٢ - المتابعة، التي بها يتحقق معنى شهادة أن محمدًا رسول الله.
وبهذا يتبين أن العبادة على الحقيقة والتحقيق هي الدين كله؛ فلما سأل جبريل ﵇ رسول الله ﷺ عن الإسلام المشتمل على عبادة الظاهر، والإيمان المشتمل على عبادة الباطن، والإحسان المشتمل على إحسان العبادة وتكميلها، قال ﷺ لأصحابه: «فإنَّه جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» (١)(٢).
ووصف الله تَعَالَى أهل عبوديته في كتابه بما يشمل الدين كله من الاعتقادات، والعبادات الظاهرة والباطنة، وآداب السلوك والأخلاق، ومن ذلك:
١ - قوله تَعَالَى في وصف العبودية الشاملة: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٨ - ٦٩]، وقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
٢ - قوله تَعَالَى في وصف عبودية الاعتقاد: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: ١٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١]، قال السعدي ﵀: «أن الله وعدهم إياها وعدًا غائبًا، لم يشاهدوه ولم يروه، فآمنوا بها، وصدقوا غيبها،
المجيدُ ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «المجد: الكرم، والمجيد: الكريم، وقد مَجُد الرجل بالضم، فهو مجيد وماجد، قال ابن السكيت: الشرف والمجد يكونان بالآباء، يقال: رجل شريف ماجد: له آباء متقدمون في الشرف، قال: والحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن له آباء لهم شرف، وتماجد القوم فيما بينهم، وماجدته فمجدته أمجده، أي: غلبته بالمجد … والتمجيد: أن ينسب الرجل إلى المجد … » (١).
قال ابن فارس ﵀: «(مجد) الميم والجيم والدال أصل صحيح، يدل على بلوغ النهاية، ولا يكون إلا في محمود، منه المجد: بلوغ النهاية في الكرم، والله الماجد والمجيد، لا كرم فوق كرمه … » (٢).
ورود اسم الله المجيد في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (المجيد) في القرآن مرتين، وذلك في قوله تعالى:
١ - قوله تَعَالَى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣].
стр. 984
٢ - قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٤ - ١٥].
ورود اسم الله المجيد في السنة النبوية:
ورد اسم الله المجيد في السنة النبوية، ومن وروده:
حديث كعب بن عجرة ﵁، قال: «سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَإِنَّ اللهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمِ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (١).
معنى اسم الله المجيد في حقه تعالى:
يدور معنى اسم الله المجيد في حق الله على ثلاثة معان، وهي:
١ - كمال الذات والصفات مع سعتها وكثرتها.
٢ - كثرة الإحسان للخلق.
٣ - المنيع الذي لا يرام.
стр. 985
وحول هذه المعاني الثلاثة تدور أقوال العلماء:
من الأقوال في المعنى الأول:
قال الطبري ﵀: «(مجيد): ذو مجد ومدح وثناء كريم» (١).
قال الزجاج ﵀: «فالماجد في اللغة: الكثير الشرف، والله تَعَالَى ذكره أمجد الأمجدين وأكرم الأكرمين» (٢).
قال ابن كثير ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣]: «الحميد في جميع أفعاله وأقواله، محمود ممجد في صفاته وذاته» (٣).
قال السعدي ﵀: « … المجد: هو عظمة الصفات وسعتها، فله صفات الكمال، وله من كل صفة كمال أكملها وأتمها وأعمها» (٤)، وقال أيضًا: «والمجد هو عظمة الصفات وسعتها، فكل وصف من أوصافه عظيم شأنه: فهو العليم الكامل في علمه، الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، القدير الذي لا يعجزه شيء، الحليم الكامل في حلمه، الحكيم الكامل في حكمته، إلى بقية أسمائه وصفاته» (٥).
قال ابن القيم ﵀ في النونية:
وَهوَ المَجِيدُ صِفَاتُهُ أَوْصَافُ تَعْظِ … يمٍ فَشَانُ الوَصْفِ أَعْظَمُ شَانِ (٦)
стр. 986
من الأقوال في المعنى الثاني:
قال الشوكاني ﵀ في قوله: «(مجيد) كثير الإحسان إلى عباده، بما يفيضه عليهم من الخيرات» (١).
من الأقوال التي تجمع بين المعنى الأول والثاني:
قال الزجاجي ﵀: « … فكأن المجيد المبالغ في الكرم، المتناهي فيه» (٢).
قال الخطابي ﵀: «(المجيد) هو الواسع الكرم … » (٣).
قال الغزالي ﵀: «هو الشريف ذاته، الجميل أفعاله، الجزيل عطاؤه ونوله، فكأن شرف الذات إذا قارنه حسن الفعال سمي مجدًا، وهو الماجد- أيضًا- ولكن أحدهما أدل على المبالغة، وكأنه يجمع معاني اسم الجليل والوهاب والكريم» (٤).
قال ابن القيم ﵀: «وصف نفسه بالمجيد، وهو المتضمن لكثرة صفات كماله وسعتها، وعدم إحصاء الخلق لها، وسعة أفعاله، وكثرة خيره ودوامه» (٥).
من الأقوال التي تجمع بين المعنى الثاني والثالث:
قال الحليمي ﵀: «ومنها المجيد: ومعناه المنيع المحمود؛ لأن
стр. 987
العرب لا تقول لكل محمود: مجيدًا، ولا لكل منيع: مجيدًا، أو قد يكون الواحد منيعًا غير محمود، كالمتآمر الخليع الجائر، أو اللص المتحصن ببعض القلاع، وقد يكون محمودًا غير منيع، كأمير السوقة والصابرين من أهل القبلة، فلما لم يقل لكل واحد منهما: مجيد؛ علمنا أن المجيد من جمع بينهما، فكان منيعًا لا يرام، وكان في منعته حسن الخصال جميل الفعال، والباري جل ثناؤه يجل عن أن يرام وأن يوصل إليه، وهو مع ذلك محسن مجمل لا يستطيع العبد أن يحصي نعمته ولو استنفذ فيه مدته، فاستحق اسم المجيد وما هو أعلى منه» (١).
