَّتِي وجدت فاستولت على الْقلب بسُلْطَان اللَّذَّة فِي وَقت غفلته عَن الله تَعَالَى وَانْقِطَاع المدد من رأفة الله تَعَالَى وإقباله عَلَيْهِ بِأَسْبَاب الْعِصْمَة فأمكنته أسره إِيَّاهَا لِأَن الْقلب أَضْعَف مَا يكون فِي وَقت الْغَفْلَة فتوجده شرا ومكرا تخادعه بهَا وتزين لَهُ وتموه عَلَيْهِ
وَالْأَمَانَة قرينها الْيَقِين وَإِنَّمَا ضَاعَت من قبل النَّفس وَلَيْسَ شَيْء أعز من الْيَقِين وَلَا أقل مِنْهُ وَإِذا عز الْيَقِين وَقل كثر الشَّك وتذبذب الْقلب وإرتحلت الْأَمَانَة إِلَى المبدأ وحلت الْخِيَانَة محلهَا فَكيف ينْتَفع العَبْد بِإِيمَان فِي جَوْفه الْخِيَانَة مَكَان الْأَمَانَة كَمَا كَانَ الْيَقِين علاوته فَمَا ظَنك
стр. 890
بِشَيْء ذهب علاوته وبجسد قطع رَأسه أَلَيْسَ قد ذهبت حواسه فَلَا يبصر وَلَا يسمع وَلَا ينْطق وَلَا يجد الروائح فَكَذَا من إفتقد الْيَقِين لم يسمع عَن الله مَا خاطبه وَلَا أبْصر مَا كشف لَهُ وَأرَاهُ وَلَا ينْطق عَن الله بِحِكْمَتِهِ وَلَا وجد الرّيح الطّيب الَّذِي طيبه الله بِهِ وبذهاب الْيَقِين يَمُوت الْقلب عَن الله تَعَالَى وَلم يمت عَن توحيده وَلذَلِك تَجدهُ مخلطا يعْمل عمل الْمُوَحِّدين وَالْمُشْرِكين والموقنين والشاكرين والجادين واللاعبين يعْمل عمل الْجد بِقُوَّة الْيَقِين الَّذِي فِي التَّوْحِيد فَأَما الْيَقِين الَّذِي هُوَ عماد الْقلب وَهِي الْأَمَانَة فِي جَوف الْإِيمَان فقد فَاتَهُ فَلذَلِك صَار مخلطا
قَالَ ﷺ (خير مَا ألقِي فِي الْقلب الْيَقِين)
وَقَالَ ﷺ (إِن عِيسَى كَانَ يمشي على المَاء وَلَو ازْدَادَ يَقِينا لمشى فِي الْهَوَاء)
وَكَانَ ﷺ يَقُول (مَا أعطي أحد من الْيَقِين مَا أَعْطَيْت أمتِي)
قَالَ (وَكَانَ عِيسَى ﵇ يَقُول مَا أنزل فِي الأَرْض شَيْء أقل من الْيَقِين)
وَأتي دَاوُد ﵇ بِصَحِيفَة مختومة بِالذَّهَب من السَّمَاء فِيهَا عشر مسَائِل وَأمر أَن يسْأَل وَلَده مِنْهَا فَمن أَجَابَهُ بِمَا فِيهَا فَهُوَ الْخَلِيفَة فَدَعَا سُلَيْمَان من بَين أَوْلَاده فَسَأَلَهُ أَي شَيْء أقل فِي الأَرْض
قَالَ الْيَقِين
قَالَ فَأَي شَيْء أَكثر
стр. 891
قَالَ الشَّك
قَالَ فَأَي شَيْء آنس
قَالَ الرّوح فِي الْجَسَد
قَالَ فَأَي شَيْء أوحش
قَالَ الْجَسَد إِذا خرج مِنْهُ الرّوح
قَالَ فَأَي شَيْء أحسن
قَالَ الْإِيمَان بعد الْكفْر
قَالَ فَأَي شَيْء أقبح
قَالَ الْكفْر بعد الْإِيمَان
قَالَ فَأَي شَيْء أَمر
قَالَ الْفقر
قَالَ فَأَي شَيْء أقرب
قَالَ الْآخِرَة إِذْ هُوَ آتٍ
قَالَ فَأَي شَيْء أبعد
قَالَ الدُّنْيَا إِذا زَالَت عَنْك
قَالَ فَأَي شَيْء أشر
قَالَ الْمَرْأَة السوء
ففك دَاوُد خَاتم الصَّحِيفَة فَنظر فَإِذا هُوَ بتفسيرها فِي الْكتاب لم يُغَادر مِنْهُ حرفا فاستخلصه
وَقَالَ ﷺ (سلوا الله الْيَقِين والعافية فَإِن النَّاس لم يُعْطوا شَيْئا خيرا من الْيَقِين والعافية)
стр. 892
وَمر عبد الله بن مَسْعُود ﵁ بمصاب فَقَرَأَ عَلَيْهِ فبرأ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (مَا قَرَأت) قَالَ قَرَأت ﴿أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا﴾ الْآيَة فَقَالَ ﷺ (لَو قَرَأَهَا موقن على جبل لزال)
فأوفر النَّاس حظا من الْيَقِين أوفرهم حظا من الْأَمَانَة وأشدهم لَهُ حفظا وحراسة
قَالَ ﷺ (الْمُؤمن العَبْد حَتَّى يَأْمَن النَّاس بوائقه)
وَقَالَ ﵇ (الْمُؤمن الَّذِي يأمنه النَّاس)
وَقَالَ ﵇ الْمُؤمن فِي الدُّنْيَا على ثَلَاثَة أَجزَاء الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ثمَّ لم يرتابوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله ثمَّ الَّذِي يأمنه النَّاس على أَمْوَالهم وأنفسهم ثمَّ الَّذِي إِذا أشرف على طمع تَركه لله تَعَالَى
فَهَذِهِ ثَلَاثَة منَازِل للْإيمَان الْمنزلَة الأولى نزلها صنف آمنُوا بِاللَّه
стр. 893
إِيمَان طمأنينة لَا ريب فِيهِ وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله بأَدَاء الْفَرَائِض وَاجْتنَاب الْمَحَارِم إِلَّا أَن الرَّغْبَة فيهم بَاقِيَة وَمن كَانَت الرَّغْبَة فيهم بَاقِيَة فالخيانة فيهم كائنة فَإِن الله تَعَالَى أعْطى الْخلق الْأَرْوَاح بِمَا فِيهَا من الْحَيَاة عَارِية وَأَعْطَاهُمْ الدُّنْيَا عَارِية ووضعها ممرا للعباد ومتزودا فَمن اشْتغل قلبه بالتمتع صيره كالمستقر وَإِنَّمَا جعلهَا للزوال والانتقال عَنْهَا فَمن تشبث بِالْحَيَاةِ وَلَا يُرِيد مفارقتها وفر من الْمَوْت فقد خَان لِأَن الْعَارِية إِذا امْتنع صَاحبهَا من الْخُرُوج مِنْهَا إِلَى مَالِكهَا قهر