معنى اسم الله (المُبِيْنِ):
يدور معنى اسم الله (المُبِيْنِ) في حقه تَعَالَى حول معنيين:
الأول: بيانه وظهوره سُبْحَانَهُ لكل أحد، بأدلة واضحة ظاهرة بيِّنة تدل على وجوده تَعَالَى ووحدانيته في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.
الثاني: بيان الله الحق للخلق، وإظهاره لهم بأبين طريق وأوضحه، ومن ذلك إرسال الرسل وإنزال الكتب، وكذلك الأقدار التي تبين للعبد أن الله هو الحق المبين.
وعلى هذين المعنيين تدور أقوال العلماء، ومنها:
قال الطبري عند قوله تَعَالَى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥] «يعلمون يومئذٍ أنَّ الله هو الحق، الذي يُبيِّنُ لهم حقائق ما كان يعدهم في الدنيا من العذاب، ويزول حينئذ الشكُّ فيه عن أهل النفاق الذين كانوا فيما يَعدهم في الدنيا يمترون» (١).
قال الخطابيُّ ﵀: «المبين هو البَيِّنُ أمْرُهُ في الوحدانية، وأنه لا شريك له» (٢).
وقال الحليميُّ ﵀: «المبين وهو الذي لا يَخْفَى … ؛ لأنَّهُ له من الأفعالِ الدَّالَّةِ عليه ما يستحيلُ معها أن يخفَى» (٣).
стр. 1402
قال الزجاجيُّ ﵀: « … فالله المُبِيْنُ لعباده سبيلَ الرَّشاد، والموضِّح لهم الأعمالَ الموجبةَ لثوابه والأعمالَ الموجبةَ لعقابه، والمبينُ لهم ما يأتونه ويَذَرُونه» (١).
اقتران اسم الله (المُبِيْنِ) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
- اقتران اسم الله (المُبِيْن) باسمه تَعَالَى (الحقِّ):
تقدم بيانه في اسم الله (الحق).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المبين):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المبين) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
إن من أعظم صفات الله صفة البيان، فهو سُبْحَانَهُ الذي أبان لخلقه سبيل معرفته، وتوحيده، وأبان منهج الفوز بجنته ومرضاته، والنجاة من عقابه.
وللبيان الرباني مسلكان، وهما:
الأول: البيان بما فَطَرَ الله عليه الناسَ مِن التوحيد ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]، وبما أنزل إليهم من الكتب، يقول تَعَالَى عن القرآن: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الشعراء: ٢]، وبما أرسل إليهم من الرسل، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ
стр. 1403
يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥].
ولذا كانت معجزات الرسل آيات بَيِّنَات؛ لتدل على صدق الرسل الذين جاءُوا بها، وصِدْق الدِّينِ الذي جاءُوا به ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١]، وقال: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣]، كما بيَّن الله الحقَّ في كتبه، وعلى ألسنة رسله في الدنيا، فإنه يُبِيِّن لهم الذي اختلفوا فيه يوم القيامة، قال تَعَالَى:
﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [النحل: ٩٢].
الثاني: البيان بالآيات الكونية الدالة عليه سُبْحَانَهُ، يقول ابن القيم ﵀: «ومن الآيات التي في الأرض: ما يحدثه الله فيها كل وقت، ما يصدق به رسله فيما أخبرت به، فلا تزال آيات الرسل وأعلام صدقهم، وأدلة نبوتهم، يحدثها الله في الأرض؛ إقامةً للحجة على من لم يشاهد تلك الآيات التي قاربت عصر الرسل، حتى كأن أهل كل قرن يشاهدون ما يشاهده الأولون أو نظيره، كما قال تَعَالَى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]» (١).
فالله سُبْحَانَهُ بهذا التنوع والشمول البياني قد أقام الحجة على عباده كلهم، فصار هذا القرآن نبراسًا وهدىً وبيانًا لمن أراد النفع والهداية في أمر دينه ودنياه، وبه يصل المؤمن لثمار عديدة، لعل من أبرزها:
стр. 1404
- تحقيق التقوى في القلوب: يقول تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧].
- التأمل والتفكر في مخلوقات الله: يقول تَعَالَى ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩].
- التذكر والاتعاظ: يقول تَعَالَى: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١].
- سعة العلم: يقول تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
- حصول الهداية: يقول تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣].
- الشكر على النعماء: يقول تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩].
- إعمال العقل بمجاله: يقول تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١].
وحريٌّ بمن عرف اسم الله (المبين) وآمن به أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، فيسأله إبانه الحق والهدى والتقوى، وسبل الرحمة والمغفرة.
стр. 1405
الأثر الثاني: محبة المبين سُبْحَانَهُ:
إذا علم العبد أن ربه لم يتركه هملًا ولا متخبطًا تائهًا في هذه الحياة، وإنما عرَّفه بخالقه وأسمائه وصفاته، وبيَّن له الغاية من وجوده، ثم بيَّن منهج تحقيق هذه الغاية بتشريع أحكام وعبادات تحقق له الاطمئان والسعادة الأبدية، وتقوده إلى دار الكرامة التي اشتاق لها وعرف الكثير من نعيمها ودوامها، إن علم العبد هذا كله عن ربه أحبه واشتاق لرؤيته وسعى لرضاه ومرضاته.
الأثر الثالث: تدبر كتاب الله المبين:
فهو كلام الله تَعَالَى ومن صفاته: أنه كتاب معجز مبين، يقول تَعَالَى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: ١]، وقال تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٩].
ففي القرآن البيان البيِّن الواضح لكل ما يحتاجه البَشَر في حياتهم، بأروع عبارة وأجمل أسلوب.
وفي القرآن بيان كل شيء من البداية إلى النهاية، حتى يستقر أهل الجنة في نعيمهم، وأهل النار في جحيمهم.
