← Акыда

Акыда · id 721

موسوعة شرح أسماء الله الحسنى

نوال العيد

Полный текст (1 826 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وحسنها، ومادته من أصفى الأدهان، وأتمها وقودًا من زيت شجرة في وسط القراح (١)، لا شرقية، ولا غربية، بحيث تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار، بل هي في وسط القراح محمية بأطرافه، تصيبها الشمس أعدل إصابة، والآفات إلى الأطراف دونها، فمن شدة إضاءة زيتها وصفائه وحسنه يكاد يضيء من غير أن تمسه نار، فهذا المجموع المركب هو مثل نور الله تَعَالَى الذي وضعه في قلب عبده المؤمن وخصه به. الطريقة الثانية: طريقة التشبيه المفصل، فقيل: المشكاة صدر المؤمن والزجاجة قلبه، وشبه قلبه بالزجاجة لرقتها وصفائها وصلابتها، وكذلك قلب المؤمن؛ فإنه قد جمع الأوصاف الثلاثة، فهو يرحم، ويحسن، ويتحنن، ويشفق على الخلق برقته، وبصفائه تتجلى فيه صور الحقائق والعلوم على ما هي عليه، ويباعد الكدر والدرن والوسخ بحسب ما فيه من الصفاء، وبصلابته يشتد في أمر الله تَعَالَى، ويتصلب في ذات الله تَعَالَى، ويغلظ على أعداء الله تَعَالَى، ويقوم بالحق لله تَعَالَى، وقد جعل الله تَعَالَى القلوب كالآنية، كما قال بعض السلف: القلوب آنية الله في أرضه، وأحبها إليه أرقها، وأصلبها، وأصفاها» (٢).

стр. 1087

الأثر الثاني: الإيمان بأن كتب الله ورسله ودينه نور من عنده: فكل الكتب المنزلة من عنده تَعَالَى- قبل تحريف أقوامها (١) - هي نور يضيء الله به قلوب العباد، في كل زمان ومكان، ومن شواهد ذلك: قوله تَعَالَى عن التوراة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١]. قوله تَعَالَى عن الإنجيل: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦]. قوله تَعَالَى عن القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]، وهو أعظم الأنوار المنزلة. قوله تَعَالَى عن محمد ﷺ : ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦]، وفي موضع آخر قال سُبْحَانَهُ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة، ١٥]، وقد تنوعت أقوال

стр. 1088

المفسرين في المراد بالنور في هذه الآية على ثلاثة أقوال (١)، وهي: القرآن الكريم. محمد ﷺ . الإسلام. ووجه تسمية كل من هذه الثلاثة نورًا؛ لاشتراكهم في هداية الناس لنور الله، وإخراجهم من ظلمات الغي والضلالة لأنوار الحق والهداية، فلولا النورالحسي لما أدرك البصر شيئًا من المبصرات، ولولا ما جاء به النبي من القرآن والإسلام لما أدرك ذو البصيرة الحق من الباطل. الأثر الثالث: محبة الله نور السموات والأرض: حري بالمسلم أن يحب هذا الإله العظيم الكريم الذي ينير لعباده طريق دنياهم وآخرتهم، ويمن عليهم بإخراجهم من الظلمات إلى النور، يقول الله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، ويقول- جل في علاه-: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦]. ولو تأمل العبد في قوله تَعَالَى: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] لعرف أن طرق الباطل كثيرة، وهي ظلمات عديدة،

стр. 1089

وطريق الحق واحدة وهو نور واحد، والله الهادي إلى هذا النور بكرمه؛ فالحمد لله ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومن فيهن. الأثر الرابع: نور الله (دينه) باقٍ بحفظ الله: فمهما اجتهد الكفار والمنافقون في أي زمان ومكان، بأن يحرفوا هذا القرآن، ويطعنوا بلغته ودينه، فسيبقى إلى يوم الدين، وهذا من الإعجاز القرآني، فالله حافظ كتابه، وكتابه حافظ لهذه الأمة من الزوال، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وغاية ما يسعهم في محاولة الإطفاء: الكلمة؛ سواء ببث الأكاذيب والدسائس للتشكيك في دين الله، أو بالتحريض على أهل الإسلام والعلماء، ولذا تكرر ذكر «بأفواههم» في القرآن، كما في قوله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨] إشارة منه سُبْحَانَهُ إلى أن هذا سلاحهم الضعيف في المعركة محسومة النتائج. ورد الله على محاولتهم الكلامية الطائشة التي لا يمكنها أن تقاوم نور الله، بأن الله متم نوره رغم كرههم، وأن دين الحق والنور سيبقى ظاهرًا على كل الأديان وفي كل الأزمان ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]، وهذا وعد تطمئن له قلوب المؤمنين، فيصبرون على الأذى والمشقة؛ لأن النتائج عظيمة لصالحهم، فدين الله سيعلو على سائر الأديان. الأثر الخامس: السعي للعمل الصالح الذي ينير للعبد يوم القيامة: فإن العبد أفقر ما يكون إلى أن يفتح الله له أبواب رحمته، فيشرح صدره للهدى وينور طريقه للصلاح، ويأخذ بيده إلى طريق فلاحه ونجاحه، ولا

