أوليائه الذين آمنوا على عدوهم، ويؤيدهم بمعونته، ويملي للظالمين، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ويمهل، ولا يهمل- توكل عليه وأحسن الظن به.
ومن هنا نجد أن الله في عدد من الآيات يربط بين التوكل وبين أسمائه الحسنى، ومن ذلك:
- قوله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٩].
- وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٧ - ٢٢٠].
- وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩].
تأمُّل الإنسان في ضعفه؛ فإن العبد إذا تأمل في نفسه وكيف أنه لم يكن شيئًا مذكورًا، ثم خُلِقَ من ماء مهين، ثم خرج من بطن أمه لا يعلم شيئًا، ثم علَّمه الله بما أعطاه من أدوات السمع والبصر والفؤاد؛ ليتعلم ما لم يكن يعلم، ومنحه من الإرادة والقدرة ما يمكنه من أداء رسالته في الأرض، إلا أن ذلك كله محدود بما يناسب ضعف البشر وعجزهم، ثم بعدُ يموت ويفنى.
ثم إذا تأمل أن وجوده، وحياته، وبقاءه، وعلمه، وإرادته، كلها ليست بذاته ولا من ذاته، بل بالله ؛ علم حقَّ العلم وتيقَّن أنه لا حول له ولا قوة إلا بالله، الذي خلقه فسواه، وعلَّمه ما لم يكن يعلم، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فقاده ذلك العلم واليقين إلى التوكل عليه والتعلق به تعلق العاجز بالقدير، والضعيف بالقوي، والفقير بالغني، والجهول بالعليم، والمحدَث بالأول، والذليل بالعزيز، والفاني بالباقي.
стр. 1192
تحقيق التوحيد؛ فإن العبد إذا حقق التوحيد كان نصيبه من التوكل أعظم، قال تَعَالَى: ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [التوبة: ١٢٩].
الاشتغال بالآخرة ورضا الله ؛ فعن عبد الله ﵁، قال: سمعت نبيكم ﷺ يقول: «مَنْ جَعَلَ الهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا- هَمَّ المَعَادِ- كَفَاهُ اللهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهِ هَلَكَ» (١)، وعن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» (٢).
وقال عون بن عبد الله بن عتبة ﵀: «كان أهل الخير إذا التقوا يوصي بعضهم بعضًا بثلاث، وإذا غابوا كتب بعضهم إلى بعض: من عمل لآخرته كفاه الله دنياه، ومن أصلح فيما بينه وبين الله كفاه الله الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته» (٣).
الصلاة على النبي ﷺ ؛ فعن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا
стр. 1193
النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ، اذْكُرُوا اللَّهَ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيه. قَالَ أُبَيٌّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي (١)؟ فقال: مَا شِئْتَ، قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ، قال: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: النِّصْفَ، قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قَالَ: قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ، قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا، قَالَ: إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ» (٢).
قال المباركفوري ﵀: «وفي هاتين الخصلتين- أي: كفاية الهم، ومغفرة الذنب- جماع خير الدنيا والآخرة، فإن من كفاه الله همه سلم من محن الدنيا وعوارضها؛ لأن كل محنة لا بد لها من تأثير الهم وإن كانت يسيرة، ومن غفر الله ذنبه سلم من محن الآخرة؛ لأنه لا يوبق العبد فيها إلا بذنوبه» (٣).
متابعة رسول الله ﷺ واقتفاء أثره، قال ابن القيم ﵀، عند قوله تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر ٣٦]: «والمقصود أن بحسب متابعة الرسول تكون العزة والكفاية والنصرة، كما أن بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح والنجاة، فالله سُبْحَانَهُ علق سعادة الدارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن، والفلاح والعزة، والكفاية والنصرة، والولاية والتأييد، وطيب العيش في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذلة والصغار والخوف والضلال والخذلان والشقاء في الدنيا والآخرة» (٤).
стр. 1194
صلاة الضحى؛ فعن عقبة بن عامر ﵁، أن رسول الله قال: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، اكْفِنِي أَوَّلَ النَّهَارِ بِأَرْبَعِ رَكعَاتٍ أَكْفِكَ مِنْ آخِرِ يَوْمِكَ» (١)، قال العيني ﵀: «أكفك آخر النهار من كل شيء، من الهموم والبلايا ونحوهما» (٢).
الدعاء وسؤال الله الكفاية كما هو هدي رسول الله ﷺ ؛ فقد دعا رسول الله ﷺ على عامر، فقال: «اللَّهُمَّ اكفْنِي عَامِرًا»، فَكَفَاهُ اللهُ إِيَّاهُ، فَأَقْبَلَ حَتَّى نَزَلَ بِفِنَائِهِ، فَرَمَاهُ اللهُ بَالذَّبْحَةِ فِي حَلْقِهِ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ سَلُولٍ (٣).
وعلَّم أصحابه والأمة من بعدهم سؤال الكفاية؛ فعن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ قَالَ- يعني: إذا خرج من بيته-: بِسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ، يُقَالُ لَهُ: كُفِيتَ، وَوُقِيتَ، وَتَنَحَّى عَنْه الشَّيْطَانُ» (٤).
فاللهم ارزقنا صدق التوكل عليك، وحسن الظن بك يا الله.