فمعرفة الله سُبْحَانَهُ، ومعرفة أسمائه وصفاته، وما يجب له تَعَالَى وما لا يجب، والعقيدة الإسلامية، وأحكام العبادات والمعاملات، وجميع الشئون الاجتماعية، والأحوال الشخصية، وكل ما تحتاجه المجموعة البشرية، في كل
стр. 1406
زمان ومكان، وأحكام المعاد، والبعث والنشور، والحساب والجزاء والعقاب … وغير ذلك مما هو مبيَّن وموضَّح، وصدق الله تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢].
وبالقرآن تحدى الله عظماء العرب وبلغاءهم أهل البيان بأن يأتوا بمثل القرآن، في قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، وفي آية أخرى تحدى الله العالمين أن يأتوا بعشر سور من مثل سور القرآن، فقال تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣]، وفي موضع آخرتحداهم بالإتيان بسورة واحدة مثل القرآن الكريم، مهما صغرت هذه السورة، فقال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤].
فالقرآن كتاب رباني بيِّن معجز في لفظه ومعانيه وأحكامه، وبيانه من عدة وجوه:
١ - البيان في اللفظ:
فالقرآن نزل باللسان العربي المبين، يقول تَعَالَى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٢ - ٣]، ولأجل هذا البيان أنكر الله على المشركين اعتراضهم الذي لاوجه له، فقال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
стр. 1407
هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]، ففي هذه الآية: «يخبر تَعَالَى عن فضله وكرمه، حيث أنزل كتابًا عربيًّا، على الرسول العربي، بلسان قومه؛ ليبين لهم، وهذا مما يوجب لهم زيادة الاعتناء به، والتلقي له والتسليم، وأنه لو جعله قرآنًا أعجميًّا، بلغة غير العرب، لاعترض المكذبون، وقالوا: ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] أي: هلَّا بُيِّنَت آياته، ووُضِّحت وفُسِّرت ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤] أي: كيف يكون محمد عربيًّا، والكتاب أعجمي؟ هذا لا يكون!! فنفى الله تَعَالَى كل أمر يكون فيه شبهة لأهل الباطل عن كتابه، ووصفه بكل وصف يوجب لهم الانقياد، ولكن المؤمنون الموفقون انتفعوا به، وارتفعوا، وغيرهم بالعكس من أحوالهم» (١).
٢ - البيان في المعنى:
يقول تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] «أي: في أصول الدين وفروعه، وفي أحكام الدارين وكل ما يحتاج إليه العباد، فهو مبين فيه أتم تبيين بألفاظ واضحة ومعان جلية، حتى إنه تَعَالَى يثني فيه الأمور الكبار التي يحتاج القلب لمرورها عليه كل وقت، وإعادتها في كل ساعة، ويعيدها ويبديها بألفاظ مختلفة وأدلة متنوعة لتستقر في القلوب، فتثمر من الخير والبر بحسب ثبوتها في القلب، وحتى إنه تَعَالَى يجمع في اللفظ القليل الواضح معاني كثيرة، يكون اللفظ لها كالقاعدة والأساس» (٢).
стр. 1408
٣ - البيان في الأحكام:
فالقرآن بيَّن الأحكام الشرعية ومنهج اتباعها، وعاقبة من استجاب ومن خالف، ومن دلائل أهمية البيان في الأحكام: أن الله سُبْحَانَهُ لايؤاخذ عباده إلا بعد التبيين وإقامة الحجة عليهم، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥].
يقول السعدي ﵀ عند هذه الآية: «إن الله تَعَالَى إذا منَّ على قوم بالهداية، وأمرهم بسلوك الصراط المستقيم، فإنه تَعَالَى يتمم عليهم إحسانه، ويبين لهم جميع ما يحتاجون إليه، وتدعو إليه ضرورتهم، فلا يتركهم ضالين، جاهلين بأمور دينهم، ففي هذا دليل على كمال رحمته، وأن شريعته وافية بجميع ما يحتاجه العباد، في أصول الدين وفروعه، ويحتمل أن المراد بذلك: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، فإذا بيَّن لهم ما يتقون فلم ينقادوا له؛ عاقبهم بالإضلال؛ جزاء لهم على ردهم الحق المبين، والأول أولى» (١).
الأثر الرابع: اليقين بأن محمد ﷺ خير مبيِّن للدين:
فكما أن الله هو المبين؛ فإنه لا يرسل إلا من يتصف بالقدرة على التبيين وإظهار الدين جليًّا؛ فقد وصف الله نبيه ﷺ بأنه مبين، كما في قوله تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٤]، وقوله: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ [الحجر: ٨٩] وغيرها من الآيات.
стр. 1409
فرسول الله ﷺ أبان دين الإسلام بما لا يدع- مع بيانه- خفاءً، وبما لا يجعل الناس يجدون لغير دين الله التجاءً، وجد واجتهد لتبليغ رسالة ربه، وتحمل في سبيل ذلك أشد المشقة، وأبلغ العناء، ومن دلائل ذلك قوله: «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» (١)، وكان هذا البيان المحمدي مثيرًا لاستعجاب المشركين واستنكارهم، ففي الصحيح عن سلمان قال: «قَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَقَدْ عَلَّمَكُمْ صَاحِبُكُمْ حَتَّى يُوشِكَ أَنْ يُعَلِّمَكُمُ الْخِرَاءَةَ، قَالَ: أَجَلْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِأَيْمَانِنَا، أَوْ بِالْعَظْمِ، أَوْ بِالرَّجِيعِ، وَقَالَ: لَا يَكْتَفِي أَحَدُكُمْ دُونَ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» (٢).
بل إن البيان والوضوح كان من صفاته ﷺ الشخصية، فقد كان الصحابة يعرفون في وجهه إن كان راضيًا مسرورًا، أو كارهًا غاضبًا، فلم يكن غامضًا، ولذا كانوا يتعلمون وينهلون من قوله وفعله وصمته وإقراره، بل حتى تبسُّمِه.
