← Акыда

Акыда · id 721

موسوعة شرح أسماء الله الحسنى

نوال العيد

Полный текст (1 826 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

ثالثًا: ورود اسم الله الكافي: لم يرد اسم الله (الكافي) في السنة النبوية. معنى أسماء الله (الوكيل، والكفيل، والكافي) في حقه سُبْحَانَهُ: أولًا: (الوكيل): يدور معنى «الوكيل» في حق الله تَعَالَى على معنيين: ١ - الكفيل الذي تكفل بالأرزاق، وتدبير الشؤون، وحفظ الخلائق. ٢ - الكافي خلقه ما يحتاجون إليه من أمر دينهم ودنياهم، فيتوكلون عليه ويفوضون حاجتهم إليه. - وحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء. من الأقوال في المعنى الأول: قال الطبري ﵀: «﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] والله على كل ما خلق من شيء رقيب وحفيظ، يقوم بأرزاق جميع خلقه وأقواتهم وسياستهم وتدبيرهم» (١)، وقال في تفسير قول الله تَعَالَى: «﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١]: وحسب ما في السموات وما في الأرض بالله قيمًا ومدبرًا ورازقًا، من الحاجة معه إلى غيره» (٢). قال الزجاجي ﵀: «والوكيل: الكفيل أيضًا، كذلك قالوا في قوله في سورة يوسف: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] أي:

стр. 1157

كفيل، ويقال: رجل وكلة تكلة، إذا كان يكل أمره إلى غيره» (١). قال الخطابي ﵀: «يقال معناه: أنه الكفيل بأرزاق العباد، والقائم عليهم بمصالحهم، وحقيقته أنه الذي يستقل بالأمر الموكول إليه، ومن هذا قول المسلمين: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] أي: نعم الكفيل بأمورنا والقائم بها» (٢). قال القرطبي ﵀: «المستقل بجميع ما يحتاج إليه جميع الخلق من الكفاية والوقاية، والغياث والنصرة، والرزق والإقامة، والحفظ والرعاية، إلى ذلك من معاني التدبير» (٣). من الأقوال في المعنى الثاني: قال الطبري ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]-: «يعني بقوله: حسبنا الله: كفانا الله، يعني: يكفينا الله، ونعم الوكيل يقول: ونعم المولى لمن وليه وكفله، وإنما وصف الله تَعَالَى نفسه بذلك؛ لأن (الوكيل) في كلام العرب هو: المسند إليه القيام بأمر من أسند إليه القيام بأمره، فلما كان القوم الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآيات قد كانوا فوضوا أمرهم إلى الله، ووثقوا به، وأسندوا ذلك إليه وصف نفسه بقيامه لهم بذلك، وتفويضهم أمرهم إليه بالوكالة، فقال: ونعم الوكيل الله تَعَالَى لهم» (٤).

стр. 1158

قال الزجاج ﵀: «الوكيل فعيل بمعنى مفعول، من قولك: وكلت أمري إلى فلان إذا سلمته إليه، والله تَعَالَى موكول إلى تطوله الأمور، كما قال الله تَعَالَى: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤]» (١). قال الحليمي ﵀: «الوكيل: وهو الموكل والمفوض إليه، علمًا بأن الخلق والأمر، لا يملك أحد من دونه شيئًا» (٢). قال السعدي ﵀: «الوكيل: المتولي لتدبير خلقه بعلمه وكمال قدرته وشمول حكمته، والذي تولى أولياءه فيسرهم لليسرى وجنبهم العسرى وكفاهم الأمور، فمن اتخذه وكيلًا كفاه، ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]» (٣). ثانيًا: (الكفيل): يدور اسم الله الكفيل على معنيين: ١ - الوكيل الذي ضمن للخلق رزقهم، وكفايتهم. ٢ - الشهيد. وحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء. من الأقوال في المعنى الأول: قال مجاهد ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]: «وكيلًا» (٤).

стр. 1159

قال الطبري ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]: «وقد جعلتم الله بالوفاء بما تعاقدتم عليه على أنفسكم راعيًا يرعى الموفى منكم، بعهد الله، الذي عاهد على الوفاء به والناقض» (١). قال الحليمي ﵀: «المتقبل للكفايات، وليس ذلك بعقد وكفالة ككفالة الواحد من الناس، وإنما هو على معنى أنه لما خلق المحتاج وألزمه الحاجة، وقدر له البقاء الذي لا يكون إلا مع إزالة العلة، وإقامة الكفاية، لم يخله من إيصال ما علق بقاؤه به إليه، وإدراره في الأوقات والأحوال عليه، وقد فعل ذلك ربنا- جل ثناؤه-؛ إذ ليس في وسع مرتزق أن يرزق نفسه، وإنما الله- جل ثناؤه- يرزق الجماعة من الناس والدواب، والأجنة في بطون أمهاتها، والطير التي تغدو خماصًا وتروح بطانًا، والهوام والحشرات، والسباع في الفلوات» (٢). قال القرطبي ﵀: «يقال منه: كفل يكفل وتكفل يتكفل: إذا ضمن والتزم» (٣). قال ابن القيم ﵀: وَهوَ الكَفِيلُ بِكُلِّ مَا يَدْعُونَهُ … لَا يَعْتَرِي جَدْوَاهُ مِنْ نُقْصَانِ (٤)

стр. 1160

من الأقوال في المعنى الثاني: قال الشعبي ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]: «شهيدًا بالوفاء» (١). قال القرطبي ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]: «يعني: شهيدًا» (٢). ثالثًا: (الكافي): قال الطبري ﵀: «اختلف القراء في قراءة: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] فقرأ ذلك بعض قراء المدينة وعامة قراء أهل الكوفة: (أليس الله بكاف عباده) على الجمع، بمعنى: أليس الله بكاف محمدًا وأنبياءه من قبله ما خوفتهم أممهم من أن تنالهم آلهتهم بسوء، وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة، وبعض قراء الكوفة: (بكاف عبده) على التوحيد، بمعنى: أليس الله بكاف عبده محمدًا» (٣). قال الزجاجي ﵀: «الكافي اسم الفاعل من كفى يكف فهو كاف، فالله كافي عباده؛ لأنه رازقهم وحافظهم ومصلح شؤونهم، فقد كفاهم كما قال الله : ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]» (٤).