وسلب وَسمي بامتناعه خائنا فَكَذَا الدُّنْيَا وضعت ممرا ومتزودا فَمن صيرها مُسْتَقرًّا سلب يَوْم الْخُرُوج مِنْهَا وَهُوَ خائن وَهُوَ مَعَ هَذِه الْخِيَانَة يقوم بأَدَاء الْفَرَائِض بِلَا توفير وباجتناب الْمَحَارِم بِلَا تقوى وصيانة إِنَّمَا التَّقْوَى إِذا خرجت شَهْوَة تِلْكَ الْأَشْيَاء من قلبه وَإِنَّمَا اجْتنب من خوف الْعقَاب غَدا من غير أَن يلْتَفت إِلَى صِيَانة الْمعرفَة الَّتِي فِي قُلُوبهم فَإِن قَالَ لَهُ علام الغيوب غَدا إِن معرفتي كَانَت خلعتي على قَلْبك فاجتنب محارمي شَفَقَة على جِلْدك ولحمك وَلم تلْتَفت إِلَى خلعتي فتخاف عَلَيْهَا الدنس وَالْغُبَار وَقد عظم عنْدك شَأْن جسدك وَجل قدره فباليت بِهِ واجتنبت الْمَحَارِم توقيا عَلَيْهِ لَا على خلعتي الَّتِي بهَا طَابَ جسدك فَمَاذَا يَقُول هَذَا العَبْد فَهَذَا من دناءة الْمنزلَة
الْمنزلَة الثَّانِيَة من الْإِيمَان صنف زَالَت عَنْهُم رغبتهم فاشتاقوا إِلَى دَار الله فاطمأنت نُفُوسهم وَطَابَتْ أروحهم فَأَمنَهُمْ الْخلق على أَمْوَالهم وأنفسهم وَلم يأمنوا على أديانهم فَلَا تقبل الْقُلُوب مِنْهُم مواعظهم وإشارتهم إِلَى الله وَإِنَّمَا أَمنهم النَّاس للأمانة الَّتِي فِي جَوف إِيمَانهم وَلِأَن أَرْوَاح يَتَعَارَفُونَ بِمَا تضمنه من روح الْإِيمَان فَإِذا عاينوا الْحق فِي فعل عَامل بِهِ إستنارت لَهُ قُلُوبهم وَعرفُوا أَنه الْحق فأمنت قُلُوب الْخلق واطمأنت نُفُوسهم إِلَى مَا عِنْدهم قد أمنُوا على النُّفُوس وَالْأَمْوَال وَلم يأمنوا مِنْهُ على الدّين
стр. 894
والمنزلة الثَّالِثَة من الْإِيمَان فهم قوم بلغُوا ذرْوَة الْإِيمَان وَسَماهُ ﷺ ذرْوَة لِأَنَّهُ شبه الْإِيمَان بِالْجَبَلِ وَالنَّفس كريشة طياشة تهب بهَا الرّيح فَكلما كَانَ الْجَبَل أثقل كَانَت الريشة أسكن حَتَّى إِذا بلغ العَبْد ذرْوَة الْإِيمَان كَانَ كَأَنَّهُ على قلَّة جبل وَالنَّفس تَحْتَهُ مضغوطة لَا يقدر على التحرك فَلَا يزَال كَذَلِك تَحت أثقال الْمعرفَة حَتَّى تصفو من عصارتها وتسيل مِنْهَا تِلْكَ الفضول وتيبس عَن رُطُوبَة الشَّهَوَات كَمَا يبس الْكسْب الَّذِي قد عصر تَحت الأثقال حَتَّى سَالَ دهنه وَبَقِي ثفله يَابسا فَعِنْدَ ذَلِك تجدها قد مَاتَت شهواتها وخمدت نيرانها خمودا افْتقدَ حرهَا
فَهَذَا الَّذِي قَالَ ﷺ (إِذا أشرف على طمع تَركه لله) وَإِنَّمَا قدر على ذَلِك بِقُوَّة مَا فِيهِ من الْغنى بِاللَّه فالغنى بِاللَّه فِي ذرْوَة الْجَبَل وَهُوَ أَعلَى الْإِيمَان أُولَئِكَ الَّذين يأمنهم الْخلق على دينهم فَتقبل الْقُلُوب مواعظهم وإشارتهم إِلَى الله تَعَالَى لأَنهم يَسِيرُونَ إِلَى الله وَقُلُوبهمْ بَين يَدي نور الْإِيمَان ووقاره فَإِذا نطق أحدهم استنارت الْقُلُوب لنُور مقَالَته وَإِذا شخصت أَبْصَارهم إِلَيْهِ توقرت النُّفُوس لوقاره وهدأت الْأَركان وسكنت مِنْهُم الْأَصْوَات
وَقَالَ ﷺ لما صعدت إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة إِذْ هُوَ بِرَجُل أشمط جَالس على كرْسِي عِنْد بَاب الْجنَّة وَعِنْده قوم جُلُوس بيض الْوُجُوه أَمْثَال الْقَرَاطِيس وَقوم فِي ألوانهم شَيْء فَقَامَ هَؤُلَاءِ الَّذين فِي ألوانهم شَيْء فَدَخَلُوا نَهرا فاغتسلوا فِيهِ فَخَرجُوا وَقد خلص من ألوانهم شَيْء ثمَّ دخلُوا نَهرا آخر فَخَرجُوا وَقد خلصت ألوانهم فَصَارَت مثل ألوان أَصْحَابهم فَقلت يَا جبرئيل من هَذَا الأشمط وَمن هَؤُلَاءِ وَمن هَؤُلَاءِ وَمَا هَذِه الْأَنْهَار الَّتِي دخلوها قَالَ ﵇ هَذَا
стр. 895
أَبوك إِبْرَاهِيم أول من شمط على الأَرْض وَأما هَؤُلَاءِ الْبيض الْوُجُوه فقوم لم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم وَأما هَؤُلَاءِ الَّذين فِي ألوانهم شَيْء فقد خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا فتابوا فَتَابَ الله عَلَيْهِم وَأما الْأَنْهَار فأدناها رَحْمَة الله وَالثَّانِي نعْمَة الله وَالثَّالِث وسقاهم رَبهم شرابًا طهُورا
قَوْله وَلَا دين لمن لَا عهد لَهُ فالدين اسْم جَامع مُنْتَظم لجَمِيع الْإِسْلَام إِلَّا أَن الْإِسْلَام هُوَ تَسْلِيم النَّفس إِلَى الله عبودة وترجمة الدّين هُوَ الخضوع وَأَن تجْعَل نَفسك دون أمره وَمن قبله فشرطه مَعَ الله أَن يكون كل أمره غَالِبا على قلبه وَنَفسه وشهواته وإرادته كلهَا فَمن وفى بهَا فِي جَمِيع الْأَوْقَات فَهُوَ صَادِق مُطِيع وَقد وفى لله بِمَا قبل مِنْهُ وَمن وفى بَعْضًا وضيع بَعْضًا فدينه مَنْقُوص وعَلى حسب ذَلِك يقبض الْجَزَاء من ديان يَوْم الدّين يَوْم لَيْسَ فِيهِ لأحد أَمر ليَوْم اتملك نفس لنَفس شَيْئا وَالْأَمر يَوْمئِذٍ لله
