← Акыда

Акыда · id 721

موسوعة شرح أسماء الله الحسنى

نوال العيد

Полный текст (1 826 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

ﷺ : «لَقَدْ سَأَلَ الله بِاسْمِهِ الأعظمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وإذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (١)، وجاء في فضل الدعاء بهما حديث محجن بن الأدرع ﵁، «أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ دخلَ المسجدَ، إذا رجلٌ قد قَضى صلاتَهُ وَهوَ يتشَهَّدُ، فقالَ: اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ يا اللَّهُ بأنَّكَ الواحدُ الأحدُ الصَّمدُ، الَّذي لم يَلِدْ ولم يولَدْ ولم يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أن تغفِرَ لي ذُنوبي، إنَّكَ أنتَ الغَفورُ الرَّحيمُ، قال: فقال نبي الله ﷺ : قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، ثلاث مرار» (٢). كما يدعوه إلى سؤال الله بما تضمنه اسمه الواحد الأحد من التوحيد؛ فإن التوحيد لما عظم مقامه عند الله كان التوسل به مظنة للإجابة، وقد جاء في نصوص الوحيين التوسل لله به، ومن ذلك: ١ - دعاء ذي النون، قال تَعَالَى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨]. وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ اسْتَجَابَ الله لَه» (٣). ٢ - دعاء يوم عرفة؛ فعن عبدالله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ

стр. 1122

قال: «خيرُ الدعاءِ دعاءُ يوم عرفة، وخيرُ ما قلته أنا والنبيُّون مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الملكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (١). ٣ - دعاء سيد الاستغفار؛ فعن شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللهمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، قال: وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ» (٢). ٤ - دعاء الكرب والهم؛ فعن ابن عباس ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ، وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ» (٣). وعن أبي بكرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللهمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (٤).

стр. 1123

٥ - دعاء كفارة المجلس؛ فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللهمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» (١). دعاء ما بعد التشهد الأخير؛ فعن علي بن أبي طالب ﵁: «أن رسول الله ﷺ كان مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: اللهمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (٢). فعلى العبد أن يدعو الله بهذه الدعوات وبغيرها، متوسلًا بالتوحيد، متيقنًا معناه؛ فإنه أعظم ما يتقرب لله به. اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لنا ذنوبنا، إنك أنت الغفور الرحيم.

стр. 1124

الوَدودُ ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «وددت الرجل أوده ودًّا، إذا أحببته، والوُد والوَد والوِد: المودة … » (١). قال ابن فارس ﵀: «الواو والدال: كلمة تدل على محبة، وددته: أحببته، ووددت أن ذاك كان: إذا تمنيته … » (٢). ورود اسم الله (الودود) في القرآن الكريم: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الودود) في القرآن مرتين، هما: ١ - قوله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠]. ٢ - قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٣ - ١٤]. ورود اسم الله (الودود) في السنة النبوية: لم يرد اسمه سُبْحَانَهُ (الودود) في السنة النبوية، إلا في حديث سرد الأسماء عند الترمذي.

стр. 1125

معنى اسم الله (الودود): يدور اسم (الودود) في حقه تَعَالَى حول معنيين: ودود بمعنى فاعل، أي: واد، وهو الذي يحب أنبياءه ورسله وعباده الصالحين. ودود بمعنى مفعول، أي: مودود، وهو المحبوب سُبْحَانَهُ، ولا يستحق المحبة الكاملة إلا هو سُبْحَانَهُ. وحول هذه المعاني الثلاثة تدور أقوال العلماء. من الأقوال في المعنى الأول: قال الطبري ﵀: «ذو محبة لمن أناب وتاب إليه، يوده ويحبه» (١). قال القرطبي ﵀: «المحب لخلقه، والمثني عليهم والمحسن إليهم» (٢). من الأقوال في المعنى الثاني: قال ابن عباس ﵄: «والودود: الحبيب» (٣). قال الحليمي ﵀: «الودود بكثرة إحسانه، أي: المستحق لأن يُوَد فيُعبَد ويُحمَد» (٤).

стр. 1126

من الأقوال التي تجمع بين المعنى الأول والثاني: قال الخطابي ﵀: «اسم مأخوذ من الود وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون فعولًا في محل مفعول، … أي: أنه سُبْحَانَهُ مودود في قلوب أوليائه؛ لما يتعرفونه من إحسانه إليهم وكثرة عوائده عندهم، والوجه الآخر: أن يكون الودود بمعنى: الواد، أي: أنه يود عباده الصالحين، بمعنى: أن يرضى عنهم ويتقبل أعمالهم، وقد يكون معناه أن يوددهم إلى خلقه» (١). قال ابن القيم ﵀: «وأما الودود ففيه قولان؛ أحدهما: أنه بمعنى فاعل، وهو الذي يحب أنبياءه ورسله وأولياءه وعباده المؤمنين، والثاني: أنه بمعنى: مودود، وهو المحبوب الذي يستحق أن يُحب الحب كله، وأن يكون أحب إلى العبد من سمعه، وبصره، وجميع محبوباته» (٢). قال السعدي ﵀: «الودود هو المحب المحبوب، بمعنى: واد ومودود، فهو الذي يحب أنبياءه، ورسله، وأتباعهم، ويحبونه، فهو أحب إليهم من كل شيء، قد امتلئت قلوبهم من محبته، ولهجت ألسنتهم بالثناء عليه، وانجذبت أفئدتهم إليه ودًّا وإخلاصًا وإنابة من جميع الوجوه» (٣). قال ابن القيم ﵀ في نونيته: وهوَ الوَدُودُ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّهُ … أَحْبَابُهُ والفَضْلُ لِلْمَنَّانِ وَهوَ الَّذِي جَعَلَ المَحَبَّةَ فِي قُلُو … بِهْم وَجَازَاهُمْ بِحُبٍّ ثَانِ

