← Акыда

Акыда · id 721

موسوعة شرح أسماء الله الحسنى

نوال العيد

Полный текст (1 826 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

الحسيب الديَّان ﷻ - المعنى اللغوي: أولًا: (الحسيب): قال الجوهري ﵀: «حسب: حَسَبْتُهُ أَحْسَبُهُ بالضم حَسْبًا وحسابًا وحسبانًا وحسابة، إذا عددته … والمعدود محسوبٌ وحَسَبٌ أيضًا … وحاسبته من المحاسبة واحتسبت عليه كذا، إذا أنكرته عليه. قاله ابن دريد، واحتسبت بكذا أجرًا عند الله، والاسم: الحِسْبة بالكسر، وهي الأجر، والجمع: الحِسب … » (١). قال ابن فارس ﵀: «(حسب) الحاء والسين والباء أصول أربعة: فالأول: العد، تقول: حسبت الشيء أحسبه حسبًا وحسبانًا، قال الله تَعَالَى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] … ومن الباب الحَسَبُ الذي يعد من الإنسان، قال أهل اللغة: معناه أن يعد آباء أشرافًا. والأصل الثاني: الكفاية، تقول: شيء حِسَابٌ، أي: كاف، ويقال: أَحْسَبْتُ فلانًا، إذا أعطيته ما يرضيه … » (٢).

стр. 1262

ثانيًا: (الديَّان): قال الجوهري ﵀: «الدَّيْنُ: واحد الديون، تقول: دِنْتُ الرجل أقرضته، فهو مدينٌ ومَدْيونٌ … والدينُ بالكسر: العادة والشأن … والدينُ: الجزاء والمكافأة، يقال: دانَهُ دينًا، أي: جازاه، يقال: (كَمَا تَدِينُ تُدانُ) (١)، أي: كما تُجازِي تُجازَى، أي: تُجازى بفعلك وبحسب ما عملت، وقوله تَعَالَى: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] أي: مجزيُّون محاسَبون، ومنه: الدَيَّانُ في صفة الله تَعَالَى … » (٢). قال ابن فارس ﵀: «(دين) الدال والياء والنون أصل واحد، إليه يرجع فروعه كلها: ومنه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، أي: يوم الحكم، وقال قوم: الحساب والجزاء، وأي ذلك كان فهو أمر ينقاد له … ومن هذا الباب الدَّيْنُ، يقال: دَايَنْتُ فلانا، إذا عاملته دَيْنًا، إما أخذًا وإما إعطاء» (٣).

стр. 1263

ورود اسمي الله (الحسيب - الديَّان) في القرآن الكريم: أولًا: ورود اسم الله (الحسيب): - ورد اسم الله (الحسيب) ثلاث مرات في كتاب الله ، ووروده كالتالي: قوله : ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦]. قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]. قوله : ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩]. ثانيًا: ورود اسم الله (الديّان) في القرآن الكريم: لم يرد اسم الله (الديان) في القرآن الكريم. ورود اسمي الله (الحسيب - الديان) في السنة النبوية: أولًا: ورود اسم الله (الحسيب) في السنة: لم يرد اسم الله (الحسيب) في السنة النبوية. ثانيًا: ورود اسم الله (الديان) في السنة: من وروده ما يلي: حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله ﷺ ، فاشتريت بعيرًا، ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهرًا، حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أُنيس ﵁، فقلت للبواب:

стр. 1264

قل له: جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديثًا بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ -أَوْ قَالَ الْعِبَادُ- عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا، قَالَ: قُلْنَا: وَمَا بُهْمًا؟ قَالَ: لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ [مَنْ قَرُبَ]: أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةَ، قَالَ: قُلْنَا: كَيْفَ وَإِنَّا إِنَّمَا نَأْتِي اللهَ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قَالَ: بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ» (١). وزاد في رواية: «وتلا رسول الله ﷺ : ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ١٧]» (٢). ثبوت اسم الله (الديان) في حق الله تعالى: من العلماء الذين أثبتوا اسم الله (الديان) في حق الله تَعَالَى: - ابن القيم ﵀: يقول في نونيته: جَهْمُ بْنُ صَفْوَانٍ وَشِيعَتُهُ الأُلَى … جَحَدُوا صِفَاتِ الخَالِقِ الدَّيَّانِ (٣)

стр. 1265

- ابن منده ﵀، قال: «ومن أسماء الله : الدائم والدافع والديان، قال عمر ﵁: ويل لديان الأرض من ديان السماء» (١). معنى اسمي الله (الحسيب- الديان) في حقه سُبْحَانَهُ: أولًا: معنى اسم الله (الحسيب) في حق الله : أ- يدور اسم الله الحسيب على معنيين (٢): الأول: الكفاية. الثاني: الحفظ للعمل والمحاسبة عليه. وحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء. من الأقوال في المعنى الأول: قال أبو عبيدة ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] «أي كافيًا مقتدرًا، يقال: أَحْسَبَنِي هذا، أي: كفاني» (٣). قال الطبري ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦] «وكفى بالله كافيًا من الشهود الذين يشهدهم والي اليتيم على دفعه مال يتيمه إليه» (٤).

