قوله : ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٩]
ورود اسم الله (ذي الفضل) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله (ذو الفضل) في السنة النبوية.
معنى اسم الله (ذي الفضل) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٤]: «ذو فضل، يتفضل به على مَن أَحَبَّ وشاء مِن خلقه، ثم وصف فضله بالعِظَم، فقال: فضله عظيم؛ لأنه غير مشبه في عظم موقعه ممن أفضله عليه إفضال خلقه، ولا يقاربه في جلالة خطره ولا يدانيه» (١).
قال القرطبي ﵀: «فالله سُبْحَانَهُ ذو الفضل العظيم، والإحسان العميم، أعطى خلقه ما لا يلزمه، وتفضَّل عليهم بما لا يجب عليه، فَسُبْحَانَهُ من رءوف رحيم، تفضَّل على جميع خلقه بنعمته، وعلى المؤمنين بدار كرامته، ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]» (٢).
قال ابن كثير ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٤]: «أي: اختصكم- أيها المؤمنون- من الفضل بما لا يُحَدُّ ولا يوصف، بما شرَّف به نبيَّكم محمدًا ﷺ على
стр. 1332
سائر الأنبياء وهداكم به لأحمدِ الشرائع» (١).
قال الشوكاني ﵀: «فضل الله يؤتيه من يشاء، أي: يعطيه من يشاء إعطاءه إيَّاه تفضلًا وإحسانًا، والله ذو الفضل العظيم، فهو يتفضل على من يشاء، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، والخير كله بيده، وهو الكريم المطلق، والجواد الذي لا يبخل» (٢).
قال السعدي ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]: «الذي لا يصفه الواصفون، ولا يخطر بقلب بشر، بل وصل فضله وإحسانه إلى ما وصل إليه علمه ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧]» (٣).
فكل خير يناله العباد في دينهم أو دنياهم إنما هو من عند الله، يتفضل به عليهم ذو الفضل سُبْحَانَهُ!
قال الإمام ابن القيم ﵀ في نونيته:
يَا مَنْ يُرِيدُ وِلَايَةَ الرَّحمنِ دُو … نَ وِلَايَةِ الشَّيْطَانِ والأَوْثَانِ
فَارِقْ جَمِيعَ النَّاسِ في إشراكِهِم … حتَّى تَنَالَ ولايةَ الرَّحمنِ
يَكفِيكَ مَن وَسِعَ الخلائقَ رحمةً … وكفايةً ذو الفَضْلِ والإِحْسَانِ
стр. 1333
يَكفِيكَ رَبٌّ لم تزلْ ألطافُهُ … تأتي إليكَ برحمةٍ وحنانِ
يَكفِيكَ رَبٌّ لم تزلْ في ستْرِهِ … ويراكَ حينَ تجيءُ بِالعصيانِ (١)
اقتران اسم الله (ذي الفضل) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يرد اسم الله (ذو الفضل) مقترنًا بأسماء أخرى.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (ذي الفضل):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (ذو الفضل) من صفات الله، وتحقيق التوحيد له:
الله سُبْحَانَهُ ذو الفضل الواسع والنعيم الوفير، ينعم على عباده بفضله ويمتن عليهم بخيره، ومن مظاهر أفضال الله تَعَالَى ما يلي:
أولًا: الأفضال الدنيوية:
وهي الأفضال التي تعم المسلم والكافر، البَر والفاجر، الإنسان والحيوان، بل كل ما سوى الله متقلِّب في فضله وبرِّه، ومن أمثلة هذه الفضائل: الرزق، فكل ما رزقك إياه في الدنيا: من عافية وسعة رزق وبيت وولد ووالد، تنام بالليل، وتسعى بالنهار، لا تعاني من قلق وأرق، ولا تعيش بطالة وكسلًا، هو من فضله تَعَالَى، تأمل قول سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر: ٦١]
стр. 1334
وعن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا أخذ مضجعه: «الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي كَفَانِي، وَآوَانِي، وَأَطْعَمَنِي، وَسَقَانِي، وَالَّذِي مَنَّ عَلَيَّ فَأَفْضَلَ، وَالَّذِي أَعْطَانِي فَأَجْزَلَ، الْحَمْدُ لِلهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللَّهُمَّ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، وَإِلَهَ كُلِّ شَيْءٍ أَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ» (١).
ثانيًا: الأفضال الدينية:
وهي الأفضال التي تخص المؤمن في دينه، ومن أبرزها:
فضل الهداية للإسلام، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٣]
فضل تزكية نفوس المؤمنين وتنوير بصائرهم، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١]
يقول ابن القيم ﵀: «فلولا فضل الله ورحمته على المؤمنين ما زَكَتْ منهم نفس واحدة؛ فإذا أراد اللهسُبْحَانَهُ بها خيرًا جعل فيها ما تزكو به وتصلح- من الإرادات والتصورات- وإذا لم يُرد بها ذلك تركها على حالها التي خُلِقَتْ عليها من الجهل والظلم» (٢).
стр. 1335
فضل إنزال القرآن، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]، يقول أبو سعيد الخدري ﵁ في معنى الآية: «بِفضل الله: القرآن، وبرحمته: أن جعلكم من أهله» (١)، ومن فضل القرآن: أن جعله ذو الفضل شفيعًا لأصحابه يوم القيامة، فعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ : قال: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ» (٢).
ومن فضله أيضًا: أن الله يرفع قدر أهل البيت الذين يتلى في بيوتهم كلام الرحمن يقول النبي ﷺ : «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُم فِي بُيُوْتِكُم، وَلَا تَجْعَلُوْهَا عَلَيْكُم قُبُوْراً، كَمَا اتَّخَذَتِ اليَهُوْدُ وَالنَّصَارَى فِي بُيُوْتِهِم قُبُوْراً، وَإِنَّ البَيْتَ لَيُتْلَى فِيْهِ القُرْآنُ، فَيَتَرَاءى لأَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا تَتَرَاءى النُّجُوْمُ لأَهْلِ الأَرْضِ» (٣).