اقتران اسم الله المجيد بأسماء الله تَعَالَى الأخرى في القرآن الكريم:
اقتران اسم الله المجيد باسمه الحميد:
تقدم بيانه في اسم الله (الحميد).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله المجيد:
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المجيد) من الصفات:
الله تَعَالَى المجيد، الذي له مجد الذات بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وفعاله المحمودة، وأقواله الكريمة، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٤ - ١٦].
فأما أسماؤه فكلها مجد، كيف لا وقد بلغت من الحسن منتهاه، ومن الكمال أقصاه، ومن الدلالة على الصفات أعلاها قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فلا نقص فيها بوجه من الوجوه، بل لا أحسن منها ولا
стр. 988
أكمل، فهي أحسن الأسماء، لا يسد غيرها مسدها، ولا يقوم مقامها، ولا يؤدي معناها» (١).
وأما صفاته فصفات مجد، فـ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤] له من هذه الصفات وغيرها من بقية صفاته التي بلغت من الكثرة ما لا يحصيه إلا الله، له منها أكملها وأتمها وأعمها، فلا عيب ولا نقص ولا قصور في شيء منها، ولا مماثلة لصفات المخاليق، بل هي على وجه يليق بجلال الله ومجده (٢)، قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] أي: له كل صفة كمال، حتى قال أهل العلم ﵏: «كل صفة كمال في المخلوقات فخالقها أحق بالاتصاف بها على وجه لا يشاركه فيها أحد، وكل نقص في المخلوق ينزه عنه فتنزيه الخالق عنه من باب أولى وأحرى» (٣).
فحياته حياة كمال لم يسبقها عدم، ولا يلحقها فناء ولا زوال، ولا يعتريها نقص ولا ضعف، ولا يتخللها سنة ولا نوم، وعلمه كمال لم يسبقه جهل، ولا يطرأ عليه، بل لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء ولو دق وصغر، وبصره كمال يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في
стр. 989
الليلة الظلماء، وسمعه كمال يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، ورحمته كمال فلا ضعف معها ولا حد، وسعت كل شيء، وحكمته كمال عمت كل مخلوق فلا عبث ولا لهو، وقدرته كمال في كل حال وآن لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء، وقوته كمال لا ضعف معها ولا وهن، وعزته كمال لا غالب لها ولا ممانع، جل عن أن يرام أو أن يوصل إليه، وجماله لا حد ولا منتهى له، لو كشف حجابه لأحرقت سُبُحَاتُ وَجْهِه ما انتهى إليه بصره من خلقه، وهكذا في بقية صفاته أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وأجل وأعلى (١).
وأما أفعاله فأفعال مجد وحمد، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] دائرة بين الفضل والرحمة والعدل والحكمة، فما من نعمة عطاء ودفع ظاهرة ولا باطنة، صغيرة ولا كبيرة مما يعرف العباد ومما لا يعرفون إلا بفعله وإحسانه وبره، فالإحسان له ومنه، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] (٢)، وما من نقمة وبلية تنزل بالعبد إلا بفعله العدل الحكيم، فليس في أفعاله سُبْحَانَهُ ظلم ولا جور ولا شر ولا سفه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]، أي: «على عدل وقسط وحكمة وحمد في قضائه وقدره، وفي شرعه وأمره، وفي جزائه وثوابه وعقابه، لا تخرج أفعاله عن الصراط المستقيم التي يحمد ويثنى عليه بها» (٣).
وأما أقواله فأقوال مجد وشرف، وصدق وعدل ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥].
стр. 990
تكلم بالقرآن المجيد، قال تَعَالَى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] حوى من الفصاحة أكملها، ومن الألفاظ أجزلها، ومن المعاني أعمها وأحسنها، ومن العلوم علم الأولين والآخرين، كثير الوجوه، كثير البركات، جزيل المبرات (١).
وقال ابن القيم ﵀ مقررًا ما سبق: «تمت كلماته صدقًا وعدلًا، وجلت صفاته أن تقاس بصفات خلقه شبهًا ومثلًا، وتعالت ذاته أن تشبه شيئًا من الذوات أصلًا، ووسعت الخليقة أفعاله عدلًا، وحكمة ورحمة وإحسانًا وفضلًا، له الخلق والأمر، وله النعمة والفضل، وله الملك والحمد، وله الثناء والمجد … أسماؤه كلها أسماء مدح وحمد وثناء وتمجيد، ولذلك كانت حسنى، وصفاته كلها صفات كمال، ونعوته كلها نعوت جلال، وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل» (٢).
وبعد هذا علم أنه لا مجد إلا مجده ولا عظمة إلا عظمته، ولا جلال ولا جمال ولا كبرياء إلا جلاله وجماله وكبرياؤه، كل مجد لغيره فهو منه عطاء وفضل، تفرد بالكمال المطلق الذي لا يمكن للعباد أن يحيطوا بشيء منه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، وقال ﷺ : «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (٣).
стр. 991
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (المجيد) على التوحيد:
في اسم الله (المجيد) دلالة على اتصاف الله بصفات الكمال؛ «فإن من ليس له صفات كمال ولا أفعال حميدة فليس له من المجد شيء، والمخلوق إنما يصير مجيدًا بأوصافه وأفعاله، فكيف يكون الرب ﵎ مجيدًا وهو معطل عن الأوصاف والأفعال، تَعَالَى الله عما يقول المعطلون علوًّا كبيرًا» (١).
بل فيه دلالة على كثرة هذه الصفات وعظمتها، قال ابن القيم ﵀: «وصف نفسه بالمجيد، وهو المتضمن لكثرة صفات كماله وسعتها وعدم إحصاء الخلق لها» (٢)، فليست صفاته محصورة بصفة أو صفتين ولا سبع ولا ثمان، بل لا تدخل تحت الحصر، ولا تحد بعدد معين كما قال ﷺ في الدعاء: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ» (٣)، وإذا عرف العبد هذا واعتقده؛ حقق شيئًا من توحيد الأسماء والصفات.
