اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الوهاب) بأسمائه الأخرى في القرآن الكريم:
اقتران اسمه (الوهاب) باسمه (العزيز) سُبْحَانَهُ:
- تقدم بيانه في اسم الله (العزيز).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الوهاب):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الوهاب) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
الوهاب سُبْحَانَهُ تتابعت نعمه، وفاض كرمه، وزاد بره، وكثر خيره.
«يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويجبر كسيرًا، ويغني فقيرًا، ويشفي سقيمًا ويخصب عقيمًا، ويعلم جاهلًا، ويهدي ضالًّا، ويرشد حيران، ويغيث لهفان، ويفك عانيًا، ويكسو عاريًا، ويسلي صابرًا، ويزيد شاكرًا، ويقبل تائبًا، ويجزي محسنًا، ويعطي محرومًا، وينصر مظلومًا، ويقصم ظالمًا، ويرحم مسكينًا، ويغيث ملهوفًا» (١).
وكل إحسان للعباد ينطلق من أسمائه تَعَالَى وصفاته إنما هو من هبات الوهاب سُبْحَانَهُ، يعطيها عباده من غير عوض، ولا ثواب، فحري بمن هذه هباته أن يبذل له الحب كله، وأن يعبد وحده لا شريك له؛ إذ لا يستطيع المخلوق، بل الخلائق جميعها، أن تهب شيئًا من الهبات استقلالًا، كما في قوله : ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ
стр. 1227
مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾
[يونس: ٣١]، وكل ذلك في غير استحقاق من عباده ولا حق لهم عليه.
وعليه فحري بمن عرف اسم الله الوهاب وآمن به أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، ويسأله هبته وفضله وإحسانه.
الأثر الثاني: استشعار عظم هبات الله تَعَالَى وشموليتها.
الوهاب هو كثير الهبات، ومتنوعها، فهي تشمل الدين، والدنيا، ويمكن تقسيمها كما يلي:
* أولًا: هبات دينية:
ومن أبرزها والتي ورد فيها نص، ما يلي:
هبة النبوة:
وهي من الهبات التي اختصها الله بمن شاء من عباده، وختمها بمحمد ﷺ ، يقول الله عن إبراهيم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، وقد أنكر كفار قريش نبوة محمد ﷺ حسدًا، فرد الله عليهم بأنها هبة من خزائن رحمته، يقول في كتابه: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص: ٨ - ٩]، يقول الطبري ﵀ في تفسير ذلك: «أم عند هؤلاء المشركين المنكرين وحي الله إلى محمد خزائن رحمة ربك، يعنى: مفاتيح رحمة ربك يا محمد، العزيز في سلطانه، الوهاب لمن
стр. 1228
يشاء من خلقه، ما يشاء من ملك وسلطان ونبوة، فيمنعوك يا محمد، ما منَّ الله به عليك من الكرامة، وفضَّلك به من الرسالة» (١).
هبة الهداية:
وهي نوعان:
هداية الدلالة والإرشاد:
وهي من أعظم هبات الوهاب، فهي مصدر التكليف ومناطه، وبها تقوم حجة الله على عباده؛ فإن الله تَعَالَى لا يُدخل أحدًا النار إلا بعد إرسال الرسل الذين يبينون للناس طريق الرشاد من الغي، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥].
هداية التوفيق:
وهي الهداية الخاصة للأولياء، يقول تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فمن رزقه الله الهداية رُزِق سعادة الدنيا والآخرة، وإذا دخلت الهدايةُ قلبًا وجد السعادة التي طالما بحث عنها، وفي الدعاء المشهور: «اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ» (٢)، أي: مع من هديت، والمراد بهم: الأنبياء والصالحون، أولئك الذين أنعم الله عليهم بالهداية من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولا يمكن أن تستفتح ركعة، بل لا تصح
стр. 1229
أي صلاة حتى تطلب الهداية، وهي هداية الثبات على الإسلام، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
ولعظم هذه الهداية كان الدعاء باستدامة هذا الثبات ورسوخه من منهج الأنبياء والراسخين في العلم، فعن أنس ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» (١)، ويقول الله تَعَالَى على لسان الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] (٢).
هبة الأخ الصالح والصديق الناصح:
وهم الذين يعينون العبد على الخير، وفي الحديث عن النبي ﷺ ، قال: «مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ، وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ تَعَالَى» (٣)، «والبطانة بالكسر: الصاحب الوليجة، وهو الذي يعرفه الرجل أسراره ثقة به، شُبِّه ببطانة الثوب» (٤).
стр. 1230
ولذا طلب نبي الله موسى ﵇ من ربه- عندما أرسله- أن يرسل معه أخاه هارون، فاستجاب الله دعاءه، وامتن عليه بذلك، فقال تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣]، ووهب له أخًا صالحًا يعينه، وكانت أعظم شفاعة في التاريخ شفاعة موسى لأخيه، أن سأل له النبوة.
* ثانيًا: هبات دنيوية:
الهبات الدنيوية متتالية متداخلة تشمل الخلائق كلها، ولا تنفك عنهم في أي طَرفة ولحظة، ومنها:
هبة الحياة:
فالله هو واهب الحياة من غير طلب، يقول تَعَالَى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨].
هبة العافية:
تنوعت هبات الوهاب للعبد في بدنه، لحفظ عافيته، ففي جسد الإنسان عدد كبير من الخلايا، وليس معنى ذلك: أنه يملك من النعم في جسده بعدد هذه الخلايا! بل داخل كل خلية العديد من النعم، وكل خلية عرضة لما لا يمكن إحصاؤه من الآفات، والعلل التي من المحتمل أن تصيبها، والله- بقدرته ورحمته- يحفظها في جسد الإنسان من هذه العوارض، ولذا فكثير من دعاء النبي ﷺ هو في سؤال العفو العافية، فعن أبي بكر الصديق أنه قال: «قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ الْأَوَّلِ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ بَكَى، فَقَالَ: اسْأَلُوا اللهَ
стр. 1231
العَفْوَ وَالعَافِيَةَ، فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ اليَقِينِ خَيْرًا مِنَ العَافِيَةِ» (١)، وعن أنس بن مالك ﵁، قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: تَسْأَلُ رَبَّكَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا، والآخِرَةِ؛ فَإِنَّكَ إِذَا أُعْطِيتَهُمَا فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ أُعْطِيتَهُمَا فِي الآخِرَةِ فَقَدْ أَفْلَحْتَ» (٢).