стр. 1161

قال الخطابي ﵀: «الذي يكفي عباده المهم، ويدفع عنهم الملم؛ وهو الذي يكتفي بمعونته عن غيره، ويستغنى به عمن سواه» (١). قال ابن كثير ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]: «يعني أنهتَعَالَى يكفي مَن عَبَدَهُ وتوكَّل عليه» (٢). قال السعدي ﵀: «الكافي عباده جميع ما يحتاجون ويضطرون إليه، الكافي كفاية خاصة من آمن به، وتوكل عليه، واستمد منه حوائج دينه ودنياه» (٣)، وقال ﵀: «الكافي عباده كلما إليه يحتاجون، الدافع عنهم كلما يكرهون» (٤). اقتران اسماء الله (الوكيل، والكفيل، والكافي) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: لم يقترن اسم الله (الوكيل، والكفيل، والكافي) بأي اسم من أسماء الله تَعَالَى.

стр. 1162

الآثار المسلكية للإيمان باسماء الله (الوكيل، والكفيل، والكافي): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الوكيل، والكفيل، والكافي) من صفاته سُبْحَانَهُ: الله الوكيل الكفيل الكافي الذي تولى أمر خلقه بالكفالة والكفاية، فجاءت وكالته وكفالته وكفايته على نوعين: ١ - الوكالة والكفالة والكفاية العامة. ٢ - الوكالة والكفالة والكفاية الخاصة. أولًا: الوكالة والكفالة والكفاية العامة: فوكالته وكفالته وكفايته ﵎ عامة شاملة لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، إنسهم وجنهم وبهائمهم بل حتى جامدهم، الصغير منهم والكبير، والحقير والجليل، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، وقال ﵎: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢]، فالوكيل تَعَالَى خلق الخلائق ولم يتركهم هملًا، بل تكفل بأمرهم، وكفاهم إياه من جميع الوجوه خلقًا، وإعدادًا، وتدبيرًا، وحفظًا، ورزقًا، وقوتًا ووقاية، وتعليمًا، وهداية، إلى غير ذلك من ألطافه وإحسانه، قال تَعَالَى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢] (١)، يقول الطبري

стр. 1163

﵀ في ذلك: «والله على كل ما خلق من شيء رقيب وحفيظ، يقوم بأرزاق جميعه وأقواته وسياسته وتدبيره وتصريفه بقدرته» (١). ومن صور الوكالة والكفالة والكفاية العامة: - الرزق: فتكفل الوكيل الكفيل برزق الخلائق، وكفاهم الكافي مؤونته؛ فهيء لهم من جميع الأسباب ما يغنيهم، ويقنيهم، ويطعمهم، ويسقيهم حتى أنه يسوق الرزق لضعيفهم الذي لا يقوى على جمعه وتحصيله، وييسر عليه تحصيله، فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يصلحه حتى الذر في قرار الأرض، والطير في الهواء، والحيتان في الماء، والأجنة في بطون الأمهات (٢)، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، وكان ﷺ إذا أوى إلى فراشه، يقول: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكَفَانَا وَآوانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِي» (٣). - الحفظ: فتكفل الوكيل الكفيل بحفظ الخلائق عما يضرهم، وحفظ عليهم أقوالهم وأفعالهم ومعاملتهم فيما بينهم، وكفاهم الكافي بشهادته عليهم، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف: ٦٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨]، وجاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁

стр. 1164

عن رسول الله ﷺ : «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَالَ: ائْتِنِي بالشُّهَدَاءِ أُشْهِدهُمْ، فَقَالَ: كَفَى باللهِ شَهِيدًا، قَالَ: فَأْتِنِي بالكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى باللهِ كَفِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ … » (١). وأما الوكالة والكفالة والكفاية الخاصة: فوكالته وكفالته وكفايته ﵎ لعباده المتقين المتوكلين عليه، قال تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣]، فتولى الوكيل أمرهم وكفاهم كفاية لا تقييد ولا تخصيص معها، بل تعم أمر دينهم، ودنياهم، وأخراهم، قال تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]. ومن صور الوكالة والكفالة والكفاية الخاصة: رد السوء والأذى عنهم في الدنيا والآخرة، فأما في الدنيا: فتكفل الوكيل بكفاية رسله وأوليائه من كل من أرادهم بسوء وأذى، قال تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]، وقرأ حمزة والكسائي «عباده» أي: يكفي من عبده وتو كل عليه من الأنبياء والمؤمنين (٢)، ومن شواهد ذلك: كفى الوكيل الكافي سُبْحَانَهُ نوحًا ﵇ مما توعده قومه من الرجم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦ - ١٢١]. وكفى الوكيل الكافيسُبْحَانَهُ إبراهيم الخليل شر النار مع عظمها،

стр. 1165

فأتت كفايته ﵎ بما يخالف السنن الكونية لتتعطل النار عن الإحراق، قال تَعَالَى: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] فكانت عليه بردًا وسلامًا، لم ينله فيها أذى، ولا أحس بمكروه ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٠] (١). وكفى الوكيل الكافي سُبْحَانَهُ يوسف ﵇ كيد النسوة، فصرف عنه كيدهن، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٢ - ٣٤]. وكفى الوكيل الكافيسُبْحَانَهُ موسى ﵇ بطش فرعون وجنده، قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ٢٦ - ٢٨]، «فمنعه الله تَعَالَى بلطفه من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، وقيض له من الأسباب ما اندفع به عنه شر فرعون وملئه» (٢). وكفى الوكيل الكافيسُبْحَانَهُ الرجل المؤمن الناصح عقوبات ما مكر فرعون وآله من إرادة إهلاكه وإتلافه، بل قلب كيدهم ومكرهم على أنفسهم، قال تَعَالَى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥]، فأغرقهم الله تَعَالَى في صبيحة واحدة عن آخرهم (٣).