ثم إذا تأمل في هذا الاسم وما فيه من الكمال، لا سيما في الصفات والأفعال، علم أنه المستحق للعبادة وحده دون ما سواه، فمن له العلم المحيط بكل الأشياء والقدرة العامة والرحمة الواسعة التي ملأت جميع العوالم، والحمد والمجد والكبرياء والعظمة هو الجدير بالعبادة والذل والخضوع،
стр. 992
قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ الآيات [الحشر: ٢٢]. (١)
قال الشيخ السعدي ﵀: « … فأخبر أنه الله المألوه المعبود، الذي لا إله إلا هو، وذلك لكماله العظيم، وإحسانه الشامل، وتدبيره العام، وكل إله سواه فإنه باطل لا يستحق من العبادة مثقال ذرة؛ لأنه فقير عاجز ناقص، لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا» (٢).
ومن بيده العطاء ومنه النعماء والبر والإحسان هو المستحق أن يُعبد ويُحَب، قال تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٧ - ١٨].
وكل مَن دونه ناقص من جميع الوجوه، فلا أوصاف كمال ولا شيء من الإنعام، فكيف يُتعلق به ويسوّى بينه وبين الكامل من جميع الوجوه الذي له كل صفة كمال، وله من تلك الصفة أكملها وأعظمها؟! (٣).
الأثر الثالث: محبة الله المجيد:
إذا نظر العبد في اسم الله (المجيد) نظر المتأمل المتفكر امتلأ قلبه حبًّا لله المجيد؛ إذ النفوس فطرت على حب من تكاملت صفاته، وتكامل عطاؤه
стр. 993
وإحسانه، والله المجيد كمل في صفاته، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠]، وكمل في عطائه وإحسانه، قال تَعَالَى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وكمل في كل شيء، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣]، بل له من ذلك الكمال أكمله وأبلغه وأوسعه، فمن كان كذلك كيف لا تحبه القلوب، وتهيم بذكره النفوس؟
قال ابن القيم ﵀: «الثناء والحب تبع للأسباب المقتضية له، وهو ما عليه المحمود من صفات الكمال، ونعوت الجلال والإحسان إلى الغير؛ فإن هذه هي أسباب المحبة، وكلما كانت هذه الصفات أجمع وأكمل، كان الحمد والحب أتم وأعظم.
والله سُبْحَانَهُ له الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه ما، والإحسان كله له ومنه، فهو أحق بكل حمد، وبكل حب من كل جهة، فهو أهل أن يُحَب لذاته، ولصفاته، ولأفعاله، ولأسمائه، ولإحسانه، ولكل ما صدر منه سُبْحَانَهُ» (١).
الأثر الرابع: تمجيد ما مجده الله -:
الإيمان باسم الله (المجيد) يدعو العبد إلى تمجيد ما مجده ربه ؛ فقد مجد سُبْحَانَهُ نفسه العلية، ومجد كتابه، ومجد عرشه.
فأما تمجيده لنفسه:
فمجَّد ﵎ نفسه في كتابه العزيز بما ذكر من أسمائه وصفاته وأفعاله، ومن أعظم آيات القرآن التي حوت ذلك آية الكرسي وسورة الإخلاص والفاتحة.
стр. 994
ففي آية الكرسي- التي هي أعظم آية في القرآن- خمسة من أسماء الله ، وفيها من صفات الله ما يزيد على العشرين صفة.
وسورة الإخلاص- التي تعدل ثلث القرآن- جاءت كلها معرفة بالله؛ إذ قالت قريش للنبي ﷺ : انسب لنا ربك؟ فأنزلها الله وبين فيها صفاته.
وقال الصحابي صاحب السرية عنها: «لأنها صفة الرحمن»، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِ فَيَخْتِمُ بِـ «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ» فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ النبي ﷺ : «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ» (١)، وفي رواية: «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ» (٢).
وفي النصف الأول من سورة الفاتحة- التي هي أعظم سورة في القرآن- الثناء على الله وتمجيده؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول ﷺ يقول: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ … - وفي رواية: فَنِصْفُهَا ليِ وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي- فَإِذَا قَالَ العَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، قالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فإذا قال:
стр. 995
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]، قال: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (١).
وفي تمجيد الله لنفسه وثنائه عليها دعوة للعباد على أن يمجِّدوا ربهم، وتمجيده ﵎ يكون بأمور، منها:
تلاوة القرآن المجيد وتدبره؛ فإن القرآن مليء بتمجيد الله وإجلاله، ولا أحد يحصي الثناء على الله وتمجيده كما أثنى هو على نفسه، وفي حديث «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصَفْيَنِ … » أن العبد إذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، قال الله : أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي.
وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال: مَجَّدَنِي عَبْدِي (٢)، فدل على أن تلاوة القرآن تمجيد لله وثناء عليه.
الثناء على الله بأسمائه وسؤاله بها؛ لأن كل أسماء الله وصفاته تمجيد له ﵎، فقولنا: هو الله الواحد الأحد، الصمد، العزيز، الوهاب، الملك الأول، الآخر، الظاهر والباطن، الحميد، السميع، البصير؛ كل هذا من باب التمجيد لله ، وفي حديث «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ … » جعل الله قول: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] تمجيدًا له ﵎ من العبد؛ فدل على أن من تمجيده وصفه والاعتراف له بالملك والقهر، والحكم يوم الدين والحساب، وهكذا في سائر أسمائه وصفاته.
الصلاة؛ فالصلاة كلها قائمة على الثناء والتعظيم والتمجيد لله ، ففي قول: (الله أكبر) تمجيد، وفي الفاتحة تمجيد- كما سبق-، وفي الركوع
стр. 996
تمجيد، وفي قول العبد بعد الرفع من الركوع: «اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» تمجيد بليغ، وفي السجود تمجيد، وفي التشهد ثناء ومجد، ويختم بقول: «إنك حميد مجيد».
وفي ختام التشهد باسم الله المجيد معنى لطيف، نبه عليه ابن القيم ﵀، فقال: «لما طلب للرسول حمدًا ومجدًا بالصلاة عليه، وذلك يستلزم الثناء عليه؛ ختم هذا المطلوب بالثناء على مرسله بالحمد والمجد، فيكون هذا الدعاء متضمنًا لطلب الحمد والمجد للرسول ﷺ ، والإخبار عن ثبوته للرب ﵎» (١).
