«المحاسبة» (١)
في موضوع المحاسبة سنتطرق للمسائل التالية:
أولًا: تعريف المحاسبة:
قال الماوردي ﵀ في تعريف المحاسبة: «أن يتصفح الإنسان في ليله ما صدر من أفعال نهاره، فإن كان محمودًا أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذمومًا استدركه إن أمكن، وإن لم يمكن فيتبعها بالحسنات لتكفيرها وينتهي عن مثلها في المستقبل» (٢).
ثانيًا: ثمرات المحاسبة:
للمحاسبة ثمرات عديدة، ومنافع عظيمة، منها:
امتثال أمر الله ؛ إذ يقول سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]، قال الشيخ السعدي ﵀: «وهذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه، وأنه ينبغي له أن يتفقدها، فإن رأى زللًا تداركه بالإقلاع عنه والتوبة النصوح والإعراض عن الأسباب الموصلة إليه، وإن رأى نفسه مقصرًا في أمر من أوامر
стр. 1297
الله بذل جهده واستعان بربه في تتميمه وتكميله وإتقانه، ويقايس بين منن الله عليه وبين تقصيره هو في حق الله، فإن ذلك يوجب الحياء لا محالة» (١).
الاطلاع على عيوب النفس وعدم الاغترار بها، ومن ثمَّ إصلاح عيبها؛ فإن من لم يعرف العيب لم يمكنه إزالته.
قال مالك بن دينار ﵀: «رحم الله عبدًا قال لنفسه: ألستِ صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمَّها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله تَعَالَى فكان لها قائدًا» (٢).
الخوف والحياء من الله ؛ إذ المحاسب يقف على تقصيره العظيم في الواجبات، وتفريطه في النوافل، وارتكابه للذنوب والمكاره، وكل ذلك موجب للخوف والحياء من الله .
تعين صاحبها على استدراك ما نقص من الفرائض والنوافل؛ إذ المحاسب يقف على تقصيره فيستدركه.
التوبة وكثرة الاستغفار؛ إذ المحاسب يقف على تقصيره وذنبه فيتوب منه ويستغفر، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].
الاستعداد للقاء الله، قال عمر ﵁: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم» (٣).
стр. 1298
ثالثًا: تحقيق المحاسبة:
تحقيق المحاسبة إنما يكون بالقيام بنوعين من أنواعها:
المحاسبة قبل العمل.
المحاسبة بعد العمل.
فأما المحاسبة قبل العمل، فيراد بها: التفكر قبل البدء في العمل، وذلك في جملة من الأمور، والتي منها:
التفكر في العمل، هل هو مقدور عليه أو غير مقدور عليه؟ فإن كان غير مقدور تُرك حتى لا يضيع الوقت، وإن كان مقدورًا أتبعه بالتفكر.
التفكر في العمل، هل فعله خير من تركه، أو تركه خير من فعله، فإن كان فعله خير من تركه عمله، وإن كان تركه خيرًا من فعله أتبعه بالتفكر.
التفكر في النية والقصد، هل مراده بالعمل الله أو مراده غيره، فإن كان مراده الله أمضاه وإلا تركه، قال الحسن البصري ﵀: «رحم الله عبدًا وقف عند همِّه، يحاسب، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر ولم يعمل» (١).
وأما المحاسبة بعد العمل، فهي على ثلاثة أنواع:
المحاسبة على الطاعة، هل قام بحق الله فيها؟ وحقه فيها: الإخلاص له، والمتابعة لرسوله ﷺ ، والإحسان والإتقان في أدائها، ومشاهدة منته عليه بالتوفيق إليها، ومشاهدة تقصيره بعد الانتهاء منها، وأنه مهما عمل لله فهو مقصر.
стр. 1299
المحاسبة على عمل كان تركه خيرًا من فعله، ويدخل في هذا: المعاصي، والاشتغال بالمفضول عن الفاضل، فيحاسب نفسه عليها باللوم والتوبيخ والندم ونحو ذلك.
المحاسبة على العمل المباح، هل كان له فيه نية صالحة يحصل بها الأجور، أم غفل عن ذلك وعمله على سبيل العادة، ففاته الأجر؟
ويمكن للإنسان أن يحاسب نفسه أيضًا عن طريق التفكر في الجوارح: ماذا فعلت برجلي؟ بيدي؟ بسمعي؟ ببصري؟ بلساني؟ ثم التفكر في النوايا: ماذا أردت بعملي هذا؟ وما نيتي فيه؟ ونحو ذلك.
فيجعل له ساعة من ليل أو نهار يطالب فيها نفسه، ويحاسبها على جميع ما كان منها، كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء، فينظر في رأس المال وفي الربح وفي الخسران لتتبين له الزيادة من النقصان، فرأس المال في دينه: الفرائض، وربحه: النوافل والفضائل، وخسرانه: المعاصي.
قال وهب بن منبه ﵀: «مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلو فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويحمد؛ فإن في هذه الساعة عونًا على تلك الساعات، وإجمامًا للقلوب» (١).
стр. 1300
وأول ما يبدأ الإنسان، يحاسب نفسه عليه:
- الفرائض: فإذا رأى فيها نقصًا تداركه، بالقضاء أو التكميل والإتمام.
-ثم المحرمات: فإذا عرف أنه ارتكب منها شيئًا، تداركه بالإقلاع عنه، والتوبة النصوح، والاستغفار، والحسنات الماحيات ولا يتساهل ويتهاون؛ فإنه لو رمى بكل معصية يفعلها حجرًا في داره لامتلأت الدار في مدة يسيرة، ولكنه التساهل في حفظ المعاصي وهي مثبتة ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦].
- ثم ما يصدر منه من الغفلة، فإذا لحظ من نفسه ذلك، تداركه بالذكر والإقبال على الله، وحضور مجالس الذكر ونحو ذلك.