وهكذا الإنسان لو ذهب يعدد نعم الله تَعَالَى المثبتة عليه في بدنه، لوجد أنه غير قادر على عدها، ولو استطاع ذلك فكيف له أن يعد نعم الله التي هي عبارة عن نقم دفعها الله عنه، أو ابتلاه بها ثم رفعها عنه! فكشف البلاء هبة من الوهاب.
هبة الأزواج والذرية:
وهم الذين تقرُّ بهم الأعين في الدنيا والآخرة، ومن تتبع لفظ (وهبنا) في القرآن وجد قبلها دعوةً أُجيبَتْ، ومن ذلك: ما جاء في ذكر دعاء عباد الرحمن في قوله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]، ويقول أيضًا: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠]، يقول السعدي ﵀ عن هذه الآية: «فيها الإخبار عن سعة ملكه تَعَالَى، ونفوذ تصرفه في الملك في الخلق لما يشاء، والتدبير لجميع الأمور» (٣).
стр. 1232
وقد امتن الله على رسله وأنبيائه بما وهبهم إياه من الذرية الصالحة؛ فمنهم:
إبراهيم ﵇: وهب له بعد كبر السن ووهن العظم إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، وجعل في ذريته الكتاب والنبوة، قال تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، وقال تَعَالَى على لسان إبراهيم ﵇: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩].
داود ﵇: وهب له سليمان ﵇، قال تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠].
زكريا ﵇: وهب له يحيى بعد أن طعن في العمر، وشاخ، وكانت امرأته عاقرًا أيضًا، قال تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء: ٩٠].
هبة كشف البلاء:
فكشف البلاء ورفعه عن العباد هبة عظيمة من الله تَعَالَى، ومن شواهد ذلك: قصة أيوب ﵇ حين ابتلاه الله في جسده، فذهب ماله، وفقد ولده، ثم رفع عنه البلاء، ووهبه مثلي ما أخذ منه من الأهل والولد، قال تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٤٣].
هبة الملك والسلطان لمن يشاء الله من عباده:
يقول تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، وقد سأل سليمان ﵇ الوهاب سُبْحَانَهُ الملك، فقال: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]،
стр. 1233
فاستجاب الوهاب له: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٦ - ٣٩].
ومن تأمل فيما تقدم، كان عليه شكر الوهاب على كثير هباته، وحمده سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى على لسان إبراهيم ﵇: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩].
ويقول ابن القيم ﵀ في ذلك: «فإن النعم نوعان: مستمرة، ومتجددة، فالمستمرة شكرها بالعبادات والطاعات، والمتجددة شرع لها سجود الشكر؛ شكرًا لله عليها، وخضوعًا له وذلًّا» (١).
الأثر الثالث: محبة الوهاب -جل وعلا -:
يورث اسم الله (الوهاب) في نفس المؤمن محبة عظيمة لله سُبْحَانَهُ فهو الذي تتجدد هباته في أمور خلقه كلها بالليل والنهار، بل ومع كل نفس من أنفاسهم، فبيده خزائن كل شيء، وملك كل شيء.
ولا شك أن المسلم إذا تدبر في ذلك وتفكر فيه؛ فسيزداد تعلقًا بالله ورحمته، وكرمه وجوده.
الأثر الرابع: شكر الوهاب على هباته:
تحفظ مواهب الوهاب سُبْحَانَهُ وتزيد بالشكر، الذي هو: «هو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناء واعترافًا، وعلى قلبه شهودًا ومحبة، وعلى
стр. 1234
جوارحه انقيادًا وطاعة، والشكر مبني على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور، وحبه له، واعترافه بنعمته، وثناؤه عليه بها، وأن لا يستعملها فيما يكره، فهذه الخمس: هي أساس الشكر وبناؤه عليها، فمتى عدم منها واحدة: اختل من قواعد الشكر قاعدة» (١).
وقد أمر الله تَعَالَى عباده الذاكرين أن يكثروا من ذكره، ويداوموا على شكره، فقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]
يقول السعدي ﵀ في هذه الآية: «﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾، أي: على ما أنعمت عليكم بهذه النعم، ودفعت عنكم صنوف النقم، والشكر فيه بقاء النعمة الموجودة، وزيادة في النعم المفقودة، قال تَعَالَى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]» (٢).
الأثر الخامس: المحافظة على هبات الوهاب من الفقد:
إن السلب بعد العطاء، والنقصان بعد الزيادة شيء ثقيل على النفس، وهو الحور الذي استعاذ منه النبي ﷺ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ، وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ» (٣)، والحور هو: النقصان، والكور هو: الزيادة، وكان من هديه ﷺ في الدعاء أن يقول- أيضًا-: «اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ
стр. 1235
عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ» (١)، أي: يا الله ألتجئ إليك من ذهاب جميع نعمك الظاهرة والباطنة، الدنيوية والأخروية ما علمتها، وما لم أعلمها؛ لأن نعمك لا تحصى، ولا تعد، ثم يستعيذ من تحول العافية وتبدلها.
ومن أعظم أسباب زوال الهبات والنعم ما يلي:
- الذنوب والمعاصي:
وقد حذر الله عباده من الذنوب والمعاصي، وبين أنها سبب الهلاك والعقاب، يقول تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقال تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٠٠].
يقول ابن القيم ﵀ (٢): «ومن عقوبات الذنوب: أنها تزيل النعم، وتحل النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفِعَ إلا بتوبة، وقد قال تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣]، فأخبر الله تَعَالَى أنه لا يغير نعمه التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه، فيغير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غير غير عليه، جزاء وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد.