وَأما الْعَهْد فَهُوَ تذكرة الله الَّذِي وَضعه فِيمَا بَينه وَبَين الْعباد يَوْم أَخذهم للعبودة قبل خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فَلَمَّا خَرجُوا إِلَى الدُّنْيَا نَسيَه الْأَعْدَاء وَحفظه الموحدون ثمَّ غلب الْمُوَحِّدين غَفلَة على ذَلِك الْحِفْظ فوهلوا فأوفرهم حظا من الْحِفْظ أوفرهم حظا من الذّكر فالأعداء فِي غَفلَة وَمن الْغَفْلَة النسْيَان والأحباب فِي غَفلَة وَمن الْغَفْلَة الوهلة وَمن الوهلة الْخَطَايَا وَنقض الْعَهْد ودروس ذكر الْعَهْد فأوفرهم حظا من الْعَهْد أوفرهم حظا من الدّين وأشدهم انقيادا فالكافر ينسى
стр. 896
وَالْمُؤمن يغْفل فالكافر نَاس لرَبه وَنَفسه من أَيْن وَإِلَى أَيْن وَالْمُؤمن يتَرَدَّد بَين الغفلات وَالذكر فالمؤمن أَمِين الله فِي أرضه ائتمنه على مَعْرفَته وَوَضعه فِي قلبه وَجعل قلبه خزانَة لَهُ وأمنه عَلَيْهَا بِمَا فِيهَا من كنوز الْمعرفَة ووكله بحراستها من النَّفس الأمارة بالسوء وَمن الْعَدو الْحَاسِد الْقَائِم فِي ظلّ النَّفس يَرْمِي بالشَّيْء بعد الشَّيْء إِلَى النَّفس ينْتَظر مَتى يفترض النَّفس فرصتها من الْقلب وَلَيْسَ أحد أعز على الْملك وَلَا أصفى حبا لَهُ من أَمِينه الَّذِي ائتمنه على جَمِيع الْأَشْيَاء فَإِذا قَامَ العَبْد بِحِفْظ الْأَمَانَة فَهُوَ أَمِين الله فِي أرضه وَإِذا وفى بِالْقيامِ وَصدق الله فِيهِ فعين الله ترعاه وَهُوَ الْمُسْتَحق لاسم الْإِيمَان
قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الْمُتَّقِينَ فِي مقَام أَمِين﴾ فَهُوَ وَاحِد الله فِي أرضه فِي كل وَقت وَإِنَّمَا سمي جبرئيل أَمِين الله قَالَ تَعَالَى ﴿عِنْد ذِي الْعَرْش مكين مُطَاع ثمَّ أَمِين﴾
فَقَالَ أهل التَّفْسِير حل من الْأَمَانَة محلا أَن يدْخل سبعين ألف حجاب من نور بِغَيْر إِذن وائتمنه الله على وحيه فبرز اسْمه فِي السَّمَوَات بِأَنَّهُ أَمِين وَاسْتحق دُخُول الْحجب بِلَا إِذن وَفِي كل حجاب سر وَلذَلِك تَجِد مُلُوك الدُّنْيَا لَا يُطلق الدُّخُول لأحد بِغَيْر إِذن مَتى شَاءَ إِلَّا لمن ائْتمن على أسرار مَا فِي وَرَاء الْحجاب
стр. 897
- الأَصْل الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ والمائتان
-
فِي فَضِيلَة غض الْبَصَر
عَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من نظر إِلَى محَاسِن امْرَأَة فغض طرفه فِي أول نظرة رزقه الله تَعَالَى عبَادَة يجد حلاوتها فِي قلبه)
فمحاسن الْمَرْأَة مجَالِس الشَّيْطَان وَمَوْضِع زينته الَّتِي قَالَ تَعَالَى ﴿رب بِمَا أغويتني لأزينن لَهُم فِي الأَرْض﴾
فَتلك الزِّينَة يلقيها على المحاسن فَإِن وجد العَبْد فِي النظرة على غَفلَة عملت الزِّينَة الَّتِي بِيَدِهِ على عين النَّاظر عملا ينفذ إِلَى الْقلب فَيَأْخُذ الْقلب بِمَنْزِلَة السهْم المسموم إِذا خلص إِلَى الْجَسَد فقد سمه من طرف السهْم فدب فِي جَمِيع الْجَسَد فَتلك الزِّينَة الَّتِي بيد الْعَدو لَهَا سم فَإِذا أَلْقَاهَا على محَاسِن الْمَرْأَة فَإِنَّمَا يلقيها ليهيج نفوس الْآدَمِيّين
стр. 898
الَّتِي هِيَ سَاكِنة فَإِذا نظرت الْعين وحظها من الدُّنْيَا زِينَة الْأَشْيَاء وألوانها فَإِذا أخذت الزِّينَة وألوانها على غَفلَة وتخطى إِلَى مَا لم يُؤذن لَهُ فِي النّظر إِلَيْهَا أَو فِيمَا أذن لَهُ وَهُوَ غير ذَاكر لله خلصت تِلْكَ الزِّينَة الَّتِي بيد الْعَدو إِلَى النَّفس فهيجتها فَصَارَت بِمَنْزِلَة السم يدب فِي جَمِيع الْجَسَد فَإِذا تأدت إِلَى الْقلب خالطت حلاوة الْإِيمَان وحرارته فتكدر الْإِيمَان وانكسفت الْمعرفَة فَصَارَت بِمَنْزِلَة شمس صَارَت فِي كسوف فعلق الْقلب بِتِلْكَ النظرة بالمنظور إِلَيْهَا وَصَارَت كجراحة مَسْمُومَة وَالَّذِي حل بِدَاوُد ﵇ إِنَّمَا كَانَ من نظرة وَاحِدَة وَالْعَبْد أعْطى جفون الناظرين حجَّة عَلَيْهِ وقطعا لعذره وإخراسا لِلِسَانِهِ
وَفِي الْخَبَر أَن الله تَعَالَى يَقُول يَا (ابْن آدم إِن نازعتك عَيْنك فأطبق فقد جعلت لَهما طبقًا وَإِن نازعك لسَانك فأطبق فقد أَعطيتك طبقًا وَإِن نازعك فرجك فأطبق فقد أَعطيتك طبقًا) يُرِيد بِهِ الفخذين فَهَذَا من الله تأييد لعَبْدِهِ فَإِذا اسْتقْبل زِينَة الشَّيْطَان الَّتِي أعدهَا لغوايته بهَا بتأييده الَّذِي أيده بِهِ جَاءَت الْعِصْمَة بعد التأييد وسكنت النَّفس وَبَطل كيد الْعَدو وأثابه الله فِي عَاجل الدُّنْيَا ثَوابًا أَن رزقه عبَادَة يجد حلاوتها مَعَ مَا يدّخر لَهُ من ثَوَاب الْأَجَل