وإن مما يعيين على تحقيق المحاسبة ما يلي:
تذكر أسماء الله وصفاته واستشعارها على الدوام، فاستشعار اسم الله العليم، الرقيب، الشهيد، الحفيظ، الحسيب، الديان، ونحوها يدعو الإنسان إلى مراجعة العمل والنظر فيه قبل البدء وبعده.
تذكر اليوم الآخر، وما فيه من الحساب والعرض على الملك الديان، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨].
النظر في سير السلف الصالح، وتأمل ما هم عليه من المحاسبة؛ ومن ثمَّ الاقتداء والتأسي بهم.
فاللهم إنا نسألك يا حسيب يا ديان، أن ترزقنا محاسبة أنفسنا، وأن تثقل موازينا وتيمن كتابنا، وتجعلنا ممن يدخل الجنة بغير حساب ولا سابق عذاب.
стр. 1301
الحفيظُ الحافظُ ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «حفظت الشيء حفظًا، أي: حَرَسْتُه، وحَفِظْتُهُ أيضًا بمعنى: استظهرته … والمحافظة: المراقبة … والحفيظ: المحافظ، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾، يقال: احتفِظ بهذا الشيء، أي: احفظه، والتحفُّظ: التيقُّظ وقلَّة الغفلة، وتَحَفَّظْتُ الكتاب، أي: استظهرته شيئًا بعد شيء» (١).
قال ابن فارس ﵀: «الحاء والفاء والظاء أصل واحد يدل على مراعاة الشيء، يقال: حفظت الشيء حفظًا … والحفاظ: المحافظة على الأمور» (٢).
ورود اسم الله (الحفيظ- الحافظ) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الحفيظ) في القرآن الكريم ثلاث مرات، ووروده كالتالي::
قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [هود: ٥٧].
قوله : ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: ٢١].
стр. 1302
قوله : ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ [الشورى: ٦].
وورد اسمه سُبْحَانَهُ (الحافظ) مرة واحدة، وهي:
قوله : ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤].
وورد مرتين بصيغة الجمع:
قوله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
قوله : ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٢].
ولم يرد اسم الله (الحفيظ- الحَافِظ) في السنة النبوية.
معنى اسم الله (الحفيظ- الحافظ) في حقه سُبْحَانَهُ:
يدور معنى اسم الله الحافظ الحفيظ على معنيين:
الحافظ الذي يحفظ المخلوقات من سماء وأرض وما فيهما.
الحافظ الذي يحفظ أعمال عباده خيرها وشرها (١).
وحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء:
من الأقوال في المعنى الأول:
قال الخطابي ﵀ أيضًا، قال: «الحفيظ هو الحافظ، فعيل بمعنى: فاعل؛ كالقدير والعليم يحفظ السموات والأرض وما فيها لتبقى مدة بقائها،
стр. 1303
فلا تزول ولا تندثر؛ كقوله : ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات: ٧]، أي: حفظناها حفظًا، والله أعلم، وهو الذي يحفظ عبده من المهالك والمعاطب، ويقيه مصارع السوء؛ كقوله سُبْحَانَهُ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، أي: بأمره» (١).
قال الحليمي ﵀: «(الحافظ) ومعناه: الصائن عبده عن أسباب الهلكة في أمور دينه ودنياه» (٢).
قال القرطبي ﵀ أيضًا، قال: «فهذا الاسم يكون من أوصاف الذات، ومن أوصاف الفعل … وإذا كان من صفات الفعل فيرجع إلى حفظه للوجود، وضد هذا الحفظ الإهمال، وعلى هذا خرج قوله تَعَالَى: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ [يوسف: ٦٤]» (٣).
قال السعدي ﵀ أيضًا: «الحافظ لعباده من جميع ما يكرهون» (٤).
من الأقوال في المعنى الثاني:
قال الطبري ﵀، في قوله تَعَالَى: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: ٢١]: «وربك يا محمد على أعمال هؤلاء الكفرة به، وغير ذلك من الأشياء كلها (حفيظ) لا يعزب عنه علم شيء منه، وهو مُجَازٍ جميعهم يوم
стр. 1304
القيامة بما كسبوا في الدنيا من خير وشر» (١).
قال الخطابي ﵀: «الحفيظ هو الحافظ … يحفظ على الخلق أعمالهم، ويحصي عليهم أقوالهم، ويعلم نياتهم وما تُكِنَّ صدورهم، ولا تغيب عنه غائبة ولا تخفى عليه خافية» (٢).
قال السعدي ﵀: «حفظ على عباده ما عملوه من خير، وشر، وطاعة، ومعصية، فإن علمه محيط بجميع أعمالهم ظاهرها وباطنها، وقد كتب ذلك في اللوح المحفوظ» (٣).
قال ابن القيم ﵀:
وهوَ الحفيظُ عليهِمُ وهوَ الكفيـ … ـلُ بحفظِهِم مِنْ كلِّ أمرٍ عان (٤)
اقتران اسم الله (الحَفِيظ- الحَافِظ) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يقترن اسم الله الحفيظ بأي اسم من أسمائه سُبْحَانَهُ.
стр. 1305
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحَفِيظ- الحَافِظ):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الحافظ الحفيظ) من الصفات:
الله سُبْحَانَهُ الحفيظ الذي حفظ كل شيء ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: ٢١]، فلا يخرج شيء ولا يند عن حفظه، حفظ على العباد ما عملوه من خير، وشر، وطاعة، ومعصية، فلا يضيع منها شيئًا، و لا ينسى ولا يغيب عنه شيء منها لكمال علمه وحفظه، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، وقال: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢].