стр. 1236
فإن بدل العبد المعصية بالطاعة، بدل الله له العقوبة بالعافية، والذل بالعز، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١].
- كفر النعم، وعدم شكرها:
وقد مضت سنة الله في خلقه أن من كفر نعمة الله، ولم يشكر الله عليها يسلبها منه، ويذيقه ضدها، يقول تَعَالَى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨].
ومن شواهد ذلك القرآنية: قصة سبأ، يقول تَعَالَى عنهم: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ: ١٥ - ١٦].
ويقول سُبْحَانَهُ في موضع آخر: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢].
الأثر السادس: الصبر عند سلب النعم ورفع الهبات:
فقد يكون المنع هو عين العطاء، والوهاب ما حرم عبده إلا ليعطيه، وما منعه إلا ليقربه، فلكل فعل من أفعاله تَعَالَى حكمة وهدف، ومن سنة النبي ﷺ أنه يحمد الله على كل حال، فعن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ
стр. 1237
الصَّالِحَاُت، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ: الحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» (١).
ويقول ﷺ : «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (٢).
ومن أعظم الأمور التي تُسلي العبد المؤمن، وتصبره على المصائب ما يلي:
استشعار محبة الله للصابرين، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، وقرب الله أجمل من كل قريب، وحب الله أحلى من حب كل حبيب.
ولله در القائل:
لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا فَارَقْتُه عِوَضٌ … وَلَيْسَ للهِ إِنْ فَارَقْتَ مِنْ عِوَضِ
إرجاع الأمر لصاحبه سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، وتسليمه الملك لمالكه، وعلمه ألا حق له في النعم، ولله أن يعطي ويمنع، ويقبض ويبسط، ولا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وأمره كله خير؛ لا يسأل عما يفعل سُبْحَانَهُ، وعن أسامة بن زيد ﵁، قال: «أرسلت ابنة النبي ﷺ إليه أن ابنًا لي قُبض، فَأْتِنَا، فأرسل يقرئ السلام، ويقول: إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ
стр. 1238
مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ» (١).
الثقة بأن الله يجزي الصابر على مصيبته والمحتسب، بخير مما فقد منه في الدنيا والآخرة، كما قال تَعَالَى في الحديث القدسي: «إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ، عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الجَنَّةَ»، يريد: عينيه (٢).
أن الله وإن ابتلى عبدًا بمصيبة فإنما يبتليه بشيء من المصائب، ولكنه يعافيه في كثير من النعم، وينزل عليه- أيضًا- كثيرًا من الرزق، فإذا تذكر العبد ما أنعم الله به عليه هان عليه ما أصابه من البلاء، وأعانه ذلك على الصبر، والرضا بما قدره له الله.
وتأمل في تعليل الخضر لموسى ﵇، حين قتل الغلام في سورة الكهف ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨٠ - ٨١].
فكان ظاهر المصيبة فقد الولد، وباطنها الحفاظ على دين الوالدين، وهو أجلُّ النعم وأعظمها، مع إبدالهما خيرًا من الولد الذي قتل، فهو منعٌ حقيقته عظيم العطاء.
الأثر السابع: السعي للبذل والهبة لمن يستحق ذلك:
التعبد باسم الله (الوهاب) يستلزم أن يكون للعبد حظ من هذا الاسم المقدس، والوهاب من العباد هو الذي يعطي خلق الله ما يحتاجون إليه؛ طمعًا في ثواب الله، وخوفًا من عقابه، ورغبة في الجزاء المقيم في جنة رب العالمين،
стр. 1239
يقول تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٨ - ٩].
بل إن من أسباب دوام الهبات والنعم: بذل حقها وزكاتها، بنفع الآخرين، فمن كان ذو موهبة من علم أو صنعة أو مال، عليه ألا يبخل ببذله لمن احتاجه، وإلا نُزعت هذه النعمة، يقول ﷺ : «إِنَّ للهِ عِبَادًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لمنَافِعِ العِبَادِ، يُقِرُّهُمْ فِيهَا مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ، فَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ» (١).
ويقول تَعَالَى في النهي عن البخل لمن كان ذا صنعة، في آية الدَّيْن: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وفي إنفاق المال يقول تَعَالَى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧]، وعن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: «بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ قَالَ: فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ. قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ، حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ» (٢).
وقد كان الصحابة ﵃ يتنافسون في البذل والصدقة والهبة لمن يحتاج، فعن عمر بن الخطاب ﵁، قال: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ فَقُلْتُ: مِثْلَهُ قَالَ: وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ: مَا أَبْقَيْتَ
стр. 1240
لِأَهْلِكَ؟ قَالَ: أَبْقَيْتُلَهُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ قُلْتُ: لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا» (١).
وهذا مصداق لقول النبي ﷺ : «لَا حَسَدَ إِلَّا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ القُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وآنَاءِ النَّهَارِ» (٢).
وفي حديث جامع عظيم عن رسول الله ﷺ ، يرشد لبذل الخير وإن دق، عند الإمام أحمد من حديث أبي ذر: « .... وَتَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ، وتَعْزِلُ الشَّوْكَةَ عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ والعَظْمَ والحَجَرَ، وتَهْدِي الأَعْمَى، وتُسْمِعُ الأَصَمَّ والأَبْكَمَ حَتَّى يَفْقَهَ، وَتَدُلُّ المُسْتَدِلَّ عَلَى حَاجَةٍ لَهُ قَدْ عَلِمْتَ مَكَانَهَا، وَتَسْعَى بِشِدَّةِ سَاقَيْكَ إِلَى اللَّهْفَانِ المُسْتَغِيثِ، وَتَرْفَعُ بِشِدَّةِ ذِرَاعَيْكَ مَعَ الضَّعِيفِ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الصَّدَقَةِ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ» (٣).