стр. 1195
الوليُّ الموْلى ﷻ -
المعنى اللغوي:
- قال الجوهري ﵀: «الولي: القرب والدنو، يقال: تباعد بعد ولى، و (كُلْ مِمَّا يَلِيكَ) (١)، أي: مما يقاربك … والوَلِى: ضد العدو، يقال منه: تولاه … » (٢).
- قال ابن فارس ﵀: «الواو واللام والياء: أصل صحيح يدل على قرب، من ذلك الوَلْي: القرب، يقال: تباعد بعد ولي، أي: قرب، وجلس مما يليني، أي: يقاربني … » (٣).
ورود اسم الله (الولي، المولى) في القرآن الكريم:
أولًا: ورود اسم الله الولي في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (الولي) في كتاب الله في مواضع كثيرة، ومن وروده ما يلي:
قوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧].
قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: ٥٥].
стр. 1196
قوله تَعَالَى: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥].
ثانيًا: ورود اسم الله المولى في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (المولى) في كتاب الله في اثني عشر موضعًا، ومن وروده ما يلي:
قوله تَعَالَى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
قوله تَعَالَى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠].
قوله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢].
ورود اسم الله (الولي، المولى) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الولي، المولى) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن البراء بن عازب ﵄ قال: «جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ فَقَالَ: إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنا الطَّيْرُ فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذا، حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا القَومَ وأَوْطَأْنَاهُمْ، فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، فَهَزَمُوهُمْ، … ثُمَّ أَخَذَ أبو سفيان يَرْتَجِزُ: أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَلَا تُجيبوا لَهُ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ. قَالَ: إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَلَا تُجِيبُوا لَهُ؟ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللهُ مَوْلَانَا، وَلَا مَوْلَى لَكُمْ» (١).
стр. 1197
عن زيد بن الأرقم ﵁، قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله ﷺ يقول: كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ العَجْزِ، والكَسَلِ، والجُبْنِ، والبُخْلِ، والهَرَمِ، وَعَذَابِ القَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا» (١).
معنى اسم الله (الولي، المولى) في حقه سُبْحَانَهُ:
يرجع معنى اسم الله (الولي، والمولى) إلى معنى الولاية العامة، والولاية الخاصة.
فالولاية العامة: تولي الله الخلق بالملك، والتدبير، والتقدير.
والولاية الخاصة: تولي الله المؤمنين بالمحبة، والتوفيق، والنصر، والتأييد، ونحو ذلك.
وعلى هذا تدور أقوال أهل العلم:
قال الطبري ﵀ في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]: «نصيرهم وظهيرهم، يتولاهم بعونه وتوفيقه» (٢).
وقال في قوله تَعَالَى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠]: «وليكم وناصركم على أعدائكم الذين كفروا» (٣).
стр. 1198
قال الزجاج ﵀: «الولي: الناصر، وقال الله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وهو تَعَالَى وليهم بأن يتولى نصرهم وإرشادهم، كما يتولى ذلك من الصبي وليه، وهو يتولى يوم الحساب ثوابهم وجزاءهم» (١).
قال الزجاجي ﵀ في اسم الله الولي: «فالله ولي المؤمنين، أي: ناصرهم ومصلح شؤونهم والمثنى عليهم … ويقال: «فلان ولي فلان» أي: ولي نعمته، أي: قد أولاه نعمته وأنعم عليه، وأسداها إليه، فلم يحل بينه وبينها، فالله ولي المؤمنين بإنعامه عليهم وإحسانه إليهم» (٢).
قال الخطابي ﵀: «الولي: المتولي للأمر والقائم به، كـ (ولي اليتيم)، و (ولي المرأة في عقد النكاح)، وأصله من (الوَلْي) وهو القرب، فتكون ولاية خاصة» (٣)، وقال: «المولى: الناصر والمعين» (٤).
قال ابن الأثير ﵀: «الولي: الناصر، وقيل: المتولي لأمور العالم والخلائق، وكأن الولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل، وما لم يجتمع فيه ذلك لم يطلق عليه الولي فتكون ولايةً عامةً» (٥).
قال ابن القيم ﵀: «والله ولي الذين آمنوا وهم أولياؤه، فهم يوالونه بمحبتهم له، وهو يواليهم بمحبته لهم» (٦).
стр. 1199
قال السعدي ﵀ في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨]: «الذي يتولى عباده بأنواع التدبير، ويتولى القيام بمصالح دينهم ودنياهم» (١).
وقال في قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]: «والله تَعَالَى وليهم وناصرهم ومؤيدهم» (٢).
اقتران اسم الله (الولي، المولى) بأسمائه الأخرى- سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (الولي) بالأسماء الأخرى:
أولًا: اقترن اسم الله تَعَالَى (الولي) باسمه تَعَالَى (الحميد).
تقدم بيانه في اسم الله (الحميد).
ثانيًا: اقتران اسم الله (المولى) بالأسماء الأخرى:
اقترن اسمه تَعَالَى (المولى) باسمه تَعَالَى (الحق):
تقدم بيانه في اسم الله (الحق).
стр. 1200
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الولي، المولى):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الولي- المولى) من الصفات:
الله الولي المولى الذي خلق الخلق، فلم يتركهم هملًا، بل تولاهم، قال تَعَالَى: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢].
وولايته ﷻ لخلقه على نوعين:
١ - ولاية عامة.
٢ - ولاية خاصة.
فالنوع الأول: الولاية العامة:
الله ﷻ الولي المولى، الذي عمت ولايته جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، العاقل منهم وغير العاقل، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨].
