← Акыда

Акыда · id 721

موسوعة شرح أسماء الله الحسنى

نوال العيد

Полный текст (1 826 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

عبودية تامة: مستعين، ولا ينعكس الأمر؛ لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته، فكانت العبادة أكمل وأتم؛ ولهذا كانت قسم المولى . الاستعانة جزء من العبادة من غير عكس، فقدم الكل على الجزء. الاستعانة طلب منه سُبْحَانَهُ، والعبادة طلب له، فقدم ما هو له على ما هو منه. العبادة لا تكون إلا من مخلص، والاستعانة تكون من مخلص ومن غير مخلص؛ ومن ثم قدم ما هو محض الإخلاص. العبادة حق الله الذي أوجبه على العبد، والاستعانة طلب العون على العبادة؛ وذلك بيان لصدقته التي تصدق بها عليك، وأداء حقه أهم من التعرض لصدقته، فكان ذلك من باب تقديم الأهم على المهم. العبادة شكر لنعمة الله على العبد، والله يحب أن يشكر، والإعانة فعل الله لعبده وتوفيقه له، فمن التزم عبوديته، ودخل تحت رقها أعانه الله عليها، وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة له من الله أعظم؛ ومن ثم فإن في تقديم العبادة تقديمًا للسبب على المسبب. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لله، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] به، والذي له مقدم على ما به؛ لأن ما له: متعلق بمحبته ورضاه، والذي يكون به: متعلق بمشيئته، وما تعلق بمحبته أكمل مما تعلق بمجرد مشيئته؛ إذ الكون كله متعلق بمشيئته كذلك، والملائكة والشياطين والمؤمنون والكفار والطاعات والمعاصي، والمتعلق بمحبته طاعاتهم وإيمانهم، فالكفار أهل مشيئته،

стр. 1017

والمؤمنون أهل محبته؛ ولهذا لا يستقر في النار شيء لله أبدًا، وكل ما فيها فإنه به تَعَالَى وبمشيئته (١). رابعًا: أقسام الاستعانة: الاستعانة طلب العون وهي أنواع: الأول: الاستعانة بالله: وهي الاستعانة المتضمنة لكمال الذل من العبد لربه، وتفويض الأمر إليه، واعتقاد كفايته، وهذه لا تكون إلا لله تَعَالَى، ودليلها قوله تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ووجه الاختصاص: أن الله تَعَالَى قدم المعمول ﴿إِيَّاكَ﴾، وقاعدة اللغة التي نزل بها القرآن أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص، وعلى هذا يكون صرف هذا النوع لغير الله تَعَالَى شركًا مخرجًا عن الملة. الثاني: الاستعانة بالمخلوق على أمر يقدر عليه: فهذه على حسب المستعان عليه كالتالي: إن كانت على بر: فهي جائزة للمستعين، مشروعة للمعين؛ لقوله تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]. إن كانت على إثم: فهي حرام على المستعين، والمعين؛ لقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. إن كانت على مباح: فهي جائزة للمستعين، والمعين، لكن المعين قد يثاب على ذلك ثواب الإحسان إلى الغير؛ ومن ثم تكون في حقه مشروعة؛ لقوله تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].

стр. 1018

الثالث: الاستعانة بمخلوق حي حاضر غير قادر: فهذه لغو لا طائل تحتها، مثل أن يستعين بشخص ضعيف على حمل شيء ثقيل. الرابع: الاستعانة بالأموات مطلقًا، أو بالأحياء على أمر غائب لا يقدرون على مباشرته: فهذا شرك؛ لأنه لا يقع إلا من شخص يعتقد أن لهؤلاء تصرفًا خفيًّا في الكون. خامسًا: تقسيم الناس بحسب الاستعانة: التعبد باسم الله (المستعان) يوجب على العبد أن يستعين به في كل أحواله، ولكن الناس في الاستعانة بالله تَعَالَى على أقسام. ذكر الإمامان ابن تيمية، وابن القيم -رحمهما الله- طرفًا من هذه الأقسام، فتحدث كل منهما عن جهة للتقسيم، ومن الأولى بنا أن نذكر كلام الإمامين؛ لتتكامل لدينا الصورة، وتتضح معالمها. وقد تكلم الإمام ابن القيم عن أقسام الناس في عبادة الله والاستعانة به، وقسمهم إلى أربعة أقسام، وهي: أجلُّها وأفضلُها: أهل العبادة والاستعانة بالله عليها، فعبادة الله غاية مرادهم، وطلبهم منه أن يعينهم عليها، ويوفقهم للقيام بها؛ ولهذا كان من أفضل ما يسأل الرب الإعانة على مرضاته، وهو الذي علمه النبي ﷺ لحِبه معاذ بن جبل ﵁، فعن معاذ ﵁، قال: «لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَنَا وَاللهِ أُحِبُّكَ. قَالَ: فَإِنِّي أُوصِيكَ بِكَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ: اللهمَّ أَعِنِّي

стр. 1019

عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (١)؛ فأنفع الدعاء طلب العون على مرضاته، وأفضل المواهب إسعافه بهذا المطلوب، وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضاده، وعلى تكميله وتيسير أسبابه، فتأملها. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية- قدس الله روحه-: تأملت أنفع الدعاء فإذا هو: سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. ومقابل هؤلاء: القسم الثاني، وهم المعرضون عن عبادته والاستعانة به، فلا عبادة ولا استعانة، بل إن سأله أحدهم واستعان به فعلى حظوظه وشهواته، لا على مرضاة ربه وحقوقه؛ فإنه سُبْحَانَهُ يسأله من في السماوات والأرض، يسأله أولياؤه وأعداؤه، ويمد هؤلاء وهؤلاء، وأبغض خلقه عدوه إبليس، ومع هذا فقد سأله حاجة فأعطاه إياها، ومتعه بها، ولكن لما لم تكن عونًا له على مرضاته، بل كانت زيادة له في شقوته، وبعده عن الله وطرده عنه، وهكذا كل من استعان به على أمر وسأله إياه، ولم يكن عونًا على طاعته كان مبعدًا له عن مرضاته، قاطعًا له عنه ولا بد. وليتأمل العاقل هذا في نفسه وفي غيره، وليعلم أن إجابة الله لسائليه ليست لكرامة السائل عليه، بل يسأله عبده الحاجة فيقضيها له، وفيها هلاكه وشقوته، ويكون قضاؤه له من هوانه عليه، وسقوطه من عينه، ويكون منعه منها لكرامته عليه ومحبته له، فيمنعه حماية وصيانة وحفظًا، لا بخلًا، وهذا إنما يفعله بعبده الذي يريد كرامته ومحبته، ويعامله بلطفه، فيظن- بجهله- أن الله لا يحبه ولا