٤ - دوام ذكر الله، والثناء عليه بالتهليل والتحميد والتسبيح والتكبير؛ فإن ذلك كله من التمجيد له ﵎، وجاء في حديث النعمان بن بشير ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ مِمَّا تَذْكُرُونَ مِنْ جَلَالِ اللهِ التَّسْبِيحَ، والتَّهْلِيلَ، والتَّحْمِيدَ، يَنْعَطِفْنَ حَوْلَ العَرْشِ، لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، تُذَكِّرُ بِصَاحِبِهَا، أَمَا يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ لَه- أو- لَا يَزَالُ لَهُ مَنْ يُذَكِّرُ بِهِ؟» (٢)، وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ الله تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، قال: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قال: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ،
стр. 997
وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ، مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ، قال: فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ قال: فَيَقُولُونَ: لَا وَالله مَا رَأَوْكَ؟ قال: فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ قال: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا، قال: يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟ قال: يَسْأَلُونَكَ الجَنَّةَ، قال: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قال: يَقُولُونَ: لَا وَالله يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا، قال: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ قال: يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قال: يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ، قال: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟، قال: يَقُولُونَ: لَا وَالله يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا، قال: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قال: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً، قال: فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، قال: يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ المَلَائِكَةِ: فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ. قَالَ: هُمُ الجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» (١)، فإذا كان جليسهم لا يشقى، فكيف الشأن بهم؟! (٢).
وأما تمجيده للقرآن:
فقد قال سُبْحَانَهُ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١]، قال قتادة-: «أي: قرآن كريم» فالقرآن شريف كريم عظيم، ولا غرابة في ذلك؛ فإنه كلام الله المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
стр. 998
ومجده راجع إلى عدة أمور، منها:
فصاحته وبلاغته، وحسن تراكيبه ونظمه، فألفاظه بلغت المنتهى في الفصاحة، ونظمه في غاية الإحكام، حتى إن العرب على ما هم عليه من الفصاحة وشدة العداوة للدين ما استطاع أحد منهم أن يعيب القرآن في لفظ من ألفاظه بل قال قائلهم لهم بعد سماعه للقرآن: «فو الله ما فيكم من رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن مني، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته» (١).
معانيه الواسعة، وعلومه الغزيرة الشاملة لكل شيء، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، قال ابن كثير ﵀: «اشتمل على كل علم نافع من خبر ما سبق، وعلم ما سيأتي، وحكم كل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم، ومعاشهم ومعادهم» (٢).
عجز الجن والإنس عن الإتيان بمثله، بل ولا سورة من مثله ولو اجتمعوا وتآزروا، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، فأنى لمخلوق ناقص من جميع الوجوه، ليس له علم ولا قدرة ولا إرادة ولا مشيئة ولا كلام ولا كمال إلا من ربه، أن يعارض كلام رب الأرض
стр. 999
والسماوات، المطلع على سائر الخفيات، الذي له الكمال المطلق، والحمد المطلق، والمجد العظيم، الذي لو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر مدادًا، والأشجار كلها أقلام، لنفذ المداد، وفنيت الأقلام، ولم تنفد كلمات الله (١).
حفظه وصيانته من الشياطين وكيد الكفار والمنافقين والحاقدين من أن يغيروا ألفاظه أو يزيدوا فيها أو ينقصوا، أو أن يبدلوا معانيه ويحرفوها، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. (٢)
قال يحيى بن أكثم ﵀: «كان للمأمون- وهو أمير إذ ذاك- مجلس نظر، فدخل في مجلسه رجل يهودي، حسن الثوب، حسن الوجه، طيب الرائحة، قال: فتكلم، فأحسن الكلام، قال: فلما أن تقوض المجلس، دعاه المأمون، فقال له: إسرائيلي؟: قال نعم! قال له: أسلِم حتى أفعل بك، وأصنع، ووعده، فقال: ديني، ودين آبائي، فانصرف، فلما كان بعد سنة جاءنا مسلمًا، قال: فتكلم على الفقه، فأحسن الكلام.
فلما أن تقوض المجلس دعاه المأمون، فقال له: ألست صاحبنا بالأمس؟ قال له: بلى! قال: فما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك، فأحببت أن أمتحن هذه الأديان، وأنا مع ما تراني حسن الخط فعمدت إلى التوراة، فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الكنيسة فاشتريت مني، وعمدت إلى الإنجيل، فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها، ونقصت وأدخلتها البيعة فاشتريت مني، وعمدت إلى القرآن فعملت
стр. 1000
ثلاث نسخ، وزدت فيها ونقصت وأدخلتها إلى الوراقين، فتصفحوها، فلما أن وجدوا فيها الزيادة، والنقصان، رموا بها فلم يشتروها، فعلمت أن هذا كتاب محفوظ، فكان هذا سبب إسلامي.
قال يحيى بن أكثم: فحججت في تلك السنة، فلقيت سفيان بن عيينة، فذكرت له الحديث، فقال لي: مصداق هذا في كتاب الله ، قال: قلت: في أي موضع؟ قال: في قول الله في التوراة، والإنجيل ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]، فجعل حفظه إليهم، فضاع، وقال ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فحفظه الله علينا فلم يضع» (١).
حصر الخيرية فيمن تعلمه وعلمه؛ فعن عثمان بن عفان ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَمَّهُ» (٢).
رفعة الله لمن عمل به، واتخذه دينًا ومنهجًا، وخفضه وذله لمن تركه وراء ظهره، ورأى أن العمل به رجعية وتخلف وجمود؛ فعَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ: أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ - وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَكَّةَ - فَقَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي؟ فَقَالَ: ابْنَ أَبْزَى قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا. قَالَ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى، قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ. قَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ ﷺ قد قال: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذا الكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» (٣).