الأثر الخامس: العناية ببيان العلم وفضله:
فإن كتمان العلم خلق مذموم مطلقًا، وهو من أخلاق المغضوب عليهم، يقول الله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
стр. 1410
[النساء: ٣٦ - ٣٧]، فهم في حقيقة الأمر قد جمعوا بين أمرين ذميمين، كل منهما كاف في الشر، وهما: أنهم يبخلون، ويأمرون الناس بذلك أيضًا، فلم يكفهم بخلهم، حتى أمروا الناس بذلك، وحثوهم على هذا الخلق الذميم، سواء بقولهم أو فعلهم، وهذا من إعراضهم عن طاعة ربهم وتوليهم عنها (١)، فمن أعرض عن تبليغ ما علمه الله وتفضل به عليه فقد عارض أمر الله تَعَالَى، في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
يقول السعدي ﵀ في ذلك: «الميثاق هو العهد الثقيل المؤكد، وهذا الميثاق أخذه الله تَعَالَى على كل من أعطاه الله الكتب وعلمه العلم، أن يبين للناس ما يحتاجون إليه مما علمه الله، ولا يكتمهم ذلك، ويبخل عليهم به، خصوصًا إذا سألوه، أو وقع ما يوجب ذلك، فإن كل من عنده علم يجب عليه في تلك الحال أن يبينه، ويوضح الحق من الباطل» (٢).
الأثر السادس: دعاء الله باسمه تَعَالَى (المبين):
من عرف اسم الله المبين دعاه والتجأ إليه، ودعاه أن يريه الحق حقًّا ويرزقه اتباعه، ويريه الباطل باطلًا ويرزقه اجتنابه، سواء في أمر دينه أو دنياه.
وهذا ما فعله الفاروق ﵁ لما نزل تحريم الخمر، قال عمر ﵁: «اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ، فَدُعِيَ عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي النِّسَاءِ:
المُحيطُ ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: « … وقد حاطه يحوطه حوطًا وحيطة وحياطة، أي كلأه ورعاه .... وأحاط به، أي علمه. وأحاط به علمًا» (١).
قال ابن فارس ﵀: «الحاء والواو والطاء كلمة واحدة، وهو الشيء يطيف بالشيء … » (٢).
ورود اسم الله (المحيط) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (المحيط) في كتاب الله ثمان مرات، ومن وروده ما يلي:
١ - قول الله : ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩].
٢ - وقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠].
٣ - وقوله : ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦].
ورود اسم الله (المحيط) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله (المحيط) في السنة النبوية.
стр. 1413
معنى اسمِ الله (المحيط) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري ﵀، في قوله تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤]: «ألا أن الله بكل شيء مما خلق محيط علما بجميعه، وقدرة عليه، لا يعزب عنه علم شيء منه أراده فيفوته، ولكن المقتدر عليه العالم بمكانه» (١).
وقال أيضًا في قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦]: «ولم يزل الله محصيًا لكل ما هو فاعله عباده من خير وشر، عالمًا بذلك، لا يخفى عليه شيء منه، ولا يعزب عنه منه مثقال ذرة» (٢).
وقال الزجاجي ﵀: «فالله محيط بالأشياء كلها؛ لأنها تحت قدرته، لا يمكن شيء منها الخروج عن إرادته فيه، ولا يمتنع عليه منها شيء، وقد قال الله : ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] أي: علم كل شيء على حقيقته، بجميع صفاته فلم يخرج شيء منها عن علمه، وقد قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩] قال المفسرون: تأويله: مهلك الكافرين، حقيقته أنهم لا يعجزونه ولا يفوتونه؛ فهو محيط بهم» (٣).
وقال الخطابي ﵀: «المحيط: هو الذي أحاطت قدرته بجميع خلقه، وهو الذي أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا» (٤).
стр. 1414
وقال الحليمي ﵀: «المحيط: ومعناه الذي لا يقدر على الفرار منه، وهذه الصفة ليست حقًّا إلا لله جل ثناؤه، وهي راجعة إلى كمال العلم ولقدرة، وانتفاء الغفلة والمعجز عنه» (١).
وقال القرطبي ﵀: «أحاط علمه بكل شيء. قاله السدي، وقال الكلبي: أحاطت قدرته بكل شيء، وهذا الاسم أكثر ما يجيء في معرض الوعيد، وحقيقته الإحاطة بكل شيء، واستئصال المحاط به» (٢).
وقال ابن كثير ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤]: «أي: المخلوقات كلها تحت قهره وفي قبضته، وتحت طي علمه، وهو المتصرف فيها كلها بحكمه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن» (٣).
وقال السعدي ﵀: «المحيط: بكل شيء علمًا، وقدرة، ورحمة، وقهرًا» (٤).
اقتران اسم الله (المحيط) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ:
لم يقترن اسم الله المحيط بغيره من الأسماء.
стр. 1415
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المحيط):
الأثر الأول: إثبات ما تضمنه اسم الله المحيط من صفات الله سُبْحَانَهُ:
الله المحيط العالي على خلقه، فهو فوق جميع المخلوقات، مستو على عرشه، وعرشه فوق السماوات كلها، قد أحاط بالعوالم كلها، وبجميع ما فيها، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤] (١).
وإحاطته سُبْحَانَهُ بالعوالم وما فيها؛ من وجوه؛ منها:
١ - إحاطة الملك:
فالله المحيط الذي أحاط بالسموات والأرض وما بينهما وما فيهما ملكًا، فالجميع ملكه وعبيده، لا يشذ عن ذلك أحد، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦] (٢).
٢ - إحاطة القهر:
فالله المحيط الذي أحاط بعباده قهرًا، فالكل تحت قهره وفي قبضته، يتصرف فيهم بما شاء، كيف شاء، متى شاء، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن (٣).