стр. 1090

يوفق العبد لذلك إلا بمعونة من الله وفضل، قال تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢]. والمؤمن متى استسلم لأمر ربه، والتزم بفرائضه، وأدى أوامره، واجتنب نواهيه؛ فإنه بهذا العمل يتقرب إلى الله ويتحبب إليه، فيقذف الله في قلبه نورًا، حتى إذا ما امتلأ القلب بنور الله، استنار به الوجه في الدنيا والآخرة، وانقادت الجوارح بالطاعة راغبة، وهذا النور الذي في القلب هو الذي يمنع العبد من ارتكاب الفواحش، كما قال النبي ﷺ : «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (١)، فأخبر أن وقوع هذه الكبائر لا يكون ولا يقع مع وجود الإيمان ونوره (٢). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «قال ابن عباس: إن للحسنة لنورًا في القلب، وضياء في الوجه، وقوة في البدن، وزيادة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة لظلمة في القلب، وغبرة في الوجه، وضعفًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضًا في قلوب الخلق» (٣). وهذا أمر محسوس لمن كان له قلب؛ فإن ما في القلب من النور والظلمة، والخير والشر يسري كثيرًا إلى الوجه والعين، وهما أعظم الأشياء ارتباطًا بالقلب؛ ولهذا يروى عن عثمان، أو غيره أنه قال: «ما أسرَّ أحد بسريرة، إلا

стр. 1091

أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه» (١). ومن صور الأعمال الصالحة المخصوصة التي ورد فيها نصوص تدل على أنها تنور وجه العبد يوم القيامة، ما يلي: الصلاة، وخاصة قيام الليل: قال ﷺ : «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، والحَمْدُ للهِ تَمْلَأُ المِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالحَمْدُ للهِ تَمْلَآنِ- أو تَمْلَأُ- مَا بَيْنَ السَّمَاواتِ والأَرْضِ، والصَّلَاةُ نُورٌ، والصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، والصَّبْرُ ضِيَاءٌ، والقُرآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ، فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» (٢)، ويقول تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح: ٢٩]. ويقول بعض السلف في ذلك: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» (٣). قراءة القران: فعن أبي ذر ﵁، قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْصِنِي، قَالَ: أُوصِيكَ بِتَقْوَى الله، فَإِنَّهُ رَأْسُ الْأَمْرِ كُلِّهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زِدْنِي، قَالَ: عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَذِكْرِ الله، فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ، وَذُخْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ … »، رواه ابن حبان في صحيحه، في حديث طويل (٤).

стр. 1092

تعليم حديث النبي ﷺ : فمن بلَّغ الأحاديث رُزق النضارة، يقول ﷺ : «نَضَّرَ اللهُ امْرأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ» (١). ويقول سفيان بن عيينة ﵀: «ما من أحد يطلب الحديث إلا وفي وجهه نضرة؛ لقول النبي ﷺ : (نَضَّرَ اللهُ امْرأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ) (٢)» (٣). المشي إلى المساجد في الظلمات، خاصة صلاة الفجر وصلاة العشاء: يقول ﷺ : «بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ، بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٤). إتمام غسل الأعضاء كاملة عند الوضوء: يقول ﷺ : «إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» (٥). قراءة سورة الكهف يوم الجمعة: يقول ﷺ : «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ كَمَا أُنْزِلَتْ، كَانَتْ لَهُ

стр. 1093

نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ مَقَامِهِ إِلَى مَكَّةَ، وَمَنْ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا ثُمَّ خَرَجَ الدَّجَّالُ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَكَ اللهمَّ وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ كُتِبَ فِي رَقٍّ، ثُمَّ طُبِعَ بِطَابَعٍ فَلَمْ يُكْسَرْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (١). الشيب في الإسلام: يقول ﷺ : «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيَامَةِ» (٢). وفي الحديث الآخر: «الشَّيْبُ نُورٌ فِي وَجْهِ الْمُسْلِمِ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ فَإِنَّهُمْ يَنْتِفُونَ قَال: فَمَنْ شَاءَ فَلْيَنْتِفْ نُورَهُ» (٣). رمي الجمار: يقول ﷺ : «إذَا رَمَيْتَ الْجِمَارَ، كَانَ لَكَ نُورًا يَومَ الْقِيَامَةِ» (٤).

стр. 1094

رمي سهم في سبيل الله: يقول ﷺ : «مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ كَانَ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيَامَةِ» (١). المحبة في الله ولله: يقول ﷺ : «إِنَّ مِنْ عِبَادِ الله عِبَادًا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ، يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ، قِيلَ: مَنْ هُمْ لَعَلَّنَا نُحِبُّهُمْ؟ قَالَ: هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِنُورِ الله مِنْ غَيْرِ أَرْحَامٍ وَلَا انْتِسَابٍ، وُجُوهُهُمْ نُورٌ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ، وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ، ثم قرأ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]» (٢). المقسطون في ولاياتهم: يقول ﷺ : «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ الله عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا» (٣). وبالجملة: فالحسنة والطاعة هي التي تنير الوجه، وتضيء القلب، وتشرح الصدر، وليست آية معينة، ولا سورة مخصوصة، بل القرآن الكريم،