فضل إرسال محمد ﷺ لهداية الناس إلى الطريق القويم، ومَن تأمَّل ما جاء به ﷺ جملة وتفصيلًا؛ عرف أنه لا صلاح للبشر إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة، وأنه كما أن بهما إصلاح العقائد والأخلاق والأعمال، فقد جاء فيهما ما يصلح أمور الدنيا كذلك، وكل ما يعود إلى الخير والنفع العام والخاص.
стр. 1336
فضل تثبيت المؤمنين على دينهم، ومدافعته عنهم، ونصرتهم على أعدائهم، فيعصمهم من الزيغ والخذلان واتباع الشيطان، يقول تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤]، وقال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣].
فضل طلب الجنة، والسعي للوصول إليها، يقول تَعَالَى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]
فضل تنوير بصائر من اتقاه، وتكفيره لسيئاته، ومغفرته لذنوبه، وتزكية نفسه، قالسُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩]
فضل إعطاء المؤمنين فوق ما يستحقون من ثواب، يقول تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣]
فحري بالقلب أن يتعلق بصاحب الفضائل سُبْحَانَهُ، ويوحده بألوهيته وربوبيته، ويديم النظر والتفكر في آلائه وأسمائه وصفاته، ويكثر من التضرع بأن يمن الله عليه من أفضال الدنيا والآخرة.
стр. 1337
كما أن اسم الله (ذا الفضل) دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله (ذي الجلال والإكرام)، و (المنان)، و (الكريم)، و (الرحيم)، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.
الأثر الثاني: تحقيق صدق الافتقار لذي الفضل سُبْحَانَهُ:
من أيقن أن الفضل بيد ذي الفضل وحده سُبْحَانَهُ؛ صح في قلبه صدق الاضطرار وكمال الافتقار، وتجرد من جبروت النفس والجاه والمال، يقول الله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، وفي حديث النبي ﷺ لعبد الله بن عباس ﵄ قال: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» (١).
يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرح الحديث: «الأمة كلها من أولها إلى آخرها لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وعلى هذا فإن نفع الخلق الذي يأتي للإنسان فهو من الله في الحقيقة؛ لأنه هو الذي كتبه له، وهذا حث لنا على أن نعتمد على الله ، ونعلم أن الأمة لا يجلبون لنا خيرًا إلا بإذن الله » (٢).
стр. 1338
«فإذا جرَّد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه، وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله تَعَالَى، بل يفرد الله بالمخافة وقد أمنه منه وخرج من قلبه اهتمامه به واشتغاله به وفكره فيه، وتجرد الله محبة وخشية وإنابة وتوكلًا واشتغالًا به عن غيره، فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده، وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل، والله يتولى حفظه والدفع عنه، … قال بعض السلف: من أقبل على الله بكليته أقبل الله عليه جملة، ومن أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملة، ومن كان مرة ومرة فالله له مرة ومرة، فالتوحيد حصن الله الأعظم، الذي من دخله كان من الآمنين: قال بعض السلف: من خاف الله آمنه من كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء» (١).
الأثر الثالث: محبة ذي الفضل سُبْحَانَهُ:
إن العبد إذا عرف فضل الله ، وآمن بأنه ذو الفضل العظيم؛ ازداد حبُّه لله، وعظم شوقه إلى لقائه، فيكون راجيًا فضل ربه، محسنًا الظن بخالقه ﵎.
الأثر الرابع: الفرح بفضل الله تعالى:
فالله سُبْحَانَهُ يحب أن يرى فرح وسعادة عبده بكريم وجزيل فضله، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
يقول ابن القيم ﵀ في ذلك: «ففضله: الإسلام والإيمان، ورحمته: العلم والقرآن، وهو يحب من عبده: أن يفرح بذلك ويسر به، بل يحب من عبده: أن يفرح بالحسنة إذا عملها وأن يسر بها، وهو في الحقيقة فرح بفضل
стр. 1339
الله، حيث وفقه الله لها، وأعانه عليها ويسرها له، والفرح أعلى أنواع نعيم القلب، ولذته وبهجته، … والفرح بالشيء فوق الرضا به، فإن الرضا طمأنينة وسكون وانشراح، والفرح لذة وبهجة وسرور، فكل فَرِح راض، وليس كل راضٍ فَرِحًا، ولهذا كان الفرح ضد الحزن، والرضا ضد السخط، والحزن يؤلم صاحبه، والسخط لا يؤلمه، إلا إن كان مع العجز عن الانتقام، والله أعلم» (١).
«وقد جاء الفرح في القرآن على نوعين: مطلق ومقيد، فالمطلق: جاء في الذم، كقوله تَعَالَى: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠].
والمقيد: نوعان أيضًا:
مقيد بالدنيا: يُنسي صاحبه فضل الله ومنته، فهو مذموم، كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].
والثاني: مقيد بفضل الله وبرحمته، وهو نوعان أيضًا:
فضل ورحمة بالسبب، وفضل بالمسبب، فالأول: كقوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] والثاني: كقوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠]، فالفرح بالله، وبرسوله، وبالإيمان، وبالسنة، وبالعلم، وبالقرآن: من أعلى مقامات العارفين، قال الله تَعَالَى:
﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الرعد: ٣٦]، فالفرح بالعلم والإيمان والسنة:
стр. 1340
دليل على تعظيمه عند صاحبه، ومحبته له، وإيثاره له على غيره، فإن فرح العبد بالشيء عند حصوله له: على قدر محبته له، ورغبته فيه، فمن ليس له رغبة في الشيء لا يفرحه حصوله له، ولا يحزنه فواته، فالفرح تابع للمحبة والرغبة» (١).