стр. 1166

وكفى الوكيل الكافي سُبْحَانَهُ عيسى ﵇ مكر الكفار من إرادة قتله وإطفاء نوره، بل جازاهم على مكرهم مكرًا خيرًا منه، قال تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٤ - ٥٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٩] (١). وكفى الوكيل الكافي سُبْحَانَهُ أصحاب الكهف فتنة قومهم لهم عن دينهم، كما كفاهم قتلهم، قال سُبْحَانَهُ حكاية عن قولهم: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ١٩ - ٢٠]، فكفاهم ذلك كله، وجعلهم آية وعبرة لقومهم ومن جاء بعدهم، فأظهر أمرهم، ورفع قدرهم (٢). وكفى الوكيل الكافي سُبْحَانَهُ نبيه محمدًا ﷺ وأصحابه شر الكفار والمنافقين، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٨]

стр. 1167

- فكفاهم شر قريش في بدر مع كثرة محاربيهم، وما معهم من العدة الكاملة، والسلاح العام، والخيل الكثيرة، فكفاهم بما أمدهم به من الملائكة، فانقلبوا منتصرين، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٥]، وقال رسول الله ﷺ : «أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَتَاكَ نَصْرُ اللهِ، هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ يَقُودُهُ، عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ» (١) (٢). - وكفاهم شر أبي سفيان ومن معه من المشركين في أحد، إذ هموا بالرجوع إلى المدينة، واستئصال من بقي من المسلمين، فألقى الكافي سُبْحَانَهُ في قلوبهم الرعب، فاستمروا راجعين إلى مكة، ورجع المؤمنون بنعمة من الله وفضل، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤] (٣). - وكفاهم شر الأحزاب وعددهم وعدّتهم، فلم يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم، بل كفاهم بما أرسل على عدوهم من ريح الصبا التي زعزعت مراكزهم، وقوضت خيامهم، وكفأت قدورهم وأزعجتهم، وبما قذف في

стр. 1168

قلوبهم من الرعب، فانصرفوا خائبين، لم يصيبوا خيرًا في الدنيا من الظفر والمغنم، ولا في الآخرة بما تحملوه من الآثام في مبارزة رسول الله ﷺ ومعادة دينه، فكفى الله وحده المؤمنين، ونصرهم، قال تَعَالَى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]، وقال رسول الله ﷺ : «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَعَزَّ جُنْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَغَلَبَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ» (١)، (٢). - وكفاهم بعد الأحزاب قتال قريش وغزوهم، فوُضعت الحرب بينهم وبين قريش، فلم تغز قريش بعد ذلك، بل كان المسلمون هم من يغزونهم حتى فتحوا مكة، قال تَعَالَى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾، وقال رسول الله ﷺ بعد الأحزاب: «لَنْ تَغْزُوَكُمْ قُرَيْشٌ بَعْدَ عَامِكُمْ هَذَا، وَلَكِنَّكُمْ تَغْزُونَهُمْ» (٣)، وقال أيضًا: «الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُوننَا» (٤) (٥). - وكفاه شر اليهود والنصارى الذين قالوا: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]، فقتل منهم بني قريظة وسبى ذراريهم وقسم أموالهم، وأجلى منهم بني قينقاع، وبني النضير وأخرجهم من حصونهم الحصينة التي ما طمع فيها المسلمون، وظنوا- بنو النضير- أنها مانعتهم من بأس الله، فلم تغن عنهم من الله شيئًا (٦)، وأذل بعضهم وأخزاهم بالجزية والصغار، فتبارك

стр. 1169

القائل: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] (١). - وكفاه شر المستهزئين به والساخرين في قديم الزمان وحديثه؛ «فإنه ما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله ﷺ وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتله شر قِتْلَة» (٢)، قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٥] (٣). - وكفاه من دبر وبيت معصيته، ومن أراد خداعه والمكر به، قال تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١] (٤)، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]، قال ابن كثير ﵀: «صَالِحْهُمْ وتوكل على الله، فإن الله كافيك وناصرك، ولو كانوا يريدون بالصلح خديعة ليتقووا ويستعدوا، ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أي: كافيك وحده» (٥)، (٦). - وكفاهم الشياطين وشرهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥]، وعن أنس ﵁: أن النبي ﷺ ، قال: «إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ، فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلى اللهِ،

стр. 1170

لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ، قال: يُقَالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ، وَكُفِيتَ، وَوُقِيتَ، فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ، فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟» (١). - وأما في الآخرة: فتكفل الوكيل بكفاية رسله وأوليائه في الآخرة من كل ما يؤذيهم، ومن ذلك: كفايته لهم إذا حضرهم الموت الحزن على ما مضى، والخوف على ما يستقبلهم بما ينزل عليهم من الملائكة المبشرين، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢] (٢). كفايته لهم شر فتنة القبر بالتثبيت عند السؤال، والتوفيق لحسن الجواب، قال تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وقال رسول الله ﷺ في حديث البراء بن عازب ﵁: «وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِه، فَيَقُولانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ الله، فَيَقُولانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الإِسْلامُ، فَيَقُولانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ

стр. 1171

رَسُولُ الله ﷺ ، فَيَقُولانِ لَهُ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ الله، فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ» (١). كفايته لهم ضيق القبر بما يوسع لهم فيه، وظلمته بما يجعل لهم من النور، وعذابه بما يفتح لهم من أبواب الجنة، ووحشته بما يجعل لهم من الأنيس، قال ﷺ في حديث البراء: «فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي؛ فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ»، قال: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، قال: وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ! فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ؛ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي» (٢). كفايته لهم شدة القيامة وهوله بورود الحوض، وبما يمن على من شاء منهم بالظل، وبالنور على الصراط، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد: ١٢]، وقال جل في علاه: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨]، قال ابن مسعود ﵁: «على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل،

стр. 1172

ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورًا: مَن نوره في إبهامه، يتقد مرة ويطفأ مرة» (١). كفايته لهم عذاب النار «فلا يدخلونها، ولا يكونون قريبًا منها، بل يبعدون عنها، غاية البعد، حتى لا يسمعوا حسيسها، ولا يروا شخصها، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢]» (٢). - ثم إن هذه الوكالة والكفالة والكفاية العامة والخاصة في منتهى الكمال والتمام ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣]، وكيف لا تكون كذلك، وهو الوكيل الحي الذي لا يموت، قال تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨]. وهو الوكيل الملك الذي ملك المشرق والمغرب وما بينهما، قال تَعَالَى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]. وهو الوكيل الغني، الذي مهما كفل وأعطى خلقه ما سألوه واحتاجوه لم ينقص ما عنده، بل يمينه سُبْحَانَهُ ملأى لا تغيضها نفقة، ولو أن عباده كلهم قاموا في صعيد واحد، فسألوه فأعطى كل واحد مسألته ما نقص ذلك مِن ملكه إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخِلَ البحر.

стр. 1173

وهو الوكيل العليم الذي أحاط علمه بما وكل إليه، قال تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١]. وهو الوكيل العزيز الرحيم، قال تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] «بعزته يقدر على إيصال الخير ودفع الشر عن عبده، وبرحمته به، يفعل ذلك» (١). وهو الوكيل الحكيم الذي يحكم بحكمه، ولا يضيع من وثق بحسن تدبيره، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٩]. وهو الوكيل الهادي الذي يهدي العبد إلى سواء السبيل، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢]. وهو الوكيل الحسيب الكافي الذي يكفي عبده كل ما أهمه، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨]. وهو الوكيل الذي يرجع الأمر كله إليه، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣]، فَسُبْحَانَهُ ما أعظمه وأجله، يقول تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١].

стр. 1174

الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الوكيل، الكفيل، الكافي) على التوحيد: إذا تأمل العبد في اسم الله ﷻ (الوكيل، والكفيل، والكافي) قاده ذلك لتوحيد ربه في الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات. فأما الربوبية: فلما تدل عليه هذه الأسماء من قيام بشؤون الخلق كلهم على وجه التفرد تدبيرًا، وتصريفًا، ورزقًا، وهداية، وحفظًا، ونفعًا وضرًّا إلى غير ذلك من أفراد الربوبية، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٣٢] فـ «لله ملك جميع ما حوته السموات والأرض، وهو القيم بجميعه، والحافظ لذلك كله، لا يعزب عنه علم شيء منه، ولا يؤوده حفظه وتدبيره» (١)، وبهذا علم أنه الرب الحق ﵎. وأما الألوهية: فلما تدل عليه هذه الأسماء من استحقاق الله للعبودية وحده لا شريك له؛ فإن الوكيل الذي تولى أمر العباد فتكفل بما يحتاجون إليه من الرزق، والتدبير، والرعاية، والحفظ، والوكيل الذي كفاهم همهم وغمهم وكل ما يضرهم هو المستحق للعبادة وحده دون ما سواه، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١]. واستحقاقه على وجه الخصوص الإفراد بالتوكل وتفويض الأمور إليه، قال تَعَالَى آمرًا عباده بذلك: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣]،

стр. 1175

وقال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال سُبْحَانَهُ ناهيًا عباده عن اتخاذ وكيل غيره: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢]. ويعلم من هذا أن صرف التوكل لغير الله شرك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وما رجا أحد مخلوقًا أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه، فإنه مشرك: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]» (١). «لكن التوكل على غير الله قسمان: أحدهما: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، كالذين يتوكلون على الأموات والطواغيت في رجاء مطالبهم من النصر والحفظ والرزق والشفاعة، فهذا شرك أكبر فإن هذه الأمور ونحوها لا يقدر عليها إلا الله ﵎. الثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة العادية، كمن يتوكل على أمير أو سلطان، فيما جعله الله بيده من الرزق أو دفع الأذى ونحو ذلك، فهذا نوع شرك خفي. والوكالة الجائزة هي توكل الإنسان في فعل مقدور عليه، ولكن ليس له أن يتوكل عليه وإن وكله، بل يتوكل على الله ويعتمد عليه في تيسير ما وكله فيه» (٢).

