← Книги сунны

Книги сунны · id 720

نوادر الأصول في أحاديث الرسول

الحكيم الترمذي

Полный текст (1 237 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وتمليكهم الْجنان وَقَضَاء المنى والشهوات على التأييد ورضوان من الله أكبر وَإِذا آمن العَبْد بربه ألْقى بيدَيْهِ سلما إِلَيْهِ وَقبل أمره وعبودته قبله الله وَأَقْبل عَلَيْهِ بالعون قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا﴾ أَي من العون والنصرة وَإِذا أعرض مغترا بخدائع النَّفس وأمانيها وأكاذيبها فَأقبل على النَّفس وَقبل مِنْهَا مَا تَأتي بِهِ فقد أعرض عَن الله تَعَالَى وَمَال عَنهُ وَأعْرض الله عَنهُ وعذب قلبه وَانْقطع المدد والعون فَإِذا تَابَ إِلَى الله وفزع وأدركه رَحْمَة الله وغوثه بِأَن فتح بَاب الرَّحْمَة نظرا مِنْهُ لمنته وأياديه الَّتِي كَانَت لَهُ عِنْد العَبْد فَوجدَ الْقلب خلاصا وَعَاد العون والمدد فَلم يزل العَبْد يترقى دَرَجَة دَرَجَة وتفضل الله عَلَيْهِ بِالْكَرمِ وجاد بالإقبال فانتعش بعد النكس وحيى بعد الْمَوْت حَتَّى توردت بساتين توحيده وانفطر مَكْنُون جواهره كانفطار الْيَنَابِيع وانغلاق الْحُبُوب عَن بذرها وازدهرت وأينعت وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فالق الْحبّ والنوى﴾ و ﴿فالق الإصباح﴾ و ﴿يخرج الْحَيّ من الْمَيِّت﴾ فَأخذ العَبْد يسْعَى فِي الرّقّ والعبودية فَكلما عمل برا من الْأَعْمَال احتسب بِهِ على الله فِي العبودة الَّتِي قبل مِنْهُ كمن عَلَيْهِ دين فِي عُنُقه فَهُوَ يفك رقبته بِأَدَائِهِ شَيْئا بعد شَيْء وكل شَيْء يُؤَدِّيه إِلَى صَاحب الدّين احتسب عَلَيْهِ فِي قَضَاء الدّين الَّذِي فِي عُنُقه فَهَذَا العَبْد يحْتَسب فِي نَفسه وَفِي ذَاته بِهَذَا الْفِعْل يحسبه على الله تَعَالَى فِي قَضَاء دينه وَهُوَ العبودة الَّتِي لَهَا خلق الَّتِي قبلهَا فَإِذا نوى واحتسب فقد أخْلص

стр. 912

قَالَ الله تَعَالَى ﴿ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ فَيكْتب لَهُ أجر العبودة وَلذَلِك قَالَ ﷺ (لَا أجر لمن لَا حسبَة لَهُ) فَرب رجل يعْمل أَعمال الْبر على الْعَادة لَا على يقظة العبودة فَلَا يكون لَهُ احتساب وَلِهَذَا قَالَ ﷺ (وَمن غشيانك أهلك صَدَقَة) قَالُوا يَا رَسُول الله نأتي شهواتنا ونؤجر قَالَ (أَرَأَيْت لَو وَضَعتهَا فِي حرَام أَكنت توزر) قَالُوا نعم قَالَ (فتحتسبون بِالشَّرِّ وَلَا تحتسبون بِالْخَيرِ) مَعْنَاهُ إِذا زنى إِنَّمَا قصد قَضَاء الشَّهْوَة فاحتسب على النَّفس بإعطائها منيتها وقضائها شهوتها فَإِذا وَضعهَا فِي حَلَال وَأَرَادَ الْعِفَّة عَن الْحَرَام احتسب بهَا قَضَاء عَن العبودة فَصَارَ ذَلِك مِنْهُ صَدَقَة على أَهله وَلذَلِك قَالَ معَاذ لأبي مُوسَى أَنا أَنَام نصف اللَّيْل وأقوم نصفه فأحتسب نومتي كَمَا أحتسب قومتي فَإِذا نَام العَبْد تلذذا وأتى أَهله تلذذا لم يحتسبها قَضَاء على العبودة بَطل أجره وَبقيت العبودة فِي عُنُقه فلقي الله وَقد خسر أجر العبودة فِي ذَلِك الْوَقْت الَّذِي عطله وَإِذا مَال بِهَذِهِ الشَّهْوَة إِلَى الْحَرَام فَإِنَّمَا يقْضِي عبودة النَّفس وَقد خلقه الله تَعَالَى ليعبده فَقبل مِنْهُ ثمَّ ذهب فَصَبر نَفسه عبدا لنَفسِهِ وشهواته وَذهب بعبودة الله إِلَيْهَا وَلِهَذَا اسْتوْجبَ اللَّعْنَة من رَسُول الله ﷺ حَيْثُ قَالَ

стр. 913

(لعن عبد الدِّينَار لعن عبد الدِّرْهَم لعن عبد الخميصة وشيك فَلَا انتقش حبذا عبد الله وَعبيد الله) وَقَالَ ﷺ (لكل امْرِئ مَا احتسب وَعَلِيهِ مَا اكْتسب والمرء مَعَ من أحب وَمن مَاتَ على ذنابى طَرِيق فَهُوَ من أَهله) مَعْنَاهُ مَا ذكرنَا أَن مَا احتسب قَضَاء عَن العبودة فَهُوَ لَهُ وَمَا لم يحْتَسب وَلَكِن اكْتسب فَهُوَ عَلَيْهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت﴾ لِأَن الْكسْب فعل الْأَركان والاكتساب فعل الذَّات يكْتَسب إتباع الْهوى فِيمَا تقضي النَّفس من مناها وشهواتها ولذاتها فَذَاك عَلَيْهِ وَإِذا جَاءَ الاحتساب من قُوَّة الْقلب بِذكر العبودة مَعَ النِّيَّة الصادقة فَتلك النِّيَّة تحول الْعَمَل فَصَارَ للنِّيَّة لَا للهوى فيحتسب بِهِ على الله قَضَاء العبودة لَا قَضَاء الفهمة والشهوة فَإِذا صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا بِمَا كتبه الله عَلَيْهِ وَبِأَنَّهُ يطلع على عزمه فِي صَوْمه ورد شهواته فِي سَاعَات يَوْمه فَذَاك كُله إِيمَان يَتَجَدَّد عَلَيْهِ كل سَاعَة وَهُوَ سر بَينه وَبَين ربه لَا يطلع عَلَيْهِ ملك مقرب وَلَا نَبِي مُرْسل وَلذَلِك قَالَ (الصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ)

стр. 914

لِأَنَّهُ فِي مَا بَينه وَبَينه فَفِي كل ردة من العَبْد لشهوته تعرض لَهُ جَزَاء من ربه وَهُوَ لَا تُدْرِكهُ الْحفظَة والكتبة

стр. 915

- الأَصْل الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ والمائتان - فِي فَضِيلَة الْأُمُور الثَّلَاثَة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ أَوْصَانِي حَبِيبِي أَبُو الْقَاسِم ﷺ (بصيام ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر وَأَن لَا أَنَام إِلَّا على وتر وركعتي الضُّحَى) وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ رَسُول الله ﷺ (يَا عُوَيْمِر حَافظ على أَن لَا تبيت إِلَّا على وتر وركعتي الضُّحَى مُقيما أَو مُسَافِرًا وَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر تستكمل الزَّمَان كُله أَو قَالَ تستكمل الدَّهْر كُله) العَبْد مَحْسُوب عَلَيْهِ عمره مَعْدُود لَهُ أنفاسه مُقْتَضى مِنْهُ العبودة فِي كل نفس من عمره فَأمر بِشَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَقبُول مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول من عِنْده على صدق الِاعْتِقَاد من قلبه ثمَّ اقْتضى مَا قبل من الله تَعَالَى مُجملا فِي جَمِيع عمره فَمِنْهُ مَا اقْتضى من وَقت دون وَقت وَهُوَ الْفَرَائِض وَمِنْه مَا اقْتضى

стр. 916

من الْأَوْقَات كلهَا وَهُوَ العبودة فِي كل نفس فأجمل الله تَعَالَى بعطفه وَكَرمه للعباد أمرا أجمل بِهِ العبودة كي إِذا فَعَلُوهَا استكملوا الدَّهْر كُله عبودة فدلهم لعبودتهم فِي النَّهَار على رَكْعَتي الضُّحَى بعد أَدَاء الْفَرَائِض وَاجْتنَاب الْمَحَارِم فَإِذا أدّى الْمَفْرُوضَة من صَلَاة الْفجْر انْتظر طُلُوع الشَّمْس وَتَحْلِيل الصَّلَاة فَإِذا أضحت صلى رَكْعَتَيْنِ على سَبْعَة أَجزَاء بِسبع جوارح مقسومة هَذِه الْأَجْزَاء بِمَا ضمنت وحشيت على ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ جُزْءا ليخرج إِلَى الله من صَدَقَة النَّفس وَذَلِكَ قَوْله ﷺ (إِن على كل آدَمِيّ ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ سلامى على كل سلامى مِنْهَا صَدَقَة وركعتي الضُّحَى تجزيك من هَذَا كُله) فَهَذَا صَلَاة يَوْمه للعبودة وَأما صِيَام ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر فالحسنة بِعشْرَة أَمْثَالهَا فصوم ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر يعدل ثَلَاثِينَ يَوْمًا فقد صَار العَبْد بِهَذَا صَائِما فِي جَمِيع عمره وبركعتي الضُّحَى قَائِما بِهَذَا فِي نَهَاره كُله فَأَما فِي ليله فالفوز بِصَلَاة الْوتر فَإِذا كَانَ صَائِما قَائِما فِي نَهَاره وبوتره فائزا فقد اسْتكْمل الزَّمَان كُله فَهَذِهِ دلَالَة الله لأهل السَّعَادَة على مَا بِهِ يستكملون العبودة بعد أَدَاء الْفَرَائِض وَاجْتنَاب الْمَحَارِم فَمن داوم على هَذَا كَانَ اسْمه فِي ديوَان الصائمين القائمين الفائزين وَهُوَ طاعم وشارب ونائم ليعلم يسر الله تَعَالَى لهَذِهِ الْأمة وَرفع الْحَرج عَنْهُم فِي دينه وسماحته فِيمَا اقتضاهم مِمَّا لَهُ خلقهمْ فالوتر مَحْبُوب الله تَعَالَى فِيمَا خلق من الْأَشْيَاء وَقد كتب عَلَيْهِم الْخمس المفروضات

