← Акыда

Акыда · id 721

موسوعة شرح أسماء الله الحسنى

نوال العيد

Полный текст (1 826 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

ومن فتحه: يسر فهم القرآن وتدبر وحفظه، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]. ويقول الطبري ﵀ عند تفسير قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦]: «يقول تَعَالَى ذكره لنبيه محمد ﷺ : لا يكبرن عليك إعراض هؤلاء المعرضين عنك، وعن الاستجابة لدعائك إذا دعوتهم إلى توحيد ربهم والإقرار بنبوتك، فإنه لا يستجيب لدعائك إلى ما تدعوه إليه من ذلك، إلا الذين فتح الله أسماعهم للإصغاء إلى الحق، وسهل لهم اتباع الرشد، دون من ختم الله على سمعه، فلا يفقه من دعائك إياه إلى الله وإلى اتباع الحق إلا ما تفقه الأنعام من أصوات رعاتها» (١). الفتح في الرزق والرحمة: فالله سُبْحَانَهُ فتح لعباده أبواب الرحمة والأرزاق المتنوعة، وفتح لهم خزائن جوده وكرمه، فما يأتيهم من مطر، أو رزق، فلا يقدر أحد أن يمنعه، يقول تَعَالَى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠]، وما أمسك سُبْحَانَهُ فلا يستطيع أحد أن يرسله، يقول تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢]، عنده الخزائن وبيده الخير، وهو الجواد المنان الفتاح، يفتح ما انغلق من الأمور والأحوال، فييسرها منه كرمًا، ويتفضل بقضاء الحوائج، وتفريج الكربات، ويذهب ضيق النفس، وضيق الجهل، وضيق الفقر، فبعنايته تنفتح المغاليق،

стр. 1367

وبهداه تنفتح المشكلات، وبتيسيره تنفتح الصعوبات والكربات. الفتح في العلم والفقه: ففتح سُبْحَانَهُ لمن يشاء من عباده في أبواب العلم والحكمة والفقه في الدين، ولذا جمع الله بين الفتح والعلم، فقال: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢]. فحري بالقلب أن يتعلق بمن يملك هذه المفاتيح، ويوحده، ويديم النظر والتفكر في آلائه وصفاته، ويكثر من التضرع إليه أن يفتح قلبه لهدايته، ومعرفة الحق والانقياد له، وأن يسأله الفتح لأبواب الرزق والخير في الدنيا والآخرة. الأثر الثاني: اليقين بأن مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو: وقد مر بأن اسم الله الفتاح لم يقترن إلا باسمه العليم، فهو سُبْحَانَهُ المتفرد بعلم مفاتح الغيب، وهو مستغلق إلا على الرب -جل وعلا- فإنه يعلمه، قال تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وفي الحديث: قال رسول الله ﷺ «مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤]» (١). أما الخلق فلا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله سُبْحَانَهُ، ولو كان لمخلوق أن يعلم الغيب لكان الرسل هم الأولى في هذا، ولكنهم بشر، لايعلمون إلا ما أطلعهم الله عليه، يقول تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، ويقول سُبْحَانَهُ

стр. 1368

على لسان نبيه: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]. ومن شواهد ذلك، ما يلي: عن عائشة ﵂، قالت: «وَمَنْ زَعَمَ أَنَّه ﷺ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ، والله يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]» (١). ولما رميت عائشة ﵂ بالإفك لم يعلم رسول الله ﷺ أهي بريئة أم لا؟ حتى أخبره الله تَعَالَى بقوله: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦]. وذبح إبراهيم ﵊ عجلًا للملائكة، ولم يعلم بأنهم ملائكة حتى خبروه، وقالوا له ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠]. ولما جاء الملائكة للوط لم يعلم- أيضًا- أنهم ملائكة، ولذا قال تَعَالَى عنه: ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] ولم يعلم خبرهم حتى قالوا له: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١]. الأثر الثالث: محبة الفتاح: من آمن باسم الله الفتاح؛ أحبه وتعلق قلبه به، فهو سُبْحَانَهُ وحده بيده مقاليد كل شيء، ومفاتيح العلم والهدى والخير، ومفاتيح الغيب وما انغلق من الأمور، يقول تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]،

стр. 1369

ومن أحب الفتاح سُبْحَانَهُ أكثر من التضرع إليه بأن يفتح قلبه لهدايته، ومعرفة الحق والانقياد له، وأن يسأله الفتح لأبواب الرزق والخير والنصر. الأثر الرابع: اليقين بفتح الله تعالى: فمن آمن باسم الله الفتاح اطمأنت نفسه، وارتاح قلبه؛ وعلم أن ما يفتحه رب العالمين للناس من رحمته وإنعامه عليهم لا يقدر أحد كائنًا ما كان أن يمسكه عنهم، وما يمسكه عنهم من رحمته وإنعامه لا يقدر أحد كائنًا من كان أن يرسله إليهم، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، يقول تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]. فلا يخاف المؤمن ضياع رزقه، أو انتهاك حقه، فالفتاح سيفتح ويكشف الحقائق ولو بعد زمن، كما برأ سُبْحَانَهُ أم المؤمنين عائشة ﵂ حين اتهمت في عرضها، فقالت وهي موقنة واثقة بنصر الله: والله لا أقول إلا كما قال يعقوب ﵇: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، فجاء الفتح من الله و الحكم ببراءتها في عشر آيات في سورة النور، تُقرأ إلى يوم القيامة. بل مهما طال ليل الظالم وكثر بغيه وظلمه للعباد؛ لا بد أن يفتح الله بين عباده بحكمه ونصره لمن اتبعه، ومهما تأخر ذلك النصر أو أبطأ ذلك التمكين فلا يتطرق الشك إلى الموحدين، فله سُبْحَانَهُ الحكمة من تأخير الفتح والنصر والتمكين، فلابد أن النصر آت، يقول تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].