وَفِي الْخَبَر (مَا ترك العَبْد شَيْئا من الدُّنْيَا لله إِلَّا آتَاهُ الله خيرا مِنْهُ وَأفضل)
وَقَالَ تَعَالَى فِي قصَّة سُلَيْمَان ﵇ ﴿نعم العَبْد إِنَّه أواب﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَإِن لَهُ عندنَا لزلفى وَحسن مآب﴾
أخرجت لَهُ خُيُول من الْبَحْر منقوشة ذَوَات أَجْنِحَة فشغلته عَن صَلَاة الْعَصْر حَتَّى غربت الشَّمْس فَدخلت عَلَيْهِ حرقة الْفَوْت وَوجد من
стр. 899
ذَلِك وجدا شَدِيدا فَسخرَ لَهُ الرّيح ثَوابًا لعاجله ثمَّ أعد لَهُ ثَوَاب الْأَجَل فَقَالَ ﴿وَإِن لَهُ عندنَا لزلفى وَحسن مآب﴾
فَمن غض بَصَره فقد رد حلاوة هَاجَتْ مِنْهُ حِين أحست نَفسه بالنظرة الأولى الَّتِي كَانَت لَهُ فَرد تِلْكَ الْحَلَاوَة على النَّفس فَرَجَعت النَّفس قهقرى على عقبيها وَبقيت خزانَة الله مصونة فأعقبه الله تَعَالَى فِي عَاجل دُنْيَاهُ بِمَا صان خزانته فأهاج من الخزانة من شرارات الْمعرفَة حلاوة عبَادَة طرية وخلصه من وبال النظرة وَجعل تِلْكَ الْعِبَادَة حصنه وَتلك الْعِبَادَة زَاد قلبه يقطع بهَا مَسَافَة العبودة أَيَّام الْحَيَاة وحلاوة الْعِبَادَة تحفة من الله تَعَالَى وَأَصلهَا من هيجان الْمعرفَة فالعبادة كَثِيرَة وحلاوته عزيزة لَا تنَال إِلَّا من طَرِيق التحف فَهِيَ زَاد قُلُوب العابدين وبالزاد يقطع الْأَسْفَار أسفار الملكوت
قَالَ ﷺ (أحب الْعُيُون إِلَى الله تَعَالَى عينان عين غضت عَن محارم الله وَعين حرست فِي سَبِيل الله) وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم ويحفظوا فروجهم﴾
فَخرجت مخرج النَّصِيحَة والعطف والتأييد وَقَالَ فِي سَائِر الْأَشْيَاء افعلوا وَلَا تَفعلُوا وَبَين الْأَمر وَالْقَوْل بون بعيد فَوجدَ السَّابِق سَبِيلا إِلَى صفاء الِانْتِهَاء والمقصد سَبِيلا إِلَى الِانْتِهَاء مَعَ التَّنَازُع قَالَ تَعَالَى ﴿يعلم خَائِنَة الْأَعْين وَمَا تخفي الصُّدُور﴾
стр. 900
والمقصد حَظه مِنْهُ مَا يتَخَلَّص من خِيَانَة الْعين وَمَا فِي الصُّدُور بَاقٍ
وَكَانَت أم سَلمَة ومَيْمُونَة ﵄ عِنْد رَسُول الله ﷺ فَدخل عَلَيْهِ ابْن أم كتوم فَقَالَ ﷺ احتجبا مِنْهُ فَقَالَتَا يَا رَسُول الله أَلَيْسَ هُوَ أعمى لَا يُبصرنَا وَلَا يعرفنا فَقَالَ ﷺ (أفعمياوان أَنْتُمَا ألستما تبصرانه)
وَقَالَ تَعَالَى وَإِذ سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعا فَاسْأَلُوهُنَّ من وَرَاء حجاب ثمَّ قَالَ ﴿ذَلِكُم أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾
اعْلَم أَن المبتغى مِنْهُم طَهَارَة الْقُلُوب وَإِنَّمَا تطهر الْقُلُوب بِحِفْظ الْحَواس المؤدية الْأَخْبَار إِلَى الْبَاطِن وَقد حذر الله عباده شَأْن الزناة وعظمه وَبَين عُقُوبَته وَبَين الرَّسُول أَن لكل جارحة مِنْهُ حظا
قَالَ ﷺ (الْعين تَزني وَالْيَد تَزني وَالرجل تَزني والسمع يَزْنِي وَيصدق ذَلِك كُله ويكذبه الْفرج)
стр. 901
فتكذيب الْفرج إياهن أَن لَا يُوجب حدا فَأَما الأدناس والآثام فقد أَصَابَت الْجَوَارِح وحلت بِهِ
قَالَ خَالِد بن عمرَان لَا تتبعن الْبَصَر وَالنَّظَر فَرُبمَا نظر العَبْد نظرة ينفل فِيهَا قلبه كَمَا ينفل الْأَدِيم فِي الدّباغ فَلَا ينْتَفع بِهِ
قَالَ ﷺ (النّظر إِلَى محَاسِن الْمَرْأَة سهم من سِهَام إِبْلِيس مَسْمُوم فَمن صرف بَصَره عَنْهَا رزقه الله تَعَالَى عبَادَة يجد حلاوتها)
وَقَالَ عِيسَى ﵇ إياك والزناء فَإِنَّهُ من غضب الرب وَإِنَّمَا يثيره النّظر والشهوة واتباعهما وَلَا تكونن حَدِيد النّظر إِلَى مَا لَيْسَ لَك فَإِنَّهُ لن يَزْنِي فرجك مَا حفظت عَيْنك وَإِن اسْتَطَعْت أَن لَا تنظر إِلَى ثوب الْمَرْأَة الَّتِي لَا تحل لَك فافعل وَلَا تَسْتَطِيع ذَلِك إِلَّا بِاللَّه
وَعَن عَليّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن لَك من الْجنَّة كنزا وَإنَّك ذُو قرنيها فَلَا تتبعن من النظرة النظرة فَإِن لَك الأولى وَلَيْسَت لَك الْأُخْرَى)
فَمَعْنَى الْكَنْز فَاطِمَة وقرنيها الْحسن وَالْحُسَيْن ﵃ صيرها بِمَنْزِلَة الْكَنْز لِأَن الْكَنْز مَوْضُوع مَسْتُور إِلَيْهِ الموبل وَسَائِر المَال ظَاهر يذهب وَيَجِيء والكنز أصل المَال فَشبه فَاطِمَة ﵂ من نعيم الْجنَّة بالكنز من المَال ثمَّ قَالَ وَأَنت ذُو قرنيها نسب
стр. 902
القرنين إِلَى فَاطِمَة ﵂ وَمَعْنَاهُ أَن الْحسن وَالْحُسَيْن ﵄ قرناها وَإنَّك يَا عَليّ ذُو القرنين أَي تَجِد الْحسن وَالْحُسَيْن وهما سيد أهل الْجنَّة لَك ولدا
وَقَالَ ﷺ (أَربع نسَاء سيد نسَاء الْعَالمين مَرْيَم وآسية وَخَدِيجَة وَفَاطِمَة)