الأثر الخامس: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (٢):
على العبد أن يكون باذلًا لخلق الله الفضل، يرجو ببذله أن يناله فضلُ الله ورحمته، فالله يحب المحسنين إلى خلقه، ويحسن إليهم، كما دل عليه الحديث الصحيح عن أبي مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ مُوسِرًا، فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ، قَالَ: قَالَ الله : نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ» (٣).
عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ لِلَّهِ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا عَنْهُمْ وَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ» (٤).
فينبغي على العبد أن يسارع ببذل الفضل الذي أنعم الله به تَعَالَى عليه، فيبذل ماله إن كان ذا مال؛ تقربًا به لله، وشاكرًا لنعمه عليه، وكذا صاحب الجاه وصاحب العلم، وليتذكر دائمًا حديث النبي ﷺ الذي رواه عنه أبو
стр. 1341
هريرة ﵁، حيث قال فيه المصطفى ﷺ : «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالله فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ الله لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الله، يَتْلُونَ كِتَابَ الله، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ الله فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» (١)، وروي عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ لِلَّهِ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا عَنْهُمْ وَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ» (٢).
وهذا من باب المسارعة إلى فعل الخيرات، التي أمر الله بالسباق إليها والزحام عليها، قال تَعَالَى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١] وهذه المغفرة والجنة فضل يؤتيه الله من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم.
فاللهم يا بَر، يا رؤوف، يا رحيم، يا ذا الفضلِ العظيم، يا غفور، يا ودود، يا حليم، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك.
стр. 1342
الرَّقيبُ ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «الرقيب: الحافظ، … تقول: رقبت الشيء أرقبه رقوبًا، ورِقْبَةً ورِقْبانًا بالكسر فيهما، إذا رَصَدْتَهُ … » (١).
قال ابن فارس ﵀: «(رقب) الراء والقاف والباء أصل واحد مطرد، يدل على انتصاب لمراعاة شيء، من ذلك الرقيب، وهو الحافظ، يقال منه: رقبت أرقب رقبة ورقبانًا … » (٢).
ورود اسم الله (الرقيب) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الرقيب) في كتاب الله ثلاث مرات، ووروده كالتالي:
قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
قوله : ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧].
قوله : ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢].
ورود اسم الله (الرقيب) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله (الرقيب) في السنة النبوية.
стр. 1343
معنى اسم الله (الرقيب) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري ﵀ عند قوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]: «حفيظًا محصيًا عليكم أعمالكم متفقِّدًا رعايتكم حرمة أرحامكم وصلَتكم إياها وقطْعَكُموها وتضييعَكُم حرمتها» (١).
قال الحليمي ﵀: «الرقيب الذي لا يَغفل عن ما خلق فيلحقه نقص أو يدخل عليه خلل» (٢).
قال القرطبي ﵀: «فهو سُبْحَانَهُ الرقيب المُرَاعي أحوال المرقوب، الحافظ له جملة وتفصيلًا، المحصي لجميع أحواله، وذلك راجع إلى العلم والمشاهدة، وهو الإدراك والإحصاء وهو عَدُّ ما يَدِقُّ ويَجِلُّ من أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته، وسائر أحواله وتصرفاته، ومراعاة وجوده وعدمه، وحياته وموته» (٣).
قال الزجاج ﵀: «الرقيب هو الحافظ الذي لا يغيب عما يحفظه، يقال: رقبت الشيء أرقبه رقبة، وقال الله تَعَالَى ذكره: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]» (٤).
قال السعدي ﵀: «(الرقيب) المطلع على ما أَكَنَّتْه الصدور، القائم
стр. 1344
على كل نفس بما كسبت، الذي حفظ المخلوقات وأجراها على أحسن نظام، وأكمل تدبير» (١).
قال ابن القيم ﵀:
وَهُوَ الرَّقِيْبُ عَلَى الْخَوَاطِرِ وَاللَّوَا … حِظِ كَيْفَ بِالْأَفْعَالِ بِالْأَرْكَانِ (٢)
اقتران اسم الله (الرقيب) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يقترن اسم الله الرقيب بأي اسم من أسماء الله تعالى.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الرقيب):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الرقيب)، ودلالته على التوحيد:
الله هو الرقيب الذي لا يخرج شيء عن رقابته ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] «رقيب للمبصرات ببصره الذي لا يغيب عنه شيء، ورقيب للمسموعات بسمعه الذي وسع كل شيء، ورقيب على جميع المخلوقات بعلمه الذي أحاط بكل شيء» (٣)، يرقب السموات وما فيهن، والأرضين وما فيهن، والبحار وما فيهن، ويرقب عباده وما يصدر منهم.
فهو الرقيب الحفيظ الذي حفظ السموات وما فيها من كواكب ونجوم، حفظها من أن يخرجَ منها جِرْمٌ عن موضعه الذي أقامه فيه، أو ينقص من
стр. 1345
سرعته التي أجراه بها وأداره عليها، أو ينحرف عن اتجاهه الذي وجَّهه إليه، لا تشغلُهُ رقابة كبارها عن الرقابة على صغارها، ولا يعوقه حفظ قريبها عن حفظ بعيدها.
ويرقب الأرض فيحفظها في دورتها حول نفسها أمام الشمس؛ حتى لا تنحرف عن دارها الذي رسمه، وحتى تحتفظ بالسرعة التي خصَّها بها، يرقبها في إنباتها وجريان أنهارها، يرقبها من أن تقع السموات عليها ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥].
ويرقب البحار، فيحفظها من أن تطغى على اليابسة، فتكون بحرًا يعج عجاجه وتصطخب أمواجه.
ويرقب الأجنة فيحفظها في بطون أمهاتها، وتطورها في خلقها ونموها، وتغذيتها وتمامها، وخروجها ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦].
ويرقب عباده فيحفظهم من بين يديهم ومن خلفهم، قال تَعَالَى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] فللإنسان ملائكة يتعاقبون في الليل والنهار يحفظون بدنه وروحه من كل من يريده بسوء (١).
