نصرًا، وانتصر: انتقم» (١).
ورود أسماء الله (الغالب، الناصر، النصير) في القرآن الكريم:
أولًا: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الغالب) في كتاب الله مرة واحدة، هي:
قول الله : ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١].
ثانيًا: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الناصر) في كتاب الله مرة واحدة، وذلك بصيغة التفضيل، وهي:
في قوله تَعَالَى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠].
ثالثًا: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (النصير) أربع مرات في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
قوله : ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠].
قوله : ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥].
قوله : ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١].
стр. 1052
ورود أسماء الله (الغالب، الناصر، النصير) في السنة النبوية:
أولًا: ورود اسم الله (الغالب) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله (الغالب) في السنة النبوية.
ثانيا: ورود اسم الله (الناصر- النصير) في السنة النبوية:
من ورودهما ما يلي:
جاء في حديث طويل قوله ﷺ : «إِنِّي رَسُولُ الله، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي» (١).
عن أنس بن مالك ﵁، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا غَزَا قَالَ: اللهمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ» (٢).
معنى أسماء الله (الغالب، الناصر، النصير):
أولًا: معنى اسم الله الغالب:
- قال الطبري ﵀ عن سعيد بن جبير ﵀: «﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١]، قال: فعال» (٣).
- قال الحليمي ﵀: «وهو البالغ مراده من خلقه، أحبوا أو كرهوا، وهذا- أيضًا- إشارة إلى كمال القدرة والحكمة، وأنه لا يُقهر ولا يُخدع» (٤).
стр. 1053
- قال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١]-: «أي: إذا أراد شيئًا فلا يرد، ولا يمانع، ولا يخالف، بل هو الغالب لما سواه» (١).
- قال السعدي ﵀: «أي: أمره تَعَالَى نافذ، لا يبطله مبطل، ولا يغلبه مغالب» (٢).
ثانيًا: معنى اسم الله الناصر النصير:
قال الطبري ﵀ في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٠]: «وليكم وناصركم على أعدائه الذين كفروا، وقال في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]، وحسبكم بالله ناصرًا لكم على أعدائكم وأعداء دينكم، وعلى من بغاكم الغوائل، وبغى دينكم العوج» (٣).
قال القرطبي ﵀: «وله معان، منها: العون، يقال: نصره الله على عدوه ينصره نصرًا، فهو ناصر ونصير للمبالغة، والاسم: النصرة، والنصير: الناصر» (٤).
قال الحليمي ﵀: «الناصر هو الميسر للغلبة، والنصير هو الموثوق منه بأن لا يسلم وليه ولايخذله» (٥).
стр. 1054
قال ابن كثير ﵀: «﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨] يعني: نعم الولي ونعم الناصر من الأعداء» (١).
قال السعدي ﵀: «﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾: لمن استنصره فدفع عنه المكروه» (٢).
ووجه الربط بين أسماء الله (الغالب والناصر والنصير): أنه إذا وثق العبد أن الله تَعَالَى هو الغالب الفعال لما يشاء، الذي لا يستطيع أحد أن يرد قضاءه وقدره، كان العبد على يقين أنه سينصره على عدوه.
اقتران اسم الله (الغالب، الناصر، النصير) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (الغالب) بغيره من أسماء الله الحسنى:
لم يقترن اسم الله (الغالب) بغيره من أسماء الله.
ثانيًا: اقتران اسم الله (الناصر، النصير) بغيره من أسماء الله الحسنى:
لم يقترن اسم الله (الناصر) بغيره من أسماء الله.
وورد اقتران (النصير) باسمه (الهادي)، وذلك في آية واحدة في قوله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١].
стр. 1055
وجه الاقتران:
هذان الاسمان الكريمان يتناسبان مع سياق الآية التي يبين فيها الله سُبْحَانَهُ أن من سنته أن يقيض لكل نبي عدوًّا من المجرمين، ولكن الله سُبْحَانَهُ يتولى أنبياءه بهدايتهم إلى الحق، ونصرتهم على أهل الباطل من المجرمين، فهو سُبْحَانَهُ الذي يتولى أنبياءه وأولياءه بالهداية- بكل معانيها- ونصرتهم بجميع أنواع النصرة، بل إن كل من هداه الله نصره، وصاحب الهداية يتولاه الله، فيكون ناصرًا له.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الغالب، الناصر، النصير):
الأثرالأول: إثبات ما تتضمنه أسماء الله (الغالب، الناصر، النصير) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
فالله سُبْحَانَهُ هو الغالب الناصر على الإطلاق، فكل نصر مطلق هو من عند الله تَعَالَى؛ يقول سُبْحَانَهُ: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠]،
يقول السعدي ﵀ في تفسيرها: «إن يمددكم الله بنصره ومعونته ﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، فلو اجتمع عليكم من في أقطارها، وما عندهم من العَدد والعُدد؛ لأن الله لا مغالب له، وقد قهر العباد وأخذ بنواصيهم، فلا تتحرك دابة إلا بإذنه، ولا تسكن إلا بإذنه، ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ ويكلكم إلى أنفسكم ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ فلا بد أن تنخذلوا ولو أعانكم جميع الخلق، وفي ضمن ذلك: الأمر بالاستنصار بالله والاعتماد عليه، والبراءة من الحول والقوة، ولهذا قال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، وتقديم المعمول يؤذن بالحصر، أي: على الله توكلوا لا
стр. 1056
على غيره، لأنه قد علم أنه هو الناصر وحده، فالاعتماد عليه توحيد محصل للمقصود، والاعتماد على غيره شرك غير نافع لصاحبه، بل ضار، وفي هذه الآية الأمر بالتوكل على الله وحده، وأنه بحسب إيمان العبد يكون توكله» (١).
وقد أوضح الله ذلك في آيات كثيرة، منها، قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ١١٦]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦].
ومن الخطأ: قصر مفهوم النصر على الحرب، فهو نصر ومعونة إلهية عامة مطلقة، فما من عبد استنصر بالله، وتولاه، وتوكل عليه، إلا تولاه سُبْحَانَهُ وحفظه وحرسه وصانه، وما من عبد خافه واتقاه، إلا أمنه مما يخاف ويحذر، ويسر له من كل خير وسعة.