فهو الحفيظ الذي يحفظ على الخلق أعمالهم، ويحصي عليهم أقوالهم، ويعلم ما تكن صدروهم، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٢، ٥٣]، فكل ما فعلوه من خير وشر مكتوب عليهم، مسطر في الكتب القدرية، قال السعدي ﵀: «وهذا حقيقة القضاء والقدر، وأن جميع الأشياء كلها، قد علمها الله تَعَالَى، وسطرها عنده في اللوح المحفوظ، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه» (١).
وهو الحفيظ الذي وكل ملائكة كرام كاتبين يحفظون على العباد أعمالهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢] (٢)، فلا يسقط من الصحف التي كتبوها شيء من عمل العبد ولو صغر،
стр. 1306
قال تَعَالَى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].
وهو الحفيظ الحافظ للمخلوقات من سماء وأرض وما فيهما، حفظ بحفظه العام، وحفظ بحفظه الخاص، فأما حفظه العام:
حفظه لجميع المخلوقات، فحفظ السماء بإقامتها بلا عَمَدٍ، وحفظها من الزوال والدثور، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١]، وحفظها من أن تقع على الأرض: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥]، كل ذلك من غير أن يثقله ويعجزه ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] (١).
وجعلها سقفًا محفوظًا ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] من أن تنال الشياطين أسرارها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦ - ١٨]، وحفظها من أن ينالها أحد بهدم أو نقض أو يصل لها بحيلة (٢).
وحفظ الأرض أن تميد أو تضطرب بما جعل عليها من الجبال الرواسي ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١].
стр. 1307
وحفظ ما فيها مما يدب على ظهرها بتيسيره ما يقيتها ويحفظ بنيتها، وتسيرها إلى هدايتها، وإلى مصالحها، وهدايته العامة لها التي قال عنها: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، هدى كل مخلوق إلى ما قَدَّرَ له وقَضَى له من ضروراته وحاجاته، كالهداية للمأكل، والمشرب، والمنكح، والسعي في أسباب ذلك، فلو تأملنا النملة كيف تخزن طعامها وتحفظه من الفساد وكيف تقسم الحبة إلى فلقتين كي تحميها من أن تنبت؛ لعلمنا عظمة من خلقها وحفظها بهدايته لها إلى ذلك.
ولو تأملنا خلية نحل ورأينا سكانها من ملكة وجنود وخادمات، وكيف يقمن بخدمة البيض ويرعينه؛ حتى لا يتعرض للخطر، فيقمن بتهوية مكانه، وتهيئة أسباب السلامة فيه حتى يفقس، فسبحان من حفظها.
ومن حفظه العام: أن يدفع عن خلقه أصناف المكاره، والمضار، قال تَعَالَى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، قال ابن كثير ﵀: «للعبد ملائكة يتعاقبون عليه، حرس بالليل وحرس بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات، كما يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال من خير أو شر، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فاثنان عن اليمين وعن الشمال يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه، واحد من ورائه وآخر من قدامه، فهو بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة آخرين بالليل، حافظان وكاتبان، كما جاء في الصحيح: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ
стр. 1308
وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» (١).
وقال مجاهد ﵀: «ما من عبد إلا وله ملك يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما من شيء يأتيه إلا قال له: وراءَك، إلا شيئًا أذن الله فيه فيصيبه» (٢).
وهذا الحفظ يشترك فيه البَرُّ، والفاجرُ، بل حتى الحيوانات، وغيرها من خلق الله (٣).
وأما حفظه الخاص:
فحفظه لأوليائه سوى ما تقدم، بحفظهم عما يضر إيمانهم أو يزلزل يقينهم من الشُّبَهِ، والفتن، والشهوات، فيعافيهم منها، ويخرجهم منها بسلامة، وحفظ، وعافية، ويحفظهم من أعدائهم من الجنِّ والإنس فينصرهم عليهم ويدفع عنهم كيدَهم، قال الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]، وهذا عام في دفعِ جميعِ ما يضرُّهم في دينهم ودنياهم» (٤).
فحفظه سُبْحَانَهُ لهم على ضربين:
الأول: حفظهم في مصالح دنياهم، كحفظهم في أبدانهم وأهلهم وأولادهم وأموالهم.
стр. 1309
الثاني: حفظهم في دينهم وإيمانهم، فيحفظهم في حياتهم من الشبهات المضلة ومن الشهوات المحرمة، ويحفظهم عند موتهم فيتوفاهم على الإيمان (١).
ومن صور حفظه لهم، ما يلي:
حفظه لأوليائه من مكر الأعداء:
إبراهيم ﵇ وضعه قومه في المنجنيق؛ ليرموه في النار التي أشعلوها، فأتى جبريل ﵇ لإبراهيم، فقال له: «هل لك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأمَّا إلى الله فَبَلَى، فقال إبراهيم ﵇: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] فقال الله للنار: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]» (٢).
رسول الله ﷺ أجمع الكفار على قتله، وأسندوا المهمة إلى شباب ذوي قوة وجَلَد من قبائلهم، فحفظه الله بحفظه ورد كيدهم، ثم دخل الغار مع أبي بكر، وصارت قريش قاب قوسين أو أدنى منه ﵊، حتى إن أبا بكر ﵁ قال: «لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا» (٣)، فحفظه الله من قريشٍ ولم يروه ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ
стр. 1310
كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠]، ثم يدركه سراقة بن مالك، فغارت قدَما فرسه في الأرض حتى بلغت الركبتين، فخرَّ عنها، فاستسلم وبشَّرَهُ الرسول ﷺ بأن يلبسَ سوارَي كسرى» (١).
حفظه لأوليائه بتسخير الكون لهم:
موسى ﵇، حفظه الله، فها هي أمه ترضعه، وتحذَرُ عليه من فرعونَ ومَلَئِهِ أن يقتلوه، فيوحي الله إليها ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]، فيذهب به البحر إلى دار فرعون ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾، فحفظه الحفيظ في أمواج البحر المتلاطمة، وحفظه في قصر فرعون، بل وأنزل محبته في قلوبهم ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٩].