فسبحان الرقيب الذي لولا رقابته على كل هذه المخلوقات ما قام شيء في الوجود، وسبحان الذي لو تخلت رقابته عن هذا العالم طرفة عين لغرق في طوفان من الظلام وأصبح عدمًا.
стр. 1346
وهو الرقيب المطلع على خلقه، يعلم كل صغيرة وكبيرة في ملكه، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، قال تَعَالَى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣].
وهو الرقيب المحصي أعمال عباده، يرقب حركاتهم وسكناتهم وأقوالهم وأفعالهم، بل حتى ما يجول في خواطرهم، قال تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] «أي: المطلع على سرائرهم وضمائرهم ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] علمًا وسمعًا وبصرًا، فعلمك قد أحاط بالمعلومات، وسمعك بالمسموعات، وبصرك بالمبصرات، فأنت الذي تجازي عبادك بما تعلمه فيهم من خير وشر» (١).
وإذا تأمل العبد في عظم رقابة الله ؛ علم استحقاقه للعبادة وحده دون ما سواه، فهو «رقيب على الأشياء بعلمه المقدس عن مباشرة النسيان، ورقيب للمبصرات ببصره الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، ورقيب للمسموعات بسمعه المدرك لكل حركة وكلام، فهو سُبْحَانَهُ رقيب عليها بهذه الصفات تحت رقابته الكليات والجزئيات، وجميع الخفيات في الأرضين والسموات، ولا خفى عنده، بل جميع الموجودات كلها على نمط واحد في أنها تحت رقُبته التي هي من صفته» (٢)، وكل معبود من دونه لا يملك من ذلك شيئًا، فكيف يتخذ إلهًا يُعبد؟!!
وكما أن اسم الله (الرقيب) دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال
стр. 1347
على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله العليم، والشهيد، والحسيب، والسميع والبصير، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.
الأثر الثاني: محبة الله الرقيب:
إذا علم المسلم أن الله الرقيب قائم عليه وعلى كل نفس، قائم بتدبيرها على أكمل نظام وأحسن إحكام، حافظ له وللمخلوقات من حوله فيحفظهم بحفظه ويكلؤهم بعينه، لا يغفل عن خلقه بل يرعاهم ويرعى أحوالهم ويدبر أمورهم، لا شك أن ذلك سيبعث في قلبه محبة الرقيب ﷻ .
الأثر الثالث: مراقبة الرقيب جل في علاه:
إذا أيقن العبد بأن الله هو الرقيب واستشعر نظره له في ظاهره وباطنه، وصغيره وكبيره؛ أورثه ذلك مراقبته سُبْحَانَهُ في السر والعلن، في الليل والنهار، في الخلوة والجلوة، فصار يلحظ أعماله، ويتفقد أفكاره وخطراته حتى يرتقي إلى درجة الإحسان التي أخبر عنها الرسول ﷺ بأنها «أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (١)، فيحفظ قلبه وسمعه وبصره ولسانه وجوارحه كلها من أن يكون منها أو فيها ما يسخط الله .
ومراقبة الله من أعلى أعمال القلوب، ومن أعظم منازل السائرين إلى الله والدار الآخرة، فعلى المسلم أن يسعى لتحقيقها وأن يكون من أهلها، وسيتناول الملحق- بإذن الله- ما يعين على ذلك.
стр. 1348
المراقبة
في موضوع المراقبة سنتطرق للمسائل التالية:
أولًا: تعريف المراقبة:
عرفها ابن القيم ﵀، فقال: «دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق على ظاهره وباطنه» (١).
ثانيًا: ثمرات المراقبة:
إذا حقق العبد منزلة المراقبة، لا بد أن يجد ثمارها التي تعود إليه في أمر دينه ودنياه وآخرته، ومن ذلك:
١ - الإخلاص:
إذا راقب العبد ربه وعلم أنه مطلع على نيته ومقصده؛ بعثه ذلك إلى إخلاص عمله لله ؛ خوفًا وحياء من ربه أن يطلع على قلبه وفيه فلان وفلان من الناس، بل يبعثه ذلك- أيضًا- إلى إخفاء عمله عن أعين الناس، كما في السبعة الذين يظلهم الله في ظله، وذكر منهم: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» (٢)، فهذا راقب الله، وأراد أن يكون
стр. 1349
عمله خالصًا لوجهه سُبْحَانَهُ، حتى أن جزءًا من جسده وهو يده لم تعلم ما أنفقت يمينه، وهذا من كمال إخلاصه وتجرده لله تَعَالَى.
٢ - إتقان العمل:
إذا استحضر العبد حال قيامه بطاعة من الطاعات نظر الله إليه ومراقبته لعمله؛ أوجب ذلك له بذل الجهد في تحسينها وتكميلها وإتمامها (١).
والعبد مأمور بتحسين عمله، كما قال تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢] قال ابن كثير ﵀: «خير عملًا، كما قال محمد بن عجلان، ولم يقل: أكثر عملًا» (٢)، وقال ﷺ : «إِنَّ الله ﵎ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» (٣).
ولهذا المعنى جاء الأمر بإقامة الصلاة ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] لا فعلها أو الإتيان بها؛ لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة، فإقامة الصلاة؛ إقامتها ظاهرًا، بإتمام أركانها، وواجباتها، وشروطها، وإقامتها باطنًا بإقامة روحها، وهو حضور القلب فيها، وتدبر ما يقوله ويفعله منها، فهذه الصلاة هي التي قال الله فيها: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وهي التي يترتب عليها الثواب، فلا ثواب للإنسان من صلاته إلا ما عقل منها (٤).
стр. 1350
٣ - حفظ الظاهر والباطن من السيئات:
مراقبة الله توجب للعبد صيانة ظاهره وباطنه ووقايته من اقتراف السيئات، فإن العبد إذا استحضر اطلاع ربه على ما بطن وخفي عن أعين الناس؛ دفعه ذلك إلى إصلاح باطنه وصيانته، فيحفظ قلبه من الحرام، ويحفظ فكره من الخواطر الرديئة، ويجرد باطنه من كل شهوة وإرادة تعارض أمر الله، ومن كل محبة تزاحم محبته، وهذه هي حقيقة القلب السليم الذي لا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم.