وَقَالَ (إِنَّمَا فَاطِمَة بضعَة مني) وَقَالَ لَهَا عِنْد مَوته (إِنَّك أسْرع النَّاس لُحُوقا بِي) فَضَحكت
فبشر عليا ﵁ بِأَنَّهَا لَك فِي الْجنَّة ثمَّ أوصاه على أثر الْبُشْرَى وَصِيَّة الرُّسُل على التلطف يحذرهُ إتباع النظرة النظرة لِئَلَّا يطمس وَجه الْكَنْز وَلَا يُغير مَا بِهِ من نعْمَة الله فَإِنَّهُ يحْتَاج إِلَى التَّطْهِير فِي شَأْن الْوُصُول إِلَى الْكَنْز وَكَانَ ﷺ إِذا خص أحدا من أَصْحَابه بموعظة وتحذير فَإِنَّمَا يقْصد قصد النكبة الَّتِي يخَاف عَلَيْهِ مِنْهَا وَكَانَ الْغَالِب على قلب عَليّ كرم الله وَجهه محبَّة الله والمحبة تسير إِلَى الله فِي ميدان السعَة والتشجيع فِي الْأُمُور والمحبة لَهَا حلاوة
стр. 903
وحرارة تهيج الشَّهْوَة وتذيب مَاء الصلب فحذره ﵇ مَا كَانَ يخَاف عَلَيْهِ فبشره بالكنز والقرنين ثمَّ أتبعه الْوَصِيَّة وحذره كي يشفق على مَا بشره لَهُ فِي الْجنَّة وَيكون عونا على غض بَصَره ورد نَفسه
قَالَ ﷺ (لَأُعْطيَن رايتي غَدا لرجل يحب الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله)
فَشهد لَهُ الرَّسُول بحب الله إِيَّاه وبحب الله والمرء ينْسب إِلَى مَا يكون الْغَالِب عَلَيْهِ من الْأُمُور والأعمال فَكَذَلِك من الحظوظ إِنَّمَا ينْسب أَصْحَاب الْقُلُوب كل إِلَى مَا وفر لَهُ من الْحَظ من ذَلِك الشَّيْء فَأَبُو بكر مَنْسُوب إِلَى الرَّحْمَة وَعمر مَنْسُوب إِلَى الْحق وَعُثْمَان مَنْسُوب إِلَى الْحيَاء وَعلي مَنْسُوب إِلَى الْمحبَّة وَإِنَّمَا نسب كل وَاحِد مِنْهُم إِلَى مَا هُوَ الْغَالِب عَلَيْهِ وَكَانَ عَليّ كرم الله وَجهه ظَاهر الْأَمر من بَين الْأَصْحَاب فِي شَأْن الثَّنَاء على الله تَعَالَى وَذكر الصِّفَات وَهَذَا علم المحبين وَكَانَ مَعْرُوفا بالانبساط والانطلاق والهشاشة إِلَى الْخلق والمزاح حَتَّى قَالَ عمر ﵁ فِي حَقه إِنَّه رجل تلعابة وَقَالَ مرّة أُخْرَى بِهِ دعابة
وَهَذَا لمن الْغَالِب على قلب محبَّة الله تَعَالَى لِأَن الْقلب ينبسط عِنْد الْمحبَّة وينقبض عِنْد المخافة فَإِذا غلبت الْمحبَّة على الْخَوْف انبسط وَإِذا غلب الْخَوْف على الْمحبَّة انقبض لِأَنَّهُ يُلَاحظ العظمة وَفِي وَقت الانبساط يُلَاحظ جوده وَكَرمه فَكَانَ انبساط عَليّ ﵁ إِلَى الْخلق ومعاملته إيَّاهُم حسب ذَلِك من السعَة والبشر
стр. 904
والهشاشة وبتلك الْقُوَّة أمكنته الْمُحَاربَة وتشجع فِيهِ وَمن كَانَت هَذِه صفته كَانَت شَهْوَته هائجة وَكَانَ قرما فِي أَمر النِّسَاء وَكَانَ يَقُول كنت رجلا مذاء فَكنت أَغْتَسِل فِي الْيَوْم مَرَّات حَتَّى شجئت وَكنت أستحيي أَن أسأَل رَسُول الله ﷺ من أجل ابْنَته فَأمرت الْمِقْدَاد أَن يسْأَله فَسَأَلَهُ فَقَالَ يجْزِيك الْوضُوء
وَكَانَ قد هم أَن يتَزَوَّج عَليّ فَاطِمَة ﵂ حَتَّى خطب رَسُول الله ﷺ على الْمِنْبَر فَقَالَ إِن بني الْمُغيرَة استأذنوني فِي أَن ينكحوا ابنتهم من عَليّ وَإِن فَاطِمَة بضعَة مني يُؤْذِينِي مَا آذاها أَلا فَإِنِّي لَا آذن ثمَّ لَا آذن
وَكَانَ عَليّ ﵁ يُرِيد أَن يخْطب العوراء بنت أبي جهل فَقَالَ ﷺ (وَمَا كَانَ لعَلي أَن يجمع بَين ابْنة نَبِي الله وَابْنَة عَدو الله وَإِن فَاطِمَة بضعَة مني يغضبني مَا أغضبها)
وَوَقعت فِي سَهْمه يَوْم فتح مَكَّة جَارِيَة من سبي هوزان فَذهب بهَا مستعجلا إِلَى أُخْته أم هَانِئ لتزينها فهم فِي ذَلِك إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُول الله ﷺ خلوا عَن السبايا فَبَقيَ على قَارِعَة الطَّرِيق وَدخلت أم أَيمن على فَاطِمَة ﵂ فرأت فِي وَجههَا شَيْئا أنكرته فسألتها فَأَبت أَن تخبرها فَقَالَت إِن أَبَاك كَانَ لَا يكتمني شَيْئا فَقَالَت جَارِيَة وَهبهَا أَبُو بكر لعَلي فَخرجت أم أَيمن فنادت أما لرَسُول الله حق أَن يحفظ من أَهله فَقَالَ عَليّ ﵁ مَا هَذَا فَقَالُوا لَهُ أم أَيمن تَقول كَذَا فَقَالَ عَليّ ﵁ الْجَارِيَة لفاطمة ﵂ وَمَات يَوْم مَاتَ عَن سبع عشرَة من بَين حرَّة وَأم ولد وَكَانَ هَذَا كُله من غَلَبَة مَا ذكرنَا على قلبه
стр. 905
وَقد حذره ﷺ النكبة الَّتِي عرفهَا فِيهِ وعرفه خطرها ووبالها
وَكَانَ من شَأْنه ﷺ إِذا عرف من رجل شَيْئا يخَاف عَلَيْهِ مِنْهُ وعظه من ذَلِك الْبَاب وَلِهَذَا أَخذ بِطرف عِمَامَة الزبير وَقَالَ (يَا زبير إِنِّي رَسُول الله إِلَيْك خَاصَّة وَإِلَى النَّاس عَامَّة يَا زبير إِن الله تَعَالَى يَقُول أنْفق أنْفق عَلَيْك وَلَا تصر فأصر عَلَيْك)