стр. 1001
وكذا في الآخرة يرفع صاحبه درجات في الجنة، فعن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : «المَاهِرُ بالقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجْرَانِ» (١).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يجيءُ القرآنُ يومَ القيامةِ، فيقولُ: يا ربُّ حَلِّهِ، فَيُلْبَسُ تاجَ الكرامةِ، ثم يقولُ: يا رَبِّ زِدْهُ، فَيُلْبَسُ حُلَّةَ الكرامةِ، ثم يقولُ: يا رَبِّ ارْضَ عنه فيرضَى عنه، فيقالُ له: اقرأْ وارقَ وتُزَادُ بكلِّ آيةٍ حسنةً» (٢).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقالُ لصاحبِ القرآنِ: اقرأْ وارقَ، ورتِّلْ كما كنتَ تُرَتِّلُ في الدنيا؛ فإنَّ منزِلَتَكَ عندَ آخِرِ آيةٍ تَقْرَؤُهَا» (٣).
قال الخطابي ﵀: «جاء في الأثر: أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة، فيقال للقارئ: ارق في الدرج على قدر ما كنت تقرأ من آي القرآن، فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على أقصى درج الجنة، ومن قرأ جزءًا منه كان رقيه في الدرج على قدر ذلك، فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة» (٤).
إكرام الله لصاحبه؛ فقد جعله من أهله وخاصته، كما جاء عن أنس
стр. 1002
﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ للهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ، قَالَ: قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَهْلُ القُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ» (١)، قال المناوي ﵀: «(هُمْ أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ) أي: المختصون به، بمعنى: أنه لما قربهم واختصهم كانوا كأهله» (٢).
وأما تمجيده للعرش:
فالله المجيد، لا يختار لنفسه إلا الأفضل والأكمل والأتم، قال سُبْحَانَهُ: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] بقراءة الجر، أي: العظيم العالي على جميع الخلائق، والذي من عظمته أنه وسع السماوات والأرض، فهي بالنسبة إلى العرش كحلقة ملقاة في فلاة بالنسبة لسائر الأرض (٣).
الأثر الخامس: ثواب من مجد الله:
لما دعا الله (المجيد) عباده لتمجيده رغبهم في ذلك بما أعد لهم من الثواب والجزاء، فجعل لمن مجده الرفعة والذكر الحسن جزاء له من جنس عمله، ويتضح هذا جليًّا في خليل الله إبراهيم ﵇ الذي مجد ربه، وأجلَّه بالتوحيد والبراءة من الشرك ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٨ - ٧٩]، فأعلى الله ذكره وجعل له لسان صدق في العالمين،
стр. 1003
قال تَعَالَى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١١٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٩ - ٥٠].
قال الشيخ السعدي ﵀: «وهذا- أيضًا- من الرحمة التي وهبها لهم؛ لأن الله وعد كل محسن، أن ينشر له ثناء صادقًا بحسب إحسانه، وهؤلاء من أئمة المحسنين، فنشر الله الثناء الحسن الصادق غير الكاذب، العالي غير الخفي، فذكرهم ملأ الخافقين، والثناء عليهم ومحبتهم، امتلأت بها القلوب، وفاضت بها الألسنة، فصاروا قدوة للمقتدين، وأئمة للمهتدين، ولا تزال أذكارهم في سائر العصور، متجددة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم» (١).
فكان ﵇ مقبولًا معظَّمًا مثنًى عليه، في كل الأوقات، وفي جميع الملل، حتى أن اليهود الذين من عادتهم قتل الأنبياء والكفر بهم أحبوه وادعوا أنه منهم، وكذا النصارى، فرد الله عليهم بقوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧].
وكان من أفضل المرسلين، ومن أولي العزم من الرسل، واتخذه الله خليلًا، حتى صار يدعى بذلك، فيقال: خليل الرحمن، وجعل ذكره ركنًا من أركان الصلاة، لا تصح بدونه (٢).
стр. 1004
وليس هذا خاصًّا بنبي الله إبراهيم ﵇، بل معه محمد بن عبد الله ﷺ خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، الذي مجد ربه بالتوحيد ونصرة الدين وإعلاء كلمته، فجزاه الله من جنس عمله فرفع ذكره في العالمين، قال تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]، فجعل ذكر رسوله ﷺ مقرونًا بذكره في الشهادة، قال مجاهد: لا أذكر إلا ذكرت معي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله (١).
وقال قتادة ﵀: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله (٢).
ورفع ذكره في الصلاة بالدعاء له بالثناء والبركة؛ فعن كعب بن عجرة ﵁، قال: «سألنا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإن الله قد علمنا كيف نسلم عليكم؟ قال: قُولُوا: اللهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللهمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (٣).
ورفع ذكره في كل عبادة؛ إذ كل عبادة لا تصح إلا بالإخلاص والمتابعة للرسول ﷺ ، ومن المعلوم أن فاعل العبادة يستحضر أنه متبع فيها
стр. 1005
لرسول الله ﷺ ، وهذا من رفع ذكره ﷺ (١).
ورفع ذكره في الأولين والآخرين، ونوه به حينما أخذ الميثاق على جميع النبيين أن يؤمنوا به، وأن يأمروا أممهم بالإيمان به، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]. (٢)
وكل هذا يدعو العبد ويحثه على تمجيد ربه وتعظيمه، جعلنا الله ممن يمجده ويعظمه حق تعظيمه.
فاللهم يا مجيد مُنَّ علينا بالتقوى، وألهمنا تسبيحك وتمجيدك!
стр. 1006
المُستعانُ ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «العون: الظهير على الأمر، والجمع: الأعوان» (١).
قال الأزهري ﵀: «قال الليث: كل شيء أعانك فهو عون لك؛ كالصوم عون على العبادة والجمع: الأعوان، قال: وتقول: أعنته إعانة، واستعنته، واستعنت به، وعاونته، وقد تعاونَّا، أي: أعان بعضنا بعضًا» (٢).
ورود اسم الله (المستعان) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (المستعان) مرتين في كتاب الله، ووروده على ما يلي:
قول الله : ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨].
قوله : ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢].