стр. 1266

قال ابن الأثير ﵀: «الحسيب: هو الكافي، فعيل بمعنى مُفْعِلٍ، من أَحْسَبَنِي الشيء: إذا كفاني، وأَحْسَبْتُهُ وحَسَّبْتُهُ بالتشديد: أعطيته ما يرضيه حتى يقول: حَسبي» (١). وقال ابن القيم ﵀: وَهوَ الحَسِيبُ حِمَايَةً وَكِفَايَةً … وَالحَسْبُ كَافِي العَبْدِ كُلَّ أَوَانِ (٢) من الأقوال في المعنى الثاني: قال الطبري ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]: «إن الله كان على كل شيء مما تعملون- أيها الناس- من الأعمال من طاعة ومعصية حفيظًا عليكم، حتى يجازيكم بها جزاءه … وأصل الحسيب في هذا الموضع عندي: فعيل من الحساب الذي هو في معنى الإحصاء، يقال منه: حاسبت فلانًا على كذا وكذا، وفلان حاسبه على كذا وهو حسيبه، وذلك إذا كان صاحب حسابه» (٣). قال ابن كثير ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦] «أي: وكفى بالله محاسبًا وشهيدًا ورقيبًا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم للأموال: هل هي كاملة موفرة، أو منقوصة مبخوسة مُدْخَلَة مُرَوَّجٌ حسابُها مُدَلَّسٌ أمورُها؟ الله عالم بذلك كله» (٤).

стр. 1267

من الأقوال في المعنى الأول والثاني: قال الزجاج ﵀: «الحسيب يجوز أن يكون من حسبتُ الحساب، ويجوز أن يكون أحسبني الشيء إذا كفاني … فالله تَعَالَى محسب، أي: كاف، فيكون فعيلًا في معنى مفعل، كأليم ونحوه» (١). قال الزجاجي ﵀: «الحسيب: المحاسب على الشيء، الموافق عليه، فالله حسيب عباده، أي: محاسبهم على أعمالهم، ومجازيهم عليها … والحسيب: الكفي … ويقال: (حسبك كذا)، أي: يكفيك، ومنه قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] أي: يكفيك الله ومن اتبعك من المؤمنين … » (٢). قال الخطابي ﵀: «الحسيب: هو المكافئ، فعيل بمعنى: مُفْعِل، كقولك: أليم بمعنى مؤلِم، تقول العرب: نزلت بفلان فأكرمني وأَحْسَبَنِي، أي: أعطاني ما كفاني حتى قلت: حسبي … والحسيب أيضًا بمعنى المحاسب، كقولهم: وزير، ونديم: بمعنى موازر ومنادم، ومنه قول الله سُبْحَانَهُ: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] أي: محاسبًا» (٣). قال السعدي ﵀: «والحسيب بمعنى: الرقيب، المحاسب لعباده، المتولي جزاءهم بالعدل، وبالفضل، وبمعنى: الكافي عبده همومه، وغمومه،

стр. 1268

وأخص من ذلك: أنه الحسيب للمتوكلين ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] أي: كافيه أمور دينه ودنياه» (١)، وقال في قوله تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] «أي: عالمًا بأعمال العباد، حافظًا لها، مثبتًا لها في الكتاب، عالمًا بمقاديرها ومقادير ثوابها، وعقابها، واستحقاقها، موصلًا للعمال جزاءها» (٢). ثانيًا: معنى اسم الله (الديّان) في حق الله : يدور اسم الله (الديان) على معنيين: ١ - الحاكم القاضي الذي دانت له الخليقة. ٢ - المحاسب المجازي. وحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء. من الأقوال في المعنى الأول: قال ابن الأثير ﵀: «في أسماء الله تَعَالَى (الديان) قيل: هو القهار، وقيل: هو الحاكم والقاضي، وهو فعال، من دان الناس: أي: قهرهم على الطاعة، يقال: دنتهم فدانوا: أي قهرتهم فأطاعوا» (٣). من الأقوال في المعنى الثاني: قال الحليمي ﵀: «وهو الحاسب والجازي، لا يضيع عملًا،

стр. 1269

ولكنه يجزي بالخير خيرًا، وبالشر شرًّا» (١). من الأقوال في المعنى الأول والثاني: قال الخطابي ﵀: «(الديان): وهو المجازي، يقال: دنت الرجل؛ إذا جزيته، أدينه، والدين: الجزاء … والديان أيضًا: الحاكم، ويقال: من ديان أرضكم؟ أي: من الحاكم بها؟» (٢). اقتران اسم الله (الحسيب) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: لم يقترن اسم الله (الحسيب) بغيره من الأسماء. الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحسيب - الديان): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الحسيب- الديان) من صفاته سُبْحَانَهُ: اسم الله (الحسيب- الديان) يقتضي إثبات جملة من الصفات لله ، والتي منها: أ- الكفاية: فهو ﷻ الحسيب الكافي، الذي كفى خلقه ما أهمهم من أمور دينهم ودنياهم، فيسر لهم كل ما يحتاجونه من الطعام، والشراب، واللباس، والمركب،

стр. 1270

والرزق، والأمان، ونحوها، وبالمقابل حفظهم من الشرور وكفاهم إياها، فدفع عنهم كل ما يكرهون من الأمراض، والأسقام، والأوجاع، والمخاوف، والهموم، والغموم ونحوها، قال تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦] (١). ثم إن كفاية الحسيب على ضربين (٢): الكفاية العامة، وهي: كفايته لجميع خلقه ما أهمهم من تحصيل المنافع، ودفع المضار، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]. الكفاية الخاصة، وهي: كفايته لأوليائه وأهل طاعته كفاية يصلح بها أمر دينهم ودنياهم، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]، أي: كافيك وكافي أتباعك من المؤمنين شر أعدائهم، سواء أكانوا كفارًا أم منافقين أم فاسقين أم ظالمين، أكانوا أقوياء أم ضعفاء، كثارًا أم قلالًا، فالكل كافيك الحسيب شره» (٣). ثم إن كفاية الحسيب وحفظه للعبد مرتبط بحكم الله القدري، فمن شاء كفاه، ومن شاء أصابه ما قدر عليه، كما جاء عن ابن عباس في قوله تَعَالَى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] قال: «ملائكة