هُوَ إِنَّمَا قَصده بِهَذَا لِأَن الزبير كَانَ يزن ببخل وَبلغ من إِمْسَاكه أَنه كَانَ يُوصي إِلَيْهِ أفاضل أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فِي أَمْوَالهم لعلمهم بإمساكه
стр. 906
- الأَصْل الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ والمائتان
-
فِي فَضِيلَة صَوْم شهر رَمَضَان
عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (إِن شهر رَمَضَان شهر فرض الله على الْمُسلمين صِيَامه وسننت لكم قِيَامه فَمن صَامَهُ وقامه إِيمَانًا واحتسابا خرج من الذُّنُوب كَيَوْم وَلدته أمه)
(صَامَهُ إِيمَانًا) أَي آمن بِمَا افْترض الله عَلَيْهِ ثمَّ صَامَهُ على تِلْكَ النِّيَّة وَالصَّوْم والعزم عَن الْكَفّ عَن كل شَيْء يطعم وَيشْرب وَعَن إتْيَان النِّسَاء وَهَذَا الْعَزْم عَن الْكَفّ عَن كل شَيْء يطعم وَيشْرب وَعَن إتْيَان النِّسَاء وَهَذَا الْعَزْم بَين العَبْد وَبَين ربه لَا يطلع عَلَيْهِ أحد فَهُوَ فِي كل سَاعَة من يَوْمه إِذا اعترضت لَهُ شَهْوَة فَإِنَّمَا يمْتَنع مِنْهَا لإيمانه بِأَن الله تَعَالَى مطلع على سره وإضماره فَذَاك مِنْهُ إِيمَان فِي كل وَقت
стр. 907
وَسَاعَة فِي رد كل شَهْوَة مَعَ طمأنينة نَفسه بإن الله تَعَالَى يعلم عزمه وضميره فِي هَذَا الْكَفّ فيستقر لذَلِك قلبه ويعظم أمله هَذَا أكله إِيمَان
وَقَوله ﷺ (إِيمَانًا واحتسابا) فَكل عمل ابْن آدم إِنَّمَا يقوم بِالنِّيَّةِ والحسبة وَالنِّيَّة قربتان تجريان فِي الْأَعْمَال مَعًا فَإِذا انْقَطَعت النِّيَّة انْقَطَعت الْحِسْبَة وَالنِّيَّة نهوض الْقلب إِلَى الله تَعَالَى وبدؤها الخاطرة ثمَّ الْمَشِيئَة ثمَّ الْإِرَادَة ثمَّ النهوض ثمَّ اللحوق إِلَى الله تَعَالَى بعقله وَعلمه وذهنه وهمته وعزمه وإضماره فههنا تتمّ النِّيَّة وَمن هَهُنَا يخرج إِلَى الْأَركان فَيظْهر على الْجَوَارِح فعله فمبدأ النِّيَّة نهوض الْقلب ومنتهاه عزمه ثمَّ الارتحال يُقَال ناء ينوء أَي نَهَضَ والعزم عقد الْقلب وَلَا يكون نِيَّة إِلَّا بِالْعقدِ فَإِذا صَحَّ الْعَزْم خرج الرِّيَاء وَالْفَخْر وَالْخُيَلَاء من جَمِيع أَعماله
ثمَّ النَّاس بعد ذَلِك على طَبَقَات فالعامة لَا بُد لَهُم من أَن يَأْتُوا بِهَذِهِ الصّفة فِي كل عمل يَلْتَمِسُونَ ثَوَابه غَدا وَذَلِكَ مَوْجُود فِي الْعَامَّة من الْمُوَحِّدين فِي كل عمل أخلصوه لله تَعَالَى فَهَذِهِ الْخِصَال مَوْجُودَة فِي ذَلِك الْعَمَل إِلَّا أَنه لَا يحسن أَن يُمَيّز هَذَا الِاسْم ويطالعه بِقَلْبِه فِي صَدره لِأَن الصَّدْر مشحون بِأَفْعَال النَّفس وفتنها ووساوس شهواتها فَمن أَيْن يبصر فِي صَدره الخواطر والمشيئآت والإرادات والنهوض والإرتحال إِلَّا أَن الله لما رحم الْمُوَحِّدين وَمن عَلَيْهِم بِالتَّوْحِيدِ ضمن هَذِه الْأَشْيَاء توحيدهم وأودعها قُلُوبهم فهم بِتِلْكَ الْقُوَّة يعْملُونَ أَعمال الْبر فَرُبمَا أَخْلصُوا وَرُبمَا خلطوا وَرُبمَا إطمأنوا وَرُبمَا نافقوا وَلذَلِك وَقع الْحساب فِي الْموقف لتخلط الْإِيمَان بالنفاق والصدق بِالْكَذِبِ وَالْإِخْلَاص بشرك الْأَسْبَاب
وَإِنَّمَا يستبين مَا وَصفنَا لقلب أجرد أَزْهَر فِي صدر فسيح قد شَرحه الله لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ على نور من ربه رطب بِذكر الله قد لَان بِلُطْفِهِ
стр. 908
وَرطب برحمته وصلبت بآلائه وَبِذَلِك وَصفه ﷺ فَقَالَ (قلب الْمُؤمن أجرد أَزْهَر)
فصدره كمفازة جرداء فِيهَا شموس تزهر وَلِهَذَا قَالَ ﷺ (إِن لله فِي الأَرْض أواني أَلا وَهِي الْقُلُوب فَخَيرهَا أصفاها وأرقها وأصلبها)
فأصفاها من كدورة الْأَخْلَاق وأرقها للإخوان وأصلبها فِي ذَات الله تَعَالَى
فَأَما النَّاس فِي النِّيَّة على طَبَقَات فنية الْعَامَّة ارتحالهم إِلَى الله بِهَذَا الْعقل وَالْعلم والذهن والهمة والإضمار والعزم ومبلغ ارتحالهم الجو إِذْ لَيْسَ لقُلُوبِهِمْ من الْقُوَّة مَا يرتحلون ويطيرون لِأَنَّهُ لَا ريش لقُلُوبِهِمْ فيطيرون والجو مسدود لِأَن الْقُلُوب لما مَالَتْ إِلَى النُّفُوس فأطاعتها انسد طريقها إِلَى رَبهَا لِأَن الْقُلُوب إِنَّمَا أَعْطَيْت معرفَة التَّوْحِيد وَمن عَلَيْهَا بذلك لتمد النَّفس بِمَا فِيهَا من الشَّهَوَات إِلَى الله فتطيعه فتمت حجَّة الله على الْقلب بِمَا أعْطى من الْقُوَّة الْبَالِغَة فَلَمَّا ضعف وَلم يتشمر لأمر الله بِمَا أعطي من الْجنُود وَلم يُجَاهد النَّفس حَتَّى يغلبها ويأسرها بِجَمِيعِ مَا فِيهَا من الشَّهَوَات فيذلها وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده هُوَ اجتباكم﴾
أَي رفعكم من بَين الْأَعْدَاد جباية مِنْهُ لكم ليتخذكم أحبابا وَوضع