ويقول ابن القيم ﵀ في معنى قوله تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨]-: «أي: متى اعتصمتم به تولاكم ونصركم على أنفسكم وعلى الشيطان، وهما العدوان اللذان لا يفارقان العبد، وعدواتهما أضر من عداوة العدو الخارج، فالنصر على هذا العدو أهم، والعبد إليه أحوج، وكمال النصرة على العدو بحسب كمال الاعتصام بالله» (٢).
وهذا هو الإيمان الذي استقر في قلوب أنبيائه سُبْحَانَهُ، ومن شواهد ذلك:
قول نوح ﵇ حين عابوا عليه اتباع الفقراء والضعفاء لدعوته،
стр. 1057
وأمروه بطردهم: ﴿مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٣٠].
قول صالح ﵇: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ [هود: ٦٣].
قول مؤمن آل فرعون: ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر: ٢٩].
قول النبي ﷺ ودعاؤه: «اللهمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ» (١).
فعلى المؤمن الثقة بنصر الله لعباده المؤمنين، وفتحه ورحمته وقوته وعزته سُبْحَانَهُ، وعدم الرهبة من الكافرين إذا أخذ بالأسباب، وتوكل على الله وحده؛ وتوحيده، فالمنصور من نصره الله تَعَالَى، والمخذول من خذله، يقول تَعَالَى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].
الأثر الثاني: تحقق نصر الله لعباده المؤمنين:
نصر الله لعباده المؤمنين وعد ثابت محقق منه سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، وهذا النصر متعدد الصور والطرق، ومن أبرز صور النصر ما يلي:
١ - التمكين:
فالله تَعَالَى ينصر أولياءه بصورة التمكين، كما ذكر الله سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا
стр. 1058
عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ إلى قوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، فعبر عن التمكين بالنصر.
وهذا ما حصل لنبي الله يوسف ﵇ كما قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١]، قال القرطبي ﵀: «أي: وكما أنقذناه من إخوته، ومن الجب، فكذلك مكنا له، أي: عطفنا عليه قلب الملك الذي اشتراه حتى تمكن من الأمر والنهي في البلد الذي الملك مستول عليه» (١).
كذلك تمكين الله له على خزائن مصر، في قوله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٤ - ٥٦].
٢ - التأييد:
من نصر الله: تأييده لعباده، يقول تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤]، يقول السعدي ﵀ عند هذه الآية: «﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾ أي: قويناهم ونصرناهم عليهم، ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ عليهم وقاهرين
стр. 1059
(لهم)، فأنتم يا أمة محمد، كونوا أنصار الله ودعاة دينه، ينصركم الله كما نصر من قبلكم، ويظهركم على عدوكم» (١).
٣ - الدفاع:
مِن نَصْر الله: دفاعُه عن عباده بحسب قوة إيمانهم، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]، بل من عجيب هذا النصر: أن يكون الدفاع حتى من شر النفس! وهذا ماذكره السعدي ﵀ عند تفسير هذه الآية، فقال: «هذا إخبار ووعد وبشارة من الله، للذين آمنوا، أن الله يدافع عنهم كل مكروه، ويدفع عنهم كل شر- بسبب إيمانهم- من شر الكفار، وشر وسوسة الشيطان، وشرور أنفسهم، وسيئات أعمالهم، ويحمل عنهم عند نزول المكاره، ما لا يتحملون، فيخفف عنهم غاية التخفيف، كل مؤمن له من هذه المدافعة والفضيلة بحسب إيمانه، فمستقل ومستكثر» (٢).
٤ - الكيد والمكر بالأعداء:
من صور نصره سُبْحَانَهُ: أن يكيد بمن كاد لأوليائه ويعاديهم، كما في الحديث: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الله قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي
стр. 1060
لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (١).
ومن تأمل في سيرة نبي الله يوسف ﵇، والمكائد التي تعرض لها، سواء من إخوته حين حاولوا التفريق بينه وبين أبيه، يقول تَعَالَى: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥]، أو من امرأة العزيز حين راودته وأودعته السجن، يقول تَعَالَى في ذلك: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨]، وكذا كيد النسوة له، يقول تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٣ - ٣٤].
٥ - إجابة الدعاء:
من صور نصر الله: إجابة الدعاء، بل إن المتأمل يعلم أن غاية الداعي تحقيق نصره بإجابة الله لدعوته وتحقيق مطلوبه، يقول ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالإِمَامُ العَادِلُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا الله فَوْقَ الغَمَامِ وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» (٢).
وفي حديث عائشة ﵂، قالت: «أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا فَكَانَتْ مَعَهُمْ، قَالَتْ: فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ، عَلَيْهَا وِشَاحٌ
стр. 1061
أَحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ، قَالَتْ: فَوَضَعَتْهُ، أَوْ وَقَعَ مِنْهَا، فَمَرَّتْ بِهِ حُدَيَّاةٌ وَهُوَ مُلْقًى فَحَسِبَتْهُ لَحْمًا فَخَطِفَتْهُ، قَالَتْ: فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، قَالَتْ: فَاتَّهَمُونِي بِهِ، قَالَتْ: فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ، حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا، قَالَتْ: وَاللهِ إِنِّي لَقَائِمَةٌ مَعَهُمْ، إِذْ مَرَّتِ الْحُدَيَّاةُ فَأَلْقَتْهُ، قَالَتْ: فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ، زَعَمْتُمْ وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَهُوَ ذَا هُوَ، قَالَتْ: فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَسْلَمَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ حِفْشٌ، قَالَتْ: فَكَانَتْ تَأْتِينِي فَتَحَدَّثُ عِنْدِي، قَالَتْ: فَلَا تَجْلِسُ عِنْدِي مَجْلِسًا، إِلَّا قَالَتْ:
وَيَوْمَ الوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الكُفْرِ أَنْجَانِي» (١).
الأثر الثالث: كيف يكون نصر الله تَعَالَى لأنبيائه ورسله وأوليائه؟
اقتضت حكمة الله تَعَالَى أن ينصر رسله وأولياءه في الدنيا ويوم القيامة، يقول الله تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].