стр. 1127

هَذَا هُوَ الإِحْسَانُ حَقًّا لَا مُعَا … وَضَةً وَلَا لِتَوَقُّعِ الشُّكْرَانِ (١). اقتران اسم الله (الودود) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الودود) باسمه سُبْحَانَهُ (الرحيم): تقدم بيانه في اسم الله (الرحيم). اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الودود) باسمه سُبْحَانَهُ (الغفور): تقدم بيانه في اسم الله (الغفور). الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الودود): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الودود) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له: الودود سُبْحَانَهُ هو المتحبب إلى عباده بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، التي إن لامست القلوب رأت ربًّا رحيمًا عظيمًا كريمًا قويًّا قادرًا، له الجلال والكمال والعزة والسلطان، فعند ذلك تفيئ إليه وحده، وتقبل عليه دون سواه، وتتخذه إلهًا معبودًا، وبذلك تخلص لربها، وتوحده وتتخلص من العبودية لغيره؛ فتنال سعادة الدنيا والآخرة. ومن أبرز مظاهر تودد الله لعباده ما يلي: تعريف عباده بذاته سُبْحَانَهُ: فهو سُبْحَانَهُ المتودد إلى خلقه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، التي إن عرفها العباد وآمنوا بها تعلقت قلوبهم بربهم،

стр. 1128

وصارت محبتهم له هي المحرك لعزائمهم إذا فتروا، والمثير لهممهم إذا قصروا؛ وذلك لأن القلوب والأرواح الصحيحة مجبولة على محبة الكمال، والله تَعَالَى له الكمال التام المطلق، فكل وصف من صفاته له خاصية في العبودية، وسبب لانجذاب القلوب إليه وحده سُبْحَانَهُ (١). يقول ابن القيم ﵀ في وصف محبة الله تَعَالَى: «وكما أنه ليس كمثله شيء، فليس كمحبته محبة» (٢). تعدد أنعامه وأفضاله سُبْحَانَهُ على عباده في شؤون دينهم ودنياهم: فبنعمه أوجدهم، وأبقاهم وأحياهم، وأصلحهم، وأتم لهم الأمور، وكمل لهم الضروريات والحاجيات والكماليات، وهداهم للإيمان والإسلام، وهداهم لحقائق الإحسان، ويسر لهم الأمور، وفرج عنهم الكربات، وأزال المشقات، وشرع لهم الشرائع، ويسرها ونفى عنهم الحرج، وبين لهم الصراط المستقيم وأعماله وأقواله، ويسر لهم سلوكه وأعانهم على ذلك شرعًا وقدرًا، ودفع عنهم المكاره والمضار كما جلب لهم المنافع والمسار، ولطف بهم ألطافًا شاهدوا بعضها وما خفي عليهم منها أعظم. فجميع ما في الخليقة من محبوبات القلوب والأرواح والأبدان، الداخلية والخارجية، الظاهرة والباطنة، فإنها من كرمه وجوده، يتودد بها إليهم، فالقلوب مجبولة على محبة المحسن إليها، وأي إحسان أعظم من هذا الإحسان الذي يتعذر إحصاء أجناسه، فضلًا عن أنواعه، فضلًا عن

стр. 1129

أفراده، وكل نعمه منه تطلب من العباد أن تمتلئ قلوبهم من مودته وحمده وشكره والثناء عليه. قربه من أوليائه، وتسديده لهم: فمن كان الله وليه حفظه في حركاته وسكناته، وجعله مجابًا للدعوة وجيهًا عنده، كما في الحديث القدسي: «لَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي المُؤْمِن، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (١). حلمه على العصاة وقربه من التائبين من عباده، فعرفهم بسعة رحمته، وعظيم مغفرته، ودعاهم إلى الفيئة والرجوع إليه، ووعدهم على ذلك أن يقبل توبتهم، ويبدل سيئاتهم حسنات، قال سُبْحَانَهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] وقال تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] (٢)، فهو الذي يفرح بتوبة عباده مع غناه عنهم وعن عبادتهم، وإن أصر العبد على العصيان، وتجرأ على المحرمات، وقصر في الواجبات ستره الودود، وحلم عليه، وأمده بالنعم، ولم يقطع عنه منها شيئًا، ثم يقيض له من الأسباب والتذكيرات والمواعظ والإرشادات ما يجلبه إليه، فيتوب إليه وينيب، فيغفر له تلك الجرائم، ويمحو عنه ما أسلفه من الذنوب العظائم، ويعيد عليه وده وحبه.

стр. 1130

وعليه فحري بمن عرف اسم الله الودود وآمن به أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، فيسأله وده ورحمته وفضله وهبته. الأثر الثاني: محبة الودود سُبْحَانَهُ: إن محبة الله سُبْحَانَهُ من الفطرة التي فُطرت القلوب عليها، يقول ابن تيمية ﵀: «والقلب إنما خُلق لأجل حب الله تَعَالَى، وهذه الفطرة التي فطر الله عليها عباده، كما قال النبي ﷺ : «ما مِنْ مَوْلُودٍ إلاَّ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتِجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ»، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] (١)، فالله سُبْحَانَهُ فطر عباده على محبته وعبادته وحده، فإذا تركت الفطرة بلا فساد كان القلب عارفًا بالله، محبًّا له، عابدًا له وحده» (٢). ويقول ابن القيم ﵀: «فإن الله فطر القلوب على محبة المحسن الكامل في أوصافه وأخلاقه، وإذا كانت هذه فطرة الله التي فطر عليها قلوب عباده، فمن المعلوم أنه لا أحد أعظم إحسانًا منه، ولا شيء أكمل منه ولا أجمل» (٣). فأصحاب الفطر السوية، والقلوب النقية، والتأملات في ملكوت الله العلية، أعظم شيء لديهم هو محبة الله، ولذا سعى إليها السائرون، وشمر لها