стр. 1020

يكرمه، ويراه يقضي حوائج غيره، فيسيء ظنه بربه، وهذا حشو قلبه ولا يشعر به، والمعصوم من عصمه الله، والإنسان على نفسه بصيرة، وعلامة هذا حمله على الأقدار، وعتابه الباطن لها، كما قيل: وَعَاجِزُ الرَّأْيِ مِضْيَاعٌ لِفُرْصَتِهِ … حَتَّى إِذَا فَاتَ أَمْرٌ عَاتَبَ القَدَرَا القسم الثالث: من له نوع عبادة بلا استعانة، وهؤلاء نوعان: أحدهما: القدرية القائلون بأنه قد فعل بالعبد جميع مقدوره من الألطاف، وأنه لم يبق في مقدوره إعانة له على الفعل؛ فإنه قد أعانه بخلق الآلات وسلامتها، وتعريف الطريق، وإرسال الرسل، وتمكينه من الفعل، فلم يبق بعد هذا إعانة مقدورة يسأله إياها، بل قد ساوى بين أوليائه وأعدائه في الإعانة، فأعان هؤلاء كما أعان هؤلاء، ولكن أولياءه اختاروا لنفوسهم الإيمان، وأعداءه اختاروا لنفوسهم الكفر، من غير أن يكون الله سُبْحَانَهُ وفق هؤلاء بتوفيق زائد أوجب لهم الإيمان، وخذل هؤلاء بأمر آخر أوجب لهم الكفر، فهؤلاء لهم نصيب منقوص من العبادة، لا استعانة معه، فهم موكولون إلى أنفسهم، مسدود عليهم طريق الاستعانة والتوحيد، قال ابن عباس ﵁: الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن آمن بالله وكذب بقدره نقض تكذيبُه توحيدَه. النوع الثاني: من لهم عبادات وأوراد، ولكن حظهم ناقص من التوكل والاستعانة، لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر، وتلاشيها في ضمنه، وقيامها به، وأنها بدون القدر كالموات الذي لا تأثير له، بل كالعدم الذي لا وجود له، وأن القدر كالروح المحرك لها، والمعول على المحرك الأول.

стр. 1021

فلم تنفذ قوى بصائرهم من المتحرك إلى المحرك، ومن السبب إلى المسبب، ومن الآلة إلى الفاعل، فضعفت عزائمهم وقصرت هممهم، فقل نصيبهم من: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، ولم يجدوا ذوق التعبد بالتوكل والاستعانة، وإن وجدوا ذوقه بالأوراد والوظائف. فهؤلاء لهم نصيب من التوفيق والنفوذ والتأثير، بحسب استعانتهم وتوكلهم، ولهم من الخذلان والضعف والمهانة والعجز بحسب قلة استعانتهم وتوكلهم، ولو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبل عن مكانه وكان مأمورًا بإزالته لأزاله. القسم الرابع: وهو من شهد تفرد الله بالنفع والضر، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولم يدر مع ما يحبه ويرضاه، فتوكل عليه، واستعان به على حظوظه وشهواته وأغراضه، وطلبها منه، وأنزلها به، فقضيت له، وأسعف بها، سواء كانت أموالًا أو رياسة أو جاهًا عند الخلق، أو أحوالًا من كشف وتأثير وقوة وتمكين، ولكن لا عاقبة له، فإنها من جنس الملك الظاهر، والأموال لا تستلزم الإسلام، فضلًا عن الولاية والقرب من الله، فإن الملك والجاه والمال والحال معطاة للبر والفاجر، والمؤمن والكافر، فمن استدل بشيء من ذلك على محبة الله لمن آتاه إياه ورضاه عنه، وأنه من أوليائه المقربين، فهو من أجهل الجاهلين، وأبعدهم عن معرفة الله ومعرفة دينه، والتمييز بين ما يحبه ويرضاه، ويكرهه ويسخطه، فالحال من الدنيا كالمُلك والمال إن أعان صاحبه على طاعة الله ومرضاته، وتنفيذ أوامره ألحقه بالملوك العادلين البررة، وإلا فهو وبال على صاحبه، ومبعد له عن الله، وملحق له بالملوك الظلمة، والأغنياء الفجرة (١).

стр. 1022

سادسًا: كيف تحقق الاستعانة: من معينات ووسائل تحقيق صدق الاستعانة بالله تَعَالَى ما يلي: ١ - صدق العبودية: فكلما تعلقت القلوب بالله، وعلمت بأنه وحده المستعان، وانقطعت عن الخلق وما في أيديهم؛ كان ذلك دليلًا على صدق الاستعانة بالله. يقول ابن القيم ﵀ في ذلك: «فإذا التزمت عبوديته أعانك عليها، وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة من الله أعظم» (١)، وهذا هو تحقيق معنى قول العبد: (لا حول ولا قوة إلا بالله) والمعنى: أن العبد لا يتحول حاله من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلا بالله » (٢)، وفي أحوال الأنبياء خير شواهد على ذلك، ومنها: انقطاع قلب يعقوب ﵇ عن الخلق وتعلقه بالمستعان سُبْحَانَهُ، فرغم المصيبة الكبرى التي يخبره أولاده بها يردد: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ [يوسف: ١٨]، فكانت إعانةُ الله له إخراجًا من البدو، ودخولًا على الابن، وقد اعتلى خزائن مصر في صورة تسر الأب المكلوم، يقول تَعَالَى في وصف ذلك: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٩٩ - ١٠٠].