وإذا صلح الباطن صلح الظاهر ولا ريب، فمن راقب الله في سره حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته، وقد قيل: من راقب الله في خواطره، عصمه في حركات جوارحه، فلا ينطق بحرام، ولا ينظر لحرام، ولا يسمع لحرام، ولا يبطش حرامًا، ولا يمشي لحرام (١).
فاستشعار العبد لرؤية ربه؛ يدفعه إلى الإقلاع عن المعاصي والآثام؛ لذلك فإن الذي يقع في المعصية، لا بد أنه غاب عنه عند مواقعتها أن الله رقيب شهيد، قال ابن الجوزي ﵀: «فقلوب الجهال تستشعر البعد؛ ولذلك تقع منهم المعاصي؛ إذ لو تحققت مراقبتهم للحاضر الناظر، لَكَفُّوا الأكفَّ عن الخطايا، والمتيقظون علموا قربه، فحضرتهم المراقبة، وكَفَتْهم عن الانبساط» (٢).
стр. 1351
٤ - أعمال القلوب:
إذا حقق العبد مراقبة الله ؛ أوجب ذلك له جملة من الأعمال القلبية؛ وذلك أن المراقبة هي أساس أعمال القلب وعمودها الذي تقوم عليه، ومن تلك الأعمال:
- الخوف من الله ومهابته، فإذا هم بمعصية أو قارفها استشعر نظر ربه ورقابته، فخاف منه، واضطربت أركانه هيبة وتعظيمًا له (١).
- محاسبة النفس والخلوة بها، ومعاتبتها بين الفينة والأخرى، فكلَّما همَّ العبد بمعصية استشعر أن ربه ناظر إليه فحاسب نفسه وراجعها، وكلَّما همَّ بتقصير في واجب تذكر مراقبة الله لعمله، فحاسَبَ نفسه وراجعها.
-الحياء من الله ، فيستحي أن يراه الله حيث نهاه، أو يراه وقد قصّر فيما أمره به، أو يراه وقد جعله أهون الناظرين إليه، كما قال بعض العارفين: «اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك» (٢).
٥ - تفريج الهموم وتنفيس الكربات:
من حقق مقام المراقبة جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، ومن كل عسر يسرًا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]، وفي حادثة أصحاب الغار شاهد بيِّن على هذا:
فَأَخَذَهُ فَذَهَبَ بِهِ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ الله مَا بَقِيَ» (١).
فالثلاثة راقبوا الله، فكان الجزاء أن فرج الله عنهم ما هم فيه، فإذا بالصخرة تتحرك من مكانها، وتفتح لهم باب النجاة، والخلاص من الهمِّ الذي حلَّ بهم.
٦ - سرور النفس وطمأنينة القلب:
من استحضر مراقبة الله ﷻ ، وأدام ذكره، واجتنب الغفلة عنه؛ أثمر ذلك سرورًا في قلبه وانشراحًا في صدره ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] وقرت عينه بالقرب من ربه، وأحس بلذة وفرح لا يدانيه فرح من الأفراح عند فعل الطاعات؛ لعلمه أن الله مطلع عليه ناظر إليه وهو الشكور الحميد.
وما يجده المراقب لربه من السرور والحبور من النعيم المعجل في الدنيا (٢)، قال ابن القيم ﵀: «فإن سرور القلب بالله وفرحه به، وقرة العين به، لا يشبهه شيء من نعيم الدنيا البتة، وليس له نظير يقاس به، وهو حال من أحوال أهل الجنة، حتى قال بعض العارفين: إنه لتمر بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا، إنهم لفي عيش طيب.
ولا ريب أن هذا السرور يبعثه على دوام السير إلى الله ، وبذل الجهد في طلبه، وابتغاء مرضاته، ومن لم يجد هذا السرور، ولا شيئًا منه،
стр. 1354
فليتهم إيمانه وأعماله؛ فإن للإيمان حلاوة، من لم يذقها فليرجع، وليقتبس نورًا يجد به حلاوة الإيمان.
وقد ذكر النبي ﷺ ذوق طعم الإيمان ووجد حلاوته، فذكر الذوق والوجد، وعلقه بالإيمان، فقال: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِالله رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» (١)، وقال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ الله وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (٢).
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية- قدس الله روحه- يقول: إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحًا، فاتهمه؛ فإن الرب تَعَالَى شكور، يعني: أنه لا بد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه، وقوة انشراح وقرة عين، فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول» (٣).
٧ - زيادة الأجر:
مراقبة الله أثناء عمل الخير ولو كان يسيرًا، ترفع من أجره وتعظمه، وتصيرّه كبيرًا مع صغره وكثيرًا مع قلته، وإنما نال السبعة الذين تحت الظل ما نالوا من الكرامة بسبب خشيتهم لله ومراقبته له، قال ﷺ : «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي الله اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا
стр. 1355
عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (١).
فالرجل الذي ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ما الذي دعاه لذلك والناس لا يرونه؟ والرجل الذي دعته امرأة ذات منصب وجمال، وغابت عنه العيون ونفسه تشتهي وتتمنى، ما الذي دعاه لقوله: إني أخاف الله؟ والرجل الذي تصدق بيمينه حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه مع أن المال محبوب للنفوس، ولا يسهل عليها أن تجود به إلا بطلب عوض أعظم، ما الذي دعاه للإنفاق؟ والشاب الذي نشأ في طاعة الله مع قوة النوازع وتوقد الغرائز، ما الذي دعاه للطاعة والكف عن المعصية؟ إنها مراقبة الله التي كانت سببًا لنيلهم هذه المكانة والمنزلة العظيمة.