стр. 1271

يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدره خلوا عنه» (١). وقال مجاهد ﵀: «ما من عبد إلا له ملك موكل يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما منها شيء يأتيه يريده إلا قال: وراءك! إلا شيئًا يأذن الله فيه فيصيبه» (٢). ب- الحكم والقضاء (٣): فهو ﷻ الديان الذي له الحكم والقضاء، فيحكم في خلقه قبل خلقهم بحكمه الكوني القدري، ويحكم فيهم بعد خلقهم بحكمه الشرعي، ويحكم فيهم يوم الدين بحكمه الجزائي العدل، قال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]. وبهذه الأحكام الثلاثة دانت الخلائق للديان، فالكل منها مقهور مدبر لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، والكل منها وجهه عانٍ للحي القيوم، ذليل لعظمته، خاضع لعزته، ملك قاهر على عرش السماء مهيمن، يرضى على من يستحق الرضا ويثيبه ويكرمه ويدنيه، ويغضب على من يستحق الغضب ويعاقبه ويهينه ويقصيه، فيعذب من يشاء، ويرحم من يشاء، ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ويقرب من يشاء، ويقصي من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، فتبارك الديان الحكم رب العالمين. ج- الحفظ والإحصاء: فهو ﷻ الحسيب الديان الذي أحصى كل شيء عددًا، فلا يفوته

стр. 1272

مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، بل الكل مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة. ومن ذلك: أعمال العباد، فقد علمها وحفظها وأحصاها قبل أن يخلقهم، وبعد أن خلقهم، فالكل محسوب محصى صغيره وكبيره، دقيقه وجليله، ظاهره وباطنه، مميز صالحه من فاسده، وحسنه من قبيحه، وخيره من شره، لا يخفى عليه شيء منه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]. علم مقاديره، ومقادير ثوابه وعقابه، وما يستحقه عامله من الجزاء قبل الخلق وبعد الخلق ويوم العرض ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] (١). ومن تمام حفظ الحسيب الديان لها: أمر الملائكة الحفظة أن يدونوا جميع أعمال الخلق صغيرها وكبيرها، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] قال ابن عباس ﵄: «يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر، حتى إنه ليكتب قوله: أكلت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر ما كان من خير أو شر وألقى سائره، فذلك قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]» (٢). وبهذه الكتابة صارت الدواوين عند الديان ثلاثة: (٣)

стр. 1273

١ - ديوان لا يغفر منه شيئًا، وهو الشرك به،، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. ٢ - ديوان لا يترك منه شيئًا، وهو ظلم العباد بعضهم بعضًا، فإن الله تَعَالَى يستوفيه كله، ويقتص لصاحبه؛ فعن عبد الله بن أنيس ﵁، قال: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - أو قال: الْعِبَادُ- عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا، قال: قلنا: وما بُهمًا؟ قال: لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مِنْ بُعْدٍ كَمَا يَسْمَعُهُ مِنْ قُرْبٍ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةُ، قال: قلنا: كيف وإنا إنما نأتي الله عراة غرلًا بهمًا؟ قال: بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ» (١). ٣ - ديوان لا يعبأ به، وهو ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه، فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء، كما قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. د- المحاسبة على الأعمال: فهو ﷻ الحسيب الديان الذي يجمع الأولين والآخرين يوم القيامة يوم الدِّين، عراة ليس عليهم ثياب، حفاة بلا نعال، غرلًا غير مختتنين، بُهمًا ليس معهم شيء من متاع الدنيا، وإنما هي أعمالهم حاضرة لا تغادر صغيرة ولا كبيرة حتى ما يزن حبة الخردل ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا

стр. 1274

حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وحتى ما كان خفية من العمل ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، فالكل مكشوف الجسد، والعمل، والنفس، والقلب، وما تكنه الصدور، ساقطة جميع الأستار التي كانت تحجب الأسرار وما يخفيه الإنسان ويحرص على ستره حتى عن نفسه. فتقف الحشود من خلق الله إنسًا وجنًّا وملائكة تحت جلال الله، وعرشه مرفوع فوق الجميع ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣ - ١٨]. فينادينهم الديان جل في علاه بصوت يسمعه القريب والبعيد على حد سواء، فيقول: «أَنَا المَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ» (١). والكل خاضع خاشع لهيبة الله وعظمته ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨]. حتى إذا اشتد الكرب بأهل الموقف لطول العناء والانتظار وشدة الأهوال، ذهبوا للأنبياء ليشفعوا لهم عند الديان ﷻ ؛ ليفصل بينهم، فيجيء الديان لفصل القضاء كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، وقال: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ

стр. 1275

أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر: ٦٩ - ٧٠] (١). فتتطاير الصحف في الأيمان والشمائل، وينادى العباد بأسمائهم على رؤوس الخلائق: أين فلان بن فلان؟ هلم إلى العرض على الديان. وقد وكلت الملائكة بأخذ المنادى، لا يمنعها اشتباه الأسماء والألوان والأشكال حتى توقفه ماثلًا بين يدي الله الحسيب، وصحيفته في يده مخبرة بعمله، لا تغادر بلية كَتَمَها، ولا مخبأة أَسَرَّهَا، ويقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]. فكم من بلية نسيها صاحبها قد ذكره إياها! وكم من سيئة أخفاها قد أظهرها وأبداها! وكم من عمل ظن أنه سلم وخلص فرد عليه وأحبط (٢) ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور: ٢٥] أي: حسابهم (٣). ثم إن هذا الحساب بين يدي الحسيب الديان يبدأ بأمة محمد ﷺ ، ويتفاوت بحسب أعمال العباد، فمنهم من حسابه عسير، فهؤلاء هم: الكفرة المجرمون الذين أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، وتمردوا على شرع الله، وكذبوا بالرسل، وبعض عصاة الموحدين قد يطول حسابهم ويعسر بسبب كثرة الذنوب وعظمها. وكل ما كان العبد أشد عصيانًا وتمردًا، كلما كان الله أشد حسابًا له، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا

стр. 1276

وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ٨ - ١٠]. ومنهم من يكون حسابه يسيرًا، فلا يناقش في الحساب، ولا يدقق ويحقق معه، وإنما تعرض عليه ذنوبه ثم يتجاوز له عنها، وإنما ذلك إظهارًا لنعمة الله عليه بالستر في الدنيا، وبالعفو في الآخرة. وهذا معنى قوله تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ١٢]. وقول رسول الله ﷺ : «لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ، فقالت عائشة: يا رسول الله، أليس قد قال الله تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٨]، فقال رسول الله ﷺ : إِنَّمَا ذَلِكِ الْعَرْضُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا عُذِّبَ» (١). ومنهم من يدخل الجنة بغير حساب، كما جاء في الحديث «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، … فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَأَ الْأُفُقَ، قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ … هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» (٢). ثمّ إن هذه المحاسبة والمحاكمة من الحسيب الديان بلغت الكمال الذي

стр. 1277

لم تشهد البشرية له مثيل من قبل، قال تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩]؛ وذلك أن محاكمة الديان ومحاسبته قائمة على جملة من القواعد، والتي منها: العدل الذي لا يشوبه ظلم بوجه من الوجوه، فيوفى كل عامل عمله من غير أن يزاد في السيئات، أو ينقص من الحسنات، قال تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ١٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. لا يؤخذ أحد من الخلق بجريرة غيره؛ قال تَعَالَى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤]، فكل إنسان يلازمه عمله خيره وشره ولا يتعداه إلى غيره، فلا يحاسب بعمل غيره ولا يحاسب غيره بعمله ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨] (١). إطلاع العباد على ما قدموه من العمل، وذلك بإعطائهم صحائف أعمالهم، وقراءتهم لما قدموه من صالح أعمالهم وطالحها، فيحكموا على أنفسهم، ولا يكون لهم بعد ذلك عذر، قال تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا

стр. 1278

أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]. إقامة الشهود على العباد، قال تَعَالَى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩]. وأعظم الشهداء عليهم ربهم وخالقهم وفاطرهم، الذي لا تخفى عليه خافية من أحوالهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٣٣]، ولكنه سُبْحَانَهُ يحب الإعذار على خلقه، فيبعث من مخلوقاته شهداء، فتشهد الملائكة، والرسل، والجوارح والأعضاء، والأرض (١). مضاعفة الحسنات دون السيئات، قال تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وجاء في الحديث عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ ، فيما يروي عن ربه، قال: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً» (٢). إطلاع العباد على مقادير أعمالهم، وذلك بنصب الموازين التي تزن أعمالهم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ

стр. 1279

نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. سرعة الحساب؛ قال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]. قال الحسن البصري ﵀: «حسابه أسرع من لمح البصر» (١). وقيل لعلي بن أبي طالب ﵁: كيف يحاسب الله العباد في يوم؟ قال: «كما يرزقهم في يوم» (٢). قال الطبري ﵀: «هو أسرع من حسب عددكم وأعمالكم وآجالكم وغير ذلك من أموركم أيها الناس، وأحصاها وعرف مقاديرها ومبالغها؛ لأنه لا يحسب بِعَقْدِ يَدٍ، ولكنه يعلم ذلك ولا يخفى عليه منه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين» (٣). ثم هو سهل لا مشقة فيه على الحاسب جل في علاه، بل هو يسير عليه، فكما أن خلقهم وبعثهم كنفس واحدة ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨]، فكذلك حسابهم كنفس واحدة (٤). هـ- الجزاء على الأعمال:

стр. 1280

فهو ﷻ الديان الذي يملك يوم الدين، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] أي: يوم القيامة، وإنما سمي بيوم الدين؛ لأنه يوم الجزاء على الأعمال، قال ابن عباس ﵄: «ويوم الدين يوم الحساب للخلائق، وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، إلا من عفا عنه» (١). فلا يضيع عمل خلقه، بل يجازيهم على الخير والشر وإن صغر وقل، قال تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] وقال تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ١٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]. وهذا الجزاء قد يعجل لصاحبه في الدنيا، وهذا يكثر في أعمال البر التي يعملها الكفار، كما جاء في الحديث: «إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتٍ مَا عَمِلَ بِهَا لِلهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا» (٢)، وربما يؤخر الجزاء إلى الآخرة، وربما يجمع لصاحبه بين الجزاءين؛ جزاء الدنيا والآخرة، نسأل الله من فضله.

стр. 1281

الأثر الثاني: دلالة اسماء الله (الحسيب- الديان) على التوحيد: إذا علم العبد أن من معاني اسم الله الحسيب «الكافي»، فلا بد أن يعلم أن الكفاية إنما تكون من الله الحسيب وحده لا مشارك له فيها، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]. قال ابن القيم ﵀: «أي: الله وحده كافيك، وكافي أتباعك، فلا تحتاجون معه إلى أحد … فإن (الحسب) و (الكفاية) لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة، قال الله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]، ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده، وأثنى الله سُبْحَانَهُ على أهل التوحيد والتوكل من عباده حيث أفردوه بالحسب، فقال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله … ونظير هذا قوله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩] فتأمل كيف جعل الإيتاء لله ولرسوله كما قال تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] وجعل الحسب له وحده، فلم يقل: وقالوا: حسبنا الله ورسوله، بل جعله خالص حقه … فالرغبة والتوكل والإنابة والحسب لله وحده، كما أن العبادة والتقوى والسجود لله وحده، والنذر والحلف لا يكون إلا لله .