стр. 1023

انفلاق البحر لموسى ﵇ وإطباقه على عدو الله: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢]، ولكن موسى الذي تلقى الوحي من ربه، لا يشك لحظة وملء قلبه الثقة بربه، واليقين بعونه، والتأكد من النجاة، وإن كان لا يدري كيف تكون، فكانت النتيجة: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]. حال محمد ﷺ وقد خرج طريدًا ومعه صاحبه، لكن ثقته بربه واستعانته به جعلت السكينة تتنزل عليه، وجند الله تحميه، تأمل: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠]، فالقوم على إثرهما يتعقبون، والصديق ﵁ يجزع- لا على نفسه ولكن على صاحبه- أن يطلعوا عليهما فيخلصوا إلى صاحبه الحبيب، يقول له: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، والرسول ﷺ وقد أنزل الله سكينته على قلبه، يهدئ من روعه ويطمئن من قلبه فيقول له: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا؟» (١)، فكان النصر المؤزر من عند الله بجنود لم يرها الناس، وكانت الهزيمة للذين كفروا والذل والصغار، قال: تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾ [التوبة: ٤٠]، وظلت كلمة الله في مكانها العالي منتصرة قوية نافذة، قال تَعَالَى: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠].

стр. 1024

إن بين موسى ومحمد ﷺ قرونًا طويلة، لكن الكلمة تتكرر (معي ربي). ٢ - التزام الأعمال الصالحة: لا سيما الصلاة والصبر، فقد أمر الله بالاستعانة بهما في أكثر من موضع، يقول تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦]. ٣ - الاستعانة بأوقات النشاط واستثمارها في الطاعة: فالعبادة للمؤمن كالوقود الذي يحركه للإنتاج والعطاء والبذل، وأفضل أوقاتها أول الصباح وآخر الليل؛ بداية اليوم ونهايته، وفي الحديث الذي أخرجه البخاري: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» (١)، فالمقصود بالغداة: ما بين صلاة الفجر إلى طلوع الشمس أول النهار، والدلجة: هي آخر الليل، فهذه الأوقات أطيب أوقات المسافرة، فكأنه ﷺ خاطب مسافرًا إلى مقصد، فنبهه على أوقات نشاطه؛ لأن المسافر إذا سار الليل والنهار جميعًا عجز وانقطع، وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة أمكنته المداومة من غير مشقة، وحُسن هذه الاستعارة: أن الدنيا في الحقيقة دار نقلة إلى الآخرة، وأن هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها البدن للعبادة (٢).

стр. 1025

٤ - الدعاء وصدق الطلب: فسؤال الله الإعانة لا يقتصر على أمر العبادة فحسب، وإنما يشمل الإعانة على قضاء جميع الحوائج، وقد كان هذا هدي رسولنا ﷺ ؛ إذ جمع ﷺ الدعاء للصحابة وقرنه بهذا الاسم، ففي الحديث عن أبي أمامة ﵁، قال: «دعا رسول الله ﷺ بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئًا، قلنا: يا رسول الله، دعوت بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئًا، فقال: أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ؟ تَقُولُ: اللهمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ، وَأَنْتَ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْكَ الْبَلَاغُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله» (١). وقد كانت هي وصيته لمعاذ ﵁ بعد أن أعلن له ﷺ محبته له، فاختصر له وصية المحب في بضع كلمات، فعن معاذ بن جبل ﵁، قال: «أخذ بيدي النبي ﷺ ، فقال: يَا مُعَاذُ! قلت: لبيك، قال: إِنِّي أُحِبُّكَ، قلت: وأنا والله أحبك، قال: أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُولُهَا فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاتِك؟ قلت: نعم، قال: قُلِ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (٢). كذلك الشأن في الاستخارة، وهي طلب خير الأمرين من الله المستعان، ومما ورد في ذلك عن جابر ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كالسورة من القرآن: إِذَا هَمَّ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ: اللهمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللهمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ

стр. 1026

هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أو قال: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاقْدُرْهُ لِي، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي- أو قال: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ، وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ» (١). وما كان النبي ﷺ شديد الحرص على تعليمهم إياها كما يعلمهم القرآن إلا لعظيم الحاجة إليها، يقول ابن بطال ﵀ في شرح الحديث: «ولذلك كان النبي ﷺ يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن؛ لشدة حاجتهم إلى الاستخارة في الحالات كلها، كشدة حاجتهم إلى القراءة في كل الصلوات» (٢). ٥ - مساعدة الناس ومعاونتهم: فإعانة الناس سبب في إعانة الله، وفي الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ الله فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ الله عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣). اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

стр. 1027

الملِك والمالِك والملِيْك ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «ملكت الشيء أملكه ملكًا … وملكت الشيء تمليكًا، أي: جعله ملكًا له، يقال: مَلّكه المال والمُلك، فهو مُملَّك … والملكوت من الملك، كالرهبوت من الرهبة، يقال: له ملكوت العراق وملكوة العراق أيضًا، مثال الترقوة: وهو الملك والعز، فهو مليك، وملك وملك، مثل فخذ وفخذ، كأن الملك مخفف من ملك، والملك مقصور من مالك أو مليك، والجمع: الملوك والأملاك، والاسم: الملك، والموضع مملكة، وتملكه، أي: ملكه قهرًا» (١). قال ابن فارس ﵀: «الميم واللام والكاف أصل صحيح يدل على قوة في الشيء وصحة، يقال: أملك عجينه، قوى عجنه وشده، وملكت الشيء: قويته … ثم قيل: ملك الإنسان الشيء يملكه ملكًا، والاسم الملك؛ لأن يده فيه قوية صحيحة، فالملك: ما ملك من مال» (٢).

стр. 1028

ورود اسم الله (الملك - المالك - المليك) في القرآن الكريم: - ورود اسم الملك في القرآن الكريم: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الملك) خمسَ مرات في كتاب الله، ومن وروده ما يلي: قول الله : ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. قوله : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣]. قوله : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ١ - ٢]. - ورود اسم (المالك) في القرآن الكريم: ورد اسم المالك مرة واحدة بالإضافة إلى الملك، في قول الله : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، ومرة بالإضافة إلى الدين في قوله تَعَالَى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] - ورود اسم (المليك) في القرآن الكريم: وورد اسم (المليك) مرة واحدة في كتاب الله، في قوله تَعَالَى: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]. ورود اسم الله (الملك - المالك - المليك) في السنة النبوية: ورد اسم الله (الملك) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ،

стр. 1029

حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللهمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا؛ إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ … » (١). عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يَقْبِضُ الله الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاوَاتِ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟» (٢). عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «جَاءَ حَبْرٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَوْ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ تَصْدِيقًا لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]» (٣).