стр. 1131

العابدون، فعرفوا ربهم، والتفت إليه قلوبهم، وتخلت عن كل ما عداه. يقول ابن تيمية ﵀ في ذلك: «وليس للقلوب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة الله والتقرب إليه بما يحبه، ولا تمكن محبته إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله» (١). ولمحبة الله الصادقة أربعة شروط، ذكرها ابن القيم ﵀، وهي: الأول: أن يحب الله حبًّا من جنس حب العبادة المقرون بالذلة والخضوع والإفتقار والطاعة المطلقة، حبًّا لا يشابه أي حب آخر، حبًّا لا يشابه حب الشهوة للنساء، ولا حب البر للآباء، ولا حب الشفقة بالأبناء، ولا حب الندية للأصدقاء بل يحبه حب العابد لربه، والمخلوق لخالقه، والمملوك لمالكه، والمرزوق لرازقه، حبًّا مقرونًا بالخشية، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. الثاني: ألا يحب شيئًا مثله معه، بل ولا تبقى مثقال ذرة من هذا الحب- أي حب العبادة- إلا صرفها لله وحده، فلا يحب أحدًا غير الله مثله في النوع، وكذلك في الكمية، فلا يحب أحدًا أكثر من الله، بل لا يحب أحدًا مثل الله أصلًا، حتى وإن كان حبه لهذه الأشياء ليس حب العبادة، فمن فعل ذلك عرض نفسه لعقوبة الله ، فقد قال تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤].

стр. 1132

الثالث: ألا يحب شيئًا غير الله إلا من أجله، وهو الحب في الله. الرابع: أن يبغض ما يباعده عن الله أشد من بغضه لأبغض الأشياء إليه، وهي النار» وقد جمع ثلاثةً منها حديثُ النبي ﷺ الذي قال فيه: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ- بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ- كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (١). الأثر الثالث: نيل ثمرات محبة الله للعبد: لا شك أن أعظم رتبة يبلغها المؤمن أن يكون من الذين يحبهم الله ، فهي المنزلة التي يتنافس فيها المتنافسون، ويتفانى فيها المحبون، هي قوت القلوب، وقرة العيون، والمحبة التي توصل المؤمن إلى مراتب الخير والفلاح في الدنيا والآخرة، ومن أبرز ثمرات محبة الله لعبده ما يلي: ١ - الحصول على الإيمان: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «إِنَّ اللهَ يُعْطِي الْمَالَ مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الْإِيمَانَ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، فَإِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا أَعْطَاهُ الْإِيمَانَ» (٢). والله يعطي المال للبر والفاجر، والتقي والغني، فيسوق له الدنيا، ولكن لا يعطي الإيمان إلا لمن يحب، فهي الطريق المستقيم ومفتاح الجنة.

стр. 1133

٢ - تحقيق الأمن التام، وقلب المخاوف أمنًا: فمن تأمل قصة موسى ﵇ في سورة طه، وقول الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٧ - ٣٩] رآها حركات كلها عنف، وخشونة، قُذف في التابوت بالطفل، وقذف في اليم بالتابوت، وإلقاء للتابوت على الساحل، ثم ماذا؟ يذهب التابوت المقذوف فيه بالطفل المقذوف في اليم الملقى به على الساحل، فيستلمه ﴿عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ [طه: ٣٩]. وفي زحمة هذه المخاوف كلها، وبعد تلك الصدمات كلها، ما الذي حدث للطفل الضعيف المجرد من كل قوة؟ ما الذي جرى للتابوت الصغير المجرد من كل وقاية؟ ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] جرى أمر الله أن يتربى موسى في بيت فرعون ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]. ٣ - الحفظ والحماية من الدنيا: يقول رسول الله ﷺ : «إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا حَمَاهُ فِي الدُّنْيَا، كَمَا يَحْمِي أَحَدُكُمْ سَقِيمَهُ الماءَ» (١). ٤ - المعية الإلهية: يقول ﷺ : «إِنَّ الله قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي

стр. 1134

يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (١). قال الحارث المحاسبي ﵀: «إن علامة محبة الله للعبد أن يتولى الله سياسة همومه، فيكون في جميع أموره هو المختار لها» (٢). ٥ - مغفرة الذنوب، والعتق من النار والعذاب: يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]، وكذلك رَدَّ الله تَعَالَى على اليهود والنصارى ادعاءهم أنهم أحبابه فقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨]، وفي السنة ما رواه أنس ﵁، قال: «كَانَ صَبِيٌّ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ، فَمَرَّ النَّبِيُّ ﷺ وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَأَتْ أُمُّ الصَّبِيِّ الْقَوْمَ خَشِيَتْ أَنْ يُوطَأَ ابْنُهَا، فَسَعَتْ وَحَمَلَتْهُ، وَقَالَتِ: ابْنِي ابْنِي، قَالَ: فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُلْقِيَ ابْنَهَا فِي النَّارِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا، ولَا يُلْقِي اللهُ حَبِيبَهُ فِي النَّارِ» (٣).

стр. 1135

٦ - التوفيق للعمل الصالح والتوبة بعد الذنوب: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا عَسَلَهُ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا عَسَلُهُ؟ قَالَ: «يُوَفِّقُ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِهِ حَتَّى يَرْضَى عَنْهُ جِيرَانُهُ «أَوْ قَالَ: مَنْ حَوْلَهُ» (١)، قال الفضيل ﵀: «وإذا أحب الله عبدًا وفقه لعمل صالح، فتقربوا إلى الله بحب المساكين» (٢)، وفي الحديث الآخر يقول ﷺ : «وَإِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا أَعْطَاهُ الرِّفْقَ، مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يُحْرَمُونَ الرِّفْقَ إِلَّا حُرِمُوا» (٣). ٧ - إلقاء محبة عبده في قلوب الخلق: كما قال الله تَعَالَى عن موسى ﵇: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] أي: محبة في قلوب العباد، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عبَدْاً دَعَا جِبْرِيلَ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قال: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قال: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ» (٤)، قال

стр. 1136

الفضيل ﵀: «عاملوا الله بالصدق في السر، فإن الرفيع من رفعه الله، وإذا أحب الله عبدًا أسكن محبته في قلوب العباد» (١). الأثر الرابع: السعي لتحصيل الأسباب الجالبة لمحبة الله للعبد: إن محبة الله تَعَالَى هي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حُرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام (٢). والمؤمنون في درجة محبتهم لربهم متفاوتون، وفي قربهم من الله متفاضلون، وإن كانوا جميعًا يطمحون لزيادة محبتهم لربهم، محبة تحببهم في طاعته سُبْحَانَهُ، والبعد عن معصيته. ومن الأعمال التي تزيد محبة الله تَعَالَى في قلوب عبيده، وبها يحب الله عباده، ما يلي: أولًا: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه، وتفطن مراد الله منه: ولا عجب أن يكون القُرْب من كتاب الله من أعظم القُرَب الموجبة لمحبة الله، فإذا كان الله تَعَالَى قد شاء بحكمته أن يكون الإيمان به من الإيمان بالغيب؛ فإنه قد شاء- أيضًا- أن يكون خطابه لعباده وحديثه إليهم من أمر الشهادة، فجعل كلامه مسطورًا، يُسمع ويُقرأ، ويتكرر وقعه بلفظه ومعناه على القلوب والأفئدة.