стр. 1095

والعمل الصالح بعمومه، ولا يجوز تخصيص شيء من الدين بفضل خاص، إلا بدليل، وإلا أصاب العبدُ نصيبًا من الابتداع المذموم. الأثر السادس: دعاء الله باسمه نور السموات والأرض: فمن دعاء النبي ﷺ أن يرزقه الله النور في كل حاسة، وفي كل اتجاه، أخرج البخاري (١) من حديث ابن عباس ﵄، قال في قيام رسول الله ﷺ الليل: «وكان يقول في دعائه: اللهمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا، قَالَ كُرَيْبٌ: وَسَبْعٌ فِي التَّابُوتِ. فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ فَحَدَّثَنِي بِهِنَّ فَذَكَرَ: عَصَبِي وَلَحْمِي وَدَمِي وَشَعْرِي وَبَشَرِي» (٢). وثبت أنه ﷺ يقول هذا الدعاء- أيضًا- في قيام الليل قبل صلاة الفجر؛ لأن الليل مظلم، والعبد في الظلمة يحتاج إلى نور، فناسب ذكر هذا الدعاء، كما ثبت أنه قاله في سجوده (٣)، وهو أقرب ما يكون العبد من ربه، وحري بمن سأل الله في السجود أمرًا أن يستجاب له. ومن دعائه ﷺ أيضًا في قيام الليل: «اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ» (٤).

стр. 1096

وقد ثبت من دعائه ﷺ في أذكار الصباح والمساء قوله: «إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الْيَوْمِ فَتْحَهُ، وَنَصْرَهُ، وَنُورَهُ، وَبَرَكَتَهُ، وَهُدَاهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ، ثُمَّ إِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ» (١)، كأنها إشارة إلى أن الكون لايكون مضيئًا دون أن ينال من نور الله المعنوي نصيب. اللهم إنا نسألك أن تجعل في قلوبنا نورًا، وفي أبصارنا نورًا، وفي سمعنا نورًا، وعن يميننا نورًا، وعن يسارنا نورًا، وفوقنا نورًا، وتحتنا نورًا، وأمامنا نورًا، وخلفنا نورًا، واجعل لنا نورًا.

стр. 1097

الواحد الأحد ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «أحد بمعنى الواحد، وهو أول العدد … واستأحد الرجل: انفرد» (١). قال ابن فارس ﵀: «(وحد) الواو والحاء والدال: أصل واحد يدل على الانفراد، من ذلك الوحدة، وهو واحد قبيلته، إذا لم يكن فيهم مثله» (٢). ورود اسم الله (الواحد - الأحد) في القرآن الكريم: أولًا: ورد اسم الله (الواحد): ورد اسم الله الواحد ثنتين وعشرين مرةً في كتاب الله، ومن وروده ما يلي: قول الله : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]. قوله : ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]. ٣ - قوله : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨].

стр. 1098

ثانيًا: ورد اسم الله (الأحد): ورد اسم الله (الأحد) مرة واحدة في كتاب الله، وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]. ورود اسم الله (الواحد، الأحد) في السنة النبوية: أولًا: ورد اسم الله (الواحد الأحد) في السنة النبوية مقترنًا، ومن وروده ما يلي: حديث محجن بن الأدرع ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ يا اللَّهُ بأنَّكَ الواحدُ الأحدُ الصَّمدُ، الَّذي لم يَلِدْ ولم يولَدْ ولم يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أن تغفِرَ لي ذُنوبي، إنَّكَ أنتَ الغَفورُ الرَّحيمُ، قَالَ: فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ : قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، ثلاث مرار» (١). ثانيًا: ورد اسم الله (الواحد) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي: حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال النبي ﷺ لأصحابه: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ القُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ؟ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: الله الوَاحِدُ الصَّمَدُ، ثُلُثُ القُرْآنِ» (٢).

стр. 1099

ثالثًا: ورد اسم الله (الأحد) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي: حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «قال الله: كَذَّبَنِي ابنُ آدَمَ ولم يَكُنْ له ذلك، وشَتَمَنِي ولم يَكُنْ له ذلك، فأمَّا تَكْذِيبُهُ إيَّايَ فقولُهُ: لن يُعِيدَني كما بَدَأني، وليسَ أول الخلقِ بأهونَ عليَّ مِن إعادَتِهِ، وأمَّا شَتْمُهُ إيَّايَ فقولُهُ: اتَّخَذَ الله ولدًا، وأنا الأحدُ الصمدُ، لم أَلِدْ، ولم أُولَدْ، ولم يكن لي كُفْئًا أحدٌ» (١). حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه: «أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فقال رسول الله ﷺ : لَقَدْ سَأَلَ اللهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (٢). معنى اسم الله (الواحد، الأحد) في حقه- سُبْحَانَهُ: - قال الطبري ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]-: « … معبود واحد ورب واحد، فلا تعبدوا غيره، ولا تشركوا معه سواه، فإن من تشركونه معه في عبادتكم إياه، هو خلق من خلق إلهكم مثلكم، وإلهكم إله واحد، لا مثل له ولا نظير». واختلف في معنى وحدانيته- تَعَالَى ذكره-: فقال بعضهم: معنى وحدانية الله معنى نفي الأشباه والأمثال عنه، كما يقال: فلان واحد الناس، وهو واحد قومه، يعني بذلك: أنه ليس له في الناس