وهذا النصر بحسب الإيمان، كما أشار إلى ذلك ابن القيم ﵀، عند قوله تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، قال: «فالآية على عمومها وظاهرها، وإنما المؤمنون يصدر منهم من المعصية والمخالفة التي تضاد الإيمان ما يصير به للكافرين عليهم سبيل، بحسب تلك المخالفة، فهم الذين تسببوا إلى جعل السبيل عليهم، كما تسببوا إليه يوم أُحُدٍ بمعصية الرسول ومخالفته، والله سُبْحَانَهُ لم يجعل للشيطان على العبد سلطانًا حتى جعل له العبد سبيلًا إليه بطاعته والشرك به، فجعل الله حينئذ له
стр. 1062
عليه تسلطًا وقهرًا، فمن وجد خيرًا فليحمد الله تَعَالَى، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» (١).
وقد علق الطبري ﵀ على قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١] باستفهام مجاب عليه، فقال: «يقول القائل: وما معنى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١] وقد علمنا أن منهم من قتله أعداؤه، ومثَّلوا به، كشعياء ويحيى بن زكريا وأشباههما، ومنهم من همَّ بقتله قومه، فكان أحسن أحواله أن يخلص منهم حتى فارقهم ناجيًا بنفسه، كإبراهيم الذي هاجر إلى الشام من أرضه مفارقًا لقومه، وعيسى الذي رفع إلى السماء إذ أراد قومه قتله، فأين النصرة التي أخبرنا أنه ينصرها رسله، والمؤمنين به في الحياة الدنيا، وهؤلاء أنبياؤه قد نالهم من قومهم ما قد علمت، وما نصروا على من نالهم بما نالهم به؟
قيل: إن لقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١] وجهين، كلاهما صحيح معناه، أحدهما أن يكون معناه: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا إما بإعلائنا لهم على من كذبهم وإظفارنا بهم، حتى يقهروهم غلبة، ويذلوهم بالظفر ذلة، كالذي فعل من ذلك بداود وسليمان، فأعطاهما من الملك والسلطان ما قهرا به كل كافر، وكالذي فعل بمحمد ﷺ بإظهاره على من كذبه من قومه، وإما بانتقامنا ممن حادهم وشاقهم بإهلاكهم وإنجاء الرسل ممن كذبهم وعاداهم، كالذي فعل تَعَالَى ذكره بنوح وقومه، من تغريق قومه وإنجائه منهم، وكالذي فعل بموسى وفرعون وقومه؛ إذ أهلكهم غرقًا، ونجى موسى ومن آمن به من بني إسرائيل
стр. 1063
وغيرهم ونحو ذلك، أو بانتقامنا في الحياة الدنيا من مكذبيهم بعد وفاة رسولنا من بعد مهلكهم، كالذي فعلنا من نصرتنا شعياء بعد مهلكه، بتسليطنا على قتله من سلطنا حتى انتصرنا بهم من قتلته، وكفعلنا بقتلة يحيى، من تسليطنا بختنصر عليهم حتى انتصرنا به من قتله له، وكانتصارنا لعيسى من مريدي قتله بالروم حتى أهلكناهم بهم، فهذا أحد وجهيه، وقد كان بعض أهل التأويل يوجه معنى ذلك إلى هذا الوجه» (١).
وينقل ابن كثير ﵀ كلامًا لابن السدي ﵀، يعضد به ما ذهب إليه ابن جرير ﵀، فيقول: «قال السدي: لم يبعث الله رسولًا قط إلى قوم فيقتلونه، أو قومًا من المؤمنين يدعون إلى الحق فيُقتلون، فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله لهم من ينصرهم، فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا، قال: فكانت الأنبياء والمؤمنون يُقتلون في الدنيا، وهم منصورون فيها، وهكذا نصر الله سُبْحَانَهُ نبيه محمدًا ﷺ وأصحابه على من خالفه، وكذبه وعاداه، فجعل كلمته هي العليا، ودينه هو الظاهر على سائر الأديان، وأمره بالهجرة من بين ظهراني قومه إلى المدينة النبوية، وجعل له فيها أنصارًا وأعوانًا، ثم منحه أكتاف المشركين يوم بدر، فنصره عليهم وخذلهم له، وقتل صناديدهم، وأسر سراتهم، فاستاقهم مقرنين في الأصفاد، ثم منَّ عليهم بأخذه الفداء منهم، ثم بعد مدة قريبة فتح عليه مكة، فقرت عينه ببلده، وهو البلد المحرم الحرام المشرف المعظم، فأنقذه الله به مما كان فيه من الشرك والكفر، وفتح له اليمن، ودانت له جزيرة العرب بكمالها، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.
стр. 1064
ثم قبضه الله تَعَالَى إليه؛ لما له عنده من الكرامة العظيمة، فأقام الله أصحابه خلفاء بعده، فبلغوا عنه دين الله، ودعوا عباد الله إلى الله، وفتحوا البلاد والرساتيق والأقاليم والمدائن والقرى والقلوب، حتى انتشرت الدعوة المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها.
ثم لا يزال هذا الدين قائمًا منصورًا ظاهرًا إلى قيام الساعة؛ ولهذا قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] أي: يوم القيامة تكون النصرة أعظم وأكبر وأجل» (١).
ومن تأمل في تطبيقات هذا النصر الإلهي ونماذجه مع الأنبياء؛ تجلي له معنى نصر الله تَعَالَى وتحقيق وعده، ومن هذه النماذج ما يلي:
نصر الله تَعَالَى لنوح ﵇، فلما صنع السفينة في أرض صحراء قفر لا ساحل فيها، سخر منه قومه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨]، ولما أوحي إليه ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] دعا ربه بثلاث كلمات فقط، واستنصر الغالب الناصر سُبْحَانَهُ، ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]، فنصره نصرًا من السماء والأرض، بل كانت العلامة على بدء هذا النصر مخالفة لما عليه العادة، يقول تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، قال السعدي ﵀: «حتى التنور الذي لم تجر العادة بوجود الماء فيه، فضلًا عن كونه منبعًا للماء؛ لأنه موضع النار، يقول تَعَالَى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ
стр. 1065
عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١١ - ١٢] وقال: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٦]» (١).
نصر الله ليوسف ﵇ بأمور عدة، منها:
أنه لقنه الحجة في الحين، يقول تَعَالَى: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٢٦].
اعتراف امرأة العزيز، يقول تَعَالَى: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١].