стр. 1137

ولا شك أن من أكبر الدلائل على محبة القرآن: السعي إلى تفهمه وتدبره والتفكر في معانيه، كما أن من دلائل خفة تلك المحبة أو عدمها: الإعراض عن تدبره وتأمل معانيه، قال تَعَالَى ذامًّا المنافقين على عدم تدبر القرآن: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. ولذا كان السلف يستشعرون هذا المعنى وهم يقرءون القرآن، حتى إنهم كانوا يتلقونه تلقي الغائب الغريب لرسالة جاءت على شوق من الحبيب، قال الحسن بن علي ﵁: «إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، ويتفقدونها بالنهار» (١). فقراءة القرآن وتدبره تشريف للبشر وكرامة، يقول ابن الصلاح ﵀: «قراءة القرآن كرامة أكرم الله بها البشر، فقد ورد أن الملائكة لم يعطوا ذلك، وأنها حريصة على استماعه من الإنس» (٢)، ولأن القرآن هو الدال على الله وعلى محاب الله، فلا جرم أن كانت محبته هي طريق القلب والعقل لمعرفة الله وما يحبه، ومما يدل على ذلك: أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ ، استجلب محبة الله بتلاوة سورة واحدة وتدبرها ومحبتها، وهي سورة الإخلاص التي فيها صفة الرحمن سُبْحَانَهُ فظل يرددها في صلاته، فلما سئل عن ذلك قال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ : «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ» (٣)، وفي الحديث الآخر، قال ابن مسعود ﵁:

стр. 1138

«من أحب القرآن، فهو يُحِب اللهَ ورسولَه» (١)، وأهل القرآن هم خاصة الله تَعَالَى، كما قال ﷺ : «إِنَّ للهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ، قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَهْلُ القُرْآنِ، هُمْ أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ» (٢). ثانيًا: التقرب إلى الله تَعَالَى بالنوافل بعد الفرائض: فمؤدي الفرائض كاملة محب لله، ومؤديها وبعدها النوافل محبوب من الله، ويدل على ذلك الحديث القدسي، وفيه: « … وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» (٣)، فالمحبون هم المتقربون بالفرائض، والمحبوبون هم المتقربون بالنوافل بعد الفرائض، وهم أولياء الله وأصفياؤه، وخيرته من الخلق. يقول ابن رجب الحنبلي ﵀: «أولياء الله المقربون قسمان: أحدهما: من تقرب إلى الله بأداء الفرائض، … وأهل هذا القسم هم المقتصدون الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: ٣٢]، وهم أصحاب اليمين الذين قال فيهم: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]، فأداء الفرائض أفضل الأعمال؛ كما قال عمر بن الخطاب ﵁: (أفضل الأعمال أداء ما افترض الله، والورع عما حرم الله، وصدق النية فيما عند الله .

стр. 1139

الثاني: من تقرب إلى الله تَعَالَى بعد أداء الفرائض بالنوافل، وهم أهل درجة السابقين المقربين .. لأنهم تقربوا إلى الله بعد الفرائض بالاجتهاد في نوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق المكروهات بالورع» (١). ثالثًا: دوام ذكره سُبْحَانَهُ على كل حال: فذكر الله تَعَالَى هو شعار المحبين له، المحبوبين منه تَعَالَى، يقول ﷺ : «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: أَنَا مَعَ عَبْدِي إذا هو ذَكَرَنِي، وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ» (٢). فصاحب الذكر مذكور عند الله بالثناء والمحمدة والمحبة، وموعود بالمغفرة والأجور العظيمة، يقول تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]. ولهذا كان الذكر روح الأعمال، ويظهر ذلك من اقتران أكبر الأعمال الصالحة به في القرآن. الشهادة، ف، (لا إله إلا الله) أفضل ما يذكر به الذاكرون. الصلاة، قال تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] الحج، قال تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠].

стр. 1140

الجهاد، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]. يقول ابن القيم ﵀ في شأن الذكر: «وفي كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقتة، والذكر عبودية القلب واللسان وهي غير مؤقتة، بل هم مأمورون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كل حال: قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، فكما أن الجنة قيعان وهو غراسها، فكذلك القلوب بور وخراب وهو عمارتها وأساسها، وهو جلاء القلوب وصقالها، ودواؤها إذا غشيها اعتلالها، وكلما ازداد الذاكر في ذكره استغراقًا: ازداد المذكور محبة إلى لقائه واشتياقًا، وإذا واطأ في ذكره قلبه للسانه: نسي في جنب ذكره كل شيء، وحفظ الله عليه كل شيء، وكان له عوضًا من كل شيء» (١). رابعًا: إيثار محاب الله على كل محاب النفس والهوى: والقرآن والسنة مملؤان بذكر ما يحبه الله سُبْحَانَهُ من أفعال عباده المؤمنين، وأقوالهم وأخلاقهم، فمن محابه سُبْحَانَهُ التي وردت في كتابه وسنة نبيه: التقوى، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤] الإحسان، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]. التوبة والطهارة، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].