٨ - دخول الجنة ورؤية وجه الله -:
مراقبة العبد ربه سبب لدخوله الجنة، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢] أي: «في جميع أحوالهم، حتى في الحالة التي لا يطَّلع عليهم فيها إلا الله، فلا يُقدِمون على معاصيه، ولا يُقَصِّرون فيما أمر به ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم، وإذا غفر الله ذنوبهم وقاهم شرَّها، ووقاهم عذاب الجحيم، ولهم أجر كبير، وهو ما أعده لهم في الجنة، من النعيم المقيم، والملك الكبير، واللذات المتواصلات، والمشتهيات … » (٢).
стр. 1356
وأعظم من ذلك: رؤية وجهه ﵎، كما قال تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وذلك؛ «لأن الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه وينظر إليه في حال عبادته، فكان جزاء ذلك النظر إلى الله عيانًا في الآخرة، وعكس هذا ما أخبر الله تَعَالَى به عن جزاء الكفار في الآخرة: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، وجعل ذلك جزاء لحالهم في الدنيا، وهو تراكم الران على قلوبهم، حتى حجبت عن معرفته ومراقبته في الدنيا، فكان جزاؤهم على ذلك أن حجبوا عن رؤيته في الآخرة» (١).
ثالثًا: وسائل تحقيق المراقبة:
يمكن للعبد أن يصل لمراقبة الله من خلال عدة أمور، منها:
١ - العلم بالله وأسمائه وصفاته؛ فإن العبد كل ما كان بالله أعلم كان له أخشى، كما قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] (٢)، وتوجب له هذه الخشية مراقبته سُبْحَانَهُ في أقواله وأفعاله، وحركاته وسكناته.
ومن ذلك: استحضار معاني الأسماء الحسنى التي تورث مقام المراقبة، كالرقيب، والحفيظ، والعليم، والخبير، والشهيد، والمحيط، واللطيف، والقريب إلى غير ذلك من الأسماء التي إذا أدرك العبد معناها وتعبد ربه بمقتضاها، فإن ذلك يؤدي به إلى تحصيل مقام المراقبة، قال ابن القيم ﵀: «والمراقبة هي التعبد باسمه الرقيب، الحفيظ، العليم، السميع، البصير، فمن
стр. 1357
عقل هذه الأسماء، وتعبد بمقتضاها: حصلت له المراقبة» (١).
٢ - كثرة ذكر الله بالقلب واللسان، قال ابن القيم ﵀ في بيان فوائد الذكر: «يورثه المراقبة حتى يدخله في باب الاحسان، فيعبد الله كأنه يراه، ولا سبيل للغافل عن الذكر إلى مقام الإحسان، كما لا سبيل للقاعد إلى الوصول إلى البيت» (٢) وذلك لأن العبد كل ما كان لله ذاكرًا كان الله معه، كما جاء في الحديث القدسي: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» (٣)».
٣ - الإكثار من عبادات السر والحرص عليها، كقيام الليل في جوف الليل، وصيام النهار حيث لا يعلم به مخلوق، والقيام بالأعمال الصالحة في غفلة عن المخلوقين، فإن ذلك كله يثمر مراقبة الله في النفوس.
٤ - محبة الله؛ فإن المحبوب يلاحظ محاب محبوبه فيسارع إليها، ويلاحظ مساخطه فيبتعد عنها، كل ذلك سعيًا في رضاه عنه، فإذا حقق العبد محبة ربه راقبه في لسانه وجوارحه وقلبه، وسعى في كل قربة وطاعة تقربه إليه، حتى يحبه فيحفظه من الحرام، كما جاء في الحديث القدسي: «وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي
стр. 1358
لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (١).
٥ - تذكر الموت؛ فإن العبد إذا تذكره وتيقن أنه صائر إليه ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] أثمر ذلك في نفسه مراقبة الله في أعماله وأقواله، فلم يخف إلا الله ولم يرج إلا إياه، وفعل ما أمره، وترك ما نهاه عنه، استعدادًا له.
٦ - تذكر الآخرة والوقوف بين يدي الله للسؤال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]؛ فإن العبد إذا استحضر واستشعر سؤال الله أوجب ذلك له مراقبته في السر والعلن في الصغير والكبير، فإذا تذكر مثلًا أنه مسئول عن رعيته كما قال ﷺ : «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (٢)؛ راقب الله فيهم هل أعطاهم حقهم من التربية والنفقة والعلم … إلخ، أو لا؟ وإذا تذكر أن قدمه لن تزول حتى يسأل عن خمس، كما جاء في الحديث عن ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ : «لَا تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ؛ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ» (٣)؛ راقب الله فيها ففعل ما يرضيه، وترك ما يسخطه فيها.
стр. 1359
٧ - استحضار الشهود الذين نصبهم الله شهودًا على أعمال العباد، من:
الملائكة الكرام الكاتبين، كما قال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]، وقال: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨].
والجوارح، كما قال تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥].
والجلود، كما قال تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١].
والأرض، كما قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٣ - ٤].
٨ - الدعاء، فيسأل العبدُ ربَّه، ويتضرع إليه ليلًا ونهارًا بلسان صادق وقلب خاشع، أن يرزقه خشيته ومراقبته في السر والعلن.
اللهم ارزقنا خشيتك في السر والعَلن، واجعلنا نعبدك كأننا نراك.
стр. 1360
الفتَّاحُ ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «فتحت الباب فانفتح، وفتحت الأبواب، شدد للكثرة، فتفتحت هي، … واستفتحت الشيء وافتتحته، والاستفتاح: الاستنصار، والمفتاح: مفتاح الباب وكل مستغلق، والفتح: النصر، … والفتاح: الحاكم» (١).
قال ابن فارس ﵀: «(فتح) الفاء والتاء والحاء أصل صحيح يدل على خلاف الإغلاق، يقال: فتحت الباب وغيره فتحًا، ثم يحمل على هذا سائر ما في هذا البناء، فالفتح والفتاحة: الحكم، والله تَعَالَى الفاتح، أي: الحاكم» (٢).