стр. 1007
ورود اسم الله (المستعانِ) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (المستعان) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن أبي موسى ﵁: «أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ وَفِي يَدِ النَّبِيِّ ﷺ عُودٌ يَضْرِبُ بِهِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَسْتَفْتِحُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : افْتَحْ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَذَهَبْتُ، فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ، فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، فَإِذَا عُمَرُ، فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: افْتَحْ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ أَوْ تَكُونُ فَذَهَبْتُ، فَإِذَا عُثْمَانُ فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قَالَ، قَالَ: اللهُ الْمُسْتَعَانُ» (١).
معنى اسم الله (المستعان):
قال الطبري: «وقوله: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] يقول: والله أستعين على كفايتي شر ما تصفون من الكذب» (٢).
قال القرطبي: «فالمستعان معناه: الذي لا يَطلب العون، بل يُطلب منه، وهو مستفعل من العون، وهو وصف ذاتي لله تَعَالَى راجع إلى صفة القوة، وفيه معنى الإضافة الخاصة لمن استعانه من عباده على طاعته» (٣).
فالمستعان هو المعتمد عليه في جلب المنافع ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك.
стр. 1008
اقتران اسمِ الله (المستعانِ) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يأت اسم الله (المستعان) مقترنًا بغيره من أسماء الله .
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المستعانِ):
الأثرالأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المستعان) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
الله سُبْحَانَهُ هو المعين لعباده، فلا يُطلب العون ولا القوة المطلقتان إلا منه سُبْحَانَهُ؛ لكمال وعظمة أسمائه وصفاته، فكل من في الأرض والسماء دونه عاجز، يقول تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢]، يقول ابن كثير ﵀ في ذلك: «وليس لله من هذه الأنداد من ظهير يستظهر به في الأمور، بل الخلق كلهم فقراء إليه، عبيد لديه» (١).
وقال سُبْحَانَهُ فيما يستدل به على انفراده واستحقاقه للاستعانه وحده: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].
فحمد الله نفسه المقدسة، بأنه الأحد الصمد الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، لاشريك له في الملك، ولا في الخلق، ولا في الأمر، فهو العزيز الذي لايحتاج إلى ولي، أو وزير، بل هو الله الواحد القهار، وكل
стр. 1009
خلقه بحاجة إلى الاستعانة به، فلا قيام ولا حياة ولا وجود لهم إلا به، وبقدرته وقوته لا شريك له.
وعليه فمن استعان بالخلق وأعرض عن الخالق، فهو المغبون الهالك، فلا هو حفظ كرامته، ولا حصل غايته (١).
وهذا من أعظم الأدلة على أن الله وحده المستحق للعبادة، فإنه النافع الضار، المعطي المانع، يقول تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧]، فما يمس العباد من فقر ومرض ونحوه لا يرفعه إلا الله؛ لأن الخلق لو اجتمعوا على أن ينفعوا بشيء، لم ينفعوا إلا بما كتبه الله، ولو اجتمعوا على أن يضروا أحدًا، لم يقدروا على شيء من ضرره، إذا لم يرده الله، ولهذا قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾، كما قال تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢].
الأثر الثاني: محبة الله المستعان:
الله تَعَالَى هو المستعان، الذي لا يَطلب العون، بل يُطلب منه العون، ويستعين به الخلق كلهم، فلا حول ولا قوة لأحد في السماوات ولا في الأرض إلا بإعانته سُبْحَانَهُ، فهو المتفضل على العباد بالإعانة والإمداد، كما تفضل عليهم بالخلق والإيجاد، لا يذل من أكثر طلبه، بل يعزه ويعظم قدره، يقول شيخ الإسلام ﵀: «والعبد كلما كان أذل لله، وأعظم افتقارًا إليه، وخضوعًا له كان أقرب إليه، وأعز له، وأعظم لقدره؛ فأسعد الخلق أعظمهم عبوديةً لله،
стр. 1010
وأما المخلوق فكما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره، ولقد صدق القائل:
بَيْنَ التَّذَلُّلِ والتَّدَلُّلِ نُقْطَةٌ … فِي رَفْعِهَا تَتَحَيَّرُ الأُفْهَامُ» (١)
فكيف لمن عرف هذا عن ربه، ألا يحبه، ويستغني به عن عموم خلقه!
الأثر الثالث: إعانة الناس وقضاء حوائجهم:
فكما تكون لعباد الله يكون الله لك، وكما تحب أن يعاملك الله سُبْحَانَهُ فعامل الناس، فارحم الناس ليرحمك الله، واستر الناس ليسترك الله، وأعن الناس على حوائجهم يعنك الله، وفرج كرب إخوانك المسلمين يفرج الله عنك، فكما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخرة، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ الله فِي الدُّنْيَا وَالآخرة، وَالله فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» (٢)، وقال ﷺ : «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ الله فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ الله عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣).
الْأُمُورِ كُلِّهَا، كَمَا يُعَلِّمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللهمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، … » (١).
اللهم ارزقنا صدق الاستعانة بك، فلا حول ولا قوة لنا إلا بك.
стр. 1013
«الاستعانة بالله»
في موضوع الاستعانة سنتطرق للمسائل التالية:
أولًا: تعريف الاستعانة:
يقول شيخ الإسلام ﵀: «الاستعانة: طلب العون من الله، ويطلب من المخلوق ما يقدر عليه من الأمور» (١).
يقول ابن القيم ﵀: «والاستعانة تجمع أصلين: الثقة بالله، والاعتماد عليه؛ فإن العبد قد يثق بالواحد من الناس، ولا يعتمد عليه في أموره، مع ثقته به؛ لاستغنائه عنه، وقد يعتمد عليه مع عدم ثقته به؛ لحاجته إليه، ولعدم من يقوم مقامه، فيحتاج إلى اعتماده عليه، مع أنه غير واثق به» (٢).
ثانيًا: منزلة الاستعانة:
الاستعانة بالله هي رفيقة المسافر إلى ربه، فبها يهدى السبيل، وبها يبدأ المسير، وبها يكون الثبات، وبها يبلغ الغايات، فهي ضرورة؛ لينال العبد السعادة والغنى عن كل ما سوى الله، ولينال راحة القلب، واطمئنان النفس، فإذا فقدها فقد سعادته، وكان فقره بين عينيه، وذله للخلق مستوليًا عليه.