стр. 1282

ونظير هذا قوله تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] فالحسب: هو الكافي، فأخبر أنه وحده كاف عبده … » (١). ثم إن الكفاية التي قد تتوهم من المخلوقين إنما هي مجرد أسباب سخرها الله، فكل شيء لا يتم إلا بخلق الله وأمره وتقديره؛ فحاجة الإنسان للطعام والشراب، والأرض والسماء، والشمس ونحو ذلك لا يعني كفايتها له، وأنها حَسْبُه، بل الله الحسيب هو الذي كفاه بخلقها وتسخيرها، فلولاه ما وجد الطعام والشراب، وما طلعت الشمس ولا استقرت الأرض و لسقطت السماء. وحاجة الطفل إلى أمه في الرضاع والرعاية والحضانة لا يعني كفايتها له وأنها حسبه، بل الله الحسيب هو الذي كفاه بخلق أمه، وخلق اللبن في ثديها، وخلق الهداية له إلى التقامِه، وخلق الشفقة والمودة في قلب الأم حتى مَكَّنَتْهُ من الالتقام، ودعته إليه وحملته عليه، ونحو ذلك. فالكفاية إنما حصلت بهذه الأسباب، والله وحده المتفرد بخلقها (٢). وهذا كله دال على توحيد الربوبية، من جهة أن الكفاية ملك لله وحده تفرد بها، ودال- أيضًا- على توحيد الألوهية من جهتين: توحيد الله الحسيب في طلب الكفاية؛ إذ هي ملك له وحده دون ما سواه. ومن هنا: يقال: حسبي الله، ولا يقال: حسبي فلان، أو كافني فلان، ونحو ذلك.

стр. 1283

٢ - توحيد الله الحسيب بالعبادة؛ إذ إن من بيده كفاية العباد وحده مع فقر كل من سواه إليها، هو المستحق للعبادة وحده دون ما سواه، قال تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]. ثم إن معنى المحاسبة في هذه الأسماء الكريمة دال على توحيد الألوهية أيضًا، من جهة أنه يبعث على التساؤل: ما أعظم ما يحاسب الله العباد عليه؟ والجواب: حقه على العباد، كما جاء في حديث معاذ: «فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» (١) فمن حقق ذلك كان مآله الجنة، كما قال ﷺ : «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ» (٢)، ومن أخل بذلك بالشرك كان مآله النار- والعياذ بالله-، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ» (٣).

стр. 1284

الأثر الثالث: التوكل على كفاية الله الحسيب: إذا تأمل الإنسان في نفسه وحاجته للكفاية في وجوده، ودوام وجوده، وكمال وجوده، حاجته للكفاية جنينًا في بطن أمه، ومولدًا خارج بطن أمه، وطفلًا وغلامًا وشابًّا وشيبًا، بل وميتًا (١). ثم نظر في اسم الله الحسيب، وعلم أن من معانيه الكافي الذي يكفي خلقه تحصيل المنافع بمختلف أنواعها، ودفع المضار بمختلف أنواعها ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦]؛ قاده ذلك للتعلق به سُبْحَانَهُ والتوكل عليه في سائر شؤونه، ورفع حوائجه إليه دون غيره، والثقة به دون الركون للأسباب والاعتماد عليها. ولا سيما إذا علم أن الله خص المتوكلين عليه بمزيد من الكفاية، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]. قال ابن القيم ﵀: «والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، وهو من أقوى الأسباب في ذلك؛ فإن الله حسبه، أي: كافيه، ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه، ولا يضره إلا أذًى لا بد منه كالحر والبرد والجوع والعطش … قال بعض السلف: جعل الله تَعَالَى لكل عمل جزاءً من جنسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] ولم يقل: نُؤْتِهِ كذا وكذا من الأجر كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سُبْحَانَهُ كافي عبده

стр. 1285

المتوكل عليه وحسبه وواقيه، فلو توكل العبد على الله تَعَالَى حق توكله وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجًا من ذلك وكفاه ونصره» (١). الأثر الرابع: الاطمئنان إلى الله الحسيب الديان: من علم يقينًا اسم الله الحسيب الديان؛ لم يستوحش من إعراض الخلق عنه، ولم يستأنس بقبولهم له؛ ثقة بأن الذي قُسم له لا يفوته وإن أعرضوا، والذي لم يقسم له لا يصل إليه ولو أقبلوا. إذ إن الإيمان باسم الله الحسيب الديان يورث العبد الاطمئنان والراحة، وذلك من جهتين: دلالته على الكفاية؛ إذ تذكره يكسب القلب الطمأنينة والسكينة بكفاية الله الحسيب لجميع ما يهمه من أمور الدين والدنيا، وما يهمه من تحصيل المنافع ودفع المضار. وهذا بدوره يزيل القلق والهلع على الرزق؛ إذ تكفل سُبْحَانَهُ بأرزاق العباد بالليل والنهار وكفاهم إياها، فلا بد أن تصل إليهم شاء من شاء وأبى من أبى، كما جاء في الحديث: «أَيُّهَا النَّاسُ! اتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ» (٢)، وقد أرشد الله لهذا بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا

стр. 1286

مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩]. كما يزيل- أيضًا- الخوف والخشية من المخلوقين، وإن عظمت قوتهم وجاههم وسلطانهم وأموالهم؛ فهو الحسيب الكافي الذي يكفى العبد شرورهم. ولذا شرع لمن خاف من المخلوقين أن يتذكر ربه الحسيب، فيلهج قائلًا: «حسبي الله ونعم الوكيل» متذكرًا قول إبراهيم ﵇ لها حين ألقي في النار، فجاءته كفاية الحسيب؛ إذ قال للنار: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]. ومتذكرًا قول محمد ﷺ وأصحابه لها، حينما قيل لهم بعد أُحُد: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، فكفاهم الله شر أبا سفيان وجيشه بالخوف؛ إذ قذف الحسيب في قلوبهم الرعب، فرجعوا إلى مكة خائبين، ورجع رسول الله ﷺ وصحابته إلى المدينة ظافرين برضوان الله ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤] (١). ومعناها (٢): - «حسبنا الله» أي: كافينا كل ما أهمنا، فلا نتوكل إلا عليه ولا نعتمد إلا عليه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].