стр. 1141

الصلاة على وقتها، سئل ﷺ : أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» (١). الصبر، يقول تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]. التوكل عليه، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] الجهاد، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]. الذكر، يقول ﷺ : «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ» (٢). الحلم والأناة، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال- لأشج عبد القيس: «إِنَّ فِيكَ لَخْصَلَتَيْنِ يُحِبُّهُما اللهَ: الِحلِمْ وَالأَنَاةُ» (٣). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «يحتاج المسلم إلى أن يخاف الله، وينهى النفس عن الهوى، ونفس الهوى والشهوة لا يعاقب عليه، بل على اتباعه، والعمل به، فإذا كانت النفس تهوى وهو ينهاها، كان نهيه عبادة لله، وعملًا صالحًا» (٤). يقول ابن القيم ﵀: «إيثار رضى الله على غيره، وهو يريد أن يفعل ما فيه مرضاته، ولو أغضب الخلق، هي درجة الإيثار وأعلاها للرسل

стр. 1142

عليهم صلوات الله وسلامه، وأعلاها لأولي العزم منهم، وأعلاها لنبينا محمد ﷺ » (١). خامسًا: مطالعة القلب لأسماء الله وصفاته ومشاهدتها: فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه لا محالة، وقد بوب البخاري ﵀ على قول النبي ﷺ : «أَنَا أَعْلَمُكُمْ باللهِ»، باب: «المعرفة فعل القلب» (٢)، لقوله تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، يقول ابن حجر ﵀: «قوله ﷺ : «أَنَا أَعْلَمُكُمْ باللهِ» ظاهر في أن العلم بالله درجات، وأن بعض الناس فيه أفضل من بعض، وأن النبي ﷺ منه في أعلى الدرجات، والعلم بالله يتناول ما بصفاته وما بأحكامه، وما يتعلق بذلك، فهذا هو الإيمان حقًّا» (٣). قال ابن القيم ﵀: «فإن أوصاف المدعو إليه، ونعوت كماله، وحقائق أسمائه هي الجاذبة للقلوب إلى محبته، وطلب الوصول إليه؛ لأن القلوب إنما تحب من تعرفه، وتخافه، وترجوه، وتشتاق إليه، وتلتذ بقربه، وتطمئن إلى ذكره بحسب معرفتها بصفاته» (٤)، وفي ذات المعنى يقول الحسن البصري ﵀: «من عرف ربه أحبه» (٥).

стр. 1143

سادسًا: مشاهدة بره وإحسانه ونعمه الظاهرة والباطنة: فالإنعام والبر واللطف معان تسترق مشاعره، وتستولي على أحاسيسه، وتدفعه إلى محبة من يسدي إليه النعمة، ويهدي إليه المعروف، والناس مجبولون على محبة من يحسن إليهم، ولا منعم على الحقيقة، ولا محسن إلا الله، فلا محبوب في الحقيقة عند ذوي البصائر إلا الله تَعَالَى، ولا مستحق للمحبة كلها سواه، وإنما يُحَب غيره تبعًا لمحبته سُبْحَانَهُ، وصورُ إحسانه ومظاهرها أجلُّ من أن يحيط بها العبد. يقول ابن القيم ﵀: «لا أحد أعظم إحسانًا من الله سُبْحَانَهُ؛ فإن إحسانه على عبده في كل نفس ولحظة، وهو يتقلب في إحسانه في جميع أحواله، ولا سبيل له إلى ضبط أجناس هذا الإحسان، فضلًا عن أنواعه، أو عن أفراده، ويكفي أن من بعض أنواعه نعمة النفس التي لا تكاد تخطر ببال العبد، وله عليه في كل يوم وليلة أربعة وعشرين ألف نعمة، فإنه يتنفس في اليوم والليلة أربعة وعشرين ألف نفَس، وكل نفَس نعمة منه سُبْحَانَهُ، فإذا كان أدنى نعمة عليه في كل يوم أربعة وعشرين ألف نعمة، فما الظن بما فوق ذلك وأعظم منه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]. هذا إلى ما يصرف عنه من المضرات، وأنواع الأذى التي تقصده، ولعلها توازن النعم في الكثرة، والعبد لا شعور به بأكثرها أصلًا، والله سُبْحَانَهُ يكلؤه منها بالليل والنهار، كما قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢]» (١).

стр. 1144

سابعًا: انكسار القلب بكُلِّيَّته بين يدي الله: والانكسار بمعنى الخشوع، وهو الذل والسكون، يقول تَعَالَى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨]، والخشوع معنى يلتئم من التعظيم والمحبة والذل والانكسار (١). وعليه فإن الخشوع معنى أعم من أن ينحصر في الصلاة؛ لأن التعظيم والمحبة والانكسار لله، مطلوب من المؤمن في كل حال، وإن كانت الصلاة موضعًا لظهور أثر الخشوع؛ لأنها أقرب ما يكون العبد إلى ربه. وقد كان السلف يحذرون من التكلف أو التصنع في الخشوع، ومن شواهد ذلك: قال حذيفة ﵁: «إياكم وخشوع النفاق، فقيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعًا والقلب ليس بخاشع» (٢). رأى عمر بن الخطاب ﵁ رجلًا طأطأ رقبته في الصلاة فقال: «يا صاحب الرقبة، ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب، إن الخشوع في القلوب» (٣). ثامنًا: الخلوة به تَعَالَى وقت النزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه: فأصحاب الليل هم- بلا شك- من أهل المحبة، بل هم من أشرف أهل المحبة؛ لأن قيامهم في الليل بين يدي الله تَعَالَى يجمع لهم جل أسباب المحبة

стр. 1145

التي سبق ذكرها، وفي الحديث يقول ﷺ : «واعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ المُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ، وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ» (١)، ويقول الحسن البصري ﵀: «لم أجد من العبادة شيئًا أشد من الصلاة في جوف الليل، فقيل له: ما بال المجتهدين من أحسن الناس وجوهًا؟ فقال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره» (٢). ولمنزلة أهل القيام عند ربهم قال الله تَعَالَى عنهم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦]، وتلا رسول الله ﷺ هاتين الآيتين لمعاذ ﵁ في معرض جوابه عن سؤاله: «أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار»، وقد جاء في هذا الحديث قوله ﷺ : «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الماءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حَتَّى بَلَغَ: «يَعْمَلُونَ»» (٣). ولفظ الآية عام في كل عبادة ودعاء في الليل، ولكن النبي ﷺ خص قيام الرجل في جوف الليل؛ لأن صلاة الليل هي أفضل نوافل الصلاة، كما في قوله ﷺ : «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ» (٤).