стр. 1416
ثم إنه لا يمكن لأحد كائن من كان أن يخرج عن إرادة المحيط به، أو يمتنع منه، بل الكل مقهور مدان للمحيط القهار، نافذة مشيئته وحكمه فيه (١)، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] «فإنه القادر عليهم، وهم في قبضته وتحت قهره وغلبته» (٢).
٣ - إحاطة العلم:
فالله المحيط الذي أحاط علمه بجميع المعلومات ظاهرها وباطنها، خفيها وجليها، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وأحاط سمعه بجميع الأصوات سرها وعلنها، قريبها وبعيدها، وأحاط بصره بجميع الموجودات دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، فلا يحجبه عن خلقه ظاهر عن باطن ولا كبير عن صغير ولا قريب عن بعيد، بل هو نافذ العلم والسمع والبصر، لا يغيب عنه أحد، ولا يخفى عليه شيء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر منها ولا أكبر، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] (٣).
أحاط علمه بذوات خلقه، وبصفاتهم، كما أحاط بجميع أعمالهم: الفعلية بصرًا، والقولية سمعًا، سواء أكانت خيرًا أم شرًّا، حسنة أم قبيحة، ظهرت للناظرين والسامعين أم توارت عنهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ
стр. 1417
وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨]، لم يزل لها محصيًا، عادًا، عالمًا بها، لا تخفى عليه ولا تغيب (١).
٤ - إحاطة القدرة:
فالله هو المحيط الذي أحاطت قدرته بخلقه إحاطة تامة كاملة، لا يقدرون معها على إعجازه ولا فواته ولا الفرار منه، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ١٩ - ٢٠]، فليس لهم ملاذ يلوذون به عنه، ولا ملجأ يلجأون إليه، بل لا ملجأ منه إلا إليه، ولا مهرب منه إلا إليه، ولا مفر منه، بل المفر إليه، قال تَعَالَى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: ٥٠] (٢).
ثم إن الملوك والجبابرة وإن عظمت سطوتهم، وعظم ملكهم، وكثر جندهم، واشتد جبروتهم، وتفاقم طغيانهم، فإن الله لهم بالمرصاد، قد أحاط بهم، وأحصى وراقب كل حركاتهم وسكناتهم، ليس لهم خروج عن قدرته، ولا يستطع أحد منهم أن يعجزه، بل نواصيهم بيده ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] (٣).
٥ - إحاطة الرحمة:
فالله المحيط الذي أحاط كل شيء برحمته، فالعالم العلوي والسفلي وجميع المخلوقات محاطة برحمة الرحمن الرحيم بها، أسبغ عليهم
стр. 1418
نعمه الظاهرة والباطنة، وصرف عنهم المضار والمكاره، وبها دبرهم أنواع التدبير، وصرفهم بأنواع التصريف، وبها امتلأت القلوب بالرحمة حتى حنت المخلوقات بعضها على بعض، إلى غير ذلك من آثار رحمة الله المحيطة بالخلق في الدنيا.
ثم إن رحمة المحيط أحاطت بالخلق حتى في الآخرة، بل هي في الآخرة أعظم منها في الدنيا، حتى قال ﷺ : «وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ» (١)، وقال أيضًا ﷺ : «إِنَّ لِلهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢)(٣).
٦ - إحاطة الجزاء:
لما كان ربنا محيطًا؛ كان جزاؤه محيطًا أيضًا:
فجميع أعمال العباد قد أحاط بها، وأحصاها عدًّا، وعلم مقدارها، ومقدار جزائها في الخير والشر، ويجازيهم عليها أتم الجزاء، بما يقتضيه عدله ورحمته (٤).
стр. 1419
ثم إن جزاءه محيط، فإذا نزل عذابه على قوم أحاط بهم، فلم يفت منه أحد، ولم يُبق منهم أحد، ولم ينجو إلا من أمر الله بإنجائه (١)، ولذا قال شعيب ﵇ لقومه: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤]، وقال الله في بيان إحاطة عذابه النازل بالأمم المكذبة من قوم نوح، وعاد، وثمود، وفرعون، وغيرهم من المعاندين المكذبين: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] «والركز: الصوت الخفي، أي: لم يبق منهم عين ولا أثر، بل بقيت أخبارهم عبرة للمعتبرين، وأسمارهم عظة للمتعظين» (٢).
ثم إنه سُبْحَانَهُ في الآخرة محيط بخلقه، فيبعثهم جميعًا، لا يتخلف منهم أحد، ولا ينسى منهم أحدًا، ولا يمتنع منهم أحد ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥].
ثم هم في موقف الحشر محاط بهم أينما ذهبوا، قد طوقتهم الملائكة سبعة صفوف من كل جانب، فلا يقدر أحد منهم على فرار ولا هرب (٣) حتى يقال لهم على وجه التعجيز: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] «أي: لا تخرجون عنه إلا بقوة وتسلط منكم، وكمال قدرة، وأنى لهم ذلك، وهم لا
стр. 1420
يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا؟! ففي ذلك الموقف لا يتكلم أحد إلا بإذنه، ولا تسمع إلا همسًا، وفي ذلك الموقف يستوي الملوك والمماليك، والرؤساء والمرءوسون، والأغنياء والفقراء» (١).
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (المحيط) على التوحيد:
لا شك أن اسم الله (المحيط) دال على كمال الله وجلاله وعظمته، فإذا تأمل العبد في هذا الكمال، ثم نظر في المعبودات من حوله، وتأمل ما فيها من المعايب والنقائص حتى في صفات كمالها، فملكهم، وقهرهم، وعلمهم، وقدرتهم، ورحمتهم وغيرها من صفات الكمال ناقصة فيهم، لا محيطة شاملة.
أدرك بذلك أن المعبود الحق هو المتفرد بالوحدانية والمتصف بالكمال والجلال، وليس ذلك إلا لله المحيط، وأدرك- أيضًا- أن كل من دون الله ناقص لا يستحق شيء من العبودية، وبهذا يوحد ربه المحيط بالعبادة.