стр. 1030

معنى اسم الله (الملك - المالك -المليك) في حقه سُبْحَانَهُ: قال الطبري ﵀: «الملك الذي لا ملك فوقه، ولا شيء إلا دونه» (١). قال الزجاج ﵀: «مالك الملك الله تَعَالَى، يملك الملك، يعطيه من يشاء، وهو مالك الملوك، والملاك يصرفهم تحت أمره ونهيه، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع» (٢). قال الزجاجي ﵀: «فالله مالك الأشياء كلها، ومصرفها على إرادته، لا يمتنع عليه منها شيء» (٣). قال الخطابي ﵀: «وقال أصحاب المعاني: الملك: النافذ الأمر في ملكه؛ إذ ليس كل مالك ينفذ أمره أو تصرفه فيما يملكه، فالملك أعم من المالك، والله تَعَالَى مالك المالكين كلهم، وإنما استفادوا التصرف في أملاكهم من جهته تَعَالَى» (٤). قال الحليمي ﵀: «الملك … وذلك مما يقتضيه الإبداع هو المخترع للشيء من العدم إلى الوجود، فلا يتوهم أن يكون أحد أحق بما أبدع منه، ولا أولى بالتصرف فيه منه» (٥).

стр. 1031

قال ابن القيم ﵀: «(الملك) فهو الآمر، الناهي، المعز، المذل، الذي يصرف أمور عباده كما يحب، ويقلبهم كما يشاء، وله من معنى الملك ما يستحقه من الأسماء الحسنى كالعزيز، الجبار، المتكبر، الحكم، العدل، الخافض الرافع، المعز المذل، العظيم، الجليل، الكبير، الحسيب، المجيد، الولي، المتعالي، مالك الملك، المقسط، الجامع، إلى غير ذلك من الأسماء العائدة إلى الملك» (١). قال ابن كثير ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ﴾ [الحشر: ٢٣]: «المالك لجميع الأشياء، المتصرف فيها بلا ممانعة، ولا مدافعة» (٢). قال السعدي ﵀: «الملك المالك: الذي له الملك فهو الموصوف بصفة الملك، وهي صفات العظمة والكبرياء، والقهر، والتدبير، الذي له التصرف المطلق في الخلق والأمر والجزاء، وله جميع العالم العلوي والسفلي، كلهم عبيد، ومماليك، ومضطرون إليه، فهو الآمر، الناهي، المعز، المذل، الذي يصرف أمور عباده كما يحب، ويقلبهم كما يشاء، وله من معنى الملك ما يستحقه من الأسماء الحسنى كالعزيز، الجبار، المتكبر … » (٣).

стр. 1032

الفرق بين الملك، والمالك: اختلفت أقوال العلماء في الفرق بينهما: فقيل: (ملك): أعم وأبلغ من (مالك)؛ إذ كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكًا، ولأن الملك نافذ على المالك في ملكه، حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك. وقيل: بل (مالك) أبلغ؛ لأنه يكون مالكًا للناس وغيرهم، فالمالك أبلغ تصرفًا وأعظم؛ إذ إليه إجراء قوانين الشرع، ثم عنده زيادة التملك. وقيل: المالك أبلغ مدحًا في حق الخالق، والملك أبلغ مدحًا في حق المخلوقين؛ لأن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك، وإذا كان الله تَعَالَى مالكًا كان ملكًا (١). قال الشوكاني ﵀: «والحق أن لكل واحد من الوصفين نوع أخصية لا يوجد في الآخر، فالمالك يقدر على ما يقدر عليه الملك من التصرفات بما هو مالك له بالبيع والهبة والعتق ونحوها، والملك يقدر على ما لا يقدر عليه المالك من التصرفات العائدة إلى تدبير الملك وحياطته ورعاية مصالح الرعية، فالمالك أقوى من الملك في بعض الأمور، والملك أقوى من المالك في بعض الأمور، والفرق بين الوصفين بالنسبة إلى الرب سُبْحَانَهُ أن الملك صفة لذاته، والمالك صفة لفعله» (٢).

стр. 1033

اقتران اسم الله (الملك- المالك- المليك) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: أولًا: اقتران اسم الله (الملك) بأسمائه الأخرى: - اقتران اسم الله (الملك) باسم الله (الحق): تقدم بيانه في اسم الله (الحق). - اقتران اسم الله (الملك) باسم الله (القدوس): تقدم بيانه في اسم الله (القدوس). ثانيًا: اقتران اسم الله (المالك) بأسمائه الأخرى: لم يقترن اسم الله (المالك) بأي اسم من الأسماء الحسنى. ثالثًا: اقتران اسم الله (المليك) بأسمائه الأخرى: تقدم بيانه في أسماء الله (القدير)، و (القادر)، و (المقتدر). الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الملك- المالك- المليك): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الملك، والمالك، والمليك) من صفات الله سُبْحَانَهُ: الله الملك، والمالك والمليك على الحقيقة، قال تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦]، وذلك أن ملكه راجع إلى ثلاثة أمور:

стр. 1034

١ - ثبوت صفات الملك له: الملك يستلزم عدة صفات، منها: الحياة، والقوة، والقدرة، والغنى، والعزة، والحكم النافذ، والتصرف التام، والقيام بشؤون المملكة وحفظها. ولله ﷻ من هذه الصفات أتمها وأكملها، فحياته حياة لا عدم معها، وقوته وقدرته لا ضعف ولا عجز معها، قال تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١]، وقال: سُبْحَانَهُ ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١]، وغناه لا فقر ولا حاجة معه، وعزته لا غالب لها، وحكمه عام نافذ في الدنيا والآخرة، تَعَالَى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١]، وقيامه وحفظه لا غفلة معه ولا نسيان، قال تَعَالَى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ومع هذا كله سلم وتقدس من آفات الملوك وملكهم، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]. فملكه عام للخلائق، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الزخرف: ٨٥]، وعام للدنيا والآخرة، بل هو في الآخرة أظهر منه في الدنيا، قال تَعَالَى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وذلك لأن في الدنيا هناك من يدعي الملك بخلاف الآخرة، فلا يدعيه أحد؛ إذ الكل حشر حافيًا عاريًا غُرلًا بُهْمًا، لا يملك شيئًا، كما قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]، فلا يرى مَلِكًا ولا مالكًا ولا حاكمًا سواه ﵎، حتى أنه