стр. 1146

تاسعًا: مجالسة المحبين والصادقين: إن محبة المسلم لأخيه المسلم في الله، ثمرة لصدق الإيمان وحسن الخلق، وهي سياج واق يحفظ الله بها قلب العبد، ويشد فيها الإيمان حتى لا يتفلت أو يضعف، وورد في ذلك شواهد كثيرة، منها: قال رسول الله ﷺ : «قَالَ اللهُ : وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، واِلْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، واِلْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ» (١). روى أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : «أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي، قَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا عَلَيْهِ؟ قالَ: لَا؛ غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ في اللهِ تَعَالَى، قَالَ: إِنِّي رَسُولُ اللهِ إَلَيْكَ، إِنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ» (٢). قال ﷺ : «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذهُ اللهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ» (٣).

стр. 1147

عاشرًا: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله : فالقلب إذا فسد لن يجد المرء فائدة فيما يصلحه من شئون دنياه، ولن يجد نفعًا أو كسبًا في أخراه، قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]، ومن دعائه ﷺ : «وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا» (١). والقلب السليم هو السليم مما سوى الله، أو مما سوى عبادة الله، أو مما سوى إرادة الله، أو مما سوى محبة الله، وجماع سلامة القلب بالتزام الطاعات واجتناب النواهي، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]. يقول الحسن البصري ﵀: «زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم- أي: امتحنهم- بهذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]» (٢). الأثر الخامس: الحذر مما لا يحب الله تعالى: على العبد أن يحذر ويجتنب كل مايبغضه ربه ويكرهه؛ فإن الله إذا أبغض عبدًا أبغضه الكون كله طوعًا لله تَعَالَى، يقول ﷺ : «وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ، فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ، قال: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ

стр. 1148

يُنَادِي- فِي أَهْلِ السَّمَاءِ- إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، قال: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ البَغْضَاءُ فِي الأَرْضِ» (١). وجماع مايبغضه الله تَعَالَى: هو ماتعوذ منه رسوله ﷺ ، في قوله: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الأَخْلَاقِ، والأَعْمَالِ، والأَهْوَاءِ» (٢). والأمور المبغضة عند الله تَعَالَى كثيرة، وردت في القرآن والسنة، ومنها ما يلي: الكفر، يقول تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢]. الظلم، يقول تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧]، وأكبره: الشرك، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. الاعتداء، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]. الإفساد، يقول تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤]. الخيانة، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] الخيلاء، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]. الاستكبار، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣].

стр. 1149

الإسراف، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]. الإسبال، يقول ﷺ : «يَا سُفْيَانُ بْن سَهْلٍ؛ لَا تُسْبِلْ؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ المُسْبِلِينَ» (١). وفي كتاب الله وسنة نبيه ﷺ العديد من الأعمال والأقوال التي يبغضها الله سُبْحَانَهُ، فعلى العبد المؤمن أن يبغضها ويجتنبها. الأثر السادس: دعاء الله باسمه تَعَالَى (الودود): محبة الله هي روح الأعمال، وأصل العبودية الظاهرة، والباطنة، فمحبة العبد لربه ليست بحول من العبد ولا قوة، وإنما هي فضل من الله وإحسان، فهو تَعَالَى الذي أحب عبده فجعل المحبة في قلبه، ثم لما أحبه العبد بتوفيقه جازاه الله بحب آخر، فهذا هو الإحسان المحض على الحقيقة؛ إذ منه السبب، ومنه المسبب؛ ولأن محبة الله تَعَالَى من أعظم العطاء الذي يعطيها الله لعبده، كان رسول الله ﷺ كثير السؤال لها، ففي الحديث عن ثوبان ﵁ قال: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَقَالَ: «إِنَّ رَبِّي أَتَانِي اللَّيْلَةَ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ … ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، قَالَ: قُلْتُ: فَعَلِّمْنِي، قَالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ

стр. 1150

تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِنْ أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي إِلَيْكَ وَأَنَا غَيْرُ مَفْتُونٍ، اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبًّا يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ» (١). وعن معاذ بن جبل ﵁، قال: قال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ المُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ المَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةَ قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ» (٢). فاللهم يا ودود، ارزقنا حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربنا إلى حبك.

стр. 1151

الوكيل والكفيل والكافي ﷻ - المعنى اللغوي: أولًا: (الوكيل): قال الجوهري ﵀: «وَكَل بالتحريك، وَوُكَلَة أيضًا مثل هُمَزَة، وتُكَلَة، يقال: فلان وكلَة تُكلَة، أي: عاجز يكل أمره إلى غيره، ويتكل عليه … والوكيل معروف، يقال: وكلته بأمر كذا توكيلًا، والاسم: الوِكالة والوَكالة. والتوكل: إظهار العجز والاعتماد على غيرك، والاسم: التكلان، واتكلت على فلان في أمري، إذا اعتمدته … ووكله إلى نفسه وكلًا كولًا، وهذا الأمر موكول إلى رأيك … وواكلت فلانًا مواكلة، إذا اتكلت عليه واتكل هو عليك» (١). قال ابن فارس ﵀: «(وكل) الواو والكاف واللام: أصل صحيح يدل على اعتماد غيرك في أمرك، من ذلك الوُكَلَة، والوَكَل: الرجل الضعيف، يقولون: وُكَلَة تُكَلَة، والتوكل منه، وهو إظهار العجز في الأمر والاعتماد على غيرك، وواكل فلان، إذا ضيع أمره متكلًا على غيره، وسمي الوكيل لأنه يوكل إليه الأمر … » (٢).