الأثر الثالث: الخوف من الله (المحيط):
إن اسم الله (المحيط) يورث في قلوب العباد الخوف من الله ومهابته وإجلاله وتعظيمه؛ إذ هو المحيط بعباده علمًا، وقدرة، وقهرًا، وملكًا، قال تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠].
стр. 1421
وقد جاءت النصوص مرغبة في الخوف من الله بأساليب عدة، ومنها:
الأمر بالخوف منه ، قال تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠].
بيان أن الخوف من لوازم الإيمان، قال تَعَالَى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، قال الشيخ السعدي ﵀: «وفي هذه الآية وجوب الخوف من الله وحده، وأنه من لوازم الإيمان؛ فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله» (١).
الثناء على صفوة الخلق بالخوف والخشية، قال تَعَالَى عن الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]، وقال عن رسله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩].
مدح أهل الخوف، قال تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦].
حصول النجاة من كل سوء في الدنيا و الآخرة، فعن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: «وَثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ خَشْيَةُ اللهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، … » (٢).
تحقق الأمن يوم القيامة، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١٠ - ١١]
стр. 1422
الدخول تحت ظل العرش يوم القيامة؛ فعن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ ، قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»، وذكر منهم: «وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ» (١).
و للخوف أسباب تعين عليه، ومنها:
معرفة الله بأسمائه وصفاته، فإن من عرف أن الله محيط، عظيم، عزيز، جبار، متكبر، رقيب، حسيب، قوي، متين، شديد العقاب، ذو البطش الشديد، والعذاب الأليم، وأنه لو أهلك العالمين لم يبال ولم يمنعه مانع، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون- خافه وحذر منه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨] (٢).
تدبر القرآن الكريم والسنة، قال ابن القيم ﵀: «فإذا تدبر المسلم كلام الله وسنة نبيه؛ شهد قلبه أمورًا من صفات الله وعقوباته وانتقامه، وكيف خاف الأنبياء والملائكة والصالحون، وليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن وإطالة التأمل وجمع الفكر على معاني آيات الكتاب العزيز، فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل، وتحذره وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل، وتحثه على التضمر والتخفف للقاء اليوم الثقيل» (٣).
التفكر في الذنوب والسيئات، والتقصير في الطاعات، التي نسي العباد أكثرها، والله محصيها لا يغادر منها صغيرة ولا كبيرة ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨].
стр. 1423
التفكر في الموت وما بعده من أهوال القيامة، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]، ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٠].
التفكر في النار وشدة عذابها، قال تَعَالَى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦]، وقال عنها: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥].
الدعاء بأن يُرزق العبد الخوف من الله، وقد جاء ذلك في دعاء رسول الله ﷺ ، فقد ورد عنه دعائه: «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ» (١)، وقوله: « … اللَّهمَّ وأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ … » (٢).
مجالسة الصالحين والعلماء الذين يكسبون الخشية والخوف من الله، وقراءة سيرهم أيضًا، وما فيها من الخوف من الله ، وهذه بعض النماذج للسلف ﵃ في خوفهم من الله تَعَالَى:
- عمر بن الخطاب ﵁ يقول: «لو مات جمل ضياعًا على جانب الفرات؛ لخشيت أن يسألني عنه الله يوم القيامة» (٣).
стр. 1424
- عمر بن عبد العزيز ﵀ كان يقول: «إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم، فتقول زوجته: اللهم أعذه من النار» (١).
الأثر الرابع: الخوف من ظلم العباد:
إذا تأمل العبد في اسم الله «المحيط»، وما فيه من إحاطة علم الله بجميع عمله، وإحاطة قدرته به؛ خاف من أن يظلم أحدًا، أو يعتدي عليه بقول أو فعل أو ظن سوء، وحذر من ذلك أشد الحذر، لا سيما وأن لله المحيط ينتصر للمظلوم ولا يرد دعوته، قال ﷺ : «ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ؛ الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، يَرْفَعُهَا فَوْقَ الْغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ : وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» (٢).
قال أبو الدرداء ﵀: «وَإِيَّاكَ وَدَعَوَاتِ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُنَّ يَصْعَدْنَ إِلَى اللهِ كَأَنَّهُنَّ شَرَارَاتُ نَارٍ» (٣).
وقال سفيان الثوري ﵀: «إن لقيت الله بسبعين ذنبًا فيما بينك وبينه تَعَالَى، أهون عليك من أن تلقاه بذنب واحد فيما بينك وبين العباد» (٤)؛ وذلك أن حقوق الله مبنية على المسامحة فيغفر الله منها ما شاء، وحقوق العباد مبنية على المشاحة، فيوفي الله أصحاب الحقوق حقوقهم ولا يترك منها شيئًا (٥).
стр. 1425
وهذا التأمل- أيضًا- في اسم الله «المحيط» يدعو الظالم إلى التوبة من ظلمه، ورد المظالم والحقوق إلى أهلها، والتحلل منهم، قال ابن القيم ﵀: «وديوان المظالم لا يمحى إلا بالخروج منها إلى أربابها، واستحلالهم منها» (١).
الأثر الخامس: الثقة بنصر الله المحيط:
إن الإيمان بإحاطة قدرته سُبْحَانَهُ وقهره لكل شيء، تثمر في القلب الاستهانة بقوة المخلوق من الأعداء الكفرة والمنافقين، بعد الأخذ بأسباب المدافعة لشرهم؛ لأن الله محيط بهم وقاهرهم.
وإذا حصلت التقوى والصبر من المؤمنين، فلن يضرهم كيد الكائدين؛ لأن الله محيط بما يعملون ويكيدون.
قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠].
الأثر السادس: محبة الله المحيط:
إذا تعرف العبد على اسم ربه «المحيط» وتأمل ما فيه من صفات الكمال والجلال؛ قاده ذلك إلى محبته سُبْحَانَهُ؛ إذ القلوب فطرت على محبة من له الكمال.