ورود اسم الله (الفتاح) في القرآن:
ورد اسم الله (الفتاح) في كتاب الله مرة واحدة مفردًا، وهي:
١ - قوله : ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦].
стр. 1361
وورد في كتاب الله مرة واحدة بصيغة الجمع، وهي:
قوله : ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩].
ورود اسم الله (الفتاح) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله (الفتاح) في السنة النبوية.
معنى اسم الله (الفتاح):
اسم الله (الفتاح) له ثلاث معان في حق اللهتَعَالَى:
الحاكم الذي يقضي بين عباده بالحق والعدل، بأحكامه الشرعية والقدرية الجزائية.
الذي يفتح لعباده أبواب الرحمة والرزق، وما انغلق عليهم من الأمور.
الناصر لعباده المؤمنين، وللمظلوم على الظالم.
وحول هذه المعاني الثلاثة تدور أقوال العلماء.
من الأقوال في المعنى الأول:
قال قتادة ﵀ في قوله: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] «أي: اقض بيننا وبين قومنا بالحق» (١).
قال الطبري ﵀ في تفسير قولهتَعَالَى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] «احكم بيننا وبينهم بحكمك الحق، الذي لا جور فيه
стр. 1362
ولا حيف ولا ظلم، ولكنه عدل وحق ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩] يعني: خير الحاكمين» (١).
وقال أيضًا ﵀ في قوله: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦] «والله القاضي العليم بالقضاء بين خلقه؛ لأنه لا تخفى عنه خافية، ولا يحتاج إلى شهود تعرفه المحق من المبطل» (٢).
من الأقوال التي تجمع بين المعنى الأول والثاني:
قال السعدي ﵀: «فالفتاح هو الحكم المحسن الجواد، … والرب تَعَالَى هو الفتاح العليم الذي يفتح لعباده الطائعين خزائن جوده وكرمه، ويفتح على أعدائه ضد ذلك، وذلك بفضله وعدله» (٣).
من الأقوال في المعنى الثالث:
قال ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]: «يعني بذلك: المشركين، إن تستنصروا فقد جاءكم المدد» (٤).
قال ابن عاشور ﵀ في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]: «فالاستفتاح هنا طلب الفتح، أي: النصر، والمعنى: إن تستنصروا الله فقد جاءكم النصر» (٥).
стр. 1363
قال ابن القيم ﵀:
وَكَذَلِكَ الفَتَّاحُ مِنْ أَسْمَائِهِ … والفَتْحُ فِي أَوْصَافِهِ أَمْرَانِ
فَتْحٌ بِحُكْمٍ وَهْوَ شَرْعُ إِلَهِنَا … والفَتْحُ بِالأَقْدَارِ فَتْحٌ ثَانِ
والرَّبُّ فَتَّاحٌ بِذَيْنِ كِلَيْهِمَا … عَدْلًا وَإِحْسَانًا مِنَ الرَّحْمَنِ (١)
اقتران اسم الله (الفتاح) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
- اقتران اسم الله (الفتاح) باسمه (العليم):
تقدم بيانه في اسم الله (العليم).
الآثار المسلكية لاسم الله الفتاح:
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الفتاح) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
إن فتح الله تَعَالَى ينقسم إلى قسمين: فتح بحكمه الديني والجزائي، وفتح بحكمه القدري، وفي ذلك يقول السعدي ﵀: «وفتحه تَعَالَى قسمان: أحدهما فتحه بحكمه الديني وحكمه الجزائي، والثاني: الفتاح بحكمه القدري.
ففتحه بحكمه الديني هو شرعه على ألسنة رسله جميع ما يحتاجه المكلفون، ويستقيمون به على الصراط المستقيم، وأما فتحه بجزائه فهو فتحه بين أنبيائه ومخالفيهم، وبين أوليائه وأعدائه بإكرام الأنبياء وأتباعهم ونجاتهم، وبإهانة أعدائهم وعقوباتهم، وكذلك فتحه يوم القيامة وحكمه بين الخلائق
стр. 1364
حين يوفي كل عامل ما عمله.
أما فتحه القدري، فهو ما يقدره على عباده من خير وشر، ونفع وضر، وعطاء ومنع، قالتَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢]» (١).
ومن مظاهر فتح الله سُبْحَانَهُ، ما يلي:
الفتح في الحكم بين عباده:
فالله سُبْحَانَهُ هو الحاكم بين عباده في الدنيا والآخرة بالقسط والعدل، يفتح بينهم في الدنيا بالحق بما أرسل من الرسل، وأنزل من الكتب، ويتضمن ذلك أحكامًا وأحوالًا لا تنضبط بالحد ولا تحصى بالعد، ومن ذلك:
دعوة الأنبياء لربهم بأن يفتح بينهم وبين أقوامهم وينصرهم، ومنهم:
نوح ﵇، يقول الله على لسانه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٧ - ١١٨].
شعيب ﵇، يقول الله على لسانه: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩].
فتح الله على من استعجل العذاب من أقوام أنبيائه، ومنهم:
قوم عاد، يقول تَعَالَى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠] فيأتي الحكم من الله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ
ومن فتحه: يسر فهم القرآن وتدبر وحفظه، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧].
ويقول الطبري ﵀ عند تفسير قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦]: «يقول تَعَالَى ذكره لنبيه محمد ﷺ : لا يكبرن عليك إعراض هؤلاء المعرضين عنك، وعن الاستجابة لدعائك إذا دعوتهم إلى توحيد ربهم والإقرار بنبوتك، فإنه لا يستجيب لدعائك إلى ما تدعوه إليه من ذلك، إلا الذين فتح الله أسماعهم للإصغاء إلى الحق، وسهل لهم اتباع الرشد، دون من ختم الله على سمعه، فلا يفقه من دعائك إياه إلى الله وإلى اتباع الحق إلا ما تفقه الأنعام من أصوات رعاتها» (١).