стр. 1370

الأثر الخامس: السعي لتحصيل أسباب نيل الفتح من الله: إن الفتح لا يكون إلا من الله ، فهو يفتح على من يشاء ويخذل من يشاء، وقد نسب الله الفتوح لنفسه؛ ليبين لعباده أن الفتح منه لا من غيره، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة: ٥٢] وفي الآية الأخرى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]، وقد هيأ الله تَعَالَى لعباده أسبابًا عدة لنيل الفتح منه تَعَالَى، ومن ذلك: الإيمان والتقوى: يقول الله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. محبة الله ورسوله، يقول ﷺ يوم خيبر: «لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ» (١). الصدق، يقول تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]. الدعاء، يقول تَعَالَى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١٠ - ١١]. تحري أماكن الفتح الإلهي، ومن ذلك المساجد، ففي الحديث: قال ﷺ : «لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُه» (٢).

стр. 1371

الأثر السادس: ليس كل فتح نعمة، فقد يكون فتنة: فقد يكون الفتح استدراجًا من الله، يقول ﷺ : «إِذَا رَأَيْتَ اللهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ، ثُمَّ تَلَا ﷺ : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]» (١). وقال بعض السلف: إذا رأيت الله يتابع عليك نعمه وأنت مقيم على معاصيه فاحذره؛ فإنما هو استدراج منه يستدرجك به، وقد قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الزخرف: ٣٣ - ٣٥]. وقد رد سُبْحَانَهُ على من يظن هذا الظن بقوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [سورة الفجر: ١٥ - ١٧]، أي: ليس كل من نعمته ووسعت عليه رزقه أكون قد أكرمته، وليس كل من ابتليته وضيقت عليه رزقه أكون قد أهنته، بل أبتلي هذا بالنعم، وأكرم هذا بالابتلاء (٢)، وفي الحديث: «وَإِنَّ الله وَإِنَّ اللهَ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ» (٣).

стр. 1372

يقول ابن القيم ﵀ في التفريق بين النعمة والفتنة: «وأما تمييز النعمة من الفتنة: فليفرق بين النعمة التي يرى بها الإحسان واللطف، ويعان بها على تحصيل سعادته الأبدية، وبين النعمة التي يرى بها الاستدراج، فكم من مستدرَج بالنعم وهو لا يشعر، مفتون بثناء الجهال عليه، مغرور بقضاء الله حوائجه وستره عليه! وأكثر الخلق عندهم أن هذه الثلاثة علامة السعادة والنجاح، ذلك مبلغهم من العلم. فإذا كملت هذه الثلاثة فيه عرف حينئذ أن ما كان من نعم الله عليه بجمعه على الله فهو نعمة حقيقة، وما فرقه عنه وأخذه منه فهو البلاء في صورة النعمة، والمحنة في صورة المنحة، فليحذر فإنما هو مستدرج، ويميز بذلك- أيضًا- بين المنة والحجة، فكم تلتبس إحداهما عليه بالأخرى! فإن العبد بين منة من الله عليه، وحجة منه عليه، ولا ينفك عنهما، فالحكم الديني متضمن لمنته وحجته، قال الله تَعَالَى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقال ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧] وقال ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩]» (١). الأثر السابع: تذكر يوم الفتح الحقيقي والاستعداد له: يوم القيامة هو يوم الفتح الحقيقي، فإن الله سُبْحَانَهُ في ذلك اليوم يقضي ويفصل بين جميع العباد، فيبين الضال من المهتدي، وهو سُبْحَانَهُ لا يحتاج إلى شهود ليفتح بين خلقه؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، وما كان غائبًا عما حدث في الدنيا سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧]،

стр. 1373

ويقول تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١]. فيوم القيامة يوم الفتح الأكبر، حيث تجتمع الخلائق كلها في صعيد واحد، فيحكم الله بينهم بالعدل، ويجزي كل عامل بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، كما قال تَعَالَى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦]، ويقول سُبْحَانَهُ في المجازاة: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٤ - ١٦]. وقد سمى الله يوم القيامة بيوم الفتح، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة: ٢٩]؛ لأن الله في هذا اليوم يفتح فيه على المؤمنين. فعلى المؤمن أن لا يستعجل في دنياه الفتح، ولا ييأس أو يبتئس إن تأخر الفتح من ربه، فالنصر آت، وفتح ربك إن لم تنله في دنياك فهو مدخر لك يوم الفتح الأكبر، يوم تجازى على إحسانك وثقتك بربك وصبرك، فلا تترك للشيطان ووسوسته مجالًا لك.

стр. 1374

الأثر الثامن: البذل والعطاء لمن جعل الله له مفاتيح الخير: فمن مَنَّ الله عليه بشيء من الفتوح، سواء في علم أو مال أو جاه، فعليه أن يشكر الله بكريم بذله، وجزيل عطائه للناس، يقول تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧]، وفي الحديث، يقول ﷺ : «إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ، مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ الله مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ الله مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ» (١)، وفي الحديث الآخر: «إِنَّ لِلهِ عِنْدَ أَقْوَامٍ نِعَمًا يُقِرُّهَا عِنْدَهُمْ مَا كَانُوا فِي حَوَائِجِ النَّاسِ، مَا لَمْ يَمَلُّوهُمْ فَإِذَا مَلُّوهُمْ نَقَلَهَا مِنْ عِنْدِهِمْ إِلَى غَيْرِهِمْ» (٢). الأثر التاسع: دعاء الله باسمه الفتاح: فالمؤمن يسأل الله فتحه في كل أمر يستغلق عليه أو يستصعبه، وقد كان هذا منهج الرسل جميعًا، ومنهم: نوح ﵇ عندما دعا ربه وسأله الفتح، يقول الله على لسانه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٧ - ١١٨]، كذلك شعيب ﵇، يقول الله على لسانه: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩].

стр. 1375

بل إن سؤال الله الفتح ثبت في أذكار الصباح والمساء، ففي الحديث قال ﷺ : «إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الْيَوْمِ، فَتْحَهُ وَنَصْرَهُ، وَنُورَهُ وَبَرَكَتَهُ وَهُدَاهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ، ثُمَّ إِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ» (١). اللهم إنا نسألك أن تفتح لنا من رحماتك ما تدخلنا به جناتك، وأفض علينا من خيراتك وبركاتك، إنك أنت الفتاح العليم.