стр. 1176

وأما في الأسماء والصفات: فلما تدل عليه هذه الأسماء من أسماء أخرى له ﵎ كالحي، والقيوم، والعليم، والحكيم، والقدير، والقوي، ونحو ذلك؛ وذلك لأنه ﵎ له من الصفات أكملها وأرفعها، فلما كان وكيلًا، كفيلًا، كافيًا فإن تمام ذلك كله وكماله إنما يكون بعلم تام بما تولاه، وقوة وقدرة على التنفيذ، وحكمة في التدبير والتصريف، ولا يكون ذلك إلا من الحي القيوم» (١). الأثر الثالث: الثقة في الوكيل الكفيل الكافي: إذا تأمل العبد اسم الله (الوكيل، والكفيل، والكافي)، واستشعر ما فيه من عموم الوكالة التي وسعت جميع الخلائق مع اختلافهم وتعدد حاجتهم، فلم تضق عن أحد منهم دون أحد، ولا عن حاجة دون حاجة بل شملت الجميع؛ أورثه ذلك اليقين بأن وكالته ﵎ لا تضيق عن حاجته التي أهمته، ولا عن حزنه الذي أحاط به، ولا عن مصابه الذي ألم به و لا عن رزقه الذي أشغله، ولا عن عدوه الذي نزل به ولو كان في غاية القوة، قال تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]. ثم إذا تيقن العبد هذا أورثه ذلك الثقة بالله والتعلق به وإنزال حاجته وفاقته به وعدم استكثارها، قال رسول الله ﷺ في حديث ابن مسعود ﵁: «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللهِ أَوْشَكَ اللهُ لَهُ بِالْغِنَى، إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ أَوْ غِنًى عَاجِلٍ» (٢).

стр. 1177

ثم هذا يعود على قلبه بالطمأنينة والسكون أمام ما يوجهه من المصائب والأهوال، ويعود عليه بالرجاء بنصر الله على أعدائه، وحسن الظن بكفايته لهم ويذهب عنه اليأس والخوف من المخلوق والإحباط والتشاؤم، ويعود عليه- أيضًا- بعدم الشعور بالقلق والهلع على الرزق والمطالب، بل يتوكل على الوكيل الكفيل الكافي فيها، ويأخذ بالأسباب المشروعة، ثم يرضى بما قسم له منها، ويعلم أن ما فاته ليس له نصيب فيه، ولو أن له مثقال ذرة فيه لما فات الكفيل إيصاله إليه، فلا تذهب نفسه عليه حسرات. الأثر الرابع: محبة الله (الوكيل، الكفيل، والكافي) وشكره: إن العبد حين يعرف ربه بأسمائه (الوكيل، الكفيل، والكافي) ويوقن أنه ﵎ تولاه بالكفالة إيجادًا، وإعدادًا، وتدبيرًا، وحفظًا، ورزقًا، فحصل بها وجوده ودوامه وكماله، وتولاه بكفايته عما يحتاجه ويضره في أمر دينه ودنياه، ولم يكله إلى أحد من خلقه، حتمًا سيثمر ذلك في قلبه محبة وتعلقًا، وإقبالًا، وودًّا للوكيل جل في علاه. الأثر الخامس: الدعاء باسم الله (الوكيل، الكفيل، الكافي): فالعبد لا غنى له عن ربه طرفة عين، فيحتاج إلى كفالة وكفاية وركن يأوي إليه، ويفوض أمره إليه، ويطلب منه عونه، ويعلق عليه رجاءه محسنًا ظنه به، ولذا فإن من أثر يقين القلب باسم الله الوكيل الكفيل الكافي دعاؤه سُبْحَانَهُ بها وما فيها من صفات، والتوسل إليه بالتعبد بها.

стр. 1178

ومما جاء عن رسول الله ﷺ في ذلك، ما يلي: ١ - دعاء الخروج من المنزل، كما في حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ : «إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ … قال: فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ» (١). ٢ - دعاء الاستفتاح، كما جاء عن ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يتهجد، قال: اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (٢). ٣ - دعاء قضاء الدين في حديث علي ﵁ وتقدم قريبًا-، وفيه قول رسول الله ﷺ : «قُل: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّن سِوَاكَ» (٣). ٤ - دعاء الاستخارة؛ فعن عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللهمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ

стр. 1179

فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللهمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ هَذَا الأَمْرَ- ثُمَّ تُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ- خَيْرًا لِي فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - قَالَ: أَوْ فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي- فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، اللهمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي- أو قال: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ» (١). قال ابن القيم ﵀: «والمقصود: أن الاستخارة توكل على الله وتفويض إليه واستقسام بقدرته وعلمه وحسن اختياره لعبده، وهي من لوازم الرضى به ربًّا، الذي لا يذوق طعم الإيمان من لم يكن كذلك، وإن رضي بالمقدور بعدها فذلك علامة السعادة» (٢).

стр. 1180

الوكيل الكفيل الكافي يحب المتوكلين أولًا: تعريف التوكل: - المقصود بالتوكل: قال الجرجاني ﵀: «التوكل هو الثقة بما عند الله، واليأس عما في أيدي الناس» (١). قال ابن عثيمين ﵀: «صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار، مع الثقة بالله، وفعل الأسباب التي جعلها الله تَعَالَى أسبابًا» (٢). فتبين مما سبق أن التوكل يقوم على أمرين: ١ - علم القلب وعمله: قال ابن القيم ﵀: «التوكل يجمع أصلين: علم القلب وعمله، أما علمه: فيقينه بكفاية وكيله، وكمال قيامه بما وكله إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك. وأما عمله: فسكونه إلى وكيله، وطمأنينته إليه، وتفويضه وتسليمه أمره إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك، ورضاه بتصرفه له فوق رضاه بتصرفه هو لنفسه» (٣).