стр. 1287

- «ونعم الوكيل» أي: نعم المتوكل عليه في جلب النعماء ودفع الضر والبلاء وكيد الأعداء، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨]. قال ابن القيم ﵀: «وهو حسب من توكل عليه، وكافي من لجأ إليه، وهو الذي يؤمن خوف الخائف، ويجير المستجير، وهو نعم المولى ونعم النصير، فمن تولاه واستنصر به وتوكل عليه وانقطع بكليته إليه تولاه وحفظه وحرسه وصانه، ومن خافه واتقاه أمنه مما يخاف ويحذر، وجلب إليه كل ما يحتاج إليه من المنافع ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، فلا تستبطئ نصره ورزقه وعافيته، فإن الله بالغ أمره، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا، لا يتقدم عنه ولا يتأخر» (١). دلالته على محاسبة الظالم والاقتصاص منه؛ إذ تذكُّر المظلوم لهذا، وتذكُّره لنداء الرب : «أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةَ» (٢)، وقول رسول الله ﷺ : «لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» (٣) - سبب في تسليته واطمئنان

стр. 1288

قلبه؛ ليقينه بأن هناك يومًا لا ريب فيه، سيقتص فيه الديان سُبْحَانَهُ له من ظالمه، ويشفي صدره ممن ظلمه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]. وقد يعجل عقوبته ويجازيه على ظلمه وطغيانه في الحياة الدنيا قبل الآخرة، كما حصل ذلك لكثير من الظالمين والطغاة والجبابرة. الأثر الخامس: متابعة رسول الله ﷺ تحصيلًا لكفاية الحسيب: إذا علم العبد أن من معاني اسم الله الحسيب: (الكافي)، وأن هذه الكفاية نوعان: عامة وخاصة، والخاصة أعظم الكفايتين؛ تطلع إليها، وتاقت نفسه لتحصيلها، والدخول في زمرة أهلها. ولا بد أن يُعلم أن هذه الكفاية الخاصة إنما تكون بقدر متابعة العبد لرسول الله ﷺ ، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] (١). قال الشيخ السعدي ﵀: «أي: كافيك وكافي أتباعك، فكفاية الله لعبده بحسب ما قام به في متابعة الرسول ظاهرًا وباطنًا، وقيامه بعبودية الله تَعَالَى» (٢). قال ابن القيم ﵀: «والمقصود: أنه بحسب متابعة الرسول تكون العزة والكفاية والنصرة، كما أنه بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح

стр. 1289

والنجاة، فالله سُبْحَانَهُ علَّق سعادة الدارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن، والفلاح والعزة، والكفاية والنصرة، والولاية والتأييد، وطيب العيش في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذلة والصَّغار، والخوف والضلال، والخذلان والشقاء في الدنيا والآخرة» (١). ولا شك أن هذا يدعو العبد إلى المتابعة واقتفاء أثر الرسول الكريم ﷺ . الأثر السادس: محبة الله الحسيب الديان: من تأمل في اسم الله الحسيب الديان، وقف على عدة معاني، الواحدة منها كافية في ملأ القلب من محبته ، ومن هذه المعاني: - الكفاية: فإذا تأمل العبد في كفاية الله له، التي بها وصلته كثير من النعم، واندفعت عنه كثير من النقم؛ أحبه جل في علاه. ثم إذا تأمل أن هذه الكفاية لم تقتصر عليه، بل شملت غيره، حتى العاصي والمنافق والكافر، بل وحتى الحيوان والنبات؛ امتلأ قلبه بمحبته. - مضاعفة الحسنات دون السيئات: فإذا تأمل العبد في كرم ربه في الحساب، وعظم جوده وفضله؛ دفعه ذلك لمحبته. - العدل: فإذا تأمل العبد في أن ربه مع كمال ملكه وقدرته وغناه وقوته، لا يُسأل عما يَفعل، حكم بالعدل في الدنيا وكذا في الآخرة؛ امتلأ قلبه بمحبته. ثم إذا تأمل تمام عدله يوم الدين من إحضار الصحف، وإقامة الشهود،

стр. 1290

ونصب الموازين؛ زاد حبه للديان العدل جل في علاه. - الاقتصاص للمظلوم من ظالمه: فإذا تأمل المظلوم أن ربه معه ينصره ويجيب دعوته، و يأخذ له حقه من ظالمه؛ أحبه كما يحب من يدافع عنه وينصره على ظالمه من البشر. الأثر السابع: الاستعداد ليوم الحساب: إذا عرف العاقل أن ربه سُبْحَانَهُ الحسيب الحاسب الديان، وأن يوم القيامة يوم الجزاء والحساب، الذي قال الله فيه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وأيقن أنه ملاقٍ ربه الديان الحكم العدل لا محالة، واقف بين يديه للحساب، وعمله كله محضر خيره وشره، حسنه وسيئه ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]- خاف من ربه ، وخاف من القدوم عليه يوم الحساب مفلسًا، كما قال سُبْحَانَهُ عن أولي الألباب: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١] (١)، وقاده هذا الخوف إلى الاستعداد لهذا اليوم العظيم والموقف المهيب، فيحسب له حسابه ويُعدُّ له عدَّته. وإنما يكون ذلك بفعل الخيرات والاستزادة من الطاعات، والتي من أهمها:

стр. 1291

- الصلاة: التي هي أول ما يحاسب عليه العباد؛ فعن أبي هريرة ﵁، قال ﷺ : «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَالَ الرَّبُّ ﵎: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ» (١). - أداء الأمانة التي تحملها: فعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا، وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (٢). فمن أدى الأمانة استحق الثواب الجزيل، ومن لم يؤدها استحق من الله العقاب الوبيل، وصار خائنًا لله ولرسوله ولأمانته. - التجاوز عن المعسر والفقير والمسكين ونحوهم: لعل الله أن يتجاوز عن العبد يوم الدين، وقد جاء في الحديث عن أبي مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ

стр. 1292

شَيْءٌ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ مُوسِرًا، فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ، قَالَ: قَالَ اللهُ : نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ» (١). وما من عبد كان مع الناس سهلًا ميسرًا هينًا لينًا، إلا كان الله معه في الحساب كذلك، وما من عبد كان مع الناس عسيرًا شديدًا إلا كان الله معه في الحساب شديدًا عسيرًا، والجزاء من جنس العمل. - الدعاء بالنجاة والمغفرة، كما قال سُبْحَانَهُ عن قول إبراهيم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١]، وقوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]. ثم إن الدعاء بالمغفرة يوم الدين من دعاء الملائكة لأهل الإيمان، فقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» (٢). بل وذم رسول الله ﷺ ابن جدعان بعدم دعائه به؛ فعن عائشة ﵂ أنها قالت: «يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ» (٣).

стр. 1293

ويكون كذلك باجتناب المحرمات، ومظالم الناس كما سيأتي في الأثر التالي. الأثر الثامن: اجتناب مظالم العباد ورد حقوقهم (١): اسم الله الحسيب الديان دال على محاسبة الله للظالم، وأخذه بظلمه، والاقتصاص للمظلوم من ظالمه، كما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ أن الرب بنادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، فيقول: «أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةُ» (٢). وهذا يدعو العباد إلى الحذر من الظلم واجتنابه، والخروج من المظالم وردها إلى أهلها قبل أن ترد يوم القيامة؛ فعن عائشة ﵂: «أَنَّ رَجُلًا قَعَدَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يُكَذِّبُونَنِي وَيَخُونُونَنِي وَيَعْصُونَنِي وَأَشْتُمُهُمْ وَأَضْرِبُهُمْ، فَكَيْفَ أَنَا مِنْهُمْ؟ قَالَ: يُحْسَبُ مَا خَانُوكَ وَعَصَوْكَ وَكَذَّبُوكَ وَعِقَابُكَ إِيَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كَانَ كَفَافًا، لَا لَكَ وَلَا عَلَيْكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ دُونَ ذُنُوبِهِمْ كَانَ فَضْلًا لَكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ فَوْقَ ذُنُوبِهِمُ اقْتُصَّ لَهُمْ مِنْكَ الْفَضْلُ»، قَالَ: فَتَنَحَّى الرَّجُلُ فَجَعَلَ يَبْكِي وَيَهْتِفُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَمَا تَقْرَأُ كِتَابَ اللهِ:

стр. 1294

﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]،، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَجِدُ لِي وَلهُمْ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ مُفَارَقَتِهِمْ، أُشْهِدُكَ أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ كُلُّهُمْ» (١). ثم إن وفاء الحقوق وردها يوم القيامة لا يكون بالدينار والدرهم، وإنما بالحسنات والسيئات، التي أحوج ما يكون الإنسان إليها في ذلك اليوم، كما جاء في حديث المفلس الذي رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ، وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ، وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» (٢)، وقال الشافعي ﵀: «بئس الزاد إلى المعاد: العدوان على العباد» (٣).

стр. 1295

ويدعوهم أيضًا إلى توخي العدل مع الناس، لا سيما من ابتلي منهم بالحكم بينهم، أو مجازاتهم في الدنيا. كما يدعوهم إلى الحكم بين الناس بما أنزل الله؛ لأنه الحكم العدل الذي لا يتطرق إليه ظلم ولا جهل ولا هوى، وكل ما سواه من الأحكام لا يخلو من النقص والظلم والجهل والهوى، قال عمر ﵁: «وَيْلٌ لِدَيَّانِ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنْ دَيَّانِ مَنْ فِي السَّمَاءِ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ، إِلَّا مَنْ أَمَّ الْعَدْلَ وَقَضَى بِالْحَقِّ، وَلَمْ يَقْضِ عَلَى هَوًى، وَلَا عَلَى قَرَابَةٍ، وَلَا عَلَى رَغَبٍ وَلَا عَلَى رَهَبٍ، وَجَعَلَ كِتَابَ اللهِ مِرْآةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ» (١).

стр. 1296

«المحاسبة» (١) في موضوع المحاسبة سنتطرق للمسائل التالية: أولًا: تعريف المحاسبة: قال الماوردي ﵀ في تعريف المحاسبة: «أن يتصفح الإنسان في ليله ما صدر من أفعال نهاره، فإن كان محمودًا أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذمومًا استدركه إن أمكن، وإن لم يمكن فيتبعها بالحسنات لتكفيرها وينتهي عن مثلها في المستقبل» (٢). ثانيًا: ثمرات المحاسبة: للمحاسبة ثمرات عديدة، ومنافع عظيمة، منها: امتثال أمر الله ؛ إذ يقول سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]، قال الشيخ السعدي ﵀: «وهذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه، وأنه ينبغي له أن يتفقدها، فإن رأى زللًا تداركه بالإقلاع عنه والتوبة النصوح والإعراض عن الأسباب الموصلة إليه، وإن رأى نفسه مقصرًا في أمر من أوامر