الأثر الثامن: دعاء الله تَعَالَى باسمه (الوهاب):
الدعاء نعمة كبرى، ومنحة عظمى، جاد بها المولى الوهاب، وامتن بها على عباده، حيث أمرهم بالدعاء، ووعدهم بالإجابة والإثابة، فما استُجلبت النعم بمثله، ولا استدُفعت النقم بمثله؛ وقد دعا سليمان ﵇ ربه الوهاب بدعوة أجيبت له، وخص بها: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]، يقول ابن عاشور ﵀: «ودلت صيغة
стр. 1241
المبالغة في (الوهاب) على أنه تَعَالَى يهب الكثير والعظيم؛ لأن المبالغة تفيد شدة الكمية أو شدة الكيفية أو كلتيهما بقرينة مقام الدعاء، فمغفرة الذنب من المواهب العظيمة؛ لما يرتب عليه من درجات الآخرة» (١).
كما كان النبي ﷺ يكثر أن يقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» فلما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] قال: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي؛ إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ» (٢)، وكان ﷺ إذا استيقظ من الليل قال: «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ، اللهمَّ أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللهمَّ زِدْنِي عِلْمًا، وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» (٣).
فكان دعاء المغفرة وسؤال الثبات من رسول الله ﷺ لربه باسمه الوهاب، وكذلك سأل الراسخون في العلم ربهم الوهاب أن يثبتهم على الهداية ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
فمهما كانت أمانيك ومطالبك في الدنيا والآخرة، سلها كثيرَ العطايا والهبات، وثق بأن الوهاب كريم لا يعجزه شيء سُبْحَانَهُ.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
стр. 1242
البَرُّ ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «البِر: خلاف العقوق، والْمَبَرَّة مثله، تقول: بَرِرْتُ والدي بالكسر، أَبَرُّهُ بِرًّا، فأنا بَرٌّ به وبارٌّ، وجمع البَرَّ: أَبْرارٌ، وجمع البار: البررة، وفلان يبر خالقه ويَتَبَرَّرُهُ، أي: يُطِيعُهُ، والأمُّ بَرَّةٌ بولدها، وبَرَّ فلان في يمينه، أي: صَدَقَ، وبَرَّ حَجُّهُ، وبُرَّ حجه، وبَرَّ الله حجَّهُ، بِرًّا، بالكسر في هذا كلِّه» (١).
قال ابن فارس ﵀: «(بر) الباء والراء في المضاعف أربعة أصول: الصدق … ، فأما الصدق فقولهم: صدق فلان وبَرَّ، وبرَّتْ يمينُه: صدقت … » (٢).
ورود اسم الله تَعَالَى (البَر) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (البر) في كتاب الله مرة واحدة، وهي:
قوله : ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨].
стр. 1243
ورود اسم الله تَعَالَى (البَر) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله تَعَالَى (البَر) في السنة النبوية.
معنى اسم الله (البَر) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] «يعني: اللطيف بعباده» (١).
قال الزجاج ﵀: «والله تَعَالَى بَرٌّ بخلقه بمعنى: أنه يحسن إليهم، ويصلح أحوالهم» (٢).
قال الخطابي ﵀: «البر هو العَطُوفُ على عباده، المحسن إليهم، عَمَّ ببرِّهِ جميع خلقه، فلم يبخل عليهم برزقه» (٣).
قال الحليمي ﵀: «البر الرفيق بعباده، يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، ويعفو عن كثير سيئاتهم، ولا يؤاخذهم بجميع جناياتهم، ويجزيهم بالحسنة عشر أمثالها، ولا يجزيهم بالسيئة إلا مثلها، ويكتب لهم الهَمَّ بالحسنة، ولا يكتب عليهم الهَمَّ بالسيئة» (٤).
قال السعدي ﵀: «وصفُهُ البَرُّ، وآثار هذا الوصف: جميع النعم الظاهرة والباطنة؛ فلا يستغني مخلوق عن إحسانه وبره طرفة عين» (٥).
стр. 1244
قال ابن القيم ﵀ في نونيته:
والبَرُّ فِي أَوْصَافِهِ سُبْحَانَهُ … هُوَ كَثْرَةُ الخَيْرَاتِ والإِحْسَانِ
صَدَرَتْ عَنِ البَرِّ الَّذِي هُوَ … وَصْفُهُ فَالبِرُّ حِينَئِذٍ نَوْعَانِ
وَصْفٌ وَفِعْلٌ فَهُوَ بَرٌّ مُحْسِنٌ … مُولِي الجَمِيل ودَائِمُ الإِحْسَانِ (١)
اقتران اسم الله (البَر) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
- اقترن اسم الله (البَر) باسمه (الرحيم):
وذلك في آية واحدة، وهي قوله : ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]
وجه الاقتران:
لعل اقترانهما من باب المسبب والسبب، فإن بِر الله بعباده- الذي هو عبارة عن توالي مننه، وتتابُع إحسانه وإنعامه- أثر من آثار رحمته الواسعة التي غمرت الوجود، وتقلَّب فيها كلُّ موجود، وعن طريق تلك المنن الجزيلة، وذلك الإحسان العميم عرف العباد أن ربهم رحيم، وتقديم (البَر) على (الرحيم) أبلغ في المدح والثناء، بالترقي من الأخص إلى الأعم، ومن المسبب إلى السبب (٢).