стр. 1376

القويُّ المتين ﷻ - المعنى اللغوي: أولًا: اسم (القوي): قال الجوهري ﵀: «القوة: خلاف الضعف، والقوة: الطاقة من الحبل، وجمعها: قوى، ورجل شديد القوى، أي: شديد أسر الخلق … » (١). قال ابن فارس ﵀: «القاف والواو والياء أصلان متباينان، يدل أحدهما على شدة وخلاف ضعف، والآخر على خلاف هذا، وعلى قلة خير. فالأول: القوة، والقوي: خلاف الضعيف، وأصل ذلك من القوى، جمع قوة من قوى الحبل … والأصل الآخر: القواء: الأرض لا أهل بها، ويقال: أقوت الدار: خلت» (٢). ثانيًا: اسم (المتين): قال الجوهري ﵀: «متن: المتن من الأرض: ما صلب وارتفع، والجمع متان ومتون … هو متين، أي: صلب» (٣).

стр. 1377

قال ابن فارس ﵀: «الميم والتاء والنون، أصل صحيح واحد يدل على صلابة في الشيء مع امتداد وطول، منه المتن: ما صلب من الأرض وارتفع وانقاد، متان، ورأيته بذلك المتن، ومنه شُبِّه المَتْنَانِ من الإنسان: مُكْتَنِفَا الصُّلب من عصب ولحم … » (١). ورود اسم الله (القوي، المتين) في القرآن الكريم: أولًا: ورود اسم الله (القوي) في القرآن الكريم: ورد اسم الله (القوي) تسع مرات في كتاب الله، ومن وروده ما يلي: قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [هود: ٦٦]. وقوله تَعَالَى: ﴿فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [غافر: ٢٢]. وقوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩]. ثانيًا: ورود اسم الله المتين في القرآن الكريم: ورد اسم الله (المتين) مرة واحدة في كتاب الله، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]. ورود اسم الله (القوي المتين) في السنة النبوية: لم يرد اسم الله (القوي) ولا (المتين) في السنة النبوية.

стр. 1378

معنى اسم الله (القوي المتين): أولًا: معنى اسم الله القوي: قال الطبري ﵀: «﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٥٢] لا يغلبه غالب ولا يرد قضاءه رادٌّ، ينفذ أمره ويمضي قضاؤه في خلقه، شديد عقابه لمن كفر بآياته وجحد حججه» (١)، وقال ﵀: «﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ﴾ [هود: ٦٦] في بطشه إذا بطش بشيء أهلكه، كما أهلك ثمود حين بطش بها» (٢). قال الزجاج ﵀: «القوي هو الكامل القدرة على الشيء، تقول: هو قادر على حمله، فإذا زدته وصفًا قلت: هو قوي على حمله، وقد وصف نفسه بالقوة، فقال عز قائلًا: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]» (٣). وقال الزجاجي ﵀ في موضع آخر: «القوي: ذو القوة والأيد … فالله قوي قادر على الأشياء كلها، لا يعجزه شيء منها» (٤). قال الخطابي ﵀: «القوي قد يكون بمعنى القادر، ومن قوي على شيء فقد قدر عليه، ويكون معناه: التام القوة الذي لا يستولي عليه العجز في حال من الأحوال» (٥).

стр. 1379

قال الغزالي ﵀: «القوة تدل على القدرة التامة، والمتانة تدل على شدة القوة، والله من حيث إنه بالغ القدرة تامها قويٌّ» (١). قال القرطبي ﵀: «وقيل: القوي هو المقوي لغيره، فيكون من صفات الفعل» (٢). قال الشيخ السعدي ﵀: «هذه الأسماء الثلاثة العظيمة (القدير، القوي، العزيز) معانيها متقاربة، فهو تَعَالَى كامل القوة، عظيم القدرة، شامل العزة ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٦٥]، فمعاني العزة الثلاث كلها كاملة لله العظيم: عزة القوة الدال عليها من أسمائه القوي المتين، وهي وصفه العظيم الذي لا تنسب إليه قوة المخلوقات وإن عظمت … » (٣). قال الإمام ابن القيم ﵀ في النونية: وَهوَ القَوِيُّ بِقُوَّةٍ هِيَ وَصْفُهُ … وَمَلِيكٌ يَقْدرُ يَا أَخَا السُّلْطَانِ وقال: وَهوَ القَوِيُّ لَهُ القُوَى جَمْعًا تَعَا … لَى اللهُ ذُو الأَكْوَانِ والسُّلْطَانِ

стр. 1380

ثانيًا: معنى اسم الله المتين: قال ابن عباس ﵄: «قوله: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] الشديد» (١). قال الطبري ﵀: «اختلفت القرَّاء في قراءة قوله (المَتِين)، فقرأته عامة قرَّاء الأمصار- خلا يحيى بن وثاب والأعمش-: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] رفعًا، بمعنى: ذو القوة الشديد، فجعلوا المتين من نعت ذي، ووجهوه إلى وصف الله به … والصواب من القراءة في ذلك عندنا ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] رفعًا على أنه من صفة الله جل ثناؤه» (٢). قال الأزهري ﵀ «ذو القوة المتين: ذو الاقتدار الشديد، والمتين في صفة الله تَعَالَى القوي» (٣). قال الخطابي ﵀ في معنى المتين: «والمتين: الشديد القوي الذي لا تنقطع قوته، ولا تلحقه في أفعاله مشقة ولا يمسه لغوب» (٤). قال الحَليمي ﵀: «المتين: وهو الذي لا تتناقص قوته فيهن ويفتر» (٥). قال ابن كثير ﵀: «﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٥٢] أي: لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب» (٦).