فتولى السماوات السبع وما فيهن من الملائكة والأجرام شمسًا، وقمرًا، ونجمًا، وما يتبعها من الليل والنهار، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ٢].
وتولى الأراضين السبع ومن فيهن، من الجن والإنس، يقول تَعَالَى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٤ - ١٦].
وتولى الأنبياء الذي هم أتقى الخلق، كما تولى الطغاة الكفرة الذين هم أفجر الخلق، وتولى الشاب القوي القادر كما تولى الرضيع العاجز الذي لا
стр. 1201
يملك حولًا ولا قوة، وتولى الصحيح المعافى كما تولى المريض الطريح، وتولى الغني الفرح كما تولى الفقير الكسير، قال تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].
وتولى - أيضًا- البهائم العجماء، فتولى الأسد على عظم قوته وقدرته على فريسته، كما تولى النمل، والعنكبوت، والبعوض، وسائر الحشر على ضعفها وحقارتها، وتولى الصقر القوي كما تولى العصفور الصغير الذي يخرج خماصًا فيعود بطانًا، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦].
وتولى السفن في البحر، كما تولى الطائرات في السماء، والمراكب في الأرض، قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥].
وتولى الريح وتصريفها، كما تولى المطر وقطره، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٥].
وهذا التولي يقتضي توليه لهم بحكمه القدري، والشرعي، والجزائي:
فالكل تولاه الولي المولى بحكمه القدري، فنفذ فيه ما شاء من أنواع التدبير، وما قضى من التصريف، وما أراد من التقدير خيرًا وشرًّا، ونفعًا وضرًّا، وحياة وموتًا، قال تَعَالَى: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩].
стр. 1202
وتولاهم بما قدر لهم من نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، وأقام لهم مصالحهم وحاجاتهم؛ ابتدأ بالخلق، ثم الرزق، والتعليم، والحفظ، والشفاء، وكشف الضر، وإجابة الدعاء، وإنزال المطر ونحو ذلك، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٢ - ٣] (١).
فالكل تحت ولايته ورعايته، وطوع تقديره وحكمه، لا خروج لأحد عنه طرفة عين، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾ [التوبة: ٥١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢].
والكل من الثقلين تولاه الولي المولى بحكمه الشرعي، فأنزل الشرائع التي فيها تحقيق مصالحهم وطيب حياتهم في الدنيا والآخرة، فما من أمة إلا وبعث فيها رسولًا مؤيَّدًا بالبراهين والحجج، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] حتى ختمهم بمحمد ﷺ الذي أرسله هدى ونورًا للعالمين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨].
وجمع له الجن مستمعين، فانطلقوا إلى قومهم منذرين، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا
стр. 1203
بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢].
كل ذلك توليًا من الله لخلقه، ورحمة منه بهم، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢].
وبعد هذا يُرد الكل لله الولي المولى، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٠] فيتولاهم بحكمه الجزائي، فيثيبهم على ما عملوا من الخيرات، ويعاقبهم على ما عملوا من الشرور والسيئات، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢] (١).
النوع الثاني: الولاية الخاصة:
فالله ﷻ الولي المولى الذي اختص عباده المؤمنين، وحزبه المطيعين، وأولياءه المتقين بمزيد من الولاية والرعاية، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩].
فتولاهم الولي المولى بالهداية للحق، وإخراجهم من ظلمات الكفر والمعاصي والجهل إلى نور الإيمان والطاعة والعلم، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] (٢).
стр. 1204
تولى محمدًا ﷺ وصحبه، فأخرجهم من الجاهلية إلى النور، ومن التفرق إلى الاجتماع، ومن الذل إلى العز، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، وقال أيضًا: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
ولا يزال ﷻ يتولى من شاء من خلقه، فيخرجهم من الكفر إلى الإسلام، ويخرج من شاء من العصيان والتقصير والتفريط إلى الطاعة والاستقامة، قال تَعَالَى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].
وتولاهم الولي المولى بالتوفيق للطاعات، والحفظ من المعاصي والآثام، كما جاء في حديث الولي: «فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» (١).
تولى يوسف، فحفظه من الوقوع في الفعل القبيح، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]
وتولى بني سليم وبني حارثة، فحفظهم من الفشل والفرار عن رسول الله ﷺ ، قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢].
стр. 1205
وتولاهم الولي المولى بالرعاية والحفظ وحسن التدبير، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦].
تولى يوسف ﵇ طفلًا ضعيفًا، فصرف إخوته عما هموا به من القتل، وتولاه في البئر وحيدًا، فحفظه من مخاطره ومخاوفه، بل وبشره بيوم يجتمع فيه بأهله وإخوته وينبئهم بفعلهم (١)، وتولاه غلامًا مبيعًا، فاشتراه عزيز مصر وأكرمه، وتولاه شابًّا فآتاه الحكمة والعلم، وصرف عنه كيد النسوة، وتولاه سجينًا فأخرجه منه عزيزًا ممكنًا له في الأرض، وتولى كيده لأخذ أخاه فأخذه، وتولى أهله فأتى بهم إليه من البدو، ويتولاه في الآخرة كما تولاه في الدنيا، قال تَعَالَى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
وتولى موسى ﵇ طفلًا رضيعًا، فحفظه في اليم، وحفظه من قتل فرعون وقومه، ثم أعاده لأمه وأهله، وتولاه شابًّا فحفظه من تآمر القوم على قتله، وتولاه في مدين فرزقه عملًا، ومالًا، وزوجًا، ثم تولاه بأعظم صور الولاية، فرزقه النبوة والرسالة، وتولاه بالنصر على فرعون وجنده.