стр. 917

غياثا لَهُم ليطفئوا بهَا حريقهم وَمَا من صَلَاة يدْخل وَقتهَا إِلَّا قَالَ أهل السَّمَاء يَا بني آدم قومُوا إِلَى نيرانكم فأطفئوها فصرن هَذِه الْخمس مكتوبات والعهد فِي الْكتاب فَإِذا أَوْفوا بالعهود أوجب لَهُم الْجنَّة ثمَّ كَانَ من عطفه أَن زادهم صَلَاة الْوتر على لِسَان رَسُول الله ﷺ فالصلوات الْخمس تَكْفِير لسيئآتهم وَفِي ذَلِك الْموقف من الْوتر نوال تملأ مِنْهُ رغبتهم ومركز يَجدونَ مِنْهَا معاذاتهم فالنوم بعد النوال أفضل من أَن يؤخرها إِلَى آخر اللَّيْل فَإِذا أوتر أول اللَّيْل عرجت نَفسه إِلَى الله فِي منامها مَعَ الْفَوْز بالنوال والمعاذ فَلذَلِك أوصاه ﷺ أَن لَا ينَام إِلَّا على وتر فَكَانَ أَبُو بكر ﵁ يُوتر قبل أَن ينَام فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ (مَتى توتر يَا أَبَا بكر) قَالَ فِي أول اللَّيْل قَالَ أخذت بالحزم وَقَالَ لعمر ﵁ مَتى توتر يَا عمر قَالَ آخر اللَّيْل قَالَ (أخذت بِالْقُوَّةِ) فالحزم احْتِيَاط وثقة وَالْقُوَّة ملكة النَّفس وَأَبُو بكر لاحظ كنه الْوتر وَلِهَذَا قَالَ أحرزت نهى وابتغي النَّوَافِل مَعْنَاهُ أَن فِي موقف الْوتر نثار الله وغنمه فينتهبه ويبتغي فِيمَا بَقِي من اللَّيْل نوافل الرب وَعمر لاحظ السَّاعَة الَّتِي يُؤَدِّي فِيهَا الْوتر من سَاعَات اللَّيْل وَهِي السَّاعَة الَّتِي آثرها الله فهبط إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا واطلع على عباده وناداهم وَهِي سَاعَة اهتز لَهَا الْعَرْش واشتغلت الْمَلَائِكَة فِي صفوفها وانقطعت صلَاتهم لما رَأَوْا من هبوط الرب إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا سَمَاء العبيد واطلع عَلَيْهِم وناداهم وَقد جعل الله تَعَالَى للعباد موقفين موقف فِي كل سنة من تَاسِع ذِي الْحجَّة وَهُوَ موقف الْحَج وموقف فِي كل لَيْلَة بعد صَلَاة الْعشَاء فِي الرَّكْعَة الَّتِي وسمها بالوترية تِلْكَ رَكْعَة عَلَيْهَا

стр. 918

سمة الله تَعَالَى بِأَن فَضلهَا على الْأَعْمَال فموقف الْحَج نطق بِهِ الْكتاب وموقف الْوتر نطق بِهِ لِسَان رَسُول الله ﷺ وللعباد فِي هذَيْن الموقفين من الله نوال وقرات أعين لَا يخْطر على قلب بشر فموقف الْحَج موقف المباهاة موقف الْإِسْلَام أَلا ترى أَنه يُقَال حجَّة الْإِسْلَام وقف العَبْد ليسلم إِلَيْهِ رقبته عبودة ليتخذه عبدا فباهى الله بِهِ فِي سمائه وَهَبَطَ إِلَى سمائه العبيد ليطلع إِلَيْهِم ويباهي بهم مَلَائكَته والمباهاة أَن يُرِيهم بهاء الْإِسْلَام الَّذِي على عبيده فِي تسليمهم النُّفُوس إِلَيْهِ معتذرين منعرضين ملقين بِأَيْدِيهِم إِلَيْهِ سلما رافعي أَيْديهم إِلَيْهِ طَمَعا فَيَقُول للْمَلَائكَة انْظُرُوا إِلَى عَبِيدِي فَتلك المباهاة وموقف الْوتر موقف هَدَايَا الْمعرفَة للأولياء والأصفياء وَحُرْمَة الْإِسْلَام للصادقين الْمُجْتَهدين وَالرَّحْمَة الْعَامَّة الْمُوَحِّدين فَيدْخل من ذَلِك الْموقف على الله بِالتَّكْبِيرِ وَيقف بَين يَدَيْهِ فِي الْقُنُوت يرفع إِلَيْهِ رغباته وَيعْتَذر إِلَيْهِ من عمل نَهَاره من تَقْصِيره وتفريطه ويفتقر إِلَى الله تَعَالَى ويتباءس ويتمسكن ويتخشع ويتضع ويتعوذ من الْأَهْوَال والأخطار الَّذِي هُوَ عَلَيْهَا وَيخرج مِنْهُ ثَنَاؤُهُ على ربه ومحامده لَهُ وَذكر آلائه وَبث مننه وَنشر صنائعه واعتراف بمساوئه واعتذار وتوبة إِلَيْهِ وقربة إِلَيْهِ وتنصل بالاستغفار وترض وملق وتضرع واستعاذة بالمعاذ وتختيم بِالْكَلِمَةِ الَّتِي بهَا يُسْتَجَاب وَيخَاف مِمَّا خص الله تَعَالَى هَذِه الْأمة قَالَ ﷺ أَمرنِي جِبْرِيل ولقاني عِنْد فراغي من فَاتِحَة الْكتاب وَعند الدُّعَاء آمين وَقَالَ إِنَّه كالطابع على الْكتاب

стр. 919

وَإِذا ختم العَبْد الدُّعَاء بآمين صَار الدُّعَاء مطويا بِالْكتاب مصونا عَن الْآفَات وَعَن تنَاوله وإطلاع مَا فِيهِ وَإِنَّمَا ختم الْكتاب لِئَلَّا ينشره أحد وَلَا يطلع عَلَيْهِ فَإِذا ختم العَبْد الدُّعَاء بآمين صانه عَن أَن يطلع فِيهِ وَصعد إِلَى الله بالختم مطويا مصونا عَن الْآفَات فَيُجِيبهُ الله تَعَالَى لِأَنَّهُ قد سبق مِنْهُ القَوْل بالخصوصية لأمة مُحَمَّد ﷺ فَقَالَ تَعَالَى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ وَفِيهِمْ مَا فيهم من قلَّة الشُّكْر وَالْوَفَاء وَكَثْرَة التَّخْلِيط وَالِاسْتِخْفَاف بِأَمْر الله والإعراض عَن حق الله فَلَو لم يعطهم الْخَتْم حَتَّى يختموا دعاءهم آمين فَيصير الْخَتْم مَانِعا لجَمِيع الْخلق بَين العَبْد وَبَين الله من الْهَوَاء إِلَى الْعَرْش فَكَانَ ممر دعائنا إِلَى الْعَرْش مَحل الدُّعَاء ومعدن الْإِجَابَة وَالْقَضَاء لَكَانَ لَا يَخْلُو من أَن يتَعَرَّض متعرض لإفساد ذَلِك حمية لله تَعَالَى فَإِن الْخلق كلهم مطيعون فَإِذا مرت عَلَيْهِم دَعْوَة العصاة لم يُؤمن أَن يرموا فِيهَا شَيْئا يكون فِيهِ فَسَادًا قَالَ ﷺ إِن على أَبْوَاب السَّمَاء حِجَابا يردون أَعمال أهل الْكبر والحسد والغيبة وَقَالَ ﷺ إِن العَبْد ليقول يَا رب اغْفِر لي وَقد أذْنب فَتَقول الْمَلَائِكَة يَا رب إِنَّه لَيْسَ لذَلِك بِأَهْل قَالَ الله تَعَالَى لكني أهل أَن أَغفر لَهُ فقد أعْطى الله تَعَالَى هَذِه الْأمة كلمة الْخَتْم وَهِي آمين ليصعد دعوتهم إِلَيْهِ مختومة لَا يطلع على مَا فِيهَا أحد حَتَّى لَا يَجدوا سَبِيلا

стр. 920

إِلَى الطعْن فِيهَا وَدُعَاء كل رجل يخرج على قدر مَا عِنْده من قُوَّة الْقلب فِي الدُّعَاء فَرب دُعَاء دَاع يخرج من نور وافر بِمَنْزِلَة شمس تطلع وَدُعَاء يخرج مَعَ تَقْصِير فنوره بِمَنْزِلَة قمر يطلع وَدُعَاء يخرج مَعَ تَقْصِير كثير فنوره بِمَنْزِلَة كَوْكَب وَإِنَّمَا تفَاوت الدُّعَاء لاخْتِلَاف مخارجها من الْمَعَادِن قَالَ ﷺ إِن الْقُلُوب أوعية وَبَعضهَا أوعى من بعض فَإِذا دعوتم الله تَعَالَى فَادعوهُ وَأَنْتُم موقنون بالاستجابة فَإِن الله تَعَالَى لن يستجيب دُعَاء عَن ظهر قلب غافل فَظهر الْقلب دُعَاء قد تعلمه العَبْد يدبر الْكَلِمَات بمضغة لِسَانه فِي حنكه ولهاثه وَلَيْسَ عِنْده وَرَاء ذَلِك شَيْء إِلَّا تِلْكَ الْإِرَادَة الَّتِي من الْقلب يَبْتَغِي خيرا من عِنْد ربه وَهُوَ لَا يدْرِي ذَلِك الْخَيْر وَهُوَ عِنْده كالجزاف غير مفتقر إِلَى تِلْكَ الْحَاجة فَهُوَ كصبي نطق من غير عقل وَلَيْسَ لكَلَام الصَّبِي قدر عِنْد الْخلق إِلَّا أَن الْكَرِيم لما علم إِرَادَة الْخَيْر من الدَّاعِي أعطَاهُ على ذَلِك أجرا إِذا دَعَا على رَجَاء أَن ينَال مِنْهُ مَعْرُوفا فَأَما الاستجابة فَهُوَ بعيد مِنْهَا لِأَنَّهُ لم يخرج مِنْهُ الدُّعَاء على الْجد وَالِاجْتِهَاد وَلَو كَانَ ذَلِك مِنْهُ جدا لترك الْإِبَاق من ربه بِالذنُوبِ والمعاصي والبطالات والإكباب على الدُّنْيَا وَالِاسْتِخْفَاف بِحَق الله وَبِدَارِهِ وبيوم الْحساب وبوعده ووعيده ومواعظه وَمَوته فَإِن الْآبِق من مَوْلَاهُ فِي الدُّنْيَا إِذا دَعَاهُ فِي حَال اباقه ويراسله يسْتَوْجب بذلك المقت من مَوْلَاهُ لِأَنَّهُ فِي صُورَة المستهزئ بِهِ فَمن أثقل ظَهره من الْخَبَائِث فَصَارَ كسلان لَحْمًا ودما ملقى على الأَرْض وخيما جلفا جَافيا فتعلم الْأَدْعِيَة عَن أَلْسِنَة النَّاس ملتمسا بهَا نوالا لَا عَن فاقة وافتقار خرجت من جَوْفه تِلْكَ الْكَلِمَات وَلَا علم لَهُ