стр. 1181

٢ - عمل الجوارح، بالأخذ بالأسباب المشروعة: فمن كان أكثرُ اعتماده على الأسباب؛ نقص توكله على الله، وقدح في كفايته، وكأنه جعل السبب وحده هو العمدة فيما يصبو إليه من حصول المطلوب وزوال المكروه. وبالمقابل: من جعل اعتماده على الله ملغيًا للأسباب، لم يحقق التوكل بل وطعن في حكمة الله؛ لأن الله جعل لكل شيء سببًا، وربط الأسباب بمسبباتها (١). قال ابن القيم ﵀: «وسر التوكل وحقيقته: هو اعتماد القلب على الله وحده، فلا يضره مباشرة الأسباب مع خلو القلب من الاعتماد عليها والركون إليها، كما لا ينفعه قوله: توكلت على الله، مع اعتماده على غيره وركونه إليه وثقته به» (٢). ومما يدل على أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، ما يلي: ١ - أن الله أمر بالأخذ بالأسباب كما أمر بالتوكل، فقال سُبْحَانَهُ لأيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤] مع أن ضرب الرجل في الأرض لا ينبع ماء، ولكن لنعلم أنه لا بد من اتخاذ الأسباب ولو كانت ضعيفة، فالأمر أمره والكون كونه، وقال لمريم مع ضعفها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥]، ومع قدرته ﵎ على أن ينزل لها الرطب جنيًّا، بل مائدة عليها أشهى

стр. 1182

المأكولات من غير هز ولا غيره، إلا أنه سُبْحَانَهُ علمنا بهذا أن نأخذ بالأسباب مع الأمل و الثقة به. ٢ - أن رسول الله ﷺ وصحابته من أكمل الناس توكلًا، ومع ذلك أخذوا بالأسباب، فأخذوا الزاد في الأسفار، وتاجروا في الأسواق، واتقو البرد والحر، ولبسوا الدروع والمغافر في الحروب، وأخذ رسول الله ﷺ وصاحبه أبو بكر في طريق الهجرة دليلًا يدلهم على الطريق، وخرجا في وقت يغفل الناس فيه، ومن طريق غير متوقع، كل هذا أخذًا بالأسباب، مع أن الله تَعَالَى قال لنبيه ﷺ : ﴿حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٢]، وقال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. ٣ - أن رسول الله ﷺ حكى لنا كمال توكل الطيور مع أخذها بالأسباب، قال رسول الله ﷺ : «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُم تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا (١)» (٢)، قال المناوي ﵀: «أشار بذلك إلى أن التوكل ليس التبطل والتعطل، بل لا بد فيه من التوصل بنوع من السبب؛ لأن الطير ترزق بالسعي والطلب، ولهذا قال أحمد: ليس في الحديث ما يدل على ترك الكسب، بل فيه ما يدل على طلب الرزق، وإنما أراد لو توكلوا على الله في ذهابهم ومجيئهم وتصرفهم وعلموا أن الخير

стр. 1183

بيده، لم ينصرفوا إلا غانمين سالمين كالطير لكن اعتمدوا على قوتهم وكسبهم، وذلك ينافي التوكل» (١). ومن هنا يعلم الفرق بين التوكل والتواكل، فالتوكل فيه أخذ للأسباب المشروعة، أما التواكل فهو ترك الأسباب، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: «يرفع أحدكم يديه إلى السماء يقول: يارب … يارب … وهو يعلم أن السماء لاتمطر ذهبًا ولا فضة» (٢). ثانيًا: منزلة التوكل وفضله: التوكل على الله مقام جليل عظيم، بل ومن أعظم مقامات الدين، وأفضل الأعمال والعبادات المقربة إلى الله ، ومما يدل على عظيم منزلته في الدين: أمور عدة، منها: ١ - أن التوكل نصف الدين؛ فالدين توكل وعبادة، قال تَعَالَى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، والتوكل شامل للاستعانة؛ إذ الاستعانة تكون على الأعمال خاصة، والتوكل أعم من ذلك، فيكون التوكل لذلك ولجلب منفعة، ودفع مضرة (٣). ٢ - أن التوكل مطلوب في كل أحوال العبد، سواء كانت دينية أو دنيوية مباحة، ويدل على ذلك: عموم الأدلة الآمرة بالتوكل، قال تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣].

стр. 1184

٣ - أن التوكل من لوازم الإيمان ومقتضياته، بل جعله الله شرطًا في الإيمان، قال تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]. ٤ - أن الله أمر بالتوكل في مواضع عديدة من كتابه، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقد أمر الله بالتوكل في غير آية، أعظم مما أمر بالوضوء والغسل من الجنابة» (١)، فأمر الله بالتوكل جاء مطلقًا عامًّا في جميع شؤون الحياة، كما في قوله تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣]، وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣]، وجاء مقرونًا بمقامات معينة، تحتاج إلى مزيد توكل، منها: أ- مقام العبادة، قال تَعَالَى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣]. ب- مقام الدعوة، قال تَعَالَى عن نبيه نوح الذي مكث في الدعوة والإنذار زمنًا طويلًا: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يونس: ٧١]، وقال سُبْحَانَهُ لنبيه محمد ﷺ والأمة من بعده: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٨ - ١٢٩].