стр. 1245
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (البَر):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم (البر) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتوحيد الله به:
الله ﵎ بر رحيم لطيف رؤوف بعباده، عطوف عليهم، محسن إليهم، مصلح لأحوالهم في الدنيا والدين، ومن مظاهر بره سُبْحَانَهُ ما يلي:
بر الله تَعَالَى لعباده في الدنيا:
من بره سُبْحَانَهُ بخلقه وإحسانه إليهم: أن جعل بره وفضله مشتركًا فيه المؤمن والكافر، فهو سُبْحَانَهُ الكريم الذي لا ساحل لكرمه، خيره إليهم نازل وشرهم إليه صاعد، يتحبب إليهم بالنعم، ويتبغضون إليه بالمعاصي، يرسل السماء عليهم مدرارًا، ويمددهم بأموال وبنين، ويجري لهم الأنهار وينبت لهم جنان الأرض، ويخرج لهم كنوزها، يقول تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]، وكل ما في هذه الدنيا لا يأتي قطرة من بره سُبْحَانَهُ بعباده المؤمنين في الآخرة في جنات النعيم، ففيها ما تشتهي الأنفس، وتلذ الأعين، وهم فيها خالدون، لا يهرمون ولا يبأسون، ولا يموتون، ولا يمرضون ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤]
ومن بره سُبْحَانَهُ: أنه أعطى عباده وقسم لهم من الصحة والقوة والمال والجاه والأولاد والأنصار، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ
стр. 1246
وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤]، ويدخل في ذلك كل معروف وإحسان؛ لأنها ترجع إلى البِر.
بر الله تَعَالَى لعباده في الدين:
فالبرسُبْحَانَهُ كثير الخيرات، صاحب الإحسان المطلق الذي لا ينقطع حتى مع العبد العاصي.
فمن بره سُبْحَانَهُ لعباده المؤمنين: التوفيق للإيمان والطاعات، ثم إعطاؤهم الثوابَ الجزيل على ذلك في الدنيا والآخرة، فهو الذي وفَّق وأعان أولًا، وأثاب وأعطى آخرًا.
ومن بره سُبْحَانَهُ: أنه بارٌّ بأوليائه، صادق فيما وعدهم به من الأجر والثواب، يقول تَعَالَى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وقال تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤].
«والمقصود: أن الله سُبْحَانَهُ أعلم بمواقع فضله ورحمته وتوفيقه، ومَن يصلح لها، ومن لا يصلح، وأن حكمته تأبى أن يضع ذلك عند غير أهله، كما تأبى أن يمنعه من يصلح له، وهو سُبْحَانَهُ الذي جعل المحل صالحًا وجعله أهلًا وقابلًا، فمنه الإعداد والإمداد، ومنه السبب والمسبب» (١).
ومن بره سُبْحَانَهُ بعباده: إمهاله للمسئ منهم، وإعطاؤه الفرصة بعد الفرصة للتوبة، مع قدرته على المعاجلة بالعقوبة، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَرَبُّكَ
стр. 1247
الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨].
ومِن بِرِّه سُبْحَانَهُ أيضًا: معاملة عباده بالصفح والعفو وستر الذنوب والتجاوز عنها، فعن ابن عمر ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ اللهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ، فَيَقُولُ الْأَشْهَادُ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]» (١).
يقول ابن القيم ﵀ في شرحه أسرار التوبة: «ومنها: أن يعرف بِرَّهُ سُبْحَانَهُ في ستره عليه حال ارتكاب المعصية مع كمال رؤيته له، ولو شاء لفضحه بين خلقه فحذروه، وهذا من كمال بِرِّه، ومن أسمائه (البَرُّ)، وهذا البِرُّ مِن سيده كان به مع كمال غناه عنه، وكمال فقر العبد إليه، فيشتغل بمطالعة هذه المنة، ومشاهدة هذا البر والإحسان والكرم، فيذهل عن ذكر الخطيئة، فيبقى مع الله سُبْحَانَهُ؛ وذلك أنفع له من الاشتغال بجنايته وشهود ذل معصيته، فإن الاشتغال بالله والغفلة عما سواه: هو المطلب الأعلى والمقصد الأسنى، ولا يوجب هذا نسيان الخطيئة مطلقًا بل في هذه الحال، فإذا فقدها فليرجع إلى مطالعة الخطيئة، وذكر الجناية، ولكل وقت ومقام عبودية تليق به» (٢).
стр. 1248
وقد أطال ابن القيم ﵀ في شرح مظاهر البر في قبول توبة العبد، وملخص ما قال:
شهود حلم الله في إمهال راكب الخطيئة، ولو شاء لعاجله بالعقوبة.
معرفة العبدِ كرمَ ربِّهِ في قبول العذر منه إذا اعتذر إليه، فيقبل عذره بكرمه وجوده، فيوجب له ذلك اشتغالًا بذكره وشكره، ومحبة أخرى لم تكن حاصلة له قبل ذلك، فإن محبتك لمن شكرك على إحسانك وجازاك به، ثم غفر لك إساءتك ولم يؤاخذك بها- أضعاف محبتك على شكر الإحسان وحده، والواقع شاهد بذلك؛ فعبودية التوبة بعد الذنب لون، وهذا لون آخر.
أن يشهد فضله في مغفرته، فإن المغفرة فضل من الله، وإلا فلو أخذك بمحض حقه كان عادلًا محمودًا، وإنما عفوه بفضله لا باستحقاقك، فيوجب لك ذلك- أيضًا- شكرًا له ومحبةً، وإنابةً إليه، وفرحًا وابتهاجًا به، ومعرفةً له باسم (الغفار) ومشاهدةً لهذه الصفة، وتعبدًا بمقتضاها، وذلك أكمل في العبودية، والمحبة والمعرفة (١).
وحري بمن عرف اسم الله البر ومظاهر بره وآمن به، أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، فيسأله وحده بره ورفقه.
стр. 1249
الأثر الثاني: محبة البَر سُبْحَانَهُ:
إن الله هو «البر الذي شمل الكائنات بأسرها ببره ومنِّه وعطائه، فهو مولي النعم، واسع العطاء، دائم الإحسان، لم يزل ولا يزال بالبر والعطاء موصوفًا، وبالمن والإحسان معروفًا، تفضل على العباد بالنعم السابغة، والعطايا المتتابعة، والآلاء المتنوعة، ليس لجوده وبره وكرمه مقدار، فهو سُبْحَانَهُ ذو الكرم الواسع والنوال المتتابع، والعطاء المدرار» (١)، وهو الواسع الجود الذي عطاؤه حكمة ومنعه رحمة؛ لأنه لا ينقصه إعطاء ولا يزيده منع، فهو يَبَرُّ عبدَه المؤمن بما يوافق نفسه، فربما بَرَّهُ بالنعمة وربما بَرَّهُ بالبؤس، فهو يختار له من الأحوال ما هو خير له ليوسع له في العقبى» (٢) ومن كانت هذه صفته، فقد وجبت محبته سُبْحَانَهُ.