стр. 921

بِمَا سَأَلَ وَإِن كَانَ أعلم النَّاس باللغة فَهُوَ عَالم بِالْكَلِمَةِ من طَرِيق اللُّغَة جَاهِل بغور الْكَلِمَة ومعدنها ووقتها وموضعها فَهُوَ جَاهِل بِالْمَعْنَى أعمى عَن حشوه فَصَاحب لَا يُصِيب فِي دُعَائِهِ جدا وَلَا اجْتِهَادًا وَإِنَّمَا يَدْعُو عَن ظهر قلب فَهَذَا عبد يُجَاب وَلَا يُسْتَجَاب وَإِنَّمَا يُجَاب لِأَنَّهُ مُؤمن فالإجابة للْمُؤْمِنين والاستجابة للجادين الْمُجْتَهدين المفتقرين المرتعنين المتبائسين المتخشعين الموقنين إِلَّا أَن الله هُوَ الْكَرِيم الْجواد أوسع لعبيده فجاد عَلَيْهِم بالمعرفة الَّتِي هِيَ أعظم الْأَشْيَاء استحيى أَن يتْرك هَذَا العَبْد خَالِيا صفر الْيَدَيْنِ إِذا مد يَده إِلَيْهِ حَتَّى يأجره على ذَلِك فَيكون ذَلِك إِجَابَة لَا استجابة قَالَ عبد الرَّحْمَن بن غنم بَيْنَمَا نَحن جُلُوس يَوْمًا عِنْد معَاذ بن جبل ﵁ إِذْ دَعَا بِدُعَاء لم أسمع دَاعيا يَدْعُو مثل دُعَائِهِ فَقلت لَهُ رَحِمك الله يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن لَو علمتني بعض مَا تَدْعُو بِهِ فَقَالَ لَو كنت أعلم لَك فِيهِ خيرا كنت علمتك فَقلت سُبْحَانَ الله لم لَا تعلم لي فِيهِ خيرا قَالَ لِأَن رَسُول الله كَانَ يَدْعُو بِالدُّعَاءِ الْكَبِير الْحسن الْجَمِيل الَّذِي لَا يَسْتَطِيع أحد أَن يَقُول مثله فَقلت لَهُ يَوْمًا يَا رَسُول الله لَو علمتني بعض مَا تَدْعُو بِهِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَو كنت أعلم لَك فِيهِ خيرا لعلمتك فَقلت سُبْحَانَ الله يَا رَسُول الله لم لَا تعلم لي فِيهِ خيرا قَالَ لِأَن أفضل الدُّعَاء مَا خرج من الْقلب بجد واجتهاد فَذَاك الَّذِي يسمع ويستجاب وَإِن قل فالجد أَن يقف العَبْد بِقَلْبِه فِي مَحل الدُّعَاء وَالِاجْتِهَاد مفتقر الْقلب إِلَى الله متبائس النَّفس وَقَوله تَعَالَى ﴿أُجِيب دَعْوَة الداع إِذا دعان﴾ أَرَادَ إِجَابَة تَلْبِيَة على مَا قَالَه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 922

إِذا قَالَ العَبْد يَا رب قَالَ الله تَعَالَى لبيْك يَا عَبدِي وَأما الاستجابة فَقَالَ تَعَالَى ادْعُونِي أستجيب لكم ثمَّ بَين فِي آيَة أُخْرَى لمن الاستجابة فَقَالَ ﴿ويستجيب الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ وَيَنْبَغِي أَن يكون الدُّعَاء على هَيْئَة وأدب فَإِن لكل أدب ثَمَرَة وَلكُل هَيْئَة زِينَة يبْدَأ بمدائحه ثمَّ الثَّنَاء عَلَيْهِ والتنزيه لَهُ ثمَّ محامده وَذكر آلائه وَبث مننه وَنشر صنائعه وَالِاعْتِرَاف بالمساوئ وَالتَّوْبَة إِلَيْهِ والاعتذار والتنصل وَالِاسْتِغْفَار والتضرع والاستعاذة والاختتام بآمين وَالله أعلم وَأحكم

стр. 923

- الأَصْل الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ والمائتان - فِي بَيَان أَقسَام الْقُرْآن عَن عَليّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أنزل الْقُرْآن الْعَظِيم على عشرَة بشيرا وَنَذِيرا وناسخا ومنسوخا ومحكما ومتشابها وعظة ومثلا وحلالا وحراما فَمن ابتشر ببشيره وانتذر بنذيره وَعمل بناسخه وآمن بمنسوخه وَاقْتصر على محكمه ورد علم متشابهه إِلَى عالمه واتعظ بعظته وَاعْتبر بِمثلِهِ وَأحل حَلَاله وَحرم حرَامه فَأُولَئِك هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا لَهُم الدَّرَجَات العلى مَعَ النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا وَهُوَ وارثي ووارث الْأَنْبِيَاء من قبلي وَلَوْلَا قسم أَنه لَا نَبِي بعدِي لَكَانَ نَبيا من أَنْبيَاء الله تَعَالَى وَلَا يزَال فِي ضَمَان الله تَعَالَى وَكَيف وَحَيْثُ مَا تَلا الْقُرْآن غَشيته الرَّحْمَة وتنزلت عَلَيْهِ السكينَة وَكَانَ بِعَين الله منورا لَهُ قلبه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ويحشر يَوْم الْقِيَامَة فِي زمرتي وَتَحْت لِوَائِي ولوائي أَبيض الْعود أَخْضَر الرقعة أفيح الرّيح لَهُ لسانان لِسَان يرى بالمشرق ولسان يرى بالمغرب يظل حَملَة الْقُرْآن والمتحابين فِي الله وَمن ضيع وَاحِدَة مِنْهُنَّ فقد ضيع كُلهنَّ ويلقى الله غَدا ظمآن محول

стр. 924

الْقلب نادم الْقلب مرتعد الْفُؤَاد حاسر الْقدَم مستحييا من الرب مغْفُور لَهُ أَو معذب قَوْله ابتشر ببشيره الْبُشْرَى خبر عَن الْغَيْب فَإِن العَبْد فِي دَار المحنة والبلوى متعرض للآفات ممزوج بهَا مسئول عَن الشُّكْر عَلَيْهَا وَمُقْتَضى لِلْبَصَرِ على مزاجها من الْآفَات وَهُوَ فِيمَا بَين ذَلِك لَا يدْرِي مَا يظْهر لَهُ من غيب الله غَدا وَالْخَيْر كائنه فأيد الله الْمُؤمنِينَ بخطاه وبشرهم بِخَبَر نفى حيرتهم حَتَّى قويت الْقُلُوب واطمأنت النُّفُوس وتخلص الْقلب من وساوسها وَصَارَ حرا مَالِكًا قوي الْقلب وانتشر السرُور فِي الصَّدْر فنضرت الْوُجُوه وَتلك النضرة تورث الْبشر قَالَ الله تَعَالَى ﴿ولقاهم نَضرة وسرورا﴾ نَضرة فِي الْوُجُوه وسرورا فِي الْقلب فالسرور يفِيض الْقلب من الْفَرح الَّذِي حل بِالنَّفسِ فالفرح فِي النَّفس وَالسُّرُور تولده فِي الْقلب وانتشاره فِي الصَّدْر ثمَّ يتَأَدَّى ذَلِك من مجمع الْعُرُوق الَّذِي على الْقلب إِلَى الْعُرُوق الَّتِي فِي الْوُجُوه فَتَشرب جلده الْوُجُوه من ذَلِك بِمَنْزِلَة شَجَرَة شربت عروقها من المَاء فِي أَصْلهَا فأدت عروقها إِلَى الأوراق فنضرت فَإِذا كَانَ كَذَلِك على أَن فِي الْبَاطِن خَبرا سارا فَعمل ذَلِك الْكَلَام فِي قلبه وصدره حَتَّى اخْتَلَط بِذَاتِهِ فاختلط بسمعه وَشمه وبصره ومخه وَجَمِيع جوارحه وَهَذَا لمن اسْتمع قلبه إِلَى خطابه بأذني قلبه فاستقر فِيهِ علم ذَلِك وَورد الْعقل على قلبه بنهاء ذَلِك الْخطاب والفهم بمكنون لطائفه والفطنة بكشف الغطاء عَن صور تِلْكَ اللطائف فطابت النَّفس بذلك وازدهرت وأينعت عَن الذبول والخمول فَمن كَانَ بِهَذِهِ الصّفة فقد ابتشر بالبشرى

стр. 925

وَقَوله انتذر بنذيره فَإِن العَبْد قد شرهت نَفسه من الْفَرح بأحوالها وبسبب نمائها فقطرت فَإِذا جاءها الْوَعيد من الله تَعَالَى ذبلت وَسكن تلظي تِلْكَ الأفراح فتنغصت عَلَيْهِ حلاوتها وتكدر عَلَيْهِ صفو النعم فَظهر فِي صَدره من كدورة دُخان الْوَعيد ومرارة التنغص فتأدى ذَلِك إِلَى الْوَجْه فأورثه العبوس فتجده مرّة ذَا بشر ونضرة وَمرَّة ذَا عبوس وكسوف وَإِذا ورد عَلَيْهِ الْبشر أقرّ وَجهه بذلك النضرة وَظهر الْبشر وَزَالَ عَنهُ الْكُسُوف وَإِذا ورد عَلَيْهِ الْوَعيد انكسف الْقَمَر الَّذِي بِوَجْهِهِ وانعبس فَمن ابتشر ببشير الله وانتذر بنذيره فَإِنَّمَا يفعل ذَلِك بقلب عَامر ومحال أَن تَجِد أَحدهمَا وتفقد الآخر لِأَن ذَلِك فعل الْقلب قَوْله وَعمل بناسخه وآمن بمنسوخه فالناسخ آيَة قد أَمر الله بِالْعَمَلِ بهَا وَقد كَانَ قبل ذَلِك أَمر بِغَيْر ذَلِك فِي آيَة نزلت قبلهَا والناسخ والمنسوخ بلوى من الله لعَبْدِهِ لينْظر أيعبد الله ظَاهرا وَبَاطنا أم يعبده فِي الظَّاهِر ويعبد هَوَاهُ فِي الْبَاطِن قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا جعلنَا الْقبْلَة الَّتِي كنت عَلَيْهَا إِلَّا لنعلم من يتبع الرَّسُول مِمَّن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ولنبلونكم حَتَّى نعلم الْمُجَاهدين مِنْكُم وَالصَّابِرِينَ﴾ مَعْنَاهُ حَتَّى نعلم من يُجَاهد نَفسه فِي ذاتي ويصبر عَمَّا حرمت عَلَيْهِ وعَلى مَا افترضت عَلَيْهِ وعَلى مَا حكمت عَلَيْهِ من الْأَحْوَال الْمَكْرُوهَة مثل الْفقر والذل والبؤس وَالْمَرَض ثمَّ قَالَ ونبلوا أخباركم أَي أَنْتُم مني مَعَ هَذِه المجاهدة وَالصَّبْر أَعلَى طيب النُّفُوس أم على خبثها وترددها فَإِذا آمن بالمنسوخ وَعمل بالناسخ فَهَذَا عبد منقاد لرَبه قد ألْقى بيدَيْهِ سلما