стр. 909
فِي قُلُوبكُمْ التَّوْحِيد بحلاوته كي إِذا جَاءَت النَّفس بحلاوة شهواتها إِلَى الْقلب ضربت بِتِلْكَ الْحَلَاوَة وَجههَا وردهَا بِقُوَّة هَذِه الْحَلَاوَة الْمَمْنُون عَلَيْهِ فَإِذا لم يُجَاهد وانخدع لنَفسِهِ وَبِمَا تَأتي بِهِ تحيرت الْجَوَارِح وتعطلت الْأَعْمَال الَّتِي بهَا وكلوا
فهناك تَجدهُ لَا يلتذ بِطَاعَة وَلَا يستروح إِلَى ذكر إِذْ لَا يجد رَائِحَة الذّكر لِأَنَّهُ يخرج من صدر كالمزابل محشو بالخبث والخيانة وَالظُّلم والعدوان وَالرَّغْبَة والتجبر والتعزز والتكبر والاستبداد والحقد والغلو وَحب الْأَشْيَاء الَّتِي يضاهي الله بهَا وينازع رِدَاءَهُ فيرجو صَاحبه أَن يلتذ بِطَاعَة أَو يستروح إِلَى ذكر أَو يُجَاوز قلبه فِي عمله فَإِن اجْتهد فأخلص فِي شَيْء وَأخذ بِحرْمَة ذَلِك التَّوْحِيد وقوته فبجهد شَدِيد وَلَا يُجَاوز قلبه الجو فَهَذَا شَأْن الْعَامَّة
وَأما الصادقون وهم الْعباد والزهاد والقراء فنياتهم صاعدة عَن هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي ذكرنَا من الْعقل وَالْعلم والفهم والهمة والعزم والإضمار فَإِذا بلغ الْمحل الَّذِي هُنَاكَ اسْتَقر الْقَرار فِي بَيت الْعِزَّة فِي سَمَاء الدُّنْيَا وضعفوا عَن تجَاوز ذَلِك إِلَى مَا فَوْقه لِأَنَّهُ لَا يقدر قلبه على الطيران إِلَى العلى وعَلى قدر علمه وعقله وذهنه واستعماله ذَلِك يُمكنهُ أَن يطير فتحظى تِلْكَ النُّفُوس من ذَلِك الْمحل وَيَأْخُذ قوتها وَيسْتَمر فِي الطَّاعَة
وَأما العارفون وهم الصديقون فَإِن نياتهم قد صَارَت كلهَا نِيَّة وَاحِدَة لِأَن الْقلب قد ارتحل إِلَى الله تَعَالَى بِمرَّة وَوجد الطَّرِيق واشتغل بِالنَّفسِ بِمَا فِيهَا من الشَّهَوَات لينَة منقادة قد تحولت من الْخِيَانَة إِلَى الْأَمَانَة وانقادت للقلب فالقلب أَمِير وَالنَّفس أَسِير فارتحال قُلُوبهم إِلَى المعسكر عِنْد ذِي الْعَرْش وَلَهُم مطاف وأعمالهم معروضة على الله فِي كل معرج وَينظر إِلَيْهَا الرب ويتقبلها ثمَّ تُوضَع بعد الْقبُول فِي الخزائن الْخَاصَّة
стр. 910
وَأما العارفون حكماء الله فهم الَّذين أطلعوا على بَدو الربوبية وَمحل الْقُدْرَة فهم خَاصَّة الله من بحور الله يعْملُونَ جَمِيع الْأَعْمَال والأعمال غَائِبَة عَن الْقُلُوب لِأَن الله تَعَالَى نصب أَعينهم فِي مجْلِس الْملك فأجمل رَسُول الله ﷺ ذكر النِّيَّة فَقَالَ (الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امْرِئ مَا نوى) يعلمك إِن للنِّيَّة دَرَجَات كل على دَرَجَته ينَال ثَمَرَتهَا
وَقَالَ ﷺ (لاعمل لمن لَا نِيَّة لَهُ وَلَا أجر لمن لَا حسبَة لَهُ)
والحسبة أَن يحْتَسب على الله تَعَالَى من العبودة الَّتِي قبل مِنْهُ لِأَن العَبْد فِي رق الْعُبُودِيَّة إِلَى يَوْم خُرُوجه من الدُّنْيَا لِأَنَّهُ خلقه ليعبده ثمَّ وعده أَن يحرره يَوْم الْقِيَامَة إِذا أَتَاهُ بالعبودة فيقعده ملكا فِي دَار السَّلَام قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾
فَنحْن نسعى فِي هَذَا الرّقّ إِلَى يَوْم خُرُوج الرّوح وَقبض النَّفس عَن الدُّنْيَا فَمن أَرَادَ الْآخِرَة وسعى لَهَا سعيها وَهُوَ مُؤمن فَأُولَئِك كَانَ سَعْيهمْ مشكورا شكر الله لَهُم بمغفرة الذُّنُوب والرضاء عَنْهُم
стр. 911
وتمليكهم الْجنان وَقَضَاء المنى والشهوات على التأييد ورضوان من الله أكبر وَإِذا آمن العَبْد بربه ألْقى بيدَيْهِ سلما إِلَيْهِ وَقبل أمره وعبودته قبله الله وَأَقْبل عَلَيْهِ بالعون قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا﴾ أَي من العون والنصرة
وَإِذا أعرض مغترا بخدائع النَّفس وأمانيها وأكاذيبها فَأقبل على النَّفس وَقبل مِنْهَا مَا تَأتي بِهِ فقد أعرض عَن الله تَعَالَى وَمَال عَنهُ وَأعْرض الله عَنهُ وعذب قلبه وَانْقطع المدد والعون فَإِذا تَابَ إِلَى الله وفزع وأدركه رَحْمَة الله وغوثه بِأَن فتح بَاب الرَّحْمَة نظرا مِنْهُ لمنته وأياديه الَّتِي كَانَت لَهُ عِنْد العَبْد فَوجدَ الْقلب خلاصا وَعَاد العون والمدد فَلم يزل العَبْد يترقى دَرَجَة دَرَجَة وتفضل الله عَلَيْهِ بِالْكَرمِ وجاد بالإقبال فانتعش بعد النكس وحيى بعد الْمَوْت حَتَّى توردت بساتين توحيده وانفطر مَكْنُون جواهره كانفطار الْيَنَابِيع وانغلاق الْحُبُوب عَن بذرها وازدهرت وأينعت وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فالق الْحبّ والنوى﴾ و ﴿فالق الإصباح﴾ و ﴿يخرج الْحَيّ من الْمَيِّت﴾