стр. 1100

مثل، ولا له في قومه شبيه، ولا نظير؛ فكذلك معنى قول الله ﴿وَاحِدٌ﴾ يعني به الله: لا مثل له، ولا نظير … وقال آخرون: معنى وحدانيته- تَعَالَى ذكره- معنى انفراده من الأشياء، وانفراد الأشياء منه، قالوا: وإنما كان منفردًا وحده؛ لأنه غير داخل في شيء ولا داخل فيه شيء … » (١). قال الزجاج ﵀: «تفرده بصفاته التي لا يشركه فيها أحد، واللهتَعَالَى هو الواحد في الحقيقة، ومن سواه من الخلق آحاد تركبت» (٢). قال الخطابي ﵀: «الواحد: هو الفرد الذي لم يزل وحده؛ ولم يكن معه آخر، وقيل: هو المنقطع القرين، المعدوم الشريك والنظير، وليس كسائر الآحاد من الأجسام المؤلفة؛ إذ كل شيء سواه يدعى واحدًا، فهو واحد من جهة، غير واحد من جهات، واللهسُبْحَانَهُ الواحد الذي ليس كمثله شيء» (٣). قال ابن القيم ﵀: «في (الأحد) نفي لكل شريك لذي الجلال» (٤). قال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]: «يعني: هو الواحد الأحد، الذي لا نظير له ولا وزير، ولا ندّ ولا شبيه ولا عديل» (٥).

стр. 1101

قال السعدي ﵀ في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]، أي: متوحد منفرد في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فليس له شريك في ذاته، ولا سمي له ولا كفؤ له، ولا مثيل، ولا نظير، ولا خالق، ولا مدبر غيره، فإذا كان كذلك، فهو المستحق لأن يؤلَه ويُعبَد بجميع أنواع العبادة، ولا يشرك به أحد من خلقه» (١). وقال أيضًا: «الواحد، الأحد: وهو الذي توحد بجميع الكمالات، بحيث لا يشاركه فيها مشارك، ويجب على العبيد توحيده، عقلًا وقولًا وعملًا، بأن يعترفوا بكماله المطلق، وتفرده بالوحدانية، ويفردوه بأنواع العبادة» (٢). الفرق بين الواحد والأحد: الفرق بينهما راجع إلى كون «الواحد»: المتفرد بذاته فلا يضاهيه أحد، و «الأحد»: المنفرد بصفاته ونعوته فلا يشاركه فيها أحد (٣)، وقيل: بل هو أعم يشمل تفرد الذات والصفات (٤) (٥).

стр. 1102

اقتران اسم الله (الواحد - الأحد) بأسمائه الأخرى- سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: أولًا: اقتران اسم الله (الواحد) بأسمائه الأخرى: - اقتران اسم الله (الواحد) باسم الله (القهار): تقدم بيانه في اسم الله (القهار). ثانيًا: اقتران اسم الله (الأحد) بأسمائه الأخرى في القرآن الكريم: لم يقترن اسم الله (الأحد) بأي من أسماء الله تَعَالَى. الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الواحد، الأحد): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الواحد، الأحد) من الصفات: الله الواحد الأحد الذي توحد بجميع الكمالات، وتفرد بكل كمال، وباين بأحديته جميع الموجودات، فلا يشاركه مشارك لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل واحد أحد فيها، قال تَعَالَى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] (١)، وتفصيل ذلك على النحو الآتي: ١ - وحدانية الله في ذاته: الله واحد أحد في ذاته المقدسة، بائن من خلقه، مستو على عرشه، لم يكن له صاحبة، ولم يتخذ ولدًا، ولا شريكًا في الملك، ولا وليًّا من الذل،

стр. 1103

يقول تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]. ٢ - وحدانية الله في أسمائه: الله واحد أحد في أسمائه الحسنى التي تليق بجلاله وعظمته وكماله، تفرد بحسنها فلا أحسن منها، وتفرد بعددها فلا يشاركه أحد في كثرتها ولا في العلم بجميعها، وتفرد بأسماء منها اختص بها فلا يتسمى بها غيره، كاسمه: الله، والأحد، والصمد، والرحمن، والخالق، والرازق (١). وواحد أحد في كمالها، فبعض أسمائه وإن تسمى بها غيره إلا أنه واحد أحد في كمالها؛ فهي دالة على صفات كمال ونعوت جلال، لا أعلام محضة، بخلاف تسمي البشر بها، فربما تسمى الواحد منهم بعزيز، وكريم، وعليم وليس هو كذلك، وربما كان كذلك إلا أن اتصافه بما يدل عليه الاسم ناقص يليق بحاله وعجزه وضعفه؛ ولذا قال تَعَالَى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]. ٣ - وحدانية الله في صفاته: الله واحد أحد في صفاته العلية، متفرد بأوليته في الوجود بلا ابتداء كما جاء في الحديث: «كَانَ اللَّه وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ» (٢)، ومتفرد بآخريته بالديمومة والبقاء بلا انتهاء، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣]. (٣) وواحد أحد في كمال صفاته وجلالها؛ فهو الأحد في قهره وغلبته لكل