الأثر الثالث: الثقة بالبر سُبْحَانَهُ والرضى بأقداره:
من آمن باسم الله البر اطمأن قلبه، وعلم أن ما يعيشه من محنة فمن البر الرحيم سُبْحَانَهُ، وما ابتلاه إلا لأنه أحبه، وبعد كل عسر يسران، ومع شدة الليل يكون ظهور الفجر، و مع المحن المنح، ولذلك كان من أخلاق الأبرار: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧]؛ لأن لديهم من بعد النظر ما يجعلهم لا يقفون مع ظاهر المصيبة، وإنما يتأملون ما بعدها من حسن العاقبة.
كما رُزقت أمهات المؤمنين برسول الله ﷺ زوجًا بعد مصائب عظيمة عانينها، ومن ذلك: أم سلمة يموت زوجها، ورملة بتنصُّر زوجها الذي
стр. 1250
خرج مهاجرًا، وصفية السيدة تقع في الأسر لتكون سبيًا، وعائشة تبتلى في عرضها لينزل فيها قرآن حتى قالت مقولتها: «وَلَكِنْ وَاللهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى» (١)، وقصة صاحبة الوشاح التي كان سبب دخولها الإسلام اتهامها بالسرقة، فعن عائشة ﵂: «أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا فَكَانَتْ مَعَهُمْ، قَالَتْ: فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ، عَلَيْهَا وِشَاحٌ أَحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ، قَالَتْ: فَوَضَعَتْهُ، أَوْ وَقَعَ مِنْهَا، فَمَرَّتْ بِهِ حُدَيَّاةٌ (٢)، وَهُوَ مُلْقًى فَحَسِبَتْهُ لَحْمًا فَخَطِفَتْهُ، قَالَتْ: فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، قَالَتْ: فَاتَّهَمُونِي بِهِ، قَالَتْ: فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ، حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا، قَالَتْ: وَاللهِ إِنِّي لَقَائِمَةٌ مَعَهُمْ، إِذْ مَرَّتِ الْحُدَيَّاةُ فَأَلْقَتْهُ، قَالَتْ: فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِه، زَعَمْتُمْ وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَهُوَ ذَا هُوَ، قَالَتْ: فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَسْلَمَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ حِفْشٌ، قَالَتْ: فَكَانَتْ تَأْتِينِي فَتَحَدَّثُ عِنْدِي، قَالَتْ: فَلَا تَجْلِسُ عِنْدِي مَجْلِسًا، إِلَّا قَالَتْ:
وَيَوْمَ الْوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا
أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أَنْجَانِي
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: مَا شَأْنُكِ، لَا تَقْعُدِينَ مَعِي مَقْعَدًا إِلَّا قُلْتِ هَذَا؟ قَالَتْ: فَحَدَّثَتْنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ» (٣).
وقصة يوسف ﵇ قصة لكل محزون، تجعل الأمل لا يفارقه البتة، وهي قصة من أحسن القصص وأوضحها وأبينها؛ لما فيها من أنواع التنقلات،
стр. 1251
من حال إلى حال، ومن محنة إلى محنة، ومن محنة إلى منحة ومنَّة، ومن ذل إلى عز، ومن رقٍّ إلى ملك، ومن فرقة وشتات إلى اجتماع وائتلاف، ومن حزن إلى سرور، ومن رخاء إلى جدب، ومن جدب إلى رخاء، ومن ضيق إلى سعة، ومن إنكار إلى إقرار، فتبارك مَن قصها فأحسنها، ووضحها وبيَّنها.
وهذا إنما هو بِر البَر الرحيم سُبْحَانَهُ في عباده المصابين المكروبين في الدنيا، فكيف ببره لهم في الآخرة!
стр. 1252
«البَرُّ يحب الأبرار»
في موضوع البر سنتطرق لعدة مسائل، وهي:
أولًا: تعريف البر:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وكذلك لفظ (البِر) إذا أطلق تناول جميع ما أمر الله به، كما في قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤]، وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩] وقوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، فالبِر إذا أُطلق كان مسماه مسمى التقوى، والتقوى إذا أطلقت كان مسماها مسمى البِرِّ، ثم قد يجمع بينهما كما في قوله تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]» (١).
стр. 1253
وقال ﵀ في موضع آخر: «فكان كل ما يحبه الله يدخل في اسم الإيمان، وكذلك لفظ (البر) يدخل فيه جميع ذلك إذا أطلق، وكذلك لفظ (التقوى)، وكذلك (الدين، أو دين الإسلام) وكذلك روي أنهم سألوا عن الإيمان، فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ … الآية [البقرة: ١٧٧]، وقد فسر البر بالإيمان، وفسر بالتقوى، وفسر بالعمل الذي يقرب إلى الله، والجميع حق، وقد روي مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه فسر الإيمان بالبر (١)، وجاء في الأثر أن رجلًا جاء إلى أبي ذر، فسأله عن الإيمان، فقرأ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى آخر الآية؛ فقال الرجل: ليس عن البر سألتك، فقال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الذي سألتني عنه، فقرأ عليه الذي قرأت عليك، فقال له الذي قلت لي، فلما أبى أن يرضى قال له: إن المؤمن الذي إذا عمل الحسنة سرته، ورجا ثوابها، وإذا عمل السيئة ساءته، وخاف عقابها» (٢).
ثانيًا: فضائل البر وأهله:
فضائل البر كثيرة، منها:
١ - أن أهل البر في الدنيا يلحقون بالبررة في السماوات العلى، ففي حديث النبي ﷺ : «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ» (٣).