стр. 1035

ﷻ يقبض الأرض والسموات بيمينه، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ، أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ (١). أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ (٢)، وينادي: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه بنفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] (٣). وملكه ﵎ دائم لا يزال ولا يزول، ولا ينقص ولا ينفذ بكثرة العطاء والجود، كما جاء في الحديث القدسي: « … يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ … » الحديث (٤). وملكه قائم على علم محيط بالدقيق والجليل، وحكمة بالغة، ورحمة تامة، وأمان من الظلم والجور والغدر والكيد، قال تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٣]. (٥) ٢ - جميع الخلق مماليك له: العالم العلوي والسفلي وما فيهما من ملوك وملاك، ورؤساء ومرؤسين، وجبارون ومتكبرون الكل ملك وعبيد لمالك الملك ﵎، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقال سُبْحَانَهُ:

стр. 1036

﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠]، وقال: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢]. فالجميع مفتقر إليه مضطر إلى ملكه قيامًا وتدبيرًا وحكمًا، وليس لأحد منهم الخروج عن ملكه، قال تَعَالَى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]، ولا الاستغناء عنه طرفة عين. ٣ - تصرفه الحق في ملكه: فلله الملك ﷻ تدبير شؤون مملكته علويها وسفليها، وتصريف أمورها بما يريد، لا يخرج شيء عن تصريفه وتدبيره، ولا يملك أحد منعه أو رده أو تعقبه، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠]. ومن تصرفاته في مملكته ما حكم به من أحكام: قدرية، وشرعية، وجزائية؛ فإن الملك يقتضي عدم ترك ملكه سدى وهملًا، لا قضاء، ولا أمرًا ولا نهيًا، ولا ثوابًا ولا عقابًا. فأحكامه القدرية التي جرت أمور مملكته إيجادًا وإعدادًا، وإحياء وإماتة وغير ذلك على مقتضى ما قضى وقدر، قال تَعَالَى: ﴿أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ١١٦].

стр. 1037

قال ابن القيم ﵀: «حقيقة الملك إنما تتم بالعطاء والمنع والإكرام، والإهانة والإثابة والعقوبة، والغضب والرضا، والتولية والعزل، وإعزاز من يليق به العز، وإذلال من يليق به الذل، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧]، وقال تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويكشف غمًّا، وينصر مظلومًا، ويأخذ ظالمًا، ويفك عانيًا، ويغنى فقيرًا، ويجبر كسيرًا، ويشفى مريضًا، ويقيل عثرة، ويستر عورة، ويعز ذليلًا، ويذل عزيزًا، ويعطى سائلًا، ويذهب بدولة ويأتي بأخرى، ويداول الأيام بين الناس، ويرفع أقوامًا، ويضع آخرين. يسوق المقادير التي قدرها قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام إلى مواقيتها، فلا يتقدم شيء منها عن وقته ولا يتأخر، بل كل منها قد أحصاه كما أحصاه كتابه، وجرى به قلمه، ونفذ فيه حكمه، وسبق به علمه، فهو المتصرف في الممالك كلها وحده تصرف مَلِك قادر قاهر عادل رحيم تام الملك، لا ينازعه في ملكه منازع ولا يعارضه فيه معارض، فتصرُّفه في المملكة دائر بين العدل والإحسان والحكمة والمصلحة والرحمة، فلا يخرج تصرفه عن ذلك» (١).

стр. 1038

وأحكامه الشرعية التي بها أنزل الكتب، وأرسل الرسل، هادية ومرشدة لما فيه صلاح المملكة وقوامها؛ قال تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وأحكامه الجزائية التي يحكم بها على مماليكه وعبيده بالثواب والعقاب بحسب ما شهد عليهم من عمل، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الحج: ٥٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦]. فلله الحمد في ملكه وخلقه وحكمه وفي أفعاله وصفاته كلها «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير». الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الملك) على التوحيد: إذا تعرف العبد على اسم الله (الملك) وتيقنه؛ قاده ذلك لتوحيد الملك ﷻ في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته. فأما ربوبيته: فيتيقن أن الله الملك وحده مالك الكون ومن فيه بلا مشارك ولا معين ولا وزير ولا مشير، بل هو تَعَالَى مالك الأشياء وحده، خالقها ومقدرها ومدبرها، قال تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]، وقال سُبْحَانَهُ:

стр. 1039

﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. (١) وأما ألوهيته: فالله الملِك، وما سواه مملوك لا يملك شيئًا لا قليلًا ولا كثيرًا، حتى ولا القطمير، ولا مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، قال تَعَالَى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] لا على وجه الاستقلال يملكونها، ولا على وجه الشركة للملك، بل ولا حتى المعونة والمؤازرة له فيها. كما أنهم لا يملكون الشفاعة، قال تَعَالَى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣ - ٤٤]، فمن كان هذا حاله لا يستحق أن يُصرف له شيء من العبادة (٢)، قال الشيخ السعدي ﵀: «المشرك إنما يدعو ويعبد غير الله؛ لما يرجو منه من النفع، فهذا الرجاء، هو الذي أوجب له الشرك، فإذا كان من يدعوه (غير الله)، لا مالكًا للنفع والضر، ولا شريكًا للمالك، ولا عونًا وظهيرًا للمالك، ولا يقدر أن