стр. 1104

شيء، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦]. وهو الأحد في صمديته وكماله من كل وجه، وقصد سائر العباد له في جميع الحوائج والنوائب والمدلهمات، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢]. وهو الأحد كذلك في حياته، وقيوميته، وعلمه، وقدرته، وعظمته، وجلاله، وجماله، وحمده، وحكمته، ورحمته، وغيرها من صفاته، موصوف فيها بغاية الكمال ونهايته، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢]. ولما كان كذلك تعذر على جميع الخلق الإحاطة بشيء منها، أو إدراك شيء من نعوتها، فضلًا عن مماثلة شيء منها، قال تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فليس له فيها مثيل ولا نظير، ولا مكافئ بوجه من الوجوه (١). ٤ - وحدانية الله في أفعاله: الله واحد أحد في أفعاله وربوبيته لا شريك له ولا ظهير ولا معين، ولا منازع ولا مغالب (٢)، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات: ٤ - ٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].

стр. 1105

واحد «متفرد في ملكوته- في الدنيا- بأنواع التصرفات من الإيجاد والإعدام، والإحياء والإماتة، والخلق والرزق، والإعزاز والإذلال، والهداية والإضلال، والإسعاد والإشقاء، والخفض والرفع، والعطاء والمنع، والوصل والقطع، والضر والنفع، فلو اجتمع أهل السموات السبع والأرضين السبع ومن فيهن وما بينهما على إماتة من هو محييه، أو إعزاز من هو مُذِلُّه، أو هداية من هو مُضِلُّه، أو إسعاد من هو مُشقيه، أو خفض من هو رافعه، أو وصل من هو قاطعه، أو إعطاء من هو مانعه، أو ضر من هو نافعه، أو عكس ذلك؛ لم يكن ذلك بممكن في استطاعتهم، وأنى لهم ذلك والكل خلقه وملكه وعبيده وفي قبضته وتحت تصرفه وقهره، ماض فيهم حكمه، عدل فيهم قضاؤه، نافذة فيهم مشيئته، لا امتناع لهم عما قضاه، ولا خروج لهم من قبضته، ولا تتحرك ذرة في السماوات والأرض ولا تسكن إلا بإذنه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن» (١). وواحد متفرد في ملكوته تشريعًا وحكمًا دينيًّا ودنيويًّا، قال تَعَالَى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، قال ﷺ : «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ» (٢).

стр. 1106

وواحد متفرد في ملكوته في الآخرة- كما تفرد في ملكوته في الدنيا- بأنواع التصرفات من إفناء الأحياء، وقبض الأرض وطي السماء، والإذن بالنفخ في الصور، وبعث الموتى ونشرهم، وكسوة من شاء من الخلق، وظل من شاء تحت ظل عرشه، والشفاعة والإذن فيها لمن شاء، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]، والعرض والحساب، ونصب الصراط وتثبيت الأقدام، والجزاء بالجنة أو النار، قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]. وواحد أحد في كمال الأفعال؛ فكلها حكمة، وعدل، ورحمة، وإحسان ليس فيها فعل بلا مصلحة، ولا فعل عشواء وعبث، كما جاء في الحديث: «والخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، والشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» (١). ثم إنه سُبْحَانَهُ في جميع ما سبق من الذات والأسماء والصفات والأفعال واحد أحد متفرد عن كل نقص، وعيب، وسوء؛ لكماله من كل وجه وفي كل حال، قال تَعَالَى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].

стр. 1107

الأثر الثاني: توحيد الله الواحد الأحد، ودلالة الاسمين الكريمين عليه (١). إن أعظم أثر وموجب لهذين الاسمين الجليلين الكريمين: توحيد الله ، وإفراده بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات؛ إذ معناهما- كما سبق- دال على تفرده بالأفعال مما يوجب على العبد أن يوحد ربه بالربوبية، فيعتقد أنه وحده الرازق ولا رازق غيره، ووحده الضار النافع، ولا ضار ولا نافع غيره، ووحده الشافي ولا شافي غيره، ووحده منزل المطر ومجري السحاب وليس ذلك لأحد سواه، ووحده الذي بيده الشفاعة وليست لملك مقرب ولا لنبي مرسل ولا لولي تقي، بل لله يأذن بها لمن يشاء ويرضى، ونحو ذلك مما يتعلق بأفعال الله ، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات: ٤ - ٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦]. ثم إذا اعتقد العبد هذا لزمه أن يعتقد وحدانية الله في الألوهية؛ فإن المتفرد بالربوبية هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له كما قرر الله ذلك في جملة من الآيات، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص: ٦٥ - ٦٦]،