стр. 1381

قال الشيخ السعدي ﵀: «﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] أي: الذي له القوة والقدرة كلها … » (١). اقتران اسم الله (القوي المتين) بأسمائه الأخرىسُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: أولًا: اقتران اسم الله (القوي) بأسمائه الأخرى: - اقترن اسم الله القوي باسمه العزيز: تقدم بيانه في اسم الله (العزيز). ثانيًا: اقتران اسم الله (المتين) بأسمائه الأخرىسُبْحَانَهُ: - اقترن اسم الله (المتين) باسم الله (الرزاق): تقدم بيانه في اسم (الرزاق). الآثار المسلكية للإيمان باسم الله القوي المتين: الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (القوي، المتين) من صفات الله سُبْحَانَهُ: الله القوي المتين الذي بلغ الغاية في القوة والمنتهى، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] أي: شدة القوة، وشدة العزة، وشدة معاني الجبروت كلها، ومن مظاهر قوته تَعَالَى: أنه القوي المتين الذي قوته فوق كل قوة، بل القوى تتصاغر أمام قوته، وتتضاءل عند ذكر عظمته، ولا يثبت لها شيء مهما قوي.

стр. 1382

وما من مخلوق له قوة إلا والله أقوى منه، بل لا تناسب بين القوتين؛ فقوة المخلوق محدودة ببعض الشيء، وقوته سبقها عجز ويلحقها عجز كذلك، وقوته يعتريها التعب والوهن والفتور، وقوته تنزع بعض الأحيان منه، بل ولا بد لها من الفناء والزوال، إضافة إلى أنها قوة فقير يفتقر معها إلى الأعوان والجند، بل يفتقر إلى عون القوي المتين، وقوته ﵎ لا حدَّ لها، بل هو على كل شيء قدير، لا يستولي عليه العجز في حال من الأحوال، ولا يعيه خلق شيء مهما كان، ولا يمسه نصب ولا لغوب، ولا تتناقص قوته ولا تفنى، بل لها الدوام أبدًا، ومع ذلك لا يحتاج معها إلى جند ولا مدد ولا إلى معين أو عاضد ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] (١). بل إن قوة المخلوق إنما هي من آثار قوته، فجميع القوى هي له سُبْحَانَهُ، فهو الذي أودع المخلوقات ما فيها من قوة، ولو شاء لسلبها، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] (٢)، ولما اغترت عاد بقوتها، وقالت: من أشد منَّا قوة؟ ذكرهم الله بخلقه لهم ولقواهم، فقال: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥] (٣).

стр. 1383

وهو القوي المتين، الذي لا يغلبه غالب، ولا يرد قضاءه راد، بل ولا يعارضه معارض، أمره نافذ، وقضاؤه في خلقه ماضٍ، يعز من يشاء، ويذل من يشاء بلا ممانعة ولا مدافعه، فالقوة لله جميعًا، لا منصور إلا من نصر، ولا عزيز إلا من أعز، ولا قوي إلا من قوَّى (١)، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥] «أي: إن الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه» (٢). وهو القوي المتين، الذي له القوة في الدنيا والآخرة، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥] (٣)، ومن شواهد ذلك ما يلي: - أولًا: شواهد قوته سُبْحَانَهُ في الدنيا (٤): خلقه للمخلوقات العلوية والسفلية، لا سيما ذات القوة والعظمة منها، كما هو الشأن في السماء التي رفعها بغير عمد ووسع أرجاءها وأنحاءها، قال تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧] «أي: بقوة. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والثوري، وغير واحد» (٥)، وكالأرض وما فيها من سعة ومعالم مختلفة: جبال، وهضاب، وأودية، وبحار، وأنهار، وسهول

стр. 1384

ونحو ذلك، وكالمعادن والصخور والحجارة التي فيها من الصلابة والقسوة ما فيها، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]. خلقه للسماوات والأرض، مع ما فيهما من عظم الخلقة في ستة أيام، من غير أن يمسه شيء من التعب أو النصب، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، إضافة إلى إمساكه لهما من الزوال من غير أن يثقله ذلك أو يشق عليه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. كثرة الخلق واختلاف صورهم وألسنتهم وطباعهم، والكل كخلق نفس واحدة، قال تَعَالَى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] (١). تكفله بأرزاق المخلوقات من سائر دواب الأرض، صغيرها وكبيرها، بحريها، وبريها، وجويها، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩] (٢). نصرته لأوليائه، مع قلة عددهم وعُددهم، على أعدائهم الذين فاقوهم بكثرة العدد والعُدة، قالتَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ

стр. 1385

قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]، وقال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]. ما أوقعه بالأمم المكذبين، والكفار الظالمين من أنواع العقوبات وحلول المثلات، وأنه لم يغن عنهم كيدهم ومكرهم، ولا أموالهم، ولا جنودهم، ولا حصونهم من عذاب الله من شيء لما جاء أمر ربك، وما زادوهم غير تتبيب، قال تَعَالَى عن عاد: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٦]، وقال سُبْحَانَهُ عن ثمود: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [هود: ٦٦] وقال عن الأحزاب: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]، وقال: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٥٢]. وكذا في العصر الحاضر، فإن هذه القوة الهائلة، والمخترعات الباهرة التي وصلت إليها مقدرة الأمم هي من آثار قوة الله، وتعليمه إياهم ما لم يكونوا يعلمون، فمن قوة الله وآياته: أن قوَّاهم وقدَّرهم، ومخترعاتُهم لم تغن عنهم شيئًا في صد ما أصابهم من النكبات، والعقوبات المهلكة مع بذل جدهم واجتهادهم في توقي ذلك، ولكن أمر الله غالب، وقوته فوق كل قوة، وقدرته تنقاد لها عناصر العالم العلوي والسفلي.