وكذا تولى بني إسرائيل، فأنجاهم من آل فرعون وتعذيبهم، وأغرق فرعون وجنده بمرأى منهم ومسمع، وأورثهم أرض مصر ومكنهم فيها، وأنزل عليهم التوراة هدى ونورًا، وعفا عنهم عبادتهم العجل، وطلبهم النظر إليه، فبعثهم بعد صعقهم، وأنزل عليهم المن والسلوى في التيه، وفجر لهم
стр. 1206
الحجر بالماء، وظللهم بالغمام، قال تَعَالَى على لسان موسى ﵇: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٥].
وتولى خاتم الأنبياء والمرسلين محمدًا ﷺ ، فتولاه طفلًا رضيعًا، فسخر حليمة السعدية لأخذه ورضاعه، وتولاه يتيمًا، فرعاه جده وعمه، وأكرماه أيما إكرام، وتولاه شابًّا، فحفظه من سفه الشباب وسوء فعالهم، فعُرف بحسن السيرة ومكارم الأخلاق، وتولاه بالزواج من خديجة خير النساء، وتولاه في الأربعين، فأكرمه بالوحي والرسالة وأيده بالقرآن العظيم، وتولاه فحفظه من كيد قومه وإرادتهم قتله، وتولاه بالهجرة إلى المدينة ومناصرة الأنصار، وتولاه بالنصر في بدر، والخندق، وخيبر، وحنين، وتبوك وغيرها، وتولاه فجمع له المال بعد الفقر والفاقة، وتولاه ففتح له مكة ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وتولاه فغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ويكرمه في الآخرة بالوسيلة والمقام المحمود، قال تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ١ - ٩].
وتولاهم الولي المولى بالتأييد والنصر على الأعداء، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠]، ولما قال أبو سفيان يوم أحد: لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَجِيبُوهُ. قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللهُ مَوْلَانَا، وَلَا مَوْلَى لَكُمْ» (١).
стр. 1207
تولى أنبياءه ورسله، فنصرهم على أقوامهم، على الرغم من قلة الرجال، وضعف العدة والعتاد، وكثرة العدو وقوتهم وشدة بطشهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].
وتولى أتباعهم، فنصر صحابة رسول الله ﷺ ، وقبلهم نصر طالوت، وداود، ومؤمن آل فرعون، قال تَعَالَى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥].
وهذه الولاية الخاصة هي الولاية التي نفاها الله عن الكافرين دون الولاية العامة، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]؛ فالولاية المنفية هنا هي ولاية المحبة والتوفيق والنصر والتأييد، وهي خاصة بالمؤمنين، أما الكفار فوليهم الشيطان، ومولاهم النار، قال تَعَالَى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ٦٣]
الأثر الثاني: دلالة اسم الله الولي المولى على التوحيد:
إذا تأمل العبد في اسم الله الولي المولى؛ قاده ذلك إلى توحيد الله في الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، وبيان ذلك على النحو الآتي:
دلالة اسم الله الولي المولى على توحيد الربوبية: اسم الله (الولي، المولى) يتضمن الولاية لجميع الخلق بأفراد الربوبية خلقًا، ورزقًا، وتدبيرًا، وحفظًا، وإجابةً للدعاء، ونفعًا، وضرًّا، وإحياءً وإماتة ونحو ذلك، قال تَعَالَى: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨].
стр. 1208
وهذا دال على فقر المخلوقات عن جلب هذه الأفراد لنفسها أو غيرها، وبالتالي وحدانية الله ﷻ وتفرده بالربوبية، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].
دلالة اسم الله (الولي، المولى) على توحيد الألوهية: اسم الله الولي المولى يدل على أن العالم العلوي والسفلي ومن فيه من المخلوقات، كله تحت ولايته وتصريفه وتدبيره، وبالتالي جميع هذه المخلوقات فقيرة ضعيفة عاجزة، فلا خلق بيدها ولا نفع ولا ضر ولا رزق، بل ولا حتى الشفاعة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣]، ومن كان كذلك فهل يصح في عقل أو نقل أن يُتخذ وليًّا من دون الله يعبد؟! أو يتخذ شريكًا وندًّا للولي المولى؟! قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [الرعد: ١٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤]، وقال تَعَالَى مبينًا أنه الولي الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩] (١).
стр. 1209
دلالة اسم الله (الولي، المولى) على توحيد الأسماء الصفات:
اسم الله (الولي، المولى) يقتضي أن يكون سُبْحَانَهُ حيًّا، مالكًا، قادرًا، قويًّا، عليمًا، سميعًا، بصيرًا، خالقًا، رازقًا، حفيظًا، قيومًا، نصيرًا ونحو ذلك؛ إذ لا يتصور في المخلوقات- فضلًا عن الخالق- ولي ميت، عاجز، أعمى، أصم، أبكم، جاهل، لا يملك حولًا ولا قوة.
ويدل على هذا: ما جاء من آيات اقترن فيها هذا الاسم الكريم بأسمائه الأخرى أو صفاته، كقوله سُبْحَانَهُ: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠]، وقوله سُبْحَانَهُ:
﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨].