يونس ﵇، حفظه الله في بطن الحوت، فلم يكسر له عظمًا، ولا أكل له لحمًا، بل يُذكر أنه أوحي إلى الحوت: إن يونس ليس لك رزقًا، وإنما بطنك له يكون سجنًا (٢).
حفظه لأوليائه في دينهم:
حفظ الله يوسف ﵇ من الوقوع في السوء والفحشاء، مع قوة الدواعي الداعية للوقوع فيها، فهو شاب عزب، غريب، لا يحتشم مثله ما يحتشمه إذا
стр. 1311
كان في وطنه وبين معارفه، وهو أسير تحت يدي المرأة، وهي سيدته، و تحت تدبيرها، والمسكن واحد، يتيسر إيقاع الأمر المكروه من غير إشعار أحد، ولا إحساس بشر،، ومع ذلك ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ [يوسف: ٢٣]، وصار المحل خاليًا، وهما آمنان من دخول أحد عليهما، ودعته إلى نفسها ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]، وفيها من الجمال ما يدعو إلى ما هنالك، وقد توعدته، إن لم يفعل ما تأمره به بالسجن، أو العذاب الأليم، ومع ذلك كله حفظه الحفيظ في دينه، قال تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] (١).
وحينما يتكفل الحفيظ بحفظ شيء، فمن المحال أن يضيع أو يهلك، وكيف يهلك وقد تعهد الله بحفظه وتولاه برعايته، وهو خير الحافظين، قال تَعَالَى: ﴿فَالله خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤].
تكفَّل بحفظ كتابه العزيز من التحريف والتغيير والتبديل على مر العصور والدهور ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فبقى هذه القرون الطويلة محفوظًا بحفظ الحفيظ له ﵎، بينما التوراة والإنجيل لما أوكل حفظها إلى الرَّبَّانيين والأحبار ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]؛ حصل التبديل والتغيير (٢).
وتكفل بحفظ بيته الحرام، قال ابن تيمية ﵀: «وكذلك الكعبة؛ فإنها بيت من حجارة بوادٍ غير ذي زرع، ليس عندها أحد يحفظها من عدو، ولا
стр. 1312
عندها بساتين وأمور يرغب الناس فيها، فليس عندها رغبة ولا رهبة، ومع هذا فقد حفظها بالهيبة والعظمة، فكل من يأتيها يأتيها خاضعًا ذليلًا متواضعًا في غاية التواضع، وجعل فيها من الرغبة ما يأتيها الناس من أقطار الأرض محبةً وشوقًا من غير باعث دنيوي، وهي على هذه الحال من ألوف السنين، وهذا مما لا يعرف في العالم لبنية غيرها، والملوك يبنون القصور العظيمة فتبقى مدة، ثم تهدم لا يرغب أحد في بنائها ولا يرهبون من خرابها.
وكذلك ما بني للعبادات قد تتغير حاله على طول الزمان، وقد يستولي العدو عليه كما استولى على بيت المقدس، والكعبة لها خاصة ليست لغيرها، قصدها جيش عظيم ومعهم الفيل، فهرب أهلها منهم فبرك الفيل وامتنع من المسير إلى جهتها، وإذا وجهوه إلى غير جهتها توجه، ثم جاءهم من البحر طير أبابيل، أي: جماعات في تفرقة فوجًا بعد فوج، رموا عليهم حصى هلكوا به كلهم؛ فهذا مما لم يوجد نظيره في العالم، فآيات الأنبياء هي أدلة على صدقهم» (١).
وتكفل بحفظ دينه «ولو كره المشركون ذلك وبغوا له الغوائل، ومكروا مكرهم، فإن المكر السيئ لا يضر إلا صاحبه» (٢)، قال تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣].
стр. 1313
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الحافظ الحفيظ) على التوحيد:
إذا تأمل العبد في سعة حفظ الحفيظ للخلائق كله، وأن كل شيء إنما حفظ بحفظه وقام بقيوميته، فهو الحي القيوم الذي قام بنفسه فاستغنى عن جميع مخلوقاته، وقام بغيره فافتقرت إليه جميع مخلوقاته في الإيجاد والإعداد والإمداد والحفظ- تيقن أنه المستحق للعبادة وحده دون ما سواه، فإن كل من دونه عاجز عن حفظ نفسه، فضلًا عن أن يحفظ غيره (١)، فلو أوكل سُبْحَانَهُ حفظ هذه الكواكب والنجوم إلى ذواتها ولم يتولَّها بحفظه ورعايته، لتهافتت وتهاوت وتساقطت، وذهب كلٌّ منها إلى حيث لا يُعلم له غاية ولا مستقر، ولو أوكل حفظ السماء والأرض للخلق، لعجزت قواهم عنها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، فمن كان هذا حاله كيف يتخذ إلهًا من دون الله؟!
كما أن العبد إذا تأمل في حفظ الحفيظ لأهل التوحيد وإكرامه لهم، والإهانة والعقوبة لأهل الشرك- كان في ذلك دلالة له على توحيد الله دون ما سواه، وما ذاك إلا لأن التوحيد جعله الله موصلًا إلى كل خير، دافعًا لكل شر ديني ودنيوي، وجعل الشرك به والكفر سببًا للعقوبات الدينية والدنيوية، ولهذا إذا ذكر تَعَالَى قصص الرسل مع أمم المطيعين والعاصين، وأخبر عن عقوبات العاصين ونجاة الرسل ومن تبعهم، قال عقب كل قصة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [البقرة: ٢٤٨] أي: لعبرة يعتبر بها المعتبرون، فيعلمون أن توحيده هو الموجب للنجاة، وتركه هو الموجب للهلاك (٢).