ثم إذا تأمل- أيضًا- ما فيه من إحاطة الله لأوليائه بالحفظ والرعاية والنصر على الأعداء؛ زاده ذلك حبًّا وتعلقًا بربه المحيط.
стр. 1426
ثم إذا ضم إلى هذه الصفة الكريمة صفة أخرى كالحلم والقدرة مثلًا، فتأمل كيف أن ربه المحيط أحاط بذنبه وتقصيره وسيء عمله، وهو قادر على معاجلته بالعقوبة وسلب النعمة التي عصاه بها، إلا أنه مع ذلك حلم وأمهل ولطف؛ زاده ذلك حبًّا لله .
فاللهم يا من أحاط سمعه بالأصوات، وأحاط بصره بالمرئيات،
وأحاط بما تخفي الصدور، ارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة.
стр. 1427
المهَيْمنُ ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «المُهيمن: الشاهد، وهو من آمن غيرَهُ من الخوف، وأصله أَأْمَنَ فهو مُؤَأْمِن، بهمزتين، قُلبت الهمزة الثانية ياءً كراهةً لاجتماعهما، فصار مُأَيْمِن، ثم صُيِّرت الأولى هاء، كما قالوا: أراق الماءَ وهراقه» (١).
قال ابن فارس ﵀: «فأما المهيمن، وهو الشاهد .. إنَّما هو من باب أمن، والهاء مبدلة من همزة» (٢).
ورود اسم الله (المهيمن) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (المهيمن) في كتاب الله مرة واحدة، في قوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ﴾ [الحشر: ٢٣].
ورود اسم الله (المهيمن) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله (المهيمن) في السنة النبوية.
стр. 1428
معنى اسم الله (المهيمن) في حقه سُبْحَانَهُ:
يدور معنى اسم الله «المهيمن» في حقه تَعَالَى حول أربعة معان:
القائم على خلقه بالرعاية والحفظ.
الرقيب على أعمال الخلق، والشاهد عليها.
الأمين المؤتمن على حق عباده.
المؤمن المصدق.
وحول هذه المعاني الأربعة تدور أقوال العلماء:
من الأقوال في المعنى الأول والثاني:
قال الطبري ﵀: «و أصل (الهيمنة): الحفظ والارتقاب، يقال، إذا رقب الرجل الشيء وحفظه وشهده: قد هيمن فلان عليه، فهو يهيمن هيمنة، وهو عليه مهيمن» (١).
قال ابن كثير ﵀: «قال ابن عباس وغير واحد: أي: الشاهد على خلقه بأعمالهم. بمعنى: هو رقيب عليهم، كقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩]، وقوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦]» (٢).
قال السعدي ﵀: «(المهيمن): المطَّلع على خفايا الأمور، وخبايا الصدور، الذي أحاط بكل شيءٍ علمًا» (٣).
стр. 1429
قال ابن عاشور ﵀: «والمهيمن: الرقيب بلغة قريش، والحافظ في لغة بقية العرب» (١).
من الأقوال في المعنى الثالث:
قال الحليمي في قوله: «ومعناه: لا ينقص المطيعين يومَ الحساب من طاعاتهم شيئًا، … لا يزيد العصاةَ على ما اجترحوه من السيئات شيئًا، فيزيدهم، عقابًا على ما استحَقُّوه» (٢).
ومن الأقوال في المعنى الرابع:
قال ابن زيد ﵀، في قوله: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]: «المصدق لكل ما حدث، وقرأ ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، قال: فالقرآن مصدِّق على ما قبله من الكتب، والله مصدِّق في كل ما حدَّث عما مضى من الدنيا، وما بقي، وما حدَّث عن الآخرة» (٣).
قال الحسن البصري ﵀: «(المهيمن) المصدق، وهو في حق الله تَعَالَى يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك التصديق بالكلام، فيصدق أنبياءه بإخباره تَعَالَى عن كونهم صادقين.
الثاني: أن يكون معنى تصديقه لهم هو أن يظهر المعجزات على أيديهم» (٤).
стр. 1430
من الأقوال التي تجمع بين الأقوال الأربعة:
قال الطبري ﵀: «اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: المهيمن: الشهيد … وقال آخرون: المهيمن: الأمين … وقال آخرون: (المهيمن): المصدق» (١).
قال الخطابي ﵀: «المهيمن: هو الشهيد، ومنه قول الله سُبْحَانَهُ: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، فالله المهيمن أي: الشاهد على خلقه بما يكون منهم من قول أو فعل، كقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١].
وقيل: المهيمن، الأمين، وأصله مؤيمن، فقلبت الهمزة هاء؛ لأن الهاء أخف من الهمزة …
وقيل: المهيمن: الرقيب على الشيء، والحافظ له، وقال بعض أهل اللغة: الهيمنة: القيام على الشيء، والرعاية له» (٢).
قال الغزالي ﵀ جامعًا بين بعض هذه المعاني-: «القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، وإنما قيامه عليهم باطلاعه واستيلائه وحفظه، وكلُّ مشرف على كنه الأمر مسؤول عليه حافظ له، فهو مهيمنٌ عليه، والإشراف يرجع إلى العلم، والاستيلاء إلى كمال القدرة، والحفظ إلى العقل،
стр. 1431
فالجامع بين هذه المعاني اسمه المهيمن» (١).
قال ابن الأثير ﵀: «في أسماء الله تَعَالَى (المهيمن) هو الرقيب، وقيل: الشاهد، وقيل: المؤتمن، وقيل: القائم بأمور الخلق» (٢).
اقتران اسم الله (المهيمنِ) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (المهيمن) باسم الله (المؤمن):
اقترن اسم الله «المهيمن» باسمه «المؤمن»، في قوله تَعَالَى: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ﴾ [الحشر: ٢٣].