стр. 1014
قال شيخ الإسلام ﵀: «إن العبد مجبول على أن يقصد شيئًا ويريده، ويستعين بشيء ويعتمد عليه في تحصيل مراده»، … إلى أن قال: «والناظر في أحوال الخلق يجد أن النفس لا بد لها من شيء تثق به وتعتمد عليه في نيل مطلوبها، وهو مستعانها، سواء أكان ذلك هو الله أم غيره، وإذا كان المستعان غير الله فقد يكون عامًّا، وهو الكفر، كمن عبد غير الله مطلقًا أو سأل غير الله مطلقًا، وقد يكون خاصًّا في المسلمين ممن غلب عليهم حب المال أو حب شخص أو حب الرياسة أو غير ذلك، بحيث يعتمد عليها ويستعين بها، وما أكثر ما تستلزم العبادة الاستعانة! وصلاح العبد في عبادة الله واستعانته به، ومضرته وهلاكه وفساده في عبادة غير الله والاستعانة بما سواه، وتوحيد الله وإخلاص الدين له في عبادته واستعانته في القرآن كثير جدًّا؛ بل هو قلب الإيمان، وأول الإسلام وآخره، وهذا هو دين الإسلام العام الذي بعث به جميع الرسل، فلا يصرف لغير الله شيء من أنواع العبادة والاستعانة؛ إذ إن أنواع العبادة متعلقة كلها بألوهيته، والاستعانة متعلقة بربوبيته، والله رب العالمين لا إله إلا هو، ولا رب لنا غيره، لا ملك ولا نبي ولا غيره» (١).
ولو تأمل العبد حاجته إليها لعرف أنها ليست فقط في دنياه، بل حتى عند الموت، وبعده من أهوال البرزخ، ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله ، ولذا فالمؤمن لايقدم خطوة في طريق العبودية إلا إن سبقها بخطوة في طريق الاستعانة بالله.
يقول ابن القيم ﵀: «والعبودية محفوفة بإعانتين: إعانة قبلها على
стр. 1015
التزامها والقيام بها، وإعانة بعدها على عبودية أخرى، وهكذا أبدًا، حتى يقضي العبد نحبه» (١).
وهذا يقود للمسألة التالية، وهي: لم قدمت العبادة على الاستعانة في الفاتحة؟
ثالثًا: لم قدمت العبادة على الاستعانة:
أشار الإمام ابن القيم ﵀ إلى أسباب عدة في تقديم العبادة على الاستعانة، في آية الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وهي كالتالي:
العبادة غاية العباد التي خلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها؛ ومن ثم يكون ذلك من قبيل تقديم الغايات على الوسائل.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ متعلق بألوهيته سُبْحَانَهُ، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ متعلق بربوبيته.
تقديم العبادة على الاستعانة يتناسب مع تقديم اسم «الله» على لفظ «الرب» المذكورين في أول السورة؛ حيث إن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ قسم الرب، فكان من الشطر الأول، الذي هو ثناء على الله تَعَالَى؛ لكونه أولى به، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قسم العبد، فكان من الشطر الذي له، وهو ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] إلى آخر السورة.
العبادة المطلقة تتضمن الاستعانة من غير عكس، فكل عابد لله
стр. 1016
عبودية تامة: مستعين، ولا ينعكس الأمر؛ لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته، فكانت العبادة أكمل وأتم؛ ولهذا كانت قسم المولى .
الاستعانة جزء من العبادة من غير عكس، فقدم الكل على الجزء.
الاستعانة طلب منه سُبْحَانَهُ، والعبادة طلب له، فقدم ما هو له على ما هو منه.
العبادة لا تكون إلا من مخلص، والاستعانة تكون من مخلص ومن غير مخلص؛ ومن ثم قدم ما هو محض الإخلاص.
العبادة حق الله الذي أوجبه على العبد، والاستعانة طلب العون على العبادة؛ وذلك بيان لصدقته التي تصدق بها عليك، وأداء حقه أهم من التعرض لصدقته، فكان ذلك من باب تقديم الأهم على المهم.
العبادة شكر لنعمة الله على العبد، والله يحب أن يشكر، والإعانة فعل الله لعبده وتوفيقه له، فمن التزم عبوديته، ودخل تحت رقها أعانه الله عليها، وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة له من الله أعظم؛ ومن ثم فإن في تقديم العبادة تقديمًا للسبب على المسبب.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لله، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] به، والذي له مقدم على ما به؛ لأن ما له: متعلق بمحبته ورضاه، والذي يكون به: متعلق بمشيئته، وما تعلق بمحبته أكمل مما تعلق بمجرد مشيئته؛ إذ الكون كله متعلق بمشيئته كذلك، والملائكة والشياطين والمؤمنون والكفار والطاعات والمعاصي، والمتعلق بمحبته طاعاتهم وإيمانهم، فالكفار أهل مشيئته،
стр. 1017
والمؤمنون أهل محبته؛ ولهذا لا يستقر في النار شيء لله أبدًا، وكل ما فيها فإنه به تَعَالَى وبمشيئته (١).
رابعًا: أقسام الاستعانة:
الاستعانة طلب العون وهي أنواع:
الأول: الاستعانة بالله: وهي الاستعانة المتضمنة لكمال الذل من العبد لربه، وتفويض الأمر إليه، واعتقاد كفايته، وهذه لا تكون إلا لله تَعَالَى، ودليلها قوله تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ووجه الاختصاص: أن الله تَعَالَى قدم المعمول ﴿إِيَّاكَ﴾، وقاعدة اللغة التي نزل بها القرآن أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص، وعلى هذا يكون صرف هذا النوع لغير الله تَعَالَى شركًا مخرجًا عن الملة.
الثاني: الاستعانة بالمخلوق على أمر يقدر عليه: فهذه على حسب المستعان عليه كالتالي:
إن كانت على بر: فهي جائزة للمستعين، مشروعة للمعين؛ لقوله تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].