стр. 926

قَوْله (اقْتصر على محكمه ورد علم متشابهة إِلَى عالمه) فالمحكم مَا خرج إِلَى الْعباد من الْحِكْمَة الْبَالِغَة مثل قَوْله تَعَالَى ﴿قل تَعَالَوْا أتل مَا حرم ربكُم عَلَيْكُم﴾ وَقَوله ﴿وَقضى رَبك أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه﴾ إِلَى قَوْله ﴿ذَلِك مِمَّا أوحى إِلَيْك رَبك من الْحِكْمَة﴾ فَأعْلم الْعباد أَنه لم يَأْمر بِشَيْء وَلَا نهى عَن شَيْء جزَافا أَمرهم ونهاهم بالحكمة الْبَالِغَة وَقد قَالَ قوم من الْعلمَاء لَيْسَ لأَمره وَنَهْيه عِلّة وَإِنَّمَا هُوَ تعبد وَلَيْسَ كَمَا زعم فَإِنَّهُ تعبد لزم الْعباد الْعَمَل بِهِ وَلَكِن تَيَقّن أَن الله تَعَالَى لم ينْه عَن شَيْء وَلَا أَمر بِشَيْء إِلَّا بالحكمة تَعَالَى الله عَن الْجزَاف المهمل عَن التَّدْبِير وَالتَّقْدِير فتطلب تِلْكَ الْحِكْمَة فِي معادنها فَإِنَّهَا تبعثك على إِقَامَة الْأَمر وَالنَّهْي وَنحن نذْكر صُورَة نستدل بهَا وَهُوَ أَن الله تَعَالَى افْترض الصَّلَاة على عباده فَرجل أَدَّاهَا تعبدا وَآخر طالع الْحِكْمَة ببصيرته فَوجدَ العَبْد موكلا لحفظ الْجَوَارِح السَّبع السّمع وَالْبَصَر وَاللِّسَان والبطن والفرج وَالْيَدَانِ وَالرجلَانِ بِمَنْزِلَة عبد وكل بسبعة أَغْنَام لكل شَاة مِنْهَا مرعى على حِدة فَأمر بِأَن يرعاها فِي مراعيها وَمَتى تردى وَاحِد فِي جرف تبادر بِإِخْرَاجِهِ فَإِن عني بشأنهن ورعايتهن نَالَ الْكَرَامَة وَإِن أهمل مَا اكْتسب بِفِعْلِهِ إِلَّا مقتا وبعدا فَهَذَا الْمُؤمن فِي غفلاته كَالرَّاعِي فِي نفشائه وَإِنَّمَا سمي مُؤمنا لِأَنَّهُ إطمأن إِلَى الله عبودة لَهُ وَاسْتقر قلبه وَسمي مُسلما لتسليم جوارححه إِلَيْهِ فِي أمره وَنَهْيه وَعَلِيهِ الْوَفَاء بذلك إِلَى يَوْم لِقَائِه فَمَتَى مَا ضيع شَيْئا من أمره وَنَهْيه دخل فِي وَفَاء تَسْلِيمه نقص بِقدر مَا ضيع

стр. 927

وَقد علم الله من الْعباد أَنهم سيخلطون هَذَا التَّسْلِيم بتضييع أُمُوره فافترض عَلَيْهِم الْقيام بَين يَدَيْهِ عبودة وتذللا معتذرين مِمَّا ضيعوا فقد قَامَ العَبْد مقَاما جمع جوارحه المنتشرة فِي مراعيها بَين يَدَيْهِ قد أَزَال سَمعه عَن الْأُمُور وَالنَّاس وبصره عَن النّظر إِلَيْهِم وَلسَانه عَن خطاب الْخلق وَيَده عَن الْقَبْض والبسط وَرجله عَن الْمَشْي وبطنه عَن الطَّعَام وفرجه عَن الاعتمال فَهَذَا من العَبْد تَسْلِيم إِلَى الله مُسْتَقْبلا معتذرا بالثناء وَالرُّكُوع وَالسُّجُود مترضيا لَهُ حَتَّى يرجع من عِنْده على تَجْدِيد إِسْلَامه ومزيد من فضل الله وَرَحمته فعبد أدّى فَرَائِضه على هَذِه الصّفة من المطالعة وَالْعلم واليقظة والانتباه وَآخر أَدَّاهَا تعبدا وَهَذَا كُله مَسْتُور عَنهُ فَمَتَى يلْحق هَذَا ذَاك وَلِهَذَا قَالَ ﷺ إِن الرجلَيْن ليكونان فِي صَلَاة وَاحِدَة فِي سقف وَاحِد وكما بَين صلاتيهما أبعد مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فالحكمة مَوْجُودَة فِي جَمِيع الْأَعْمَال وعللها قَائِمَة لَا يعلمهَا إِلَّا أَهلهَا وهم قوم تخلصت قُلُوبهم من ظلمَة الشَّهَوَات وَخَرجُوا إِلَى الْبُرْهَان الْعَظِيم وَإِلَى النُّور الْأَعْظَم وَأما الْمُتَشَابه فأسرار الله الَّتِي طواها عَن الْعباد وأسرار الرُّسُل الَّتِي أفضاها إِلَيْهِم وطواها عَن الْعباد وأسرار الْأَوْلِيَاء الَّتِي أفضاها إِلَيْهِم وطواها عَن سَائِر الْمُوَحِّدين فَهَذِهِ أَشْيَاء قد اشْتبهَ على الْخلق لعجزهم عَن احتمالها فالمقتصر على محكمه لَا يتَعَدَّى إِلَى مَا شبه عَلَيْهِ بل يقْتَصر عَنهُ على الْمُحكم فَإِن الْحَاجة بِهِ إِلَى الْمُحكم والمتشابه زِينَة الْمُحكم طواها الله عَن الْعباد لعجزهم عَن احتمالها حَتَّى إِذا انْكَشَفَ

стр. 928

الغطاء وتبحبحوا فِي دَار الْملك وَزَالَ عَنْهُم رق العبودة وَصَارَ الْأَمر جَهرا وزاروا الله فِي دَاره طرقهم النّظر إِلَيْهِ وَاحْتِمَال لَذَّة كَلَامه أفْضى إِلَيْهِم الْأَسْرَار الَّتِي طواها عَنْهُم قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ : تَلا رَسُول الله ﷺ هَذِه الْآيَة: ﴿قَالَ رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك﴾ فَقَالَ: (قَالَ يَا مُوسَى إِنَّه لَا يراني حَيّ إِلَّا مَاتَ وَلَا يَابِس إِلَّا تدهده وَلَا رطب إِلَّا تفاق إِنَّمَا يراني أهل الْجنَّة الَّذين لَا تَمُوت أَعينهم وَلَا تبلى أَجْسَادهم) فقد أعلمك سَبَب عدم الرُّؤْيَة فِي دارالفناء وَألقى عذره إِلَى مُوسَى حَيْثُ قَالَ ﴿وَلَكِن انْظُر إِلَى الْجَبَل فَإِن اسْتَقر مَكَانَهُ فَسَوف تراني﴾ فَحل بمُوسَى من الصَّعق مَا حل بِالْجَبَلِ من الدك مَا حل يُعلمهُ أَنه لَا يطيقه احْتِمَاله وَلذَلِك قَالَ (تبت إِلَيْك) لِأَنَّهُ سَأَلَهُ ذَلِك من دَار فانية قذرت بالشرك والمعاصي لشفوفه بربه وزلة عقله فلطف الله لَهُ إِلَى أَن ألْقى إِلَيْهِ عذره فِي ترك إجَابَته وألجأه إِلَى التَّوْبَة إِذْ تبين لَهُ حَتَّى فزع إِلَى التَّنْزِيه لَهُ وَإِلَى التَّوْبَة وَذهب قوم من الغلاة المعطلة إِلَى أَن الله تَعَالَى لَا يرى فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ وَزَعَمت أَن هَذِه صفة من صِفَاته فَلَا تنسخ وَلَا تَتَغَيَّر صفته فَيكون فِي الدُّنْيَا بِخِلَاف مَا فِي الْآخِرَة فَلَمَّا قيل لَهُم فَمن عطل صفة من صِفَاته أَلَيْسَ قد انْقَطع نظام توحيده لِأَن الْعباد وحدوا رَبًّا بِجَمِيعِ صِفَاته فَإِذا عطلت صفة فقد

стр. 929

خرجت من توحيده أفتزعمون أَنه حِين سَأَلَ الرُّؤْيَة انْقَطع النظام وعطل صفة من صِفَاته ففزعوا من هَذَا القَوْل والتجأوا إِلَى أَن مُوسَى ﵇ لم يسْأَل رُؤْيَة الْعين وَإِنَّمَا سَأَلَ مُشَاهدَة الْقلب فَلَمَّا قيل لَهُم إِن مُوسَى ﵇ قَالَ ﴿رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك﴾ وَلم يقل قلبِي ينظر إِلَيْك وَإِن كَانَ هَذَا السُّؤَال للقلب فَلم تجلى للجبل قَالُوا إِنَّمَا جعل فِي الْجَبَل آيَة من آيَاته فتجلت الْآيَة للجبل يُقَال لَهُ يَقُول الله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا تجلى ربه للجبل﴾ وَأَنت تَقول آيَة من آيَاته كفى لَهُ بِهَذَا خزيا