الفتح في الرزق والرحمة:
فالله سُبْحَانَهُ فتح لعباده أبواب الرحمة والأرزاق المتنوعة، وفتح لهم خزائن جوده وكرمه، فما يأتيهم من مطر، أو رزق، فلا يقدر أحد أن يمنعه، يقول تَعَالَى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠]، وما أمسك سُبْحَانَهُ فلا يستطيع أحد أن يرسله، يقول تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢]، عنده الخزائن وبيده الخير، وهو الجواد المنان الفتاح، يفتح ما انغلق من الأمور والأحوال، فييسرها منه كرمًا، ويتفضل بقضاء الحوائج، وتفريج الكربات، ويذهب ضيق النفس، وضيق الجهل، وضيق الفقر، فبعنايته تنفتح المغاليق،
стр. 1367
وبهداه تنفتح المشكلات، وبتيسيره تنفتح الصعوبات والكربات.
الفتح في العلم والفقه:
ففتح سُبْحَانَهُ لمن يشاء من عباده في أبواب العلم والحكمة والفقه في الدين، ولذا جمع الله بين الفتح والعلم، فقال: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢].
فحري بالقلب أن يتعلق بمن يملك هذه المفاتيح، ويوحده، ويديم النظر والتفكر في آلائه وصفاته، ويكثر من التضرع إليه أن يفتح قلبه لهدايته، ومعرفة الحق والانقياد له، وأن يسأله الفتح لأبواب الرزق والخير في الدنيا والآخرة.
الأثر الثاني: اليقين بأن مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو:
وقد مر بأن اسم الله الفتاح لم يقترن إلا باسمه العليم، فهو سُبْحَانَهُ المتفرد بعلم مفاتح الغيب، وهو مستغلق إلا على الرب -جل وعلا- فإنه يعلمه، قال تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وفي الحديث: قال رسول الله ﷺ «مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤]» (١).
أما الخلق فلا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله سُبْحَانَهُ، ولو كان لمخلوق أن يعلم الغيب لكان الرسل هم الأولى في هذا، ولكنهم بشر، لايعلمون إلا ما أطلعهم الله عليه، يقول تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، ويقول سُبْحَانَهُ
стр. 1368
على لسان نبيه: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
ومن شواهد ذلك، ما يلي:
عن عائشة ﵂، قالت: «وَمَنْ زَعَمَ أَنَّه ﷺ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ، والله يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]» (١).
ولما رميت عائشة ﵂ بالإفك لم يعلم رسول الله ﷺ أهي بريئة أم لا؟ حتى أخبره الله تَعَالَى بقوله: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦].
وذبح إبراهيم ﵊ عجلًا للملائكة، ولم يعلم بأنهم ملائكة حتى خبروه، وقالوا له ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠].
ولما جاء الملائكة للوط لم يعلم- أيضًا- أنهم ملائكة، ولذا قال تَعَالَى عنه: ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] ولم يعلم خبرهم حتى قالوا له: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١].
الأثر الثالث: محبة الفتاح:
من آمن باسم الله الفتاح؛ أحبه وتعلق قلبه به، فهو سُبْحَانَهُ وحده بيده مقاليد كل شيء، ومفاتيح العلم والهدى والخير، ومفاتيح الغيب وما انغلق من الأمور، يقول تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]،
стр. 1369
ومن أحب الفتاح سُبْحَانَهُ أكثر من التضرع إليه بأن يفتح قلبه لهدايته، ومعرفة الحق والانقياد له، وأن يسأله الفتح لأبواب الرزق والخير والنصر.
الأثر الرابع: اليقين بفتح الله تعالى:
فمن آمن باسم الله الفتاح اطمأنت نفسه، وارتاح قلبه؛ وعلم أن ما يفتحه رب العالمين للناس من رحمته وإنعامه عليهم لا يقدر أحد كائنًا ما كان أن يمسكه عنهم، وما يمسكه عنهم من رحمته وإنعامه لا يقدر أحد كائنًا من كان أن يرسله إليهم، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، يقول تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢].
فلا يخاف المؤمن ضياع رزقه، أو انتهاك حقه، فالفتاح سيفتح ويكشف الحقائق ولو بعد زمن، كما برأ سُبْحَانَهُ أم المؤمنين عائشة ﵂ حين اتهمت في عرضها، فقالت وهي موقنة واثقة بنصر الله: والله لا أقول إلا كما قال يعقوب ﵇: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، فجاء الفتح من الله و الحكم ببراءتها في عشر آيات في سورة النور، تُقرأ إلى يوم القيامة.
بل مهما طال ليل الظالم وكثر بغيه وظلمه للعباد؛ لا بد أن يفتح الله بين عباده بحكمه ونصره لمن اتبعه، ومهما تأخر ذلك النصر أو أبطأ ذلك التمكين فلا يتطرق الشك إلى الموحدين، فله سُبْحَانَهُ الحكمة من تأخير الفتح والنصر والتمكين، فلابد أن النصر آت، يقول تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
стр. 1370
الأثر الخامس: السعي لتحصيل أسباب نيل الفتح من الله:
إن الفتح لا يكون إلا من الله ، فهو يفتح على من يشاء ويخذل من يشاء، وقد نسب الله الفتوح لنفسه؛ ليبين لعباده أن الفتح منه لا من غيره، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة: ٥٢] وفي الآية الأخرى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]، وقد هيأ الله تَعَالَى لعباده أسبابًا عدة لنيل الفتح منه تَعَالَى، ومن ذلك:
الإيمان والتقوى: يقول الله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦].
محبة الله ورسوله، يقول ﷺ يوم خيبر: «لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ» (١).
الصدق، يقول تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨].
الدعاء، يقول تَعَالَى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١٠ - ١١].
تحري أماكن الفتح الإلهي، ومن ذلك المساجد، ففي الحديث: قال ﷺ : «لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُه» (٢).