стр. 1152

ثانيًا: (الكفيل): قال الجوهري ﵀: «الكِفْل: الضعف، قال تَعَالَى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]، ويقال: إنه النصيب، وذو الكفل: اسم نبى من الانبياء ﵈، وهو من الكفالة … والكفيل: الضامن، يقال: كفلت به كفالة، وكفلت عنه بالمال لغريمه … وكفلته إياه فكفل هو به كفلًا وكفولًا، والتكفيل مثله، وتكفل بدينه تكفلًا، والكافل: الذي يكفل إنسانًا يعوله، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]، وذكر الأخفش أنه قرئ أيضًا: (وكفلها) بكسر الفاء» (١). قال ابن فارس ﵀: «(كفل) الكاف والفاء واللام أصل صحيح يدل على تضمن الشيء للشيء … ومن الباب- وهو يصحح القياس الذي ذكرناه- الكفيل، وهو الضامن، تقول: كفل به يكفل كفالة، والكافل: الذي يكفل إنسانًا يعوله، قال الله ﷻ : ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]، وأكفلته المال: ضمنته إياه … » (٢). ثالثًا: (الكافي): قال الجوهري ﵀: «(كفى) كفاه مؤنته كفاية … وكفاك الشيء يكفيك، واكتفيت به. واستكفيته الشيء فكفانيه، وكافيته من المكافأة، ورجوت مكافأتك، أي: كفايتك … وكفيك بتسكين الفاء، أي: حسبك» (٣).

стр. 1153

قال ابن فارس ﵀: «الكاف والفاء والحرف المعتل أصل صحيح يدل على الحسب الذي لا مستزاد فيه، يقال: كفاك الشيء يكفيك، وقد كفى كفاية، إذا قام بالأمر، والكفية: القوت الكافي، والجمع: كفى، ويقال: حسبك زيد من رجل، وكافيك» (١). ورود أسماء الله (الوكيل، والكفيل، والكافي) في القرآن الكريم: أولًا: ورود اسم الله الوكيل: ورد اسم الله الوكيل معرفًا بالألف واللام مرة واحدة في كتاب الله، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. وورد بغير الألف واللام في ثلاثة عشر موضعًا، ومن وروده ما يلي: ١ - قول الله : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١]. ٢ - قوله : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢]. ٣ - قوله : ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]. ثانيًا: ورود اسم الله الكفيل: ورد اسم الله (الكفيل) في القرآن الكريم مرة واحدة، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩١].

стр. 1154

ثالثًا: ورود اسم الله الكافي: ورد اسم الله (الكافي) في القرآن الكريم مرة واحدة، في قوله ﵎: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٣٦]. ورود اسماء الله (الوكيل، والكفيل، والكافي) في السنة النبوية: أولًا: ورود اسم الله الوكيل: ورد اسم الله (الوكيل) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي: عن أبي سعيد ﵁، قال رسول الله ﷺ : «كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ القَرْنَ وَاسْتَمَعَ الإِذْنَ، مَتَى يُؤْمَرُ بالنَّفْخِ فَيَنْفُخُ، فَكَأَنَّ ذَلِكَ ثَقُلَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُمْ: قُولُوا: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا» (١). عن ابن عباس ﵄، قال: «أَقْبَلَتْ يَهُودُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّا نَسْأَلُكَ عَنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ، فَإِنْ أَنْبَأْتَنَا بِهِنَّ عَرَفْنَا أَنَّكَ نَبِيٌّ وَاتَّبَعْنَاكَ، فَأَخَذَ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ إِسْرَائِيلُ عَلَى بَنِيهِ إِذْ قَالُوا: اللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ، قَالَ: هَاتُوا، قَالُوا: أَخْبِرْنَا عَنْ عَلَامَةِ النَّبِيِّ؟ قَالَ: تَنَامُ عَيْنَاهُ، وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، قَالُوا: أَخْبِرْنَا كَيْفَ تُؤْنِثُ الْمَرْأَةُ، وَكَيْفَ تُذْكِرُ؟ قَالَ: يَلْتَقِي المَاءَانِ، فَإِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجِلِ مَاءَ المَرْأَةِ أَذْكَرَتْ، وَإِذَا عَلَا مَاءُ المَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ آنَثَتْ،

стр. 1155

قَالُوا: أَخْبِرْنَا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ؟ قَالَ: كَانَ يَشْتَكِي عِرْقَ النَّسَا، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يُلَائِمُهُ إِلَّا أَلْبَانَ كَذَا وَكَذَا- قَالَ أَبِي: قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي: الْإِبِلَ- فَحَرَّم لُحُومَهَا، قَالُوا: صَدَقْتَ، قَالُوا: أَخْبِرْنَا مَا هَذَا الرَّعْدُ؟ قَالَ: مَلَكٌ مِنْ مَلَائِكَةِ اللهِ مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ بِيَدِهِ- أو فِي يَدِهِ- مِخْرَاقٌ مِنْ نَارٍ، يَزْجُرُ بِهِ السَّحَابَ، يَسُوقُهُ حَيْثُ أَمَرَ اللهُ، قَالُوا: فَمَا هَذَا الصَّوْتُ الَّذِي نَسْمَعُ؟ قَالَ: صَوْتُهُ، قَالُوا: صَدَقْتَ، إِنَّمَا بَقِيَتْ وَاحِدَةٌ وَهِيَ الَّتِي نُبَايِعُكَ إِنْ أَخْبَرْتَنَا بِهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا لَهُ مَلَكٌ يَأْتِيهِ بِالْخَبَرِ، فَأَخْبِرْنَا مَنْ صَاحِبُكَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ ﵇، قَالُوا: جِبْرِيلُ ذَاكَ الَّذِي يَنْزِلُ بِالْحَرْبِ وَالْقِتَالِ وَالْعَذَابِ عَدُوُّنَا، لَوْ قُلْتَ: مِيكَائِيلُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالرَّحْمَةِ وَالنَّبَاتِ وَالْقَطْرِ لَكَانَ، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [البقرة: ٩٧]» (١). ثانيًا: ورود اسم الله الكفيل: ورد اسم الله (الكفيل) في السنة النبوية، ومن وروده ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَالَ: ائْتِنِي بالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى باللهِ شَهِيدًا، قَالَ: فَأْتِنِي بالكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللهِ كَفِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ … » (٢).