стр. 1185

ج- مقام الحكم والقضاء، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠]. د- مقام الجهاد والقتال وطلب النصر، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، وقال تَعَالَى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]، وقال تَعَالَى في مقام السلم وانتهاء الحرب: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١] دال على بقاء التوكل والارتباط حتى بعد المعركة. ر- مقام الشورى، قال تَعَالَى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ش- مقام طلب الرزق، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، ص- مقام العهود والمواثيق وإبرام العقود، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف: ٦٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٧ - ٢٨]. ن- مقام الهجرة في سبيل الله، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ

стр. 1186

مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٤١ - ٤٢]. و- مقام المصائب والابتلاء، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١]. ي- الاستعاذة من الشيطان، قال تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٨ - ٩٩]. ثالثًا: ثمرات التوكل: ثمرات التوكل ونتائجه على أهله كثيرة، ومنها: تحقيق الإيمان؛ فإن الله جعل التوكل من شرط الإيمان، قال تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]، وجعله من صفات المؤمنين، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٨ - ٥٩]. تحصيل محبة الله ، قال تَعَالَى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وكفى بهذا فضلًا وشرفًا. التوفيق والهداية والوقاية من كل شر، قال رسول ﷺ :

стр. 1187

«مَنْ قَالَ- يعني: إذا خرج من بيته-: بِسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ، يُقَالُ لَهُ: هُدِيتَ وَوُقِيتَ وَكُفِيتَ» (١). ومن ذلك: الوقاية من تسلط الشياطين وشرهم؛ قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠]. جلب الرزق من حيث لا يحتسب المرء؛ فعن عمر بن الخطاب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» (٢). حصول النصر والتمكين، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤]. الشعور براحة القلب وطمأنينته؛ لثقته بالله وحسن ظنه به، كما يؤدي للثبات أمام الشدائد وزوال الخوف من الخلق، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ

стр. 1188

قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]. الأجر العظيم والثواب الجزيل الذي وعدهم الله به، قال تَعَالَى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى: ٣٦] (١). دخول الجنة بغير حساب ولا عقاب؛ فعن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ أُمَّتِي، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ، فَتَذَاكَرَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: أَمَّا نَحْنُ فَوُلِدْنَا فِي الشِّرْكِ، وَلَكِنَّا آمَنَّا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ هُمْ أَبْنَاؤُنَا، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ، فقال: هُمُ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» (٢). قال ابن قاسم ﵀: «فتركوا الشرك رأسًا، ولم ينزلوا حوائجهم بأحد فيسألونه الرقية فما فوقها، وتركوا الكي وإن كان يراد للشفاء، والحامل لهم على ذلك: قوة توكلهم على الله، وتفويض أمورهم إليه، وثقتهم به، ورضاهم عنه، وصدق الالتجاء إليه، وإنزال حوائجهم به ﵎، والاعتماد بالقلب

стр. 1189

الذي هو نهاية تحقيق التوحيد، وهو الأصل الجامع الذي تفرعت عنه تلك الأفعال والخصال» (١). تحصيل كفايته للأمر الذي توكل فيه العبد عليه؛ فإن العبد إذا توكل على ربه حق التوكل، بأن اعتمد بقلبه على ربه اعتمادًا قويًّا كاملًا في تحصيل مصالحه ودفع مضاره، وقويت ثقته وحسن ظنه بربه حصلت له الكفاية التامة، وأتم الله له أحواله وسدده في أقواله وأفعاله، وكفاه همه، وجلا عنه غمه، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، أي: كافيه كل أموره الدنيوية والدينية. قال ابن القيم ﵀ في توضيح العلاقة بين التوكل والكفاية: «والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، وهو من أقوى الأسباب في ذلك؛ فإن الله حسبه: أي: كافيه، ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه، ولا يضره إلا أذًى لا بد منه؛ كالحر والبرد، والجوع والعطش، وأما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبدًا، وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء له- وهو في الحقيقة إحسان إليه وإضرار بنفسه- وبين الضرر الذي يتشفى به منه. قال بعض السلف: جعل الله تَعَالَى لكل عمل جزاءً من جنسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده، فقال: «ومن يتوكل على الله فهو حسبه»، ولم يقل: نؤته كذا وكذا من الأجر، كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سُبْحَانَهُ كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه، فلو توكل العبد على الله تَعَالَى حق

стр. 1190

توكله وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجًا من ذلك، وكفاه ونصره» (١). وقال أيضًا: «ولو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبل عن مكانه- وكان مأمورًا بإزالته- لأزاله» (٢). رابعًا: الأسباب المعينة على تحقيق عبادة التوكل: من رحمة الله بعباده وحكمته أن جعل لكل عمل من أعمال القلوب والجوارح بواعث تدفع النفوس إليه، وتحض عليه، ومما يبعث النفوس على التوكل ويعين عليه جملة من الأمور، منها: معرفة الله بأسمائه الحسنى؛ فمن عرف ربه الوكيل وضم إلى ذلك الحي، القيوم، العليم، الحكيم، الرحيم، اللطيف، العزيز، القادر القدير، الفعال لما يريد، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن؛ وجد نفسه مدفوعًا إلى الاستناد إليه، والتوكل عليه. ومن عرف ربه الوكيل وضم إلى ذلك أنه الكفيل الرزاق ذو القوة المتين، الذي تكفل بالأرزاق لخلقه وضمن لهم وصولها إليهم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقال تَعَالَى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢ - ٢٣] فلا يفوت أحد رزقه، ولا يستطيع أحد أن يأخذه دونه- مُلئ قلبه بالتوكل عليه، ومن عرف ربه الوكيل وضم إلى ذلك أنه الناصر القهار الذي ينصر