اعتراف زوج المرأة، يقول تَعَالَى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ [يوسف: ٢٩].
اعتراف الشهود، يقول تَعَالَى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦].
إقرار إبليس بطهارة يوسف ونزاهته؛ ذلك أن الله تَعَالَى قال عن يوسف ﵇: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]، وقال الله تَعَالَى على لسان إبليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣].
وأعظمها: شهادة الله تَعَالَى له، يقول تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ [يوسف: ٢٤]، فأتى بلام التأكيد ﴿لِنَصْرِفَ﴾ ولم يصرف السوء والفحشاء عنه، بل صرفه عن السوء والفحشاء، فأبعده الله عن مواطن السوء ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].
نصر الله لمحمد ﷺ ، ومن شواهد ذلك:
لما كان ﷺ وصاحبه أبو بكر في غار حراء في تلك الحالة
стр. 1066
الحرجة الشديدة المشقة، حين انتشر الأعداء من كل جانب يطلبونهما ليقتلوهما، فأنزل الله عليهما من نصره ما لا يخطر على البال، بداية بمعية الله معهما، فألهمه الثبات والسكينة والطمأنينة، والتأييد والحراسة من الملائكة، وعلو كلمة المؤمنين، يقول تَعَالَى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠].
حين طُرد من مكة، فدخلها بعد عشر سنوات فاتحًا، يقول ابن القيم ﵀ في وصف ذلك: «فصل: لما خرج رسول الله من حصر العدو دخل في حصر النصر: فعبثت أيدي سراياه بالنصر في الأطراف، فطار ذكره في الآفاق، فصار الخلق معه ثلاثة أقسام: مؤمن به، ومسالم له، وخائف منه، ألقى بذر الصبر في مزرعة ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، فإذا أغصان النبات تهتز بخزامى ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤]، فدخل مكة دخولًا ما دخله أحد قبله ولا بعده، حوله المهاجرون والأنصار لا يبين منهم إلا الحدق، والصحابة على مراتبهم، والملائكة فوق رؤوسهم، وجبريل يتردد بينه وبين ربه، وقد أباح له حرمه الذي لم يحله لأحد سواه.
فلما قايس بين هذا اليوم وبين يوم ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] فأخرجوه ثاني اثنين، دخل وذقنه تمس قربوس سرجه خضوعًا وذلًّا لمن ألبسه ثوب هذا العز الذي رفعت إليه فيه الخليقة رؤوسها، ومدت إليه الملوك أعناقها، فدخل مكة مالكًا مؤيَّدًا
стр. 1067
منصورًا، وعلا كعب بلال فوق الكعبة بعد أن كان يُجَرُّ في الرمضاء على جمر الفتنة، فنشر بذي طوى عن القوم من يوم قوله: أحد أحد، ورفع صوته بالأذان، فأجابته القبائل من كل ناحية، فأقبلوا يؤمون الصوت، فدخلوا في دين الله أفواجًا وكانوا قبل ذلك يأتون آحادًا.
فلما جلس الرسول على منبر العز وما نزل عنه قط؛ مدت الملوك أعناقها بالخضوع إليه، فمنهم من سلم إليه مفاتيح البلاد، ومنهم من سأله الموادعة والصلح، ومنهم من أقر بالجزية والصغار، ومنهم من أخذ في الجمع والتأهب للحرب ولم يدر أنه لم يزد على جمع الغنائم وسوق الأسارى إليه، فلما تكامل نصره وبلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاءه منشور ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ١ - ٣] وبعده توقيع ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ١ - ٢] جاءه رسول ربه يخبره بين المقام في الدنيا وبين لقائه، فاختار لقاء ربه شوقًا إليه، فتزينت الجنان ليوم قدوم روحه الكريمة» (١).
وما سبق بعض من النماذج، وإلا فالسِّيَر غزيرة عظيمة بمظاهر نصر الله تَعَالَى.
الأثر الرابع: تحقيق أسباب النصر:
نصرة العبد لربه في عبادته والقيام بحقوقه، ورعاية عهوده، واجتناب نهيه، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، يقول القرطبي
стр. 1068
﵀: «فإن قيل: كيف قال تَعَالَى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾، والنصر هو العون، والله سُبْحَانَهُ لايجوز عونه قولًا ولا يتصور فعلًا؟ فالجواب من أوجه:
أحدها: إن تنصروا دين الله بالجهاد عنه ينصركم.
الثاني: إن تنصروا أولياء الله بالدعاء.
الثالث: إن تنصروا نبي الله، وأضاف النصر إلى الله تشريفًا للنبي ﷺ ، وأوليائه وللدين، كما قال تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [الحديد: ١١]، فأضاف القرض إليه تسلية للفقير» (١).
قال السعدي ﵀: «هذا أمر منه تَعَالَى للمؤمنين، أن ينصروا الله بالقيام بدينه، والدعوة إليه، وجهاد أعدائه، والقصد بذلك وجه الله، فإنهم إذا فعلوا ذلك، نصرهم الله وثبت أقدامهم، أي: يربط على قلوبهم بالصبر والطمأنينة والثبات، ويصبر أجسامهم على ذلك، ويعينهم على أعدائهم، فهذا وعد من كريم صادق الوعد، أن الذي ينصره بالأقوال والأفعال سينصره مولاه، وييسر له أسباب النصر، من الثبات وغيره» (٢).
والله تَعَالَى قادر كمال القدرة على نصر دينه، فإنه نصر عبده وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فهو القوي القادر على كل شيء، ولكنه ابتلى عباده بذلك ليظهر من ينصر دينه وشرعه ممن يتولى عن نصرته، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٤٠].
стр. 1069
وأوجب العزيز الحكيم على نفسه نصرة المؤمنين تكرمًا منه وتفضلًا، فقال جل ذكره: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، «أي: أوجبنا ذلك على أنفسنا وجعلناه من جملة الحقوق المتعينة ووعدناهم به، فلا بد من وقوعه، فأنتم أيها المكذبون لمحمد ﷺ إن بقيتم على تكذيبكم حلت بكم العقوبة ونصرناه عليكم» (١).