стр. 1156

ثالثًا: ورود اسم الله الكافي: لم يرد اسم الله (الكافي) في السنة النبوية. معنى أسماء الله (الوكيل، والكفيل، والكافي) في حقه سُبْحَانَهُ: أولًا: (الوكيل): يدور معنى «الوكيل» في حق الله تَعَالَى على معنيين: ١ - الكفيل الذي تكفل بالأرزاق، وتدبير الشؤون، وحفظ الخلائق. ٢ - الكافي خلقه ما يحتاجون إليه من أمر دينهم ودنياهم، فيتوكلون عليه ويفوضون حاجتهم إليه. - وحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء. من الأقوال في المعنى الأول: قال الطبري ﵀: «﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] والله على كل ما خلق من شيء رقيب وحفيظ، يقوم بأرزاق جميع خلقه وأقواتهم وسياستهم وتدبيرهم» (١)، وقال في تفسير قول الله تَعَالَى: «﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١]: وحسب ما في السموات وما في الأرض بالله قيمًا ومدبرًا ورازقًا، من الحاجة معه إلى غيره» (٢). قال الزجاجي ﵀: «والوكيل: الكفيل أيضًا، كذلك قالوا في قوله في سورة يوسف: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] أي:

стр. 1157

كفيل، ويقال: رجل وكلة تكلة، إذا كان يكل أمره إلى غيره» (١). قال الخطابي ﵀: «يقال معناه: أنه الكفيل بأرزاق العباد، والقائم عليهم بمصالحهم، وحقيقته أنه الذي يستقل بالأمر الموكول إليه، ومن هذا قول المسلمين: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] أي: نعم الكفيل بأمورنا والقائم بها» (٢). قال القرطبي ﵀: «المستقل بجميع ما يحتاج إليه جميع الخلق من الكفاية والوقاية، والغياث والنصرة، والرزق والإقامة، والحفظ والرعاية، إلى ذلك من معاني التدبير» (٣). من الأقوال في المعنى الثاني: قال الطبري ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]-: «يعني بقوله: حسبنا الله: كفانا الله، يعني: يكفينا الله، ونعم الوكيل يقول: ونعم المولى لمن وليه وكفله، وإنما وصف الله تَعَالَى نفسه بذلك؛ لأن (الوكيل) في كلام العرب هو: المسند إليه القيام بأمر من أسند إليه القيام بأمره، فلما كان القوم الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآيات قد كانوا فوضوا أمرهم إلى الله، ووثقوا به، وأسندوا ذلك إليه وصف نفسه بقيامه لهم بذلك، وتفويضهم أمرهم إليه بالوكالة، فقال: ونعم الوكيل الله تَعَالَى لهم» (٤).

стр. 1158

قال الزجاج ﵀: «الوكيل فعيل بمعنى مفعول، من قولك: وكلت أمري إلى فلان إذا سلمته إليه، والله تَعَالَى موكول إلى تطوله الأمور، كما قال الله تَعَالَى: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤]» (١). قال الحليمي ﵀: «الوكيل: وهو الموكل والمفوض إليه، علمًا بأن الخلق والأمر، لا يملك أحد من دونه شيئًا» (٢). قال السعدي ﵀: «الوكيل: المتولي لتدبير خلقه بعلمه وكمال قدرته وشمول حكمته، والذي تولى أولياءه فيسرهم لليسرى وجنبهم العسرى وكفاهم الأمور، فمن اتخذه وكيلًا كفاه، ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]» (٣). ثانيًا: (الكفيل): يدور اسم الله الكفيل على معنيين: ١ - الوكيل الذي ضمن للخلق رزقهم، وكفايتهم. ٢ - الشهيد. وحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء. من الأقوال في المعنى الأول: قال مجاهد ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]: «وكيلًا» (٤).

стр. 1159

قال الطبري ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]: «وقد جعلتم الله بالوفاء بما تعاقدتم عليه على أنفسكم راعيًا يرعى الموفى منكم، بعهد الله، الذي عاهد على الوفاء به والناقض» (١). قال الحليمي ﵀: «المتقبل للكفايات، وليس ذلك بعقد وكفالة ككفالة الواحد من الناس، وإنما هو على معنى أنه لما خلق المحتاج وألزمه الحاجة، وقدر له البقاء الذي لا يكون إلا مع إزالة العلة، وإقامة الكفاية، لم يخله من إيصال ما علق بقاؤه به إليه، وإدراره في الأوقات والأحوال عليه، وقد فعل ذلك ربنا- جل ثناؤه-؛ إذ ليس في وسع مرتزق أن يرزق نفسه، وإنما الله- جل ثناؤه- يرزق الجماعة من الناس والدواب، والأجنة في بطون أمهاتها، والطير التي تغدو خماصًا وتروح بطانًا، والهوام والحشرات، والسباع في الفلوات» (٢). قال القرطبي ﵀: «يقال منه: كفل يكفل وتكفل يتكفل: إذا ضمن والتزم» (٣). قال ابن القيم ﵀: وَهوَ الكَفِيلُ بِكُلِّ مَا يَدْعُونَهُ … لَا يَعْتَرِي جَدْوَاهُ مِنْ نُقْصَانِ (٤)

стр. 1160

من الأقوال في المعنى الثاني: قال الشعبي ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]: «شهيدًا بالوفاء» (١). قال القرطبي ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]: «يعني: شهيدًا» (٢). ثالثًا: (الكافي): قال الطبري ﵀: «اختلف القراء في قراءة: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] فقرأ ذلك بعض قراء المدينة وعامة قراء أهل الكوفة: (أليس الله بكاف عباده) على الجمع، بمعنى: أليس الله بكاف محمدًا وأنبياءه من قبله ما خوفتهم أممهم من أن تنالهم آلهتهم بسوء، وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة، وبعض قراء الكوفة: (بكاف عبده) على التوحيد، بمعنى: أليس الله بكاف عبده محمدًا» (٣). قال الزجاجي ﵀: «الكافي اسم الفاعل من كفى يكف فهو كاف، فالله كافي عباده؛ لأنه رازقهم وحافظهم ومصلح شؤونهم، فقد كفاهم كما قال الله : ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]» (٤).
следующие страницы →