стр. 1386

- ثانيًا: شواهد قوته سُبْحَانَهُ في الآخرة: كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، والتي منها: ما يحصل للأجرام القوية من ضعف واضطراب، فالأرض ترجف، والجبال تتصدع حتى تكون كالعهن، ثم تدك دكًّا، فتكون هباء منبثًّا، والبحار تسجَّر، والسماء تتفطَّر، والشمس والقمر تكوَّر، والنجوم تنتثر (١). بعث الخلق كلهم بعد ما مزقهم البلى، وعصفت بترابهم الرياح، وابتلعتهم الطيور والسباع، وتفرقوا وتمزقوا في مهامه القفار، ولجج البحار، فلا يفوته منهم أحد، ويعلم ما تنقص الأرض منهم، ثم إن هذا البعث كله للأولين والآخرين في صيحة واحدة، وكأنهم نفس واحدة، فسبحان القوي المتين (٢). قيام الخلق كلهم، حتى القوي الشديد، خاشعة أبصارهم، ذليلة وجوههم، خاضعة رقابهم، جاثية ركبهم، خارصة ألسنتهم عن الكلام إلا بإذنه (٣). حسابه لعباده حسابًا سريعًا، مع كثرتهم وكثرة أعمالهم، وحكمه الحق فيهم، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء (٤). النار وما فيها من العذاب، والتي إذا أبصرها الظالمون أيقنوا أن القوة

стр. 1387

لله جميعًا، وأن أندادهم ليس فيها، ولا له من القوة شيء، لا كما اشتبه عليهم في الدنيا، وظنوا أن لها من الأمر شيئًا، وأنها تقربهم إليه وتوصلهم إليه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥] (١). ما يحدثه لأهل النار من أنواع العقاب وأهل الجنة من أنواع الثواب، وأصناف النعيم المستمر الكثير المتتابع الذي لا ينقطع، ولا يتناهى، فسبحان القوي المتين الذي لا انقطاع لقوته ولا نهاية لها. الأثر الثاني: دلالة اسم الله (القوي، المتين) على التوحيد: إذا علم العبد أن ربه القوي المتين، وأن كل من دونه ليس له شيء من الحول ولا القوة، فلا تحول له من مرض إلى صحة، ولا من وهنٍ إلى قوة، ولا من نقصان إلى كمال وزيادة إلا بالله القوي المتين، ولا قوة له في جلب خير، ولا دفع ضر، ولا القيام بشأن من شؤونه، أو تحقيق هدفٍ من أهدافه أو غاية من غاياته إلا بالله القوي المتين (٢)، ولا قدرة له على خلق شيء ولو كان ذبابًا أو بعوضًا، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣]- قاده ذلك العلم إلى توحيد الله في العبادة؛ إذ كل ما سواه شأنه ما ذكر، فكيف يتخذ إلهًا يعبد؟ وكيف يجعل مثلَ الله القوي ويشرك معه؟

стр. 1388

إلا إن عُبَّاد الأوثان كما قال تَعَالَى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤] (١)، ولربما اشتبه عليهم الأمر، ولبَّست عليهم الشياطين، فظنوا أن لأندادهم من الأمر شيئًا، أو أنها تقربهم إلى الله زلفى، فإذا كانت القيامة انكشف الغطاء وتبين لهم بطلان زعمهم وظنهم. فلا تدفع عنهم أندادُهم شيئًا، ولا تغني عنهم مثقال ذرة من النفع، بل يحصل لهم الضرر منها، من حيث ظنوا نفعها، قال تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٥ - ١٦٧] (٢). وكما أن اسمي الله القوي المتين دالان على توحيد الربوبية والألوهية، فكذا هما دالان على توحيد الأسماء والصفات؛ إذ يدلان على اسم الله القدير، والعزيز، والجبار، والقهار، وذو الجلال والإكرام، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.

стр. 1389

الأثر الثالث: التوكل على الله والاستعانة به: كل إنسان عنده مطالب ومخاوف، وربما تعلق بما عنده أو عند غيره من القوة البدنية أو المالية أو النسبية أو نحو ذلك؛ لتحصيل مطلوبه أو دفع مكروهه، لكن إذا نظر لنفسه وللخلق من حوله بعين البصيرة، وجد أن الكل ولو أوتي من القوة ما أوتي فقير مسكين، ليس له من القوة ولا الحول إلا ما أعطاه الله إياه وأذن له فيه، ثم إن قوته قد تعجز عن مراده، ولربما بخلت بقضاء حاجته، وربما سعت، لكن وقفت أمامها قوة أخرى، فإذا كان هذا حال قوته، ففيما التعلق به؟!. ثم إذا نظر من جانب آخر إلى ربه القوي المتين، وجد أنه غني لا يحتاج لإنفاذ قوته لإذن أحد ولا معونته، ثم إنه على كل مطالبه ومخاوفه قادر، وهو مع ذلك كريم لا يبخل، ولا يمكن لقوة مهما كانت أن تغلب قوته أو تدافعها أو تعارضها، فالقوة جميعًا له سُبْحَانَهُ ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥]. فإذا حصل النَّظَران تواضع العبد لربه وخضع، وانقطع عن قلبه التعلق بقوته والاغترار بها (١)، وكذا قوة المخاليق من حوله، وتعلق بالقوي المتين توكلًا واستعانة وتفويضًا لأمره كله، وتبرؤًا من الحول والقوة إلا به (٢). وهذه حقيقة «لا حول ولا قوة إلا بالله»؛ إذ هي كلمة إسلام واستسلام، وتفويض والتجاء وتبرؤ من الحول والقوة إلا بالله، وأن العبد لا يملك من أمره شيئًا، وليس له حيلة في دفع شر، ولا قوة له في جلب خير إلا بإذن الله،

стр. 1390

ولا قوة له على ترك معصية، ولا فعل طاعة إلا بالله، ولا تحوُّل له من حال إلى حال إلا بالله، فلا تحوُّل له من معصية إلى طاعة، ولا من مرض إلى صحة، ولا وهن إلى قوة، ولا من نقص إلى زيادة إلا بالله، ولا قوة للعبد على القيام بأي شأن من شئونه- ولو صغر- إلا بالله، فما شاء الله كان كما شاء في الوقت الذي يشاء، على الوجه الذي يشاء من غير زيادة ولا نقصان، ولا تقدُّم ولا تأخر، وما لم يشأ لم يكن، فأزِمَّةُ الأمور بيده سُبْحَانَهُ، وأمورُ الخلائق معقودة بقضائه وقدره، يصرفها كيف يشاء ويقضي فيها بما يريد، لا رادَّ لقضائه، ولا معقِّب لحكمه، فسبحان القوي المتين (١). وكلمة «لا حول ولا قوة إلا بالله» كلمة إخلاص لله وحده بالاستعانة، كما أنَّ كلمةَ التوحيد «لا إله إلا الله» إخلاص لله بالعبادة، فلا تتحقق «لا إله إلا الله» إلا بإخلاص العبادة كلِّها لله، ولا تتحقَّق «لا حول ولا قوة إلاَّ بالله» إلا بإخلاص الاستعانة كلِّها لله، وقد جمع الله بين هذين الأمرين في سورة الفاتحة، أفضل سورة في القرآن، وذلك في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، فالأول تبرؤٌ من الشرك، والثاني تبرؤٌ من الحول والقوة والتفويض إلى الله ، والعبادة متعلِّقة بألوهية الله سُبْحَانَهُ، والاستعانة متعلِّقة بربوبيَّته، والعبادة غاية، والاستعانة وسيلة، فلا سبيل إلى تحقيق تلك الغاية العظيمة- العبادة- إلا بهذه الوسيلة- الاستعانة بالله الذي لا حول ولا قوة إلاَّ به- (٢).