стр. 1040

يشفع بدون إذن المالك، كان هذا الدعاء، وهذه العبادة ضلالًا في العقل، باطلة في الشرع» (١). وأما أسماؤه وصفاته: فاسم الله الملك ﷻ متضمن لجملة من أسمائه وصفاته، فمن أثبت هذا الاسم الكريم لزمه أن يثبت ما يتضمنه من عزة وجبروت وكبرياء وحكم وخفض ورفع، وإعزاز وإذلال، إلى غير ذلك من الأسماء والصفات العائدة إلى الملك. قال ابن القيم ﵀: «إن من أسمائه: (الملِك)، ومعناه: الملْك الحقيقي ثابت لهسُبْحَانَهُ بكل وجه، وهذه الصفات تستلزم سائر صفات الكمال؛ إذ من المحال ثبوت الملك الحقيقي التام لمن ليس له حياة ولا قدرة، ولا إرادة ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا فعل اختياري يقوم به، وكيف يوصف بالملك من لا يأمر ولا ينهي؛ ولا يثيب ولا يعاقب؛ ولا يعطي ولا يمنع؛ ولا يعز ولا يذل؛ ولا يهين ولا يكرم؛ ولا ينعم ولا ينتقم؛ ولا يخفض ولا يرفع، ولا يرسل الرسل إلى أقطار مملكته، ولا يتقدم إلى عبيده بأوامره ونواهيه؟ فأي ملك في الحقيقة لمن عدم ذلك؟» (٢). الأثر الثالث: تعلق القلب بالملك المالك المليك: إذا تأمل العبد في اسم الله (الملك، المالك، المليك) ﷻ وما فيه من سعة، وعظمة، وكمال، ثم تأمل ونظر في نفسه وما فيه من فقر وحاجة وضعف وعجز؛ تعلق قلبه بالملك: خوفًا، ورجاء، وتوكلًا.

стр. 1041

فاليقين بأن الله الملك نواصي العالمين بيده يتصرف فيهم كيف شاء، ليس لأحد منهم الخروج عن ملكه وسلطانه يبعث في النفوس الشعور بالخوف والمهابة للملك وحده ﵎؛ فإن كل من دونه مملوك مذلل لا يملك شيئًا من الضر، فالخوف منه وهم باطل؛ لذا لما هدد قوم عاد نبيهم هودًا ﵇، قال متحديًا لهم، ذاكرًا صفة الملك والقهر لله تَعَالَى، معرِّضًا بأنهم لا يملكون شيئًا من الضر إلا بإذنه: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦]. واليقين بأن الله الملك الذي بيده خزائن السموات والأرض لا تنفذ ولا تنقص، ولا يعجزه ولا يمنعه شيء عن إيصالها لمملوكيه، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] يبعث في النفوس الشعور بالرجاء والطمع فيما عند الملك وحده دون ما سواه؛ فإن من دونه لا يملك شيئًا، فرجاؤه باطل، قال ﷺ لابن عباس ﵄، مقررًا هذا المعنى وما قبله: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» (١). ثم إن اليقين بقوله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠] مع فقر العبد

стр. 1042

وحاجته للملك في وجوده، وحركاته، وسكناته؛ يبعث في النفوس الاعتماد والتوكل على الملك ﷻ في جلب المنافع ودفع المضار. ثم إذا حصل هذا اليقين فليعلم العبد أن الملك ﷻ يحب أن يلوذ به مملوكه ويفزع إليه يستعيذ ويستغيث به في الشدائد والنوائب، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: ١ - ٤]. قال ابن القيم ﵀: «فهو ملكهم الحق الذي إليه مفزعهم عند الشدائد والنوائب، وهو مستغاثهم ومعاذهم وملجأهم، فلا صلاح لهم ولا قيام إلا به وبتدبيره، فليس لهم مَلِك غيره يهربون إليه إذا دهمهم العدو، ويستصرخون به إذا نزل العدو بساحتهم» (١). وقال في موضع آخر: «كما أن من صفات الكمال وأفعال الحمد والثناء أنه يجود ويعطي ويمنح، فمنها: أن يعيذ وينصر ويغيث، فكما يحب أن يلوذ به اللائذون، يحب أن يعوذ به العائذون، وكمال الملوك أن يلوذ بهم … والمقصود: أن ملك الملوك يحب أن يلوذ به مماليكه؛ وأن يعوذوا به، كما أمر رسوله ﷺ «أن يستعيذ به من الشيطان الرجيم في غير موضع من كتابه … » (٢). الأثر الرابع: محبة الله تَعَالَى الملك المالك المليك: إذا علم العبد أن الله الملك لجميع الأشياء، المتصرف في ملكه بلا ممانعة ولا مدافعة، المنزه عن نقائص الملوك وآفات الملك، اقترن ملكه

стр. 1043

بعلمه، وحكمته، ورحمته، وبره، وإحسانه، وعدله؛ امتلأت القلوب بحبه ووده، خاصة أن النفوس تميل إلى حب صاحب الملك والملكوت والغنى. الأثر الخامس: التذلل والخضوع لله الملك المالك المليك: التفكر في اسم الله (الملك- مالك الملك) وما فيه من عزة وجبروت وكبرياء، قال تَعَالَى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣] يجعل كل من ملك شيئًا في الدنيا صغر أو كبر يذل ويخر صاغرًا لجلال الملك ﵎، فماذا عسى أن يملك من كان أمره وناصيته ونفسه بيد سيده، وقلبه بين إصبعين من أصابعه، يقلبه كيف يشاء، وحياته وموته، وسعادته وشقاؤه، وحركاته وسكناته بإذنه ومشيئته، إن وكله إلى نفسه، وكله إلى عجز وضعف وتفريط وذنب وخطيئة، وإن وكله إلى غيره وكله إلى من لا يملك له ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وإن تخلى عنه استولى عليه عدوه وجعله أسيرًا له، فلا غنى له عنه طرفة عين (١). ثم هذا الذل والصغار واستشعاره يثمر التواضع والخضوع بين يدي الله الملك ﵎، كما هو الحال في هدي رسول الله ﷺ ؛ فقد دخل مكة ﷺ فاتحًا منتصرًا، ومع ذلك لم يصبه الكبر والغرور، وإنما طأطأ رأسه ﷺ حتى كاد شعر لحيته أن يمس وسط الرحل تواضعًا للملك ﷻ (٢)، وخُيِّر ﷺ بين أن يكون نبيًّا ملِكًا أو أن يكون عبدًا نبيًّا،

стр. 1044

فاختار أن يكون عبدًا نبيًّا؛ من شدة تواضعه ﷺ ، وقال ﷺ : «وَإِنَّ الله أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» (١). وجاء تواضعه ﷺ وخضوعه لربه متمثلًا في دعائه؛ فجاء عن عائشة ﵂ في وصف استسقائه ﷺ ، أنه قال: «الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللهمَّ أَنْتَ الله، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْغَنِيُّ، وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ» (٢). وكان من دعائه ﷺ في الاستفتاح: «اللهمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» (٣). ومن دعائه ﷺ إذا قام من الليل يتهجد: «اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ الحَقُّ وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللهمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ

стр. 1045

أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (١). الأثر السادس: عدم الاغترار بملك الخلق: إذا تعرف العبد على اسم الله الملك وما فيه من كمال؛ لم يغتر بملْك ملوك الدنيا مهما ملكوا؛ فإن ملكهم ناقص، من عدة جهات (٢)، منها: أن ملكهم بتمليك الله لهم؛ فهو عارية بيدهم سرعان ما ترد لمعيرها، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. أن ملكهم لا عن كمال صفاتهم وذاتهم، بل فيهم من النقائص والمعايب ما فيهم. أن ملكهم غير مستكمل لحقيقة الملكية؛ فإنهم ملوك من جهة مملوكين من جهات أخرى. أن ملكهم فيه شركة لغيرهم، وإن لم يكن شركة فمعاونة ومؤازرة ومشورة وحراسة. أن ملكهم محدود ببعض الأشياء لا كلها، فلو ملكوا الأرض بأسرها ومن فيها ما ملكوا السماء ومن فيها.

стр. 1046

أن ملكهم محدود ببعض الأوقات، فتجد أحدهم ملِكًا في وقت مملوكًا في أوقات أخرى. أن مُلكهم مهما عظم وجل مصيره إلى الزوال والنفاد، كما قال تَعَالَى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]. ومن تأمل تاريخ ملوك الدنيا وجد هذا ظاهرًا جليًّا، فمهما بلغ ملكهم، وعلا مجدهم فقد ذهب كل ذلك عنهم وعادوا للمَلِك تَعَالَى، تاركين خلف ظهورهم ملكهم وأملاكهم. فهذا النمرود الذي ملك الأرض كلها، كيف كانت نهايته؟ قال ابن كثير ﵀: «استمر- النمرود- في ملكه أربعمائة سنة، وكان قد طغى وبغى وتجبر وعتا وآثر الحياة الدنيا، ولما دعاه إبراهيم الخليل إلى عبادة الله وحده لا شريك له حمله الجهل والضلال وطول الآمال على إنكار الصانع، فحاجَّ إبراهيم الخليل في ذلك وادعى لنفسه الربوبية … قال زيد بن أسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكًا يأمره بالإيمان بالله فأبى عليه، ثم دعاه الثانية فأبى عليه، ثم الثالثة فأبى عليه، وقال: اجمع جموعك، وأجمع جموعي، فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس، فأرسل الله عليه ذبابًا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس، وسلطها الله عليهم، فأكلت لحومهم ودماءهم وتركتهم عظامًا بادية، ودخلت واحدة منها في منخر الملك، فمكثت في منخره أربعمائة سنة عذبه الله تَعَالَى بها، فكان يضرب رأسه بالمزارب في هذه المدة كلها، حتى أهلكه الله بها» (١).

стр. 1047

وهذا فرعون الذي طغى وتجبر وتَعَالَى في قومه قائلًا: ﴿يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١]، كيف كانت نهايته؟ قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس: ٩٠ - ٩٢]. قال ابن كثير ﵀: «يخبر تَعَالَى عن كيفية غرق فرعون زعيم كفرة القبط، وأنه لما جعلت الأمواج تخفضه تارةً، وترفعه أخرى، وبنو إسرائيل ينظرون إليه وإلى جنوده، ماذا أحل الله به وبهم من البأس العظيم والخطب الجسيم؛ ليكون أقر لأعين بني إسرائيل، وأشفى لنفوسهم، فلما عاين فرعون الهلكة وأحيط به وباشر سكرات الموت أناب حينئذ وتاب وآمن حين لا ينفع نفسًا إيمانها» (١). وبهذا يتبين أن الملك الحق هو الله ﷻ ، قال تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦]، قال الشيخ السعدي ﵀: «وجوده وملكه وكماله حق، فصفات الكمال لا تكون حقيقة إلا لذي الجلال» (٢).

стр. 1048

الأثر السابع: النهي عن التسمي بملك الملوك ونحوه: إذا علم العبد أن الله الملك الحق تبارك تَعَالَى، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦]، وكل من دونه ملكه ملك مستعار لا حقيقة له؛ علم أنه لا يستحق أحد أن يُسَمَّى ملك الأملاك، سواه ﵎؛ لذا جاء التحذير الشديد من التسمي بهذا الاسم، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ أَخْنَعَ (١) اسْمٍ عِنْدَ الله رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ»، زاد ابن أبِي شيبة في روايته: «لَا مَالِكَ إِلَّا الله » (٢)، وفي رواية: «أَخْنَى (٣) الْأَسْمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٤)، وفي رواية أخرى: «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَخْبَثُهُ وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ» (٥)، وفي رواية أيضًا: «وَاشْتَدَّ غَضَبُ الله عَلَى رَجُلٍ تَسَمَّى بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ، لَا مَلِكَ إِلَّا الله » (٦). قال سفيان ﵀: مثل شاهان شاه، أي: ملك الملوك باللغة الفارسية. فنبه سفيان ﵀ على أن الذم لا ينحصر في اسم ملك الأملاك، بل وكل ما أدى معناه بأي لسان كان (٧)؟

стр. 1049

قال ابن حجر ﵀: «واستدل بهذا الحديث على تحريم التسمي بهذا الاسم؛ لورود الوعيد الشديد، ويلتحق به ما في معناه، مثل: خالق الخلق، وأحكم الحاكمين، وسلطان السلاطين، وأمير الأمراء» (١). وعلة النهي كما قال ابن عثيمين ﵀: «أن من تسمى بهذا الاسم؛ فقد جعل نفسه شريكًا مع الله فيما لا يستحقه إلا الله؛ لأنه لا أحد يستحق أن يكون قاضي القضاة، أو حاكم الحكام، أو ملك الأملاك، إلا الله ﵎؛ فالله هو القاضي فوق كل قاض، وهو الذي له الحكم، ويرجع إليه الأمر كله» (٢). اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت، أنت ربنا ونحن عبيدك، ظلمنا أنفسنا، واعترفنا بذنوبنا، فاغفر لنا ذنوبنا جميعًا؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