стр. 1108

وقال تَعَالَى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]. قال الشيخ السعدي ﵀: «فإن القهر ملازم للوحدة، فلا يكون اثنان قهاران متساويين في قهرهما أبدًا، فالذي يقهر جميع الأشياء هو الواحد الذي لا نظير له، وهو الذي يستحق أن يعبد وحده كما كان قاهرًا وحده» (١). ومعنى توحيد الألوهية: إفراد الله بجميع أنواع العبادات، سواء أكانت قلبية كالمحبة والخوف والخشية والرجاء والاستعانة والتوكل، أو قولية كالدعاء والاستغاثة والاستعاذة والنذر، أو فعلية كالصلاة والطواف والحج والذبح، فلا يصرف منها شيء لغير الله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢] (٢). كما يفرده بالطاعة والتحكيم والتشريع، سواء فيما يتعلق بأمر الدنيا أو الدين، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٣٩ - ٤٠]. وإن تحقيق هذا التوحيد يعود على العباد بثمار طيبة في الدنيا والآخرة، ومنها (٣):

стр. 1109

الهداية والتوفيق إلى الصراط المستقيم، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ» شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (١). الأمن التام في الدنيا والآخرة، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] بخلاف المشرك فإنه «يخاف المخلوقين ويرجوهم، فيحصل له رعب، كما قال تَعَالَى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: ١٥١]» (٢). تفريج الكربات، كما في قصة يونس ﵇ وندائه بالتوحيد: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] فأتاه الفرج: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨]. حتى إن المشركين ليعلمون أن في التوحيد تفريجًا للكرب، كما قال سُبْحَانَهُ عنهم: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].

стр. 1110

قال ابن القيم ﵀: «فما دُفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد، ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد، ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه بالتوحيد، فلا يلقى في الكرب العظام إلا الشرك، ولا ينجي منها إلا التوحيد» (١). السعادة بشفاعة رسول الله ﷺ ؛ فعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ» (٢). منع الخلود في النار؛ فعن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» (٣)، وفي حديث الشفاعة الطويل: «ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله» (٤). دخول الجنة؛ فعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ لَقِيَ الله لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ» (٥). وهذه الثمار تدعو العبد إلى تعلم التوحيد وتحقيقه وتكميله، وتعلم

стр. 1111

ضده- أيضًا- وتوقيه والحذر منه والخوف، كما تدعوه إلى سؤال ربه دومًا أن يرزقه التوحيد، ويثبته عليه إلى الممات، ويقيه من ضده، كما قال خليل الرحمن إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٦]. وعلَّمنا ﷺ الاستعاذة من الشرك، لا سيما الخفي، فقال لأبي بكر ﵁: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟» قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ» (١). وكان ﷺ يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الفَقْرِ والكُفْرِ، والفُسُوقِ، والشِّقَاقِ، والنِّفَاقِ، والسُّمْعَةِ، والرِّيَاءِ» (٢). واسم الله الواحد الأحد دال أيضًا- كما سبق- على تفرد الله بالأسماء والصفات، وهذا يوجب للعبد أمرين: الأول منهما: إثباتها من غير تعطيل ولا تحريف. والثاني: نفي المشابه والمماثل له فيها. وهذه حقيقة توحيد الأسماء والصفات ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].

стр. 1112

الأثر الثالث: محبة الله الواحد الأحد: إن معرفة اسم الواحد الأحد وما فيه من تفرد بالكمال والجمال في الذات والأسماء والصفات والأفعال، يدعو العبد إلى محبة الله وإفراده بذلك، كما جاء في الحديث: «إنَّ الله وترٌ يحبُّ الوترَ» (١)، لا سيما وقد فُطرت القلوب على محبة من له الكمال، فكيف بمن بلغ المنتهى في الكمال وتفرد به، فلم يشركه فيه أحد؟! الأثر الرابع: التعلق بالله الواحد الأحد في المطالب، والاطمئنان إليه: إن يقين العبد باسم الله الواحد الأحد الذي تصمد إليه الخلائق في حاجاتها وضروراتها، وهو القادر على كل شيء، والمالك لكل شيء، والمتصرف في كل شيء، والمتفرد بالنفع والضر؛ يثمر في قلب العبد تعلقًا بالواحد الأحد وتوجهًا إليه وحده لا شريك له، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢]. وبالمقابل يثمر قطع التعلق بمن لا يملكون شيئًا، ولا يقدرون على شيء إلا بما أقدرهم الله عليه، ولا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا، فضلًا عن أن يملكوه لغيرهم. وهذا يريح القلب من الشتات والإضطراب، ويجعله يسكن إلى واحد في وجهته، وطلبه، وقصده، فيستريح ويطمئن؛ لأنه أسلم وجهه وقلبه لله وحده،