стр. 930

- الأَصْل الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ والمائتان - فِي التَّعَوُّذ من النِّفَاق عَن مَالك بن أنس ﵁ قَالَ خَطَبنَا أَبُو بكر الصّديق ﵁ فَقَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (تعوذوا بِاللَّه من خشوع النِّفَاق) قيل يَا رَسُول الله وَمَا خشوع النِّفَاق قَالَ (خشوع الْبدن ونفاق الْقلب) عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ رأى رجلا يعبث بلحيته فِي الصَّلَاة فَقَالَ (لَو خشع قلبه لخشعت جوارحه) قَالَ أَبُو عبد الله فخشوع الْقلب من الْمعرفَة فَكلما كَانَ أوفر حظا من الْعلم بِاللَّه والمعرفة بآلائه كَانَ أخشع فأثقال الْمعرفَة حلت بِالْقَلْبِ فأدت الْقلب إِلَى ثَلَاث خشعة وخضعة وذلة فالذلة الحذر والخضعة اللين والخشعة الانكسار والانحناء فَهَذِهِ صفة الْقلب وَأما صفة النَّفس تَحت أثقال الْقلب فلهَا الخمود مَكَان ذلة الْقلب

стр. 931

والانثناء مَكَان الخضعة والتهافت والتهاتر كالرمل مَكَان الخشعة كَمَا وصف الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْجبَال فَقَالَ ﴿وَكَانَت الْجبَال كثيبا مهيلا﴾ أَي رملا ينهار ويتساقط فَإِذا صَارَت النَّفس هَكَذَا فَصَارَ الْقلب كَمَا وَصفنَا بدءا فقد لزمَه اسْم الْخُشُوع على الْحَقِيقَة وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وخشعت الْأَصْوَات للرحمن فَلَا تسمع إِلَّا همسا﴾ ذهب الصَّوْت وَقُوَّة ذرو الْكَلَام وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن آيَاته أَنَّك ترى الأَرْض خاشعة﴾ أَي سَاقِطَة هامدة فَمن لم يكن فِي قلبه تراكم أثقال الْمعرفَة فتخشع بأركانه فَذَاك نفاق لِأَنَّهُ تماوت وَهُوَ حَيّ فالتماوت مراءاة والرياء نفاق مرّة يرائي الله تَعَالَى فيبتغي عِنْده بذلك جاها ومدحا وَمرَّة يرائي عبيده يَبْتَغِي عِنْدهم جاها ومدحا فيتخشع وَلَيْسَ بخاشع أَلا ترى إِلَى قَول رَسُول الله ﷺ إِذا قَامَ العَبْد بَين يَدي الله لَا يتفرغ للعبث فِي الصَّلَاة وَإنَّهُ كَمَا انتصب لله جسده فِي الظَّاهِر فقد انتصب قلبه فِي الْبَاطِن وكما رمى ببصره فِي الظَّاهِر حَيْثُ يَقع من الْخلقَة فَكَذَلِك رمى ببصر قلبه إِلَى الْمقَام الَّذِي رتب لَهُ إِن كَانَ من أهل الْمرتبَة وَإِلَّا فِي متعبده إِن لم يكن من أهل الْمرتبَة قَالَ لَهُ قَائِل وَأَيْنَ الْمَرَاتِب قَالَ الصديقون مَرَاتِبهمْ من الْعَرْش على أصنافهم عَسْكَر دون الْعَرْش

стр. 932

وعسكر على الْعَرْش وعسكر فِي الملكوت والخاصة فِي ملك الْملك بَين يَدَيْهِ فأبصار قُلُوبهم هُنَاكَ وأبصار وُجُوههم فِي مواقع الْخلقَة قيل لَهُ وَمَا مواقع الْخلقَة قَالَ إِن العَبْد إِذا أَقَامَ على الْخلقَة ثمَّ رمى ببصره على الْخلقَة فَأَما يَقع من الأَرْض بمَكَان لَو خر سَاجِدا لوقعت جَبهته على تِلْكَ الْبقْعَة الَّتِي لَو كَانَ قَائِما فَرمى ببصره لم يَتَعَدَّ تِلْكَ الْبقْعَة وَلم يقصر عَنْهَا وَإِذا ركع فَرمى ببصره على الْخلقَة فَإِنَّمَا يَقع على مَوضِع الْقَدَمَيْنِ وَإِذا سجد فَرمى ببصره فَإِنَّمَا يَقع على مَوضِع الصَّدْر مِنْهُ وَإِذا قعد للتَّشَهُّد فَرمى ببصره فَإِنَّمَا يَقع على رَأس رُكْبَتَيْهِ وطرف فَخذيهِ فَهَذَا كُله رمى ببصره حَيْثُ وَقع لَيْسَ فِيهِ تكلّف وَلَا اسْتِعْمَال لِلْبَصَرِ وَإِنَّمَا الِاسْتِعْمَال فِي وَقت النّظر فَهَذَا رمي خرج من سُلْطَان الْبَصَر وَلَيْسَ بِنَظَر وَالْقلب رام ببصره حَيْثُ وَصفنَا من العلى فِي مَرَاتِبهمْ مَرَاتِب الْأَوْلِيَاء وَالصديقين وَمن لم يكن من أهل الْمَرَاتِب فَفِي متعبده بَين الْعِزَّة حَيْثُ اسْتَقر الْقُرْآن فِي وَقت نُزُوله جملَة فِي شهر رَمَضَان فِي السَّمَاء الدُّنْيَا فَذَاك مَحل المتعبد فَمِنْهَا قبلوا الْقُرْآن بِمَا فِيهِ من العبودة علم الْعباد هَذِه الصّفة أَو لم يعلمُوا فَإِنَّهُم داخلون فِي هَذَا الْبَاب كَمَا تَجِد الْمُسلمين كلهم قد دخلُوا فِي الْمِيثَاق يَوْم استخرجهم من الأصلاب علمُوا أَو لم يعلمُوا فَإِنَّمَا يجزون وتجزى أَرْوَاحهم ويحقق لَهُم بذلك الْأَشْيَاء من التَّقَرُّب وَوجدنَا للصَّلَاة ثَلَاث مَرَاتِب عَلَيْهَا رتب أهل الصَّلَاة وَقد ذكرهم الله تَعَالَى فِي تَنْزِيله فحافظون ومداومون وخاشعون قَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين هم على صلَاتهم يُحَافِظُونَ﴾ الَّذين

стр. 933

هم على صلَاتهم دائمون) وعدهم عَلَيْهَا الْكَرَامَة فِي الْجنَّة فَقَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ فِي جنَّات مكرمون﴾ وَقَالَ ﴿قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون﴾ فَوَعَدَهُمْ على ذَلِك الْفَلاح والفلاح اسْم يَنْتَظِم الْكَرَامَة والترقي فِي الدَّرَجَات وَالْأَخْذ من الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب والأثرة فِي ذَات الله والمحافظة على الْوَقْت والمداومة على اسْتِعْمَال الْأَركان بحدودها فِي الصَّلَاة وَهُوَ أَن لَا يلْتَفت فِي وَقت الانتصاب وَلَا يتمايل ويسكن أَطْرَافه وَلَا يسْتَعْمل مِنْهَا شَيْئا إِلَّا لضَرُورَة وَعلة مثل الترواح على إِحْدَى الْقَدَمَيْنِ وَمثل حل شَيْء من جسده لذباب يُؤْذِي أَو بعوضة تشغله عَن الصَّلَاة فَتلك ضَرُورَة أَو بزاق أَو مخاط فَهَذِهِ كلهَا علل يعْذر فِيهَا وَإِذا ركع سوى ظَهره لركوعه فَيكون مقدمه كمؤخره وَإِذا سجد خوى وجخى التخوية إِعْطَاء كل مفصل وعضو حَظه من الانتكاس للسُّجُود والتجخية توقيا للانبساط ليَكُون كَهَيئَةِ الساجدين لَا كَهَيئَةِ المنبطحين على الأَرْض ببطونهم وصدورهم فَإِن تِلْكَ ضجعة أهل النَّار على وُجُوههم فَإِذا جخى توقى تِلْكَ الْهَيْئَة وَإِذا خوى أَرَادَ تركيب السُّجُود بَعْضًا على بعض وَإِنَّمَا سمي سجودا لتركيب الْأَعْضَاء بَعْضهَا على بعض وَإِذا رفع رَأسه من الرُّكُوع لم ينحط حَتَّى يفصل الرُّكُوع من السُّجُود بِقِيَام كل عُضْو مِنْهُ إِلَى مَكَانَهُ وَإِذا سجد فَرفع رَأسه لم يعد إِلَى السَّجْدَة الْأُخْرَى حَتَّى يعود قَاعِدا كَمَا كَانَ وَيرجع كل عُضْو مِنْهُ إِلَى مَكَانَهُ فَذَاك إتْمَام الرُّكُوع وَالسُّجُود وَإِذا قعد جثا على رُكْبَتَيْهِ

стр. 934

وَنصب الْيُمْنَى مِنْهُ وافترش الْيُسْرَى مُعْتَمدًا بجلسته عَلَيْهَا فالمداومة على الصَّلَاة مَا وَصفنَا وَأما الْخُشُوع فَهُوَ على الْقلب وَمن عِنْده يَبْتَغِي فَإِذا لم يكن هُنَاكَ فَلَيْسَ بخشوع إِنَّمَا هُوَ مداومة فالمحافظة من الخشية والمداومة من الْخَوْف والخشعة من التجلي فَإِذا خشِي الْقلب حَافظ وَإِذا خَافَ داوم وَإِذا خشع فالأركان مستعملة فِي القبضة ثمَّ يتَحَوَّل صِفَات الخشعة على اخْتِلَاف صور الْأَفْعَال فِيهَا فأولها خشعة فِي صُورَة الْأسر ثمَّ من بعْدهَا خشعة الْخدمَة ثمَّ من بعْدهَا خشعة العبودة ثمَّ من بعْدهَا خشعة الرّقّ ثمَّ من بعْدهَا خشعة الْحَمد ثمَّ من بعْدهَا خشعة التَّعَلُّق ثمَّ من بعْدهَا خشعة التضرع والملق من الأمل الفسيح فِي خشعته لِأَنَّهُ قد جعل إِلَى ذَلِك سَبِيلا للأحباب وَقَالَ تَعَالَى فِي تَنْزِيله ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ عَن الْمطلب بن أبي ودَاعَة عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الصَّلَاة مثنى مثنى وَتشهد فِي كل رَكْعَتَيْنِ وتباؤس وتمسكن وَتَقَع بيديك وَتقول اللَّهُمَّ اللَّهُمَّ فَمن لم يفعل ذَلِك فَهُوَ خداج قَوْله تباؤس مَأْخُوذ من الْبُؤْس وَهُوَ أَن تفْتَقر إِلَى رَبك افتقار من كَانَ تُرَابا فخلق بشرا وَالتَّبَاؤُس والتخشع قريب أَحدهمَا من الآخر وَالله أعلم وَأحكم