стр. 1254
أمنية عباد الله الصالحين- الذين أثنى الله على دعائهم في القرآن-: الوفاة مع الأبرار، يقول تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] وقد ذكر القَفَّال في تفسير هذه المعية وجهين:
أن وفاتهم معهم هي أن يموتوا على مثل أعمالِهم، حتى يكونوا في درجاتهم يوم القيامة، فقد يقول الرجل: أنا مع الشافعي في هذه المسألة، ويريد به كونَهُ مساويًا له في ذلك الاعتقاد.
يقال: فلان في العطاء مع أصحاب الألوف، أي: هو مشارك لهم في أنه يعطي ألفًا.
النعيم العظيم في الحياة الدنيا، وفي البرزخ، ويوم القيامة، يكون للأبرار، يقول ابن القيم ﵀ (١): «ولا تظنَّ أن قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤ - ١٣] يختص بيوم المعاد فقط، بل هؤلاء في نعيم في دُورِهِمُ الثلاثةِ، وهؤلاء في جحيم في دورهم الثلاثة، وأي لذة ونعيم في الدنيا أطيب مِن بِر القلب وسلامة الصدر، ومعرفة الرَّب تَعَالَى، ومحبته والعمل على موافقته.
الخير العظيم من الله الذي يرتقبه الأبرار، فهو جنات تجري من تحتها الأنهار، تأمَّلْ قوله تَعَالَى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨].
стр. 1255
أسماء الأبرار مرقومة في عليين، يقول تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٨ - ٢١]، فكتابهم في (عِلِّيِّين) أعلى الجنان وأوسعها، يَشهدُ رقم أسمائهم في هذا الكتاب المبارك الملائكةُ المقرَّبون وأرواحُ الأنبياء والصديقين والشهداء.
الأبرار ينالون خير نعيم وأعظمه، وهو النظر لوجه البَر: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ [المطففين: ٢١ - ٢٨].
ثالثًا: من هم الأبرار؟
١ - الأبرار هم أهل بِر الوالدين والإحسان إليهم:
الذين اقتدوا بأنبياء الله والبررة من عباده، يقول تَعَالَى عن نبيه يحيى ﵇: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: ١٤] وقال عن عيسى ﵇: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢]، فهم الذين التزموا وصيةَ الله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٤٦].
وهم الذين تقرَّبوا بأحب الأعمال إلى الله، كما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ قال: «سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟
стр. 1256
قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» (١).
وَلْيَهْنَهُمْ ما بشَّرهم به رسول الله ﷺ ، بأن عملهم أفضل من الجهاد في سبيل الله؛ فقد «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» (٢).
وهم الموفقون، أهل الرزق في الدنيا وطول العمر، فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (٣).
٢ - الأبرار هم أهل الصدقات:
وهم أهل البذل، والإحسان على كل قريب ويتيم وفقير ومحتاج، وأموالهم في كل وجه للخير تبذل ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
فالإسلام دين يقوم على البذل والإنفاق، ويضيق على الشُّحِّ والإمساك؛ ولذلك حَبَّبَ إلى بنيه أن تكونَ نفوسُهم سخيَّةً، وأكفُّهم نديَّةً، وأوصاهم بالمسارعة إلى دواعي الإحسان ووجوه البر، وأن يجعلوا تقديم الخير إلى
стр. 1257
الناس شغلهم الدائم، لا ينفكون عنه في صباح أو مساء: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]
والبذل الواسع عن إخلاص ورحمة يغسل الذنوب ويمسح الخطايا، قال الله تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١]، وقال: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [التغابن: ١٧ - ١٨]
والعبد إذا انزلق في ذنب، وشعر بأنه باعد بينه وبين ربه، فإن الطهور الذي يعيد إليه نقاءَهُ، ويردُّ إليه ضياءَهُ، ويلفُّهُ في ستار الغفران والرضا: أن يجنحَ إلى مالٍ عزيزٍ عليه فينخلع عنه للفقراء والمساكين، زلفى يتقرب بها إلى أرحم الراحمين، وقد غفر الله لبغيٍّ من بني إسرائيل بشربة ماء لكلب أرهقه العطشُ، كما ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁، أن النبيَّ ﷺ قال: «أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئْرٍ قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لَهَا» (١).
بل إن المرء وقت الاحتضار يتمنى الاستزادة من جميع الطاعات على وجه العموم، والصدقات على وجه الخصوص، يقول تَعَالَى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]
стр. 1258
٣ - الأبرار هم أهل الخُلق الحسن:
عن النواس بن سمعان ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» (١)، وأهل الأخلاق الحسنة هم خير الناس، عن عبد الله بن عمرو ﵁، قال: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا» (٢).
والخلق الحسن به يثقل ميزان العبد يوم القيامة، عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: «مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ» (٣)، وزاد في رواية له: «وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الْخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ» (٤).
و «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ فَقَالَ: تَقْوَى اللهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ، وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ، فَقَالَ: الْفَمُ وَالْفَرْجُ» (٥)، وقال رسول الله ﷺ : «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ
стр. 1259
مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ» (١).
وعند أحمد في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فأعادها مرتين أو ثلاثًا، قالوا: نعم يا رسول الله، قال: أَحْسَنُكُمْ خُلُقًا» (٢).
٤ - الأبرار هم أهل الصدق:
الصدق معنى واسع يدخل فيه صدقك مع ربك أولًا، ثم مع نفسك، ثم مع الناس، والصدق يهدي صاحبَهُ لجميع أنواع الخيرات، ويقوده إلى الجنة، وفي الحديث الصحيح: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ» (٣).
وكان أبغض خُلُق إلى رسول الله الكذب؛ فعن عائشة ﵂، قالت: «مَا كَانَ خُلُقٌ أَبْغَضَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْكَذِبِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَكْذِبُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْكَذِبَةَ، فَمَا يَزَالُ فِي نَفْسِهِ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ مِنْهَا تَوْبَةً» (٤).