стр. 1113

ولم يتوجه لوجهات متعددة وشركاء متشاكسين يعيش بينهم في حيرة وقلق وصراع مرير، وقد ضرب الله تَعَالَى مثلًا للموحد الذي يعبد إلهًا واحدًا هو الله ، وللمشرك الذي تنازعه آلهة شتى يستعبدونه ويمزقونه، قال تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]؛ فالمشرك عبد يملكه شركاء يخاصم بعضهم بعضًا فيه، وهو بينهم موزع، ولكل منهم فيه توجيه، ولكل منهم عليه تكليف؛ وهو بينهم حائر لا يستقر على نهج ولا يستقيم على طريق، ولا يملك أن يرضي أهواءهم المتنازعة المتشاكسة المتعارضة التي تمزق اتجاهاته وقواه، فيعيش معذبًا قلقًا، لا يستقر على حال، ولا يرضي واحدًا منهم، فضلًا عن أن يرضي الجميع! والموحد عبد يملكه سيد واحد، يعلم ما يطلبه منه، وما يكلفه به، فهو مستريح مستقر على منهج واحد صريح، لا يعرف إلا مصدرًا واحدًا للحياة، والقوة، والرزق، ومصدرًا واحدًا للنفع والضر، ومصدرًا واحدا للمنح والمنع، فتستقيم خطاه إلى هذا المصدر الواحد، يستمد منه وحده، ويعلق يديه بحبل واحد يشد عروته، ويتجه إلى هدف واحد لا يزوغ عنه، ويخدم سيدًا واحدًا يعرف ماذا يرضيه فيفعله، وماذا يغضبه فيتقيه؛ وبذلك تتجمع طاقته وتتوحد، فينتج بكل طاقته وجهده وهو ثابت القدمين على الأرض متطلع إلى إله واحد في السماء.

стр. 1114

الأثر الخامس: ذكر الله الواحد الأحد بالتوحيد: إن اسم الله الواحد الأحد وما فيه من الدلالة على التوحيد، يدعو العبد إلى تجديد توحيده والإكثار من ذكره واللهج به، لا سيما وقد جاء في كثير من أذكار اليوم والليلة والمناسبات الشرعية الحث على الأذكار التي فيها توحيد الله ، ومنها: كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»؛ فعن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: «أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله» (١)، وقال: «جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قال: أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله» (٢). - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» (٣). دعاء يوم عرفة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»؛ فعن أُبَي ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ،

стр. 1115

وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» (١). وقال ﷺ : «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلاَّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (٢). الذكر في الصباح والمساء، كما جاء عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «كان نبي الله ﷺ إذا أمسى قال: أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ: أُرَاهُ قَالَ فِيهِنَّ: لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَسُوءِ الْكِبَرِ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ، وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ» (٣). - وبما جاء عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَقُولَ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ وَإِذَا أَخَذْتُ مَضْجَعِي مِنَ اللَّيْلِ: «اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ

стр. 1116

وَرَسُولُكَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًا، أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ» (١). الذكر بعد الوضوء؛ فعن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ -أو فَيُسْبِغُ- الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (٢). الذكر في دعاء الاستفتاح؛ فعن علي ﵁، عن رسول الله ﷺ : «أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ … وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللهمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ … » إلخ (٣). الذكر بعد الصلاة؛ فعن وراد مولى المغيرة بن شعبة، قال: كتب المغيرة إلى معاوية بن أبي سفيان: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللهمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (٤).

стр. 1117

- وعن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ سَبَّحَ الله فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ: تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (١). الذكر عند الانتباه من النوم؛ فعن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ الله، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله، ثُمَّ قَالَ: اللهمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا، اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ» (٢). فحري بالعبد أن يحرص على مثل هذه الأذكار، التي فيها توحيد الواحد الأحد. الأثر السادس: قراءة سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وتدبرها: ورد اسم الله (الأحد) في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ قال لأصحابه: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ القُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ؟ فشق ذلك عليهم، وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: اللهُ الوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ القُرْآنِ» (٣).

стр. 1118

وفي رواية: أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ»، يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ» (١). وإنما عدلت ثلث القرآن- كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ناقلًا عن أبي العباس بن سريج ﵀ ومستحسنًا-؛ لأن القرآن أنزل على ثلاثة أقسام: ثلث منه أحكام، وثلث منه وعد ووعيد، وثلث منه أسماء وصفات، وهذه السورة جمعت الأسماء والصفات (٢). ولهذه السورة فضائل أخرى، منها (٣). ١ - أنها صفة الرحمن؛ فعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: «سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟ فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ : أَخْبِرُوهُ أَنَّ الله يُحِبُّهُ» (٤). ٢ - أن حبها يوجب محبة الله؛ كما جاء في حديث عائشة آنف الذكر، وفيه: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ الله يُحِبُّهُ» (٥).

стр. 1119

٣ - أنها تمنع صاحبها من الشر وتكفيه؛ فعن عبدالله بن خبيب ﵁، أنه قال: «خَرَجْنَا فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي لَنَا، قَالَ: فَأَدْرَكْتُهُ، فَقَالَ: قُلْ، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: قُلْ، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، قَالَ: قُلْ، فَقُلْتُ: مَا أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ: قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي، وَحِينَ تُصْبِحُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» (١). وعن عائشة ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ، جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأَ فِيهِمَا: «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ»، وَ «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ»، وَ «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ»، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ» (٢). ٤ - أن حبها يوجب دخول الجنة؛ فعن أنس ﵁، «أَنَّ رَجُلًا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُحِبُّ «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ»، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ» (٣). وفي رواية: قال أنس ﵁: «كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ، فَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ يَقْرَأُ بِهَا، افْتَتَحَ بِقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ بِسُورَةٍ أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ تَقْرَأُ بِهَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِيكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِسُورَةٍ أُخْرَى، فَإِمَّا أَنْ تَقْرَأَ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِسُورَةٍ أُخْرَى،