стр. 935

- الأَصْل السَّادِس وَالْأَرْبَعُونَ والمائتان - فِي مَا يُقَال عِنْد النّوم عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا آوى إِلَى فرَاشه كل لَيْلَة جمع كفيه ثمَّ نفث فيهمَا فَقَرَأَ فيهمَا قل هُوَ الله أحد وَقل أعوذ بِرَبّ الفلق وَقل أعوذ بِرَبّ النَّاس وَيمْسَح بهما مَا اسْتَطَاعَ من جسده وَيبدأ بهما على رَأسه وَوَجهه وَمَا أقبل من جسده وَيفْعل ذَلِك ثَلَاث مَرَّات وروى مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا اشْتَكَى قَرَأَ على نَفسه المعوذات

стр. 936

وينفث فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعه كنت أَقرَأ عَلَيْهِ وأمسح عَلَيْهِ بِيَدِهِ رَجَاء بركتها عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا آوى إِلَى فرَاشه نفث بكفيه بقل هُوَ الله أحد والمعوذتين ثمَّ يمسح بهما وَجهه وعضده وصدره حَيْثُ مَا بلغت من جسده فَلَمَّا اشْتَكَى أَمرنِي أَن أفعل ذَلِك بِهِ فَكنت أَقُول أَعْطِنِي كفيك أَمسَح بهما ببركتهما قَالَ يُونُس فَكنت أرى ابْن شهَاب يفعل ذَاك إِذا آوى إِلَى فرَاشه عَن زِيَاد بن سعد أَن ابْن شهَاب حَدثهُ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة ﵁ قَالَت كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا اشْتَكَى نفث على نَفسه بالمعوذات فَمسح بيدَيْهِ فَلَمَّا اشْتَكَى وَجَعه الَّذِي قبض فِيهِ طفقت أنفث عَلَيْهِ بالمعوذات وأمسح عَلَيْهِ بيدَيْهِ قَالَ أَبُو عبد الله فَفِي حَدِيث عقيل يخبر أَنه بَدَأَ فنفث فَقَرَأَ كَأَنَّهُ دلّ على أَن النفث كَانَ قبل الْقِرَاءَة وَفِي حَدِيث مَالك بَدَأَ بِذكر الْقِرَاءَة ثمَّ النفث وَفِي حَدِيث يُونُس بَدَأَ بِذكر النفث بِالْقِرَاءَةِ لِأَنَّهُ قَالَ نفث بقل هُوَ الله أحد فَلَا يكون هَذَا النفث إِلَّا بعد الْقِرَاءَة وَإِذا فعل الشَّيْء بالشَّيْء كَانَ ذَلِك الشَّيْء مقدما حَتَّى يَأْتِي الشَّيْء الثَّانِي فَقَالَ فِي حَدِيث يُونُس نفث بقل هُوَ الله أحد دلّ على أَن الْقِرَاءَة مُقَدّمَة ثمَّ نفث ببركتها لِأَنَّهُ يَبْتَغِي من قِرَاءَة هَذِه السُّور أَن يصل إِلَى الْجَسَد

стр. 937

نورها وبركتها وَلَا يقدر على الإيصال إِلَّا بِمثل هَذَا وَذَلِكَ أَن العَبْد إِذا قَرَأَ استنار صَدره بِنور ذَلِك الْكَلَام الَّذِي يتلوه كل قَارِئ على قدره فَإِذا نفث فَإِنَّمَا ينفث من الصَّدْر فالنفث من الرّوح والنفخ من النَّفس وعلامة ذَلِك أَن الرّوح بَارِد وَالنَّفس حَار وَإِذا قَالَ بف خرجت الرّيح بَارِدَة فَذَاك من برد الرّوح وَإِذا قَالَ هاه خرجت الرّيح حارة فَتلك من النَّفس فَالْأولى نفثة وَهَذِه الثَّانِيَة نفخة وَإِنَّمَا صَار هَكَذَا لِأَن الرّوح مَسْكَنهَا فِي الرَّأْس ثمَّ هِيَ منفث فِي جَمِيع الْجَسَد وَالنَّفس مَسْكَنهَا فِي الْبَطن ثمَّ هِيَ منفشة فِي جَمِيع الْجَسَد وَفِي كل وَاحِدَة مِنْهُمَا حَيَاة بهَا يسْتَعْمل الْجَسَد بالحركات فالروح سماوي وَالنَّفس أرضية وَالروح عَادَتهَا الطَّاعَة وَالنَّفس عَادَتهَا الشَّهَوَات فَإِذا ضم شَفَتَيْه اعتصرت الرّوح فِي مَسْكَنهَا فَإِذا قصد لإرسالها خرجت على شَفَتَيْه مَعَ الْبرد فَذَاك النفث وَإِذا فتح فَاه فاعتصرت النَّفس فَإِذا أرْسلت خرجت ريح حارة وَإِنَّمَا جَاءَ الْخَبَر بالنفث لِأَن الرّوح أسْرع نهوضا إِلَى نور تِلْكَ الْكَلِمَات وأوفر حظا من النَّفس وَالنَّفس ثَقيلَة بطيئة عاجزة فَأدى الرّوح إِلَى الْكَفَّيْنِ بذلك النفث ريحًا قد باشرت أنوار الصَّدْر الَّتِي أنارتها تِلْكَ الْكَلِمَات وأشعلتها بِمَا جَاءَ من الْمَزِيد فَإِن فِي كل كلمة مِنْهَا نورا وَفِي كل حرف من تِلْكَ الْكَلِمَة نورا فَإِذا صَارَت الرّيح إِلَى الْكَفَّيْنِ بالنفث مسح بهما وَجهه وَمَا أقبل من جسده ثمَّ بعد ذَلِك حَيْثُ مَا بلغ من جسده لِأَن الْحق للْوَجْه لِأَن الصُّورَة فِيهِ ثمَّ الْحق من بعد ذَلِك لما أقبل من الْجَسَد لِأَن قبالة الْمُؤمن حَيْثُ مَا كَانَ فَهُوَ لقبالة الله وَكَذَلِكَ قلبه فِي الْبَاطِن فَالْحق لَهُ فِي النفث أَن يبْدَأ بِالْوَجْهِ ثمَّ بِمَا أقبل من جسده وتفاوت النغثات من أَهلهَا على قدر نور قُلُوبهم وعلمهم بِتِلْكَ الْكَلِمَات فَإِذا فعل ذَلِك بجسده عِنْد إيوائه إِلَى فرَاشه كَانَ كمن اغْتسل بِأَطْهَرَ مَاء وأطيبه

стр. 938

فَمَا ظَنك بِمن يغْتَسل بأنوار كَلِمَات الله تَعَالَى وَكَانَ ذَلِك أَيْضا كَثوب نفض من غباره وخلص من شوكه وتباعد من الزهومات فَعَاد طريا طيبا فَخرجت نَفسه إِلَى الله فِي مَنَامه كَذَلِك هَذَا سوى الاسْتِغْفَار وَالتَّوْبَة وَالتَّسْبِيح وَالدُّعَاء الَّذِي أَشَارَ رَسُول الله ﷺ للْأمة عِنْد منامهم وَإِنَّمَا اخْتَار هَذِه القلات الثَّلَاث لِأَن فِي إِحْدَاهُنَّ مِدْحَة الله تَعَالَى ونعته فبه يطهر وينزه ويطيب وبالمعوذتين يتَخَلَّص من الشّرك وَلِأَن على ابْن آدم عدوين عظيمي الْمُؤْنَة النَّفس والشيطان يأتيان بِالشَّكِّ والشرك فِي الْيَقَظَة ويأتيان بِالْعينِ الحاسدة الَّتِي تهدم أَرْكَان النِّعْمَة وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ الْعين حق وَأكْثر من يَمُوت من أمتِي بعد قَضَاء الله بِالنَّفسِ وَإِنَّمَا صَار هَكَذَا لِأَن هَذِه الْأمة أيدت بِالْيَقِينِ وفضلت بِهِ وطريقهم إِلَى الله تَعَالَى وَاسِعَة فطولبوا بِمَا فضلوا أَن ينسبوا كل شَيْء يستحسنونه إِلَى خالقه ويبركوا فيقولوا تبَارك الله فَإِذا تركُوا ذَلِك إعجابا بذلك الشَّيْء تهافت ذَلِك الشَّيْء وَذهب حسنه وَهلك وَلذَلِك قَالَ ﷺ حَيْثُ سبق نَاقَة الاعرابي نَاقَة رَسُول الله ﷺ حَيْثُ استبقا فَقَالَ حق على الله أَن لَا يرفع النَّاس أَعينهم إِلَى شَيْء إِلَّا وَضعه الله

стр. 939

وَإِنَّمَا ذمّ رَسُول الله ﷺ تِلْكَ الْعُيُون الغافلة عَن الله تَعَالَى فسماها حاسدة فَقَالَ ﴿وَمن شَرّ حَاسِد إِذا حسد﴾ فَإِنَّمَا سمي حَاسِدًا لِأَنَّهُ يحصد الْأَشْيَاء حصدا ويستأصلها بِسوء نظرته العاجزة عَن الله تَعَالَى وَالسِّين وَالصَّاد يعتقبان يُجزئ أَحدهَا عَن الآخر كَقَوْلِك صِرَاط وسراط فَإِن قَالَ قَائِل فَإِن كَانَ هَذَا النَّاظر بغفلته هُوَ الْجَانِي فَمَا بَال المنظور إِلَيْهِ لحقته الْعقُوبَة قيل لَيْسَ لَهُ ذَا عُقُوبَة وَلَكِن هَذَا تَدْبِير الله تَعَالَى فِي عباده أَلا يرى أَن السَّاحر يسحر بأخذته فيخلص الضَّرَر إِلَى من سحره حَتَّى يعالج وَكَذَلِكَ فعل برَسُول الله ﷺ حَتَّى أنزلت عَلَيْهِ المعوذتان فَكَانَ جِبْرَائِيل ﵇ يقْرَأ كل آيَة وَيحل عقدَة وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن شَرّ النفاثات فِي العقد﴾ فالساحر يعْقد وينفث فَيُؤْخَذ بهَا أَعْضَاء من يَقْصِدهُ بذلك فَكَذَلِك هَذَا يخلص إِلَيْهِ ضَرَر نظرته المشوبة بالإعجاب حَتَّى يَأْخُذهُ عدنا إِلَى حَدِيث يُونُس عَن الزُّهْرِيّ قُلْنَا فَمن اتخذ هَذَا الْفِعْل عِنْدَمَا يأوي إِلَى فرَاشه عَادَة رأى النَّفْع الظَّاهِر فِي جسده وَسَائِر أُمُوره لِأَن النَّفس تعرج إِلَى الله فِي منامها مَعَ الْبركَة وَالطَّهَارَة والنزاهة والتخلص من الشّرك بِقِرَاءَة هَذِه السُّورَة فتسجد تَحت الْعَرْش وَهِي بِهَذِهِ الصّفة قد اغْتَسَلت بِهَذِهِ الْأَشْيَاء فتنال من حباء الله وكرامته مَا ترجع بِهِ إِلَى الْجَسَد بِالْخَيرِ الْكثير والمزيد الشافي وَإِذا عرجت إِلَى الله تَعَالَى بِغَيْر هَذِه الصّفة سجدت وَهِي خَالِيَة عَن هَذِه الْأَشْيَاء فينال من الحباء والكرامة على قدره