стр. 1314
الأثر الثالث: محبة الله الحفيظ:
إن التفكر والتدبر في حفظ الله للعبد يملأ القلب حبًّا للحفيظ سُبْحَانَهُ، الذي حفظ له دينه وحفظ له جوارحه، وحفظ له معاشه في هذه الدنيا؛ إذ لو خُلِّيَ بين العبد وبين المهلكات؛ لَمَا بَقِيَ على ظهرها مِن دابَّة ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١].
وهذا حفظه العام للناس- مؤمنهم وكافرهم- أما حفظه الخاص لأوليائه فشيء آخَرُ ونعمة أخرى تقتضي من أهلها المحبة العظيمة والحمد والقيام بحقوق عبوديته سُبْحَانَهُ وطاعته، وبقدر تحقيق العبودية والطاعة لله يكون الحفظ والرعاية من الله لعبده.
الأثر الرابع: مراقبة العبد للحافظ الحفيظ:
إذا علم العبد أن الله حفيظ يحفظ عليه عمله ويرصد أقواله وأفعاله ولا يفوته شيء منها، ثم هو سُبْحَانَهُ يحاسبه عليها يوم القيامة؛ دفعه ذلك إلى مراقبتهسُبْحَانَهُ في السر والعلن، في ظاهره وباطنه، في حركاته وسكناته حتى يصل إلى درجة الإحسان التي فسرها رسول الله ﷺ بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (١)، فيعبد ربه مستحضرًا قربه وأنه بين يديه كأنه يراه، وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم، كما جاء في رواية أبي هريرة: «أَنْ تَخْشَى اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» (٢)، ويوجب له- أيضًا- النصح
стр. 1315
في العبادة، وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها (١).
الأثر الخامس: «احفظ الله يحفظك»:
ليس ثَمَّ حافظ حفيظ غير الله ﷻ ، فهو سُبْحَانَهُ وحده الذي يحفظ من الشرور والآفات والمهالك، يحفظ من عقابه وعذابه وسخطه (٢).
وإنما حظ العبد من حفظه سُبْحَانَهُ، بحسب ما عنده من إيمان وتقوى، كما قال ﷺ : «احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ» (٣)، قال ابن رجب ﵀: «يعني: احفظْ حدود الله، وحقوقه وأوامره ونواهيه، وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده فلا يتجاوز ولا يتعدَّى ما أمر به إلى ما نهي عنه» (٤).
وقد مدح الله سُبْحَانَهُ عباده الذين يحفظون حقوقه وحدوده، فقال في معرض بيانه لصفات المؤمنين الذين اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢]، وقال: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٢ - ٣٣].
وأعظم ما يجب على المسلم حفظه من أوامر الله: حق الله في التوحيد، فيعبده وحده ولا يشرك به شيئًا ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]،
وقال ﷺ لمعاذ: «يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ:
стр. 1316
هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوهُ؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ» (١)، فهذا هو الحق العظيم الذي أمر الله سُبْحَانَهُ عباده أن يحفظوه ويراعوه، وهو الذي من أجل حفظه أرسل الرسل وأنزل الكتب.
ومن أعظم ما أمر الله بحفظه: الصلاة، قال تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩، المعارج: ٣٤].
فمن حافظ على الصلوات وحفظ أركانها، حفظه الله من نقمته وعذابه، وكانت له نجاة يوم القيامة.
قال ابن القيم ﵀: «وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا، ولا سيما إذا أُعطِيَتْ حقَّها من التكميل ظاهرًا وباطنًا، فما استدفعت شرور الدنيا والآخرة، ولا استجلبت مصالحها بمثل الصلاة، وسر ذلك: أن الصلاة صلة بالله ، وعلى قدر صلة العبد بربه تفتح عليه من الخيرات أبوابها، وتقطع عنه من الشرور أسبابها، وتفيض عليه موارد التوفيق من ربه ، والعافية، والصحة، والغنيمة والغنى، والراحة والنعيم، والأفراح والمسرات، كلها محضرة لديه، ومسارعة إليه» (٢).
стр. 1317
ومما أمر الله بحفظه: السمع والبصر والفؤاد، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
وأمر بحفظ الفروج، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠]، ومدح المؤمنين بذلك، فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦]، وقال ﵇: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ» (١).
وأمر بحفظ الأيمان، فقال: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وحفظ اليمين يدل على إيمان المرء وورعه، فكثير من الناس يتساهل في الحلف والقسم، وقد تلزمه كفارة وهو لا يدري، أو يعجز عنها، فيقع في الإثم لتضييعه وعدم حفظه لأيمانه (٢).
والمؤمن مأمور بحفظ دينِه أجمع، فلا يترك منه شيئًا إلا حفظه، وبقدر حفظه يكون حفظ الله له في دينه وماله وولده، وجميع ما آتاه من فضله؛ فإن الجزاء من جنس العمل، قال تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] (٣).
стр. 1318
وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان:
أحدهما: حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله، قال الله : ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، قال ابن عباس ﵄: «هم الملائكة يحفظونه بأمر الله، فإذا جاء القدر خلوا عنه» (١).
ومَن حَفِظَ اللهَ في صباه وقوته، حفظه اللهُ في حال كبره وضعف قوته، ومتعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله.
وقد يحفظ اللهُ العبدَ بصلاحه بعد موته في ذريته، كما قيل في قوله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]: أنهما حفظا بصلاح أبيهما، قال سعيد بن المسيب ﵀ لابنه: «لأزيدن في صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك، ثم تلا هذه الآية ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]» (٢)، وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: «ما من مؤمن يموت، إلا حفظه الله في عقبه وعقب عقبه» (٣).