стр. 1120

قَالَ مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِهَا فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ، وَكَانُوا يَرَوْنَهُ أَفْضَلَهُمْ، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ، مَا يَمْنَعُكَ مِمَّا يَأْمُرُ بِهِ أَصْحَابُكَ، وَمَا يَحْمِلُكَ أَنْ تَقْرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُحِبُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ حُبَّهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ» (١). وفي حديث أبي هريرة ﵁، قال: «أقبلت مع النبي ﷺ ، فسمع رجلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] فقال رسول الله ﷺ : وَجَبَتْ، قلت: وما وجبت؟ قال: الْجَنَّةُ» (٢). وهذه الفضائل وغيرها تدعو العبد إلى قراءتها، وتردادها، وتدبر معانيها، ومحبتها. الأثر السابع: دعاء الله باسمه الواحد الأحد: إن معرفة العبد لاسم الله الواحد الأحد يدعوه إلى دعاء الله وسؤاله بهما؛ امتثالًا لقوله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] لا سيما وقد جاء ما يدل على أن اسم الله الأحد هو الاسم الأعظم؛ فقد سمع النبي ﷺ رجلًا يقول في دعائه: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فقال رسول الله

стр. 1121

ﷺ : «لَقَدْ سَأَلَ الله بِاسْمِهِ الأعظمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وإذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (١)، وجاء في فضل الدعاء بهما حديث محجن بن الأدرع ﵁، «أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ دخلَ المسجدَ، إذا رجلٌ قد قَضى صلاتَهُ وَهوَ يتشَهَّدُ، فقالَ: اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ يا اللَّهُ بأنَّكَ الواحدُ الأحدُ الصَّمدُ، الَّذي لم يَلِدْ ولم يولَدْ ولم يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أن تغفِرَ لي ذُنوبي، إنَّكَ أنتَ الغَفورُ الرَّحيمُ، قال: فقال نبي الله ﷺ : قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، ثلاث مرار» (٢). كما يدعوه إلى سؤال الله بما تضمنه اسمه الواحد الأحد من التوحيد؛ فإن التوحيد لما عظم مقامه عند الله كان التوسل به مظنة للإجابة، وقد جاء في نصوص الوحيين التوسل لله به، ومن ذلك: ١ - دعاء ذي النون، قال تَعَالَى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨]. وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ اسْتَجَابَ الله لَه» (٣). ٢ - دعاء يوم عرفة؛ فعن عبدالله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ

стр. 1122

قال: «خيرُ الدعاءِ دعاءُ يوم عرفة، وخيرُ ما قلته أنا والنبيُّون مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الملكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (١). ٣ - دعاء سيد الاستغفار؛ فعن شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللهمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، قال: وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ» (٢). ٤ - دعاء الكرب والهم؛ فعن ابن عباس ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ، وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ» (٣). وعن أبي بكرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللهمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (٤).

стр. 1123

٥ - دعاء كفارة المجلس؛ فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللهمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» (١). دعاء ما بعد التشهد الأخير؛ فعن علي بن أبي طالب ﵁: «أن رسول الله ﷺ كان مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: اللهمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (٢). فعلى العبد أن يدعو الله بهذه الدعوات وبغيرها، متوسلًا بالتوحيد، متيقنًا معناه؛ فإنه أعظم ما يتقرب لله به. اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لنا ذنوبنا، إنك أنت الغفور الرحيم.

стр. 1124

الوَدودُ ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «وددت الرجل أوده ودًّا، إذا أحببته، والوُد والوَد والوِد: المودة … » (١). قال ابن فارس ﵀: «الواو والدال: كلمة تدل على محبة، وددته: أحببته، ووددت أن ذاك كان: إذا تمنيته … » (٢). ورود اسم الله (الودود) في القرآن الكريم: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الودود) في القرآن مرتين، هما: ١ - قوله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠]. ٢ - قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٣ - ١٤]. ورود اسم الله (الودود) في السنة النبوية: لم يرد اسمه سُبْحَانَهُ (الودود) في السنة النبوية، إلا في حديث سرد الأسماء عند الترمذي.

стр. 1125

معنى اسم الله (الودود): يدور اسم (الودود) في حقه تَعَالَى حول معنيين: ودود بمعنى فاعل، أي: واد، وهو الذي يحب أنبياءه ورسله وعباده الصالحين. ودود بمعنى مفعول، أي: مودود، وهو المحبوب سُبْحَانَهُ، ولا يستحق المحبة الكاملة إلا هو سُبْحَانَهُ. وحول هذه المعاني الثلاثة تدور أقوال العلماء. من الأقوال في المعنى الأول: قال الطبري ﵀: «ذو محبة لمن أناب وتاب إليه، يوده ويحبه» (١). قال القرطبي ﵀: «المحب لخلقه، والمثني عليهم والمحسن إليهم» (٢). من الأقوال في المعنى الثاني: قال ابن عباس ﵄: «والودود: الحبيب» (٣). قال الحليمي ﵀: «الودود بكثرة إحسانه، أي: المستحق لأن يُوَد فيُعبَد ويُحمَد» (٤).
следующие страницы →