стр. 940

عَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ قَالَ تعرج الْأَرْوَاح إِلَى الله تَعَالَى فِي منامها فَمَا كَانَ طَاهِرا يسْجد تَحت الْعَرْش وَمَا لم يكن طَاهِرا يسْجد قاصيا فَلذَلِك يسْتَحبّ أَن لَا ينَام الرجل إِلَّا وَهُوَ طَاهِر قَالَ أَبُو عبد الله فَإِنَّمَا ذكر عبد الله بن عَمْرو فِي حَدِيثه الْأَرْوَاح وَإِنَّمَا هِيَ النُّفُوس وَقد يُسَمِّي الشَّيْء باسم قرينه كَمَا قيل قلب وفؤاد فالقلب مَا بطن والفؤاد مَا ظهر وَفِيه العينان والأذنان وَالْخُرُوج من منامها للنفوس وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا وَالَّتِي لم تمت فِي منامها فَيمسك الَّتِي قضى عَلَيْهَا الْمَوْت وَيُرْسل الْأُخْرَى إِلَى أجل مُسَمّى﴾ عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ إِن النُّفُوس تعرج إِلَى الله تَعَالَى فِي منامها فَمَا كَانَ طَاهِرا سجد تَحت الْعَرْش وَمَا كَانَ غير طَاهِر تبَاعد فِي سُجُوده وَمَا كَانَ جنبا لم يُؤذن لَهَا فِي السُّجُود قَالَ أَبُو عبد الله فَإِذا كَانَ بِطَهَارَة الْوضُوء ينَال الْقرْبَة تَحت الْعَرْش حَتَّى يسْجد هُنَاكَ فَكيف إِذا أَتَى بِطَهَارَة وَتَوَضَّأ ونزه وطاب وطهر بأنوار كَلَام الله تَعَالَى الَّتِي ترددت فِي صَدره وَنَفث مِنْهَا على جسده إِن هَذِه لسجدة لَهَا عِنْد الله خطر عَظِيم

стр. 941

- الأَصْل السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ والمائتان - فِي حسن الْخلق عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن العَبْد ليبلغ بِحسن خلقه دَرَجَة الصَّوْم وَالصَّلَاة فدرجة الصَّوْم دَرَجَة الصابرين ودرجة الصَّلَاة دَرَجَة الشَّاكِرِينَ فَإِذا وصل العَبْد إِلَى دَرَجَة الشَّاكِرِينَ وَالصَّابِرِينَ فقد جمع الْإِيمَان كُله وَذَلِكَ قَول رَسُول الله ﷺ الْإِيمَان نِصْفَانِ نصف للشكر وَنصف للصبر وَإِذا جمع العَبْد الْإِيمَان كُله انْقَطع بِقُوَّة هَذَا الْإِيمَان إِلَى الله تَعَالَى وَإِذا انْقَطع إِلَى الله نجا من شرور النَّفس وخدعها وأمانيها وَصَارَ فِي معَاذ الله من وساوسها

стр. 942

روى عمرَان بن حُصَيْن عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (من انْقَطع إِلَى الله كَفاهُ مُؤْنَته ورزقه من حَيْثُ لَا يحْتَسب) وَبِذَلِك أَمر الله تَعَالَى نبيه ﷺ فَقَالَ ﴿وَاذْكُر اسْم رَبك وتبتل إِلَيْهِ تبتيلا رب الْمشرق وَالْمغْرب لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فاتخذه وَكيلا﴾ فَمن تمسك بِهَذِهِ الْآيَة عَاشَ حرا كَرِيمًا وَمَات حرا كَرِيمًا وَلَقي الله تَعَالَى عبدا صافيا خَالِصا وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ فِي حَدِيث الرُّؤْيَا وَرَأَيْت رجلا من أمتِي بَينه وَبَين الله حجاب فَجَاءَهُ حسن خلقه فَأدْخلهُ على الله تَعَالَى فَهَذَا يُحَقّق مَا قُلْنَا بدءا إِن حسن الْخلق يُؤَدِّيه إِلَى الله انْقِطَاعًا عَن النَّفس وفتنتها وَحسن الْخلق على ثَلَاث منَازِل أول منزلَة مِنْهَا أَن يحسن خلقه مَعَ أمره وَنَهْيه وَيَأْمُر يأتمر وَيَنْتَهِي عَن مناهيه فَإِذا أحكم هَذَا تخطى إِلَى الْمنزلَة الثَّانِيَة وَهُوَ أَن يحسن خلقه مَعَ جَمِيع خلقه على سَبِيل المساعدة والمقاربة والمساهلة واللين والرفق والمواتاة والمواراة ومعاشرة الْجَمِيل فَإِذا حكم هَذَا تخطى إِلَى الْمنزلَة الثَّالِثَة وَهُوَ أَن يحسن خلقه مَعَ تَدْبِير الله تَعَالَى فِي كل أُمُوره فَلَا يُرِيد إِلَّا مَا يُرِيد الله وَلَا يَشَاء إِلَّا مَا يَشَاء الله فعينه مَادَّة إِلَى مَا يبرز لَهُ سَاعَة فساعة من حجاب الملكوت من تِلْكَ الغيوب من تَدْبيره فيتلقاه مهتشا رَاضِيا وَقد ائْتمن الله على نَفسه وَأَحْوَالهَا فَهَذَا رجل قد اسْتكْمل حسن الْخلق واستراح قلبه واطمأنت نَفسه واستقامت جوارحه وَألقى إِلَى الله بيدَيْهِ سلما وَوَجَدته كَافِيا كَرِيمًا حسنا مولى وناصرا فَنعم الْمولى وَنعم النصير

стр. 943

وَإِذا قَالَ حِينَئِذٍ حسبي الله صدقه على عَرْشه وَإِذا قَالَ كفى بِاللَّه وَكيلا كَفاهُ الله وَإِذا توكل على الله هيأه لَهُ وَإِذا اتكل على كرمه وفى لَهُ بِمَا هُوَ سَأَلَهُ وَلَو كَانَ ذَلِك طي الأَرْض وَالْمَشْي فِي الْهَوَاء وَلَو سَأَلَهُ يَوْم الْقِيَامَة أمة لشفعه فيهم وَكَانَ مَسْكَنه فِي أَعلَى الْجنان يُحَقّق مَا قُلْنَاهُ قَول رَسُول الله ﷺ من ترك الْكَذِب وَهُوَ بَاطِل بني لَهُ فِي ربض الْجنَّة وَمن ترك المراء وَهُوَ محق بني لَهُ فِي وَسطهَا وَمن حسن خلقه بني لَهُ فِي أَعْلَاهَا فَالَّذِي قَالَه رَسُول الله ﷺ فِي حَدِيث أبي الدَّرْدَاء ﵁ إِن العَبْد ليبلغ بِحسن خلقه دَرَجَة الصَّائِم الْقَائِم وَهُوَ عندنَا دَرَجَة المعاشرة مَعَ خلقه مَعَ الائتمار بأَمْره والتناهي عَمَّا نهى عَنهُ فَهَذَا عبد نزل من حسن الْخلق دَرَجَتَيْنِ فَصَارَ كمن صَامَ نَهَاره وَقَامَ ليله فَهُوَ صابر شَاكر وَإِنَّمَا بقيت الدرجَة الْعليا فَتلك دَرَجَة المنفردين خَاصَّة الله

стр. 944

- الأَصْل الثَّامِن وَالْأَرْبَعُونَ والمائتان - فِي الصَّبْر عِنْد الْمَرَض عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من مرض لَيْلَة فَصَبر وَرَضي بهَا عَن الله خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه قَالَ أَبُو عبد الله جاد العَبْد بِنَفسِهِ على الله لَيْلَة وَاحِدَة فجاد الله عَلَيْهِ بمغفرة طهرته من جَمِيع الذُّنُوب فَصَارَ كمن لَا ذَنْب لَهُ فَهَكَذَا شَأْن الْكَرِيم مَعَ الْمُؤمنِينَ هَذَا فِيمَن جاد عَلَيْهِ بليلة فَكيف بِمن جاد عَلَيْهِ فِي جَمِيع عمره بِمَاذَا يجود عَلَيْهِ يجود عَلَيْهِ غَدا بِوَجْهِهِ الْكَرِيم حَتَّى يصير بِالصّفةِ الَّتِي ذكرهَا فِي تَنْزِيله عِنْدَمَا ذكر لظى نَعُوذ بِاللَّه مِنْهَا ﴿وسيجنبها الأتقى الَّذِي يُؤْتِي مَاله يتزكى﴾ إِلَى قَوْله ﴿ولسوف يرضى﴾ أَي ابْتغى بِهَذَا التَّقْوَى والصفاء

стр. 945

وَالْإِخْلَاص أَن يلقى وَجهه الْكَرِيم قلبا ويلقاه غَدا فِي الْموقف رُؤْيَة ويلقاه فِي الفردوس نظرا وَذَلِكَ مُنْتَهى المنى وَالنَّظَر أَكثر من الرُّؤْيَة لِأَنَّهُ يرَاهُ فِي الْموقف رُؤْيَة الديَّان عرضا وقبولا وَجَزَاء وَفِي الفردوس رُؤْيَة الحنان نظرا وبهجة وسرورا وَلَذَّة ثمَّ خَتمه بقوله ﴿ولسوف يرضى﴾ أَي يعْطى حَتَّى يرضى وَإِنَّمَا يعْطى مَا يعقل العَبْد ثمَّ بَين وَرَاء ذَلِك مَا لم يعقله عَن جَابر بن عبد الله أَظُنهُ رَفعه قَالَ يَقُول الله تَعَالَى يَا أهل الْجنان بَقِي لكم شَيْء لم تنالوه فَيَقُولُونَ وَمَا هُوَ يَا رَبنَا فَيَقُول رِضْوَانِي فالرضوان آخر مَا ينَال أهل الْجنَّة لَا شَيْء أكبر مِنْهُ ذكر الله جنَّات عدن فِي تَنْزِيله ثمَّ قَالَ ﴿ورضوان من الله أكبر﴾ فَكل عبد من أهل الْجنَّة حَظه من الرضْوَان هُنَاكَ فِيهَا على قدر جوده بِنَفسِهِ على الله فِي الدُّنْيَا أَلا ترى إِلَى أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يَوْم الْحُدَيْبِيَة حَيْثُ بَايعُوا رَسُول الله ﷺ على الْمَوْت وَكَانَت الْبيعَة تَحت الشَّجَرَة فِي ذَلِك الْوَادي أنزل الله تَعَالَى ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة فَعلم مَا فِي قُلُوبهم فَأنْزل السكينَة عَلَيْهِم وأثابهم فتحا قَرِيبا﴾ الْآيَة أوجب لَهُم الرضاء فِي بذلة وَاحِدَة بذلوا نُفُوسهم لله تَعَالَى مَعَ رَسُول الله ﷺ فَكيف بِمن بذل نَفسه فِي جَمِيع عمره لله فَمن أوجب الله لَهُ الرضاء عَنهُ فِي الدُّنْيَا فحظه فِي الْجنَّة الرضْوَان كُله