стр. 1050

الغالب الناصر النصير ﷻ - المعنى اللغوي: أولًا: (الغالب): قال الجوهري ﵀: «غلبه غلبة وغَلْبًا، وغَلَبًا أيضًا، قال الله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣]، … وتغلب على بلد كذا: استولى عليه قهرًا … » (١). قال ابن فارس ﵀: «(غلب) الغين واللام والباء أصل صحيح يدل على قوة وقهر وشدة … » (٢). ثانيًا: (الناصر، والنصير): قال الجوهري ﵀: «نصر: نصره الله على عدوه ينصره نصرًا، والاسم: النصرة، والنصير: الناصر، والجمع الأنصار، واستنصره على عدوه، أي: سأله أن ينصره عليه … » (٣). قال ابن فارس ﵀: «النون والصاد والراء أصل صحيح يدل على إتيان خير وإيتائه، ونَصَرَ اللهُ المسلمين: آتاهم الظفر على عدوهم، ينصرهم

стр. 1051

نصرًا، وانتصر: انتقم» (١). ورود أسماء الله (الغالب، الناصر، النصير) في القرآن الكريم: أولًا: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الغالب) في كتاب الله مرة واحدة، هي: قول الله : ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١]. ثانيًا: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الناصر) في كتاب الله مرة واحدة، وذلك بصيغة التفضيل، وهي: في قوله تَعَالَى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠]. ثالثًا: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (النصير) أربع مرات في كتاب الله، ومن وروده ما يلي: قوله : ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠]. قوله : ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]. قوله : ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١].

стр. 1052

ورود أسماء الله (الغالب، الناصر، النصير) في السنة النبوية: أولًا: ورود اسم الله (الغالب) في السنة النبوية: لم يرد اسم الله (الغالب) في السنة النبوية. ثانيا: ورود اسم الله (الناصر- النصير) في السنة النبوية: من ورودهما ما يلي: جاء في حديث طويل قوله ﷺ : «إِنِّي رَسُولُ الله، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي» (١). عن أنس بن مالك ﵁، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا غَزَا قَالَ: اللهمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ» (٢). معنى أسماء الله (الغالب، الناصر، النصير): أولًا: معنى اسم الله الغالب: - قال الطبري ﵀ عن سعيد بن جبير ﵀: «﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١]، قال: فعال» (٣). - قال الحليمي ﵀: «وهو البالغ مراده من خلقه، أحبوا أو كرهوا، وهذا- أيضًا- إشارة إلى كمال القدرة والحكمة، وأنه لا يُقهر ولا يُخدع» (٤).

стр. 1053

- قال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١]-: «أي: إذا أراد شيئًا فلا يرد، ولا يمانع، ولا يخالف، بل هو الغالب لما سواه» (١). - قال السعدي ﵀: «أي: أمره تَعَالَى نافذ، لا يبطله مبطل، ولا يغلبه مغالب» (٢). ثانيًا: معنى اسم الله الناصر النصير: قال الطبري ﵀ في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٠]: «وليكم وناصركم على أعدائه الذين كفروا، وقال في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]، وحسبكم بالله ناصرًا لكم على أعدائكم وأعداء دينكم، وعلى من بغاكم الغوائل، وبغى دينكم العوج» (٣). قال القرطبي ﵀: «وله معان، منها: العون، يقال: نصره الله على عدوه ينصره نصرًا، فهو ناصر ونصير للمبالغة، والاسم: النصرة، والنصير: الناصر» (٤). قال الحليمي ﵀: «الناصر هو الميسر للغلبة، والنصير هو الموثوق منه بأن لا يسلم وليه ولايخذله» (٥).

стр. 1054

قال ابن كثير ﵀: «﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨] يعني: نعم الولي ونعم الناصر من الأعداء» (١). قال السعدي ﵀: «﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾: لمن استنصره فدفع عنه المكروه» (٢). ووجه الربط بين أسماء الله (الغالب والناصر والنصير): أنه إذا وثق العبد أن الله تَعَالَى هو الغالب الفعال لما يشاء، الذي لا يستطيع أحد أن يرد قضاءه وقدره، كان العبد على يقين أنه سينصره على عدوه. اقتران اسم الله (الغالب، الناصر، النصير) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: أولًا: اقتران اسم الله (الغالب) بغيره من أسماء الله الحسنى: لم يقترن اسم الله (الغالب) بغيره من أسماء الله. ثانيًا: اقتران اسم الله (الناصر، النصير) بغيره من أسماء الله الحسنى: لم يقترن اسم الله (الناصر) بغيره من أسماء الله. وورد اقتران (النصير) باسمه (الهادي)، وذلك في آية واحدة في قوله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١].

стр. 1055

وجه الاقتران: هذان الاسمان الكريمان يتناسبان مع سياق الآية التي يبين فيها الله سُبْحَانَهُ أن من سنته أن يقيض لكل نبي عدوًّا من المجرمين، ولكن الله سُبْحَانَهُ يتولى أنبياءه بهدايتهم إلى الحق، ونصرتهم على أهل الباطل من المجرمين، فهو سُبْحَانَهُ الذي يتولى أنبياءه وأولياءه بالهداية- بكل معانيها- ونصرتهم بجميع أنواع النصرة، بل إن كل من هداه الله نصره، وصاحب الهداية يتولاه الله، فيكون ناصرًا له. الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الغالب، الناصر، النصير): الأثرالأول: إثبات ما تتضمنه أسماء الله (الغالب، الناصر، النصير) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له: فالله سُبْحَانَهُ هو الغالب الناصر على الإطلاق، فكل نصر مطلق هو من عند الله تَعَالَى؛ يقول سُبْحَانَهُ: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، يقول السعدي ﵀ في تفسيرها: «إن يمددكم الله بنصره ومعونته ﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، فلو اجتمع عليكم من في أقطارها، وما عندهم من العَدد والعُدد؛ لأن الله لا مغالب له، وقد قهر العباد وأخذ بنواصيهم، فلا تتحرك دابة إلا بإذنه، ولا تسكن إلا بإذنه، ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ ويكلكم إلى أنفسكم ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ فلا بد أن تنخذلوا ولو أعانكم جميع الخلق، وفي ضمن ذلك: الأمر بالاستنصار بالله والاعتماد عليه، والبراءة من الحول والقوة، ولهذا قال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، وتقديم المعمول يؤذن بالحصر، أي: على الله توكلوا لا
следующие страницы →