وللنصر تكاليفه وأعباؤه، حين يتأذن الله به، بعد استيفاء أسبابه وأداء ثمنه، وتهيؤ الجو حوله لاستقباله واستبقائه، ومن أهم هذه التكاليف التي يستجلب بها نصر الله ويستدام:
١ - المداومة على الطاعات خاصة الصلاة، والزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
يقول تَعَالَى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
يقول الشنقيطي ﵀: «وهذا دليل على أنه لا وعد من الله بالنصر، إلا مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فالذين يمكن الله لهم في الأرض ويجعل الكلمة فيها والسلطان لهم، ومع ذلك لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر؛ فليس لهم وعد من الله بالنصر؛ لأنهم ليسوا من حزبه، ولا من أوليائه الذين وعدهم بالنصر، بل هم حزب الشيطان وأولياؤه، فلو طلبوا النصر من
стр. 1070
الله بناء على أنه وعدهم إياه، فمثلهم كمثل الأجير الذي يمتنع من عمل ما أجر عليه، ثم يطلب الأجرة، ومن هذا شأنه فلا عقل له» (١).
٢ - الصبر:
فكلما كان العبد صابرًا كان النصر منه قريبًا، فقد جاء في حديث ابن عباس ﵄: «وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ» (٢)، وهذا موافق لقول الله تَعَالَى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] وقال تَعَالَى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦].
وأعظم النصر هو أن ينتصر العبد على هواه، ويرد نفسه عن السوء، ويصبر عن معصية الله، ويصبر على طاعة الله، حينها يشعر العبد بحلاوة النصر الحقيقي.
٣ - العدل:
فالله سُبْحَانَهُ حرم الظلم على نفسه وعلى عباده، فقد جاء في الحديث: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» (٣)، وفي الحديث الآخر: «مَنْ أَصَابَ فِي الدُّنْيَا ذَنْبًا فَعُوقِبَ بِهِ، فَالله أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ عُقُوبَتَهُ عَلَى عَبْدِهِ، وَمَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فِي الدُّنْيَا فَسَتَرَهُ الله عَلَيْهِ، فَالله أَكْرَمُ مِنْ
стр. 1071
أَنْ يَعُودَ فِي شَيْءٍ قَدْ عَفَا عَنْهُ» (١)، بل أمر الله بالعدل حتى مع الكافر، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
ومتى أقيم العدل حصل النصر، ولو كان الذي أقامه كافرًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فإن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة؛ ولهذا يروى: (الله ينصر الدولة العادلة، وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة، وإن كانت مؤمنة)» (٢)، فالنصر منوط بالعدل، والخذلان منوط بالظلم؛ ولذلك من أراد نصر الله ينبغي له أن يلزم العدل مع نفسه، ومع غيره.
٤ - الأخذ على يد الظالم والمفسد:
فمن حق المسلم أن يأخذ على يد من ظلمه، بل ويؤخذ على يده إن ظلم، وكل هذا من نصرته، ويدل على ذلك حديث: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَحْجِزُهُ- أو تَمْنَعُهُ- مِنَ الظُّلْمِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ» (٣)، كذلك حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁، قال: «كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي، فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتًا: اعْلَمْ، أَبَا مَسْعُودٍ، للهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَقَالَ:
стр. 1072
أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ- أو لَمَسَّتْكَ النَّارُ» (١).
وعلى العبد المؤمن أن يستشعر أن أعظم النصر هو نصر يوم القيامة، يوم يجتمع الخصوم بين يديه، فيُقتص للمظلوم من الظالم، فيحذر ويبذل أسباب نصره في ذلك اليوم، يقول ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» (٢).
الأثر الخامس: اليقين بأن تأخر نصر الله تَعَالَى لا يعني: انعدامه:
نصر الله سنة ماضية، ووعد منجز، آت لا محالة، يقول تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]، فالمؤمن الصادق لايقنط من نصر الله ولا ييأس، والله سُبْحَانَهُ يقول: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
وعلى هذا المنهج ربى رسول الله ﷺ أصحابه، ففي حديث خباب بن الأرت ﵁، قال: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ قُلْنَا لَهُ أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللهَ لَنَا قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَالله لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ،
стр. 1073
حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخَافُ إِلَّا الله، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» (١).
وتأخر النصر الموعود يعود لأحد سببين، وقد يجتمعان:
السبب الأول: وجود الحكم الربانية.
والسبب الثاني: حصول الموانع له.
وفيما يلي بيان ذلك:
من بحث في الحكم الربانية وجدها متعددة كثيرة، بعضها يفهمه العبد ولو بعد حين، والبعض الآخر استأثر الله بعلمه، ولعل من الحكم المعلومة للعبد ما يلي:
زيادة صلة العبد بربه، وهو يعاني ويتألم ويبذل، ولا يجد له سندًا إلا الله، ولا ملجأ إلا إليه، فإذا حصل النصر لا يطغى و لا ينحرف.
أن يجرب العبد كل القوى، فيدرك أن القوى وحدها بدون سند من الله لا تحقق النصر، إنما النصر من عند الله وحده.
الأخذ بأسباب نصر الله تَعَالَى في الدنيا والآخرة، وذلك بالخضوع لأمره وشريعته ونصرة دينه في نفسه ومع الناس، فالتفريط في الأسباب باب إلى الخذلان والمصائب وتأخر نصر الله تَعَالَى (٢).
أن تكون النفوس غير متهيئة بعد لاستقبال الحق والخير، وتحتاج لمزيد من الوقت.
стр. 1074
أن يكون في الشر الذي يقاومه العبد بقية من خير، يريد الله أن يجرد الشر منه؛ ليتمحض خالصًا، ويذهب وحده هالكًا، لا تتلبس به ذرة من خير تذهب في الغمار!
أن يكون الباطل المقاوم والمحارب لم ينكشف زيفه أمام الناس، فلو حصل النصر في ذلك الوقت لم يجد له أنصارًا من المخدوعين فيه الذين لم يقتنعوا بعد بفساده، وضرورة زواله، فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف لهم الحقيقة، فيشاء الله أن يتأخر النصر والفرج؛ حتى ينكشف الباطل أمام الناس بوضوح.
لوجود مانع من الموانع- سيرد ذكرها لاحقًا-.
الأثر السادس: الحذر من أسباب الخذلان:
الله سُبْحَانَهُ هو الغالب القاهر دومًا، لا يملك أحد أن يرد ما قضى، أو يمنع ما أمضى، فلا راد لقضائه ولا معقب لحكمه.