стр. 946

- الأَصْل التَّاسِع وَالْأَرْبَعُونَ والمائتان - فِي مَسْأَلَة التثبيت للْمَيت عِنْد الدّفن عَن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا دفن مَيتا وقف وَسَأَلَ لَهُ التثبيت وَكَانَ يَقُول مَا يسْتَقْبل الْمُؤمن من هول الْآخِرَة إِلَّا والقبر أفظع مِنْهُ قَالَ أَبُو عبد الله ﵀ فالوقوف على الْقَبْر وسؤال التثبيت لِلْمُؤمنِ فِي وَقت دَفنه مدد للْمَيت بعد الصَّلَاة لِأَن الصَّلَاة بِجَمَاعَة الْمُؤمنِينَ كالعسكر لَهُ قد اجْتَمعُوا بِبَاب الْملك فيشفعون لَهُ وَالْوُقُوف على الْقَبْر لسؤال التثبيت مدد الْعَسْكَر وَتلك سَاعَة شغل الْمُؤمن لِأَنَّهُ يستقبله هول المطلع وسؤال وفتنة فتاني الْقَبْر مُنكر وَنَكِير فَإِنَّمَا سميا فتاني الْقَبْر لِأَن فِي سؤالهما انتهارا وَفِي خلقهما صعوبة أَلا ترى أَنَّهُمَا سميا مُنْكرا ونكيرا فَإِنَّمَا سميا بذلك لِأَن خلقهما لَا يشبه خلق الْآدَمِيّين وَلَا خلق الْمَلَائِكَة وَلَا خلق طير وَلَا خلق الْبَهَائِم وَلَا خلق

стр. 947

الْهَوَام بل هما خلق بديع وَلَيْسَ فِي خلقهما أنس للناظرين إِلَيْهِمَا خلقهما الله تَعَالَى مكرمَة للْمُؤْمِنين وتبصرة وهتكا لستر الْمُنَافِق فِي البرزخ من قبل أَن يبْعَث حَتَّى يحل عَلَيْهِ الْعَذَاب وَإِنَّمَا صَارَت مكرمَة لِلْمُؤمنِ لِأَن الْعَدو لم يَنْقَطِع طمعه بعد فَهُوَ يَتَخَلَّل السَّبِيل إِلَى أَن يحيره فِي البرزخ وَمِمَّا يُحَقّق ذَلِك مَا روى سعيد بن الْمسيب ﵁ قَالَ حضرت عبد الله بن عمر فِي جَنَازَة فَلَمَّا وَضعه فِي اللَّحْد قَالَ بِسم الله وَفِي سَبِيل الله وعَلى مِلَّة رَسُول الله فَلَمَّا أَخذ فِي تَسْوِيَة اللَّحْد قَالَ اللَّهُمَّ أجره من الشَّيْطَان وَمن عَذَاب الْقَبْر وَمن عَذَاب النَّار فَلَمَّا سوى الْكَثِيب عَلَيْهِ قَامَ جَانب الْقَبْر ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ جَاف الأَرْض من كثيبها وَصعد روحه ولقه مِنْك رضوانا فَقلت لِابْنِ عمر أشيئا سمعته من رَسُول الله ﷺ أم شَيْئا قلته من تِلْقَاء نَفسك قَالَ إِنِّي إِذا لقادر على القَوْل بل سمعته من رَسُول الله ﷺ عَن عَمْرو بن مرّة قَالَ كَانُوا يستحبون إِذا وضع الْمَيِّت فِي اللَّحْد أَن يُقَال اللَّهُمَّ أعذه من الشَّيْطَان الرَّجِيم فَإِنَّمَا كَانُوا يتخوفون من فتْنَة الفتانين من قبل الْعَدو وَأَنه يشبه على من كَانَ فِي قلبه زيغ أَيَّام الْحَيَاة فَروِيَ عَن سُفْيَان الثورى أَنه قَالَ إِذا سُئِلَ الْمَيِّت من رَبك ترَاءى لَهُ الشَّيْطَان فِي صُورَة فيشير إِلَى نَفسه أَي أَنا رَبك فَهَذِهِ فتْنَة عَظِيمَة جعلهَا الله مكرمَة لِلْمُؤمنِ إِذا ثبته ولقنه الْجَواب فَلذَلِك كَانَ رَسُول الله ﷺ يَدْعُو بالثبات يَقُول اللَّهُمَّ ثَبت عِنْد الْمسَائِل مَنْطِقه وَافْتَحْ أَبْوَاب السَّمَاء لروحه فَلَو لم يكن للشَّيْطَان هُنَاكَ سَبِيل مَا كَانَ ليدعو لَهُ رَسُول الله ﷺ بِأَن يجيره من الشَّيْطَان وَإِنَّمَا سُؤال الْمَيِّت فِي هَذِه الْأمة خَاصَّة لِأَن الْأُمَم قبلهَا كَانَت الرُّسُل تأتيهم بالرسالة فَإِذا أَبَوا كفت الرُّسُل فاعتزلت

стр. 948

وعوجلوا بِالْعَذَابِ فَلَمَّا بعث الله مُحَمَّدًا ﷺ بَعثه بِالرَّحْمَةِ وأمانا لِلْخلقِ فَقَالَ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة للْعَالمين﴾ فَأمْسك عَنْهُم الْعَذَاب وَأعْطى السَّيْف حَتَّى يدْخل فِي الْإِسْلَام من دخل لمهابة السَّيْف ثمَّ يرسخ فِي قلبه فأمهلوا فَمن هَهُنَا ظهر أَمر النِّفَاق فَكَانُوا يسرون الْكفْر ويعلنون الْإِيمَان فَكَانُوا بَين الْمُسلمين فِي ستر فَلَمَّا مَاتُوا قيض لَهُم فتانا الْقَبْر ليستخرجا سرهم بالسؤال فَروِيَ فِي الحَدِيث أَنه إِذا سُئِلَ عَن الرَّسُول ﷺ قَالَ لَا أَدْرِي فَيضْرب بالمقامع فَيُقَال لَهُ لَا دَريت و ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾ عَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ هَذِه الْأمة تبتلى فِي قبورها وَأما قَوْله مَا يسْتَقْبل الْمُؤمن من هول الْآخِرَة إِلَّا والقبر أفظع مِنْهُ فَهَذَا لِلْمُؤمنِ خَاصَّة وَأما الْكَافِر فَمَا يستقبله من شَيْء إِلَّا وَهُوَ أفظع من مَا مضى لِأَن الْمُؤمن كلما قرب من ربه تيَسّر عَلَيْهِ الْأَمر وَكَانَ أقرب إِلَى الرَّحْمَة فَإِنَّمَا يُحَاسب الْمُؤمن فِي الْقَبْر ليَكُون أَهْون عَلَيْهِ غَدا إِذا وقف بَين يَدَيْهِ لِأَن الله تَعَالَى أنزل عَبده الْمُؤمن من نَفسه أَنه يستحيي مِنْهُ وَأَنه أوجب لَهُ محبته وَرَحمته ورأفته فَإِذا كَانَت

стр. 949

هَذِه مَنْزِلَته مِنْهُ وَكَانَ من العَبْد جفَاء وانتهاك شَيْء حرمه الله أَو اغترار بقول الْعَدو ويستوجب بذلك الْعقُوبَة ليرضى الْحق أناله ذَلِك فِي الْقَبْر ليمحصه فَيخرج من الْقَبْر وَقد اقْتصّ مِنْهُ وأرضى الْحق عَن حُذَيْفَة ﵁ قَالَ فِي الْقَبْر حِسَاب وَفِي الْآخِرَة حِسَاب فَمن حُوسِبَ فِي الْقَبْر نجا وَمن حُوسِبَ فِي الْقِيَامَة عذب وَلذَلِك مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَن أهل التَّوْحِيد الَّذين تأخذهم النَّار يميتهم الله إماتة حَتَّى تحرق النَّار مِنْهُم مَا تحرق ثمَّ يحييهم فينجيهم عَن أبي سعيد ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ بذلك فَلَا نعلم الإماتة سَببا أكشف عَن الْمَعْنى من الَّذِي ذكرنَا أَن الله تَعَالَى بَعْدَمَا أوجب لعَبْدِهِ محبته ورأفته وَرَحمته وَبِذَلِك جعله أَهلا للكلمة الْعليا لَا إِلَه إِلَّا الله وَكَانَ مِمَّن دخل اسْمه فِي الْآيَة فِي التَّنْزِيل حَيْثُ يَقُول ﴿وألزمهم كلمة التَّقْوَى﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَكَانُوا أَحَق بهَا وَأَهْلهَا﴾ فَمن دخل اسْمه فِي هَذَا المديح وَفِي مثل هَذِه الْمرتبَة ثمَّ حَبسه فِي النَّار حُقُوق الله تَعَالَى حَتَّى يَحْتَرِق مِنْهَا مَا يُرْضِي الْحق كَانَ غير مَدْفُوع أَن الله يستحيي من العَبْد فيميته فِي تِلْكَ النَّار حَتَّى يقْضِي للحق مَا وَجب لَهُ ويرضيه ثمَّ إِذا أَحْيَاهُ أَنْجَاهُ أَلا ترى إِلَى قَول رَسُول الله ﷺ إِن الله يستحيي من عَبده وَأمته أَن يشيبا فِي الْإِسْلَام شيبَة فيعذبهما بالنَّار وَفِي حَدِيث

стр. 950

آخر إِن الله تَعَالَى ليستحيي من عَبده إِذا رفع يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَن يردهما صفرا
следующие страницы →