وقال محمد بن المنكدر ﵀: «إِنَّ اللَّهَ لَيُصْلِحَ بِصَلَاحِ الْعَبْدِ وَلَدَهُ، وَوَلَدَ وَلَدِهِ، وَيَحْفَظُهُ فِي دُوَيْرَتِهِ، وَالدُّوَيْرَاتِ الَّتِي حَوْلَهُ مَا دَامَ فِيهِمْ» (٤).
стр. 1319
النوع الثاني من الحفظ، وهو أشرف النوعين: حفظ الله للعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة، ومن الشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند موته، فيتوفاه على الإيمان.
وفي الجملة، فإن الله يحفظ على المؤمن الحافظ لحدود دينه، ويحول بينه وبين ما يفسد عليه دينه بأنواع من الحفظ، وقد لا يشعر العبد ببعضها، وقد يكون كارهًا له، كما قال في حق يوسف ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].
قال ابن عباس ﵄ في قوله تَعَالَى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، قال: «يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجره إلى النار» (١).
وقال ابن مسعود ﵁: «إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى ييسر له، فينظر الله إليه، فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإنه إن يسرته له أدخلته النار، فيصرفه الله عنه، فيظل يتطير يقول: سبقني فلان دهاني فلان، وما هو إلا فضل الله عز جل» (٢).
стр. 1320
الأثر السادس: الأسباب المحصلة لحفظ الحفيظ:
شرع الله أسبابًا تعين العبد على الفوز بحفظه ﵎، ومن ذلك:
١ - الصلاح والتقوى:
فكلما كان العبد أكثر صلاحًا وتقوى، كلما كان أقرب إلى حفظ الله تَعَالَى، وكلما كان محافظًا على حدوده، مجتنبًا لمحارمه؛ كان بحفظه أحظى، كما قال ﷺ : «احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ» (١).
قال ابن رجب ﵀: «متى كان العبد مشتغلًا بطاعة الله، فإن الله يحفظه في تلك الحال، وفي مسند الإمام أحمد عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ امْرَأَةً كَانَتْ فِيهِ فَخَرَجَتْ فِي سَرِيَّةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَرَكَتْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ عَنْزًا لَهَا وَصِيصِيَتَهَا، كَانَتْ تَنْسِجُ بِهَا، قَالَ: فَفَقَدَتْ عَنْزًا مِنْ غَنَمِهَا وَصِيصِيَتَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ، إِنَّكَ قَدْ ضَمِنْتَ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِكَ أَنْ تَحْفَظَ عَلَيْهِ، وَإِنِّي قَدْ فَقَدْتُ عَنْزًا مِنْ غَنَمِي وَصِيصِيَتِي، وَإِنِّي أَنْشُدُكَ عَنْزِي وَصِيصِيَتِي، قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ شِدَّةَ مُنَاشَدَتِهَا لِرَبِّهَا ﵎، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَأَصْبَحَتْ عَنْزُهَا وَمِثْلُهَا، وَصِيصِيَتُهَا وَمِثْلُهَا» (٢)» (٣).
стр. 1321
٢ - التوكل على الله:
فإن العبد إذا توكل على الله واعتمد عليه في جلب منافعه ودفع مضاره، وأخذ مع ذلك بالأسباب، وجد الله متوليًا لأمره، مراعيًا لحاله، حافظًا له ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] «كافيه الأمر الذي توكل عليه به، وإذا كان الأمر في كفالة الغني القوي العزيز الرحيم، فهو أقرب إلى العبد من كل شيء» (١)، وهذا عين التوفيق.
وضد ذلك: الخذلان، فإن العبد إذا اعتمد على نفسه وحوله وقوته؛ تركه الله لهذا كلِّه وخلَّاه، وهذا هو عين الخذلان.
وأوضح الله لنا هذا المعنى بما أورد في كتابه من قصص:
فها هي أم موسى لما فوَّضَت أمرها إلى الله حفظ ابنها وردَّه إليها، قال تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: ٧ - ٨].
وهذا موسى يقول له قومه- بعد أن كان البحرُ أمامَهم والعدوُّ وراءَهم-: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، فيصدع قائلًا: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، فأوحى الله إليه: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، فكانت النتيجة ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣].
стр. 1322
والصحابة عندما أعجبتُهُم كثرتُهُم يومَ حنينٍ فاعتمدوا عليها، تخلَّى الله عنهم، قال تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥].
بينما في بدر كان العدد قليلًا، والعتاد قليلًا، لكن التوكُّل على الله كبير، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣].
٣ - تلاوة القرآن:
أنزل الله كتابه وجعله هدى ورحمة ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٧٧]، ومن هدايته ورحمته: أن بعض سوره وآياته نص رسول الله ﷺ على أنها حفظ ووقاية للعبد من الشرور، ومن ذلك:
آية الكرسي:
جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: «وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: وَاللهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: دَعْنِي،
قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّكَ رَجُلٌ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ، فَأَحْبَبْنَا أَنْ نُصِيبَ مِنْ طَعَامِكَ، قَالَ أُبَيٌّ: فَمَا الَّذِي يُجِيرُنَا مِنْكُمْ؟ قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ; آيَةُ الْكُرْسِيِّ، ثُمَّ غَدَا أُبَيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صَدَقَ الْخَبِيثُ» (١).
خواتيم سورة البقرة:
جاء في الحديث، عن أبي مسعود ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» (٢).
واختلف في المراد بـ «كَفَتَاهُ»، فقيل: «أجزأتا عنه من قيام الليل بالقرآن، وقيل: أجزأتا عنه عن قراءة القرآن مطلقًا، سواء كان داخل الصلاة أم خارجها، وقيل: معناه: أجزأتاه فيما يتعلق بالاعتقاد؛ لما اشتملتا عليه من الإيمان والأعمال إجمالًا، وقيل: معناه كفتاه كل سوء، وقيل: كفتاه شر الشيطان، وقيل: دفعتا عنه شر الإنس والجن، وقيل: معناه كفتاه ما حصل له بسببهما من الثواب عن طلب شيء آخر، قال ابن حجر ﵀ بعد أن ساق هذه الأقوال: «يجوز أن يراد جميع ما تقدم» (٣).