فإذا علم العبد هذا أقر بهذه الأسماء الكريمة والصفات العلية التي يقتضيها اسم الله الولي المولى، على وجه لا تحريف ولا تعطيل ولا تكيف ولا تمثيل معه؛ امتثالًا لقوله سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
الأثر الثالث: الثقة بنصر الله (الولي، المولى) لأوليائه، والتوكل عليه، وحسن الظن به:
إن اسم الله الولي المولى، وما فيه من ولاية الله لأهل الإيمان بالنصر والتمكين والغلبة على الأعداء؛ يثمر في قلب المؤمن الثقة بنصره والاطمئنان لوعده، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾
[آل عمران: ١٥٠]، وقال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦].
стр. 1210
ويثمر هذا- أيضًا- اليقين بذهاب أعداء الله وإن ظهروا في وقت ما لحكمة، فنهايتهم إلى ذهاب؛ لأنهم مقطوعو الصلة بالله الولي المولى، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]، ولما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم، قال النبي ﷺ للصحابة: «أَجِيبُوهُ، قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: قُولُوا: اللهُ مَوْلَانَا، وَلَا مَوْلَى لَكُمْ» (١).
الأثر الرابع: محبة الله الولي المولى سُبْحَانَهُ:
إن اسم الولي المولى يدفع العبد المستشعر لمعناه إلى محبة الله جل في علاه؛ وبيان ذلك: أن الإنسان إذا تولاه أحد من البشر فكفاه حاجته، وأحسن إليه بالطعام والسقاء والإواء، وحماه من أعدائه؛ أحبه وشعر بفضله عليه، مع أن هذا البشر إنما تولاه لحاجة ومطلب في نفسه دنيوي أو خروي، وولايته لا تنفك عن النقص والخلل.
فإذا كان هذا هو الحال، فكيف لا يحب من هو ولي أمورنا كلها المتكفل بها جميعها، وكيف لا يُحَبُّ من هو ولي النعم كلها، وولي إحسان الخلق كافة، فما أحسن مخلوق لمخلوق ولا تولى مخلوق مخلوق إلا بتولي الله وتسخيره له؟!
وكل ذلك مع تمام غناه عنا، فلا هو محتاج إلينا فيتولى، ولا مفتقر إلينا فينعم، وإنما هو محض فضل منه سُبْحَانَهُ ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧].
стр. 1211
ثم إذا تأمل العبد في ولايته ﷻ ؛ وجدها في غاية الكمال والجمال، مبنية على علم تام، وحكمة بالغة، ورحمة واسعة، وعدل لا ظلم معه، أفلا يكون ﷻ أحق بالمحبة وأولى؟!
الأثر الخامس: نيل ولاية الله الولي المولى:
لا شك أن معرفة اسم الولي المولى، وما فيه من الولاية الخاصة؛ تثمر لأهلها ثمارًا طيبة في الدنيا والآخرة، منها:
نيل محبة الولي المولى، قال تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وجاء في حديث الولي: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ … » (١).
تولي الولي المولى لشؤونهم الدينية والدنيوية بالإصلاح وحسن التدبير، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢].
هداية الولي المولى لهم وتوفيقهم للخيرات، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وجاء في حديث الولي: «إِنَّ الله قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ
стр. 1212
عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (١)(٢).
قال الخطابي ﵀ في معنى الحديث: «والمعنى: توفيق الله لعبده في الأعمال التي يباشرها بهذه الأعضاء، وتيسير المحبة له فيها؛ بأن يحفظ عليه جوارحه، ويعصمه عن مواقعة ما يكره الله من الإصغاء إلى اللهو بسمعه، ومن النظر إلى ما نهى الله عنه ببصره، ومن البطش في ما لا يحل له بيده، ومن السعي إلى الباطل برجله» (٣).
نصر الولي المولى لهم على أعدائهم، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]، ولما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العزى ولا عزى لكم، قال النبي ﷺ للصحابة: «أَجِيبُوهُ، قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: قُولُوا: اللهُ مَوْلَانَا، وَلَا مَوْلَى لَكُمْ» (٤).
مغفرة الولي المولى لذنوبهم ورحمته بهم، قال سُبْحَانَهُ: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٥].
إجابة الولي المولى لدعائهم، كما في قوله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ
стр. 1213
قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال الله: «قَدْ فَعَلْتُ» (١)، وجاء في حديث الولي: «وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» (٢).
تثبيت الولي المولى لهم عند المصائب والمخاوف، لا سيما عند الموت، قال تَعَالَى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] (٣).
إكرام الولي المولى لهم بدخول الجنة والنجاة من النار، قال تَعَالَى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
كلها تدفع العبد إلى السعي في تحصيلها، والدخول في جملة أهلها وحزبها، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦].
وقد جعل الله لنيلها أسبابًا، ولأهلها أوصافًا، والتي منها:
стр. 1214
الإيمان به ﷻ ، وبملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] (١).
التقوى التي تصدِّق الإيمان، وذلك: بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فكل من كان مؤمنًا تقيًّا؛ كان لله وليًّا» (٢).
وقال: «وإذا كان أولياء الله هم المؤمنون المتقون، فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله تَعَالَى، فمن كان أكمل إيمانًا وتقوى، كان أكمل ولايةً لله، فالناس متفاضلون في ولاية الله بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى، وكذلك يتفاضلون في عداوة الله، بحسب تفاضلهم في الكفر والنفاق، قال الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٥]، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]، وقال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، وقال تَعَالَى في المنافقين-:
стр. 1215
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]، فبين ﵎ أن الشخص الواحد، قد يكون فيه قسط من ولاية الله، بحسب إيمانه، وقد يكون فيه قسط من عداوة الله، بحسب كفره ونفاقه» (١).