فَأخذ العَبْد يسْعَى فِي الرّقّ والعبودية فَكلما عمل برا من الْأَعْمَال احتسب بِهِ على الله فِي العبودة الَّتِي قبل مِنْهُ كمن عَلَيْهِ دين فِي عُنُقه فَهُوَ يفك رقبته بِأَدَائِهِ شَيْئا بعد شَيْء وكل شَيْء يُؤَدِّيه إِلَى صَاحب الدّين احتسب عَلَيْهِ فِي قَضَاء الدّين الَّذِي فِي عُنُقه فَهَذَا العَبْد يحْتَسب فِي نَفسه وَفِي ذَاته بِهَذَا الْفِعْل يحسبه على الله تَعَالَى فِي قَضَاء دينه وَهُوَ العبودة الَّتِي لَهَا خلق الَّتِي قبلهَا فَإِذا نوى واحتسب فقد أخْلص
стр. 912
قَالَ الله تَعَالَى ﴿ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ فَيكْتب لَهُ أجر العبودة وَلذَلِك قَالَ ﷺ (لَا أجر لمن لَا حسبَة لَهُ)
فَرب رجل يعْمل أَعمال الْبر على الْعَادة لَا على يقظة العبودة فَلَا يكون لَهُ احتساب وَلِهَذَا قَالَ ﷺ (وَمن غشيانك أهلك صَدَقَة) قَالُوا يَا رَسُول الله نأتي شهواتنا ونؤجر قَالَ (أَرَأَيْت لَو وَضَعتهَا فِي حرَام أَكنت توزر) قَالُوا نعم قَالَ (فتحتسبون بِالشَّرِّ وَلَا تحتسبون بِالْخَيرِ)
مَعْنَاهُ إِذا زنى إِنَّمَا قصد قَضَاء الشَّهْوَة فاحتسب على النَّفس بإعطائها منيتها وقضائها شهوتها فَإِذا وَضعهَا فِي حَلَال وَأَرَادَ الْعِفَّة عَن الْحَرَام احتسب بهَا قَضَاء عَن العبودة فَصَارَ ذَلِك مِنْهُ صَدَقَة على أَهله وَلذَلِك قَالَ معَاذ لأبي مُوسَى أَنا أَنَام نصف اللَّيْل وأقوم نصفه فأحتسب نومتي كَمَا أحتسب قومتي فَإِذا نَام العَبْد تلذذا وأتى أَهله تلذذا لم يحتسبها قَضَاء على العبودة بَطل أجره وَبقيت العبودة فِي عُنُقه فلقي الله وَقد خسر أجر العبودة فِي ذَلِك الْوَقْت الَّذِي عطله وَإِذا مَال بِهَذِهِ الشَّهْوَة إِلَى الْحَرَام فَإِنَّمَا يقْضِي عبودة النَّفس وَقد خلقه الله تَعَالَى ليعبده فَقبل مِنْهُ ثمَّ ذهب فَصَبر نَفسه عبدا لنَفسِهِ وشهواته وَذهب بعبودة الله إِلَيْهَا وَلِهَذَا اسْتوْجبَ اللَّعْنَة من رَسُول الله ﷺ حَيْثُ قَالَ
стр. 913
(لعن عبد الدِّينَار لعن عبد الدِّرْهَم لعن عبد الخميصة وشيك فَلَا انتقش حبذا عبد الله وَعبيد الله)
وَقَالَ ﷺ (لكل امْرِئ مَا احتسب وَعَلِيهِ مَا اكْتسب والمرء مَعَ من أحب وَمن مَاتَ على ذنابى طَرِيق فَهُوَ من أَهله)
مَعْنَاهُ مَا ذكرنَا أَن مَا احتسب قَضَاء عَن العبودة فَهُوَ لَهُ وَمَا لم يحْتَسب وَلَكِن اكْتسب فَهُوَ عَلَيْهِ
وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت﴾ لِأَن الْكسْب فعل الْأَركان والاكتساب فعل الذَّات يكْتَسب إتباع الْهوى فِيمَا تقضي النَّفس من مناها وشهواتها ولذاتها فَذَاك عَلَيْهِ وَإِذا جَاءَ الاحتساب من قُوَّة الْقلب بِذكر العبودة مَعَ النِّيَّة الصادقة فَتلك النِّيَّة تحول الْعَمَل فَصَارَ للنِّيَّة لَا للهوى فيحتسب بِهِ على الله قَضَاء العبودة لَا قَضَاء الفهمة والشهوة فَإِذا صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا بِمَا كتبه الله عَلَيْهِ وَبِأَنَّهُ يطلع على عزمه فِي صَوْمه ورد شهواته فِي سَاعَات يَوْمه فَذَاك كُله إِيمَان يَتَجَدَّد عَلَيْهِ كل سَاعَة وَهُوَ سر بَينه وَبَين ربه لَا يطلع عَلَيْهِ ملك مقرب وَلَا نَبِي مُرْسل وَلذَلِك قَالَ (الصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ)
стр. 914
لِأَنَّهُ فِي مَا بَينه وَبَينه فَفِي كل ردة من العَبْد لشهوته تعرض لَهُ جَزَاء من ربه وَهُوَ لَا تُدْرِكهُ الْحفظَة والكتبة
стр. 915
- الأَصْل الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ والمائتان
-
فِي فَضِيلَة الْأُمُور الثَّلَاثَة
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ أَوْصَانِي حَبِيبِي أَبُو الْقَاسِم ﷺ (بصيام ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر وَأَن لَا أَنَام إِلَّا على وتر وركعتي الضُّحَى)
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ رَسُول الله ﷺ (يَا عُوَيْمِر حَافظ على أَن لَا تبيت إِلَّا على وتر وركعتي الضُّحَى مُقيما أَو مُسَافِرًا وَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر تستكمل الزَّمَان كُله أَو قَالَ تستكمل الدَّهْر كُله)
العَبْد مَحْسُوب عَلَيْهِ عمره مَعْدُود لَهُ أنفاسه مُقْتَضى مِنْهُ العبودة فِي كل نفس من عمره فَأمر بِشَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَقبُول مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول من عِنْده على صدق الِاعْتِقَاد من قلبه ثمَّ اقْتضى مَا قبل من الله تَعَالَى مُجملا فِي جَمِيع عمره فَمِنْهُ مَا اقْتضى من وَقت دون وَقت وَهُوَ الْفَرَائِض وَمِنْه مَا اقْتضى
следующие страницы →