وجاء عن النعمان بن بشير، قال: قال ﷺ : «إِنَّ اللهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، فَأَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ فَخَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَلَا يُقْرَآنِ فِي دَارٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَيَقْرَبُهَا الشَّيْطَانُ» (٤).
стр. 1325
سورة البقرة:
جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» (١).
وعن أبي أمامة، عن النبي ﷺ ، قال: «اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» البطلة: السحَرة (٢).
سورة الإخلاص والمعوذتان:
جاء في الحديث عن عبد الله بن خُبَيب، أنه قال: «خَرَجْنَا فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ لَنَا، فَأَدْرَكْنَاهُ، فَقَالَ: قُلْ، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: قُلْ، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: قُلْ فَقُلْتُ: مَا أَقُولُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» (٣).
ومعنى «تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ»: من كل شر وتدفع عنك كل سوء، ويحتمل أن يكون المعنى: تغنيك على كل ورد يتعوذ به (٤).
٤ - ذكر الله :
شرع الله ذكره، وجعله حرزًا للعبد يحترز به من الشرور كلها، كما قال ﷺ : «وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللهَ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ
стр. 1326
خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللهِ» (١).
قال ابن القيم ﵀: «فإنه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة، فهو يرصده، فإذا غفل وثب عليه وافترسه، وإذا ذكر الله تَعَالَى انخنس عدو الله تَعَالَى، وتصاغر وانقمع، حتى يكون كالوصع وكالذباب، ولهذا سُمِّيَ الوسواس الخناس، أي: يوسوس في الصدور، فإذا ذكر الله تَعَالَى خنس، أي: كف وانقبض» (٢).
والأذكار التي ورد النص بحفظها للعبد كثيرة، ومنها:
أ- ما جاء في حديث خولة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا، ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» (٣)، و «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ، قَالَ: أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّكَ» (٤)، أي: لم تضرك العقرب، بأن يُحَالَ بينك وبين كمال تأثيرها، بحسب كمال التعوُّذ وقوته وضعفه؛ لأن الأدوية الإلهية تمنع من الداء بعد حصوله، وتمنع من وقوعه، وإن وقع لم يضرَّهُ» (٥).
стр. 1327
ب- ما جاء في حديث عبد الرحمن بن خنبش، «جَاءَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْأَوْدِيَةِ، وَتَحَدَّرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْجِبَالِ، وَفِيهِمْ شَيْطَانٌ مَعَهُ شُعْلَةُ نَارٍ يُرِيدُ أَنْ يَحْرِقَ بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: فَرُعِبَ - قَالَ جَعْفَرٌ: أَحْسَبُهُ، قَالَ: جَعَلَ يَتَأَخَّرُ - قَالَ: وَجَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْ، قَالَ: مَا أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، وَذَرَأَ وَبَرَأَ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا، وَمِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَمِنْ شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ، فَطُفِئَتْ نَارُ الشَّيَاطِينِ، وَهَزَمَهُمُ اللهُ » (١).
ج- ما جاء عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» (٢).
د- ما جاء عن عثمان بن عفان، أن رسول الله ﷺ قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَيَضُرَّهُ شَيْءٌ» (٣).
стр. 1328
٥ - التصبح بسبع تمرات من العجوة:
جاء في الحديث عن سعد بن أبي وقاص ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ - وفي رواية: مِمَّا بَيْنَ لَابَتَيْهَا»، أي: لابتي المدينة (١).
٦ - استيداع الله الأمور:
جاء في الحديث، عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِذَا اسْتُودِعَ اللهُ شَيْئًا حَفِظَهُ» (٢).
٧ - الدعاء:
الدعاء من أهم الوسائل التي يحصل بها العبد حفظ الله (٣)، لذا كثرت الأدعية النبوية في سؤال الله الحفظ، ومن ذلك:
«احْفَظْنِي بِالْإِسْلَامِ قَائِمًا، وَاحْفَظْنِي بِالْإِسْلَامِ قَاعِدًا، وَاحْفَظْنِي بِالْإِسْلَامِ رَاقِدًا، وَلَا تُشْمِتْ بِي عَدُوًّا حَاسِدًا، وَاللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ خَزَائِنُهُ بِيَدِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ خَزَائِنُهُ بِيَدِكَ» (٤).
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتِي، وَقَالَ عُثْمَانُ:
ذُو الفضلِ ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «الفضل والفضيلة: خلاف النقص والنقيصة، والإفضال: الإحسان» (١).
قال ابن فارس ﵀: «(الفاء والضاد واللام) أصل صحيح يدل على زيادة في شيء، من ذلك: الفَضل: الزيادة والخير، والإفضال: الإحسان» (٢).
ورود اسم الله (ذي الفضل) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (ذو الفضل) في كتاب الله اثنتي عشرة مرة، ومن وروده ما يلي:
قول الله : ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]
قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩]
стр. 1331
قوله : ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٩]
ورود اسم الله (ذي الفضل) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله (ذو الفضل) في السنة النبوية.
معنى اسم الله (ذي الفضل) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٤]: «ذو فضل، يتفضل به على مَن أَحَبَّ وشاء مِن خلقه، ثم وصف فضله بالعِظَم، فقال: فضله عظيم؛ لأنه غير مشبه في عظم موقعه ممن أفضله عليه إفضال خلقه، ولا يقاربه في جلالة خطره ولا يدانيه» (١).