محبة الله ورسوله ﷺ ، ومحبة ما يحب الله ورسوله ﷺ ، وبغض ما يبغض الله ورسوله ﷺ ، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ إلى أن قال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٤ - ٥٦].
قال ابن القيم ﵀: «فالولاية أصلها الحب، فلا موالاة إلا بحب، كما أن العداوة أصلها البغض، والله ولي الذين آمنوا، وهم أولياؤه، فهم يوالونه بمحبتهم له، وهو يواليهم بمحبته لهم، فالله يوالي عبده المؤمن بحسب محبته له.
ولهذا أنكر سُبْحَانَهُ على من اتخذ من دونه أولياء، بخلاف من والى أولياءه، فإنه لم يتخذهم من دونه، بل موالاته لهم من تمام موالاته» (٢).
«اتباع رسوله ﷺ في جميع أحواله، في أقواله وأفعاله، في أصول الدين وفروعه، في الظاهر والباطن» (٣)، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
стр. 1216
قال ابن كثير ﵀: «هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله … ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول … وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية» (٢).
وبحسب المتابعة لرسول الله ﷺ تكون الولاية؛ قال ابن القيم ﵀: «والمقصود: أن بحسب متابعة الرسول تكون العزة والكفاية والنصرة، كما أن بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح والنجاة، فالله سُبْحَانَهُ علق سعادة الدارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن والفلاح، والعزة والكفاية والنصرة والولاية، والتأييد وطيب العيش، في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذلة والصغار، والخوف والضلال، والخذلان والشقاء في الدنيا والآخرة» (٣).
الصلاح، والقيام بالأعمال الصالحة من الفرائض، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، قال السعدي ﵀: «الذين صلحت نياتهم وأعمالهم وأقوالهم» (٤).
وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]، وجاء في حديث الولي: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ
стр. 1217
عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» (٢)، وجاء- أيضًا- في الحديث عن رسول ﷺ أنه قال في حجة الوداع: «أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ المُصَلُّونَ، مَنْ يُقِيمُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، وَيَحْتَسِبُ صَوْمَهُ، يَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ حَقٌّ، وَيُعْطِي زَكَاةَ مَالِهِ يَحْتَسِبُهَا، وَيَجْتَنِبُ الكَبَائِرَ الَّتِي نَهَى اللهُ عَنْهَا» (٣).
القيام بالأعمال الصالحة من النوافل، قال تَعَالَى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، وجاء في حديث الولي: «وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» (٤).
التقرب بعبادات السر؛ فقد جاء: أن عمر ﵁ خرج إلى المسجد يومًا، فوجد معاذ بن جبل ﵁ عند قبر رسول الله ﷺ يبكي، فقال: ما يبكيك يا معاذ؟ قال: يبكيني حديث سمعته من رسول الله ﷺ ، يقول: «إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ، وَإِنَّ مَنْ عَادَى للهِ وَلِيًّا، فَقَدْ بَارَزَ اللهَ بِالمُحَارَبَةِ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الأَبْرَارَ الأَتْقِيَاءَ الأَخْفِيَاءَ، الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا، وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا، وَلَمْ يُعْرَفُوا، قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الهُدَى، يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ» (٥).
تعلم العلم الشرعي وتعليمه؛ فعن الحسن البصري ﵀ أنه تلا
стр. 1218
هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [فصلت: ٣٣]، فقال: «هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحًا في إجابته، وقال: إنني من المسلمين، هذا خليفة الله» (٢).
ويروى عن الخليل بن أحمد أنه قال: «إن لم تكن هذه الطائفة- يعني: أهل العلم- أولياء الله، فليس لله ولي» (٣).
فبهذا تنال ولاية الله، لا بمجرد الدعاوى والأماني؛ فهؤلاء اليهود والنصارى ادعوا أنهم أولياء الله وأحباؤه، فرد الله عليهم بقوله سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ١٨]، وادعاها مشركو العرب؛ لسكنهم مكة، فقال الله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤].
فليس كل من ادعى الولاية وتظاهر بها يعد وليًّا لله، بل قد يعد وليًّا للشيطان كما هو الحال في أهل الزيغ والضلال الذين تركوا الفرائض، وقارفوا المحرمات، وزعموا أن التكاليف سقطت عنهم؛ لولايتهم، فهؤلاء في الحقيقة أولياء للشيطان، وليسوا من أهل ولاية الله في شيء، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. (٤)
стр. 1219
الأثر السادس: موالاة أولياء الله والحذر من معادتهم:
إذا علم العبد اسم الله الولي المولى وما يقتضيه من اتخاذ الله ﷻ أولياء، يحبهم وينصرهم، ويعادي من عادهم، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لي وليًّا، فَقَدْ آذنتُهُ بالحَرْبِ» (١).
قاده ذلك إلى مولاة من وال الله ومحبتهم ونصرتهم، والتبرؤ من أعداء الله وبغضهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١]، وقال تَعَالَى في الموقف من أعدائه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وقال السعدي ﵀: «فأداة الحصر في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥] تدل على أنه يجب قصر الولاية على المذكورين، والتبري من ولاية غيرهم» (٢)، وهذا من مقتضيات عقيدة التوحيد، القائمة على الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين.