стр. 1391

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «تأمَّلتُ أنفعَ الدعاء، فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]» (١). وقال أيضًا: «وقول: (لا حول ولا قوة إلاَّ بالله) يوجب الإعانة؛ ولهذا سنَّها النبي ﷺ إذا قال المؤذِّن: حي على الصلاة، فيقول المجيب: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا قال: حي على الفلاح، قال المجيب: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، وقال المؤمن لصاحبه: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]، ولهذا يُؤمر بهذا من يخاف العين على شيء، فقوله: ما شاء الله، تقديره: ما شاء الله كان، فلا يأمن، بل يؤمن بالقدر، ويقول: لا قوة إلاَّ بالله … وذلك أنَّها تتضمن التوكُّل والافتقار إلى الله تَعَالَى، ومعلوم أنَّه لا يكون شيء إلا بمشيئة الله وقدرته، وأنَّ الخلق ليس منهم شيء إلا ما أحدثه الله فيهم، فإذا انقطع القلب للمعونة منهم وطلبها من الله فقد طلبها من خالقها الذي لا يأتي بها إلا هو … ولهذا يأمر الله بالتوكل عليه وحده في غير موضع، وفي الأثر: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَغْنَى النَّاسِ فَلْيَكُنْ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِهِ) (٢)» (٣). وإذا علم ما سبق؛ علم خطأ من يقولها حال المصائب بمنزلة الاسترجاع؛ إذ هي كلمة استعانة لا استرجاع (٤).

стр. 1392

وهذه الكلمة جليلة الشأن، كبيرة القدر، عظيمة الأثر، رغب فيها الشارع ورتب عليها الأجور العظيمة، ومن ذلك (١): أن النبي ﷺ دل على قولها من لا يستطيع تعلم القرآن؛ فعن ابن أبي أوفى ﵄ قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مِنْهُ، فَقَالَ: قُلْ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ هَذَا لِلهِ، فَمَا لِي؟ قَالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَارْزُقْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي، فَلَمَّا قَامَ قَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَمَّا هَذَا فَقَدْ مَلَأَ يَدَهُ مِنَ الْخَيْرِ» (٢). أن عددًا من الصحابة والتابعين عدوها من الباقيات الصالحات، التي قال الله فيها: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦]؛ فعن عثمان بن عفان ﵁، أنه سُئل عن «الباقيات الصالحات» ما هي؟ فقال: «هي: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله» (٣)، وعن سعيد بن المسيب، أنه قال: «الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله» (٤).

стр. 1393

أنها سبب لتكفير السيئات؛ فعن عبد الله بن عمرو ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا عَلَى الْأَرْضِ رَجُلٌ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله، إِلَّا كُفِّرَتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ، وَلَوْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ» (١). أنها كنز من كنوز الجنة؛ فعن أبي موسى الأشعري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ، فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: قُلْ: لَا حَوْلَ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، قَالَ: أَحْسِبُهُ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ : أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ» (٣). أنها غرس الجنة؛ فعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مَرَّ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: مَنْ مَعَكَ يَا جِبْرِيل؟ قَالَ: هَذَا مُحَمَّدٌ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ مُرْ أُمَّتَكَ فَلْيُكْثِرُوا مِنْ غِرَاسِ الْجَنَّةِ، فَإِنَّ تُرْبَتَهَا طَيِّبَةٌ، وَأَرْضَهَا وَاسِعَةٌ، قَالَ: وَمَا غِرَاسُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» (٤).

стр. 1394

أنها باب من أبواب الجنة؛ فعن قيس بن سعد بن عبادة، أنَّ أباه دفعه إلى النبي ﷺ يخدمه، قال: «فَمَرَّ بِي النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْن، فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» (١). أنها سبب في تسهيل الصعاب وحمل الثقال؛ قال ابن القيم ﵀: «وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يذكر أثرًا في هذا الباب، ويقول: إن الملائكة لما أمروا بحمل العرش، قالوا: يا ربنا، كيف نحمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك؟ فقال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قالوا حملوه … وهذه الكلمة لها تأثير عجيب في معالجة الأشغال الصعبة، وتحمل المشاق، والدخول على الملوك ومن يُخاف، وركوب الأهوال» (٢). الأثر الرابع: الشعور بالعزة والنصر من القوي المتين: اليقين باسم الله (القوي المتين) يعطي المسلم شعور بالعزة وعدم الخوف من الخلق مهما كانت قوتهم؛ لأن الكل ضعيف أمام قوة الله ، لا يملك حولًا ولا قوة. كما أن هذا الاسم الكريم يعطي المسلم ثقة بنصر الله للإسلام والمسلمين وكفايته لهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢٠ - ٢١] «وهذا