وجه الاقتران:
قال الطاهر ابن عاشور ﵀: «وتعقيب المؤمن بالمهيمن؛ لدفع توهُّم أن تأمينه عن ضعف، أو عن مخافة غيره، فاعلموا أن تأمينه لحكمته، مع أنه رقيب مطَّلع على أحوال خلقه، فتأمينه إيَّاهم رحمة بهم» (٣).
ثانيًا: اقتران اسم الله (المهيمن) باسم الله (العزيز):
اقترن اسم الله (المهيمن) باسمه العزيز في قوله تَعَالَى: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ﴾ [الحشر: ٢٣].
وجه الاقتران:
قال ابن عاشور ﵀: «ووجه ذكر هذه الصفات الثلاث- العزيز الجبار المتكبر- عقب صفة المهيمن: أن جميع ما ذكره آنفًا من الصفات، لا
стр. 1432
يؤذن إلا باطمئنان العباد لعناية ربهم بهم، وإصلاح أمورهم، وأن صفة المهيمن تؤذن بأمر مشترك؛ فَعُقِّبَتْ بصفة العزيز؛ ليعلم الناسُ أن الله غالب لا يُعجزه شيء … فكانت هذه الصفات في جانب التخويف، كما كانت الصفات قبلها في جانب الإطماع» (١).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المهيمن):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المهيمن) من صفاته سُبْحَانَهُ:
الله تَعَالَى «المهيمن» الذي لا يخرج شيء عن هيمنته، فالسماء والأرض ومن فيهما صغر أو كبر، دقَّ أو جلَّ، الكل تحت هيمنته جل في علاه ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣] هيمنة القيام والحفظ، وهيمنة الرقابة والشهادة، وهيمنة الأمن والتصديق.
فهو المهيمن القيوم (٢) الذي قام على الخلائق خلقًا ورزقًا وتدبيرًا وتصريفًا، فبهيمنته أقام السموات والأرض فثبتت ولم تزل، وبهيمنته أقام كل نفس من إنس وجن وغيرهما من سائر الدواب، فقلب الجنين خلقًا بعد خلق في ظلمات ثلاث، يحيل الدَّمَ نطفةً، والنطفةَ علقةً، والعلقةَ مضغةً، والمضغةَ عظامًا، ثم يكسو العظام لحمًا، ثم ينشئه خلقًا آخَرَ، فتبارك الله أحسنُ الخالقين.
وبهيمنته أقام للمكلفين الأديان؛ فأرسل الرسل وأنزل الكتب، ولم يترك عباده سدًى، ولم يدعهم هملًا، بل وضع لهم الشرائع التي تنظم سلوكهم،
стр. 1433
وترسم لهم الحدود التي يسيرون فيها، ولا يتجاوزونها في أعمالهم ومعاملاتهم وعقائدهم.
وهو المهيمن الحفيظ (١) الذي عم خلقه بحفظه، فبهيمنته حفظ السماء من أن تقع على الأرض، وبهيمنته حفظ الأرض من الاضطراب والميد بأهلها، وبهيمنته حفظ أهلها بما يسر من الأرزاق والأقوات لهم، وحفظهم من أصناف الشرور والمضار بما قيض من أسباب حفظهم.
وهو المهيمن الرقيب الشهيد (٢) الذي اطلع على جميع الأشياء، وأحاط بها علمًا، ظاهرًا وباطنًا، فبهيمنته رقب الخفيَّات والجليَّات، والماضيات والمستقبَلات، وبهيمنته رقب جميعَ الأصوات؛ سرها وجهرها، وبهيمنته رقب جميع الموجودات؛ دقيقها وجليلها، وصغيرها وكبيرها، لا يحجبه من خلقه ظاهر عن باطن، ولا كبير عن صغير، ولا قريب عن بعيد.
وبهيمنته شهد أعمال العباد فأحصاها، وعلم مقاديرها، ومقدار جزائها خيرها وشرها، ثم يشهد عليهم بما عملوه ويفصل بينهم يوم الدين (٣).
وهو المهيمن الأمين الذي لا يضيع عنده حق عباده، فلا ينقصهم شيئًا من حسناتهم، ولا يزيدهم شيئًا من السيئات، بل هم آمنون من ذلك.
قال الحليمي ﵀ في اسم الله «المهيمن»: «لا ينقص المطيعين يومَ الحساب من طاعاتهم شيئًا، فلا يُثيبهم عليه؛ لأن الثواب لا يُعجزه ولا هو مستكْرَهٌ عليه، فيضطر إلى كتمان بعض الأعمال أو جحدها، وليس ببخيل
стр. 1434
فيحمله استكثارُ الثواب إذا كثرت الأعمال على كتمان بعضها، ولا يلحقه نقصٌ بما يثيب فيحبس بعضه؛ لأنه ليس منتفعًا بملكه حتى إذا نفع غيره به زال انتفاعُهُ عنه بنفسه، وكما لا ينقص المطيعَ من حسناته شيئًا، لا يزيد العصاةَ على ما اجترحوه من السيئات شيئًا، فيزيدهم عقابًا على ما استحَقُّوه؛ لأن واحدًا من الكذب والظلم غير جائز عليه، وقد سمَّى عقوبة أهل النار جزاءً، فما لم يقابل منها ذنبًا لم يكن جزاءً، ولم يكن وفاقًا» (١).
وهو المهمين المؤمن (٢) الذي صدق رسله بما أنزل من كتب وأظهر من معجزات، وصدق كتبه بالقرآن، وجعله مهيمنًا على سائرها، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨].
فـ «جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها، وأشملها وأعظمها وأحكمها، حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره؛ فلهذا جعله شاهدًا وأمينًا وحاكمًا عليها كلها» (٣).
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (المهيمن) على التوحيد:
إذا تأمل العبد في قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣]؛ وجد أن الله وصف من يستحق
стр. 1435
العبادة بصفات الكمال والجلال التي منها الهيمنة، وهذه الصفات لا تكون إلا له سُبْحَانَهُ، فإنها وإن وجدت في مخلوق فلا توجد مجتمعه، كما أنها لا توجد على صورة الكمال بل فيها من النقائص والمعايب ما فيها.