стр. 1220
قال ابن رجب ﵀: «وأولياء الله تجب موالاتهم، وتحرم معاداتهم، كما أن أعداءه تجب معاداتهم، وتحرم موالاتهم، قال تَعَالَى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٥ - ٥٦]» (١).
كما يقوده إلى الحذر الشديد من معادة أولياء الله، لا سيما وأن الله ﷻ قال في الحديث القدسي: «مَنْ عَادَى لِي وَليًّا، فَقَدْ آذنتُهُ بِالحَرْبِ» (٢)، ومعناه: أعلمته أني محارب له، حيث كان محاربًا لي بمعاداة أوليائي؛ ولهذا جاء في حديث عائشة: «فَقَدِ اسْتَحَلَّ مُحَارَبَتِي» (٣)، وخرج ابن ماجه بسند ضعيف عن معاذ بن جبل، سمع النبي ﷺ يقول: «وَإِنَّ مَنْ عَادَى للهِ وَلِيًّا، فَقَدْ بَارَزَ اللهَ بالمُحَارَبَةِ» (٤)، وغاية هذه المحاربة: الهلاك (٥).
قال الشوكاني ﵀: «قال ابن هبيرة: ويستفاد من هذا الحديث: تقديم الإعذار على الإنذار، قلت: ووجهه: أنه لما قدم معاداة من هو بهذه الصفة من
стр. 1221
الولاية لله، فكأنه أعذر إلى كل سامع أن من هذا شأنه لا ينبغي أن يعادى، بل على كل من عرف أن هذه صفته، أن يواليه ويحبه، فإذا لم يفعل فقد أعذر الله إليه، ونبهه على أن من عادى يستحق العقوبة البالغة على عداوته، فقال- منذرًا له-: فقد آذنته بالحرب على ما صنع مع ولي» (١).
الأثر السابع: دعاء الله باسمه (الولي، المولى):
إن اسم الولي المولى يدعو العبد إلى دعاء ربه والتوسل إليه بهذا الاسم الكريم، لا سيما وأن الأنبياء الذين هم قدوة الخلق ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] دعوا ربهم به؛ فهذا يوسف ﵇ يدعو ربه قائلًا: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
وهذا موسى ﵇ وصالحو قومه يدعون: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٥].
وهذا رسول الله ﷺ يدعو قائلًا: «يا وَليَّ الإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، مَسِّكْنِي بِهِ حَتَّى أَلْقَاكَ» (٢).
وهذا دعاء المؤمنين الذي أخبر الله عنه: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
стр. 1222
كما يدعو العبد- أيضًا- إلى سؤال الله ولايته ومقتضياتها من الهداية والثبات، والنصر والرحمة والمغفرة، وإصلاح الأمر الديني والدنيوي كله، من غير أن يكل العبد إلى نفسه طرفة عين.
فاللهمَّ يا ولي الإسلام وأهله، مسِّكنا به حتى نلقاك، وأصلح لنا شأننا
كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
стр. 1223
الوهَّابُ ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «وهب، وهبت له شيئًا وهبًا، ووهَبًا بالتحريك، وهِبَة، والاسم: الموهب والموهبة، بكسر الهاء فيهما، والاتهاب: قبول الهبة، والاستيهاب: سؤال الهبة» (١).
قال ابن فارس ﵀: «الواو والهاء والباء: كلمات لا ينقاس بعضها على بعض، تقول: وهبت الشيء أهبه هبة وموهبًا، واتهبت الهبة: قبلتها … » (٢).
ورود اسم الله (الوهاب) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (الوهاب) في ثلاثة مواضع من كتاب الله، وهي:
قوله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
قوله تَعَالَى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾.
قوله تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥].
معنى اسم (الوهاب):
قال الطبري ﵀: «هو الوهاب لمن يشاء من خلقه ما يشاء، من ملك وسلطان ونبوة» (١).
قال الخطابي ﵀: «الوهاب هو الذي يجود بالعطاء عن ظهر يد، من غير استثابة» (٢).
قال الحليمي ﵀: «الوهاب هو المتفضل بالعطايا، المنعم بها، لا عن استحقاق عليه» (٣).
قال السعدي ﵀: «الوهاب: واسع العطايا والهبات، كثير الإحسان، الذي عم جودك جميع البريات» (٤).
قال ابن القيم ﵀ في نونيته:
وَكَذَلِكَ الوَهَّابُ مِنْ أَسْمَائِهِ … فَانْظُرْ مَوَاهِبَهُ مَدَى الأَزْمَانِ
أَهْلُ السَّمَواتِ العُلَى والأَرْضِ عَنْ … تِلْكَ المَوَاهِبِ لَيْسَ يَنْفَكَّانِ (٥)
стр. 1226
اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الوهاب) بأسمائه الأخرى في القرآن الكريم:
اقتران اسمه (الوهاب) باسمه (العزيز) سُبْحَانَهُ:
- تقدم بيانه في اسم الله (العزيز).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الوهاب):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الوهاب) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
الوهاب سُبْحَانَهُ تتابعت نعمه، وفاض كرمه، وزاد بره، وكثر خيره.
«يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويجبر كسيرًا، ويغني فقيرًا، ويشفي سقيمًا ويخصب عقيمًا، ويعلم جاهلًا، ويهدي ضالًّا، ويرشد حيران، ويغيث لهفان، ويفك عانيًا، ويكسو عاريًا، ويسلي صابرًا، ويزيد شاكرًا، ويقبل تائبًا، ويجزي محسنًا، ويعطي محرومًا، وينصر مظلومًا، ويقصم ظالمًا، ويرحم مسكينًا، ويغيث ملهوفًا» (١).
وكل إحسان للعباد ينطلق من أسمائه تَعَالَى وصفاته إنما هو من هبات الوهاب سُبْحَانَهُ، يعطيها عباده من غير عوض، ولا ثواب، فحري بمن هذه هباته أن يبذل له الحب كله، وأن يعبد وحده لا شريك له؛ إذ لا يستطيع المخلوق، بل الخلائق جميعها، أن تهب شيئًا من الهبات استقلالًا، كما في قوله : ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ
стр. 1227
مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾
[يونس: ٣١]، وكل ذلك في غير استحقاق من عباده ولا حق لهم عليه.
وعليه فحري بمن عرف اسم الله الوهاب وآمن به أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، ويسأله هبته وفضله وإحسانه.
الأثر الثاني: استشعار عظم هبات الله تَعَالَى وشموليتها.
الوهاب هو كثير الهبات، ومتنوعها، فهي تشمل الدين، والدنيا، ويمكن تقسيمها كما يلي:
* أولًا: هبات دينية:
ومن أبرزها والتي ورد فيها نص، ما يلي:
هبة النبوة:
وهي من الهبات التي اختصها الله بمن شاء من عباده، وختمها بمحمد ﷺ ، يقول الله عن إبراهيم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، وقد أنكر كفار قريش نبوة محمد ﷺ حسدًا، فرد الله عليهم بأنها هبة من خزائن رحمته، يقول في كتابه: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص: ٨ - ٩]، يقول الطبري ﵀ في تفسير ذلك: «أم عند هؤلاء المشركين المنكرين وحي الله إلى محمد خزائن رحمة ربك، يعنى: مفاتيح رحمة ربك يا محمد، العزيز في سلطانه، الوهاب لمن
стр. 1228
يشاء من خلقه، ما يشاء من ملك وسلطان ونبوة، فيمنعوك يا محمد، ما منَّ الله به عليك من الكرامة، وفضَّلك به من الرسالة» (١).
هبة الهداية:
وهي نوعان:
هداية الدلالة والإرشاد:
وهي من أعظم هبات الوهاب، فهي مصدر التكليف ومناطه، وبها تقوم حجة الله على عباده؛ فإن الله تَعَالَى لا يُدخل أحدًا النار إلا بعد إرسال الرسل الذين يبينون للناس طريق الرشاد من الغي، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥].
هداية التوفيق:
وهي الهداية الخاصة للأولياء، يقول تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فمن رزقه الله الهداية رُزِق سعادة الدنيا والآخرة، وإذا دخلت الهدايةُ قلبًا وجد السعادة التي طالما بحث عنها، وفي الدعاء المشهور: «اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ» (٢)، أي: مع من هديت، والمراد بهم: الأنبياء والصالحون، أولئك الذين أنعم الله عليهم بالهداية من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولا يمكن أن تستفتح ركعة، بل لا تصح
стр. 1229
أي صلاة حتى تطلب الهداية، وهي هداية الثبات على الإسلام، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
ولعظم هذه الهداية كان الدعاء باستدامة هذا الثبات ورسوخه من منهج الأنبياء والراسخين في العلم، فعن أنس ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» (١)، ويقول الله تَعَالَى على لسان الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] (٢).
هبة الأخ الصالح والصديق الناصح:
وهم الذين يعينون العبد على الخير، وفي الحديث عن النبي ﷺ ، قال: «مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ، وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ تَعَالَى» (٣)، «والبطانة بالكسر: الصاحب الوليجة، وهو الذي يعرفه الرجل أسراره ثقة به، شُبِّه ببطانة الثوب» (٤).
стр. 1230
ولذا طلب نبي الله موسى ﵇ من ربه- عندما أرسله- أن يرسل معه أخاه هارون، فاستجاب الله دعاءه، وامتن عليه بذلك، فقال تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣]، ووهب له أخًا صالحًا يعينه، وكانت أعظم شفاعة في التاريخ شفاعة موسى لأخيه، أن سأل له النبوة.
* ثانيًا: هبات دنيوية:
الهبات الدنيوية متتالية متداخلة تشمل الخلائق كلها، ولا تنفك عنهم في أي طَرفة ولحظة، ومنها:
هبة الحياة:
فالله هو واهب الحياة من غير طلب، يقول تَعَالَى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨].
هبة العافية:
تنوعت هبات الوهاب للعبد في بدنه، لحفظ عافيته، ففي جسد الإنسان عدد كبير من الخلايا، وليس معنى ذلك: أنه يملك من النعم في جسده بعدد هذه الخلايا! بل داخل كل خلية العديد من النعم، وكل خلية عرضة لما لا يمكن إحصاؤه من الآفات، والعلل التي من المحتمل أن تصيبها، والله- بقدرته ورحمته- يحفظها في جسد الإنسان من هذه العوارض، ولذا فكثير من دعاء النبي ﷺ هو في سؤال العفو العافية، فعن أبي بكر الصديق أنه قال: «قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ الْأَوَّلِ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ بَكَى، فَقَالَ: اسْأَلُوا اللهَ