قال القرطبي ﵀: «فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الله هو الغالب على الإطلاق، فمن تمسك به فهو الغالب، ولو أن جميع من في الأرض طالب، قال تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]، ومن أعرض عن اللهتَعَالَى وتمسك بغيره كان مغلوبًا، وفي حبائل الشيطان مقلوبًا، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]» (١).
стр. 1075
«وقد أجمع العارفون بالله أن التوفيق هو أن لا يكلك الله إلى نفسك، وأن الخذلان هو أن يخلى بينك وبين نفسك، فالعبيد متقلبون بين توفيقه وخذلانه، بل العبد في الساعة الواحدة ينال نصيبه من هذا وهذا، فيطيعه ويرضيه ويذكره ويشكره بتوفيقه له، ثم يعصيه ويخالفه ويسخطه، ويغفل عنه بخذلانه له، فهو دائر بين توفيقه وخذلانه، فإن وفقه فبفضله ورحمته، وإن خذله فبعدله وحكمته، وهو المحمود على هذا وهذا، له أتم حمد وأكمله، ولم يمنع العبد شيئًا هو له، وإنما منعه ما هو مجرد فضله وعطائه، وهو أعلم حيث يضعه» (١).
ولذا فعلى العبد المؤمن أن يحذر أسباب الخذلان، والتي من أبرزها ما يلي:
الإعراض عن الله تعالى، وعن سنة رسول الله ﷺ ، يقول ابن القيم ﵀: «فأعظم الناس خذلانًا: من تعلق بغير الله، فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرض للزوال والفوات، ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت، وهو أوهن البيوت، وبالجملة فأساس الشرك وقاعدته التي بني عليها: التعلق بغير الله، ولصاحبه الذم والخذلان، كما قال تَعَالَى ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] مذمومًا لا حامد لك، مخذولًا لا ناصر لك» (٢).
العُجْبُ: فالعجب طريق إلى خذلان المرء، بحيث يكل الله العبد إلى نفسه فلا ينصره، وقد قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ
стр. 1076
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]
خذلان الناس وقت حاجتهم، فمن خذل أخاه؛ خذله الله في موقف يحتاج إليه، وفي الحديث: «مَا مِنَ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، إِلَّا خَذَلَهُ الله فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنَ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ، إِلَّا نَصَرَهُ الله فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ» (١).
وفي الحديث الآخر، يقول ﷺ : «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ الله إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَا هُنَا- ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» (٢).
الظلم، يقول تَعَالَى: ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٨]، والظلم ثلاث أنواع، وهي:
ظلم بين العبد وبين ربه، بأن يساوي الله بغيره، وهو المقصود في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
стр. 1077
ظلم بين العبد والناس، وهو المقصود في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢].
ظلم بين العبد ونفسه، وهو المقصود في قوله تَعَالَى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] وقوله: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل: ٤٤].
التنازع والاختلاف: قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦]، فالاختلاف والتنازع مدعاة للفشل، وهو الخيبة والنكول عن إمضاء الأمر، ومن أكبر أسباب الضعف والجبن، ولذلك فسروا قوله تَعَالَى: ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ أي: فتجبنوا عن عدوكم وتضعفوا عن قتالهم … ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: تذهب قوتكم ودولتكم، فقد شبهت الدولة في نفاذ أمرها بالريح وهبوبها.
الغرور والرياء: والخروج للقتال على وجه البطر والفخر والرياء، والله تَعَالَى لا يعطي نصره إلا لمن خرج ابتغاء مرضاته ونصرة دينه؛ ولهذا نهى الله تَعَالَى عن مثل هذا الخروج، فقال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٧]، ومعنى ﴿بَطَرًا﴾ أي: فخرًا وأشرًا، ﴿وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ أي: خرجوا ليثني عليهم الناس، أي: يمدحونهم بالشجاعة والسماحة، والمقصود: نهي المؤمنين أن يكونوا أمثال أولئك في البطر والرياء، وأمرهم أن يكونوا أهل تقوى وإخلاص.
الركون إلى الظالمين، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣].
стр. 1078
الأثر السابع: محبة الغالب الناصر النصير:
إن النفس بطبيعتها تميل إلى حب من يعينها ويمدها بالقوة، تحب من ينصرها ويقهر عدوها، فإذا ماتيقن العبد بأن ربه الذي يأوي إليه غالب، لا يرده أحد عما أراد، ولا يمنع عما يشاء، ولا ينازع فيما يريد، وفوق ذلك هو ناصر لا يخذل من تولاه، ولا يحرم من استنصره، وحين يتيقن العبد بذلك؛ يحب ربه ويتعلق به.
الأثر الثامن: الدعاء باسم الله الغالب، الناصر، النصير:
إن شعور العبد بحاجته لنصرة الله تَعَالَى في جميع أحواله وشؤونه، وأنه لا يستغني عن نصرة ربه له طرفة عين، فهو محتاج إلى نصرة الله له على هواه ونفسه أولًا، وعلى شيطانه من الإنس والجن، وعلى أعدائه الكافرين، فبالجملة هو محتاج إلى عون الله ونصرته على فتن الشبهات والشهوات وكيد الأعداء.
ولذا جاءت أدعية كثيرة ثابتة عن النبي ﷺ في طلب النصرة من الله تَعَالَى على الشر وأهله، ومن هذه الأدعية قوله ﷺ : «رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِيِ وَيَسِّرْ هُدَايَ إِلَيَّ، وانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَىَ عَلَيَّ» … الحديث (١).
وكذلك كان من هدي النبي ﷺ في غزواته: أن يدعو الله بهذا الدعاء: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ» (٢).
стр. 1079
وفي حديث جابر ﵁ في وصفه حجة رسول الله ﷺ ، قال: «فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللهَ، وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى، حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا» (١).
وقد مدح الله عباده وأولياءه المجاهدين بأنهم يتبرؤون من الحول والقوة، ويسألونه سُبْحَانَهُ النصر وتثبيت الأقدام، كما جاء ذلك في صفات الربيين، في قوله تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٧].
اللهم أعنا ولا تُعِن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا و لا تمكر علينا، واهدنا، ويسر الهدى إلينا، وانصرنا على من بغى علينا.