стр. 1395

وعد لا يخلف ولا يغير؛ فإنه من الصادق القوي العزيز الذي لا يعجزه شيء يريده» (١). فلا بد أن ينتصر الإسلام والمسلمين يومًا ما، وإن عظمت قوة أعدائهم وكثر عددهم، فالله فوقهم ونواصيهم بيده، وقوتهم لا شيء في جنب قوته. ففي يوم الأحزاب الذي اجتمع فيه أهل الكفر من كل حدب وصوب، وجمعوا من القوة ما جمعوا كل ذلك لحرب ثلة من المؤمنين لا تكفؤهم في العدد ولا العدة، ومع ذلك نصر القوي عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، ورد جموع الكفر خائبة لم تنل خيرًا، قال تَعَالَى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] (٢). إلا أنه لا بد للنصر من الأخذ بالأسباب التي من أهمها التمسك بالدين، واجتماع الكلمة، ونصرة الدين بالقول والفعل، واتخاذ العدة والقوة اللازمة، قال تَعَالَى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. الأثر الخامس: محبة الله القوي المتين: الإنسان بطبعة جُبِل على حُبِّ مَن له الكمال والعظمة، والله القوي المتين الذي لا حد لقوته، ولا ضعف معها، ولا عجز، ولا نصب، ولا ظلم، بل بلغ فيها غاية الكمال ومنتهاه.

стр. 1396

فإذا تيقن العبد هذا؛ أحب الله القوي المتين غاية الحب وأعظمه، فذلك من صفات أهل الإيمان، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. الأثر السادس: اتصاف المؤمن بالقوة: الله القوي المتين، ويحب من عباده القوة فيما شرع لهم من الطاعات وأباح لهم من المنافع؛ فعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (١)، وقد أثنى رسول الله ﷺ على عمر بن الخطاب؛ لقوته في دين الله، فقال: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي دِينِ اللهِ عُمَرُ … » (٢). والقوة تختلف في كل شيء بحسبه؛ ومن ذلك: القوة في الدين: القيام بما أوجب الله على أتم الوجوه وأكملها، مع الزيادة عليها بفعل النوافل التي شرعها الله، واجتناب ما حرم الله، مع العزيمة الصادقة والحزم المتين والصبر الجميل أمام المغريات والشهوات (٣)، قال الإمام النووي ﵀ في تفسير قول رسول الله ﷺ : «والْمُؤْمِنُ

стр. 1397

الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» (١): «والمراد بالقوة هنا عزيمة النفس، والقريحة في شئون الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على أعداء الله، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تَعَالَى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبًا لها، ومحافظة عليها، ونحو ذلك» (٢). القوة في أخذ الكتاب: التي أمر الله بها يحيى، في قوله: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]، وأمر بها موسى وبني إسرائيل، في قوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥]، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٦٣] وأمة محمد ﷺ من بعدهم تكون: بالجد والاجتهاد في حفظ ألفاظ الكتاب، وفهم معانيه، والعمل بأوامره واجتناب نواهيه (٣). القوة في طلب العلم الشرعي: بالاجتهاد في تحصيله حفظًا وفهمًا وعملًا، واتخاذ الوسائل والطرائق الموصلة إلى تثبيت ودوامه واستمراره. القوة في العمل الدنيوي بالقدرة على القيام به أولًا، ثم الاجتهاد في إتقانه وتكميله، مع مراعاة الأمانة وعدم الخيانة، كما قالت المرأة في وصف

стр. 1398

موسى ﵇: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] «أي: إن موسى أولى من استُؤجِر، فإنه جمع القوة والأمانة، وخير أجير استؤجَر: من جمعهما، أي: القوة والقدرة على ما استؤجر عليه، والأمانة فيه بعدم الخيانة، وهذان الوصفان ينبغي اعتبارهما في كل من يتولى للإنسان عملًا بإجارة أو غيرها، فإن الخلل لا يكون إلا بفقدهما أو فقد إحداهما، وأما باجتماعهما، فإن العمل يتم ويكمل … ». (١)، وجاء في الحديث عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (إِنَّ الله ﵎ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ) (٢)، وهكذا القوة في سائر الأمور. وليس معنى هذا: الظلم والتسلط والبطش بالضعفاء والمساكين، ومن تحت يد الإنسان من الزوجة، والولد، والعاملين، والتلاميذ، والخدم، ونحو ذلك، قال تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ٩ - ١٠] بل هذه القوة سبب لعقوبة الله وعذابه، فهذه عادٌ لما استعملت قوتها في الظلم والبغي أهلكها القوي المتين، قال الله عنهم: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٥ - ١٦]، وقال لهم نبيهم: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٣١] إلى أن قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ

стр. 1399

أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٣٩ - ١٤١] (١). وهذا فرعون وملؤه حينما استخدموا قوتهم في تعذيب بني إسرائيل وقهرهم، كما قال سُبْحَانَهُ عن صنيعهم: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] أخذهم القوي المتين أخذ عزيز مقتدر، قال تَعَالَى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٠ - ٤٢]، وهكذا في كل من استعمل قوته البدنية أو المالية أو الجاهية ونحو ذلك في الظلم والبغي؛ فإن كل قويٍّ اللهُ أقوى منه، وأقدر عليه من قدرته على من ظلم؛ وقد قال النبي ﷺ لأبي مسعود إذ رآه يضرب غلامًا له بسوط: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، أَنَّ اللهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ» (٢). فاللهم يا قوي يا متين، لا حول لنا ولا قوة إلا بك، أَعِنَّا بعونك، وَقَوِّنَا بقوتك، وأَمِدَّنَا بمددك، وانصرنا بنصرك.

стр. 1400

المُبِيْنُ ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «أبان الشيء فهو مبين، وأبنته أنا: أي أوضحته، واستبان الشيء: وضح، واستبنته أنا: عرفته، والتبيين: الإيضاح، والوضوح» (١). قال ابن فارس ﵀: «(بين) الباء والياء والنون أصل واحد، وهو بعد الشيء وانكشافه، … وبان الشيء وأبان إذا اتضح وانكشف، وفلان أبين من فلان: أي أوضح كلامًا منه» (٢). ورود اسم الله (المبين) في القرآن الكريم: ورد اسم الله (المبين) في القرآن الكريم مرة واحدة، في قوله تبارك تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]. ورود اسم الله (المُبِيْنِ) في السنة النبوية: لم يرد اسم الله المبين في السنة النبوية.