стр. 1297

الله بذل جهده واستعان بربه في تتميمه وتكميله وإتقانه، ويقايس بين منن الله عليه وبين تقصيره هو في حق الله، فإن ذلك يوجب الحياء لا محالة» (١). الاطلاع على عيوب النفس وعدم الاغترار بها، ومن ثمَّ إصلاح عيبها؛ فإن من لم يعرف العيب لم يمكنه إزالته. قال مالك بن دينار ﵀: «رحم الله عبدًا قال لنفسه: ألستِ صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمَّها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله تَعَالَى فكان لها قائدًا» (٢). الخوف والحياء من الله ؛ إذ المحاسب يقف على تقصيره العظيم في الواجبات، وتفريطه في النوافل، وارتكابه للذنوب والمكاره، وكل ذلك موجب للخوف والحياء من الله . تعين صاحبها على استدراك ما نقص من الفرائض والنوافل؛ إذ المحاسب يقف على تقصيره فيستدركه. التوبة وكثرة الاستغفار؛ إذ المحاسب يقف على تقصيره وذنبه فيتوب منه ويستغفر، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. الاستعداد للقاء الله، قال عمر ﵁: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم» (٣).

стр. 1298

ثالثًا: تحقيق المحاسبة: تحقيق المحاسبة إنما يكون بالقيام بنوعين من أنواعها: المحاسبة قبل العمل. المحاسبة بعد العمل. فأما المحاسبة قبل العمل، فيراد بها: التفكر قبل البدء في العمل، وذلك في جملة من الأمور، والتي منها: التفكر في العمل، هل هو مقدور عليه أو غير مقدور عليه؟ فإن كان غير مقدور تُرك حتى لا يضيع الوقت، وإن كان مقدورًا أتبعه بالتفكر. التفكر في العمل، هل فعله خير من تركه، أو تركه خير من فعله، فإن كان فعله خير من تركه عمله، وإن كان تركه خيرًا من فعله أتبعه بالتفكر. التفكر في النية والقصد، هل مراده بالعمل الله أو مراده غيره، فإن كان مراده الله أمضاه وإلا تركه، قال الحسن البصري ﵀: «رحم الله عبدًا وقف عند همِّه، يحاسب، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر ولم يعمل» (١). وأما المحاسبة بعد العمل، فهي على ثلاثة أنواع: المحاسبة على الطاعة، هل قام بحق الله فيها؟ وحقه فيها: الإخلاص له، والمتابعة لرسوله ﷺ ، والإحسان والإتقان في أدائها، ومشاهدة منته عليه بالتوفيق إليها، ومشاهدة تقصيره بعد الانتهاء منها، وأنه مهما عمل لله فهو مقصر.

стр. 1299

المحاسبة على عمل كان تركه خيرًا من فعله، ويدخل في هذا: المعاصي، والاشتغال بالمفضول عن الفاضل، فيحاسب نفسه عليها باللوم والتوبيخ والندم ونحو ذلك. المحاسبة على العمل المباح، هل كان له فيه نية صالحة يحصل بها الأجور، أم غفل عن ذلك وعمله على سبيل العادة، ففاته الأجر؟ ويمكن للإنسان أن يحاسب نفسه أيضًا عن طريق التفكر في الجوارح: ماذا فعلت برجلي؟ بيدي؟ بسمعي؟ ببصري؟ بلساني؟ ثم التفكر في النوايا: ماذا أردت بعملي هذا؟ وما نيتي فيه؟ ونحو ذلك. فيجعل له ساعة من ليل أو نهار يطالب فيها نفسه، ويحاسبها على جميع ما كان منها، كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء، فينظر في رأس المال وفي الربح وفي الخسران لتتبين له الزيادة من النقصان، فرأس المال في دينه: الفرائض، وربحه: النوافل والفضائل، وخسرانه: المعاصي. قال وهب بن منبه ﵀: «مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلو فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويحمد؛ فإن في هذه الساعة عونًا على تلك الساعات، وإجمامًا للقلوب» (١).

стр. 1300

وأول ما يبدأ الإنسان، يحاسب نفسه عليه: - الفرائض: فإذا رأى فيها نقصًا تداركه، بالقضاء أو التكميل والإتمام. -ثم المحرمات: فإذا عرف أنه ارتكب منها شيئًا، تداركه بالإقلاع عنه، والتوبة النصوح، والاستغفار، والحسنات الماحيات ولا يتساهل ويتهاون؛ فإنه لو رمى بكل معصية يفعلها حجرًا في داره لامتلأت الدار في مدة يسيرة، ولكنه التساهل في حفظ المعاصي وهي مثبتة ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦]. - ثم ما يصدر منه من الغفلة، فإذا لحظ من نفسه ذلك، تداركه بالذكر والإقبال على الله، وحضور مجالس الذكر ونحو ذلك. وإن مما يعيين على تحقيق المحاسبة ما يلي: تذكر أسماء الله وصفاته واستشعارها على الدوام، فاستشعار اسم الله العليم، الرقيب، الشهيد، الحفيظ، الحسيب، الديان، ونحوها يدعو الإنسان إلى مراجعة العمل والنظر فيه قبل البدء وبعده. تذكر اليوم الآخر، وما فيه من الحساب والعرض على الملك الديان، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]. النظر في سير السلف الصالح، وتأمل ما هم عليه من المحاسبة؛ ومن ثمَّ الاقتداء والتأسي بهم. فاللهم إنا نسألك يا حسيب يا ديان، أن ترزقنا محاسبة أنفسنا، وأن تثقل موازينا وتيمن كتابنا، وتجعلنا ممن يدخل الجنة بغير حساب ولا سابق عذاب.
следующие страницы →