إن كانت على إثم: فهي حرام على المستعين، والمعين؛ لقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
إن كانت على مباح: فهي جائزة للمستعين، والمعين، لكن المعين قد يثاب على ذلك ثواب الإحسان إلى الغير؛ ومن ثم تكون في حقه مشروعة؛ لقوله تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
стр. 1018
الثالث: الاستعانة بمخلوق حي حاضر غير قادر: فهذه لغو لا طائل تحتها، مثل أن يستعين بشخص ضعيف على حمل شيء ثقيل.
الرابع: الاستعانة بالأموات مطلقًا، أو بالأحياء على أمر غائب لا يقدرون على مباشرته: فهذا شرك؛ لأنه لا يقع إلا من شخص يعتقد أن لهؤلاء تصرفًا خفيًّا في الكون.
خامسًا: تقسيم الناس بحسب الاستعانة:
التعبد باسم الله (المستعان) يوجب على العبد أن يستعين به في كل أحواله، ولكن الناس في الاستعانة بالله تَعَالَى على أقسام.
ذكر الإمامان ابن تيمية، وابن القيم -رحمهما الله- طرفًا من هذه الأقسام، فتحدث كل منهما عن جهة للتقسيم، ومن الأولى بنا أن نذكر كلام الإمامين؛ لتتكامل لدينا الصورة، وتتضح معالمها.
وقد تكلم الإمام ابن القيم عن أقسام الناس في عبادة الله والاستعانة به، وقسمهم إلى أربعة أقسام، وهي:
أجلُّها وأفضلُها: أهل العبادة والاستعانة بالله عليها، فعبادة الله غاية مرادهم، وطلبهم منه أن يعينهم عليها، ويوفقهم للقيام بها؛ ولهذا كان من أفضل ما يسأل الرب الإعانة على مرضاته، وهو الذي علمه النبي ﷺ لحِبه معاذ بن جبل ﵁، فعن معاذ ﵁، قال: «لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَنَا وَاللهِ أُحِبُّكَ. قَالَ: فَإِنِّي أُوصِيكَ بِكَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ: اللهمَّ أَعِنِّي
стр. 1019
عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (١)؛ فأنفع الدعاء طلب العون على مرضاته، وأفضل المواهب إسعافه بهذا المطلوب، وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضاده، وعلى تكميله وتيسير أسبابه، فتأملها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية- قدس الله روحه-: تأملت أنفع الدعاء فإذا هو: سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].
ومقابل هؤلاء: القسم الثاني، وهم المعرضون عن عبادته والاستعانة به، فلا عبادة ولا استعانة، بل إن سأله أحدهم واستعان به فعلى حظوظه وشهواته، لا على مرضاة ربه وحقوقه؛ فإنه سُبْحَانَهُ يسأله من في السماوات والأرض، يسأله أولياؤه وأعداؤه، ويمد هؤلاء وهؤلاء، وأبغض خلقه عدوه إبليس، ومع هذا فقد سأله حاجة فأعطاه إياها، ومتعه بها، ولكن لما لم تكن عونًا له على مرضاته، بل كانت زيادة له في شقوته، وبعده عن الله وطرده عنه، وهكذا كل من استعان به على أمر وسأله إياه، ولم يكن عونًا على طاعته كان مبعدًا له عن مرضاته، قاطعًا له عنه ولا بد.
وليتأمل العاقل هذا في نفسه وفي غيره، وليعلم أن إجابة الله لسائليه ليست لكرامة السائل عليه، بل يسأله عبده الحاجة فيقضيها له، وفيها هلاكه وشقوته، ويكون قضاؤه له من هوانه عليه، وسقوطه من عينه، ويكون منعه منها لكرامته عليه ومحبته له، فيمنعه حماية وصيانة وحفظًا، لا بخلًا، وهذا إنما يفعله بعبده الذي يريد كرامته ومحبته، ويعامله بلطفه، فيظن- بجهله- أن الله لا يحبه ولا
стр. 1020
يكرمه، ويراه يقضي حوائج غيره، فيسيء ظنه بربه، وهذا حشو قلبه ولا يشعر به، والمعصوم من عصمه الله، والإنسان على نفسه بصيرة، وعلامة هذا حمله على الأقدار، وعتابه الباطن لها، كما قيل:
وَعَاجِزُ الرَّأْيِ مِضْيَاعٌ لِفُرْصَتِهِ … حَتَّى إِذَا فَاتَ أَمْرٌ عَاتَبَ القَدَرَا
القسم الثالث: من له نوع عبادة بلا استعانة، وهؤلاء نوعان:
أحدهما: القدرية القائلون بأنه قد فعل بالعبد جميع مقدوره من الألطاف، وأنه لم يبق في مقدوره إعانة له على الفعل؛ فإنه قد أعانه بخلق الآلات وسلامتها، وتعريف الطريق، وإرسال الرسل، وتمكينه من الفعل، فلم يبق بعد هذا إعانة مقدورة يسأله إياها، بل قد ساوى بين أوليائه وأعدائه في الإعانة، فأعان هؤلاء كما أعان هؤلاء، ولكن أولياءه اختاروا لنفوسهم الإيمان، وأعداءه اختاروا لنفوسهم الكفر، من غير أن يكون الله سُبْحَانَهُ وفق هؤلاء بتوفيق زائد أوجب لهم الإيمان، وخذل هؤلاء بأمر آخر أوجب لهم الكفر، فهؤلاء لهم نصيب منقوص من العبادة، لا استعانة معه، فهم موكولون إلى أنفسهم، مسدود عليهم طريق الاستعانة والتوحيد، قال ابن عباس ﵁: الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن آمن بالله وكذب بقدره نقض تكذيبُه توحيدَه.
النوع الثاني: من لهم عبادات وأوراد، ولكن حظهم ناقص من التوكل والاستعانة، لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر، وتلاشيها في ضمنه، وقيامها به، وأنها بدون القدر كالموات الذي لا تأثير له، بل كالعدم الذي لا وجود له، وأن القدر كالروح المحرك لها، والمعول على المحرك الأول.