стр. 1401

معنى اسم الله (المُبِيْنِ): يدور معنى اسم الله (المُبِيْنِ) في حقه تَعَالَى حول معنيين: الأول: بيانه وظهوره سُبْحَانَهُ لكل أحد، بأدلة واضحة ظاهرة بيِّنة تدل على وجوده تَعَالَى ووحدانيته في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. الثاني: بيان الله الحق للخلق، وإظهاره لهم بأبين طريق وأوضحه، ومن ذلك إرسال الرسل وإنزال الكتب، وكذلك الأقدار التي تبين للعبد أن الله هو الحق المبين. وعلى هذين المعنيين تدور أقوال العلماء، ومنها: قال الطبري عند قوله تَعَالَى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥] «يعلمون يومئذٍ أنَّ الله هو الحق، الذي يُبيِّنُ لهم حقائق ما كان يعدهم في الدنيا من العذاب، ويزول حينئذ الشكُّ فيه عن أهل النفاق الذين كانوا فيما يَعدهم في الدنيا يمترون» (١). قال الخطابيُّ ﵀: «المبين هو البَيِّنُ أمْرُهُ في الوحدانية، وأنه لا شريك له» (٢). وقال الحليميُّ ﵀: «المبين وهو الذي لا يَخْفَى … ؛ لأنَّهُ له من الأفعالِ الدَّالَّةِ عليه ما يستحيلُ معها أن يخفَى» (٣).

стр. 1402

قال الزجاجيُّ ﵀: « … فالله المُبِيْنُ لعباده سبيلَ الرَّشاد، والموضِّح لهم الأعمالَ الموجبةَ لثوابه والأعمالَ الموجبةَ لعقابه، والمبينُ لهم ما يأتونه ويَذَرُونه» (١). اقتران اسم الله (المُبِيْنِ) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: - اقتران اسم الله (المُبِيْن) باسمه تَعَالَى (الحقِّ): تقدم بيانه في اسم الله (الحق). الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المبين): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المبين) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له: إن من أعظم صفات الله صفة البيان، فهو سُبْحَانَهُ الذي أبان لخلقه سبيل معرفته، وتوحيده، وأبان منهج الفوز بجنته ومرضاته، والنجاة من عقابه. وللبيان الرباني مسلكان، وهما: الأول: البيان بما فَطَرَ الله عليه الناسَ مِن التوحيد ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]، وبما أنزل إليهم من الكتب، يقول تَعَالَى عن القرآن: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الشعراء: ٢]، وبما أرسل إليهم من الرسل، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ

стр. 1403

يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]. ولذا كانت معجزات الرسل آيات بَيِّنَات؛ لتدل على صدق الرسل الذين جاءُوا بها، وصِدْق الدِّينِ الذي جاءُوا به ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١]، وقال: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣]، كما بيَّن الله الحقَّ في كتبه، وعلى ألسنة رسله في الدنيا، فإنه يُبِيِّن لهم الذي اختلفوا فيه يوم القيامة، قال تَعَالَى: ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [النحل: ٩٢]. الثاني: البيان بالآيات الكونية الدالة عليه سُبْحَانَهُ، يقول ابن القيم ﵀: «ومن الآيات التي في الأرض: ما يحدثه الله فيها كل وقت، ما يصدق به رسله فيما أخبرت به، فلا تزال آيات الرسل وأعلام صدقهم، وأدلة نبوتهم، يحدثها الله في الأرض؛ إقامةً للحجة على من لم يشاهد تلك الآيات التي قاربت عصر الرسل، حتى كأن أهل كل قرن يشاهدون ما يشاهده الأولون أو نظيره، كما قال تَعَالَى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]» (١). فالله سُبْحَانَهُ بهذا التنوع والشمول البياني قد أقام الحجة على عباده كلهم، فصار هذا القرآن نبراسًا وهدىً وبيانًا لمن أراد النفع والهداية في أمر دينه ودنياه، وبه يصل المؤمن لثمار عديدة، لعل من أبرزها:

стр. 1404

- تحقيق التقوى في القلوب: يقول تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]. - التأمل والتفكر في مخلوقات الله: يقول تَعَالَى ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩]. - التذكر والاتعاظ: يقول تَعَالَى: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١]. - سعة العلم: يقول تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. - حصول الهداية: يقول تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣]. - الشكر على النعماء: يقول تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩]. - إعمال العقل بمجاله: يقول تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١]. وحريٌّ بمن عرف اسم الله (المبين) وآمن به أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، فيسأله إبانه الحق والهدى والتقوى، وسبل الرحمة والمغفرة.

стр. 1405

الأثر الثاني: محبة المبين سُبْحَانَهُ: إذا علم العبد أن ربه لم يتركه هملًا ولا متخبطًا تائهًا في هذه الحياة، وإنما عرَّفه بخالقه وأسمائه وصفاته، وبيَّن له الغاية من وجوده، ثم بيَّن منهج تحقيق هذه الغاية بتشريع أحكام وعبادات تحقق له الاطمئان والسعادة الأبدية، وتقوده إلى دار الكرامة التي اشتاق لها وعرف الكثير من نعيمها ودوامها، إن علم العبد هذا كله عن ربه أحبه واشتاق لرؤيته وسعى لرضاه ومرضاته. الأثر الثالث: تدبر كتاب الله المبين: فهو كلام الله تَعَالَى ومن صفاته: أنه كتاب معجز مبين، يقول تَعَالَى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: ١]، وقال تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٩]. ففي القرآن البيان البيِّن الواضح لكل ما يحتاجه البَشَر في حياتهم، بأروع عبارة وأجمل أسلوب. وفي القرآن بيان كل شيء من البداية إلى النهاية، حتى يستقر أهل الجنة في نعيمهم، وأهل النار في جحيمهم. فمعرفة الله سُبْحَانَهُ، ومعرفة أسمائه وصفاته، وما يجب له تَعَالَى وما لا يجب، والعقيدة الإسلامية، وأحكام العبادات والمعاملات، وجميع الشئون الاجتماعية، والأحوال الشخصية، وكل ما تحتاجه المجموعة البشرية، في كل
следующие страницы →