стр. 1191

أوليائه الذين آمنوا على عدوهم، ويؤيدهم بمعونته، ويملي للظالمين، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ويمهل، ولا يهمل- توكل عليه وأحسن الظن به. ومن هنا نجد أن الله في عدد من الآيات يربط بين التوكل وبين أسمائه الحسنى، ومن ذلك: - قوله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٩]. - وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٧ - ٢٢٠]. - وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩]. تأمُّل الإنسان في ضعفه؛ فإن العبد إذا تأمل في نفسه وكيف أنه لم يكن شيئًا مذكورًا، ثم خُلِقَ من ماء مهين، ثم خرج من بطن أمه لا يعلم شيئًا، ثم علَّمه الله بما أعطاه من أدوات السمع والبصر والفؤاد؛ ليتعلم ما لم يكن يعلم، ومنحه من الإرادة والقدرة ما يمكنه من أداء رسالته في الأرض، إلا أن ذلك كله محدود بما يناسب ضعف البشر وعجزهم، ثم بعدُ يموت ويفنى. ثم إذا تأمل أن وجوده، وحياته، وبقاءه، وعلمه، وإرادته، كلها ليست بذاته ولا من ذاته، بل بالله ؛ علم حقَّ العلم وتيقَّن أنه لا حول له ولا قوة إلا بالله، الذي خلقه فسواه، وعلَّمه ما لم يكن يعلم، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فقاده ذلك العلم واليقين إلى التوكل عليه والتعلق به تعلق العاجز بالقدير، والضعيف بالقوي، والفقير بالغني، والجهول بالعليم، والمحدَث بالأول، والذليل بالعزيز، والفاني بالباقي.

стр. 1192

تحقيق التوحيد؛ فإن العبد إذا حقق التوحيد كان نصيبه من التوكل أعظم، قال تَعَالَى: ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [التوبة: ١٢٩]. الاشتغال بالآخرة ورضا الله ؛ فعن عبد الله ﵁، قال: سمعت نبيكم ﷺ يقول: «مَنْ جَعَلَ الهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا- هَمَّ المَعَادِ- كَفَاهُ اللهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهِ هَلَكَ» (١)، وعن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» (٢). وقال عون بن عبد الله بن عتبة ﵀: «كان أهل الخير إذا التقوا يوصي بعضهم بعضًا بثلاث، وإذا غابوا كتب بعضهم إلى بعض: من عمل لآخرته كفاه الله دنياه، ومن أصلح فيما بينه وبين الله كفاه الله الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته» (٣). الصلاة على النبي ﷺ ؛ فعن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا

стр. 1193

النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ، اذْكُرُوا اللَّهَ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيه. قَالَ أُبَيٌّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي (١)؟ فقال: مَا شِئْتَ، قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ، قال: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: النِّصْفَ، قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قَالَ: قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ، قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا، قَالَ: إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ» (٢). قال المباركفوري ﵀: «وفي هاتين الخصلتين- أي: كفاية الهم، ومغفرة الذنب- جماع خير الدنيا والآخرة، فإن من كفاه الله همه سلم من محن الدنيا وعوارضها؛ لأن كل محنة لا بد لها من تأثير الهم وإن كانت يسيرة، ومن غفر الله ذنبه سلم من محن الآخرة؛ لأنه لا يوبق العبد فيها إلا بذنوبه» (٣). متابعة رسول الله ﷺ واقتفاء أثره، قال ابن القيم ﵀، عند قوله تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر ٣٦]: «والمقصود أن بحسب متابعة الرسول تكون العزة والكفاية والنصرة، كما أن بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح والنجاة، فالله سُبْحَانَهُ علق سعادة الدارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن، والفلاح والعزة، والكفاية والنصرة، والولاية والتأييد، وطيب العيش في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذلة والصغار والخوف والضلال والخذلان والشقاء في الدنيا والآخرة» (٤).

стр. 1194

صلاة الضحى؛ فعن عقبة بن عامر ﵁، أن رسول الله قال: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، اكْفِنِي أَوَّلَ النَّهَارِ بِأَرْبَعِ رَكعَاتٍ أَكْفِكَ مِنْ آخِرِ يَوْمِكَ» (١)، قال العيني ﵀: «أكفك آخر النهار من كل شيء، من الهموم والبلايا ونحوهما» (٢). الدعاء وسؤال الله الكفاية كما هو هدي رسول الله ﷺ ؛ فقد دعا رسول الله ﷺ على عامر، فقال: «اللَّهُمَّ اكفْنِي عَامِرًا»، فَكَفَاهُ اللهُ إِيَّاهُ، فَأَقْبَلَ حَتَّى نَزَلَ بِفِنَائِهِ، فَرَمَاهُ اللهُ بَالذَّبْحَةِ فِي حَلْقِهِ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ سَلُولٍ (٣). وعلَّم أصحابه والأمة من بعدهم سؤال الكفاية؛ فعن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ قَالَ- يعني: إذا خرج من بيته-: بِسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ، يُقَالُ لَهُ: كُفِيتَ، وَوُقِيتَ، وَتَنَحَّى عَنْه الشَّيْطَانُ» (٤). فاللهم ارزقنا صدق التوكل عليك، وحسن الظن بك يا الله.

стр. 1195

الوليُّ الموْلى ﷻ - المعنى اللغوي: - قال الجوهري ﵀: «الولي: القرب والدنو، يقال: تباعد بعد ولى، و (كُلْ مِمَّا يَلِيكَ) (١)، أي: مما يقاربك … والوَلِى: ضد العدو، يقال منه: تولاه … » (٢). - قال ابن فارس ﵀: «الواو واللام والياء: أصل صحيح يدل على قرب، من ذلك الوَلْي: القرب، يقال: تباعد بعد ولي، أي: قرب، وجلس مما يليني، أي: يقاربني … » (٣). ورود اسم الله (الولي، المولى) في القرآن الكريم: أولًا: ورود اسم الله الولي في القرآن الكريم: ورد اسم الله (الولي) في كتاب الله في مواضع كثيرة، ومن وروده ما يلي: قوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]. قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: ٥٥].
следующие страницы →