قال القرطبي ﵀: «فالله سُبْحَانَهُ ذو الفضل العظيم، والإحسان العميم، أعطى خلقه ما لا يلزمه، وتفضَّل عليهم بما لا يجب عليه، فَسُبْحَانَهُ من رءوف رحيم، تفضَّل على جميع خلقه بنعمته، وعلى المؤمنين بدار كرامته، ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]» (٢).
قال ابن كثير ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٤]: «أي: اختصكم- أيها المؤمنون- من الفضل بما لا يُحَدُّ ولا يوصف، بما شرَّف به نبيَّكم محمدًا ﷺ على
стр. 1332
سائر الأنبياء وهداكم به لأحمدِ الشرائع» (١).
قال الشوكاني ﵀: «فضل الله يؤتيه من يشاء، أي: يعطيه من يشاء إعطاءه إيَّاه تفضلًا وإحسانًا، والله ذو الفضل العظيم، فهو يتفضل على من يشاء، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، والخير كله بيده، وهو الكريم المطلق، والجواد الذي لا يبخل» (٢).
قال السعدي ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]: «الذي لا يصفه الواصفون، ولا يخطر بقلب بشر، بل وصل فضله وإحسانه إلى ما وصل إليه علمه ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧]» (٣).
فكل خير يناله العباد في دينهم أو دنياهم إنما هو من عند الله، يتفضل به عليهم ذو الفضل سُبْحَانَهُ!
قال الإمام ابن القيم ﵀ في نونيته:
يَا مَنْ يُرِيدُ وِلَايَةَ الرَّحمنِ دُو … نَ وِلَايَةِ الشَّيْطَانِ والأَوْثَانِ
فَارِقْ جَمِيعَ النَّاسِ في إشراكِهِم … حتَّى تَنَالَ ولايةَ الرَّحمنِ
يَكفِيكَ مَن وَسِعَ الخلائقَ رحمةً … وكفايةً ذو الفَضْلِ والإِحْسَانِ
стр. 1333
يَكفِيكَ رَبٌّ لم تزلْ ألطافُهُ … تأتي إليكَ برحمةٍ وحنانِ
يَكفِيكَ رَبٌّ لم تزلْ في ستْرِهِ … ويراكَ حينَ تجيءُ بِالعصيانِ (١)
اقتران اسم الله (ذي الفضل) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يرد اسم الله (ذو الفضل) مقترنًا بأسماء أخرى.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (ذي الفضل):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (ذو الفضل) من صفات الله، وتحقيق التوحيد له:
الله سُبْحَانَهُ ذو الفضل الواسع والنعيم الوفير، ينعم على عباده بفضله ويمتن عليهم بخيره، ومن مظاهر أفضال الله تَعَالَى ما يلي:
أولًا: الأفضال الدنيوية:
وهي الأفضال التي تعم المسلم والكافر، البَر والفاجر، الإنسان والحيوان، بل كل ما سوى الله متقلِّب في فضله وبرِّه، ومن أمثلة هذه الفضائل: الرزق، فكل ما رزقك إياه في الدنيا: من عافية وسعة رزق وبيت وولد ووالد، تنام بالليل، وتسعى بالنهار، لا تعاني من قلق وأرق، ولا تعيش بطالة وكسلًا، هو من فضله تَعَالَى، تأمل قول سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر: ٦١]
стр. 1334
وعن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا أخذ مضجعه: «الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي كَفَانِي، وَآوَانِي، وَأَطْعَمَنِي، وَسَقَانِي، وَالَّذِي مَنَّ عَلَيَّ فَأَفْضَلَ، وَالَّذِي أَعْطَانِي فَأَجْزَلَ، الْحَمْدُ لِلهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللَّهُمَّ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، وَإِلَهَ كُلِّ شَيْءٍ أَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ» (١).
ثانيًا: الأفضال الدينية:
وهي الأفضال التي تخص المؤمن في دينه، ومن أبرزها:
فضل الهداية للإسلام، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٣]
فضل تزكية نفوس المؤمنين وتنوير بصائرهم، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١]
يقول ابن القيم ﵀: «فلولا فضل الله ورحمته على المؤمنين ما زَكَتْ منهم نفس واحدة؛ فإذا أراد اللهسُبْحَانَهُ بها خيرًا جعل فيها ما تزكو به وتصلح- من الإرادات والتصورات- وإذا لم يُرد بها ذلك تركها على حالها التي خُلِقَتْ عليها من الجهل والظلم» (٢).
стр. 1335
فضل إنزال القرآن، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]، يقول أبو سعيد الخدري ﵁ في معنى الآية: «بِفضل الله: القرآن، وبرحمته: أن جعلكم من أهله» (١)، ومن فضل القرآن: أن جعله ذو الفضل شفيعًا لأصحابه يوم القيامة، فعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ : قال: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ» (٢).
ومن فضله أيضًا: أن الله يرفع قدر أهل البيت الذين يتلى في بيوتهم كلام الرحمن يقول النبي ﷺ : «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُم فِي بُيُوْتِكُم، وَلَا تَجْعَلُوْهَا عَلَيْكُم قُبُوْراً، كَمَا اتَّخَذَتِ اليَهُوْدُ وَالنَّصَارَى فِي بُيُوْتِهِم قُبُوْراً، وَإِنَّ البَيْتَ لَيُتْلَى فِيْهِ القُرْآنُ، فَيَتَرَاءى لأَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا تَتَرَاءى النُّجُوْمُ لأَهْلِ الأَرْضِ» (٣).
فضل إرسال محمد ﷺ لهداية الناس إلى الطريق القويم، ومَن تأمَّل ما جاء به ﷺ جملة وتفصيلًا؛ عرف أنه لا صلاح للبشر إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة، وأنه كما أن بهما إصلاح العقائد والأخلاق والأعمال، فقد جاء فيهما ما يصلح أمور الدنيا كذلك، وكل ما يعود إلى الخير والنفع العام والخاص.