وبهذا يعلم أنه لا أحد كائن من كان يستحق من العبادة مثقال ذرة، وإنما هي خالصه له عما يشركون (١).
الأثر الثالث: الإيمان بهيمنة القرآن:
امتن الله على أمة محمد ﷺ بالقرآن، وجعله مهيمنًا على سائر الكتب المتقدمة، كما قال تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨]، وذلك يعني:
١ - أنه أمين على كل كتاب قبله وحافظ له؛ وذلك بحفظه لأصول ما في تلك الكتب من عقائد وشرائع، كما قال تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
٢ - أنه شاهد على الكتب قبله؛ وذلك من جهة:
أ - شهادته عليها بالصحة والثبات، كما قال تَعَالَى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا
стр. 1436
بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾
[آل عمران: ٣ - ٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦].
ب - شهادته على أصولها بالصدق، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾
[فاطر: ٣١].
ت - شهادته على ما وقع من أصحابها من تحريف وتبديل وإعراض عن العمل بها، كما قال تَعَالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ [النساء: ٤٦].
٣ - أنه حاكم عليها بإقرار بعض ما فيها من الشرائع التي مصلحتها كلية لم تختلف باختلاف الأمم والأزمان، كالصوم، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وناسخ لبعض ما فيها من الشرائع التي مصلحتها جزئية مؤقته، مراعى فيها أحوال أقوام معينين (١).
قال الطبري ﵀: «﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] أنزلنا الكتاب الذي أنزلناه إليك، يا محمد، مصدِّقًا للكتب قبله، وشهيدًا عليها أنها حق من عند الله، أمينًا عليها، حافظًا لها» (٢).
стр. 1437
وإنما كانت هذه المنزلة لهذا الكتاب العظيم:
لأنه «قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانًا وتفصيلًا، وبين الأدلة والبراهين على ذلك، وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع الكلية التي بعثت بها الرسل كلهم، وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين، وبين عقوبات الله لهم ونصره لأهل الكتب المتبعين لها، وبين ما حرف منها وبدل وما فعله أهل الكتاب في الكتب المتقدمة، وبين- أيضًا- ما كتموه مما أمر الله ببيانه، وكل ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج التي نزل بها القرآن، فصارت له الهيمنة على ما بين يديه من الكتب» (١).
ولأن الله تكفل بحفظه، فلا يصير إليه النسخ ألبتة، ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف، وبهذا تكون شهادته على الكتب السابقة باقية أبدًا، فيبقى العلم بها ببقائه (٢).
فإذا تبين هذا؛ فليعلم العبد أن من الإيمان بالقرآن: الإيمان بهيمنته، وهذا الإيمان واليقين يورث في النفس تعظيمه وإجلاله والفرح به أعظم الفرح، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٧ - ٥٨].
كما أنه يثمر العمل والحكم به وتحكيمه ورفض ما سواه من أحكام وأهواء، كما نبه الله على ذلك، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا
وهذه امرأة سوداء لبعض العرب، أعتقها أهلها، فكانت تأتي للمسجد فتتحدث عند النساء، فإذا فرغت من حديثها قالت:
وَيَوْمَ الْوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا … أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أَنْجَانِي
فلما أكثرت من ذلك قالت لها عائشة ﵂: وما يوم الوشاح؟ قالت: خرجت جويرية لبعض أهلي، وعليها وشاح أحمر، فسقط منها، فانحطت عليه الحديا وهي تحسبه لحمًا، فأخذته فاتهموني به، فعذبوني، حتى بلغ من أمري أنهم طلبوا في قبلي، فبينا هم حولي وأنا في كربي، إذ أقبلت الحديا حتى وازت برؤوسنا ثم ألقته، فأخذوه، فقلت لهم هذا الذي اتهمتموني به و أنا منه بريئة، وهو ذا هو، وجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت» (١).
الأثر الخامس: مراقبة الله المهيمن (٢):
إذا تقرر عند العبد أن ربه المهيمن مطلع على خفايا الأمور، وخبايا الصدور، وظاهر الأقوال والأفعال، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] شاهد عليها وعلى خلقه بما صدر منهم لا يضل ولا ينسى، ولا يغفل عن شيء منها ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦]، أثمر ذلك في نفسه مراقبة «المهيمن» ﵎، فيرقب قوله وفعله وخطره وفكره؛ حذرًا من مشاهدة المهيمن له وقد واقع ما لا يرضيه.
стр. 1440
الأثر السادس: الثقة بالمهيمن:
إذا تيقن العبد أن ربه المهيمن بيده كل شيء، يصرفه كيف شاء، وثق بربه في قضاء حوائجه، وفوض أمره إليه مطمئنًا ساكنًا، فلا قلق ولا تعلق بالخلق رجاء ولا خوفًا.
فهذا إبراهيم ﵇ جمع قومه الحطب، وأطلقوا فيه النيران، فاضطرمت وتأججت والتهبت وعلاها شرر لم ير مثله قط، ثم وضعوا إبراهيم ﵇ في كفة منجنيق، ثم أخذوا يقيدونه ويكتفونه، حتى إذا تم الوضع ألقوه إلى النار، فعرض له جبريل في الهواء، فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، وقال واثقًا بربه مفوضًا أمره إليه: حسبنا الله ونعم الوكيل، فقال الله: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾» (١).
وهذه أم موسى تلقي وليدها في اليم؛ امتثالًا لأمر ربها، وثقة بوعده: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] فدبر المهيمن الأمور ورده إليها: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٢ - ١٣].
وهذا رسول الله ﷺ ينزل واديًا مع أصحابه، فيأخذ كل واحد منهم مكانه، وينام رسول الله ﷺ تحت شجرة ويعلق سيفه بغصن من أغصانها، فيأتيه رجل بيده السيف، فلم يشعر رسول الله ﷺ إلا