стр. 1260
٥ - الأبرار هم من يخلصون في أعمالهم ويبتغون وجه الله تعالى:
الأبرار هم الذين لم يتركوا بابًا للخير إلا طرقوه، إن تكلموا عُلم مافي قلوبهم من إيمان عظيم بالله وملائكته واليوم الآخر، وإن أصابتهم السراء شكروا، وإن أصابتهم الضراء صبروا، قال الله عنهم في آية جامعة لصفاتهم: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]
نسأل الله البر سُبْحَانَهُ أن يسلك بنا سبيل الأبرار، وأن يتوفانا معهم، وأن نقول غدًا إذا تمَّت لنا النعمة في جنات النعيم: ﴿ى ى ئا ئا ئ? ئ? ئو ئو ئ? ئ?﴾ [الطور: ٢٨].
стр. 1261
الحسيب الديَّان ﷻ -
المعنى اللغوي:
أولًا: (الحسيب):
قال الجوهري ﵀: «حسب: حَسَبْتُهُ أَحْسَبُهُ بالضم حَسْبًا وحسابًا وحسبانًا وحسابة، إذا عددته … والمعدود محسوبٌ وحَسَبٌ أيضًا … وحاسبته من المحاسبة واحتسبت عليه كذا، إذا أنكرته عليه. قاله ابن دريد، واحتسبت بكذا أجرًا عند الله، والاسم: الحِسْبة بالكسر، وهي الأجر، والجمع: الحِسب … » (١).
قال ابن فارس ﵀: «(حسب) الحاء والسين والباء أصول أربعة:
فالأول: العد، تقول: حسبت الشيء أحسبه حسبًا وحسبانًا، قال الله تَعَالَى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] … ومن الباب الحَسَبُ الذي يعد من الإنسان، قال أهل اللغة: معناه أن يعد آباء أشرافًا.
والأصل الثاني: الكفاية، تقول: شيء حِسَابٌ، أي: كاف، ويقال: أَحْسَبْتُ فلانًا، إذا أعطيته ما يرضيه … » (٢).
стр. 1262
ثانيًا: (الديَّان):
قال الجوهري ﵀: «الدَّيْنُ: واحد الديون، تقول: دِنْتُ الرجل أقرضته، فهو مدينٌ ومَدْيونٌ … والدينُ بالكسر: العادة والشأن … والدينُ: الجزاء والمكافأة، يقال: دانَهُ دينًا، أي: جازاه، يقال: (كَمَا تَدِينُ تُدانُ) (١)، أي: كما تُجازِي تُجازَى، أي: تُجازى بفعلك وبحسب ما عملت، وقوله تَعَالَى: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] أي: مجزيُّون محاسَبون، ومنه: الدَيَّانُ في صفة الله تَعَالَى … » (٢).
قال ابن فارس ﵀: «(دين) الدال والياء والنون أصل واحد، إليه يرجع فروعه كلها:
ومنه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، أي: يوم الحكم، وقال قوم: الحساب والجزاء، وأي ذلك كان فهو أمر ينقاد له …
ومن هذا الباب الدَّيْنُ، يقال: دَايَنْتُ فلانا، إذا عاملته دَيْنًا، إما أخذًا وإما إعطاء» (٣).
стр. 1263
ورود اسمي الله (الحسيب - الديَّان) في القرآن الكريم:
أولًا: ورود اسم الله (الحسيب):
- ورد اسم الله (الحسيب) ثلاث مرات في كتاب الله ، ووروده كالتالي:
قوله : ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦].
قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦].
قوله : ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩].
ثانيًا: ورود اسم الله (الديّان) في القرآن الكريم:
لم يرد اسم الله (الديان) في القرآن الكريم.
ورود اسمي الله (الحسيب - الديان) في السنة النبوية:
أولًا: ورود اسم الله (الحسيب) في السنة:
لم يرد اسم الله (الحسيب) في السنة النبوية.
ثانيًا: ورود اسم الله (الديان) في السنة:
من وروده ما يلي:
حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله ﷺ ، فاشتريت بعيرًا، ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهرًا، حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أُنيس ﵁، فقلت للبواب:
стр. 1264
قل له: جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديثًا بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ -أَوْ قَالَ الْعِبَادُ- عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا، قَالَ: قُلْنَا: وَمَا بُهْمًا؟ قَالَ: لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ [مَنْ قَرُبَ]: أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةَ، قَالَ: قُلْنَا: كَيْفَ وَإِنَّا إِنَّمَا نَأْتِي اللهَ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قَالَ: بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ» (١).
وزاد في رواية: «وتلا رسول الله ﷺ : ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ١٧]» (٢).
ثبوت اسم الله (الديان) في حق الله تعالى:
من العلماء الذين أثبتوا اسم الله (الديان) في حق الله تَعَالَى:
- ابن القيم ﵀: يقول في نونيته:
جَهْمُ بْنُ صَفْوَانٍ وَشِيعَتُهُ الأُلَى … جَحَدُوا صِفَاتِ الخَالِقِ الدَّيَّانِ (٣)
стр. 1265
- ابن منده ﵀، قال: «ومن أسماء الله : الدائم والدافع والديان، قال عمر ﵁: ويل لديان الأرض من ديان السماء» (١).
معنى اسمي الله (الحسيب- الديان) في حقه سُبْحَانَهُ:
أولًا: معنى اسم الله (الحسيب) في حق الله :
أ- يدور اسم الله الحسيب على معنيين (٢):
الأول: الكفاية.
الثاني: الحفظ للعمل والمحاسبة عليه.
وحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء.
من الأقوال في المعنى الأول:
قال أبو عبيدة ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] «أي كافيًا مقتدرًا، يقال: أَحْسَبَنِي هذا، أي: كفاني» (٣).
قال الطبري ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦] «وكفى بالله كافيًا من الشهود الذين يشهدهم والي اليتيم على دفعه مال يتيمه إليه» (٤).