стр. 1080
نورُ السماواتِ والأرض ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «النور: الضياء، والجمع: أنوار» (١).
قال ابن فارس ﵀: «النون والواو والراء: أصل صحيح يدل على إضاءة، واضطراب، وقلة ثبات، منه: النور، والنار، سميا بذلك من طريقة الإضاءة؛ ولأن ذلك يكون مضطربًا سريع الحركة» (٢).
ورود اسم الله (نور السماوات والأرض) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ في القرآن الكريم مرة واحدة، في قوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥].
ورود اسم الله (نور السماوات والأرض) في السنة النبوية:
ورد وصف الله بالنور في السنة النبوية كثيرًا، ومن وروده: ما جاء في حديث ابن عباس ﵄: «أن رسول الله ﷺ كان يدعو في قيامه من الليل
стр. 1081
فيقول: اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ … » (١).
ثبوت اسم (النور) في حق الله تعالى:
اختلف العلماء في اثبات اسم الله (النور) في حق الله تَعَالَى، على قولين:
القول الأول: إن النور من أسماء الله تَعَالَى وصفاته، وإليه ذهب ابن تيمية وابن القيم والسعدي وغيرهم (٢)، وعلى هذا فلا إشكال عندهم بالتسمي بعبد النور.
القول الثاني: إن النور ليس من أسماء الله تَعَالَى، واستدلوا بأنه لم يرد إلا مضافًا للسماوات والأرض، وإليه ذهب المشايخ: ابن باز ﵀، وصالح الفوزان، وعبدالعزيز آل الشيخ، وعليه فلا يصح التسمي بعبد النور (٣).
معنى اسم الله (نور السماوات والأرض):
قال الطبري ﵀ عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]: «أي: هادي من في السموات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة يعتصمون» (٤)، ثم نقل أقوال المفسرين في الآية، فمنهم: من قال: إن معناها: «الله مدبر السموات والأرض» (٥)،
اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (نور السماوات والأرض) بأسمائه الأخرى في القرآن الكريم:
لم يقترن اسم الله (نور السماوات والأرض) بأي اسم آخر في كتاب الله.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (نور السماوات والأرض):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (نور السماوات والأرض) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
يقول الشيخ السعدي ﵀ (١): «النور من أوصافه تَعَالَى، وهو على نوعين:
١ - نور حسي: وهو ما اتصف به سُبْحَانَهُ من النور العظيم، الذي لو كشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سبحاتُ وجهه، ونورُ جلاله ما انتهى إليه بصره من خلقه، وهذا النور لا يمكن التعبير عنه إلا بمثل هذه العبارة النبوية المؤدية للمعنى العظيم، وأنه لا تطيق المخلوقات كلها الثبوت لنور وجهه لو تبدى لها، ولولا أن أهل دار القرار يعطيهم الرب حياة كاملة، ويعينهم على ذلك لما تمكنوا من رؤية الرب العظيم، وجميع الأنوار في السموات العلوية كلها من نوره، بل نور جنات النعيم التي عرضها السموات والأرض- وسعتها لا يعلمها إلا الله- من نوره، فنور العرش والكرسي والجنات من نوره، فضلًا عن نور الشمس والقمر والكواكب.
стр. 1084
٢ - نور معنوي: وهو النور الذي نور قلوب أنبيائه وأصفيائه وأوليائه وملائكته، من أنوار معرفته وأنوار محبته؛ فإن لمعرفته في قلوب أوليائه المؤمنين أنوارًا بحسب ما عرفوه من نعوت جلاله، وما اعتقدوه من صفات جماله، فكل وصف من أوصافه له تأثير في قلوبهم؛ فإن معرفة المولى أعظم المعارف كلها، والعلم به أجل العلوم، والعلم النافع كله أنوار في القلوب، فكيف بهذا العلم الذي هو أفضل العلوم وأجلها وأصلها وأساسها.
وقد كان من دعاء النبي ﷺ سؤال هذا النور، ففي الحديث: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا» (١).
فمن هذا الاسم تنطلق معاني العظمة والكبرياء والجلال والمجد؛ لتملأ القلوب من أنوار الهيبة والتعظيم والإجلال والتكبير، وتظهر معاني الجمال والبر والإكرام من أنوار المحبة والود والشوق، وتظهر معاني الرحمة والرأفة والجود واللطف من أنوار الحب النامي على الإحسان، وأنوار الشكر والحمد بأنواعه والثناء، وتبرز معاني العلم والإحاطة والشهادة والقرب الخاص من أنوار مراقبته، وتوصلهم إلى مقام الإحسان الذي هو أعلى المقامات كلها؛ «أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (٢)، فكل معنى ونعت من نعوت الرب يكفي في امتلاء القلب من نوره.
стр. 1085
وقد تحدث ابن القيم ﵀ عن نور الله المعنوي في قلب المؤمن، عند تفسيره لقول الله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥].
فقال: «لهذا النور فاعل وقابل، ومحل وحامل، ومادة، وقد تضمنت الآية ذكر هذه الأمور كلها على وجه التفصيل:
فالفاعل: هو الله تَعَالَى مفيض الأنوار، الهادي لنوره من يشاء، والقابل: العبد المؤمن، والمحل قلبه، والحامل: همته وعزيمته وإرادته، والمادة: قوله وعمله.
وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية فيه من الأسرار والمعاني وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن بما أناله من نوره ما تقر به عيون أهله، وتبتهج به قلوبهم.
وفي هذا التشبيه لأهل المعاني طريقتان:
أحدهما: طريقة التشبيه المركب، وهي أقرب مأخذًا، وأسلم من التكلف، وهي أن تشبه الجملة برمتها بنور المؤمن من غير تعرض لتفصيل كل جزء من أجزاء المشبه ومقابلته بجزء من المشبه به، وعلى هذا عامة أمثال القرآن الكريم.
فتأمل صفة مشكاة، وهي كوة لا تنفذ لتكون أجمع للضوء قد وضع فيها مصباح، وذلك المصباح داخل زجاجة، تشبه الكوكب الدري في صفائها
стр. 1086
وحسنها، ومادته من أصفى الأدهان، وأتمها وقودًا من زيت شجرة في وسط القراح (١)، لا شرقية، ولا غربية، بحيث تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار، بل هي في وسط القراح محمية بأطرافه، تصيبها الشمس أعدل إصابة، والآفات إلى الأطراف دونها، فمن شدة إضاءة زيتها وصفائه وحسنه يكاد يضيء من غير أن تمسه نار، فهذا المجموع المركب هو مثل نور الله تَعَالَى الذي وضعه في قلب عبده المؤمن وخصه به.
الطريقة الثانية: طريقة التشبيه المفصل، فقيل: المشكاة صدر المؤمن والزجاجة قلبه، وشبه قلبه بالزجاجة لرقتها وصفائها وصلابتها، وكذلك قلب المؤمن؛ فإنه قد جمع الأوصاف الثلاثة، فهو يرحم، ويحسن، ويتحنن، ويشفق على الخلق برقته، وبصفائه تتجلى فيه صور الحقائق والعلوم على ما هي عليه، ويباعد الكدر والدرن والوسخ بحسب ما فيه من الصفاء، وبصلابته يشتد في أمر الله تَعَالَى، ويتصلب في ذات الله تَعَالَى، ويغلظ على أعداء الله تَعَالَى، ويقوم بالحق لله تَعَالَى، وقد جعل الله تَعَالَى القلوب كالآنية، كما قال بعض السلف: القلوب آنية الله في أرضه، وأحبها إليه أرقها، وأصلبها، وأصفاها» (٢).
стр. 1087
الأثر الثاني: الإيمان بأن كتب الله ورسله ودينه نور من عنده:
فكل الكتب المنزلة من عنده تَعَالَى- قبل تحريف أقوامها (١) - هي نور يضيء الله به قلوب العباد، في كل زمان ومكان، ومن شواهد ذلك:
قوله تَعَالَى عن التوراة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١].
قوله تَعَالَى عن الإنجيل: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦].
قوله تَعَالَى عن القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]، وهو أعظم الأنوار المنزلة.
قوله تَعَالَى عن محمد ﷺ : ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦]، وفي موضع آخر قال سُبْحَانَهُ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة، ١٥]، وقد تنوعت أقوال
стр. 1088
المفسرين في المراد بالنور في هذه الآية على ثلاثة أقوال (١)، وهي:
القرآن الكريم.
محمد ﷺ .
الإسلام.
ووجه تسمية كل من هذه الثلاثة نورًا؛ لاشتراكهم في هداية الناس لنور الله، وإخراجهم من ظلمات الغي والضلالة لأنوار الحق والهداية، فلولا النورالحسي لما أدرك البصر شيئًا من المبصرات، ولولا ما جاء به النبي من القرآن والإسلام لما أدرك ذو البصيرة الحق من الباطل.
الأثر الثالث: محبة الله نور السموات والأرض:
حري بالمسلم أن يحب هذا الإله العظيم الكريم الذي ينير لعباده طريق دنياهم وآخرتهم، ويمن عليهم بإخراجهم من الظلمات إلى النور، يقول الله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، ويقول- جل في علاه-: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦].
ولو تأمل العبد في قوله تَعَالَى: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] لعرف أن طرق الباطل كثيرة، وهي ظلمات عديدة،
стр. 1089
وطريق الحق واحدة وهو نور واحد، والله الهادي إلى هذا النور بكرمه؛ فالحمد لله ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومن فيهن.
الأثر الرابع: نور الله (دينه) باقٍ بحفظ الله:
فمهما اجتهد الكفار والمنافقون في أي زمان ومكان، بأن يحرفوا هذا القرآن، ويطعنوا بلغته ودينه، فسيبقى إلى يوم الدين، وهذا من الإعجاز القرآني، فالله حافظ كتابه، وكتابه حافظ لهذه الأمة من الزوال، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وغاية ما يسعهم في محاولة الإطفاء: الكلمة؛ سواء ببث الأكاذيب والدسائس للتشكيك في دين الله، أو بالتحريض على أهل الإسلام والعلماء، ولذا تكرر ذكر «بأفواههم» في القرآن، كما في قوله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨] إشارة منه سُبْحَانَهُ إلى أن هذا سلاحهم الضعيف في المعركة محسومة النتائج.
ورد الله على محاولتهم الكلامية الطائشة التي لا يمكنها أن تقاوم نور الله، بأن الله متم نوره رغم كرههم، وأن دين الحق والنور سيبقى ظاهرًا على كل الأديان وفي كل الأزمان ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]، وهذا وعد تطمئن له قلوب المؤمنين، فيصبرون على الأذى والمشقة؛ لأن النتائج عظيمة لصالحهم، فدين الله سيعلو على سائر الأديان.
الأثر الخامس: السعي للعمل الصالح الذي ينير للعبد يوم القيامة:
فإن العبد أفقر ما يكون إلى أن يفتح الله له أبواب رحمته، فيشرح صدره للهدى وينور طريقه للصلاح، ويأخذ بيده إلى طريق فلاحه ونجاحه، ولا
стр. 1090
يوفق العبد لذلك إلا بمعونة من الله وفضل، قال تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢].
والمؤمن متى استسلم لأمر ربه، والتزم بفرائضه، وأدى أوامره، واجتنب نواهيه؛ فإنه بهذا العمل يتقرب إلى الله ويتحبب إليه، فيقذف الله في قلبه نورًا، حتى إذا ما امتلأ القلب بنور الله، استنار به الوجه في الدنيا والآخرة، وانقادت الجوارح بالطاعة راغبة، وهذا النور الذي في القلب هو الذي يمنع العبد من ارتكاب الفواحش، كما قال النبي ﷺ : «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (١)، فأخبر أن وقوع هذه الكبائر لا يكون ولا يقع مع وجود الإيمان ونوره (٢).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «قال ابن عباس: إن للحسنة لنورًا في القلب، وضياء في الوجه، وقوة في البدن، وزيادة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة لظلمة في القلب، وغبرة في الوجه، وضعفًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضًا في قلوب الخلق» (٣).
وهذا أمر محسوس لمن كان له قلب؛ فإن ما في القلب من النور والظلمة، والخير والشر يسري كثيرًا إلى الوجه والعين، وهما أعظم الأشياء ارتباطًا بالقلب؛ ولهذا يروى عن عثمان، أو غيره أنه قال: «ما أسرَّ أحد بسريرة، إلا