بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾
[آل عمران: ٣ - ٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦].
ب - شهادته على أصولها بالصدق، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾
[فاطر: ٣١].
ت - شهادته على ما وقع من أصحابها من تحريف وتبديل وإعراض عن العمل بها، كما قال تَعَالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ [النساء: ٤٦].
٣ - أنه حاكم عليها بإقرار بعض ما فيها من الشرائع التي مصلحتها كلية لم تختلف باختلاف الأمم والأزمان، كالصوم، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وناسخ لبعض ما فيها من الشرائع التي مصلحتها جزئية مؤقته، مراعى فيها أحوال أقوام معينين (١).
قال الطبري ﵀: «﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] أنزلنا الكتاب الذي أنزلناه إليك، يا محمد، مصدِّقًا للكتب قبله، وشهيدًا عليها أنها حق من عند الله، أمينًا عليها، حافظًا لها» (٢).
стр. 1437
وإنما كانت هذه المنزلة لهذا الكتاب العظيم:
لأنه «قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانًا وتفصيلًا، وبين الأدلة والبراهين على ذلك، وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع الكلية التي بعثت بها الرسل كلهم، وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين، وبين عقوبات الله لهم ونصره لأهل الكتب المتبعين لها، وبين ما حرف منها وبدل وما فعله أهل الكتاب في الكتب المتقدمة، وبين- أيضًا- ما كتموه مما أمر الله ببيانه، وكل ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج التي نزل بها القرآن، فصارت له الهيمنة على ما بين يديه من الكتب» (١).
ولأن الله تكفل بحفظه، فلا يصير إليه النسخ ألبتة، ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف، وبهذا تكون شهادته على الكتب السابقة باقية أبدًا، فيبقى العلم بها ببقائه (٢).
فإذا تبين هذا؛ فليعلم العبد أن من الإيمان بالقرآن: الإيمان بهيمنته، وهذا الإيمان واليقين يورث في النفس تعظيمه وإجلاله والفرح به أعظم الفرح، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٧ - ٥٨].
كما أنه يثمر العمل والحكم به وتحكيمه ورفض ما سواه من أحكام وأهواء، كما نبه الله على ذلك، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا
وهذه امرأة سوداء لبعض العرب، أعتقها أهلها، فكانت تأتي للمسجد فتتحدث عند النساء، فإذا فرغت من حديثها قالت:
وَيَوْمَ الْوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا … أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أَنْجَانِي
فلما أكثرت من ذلك قالت لها عائشة ﵂: وما يوم الوشاح؟ قالت: خرجت جويرية لبعض أهلي، وعليها وشاح أحمر، فسقط منها، فانحطت عليه الحديا وهي تحسبه لحمًا، فأخذته فاتهموني به، فعذبوني، حتى بلغ من أمري أنهم طلبوا في قبلي، فبينا هم حولي وأنا في كربي، إذ أقبلت الحديا حتى وازت برؤوسنا ثم ألقته، فأخذوه، فقلت لهم هذا الذي اتهمتموني به و أنا منه بريئة، وهو ذا هو، وجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت» (١).
الأثر الخامس: مراقبة الله المهيمن (٢):
إذا تقرر عند العبد أن ربه المهيمن مطلع على خفايا الأمور، وخبايا الصدور، وظاهر الأقوال والأفعال، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] شاهد عليها وعلى خلقه بما صدر منهم لا يضل ولا ينسى، ولا يغفل عن شيء منها ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦]، أثمر ذلك في نفسه مراقبة «المهيمن» ﵎، فيرقب قوله وفعله وخطره وفكره؛ حذرًا من مشاهدة المهيمن له وقد واقع ما لا يرضيه.
стр. 1440
الأثر السادس: الثقة بالمهيمن:
إذا تيقن العبد أن ربه المهيمن بيده كل شيء، يصرفه كيف شاء، وثق بربه في قضاء حوائجه، وفوض أمره إليه مطمئنًا ساكنًا، فلا قلق ولا تعلق بالخلق رجاء ولا خوفًا.
فهذا إبراهيم ﵇ جمع قومه الحطب، وأطلقوا فيه النيران، فاضطرمت وتأججت والتهبت وعلاها شرر لم ير مثله قط، ثم وضعوا إبراهيم ﵇ في كفة منجنيق، ثم أخذوا يقيدونه ويكتفونه، حتى إذا تم الوضع ألقوه إلى النار، فعرض له جبريل في الهواء، فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، وقال واثقًا بربه مفوضًا أمره إليه: حسبنا الله ونعم الوكيل، فقال الله: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾» (١).
وهذه أم موسى تلقي وليدها في اليم؛ امتثالًا لأمر ربها، وثقة بوعده: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] فدبر المهيمن الأمور ورده إليها: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٢ - ١٣].
وهذا رسول الله ﷺ ينزل واديًا مع أصحابه، فيأخذ كل واحد منهم مكانه، وينام رسول الله ﷺ تحت شجرة ويعلق سيفه بغصن من أغصانها، فيأتيه رجل بيده السيف، فلم يشعر رسول الله ﷺ إلا
стр. 1441
والسيف صلتًا في يده، فقال له: من يمنعك مني؟ فقال رسول الله ﷺ : اللهُ، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ فقال: اللهُ، فشام (١) الأعرابي السيف» (٢).
أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ فَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْعِضَاهِ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ ثُمَّ نَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ قُلْتُ: اللهُ فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ. ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْه.
قال ابن حجر ﵀: «وكأن الأعرابي لما شاهد ذلك الثبات العظيم، وعرف أنه حيل بينه وبينه تحقق صدقه، وعلم أنه لا يصل إليه، فألقى السلاح وأمكن من نفسه» (٣).
وفي غزوة الأحزاب، ضرب الكفار على المسلمين حصارًا عسكريًّا مهيبًا، قال الله عنه: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١٠ - ١١] فما كان من المؤمنين إلا أن قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]، فرد الله الأحزاب بغيظهم، لم ينالوا خيرًا، وكفى المؤمنين القتال، وكان الله قويًّا عزيزًا مهيمنًا.
стр. 1442
الأثر السابع: محبة الله تَعَالَى المهيمن:
إذا علم العبد أن ربه المهيمن قائم على خلقه رعايةً ورزقًا وحفظًا، وتدبيرًا وتصريفًا لأمورهم، على وفق ما تقتضيه حكمته ؛ أورثه ذلك محبته ﵎ والتقرب إليه بالطاعات والقربات؛ تعبدًا له ، وحبًّا والتماسًا لمرضاته، وشكرًا له على نعمائه وأفضاله وإحسانه.
فاللهم يا مهيمن، تولَّ أمرنا واجْبُر كسرنا، واحفظنا بحفظك
الذي لا يُرام، واكلأنا بعينك التي لا تنام.
стр. 1443
المؤْمنُ ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «(أمن) الأمان والأمانة بمعنًى، وقد أَمِنْتُ فأنا آمِنٌ. وآمَنْتُ غيري، من الأمن والأمان، والإيمان: التصديق، والله تَعَالَى المؤمن؛ لأنه آمَن عبادَه من أن يظلمهم … والأمن: ضد الخوف، والأَمَنَةُ بالتحريك: الأَمْنُ، ومنه قوله : ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤]» (١).
قال ابن فارس ﵀: «(أمن) الهمزة والميم والنون أصلان متقاربان: أحدهما: الأمانة التي هي ضد الخيانة، ومعناها سكون القلب، والآخر: التصديق … وأما التصديق فقول الله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] أي: مصدق لنا، وقال بعض أهل العلم: إن المؤمن في صفات الله تَعَالَى هو أن يصدق ما وعد عبده من الثواب، وقال آخرون: هو مؤمن لأوليائه يؤمنهم عذابه ولا يظلمهم (٢).
ورود اسم الله (المؤمن) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (المؤمن) مرة واحدة في القرآن الكريم، وهي:
قول الله : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ﴾ [الحشر: ٢٣].
стр. 1444
ورود اسم الله (المؤمن) في السنة النبوية:
لم يَرد اسم الله (المؤمن) في السنة النبوية.
معنى اسم الله (المؤمن) في حقه سُبْحَانَهُ:
يدور معنى اسم الله (المؤمن) في حق الله على معنيين، وهما:
المصدق.
المؤَمِّن غيره.
وحول هذه المعاني تدور أقوال العلماء:
من الأقوال في المعنى الأول:
قال مجاهد ﵀: «(المؤمن) الذي وحد نفسه بقول: شهد الله أنه لا إله إلا هو» (١).
قال قتادة ﵀: «أمن بقوله: إنه حق» (٢).
قال الزجاج ﵀: «أصل الإيمان التصديق والثقة … ويقال: إنما سمى الله نفسه مؤمنًا؛ لأنه شهد بوحدانيته، فقال تَعَالَى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] كما شهدنا نحن» (٣).
قال الزجاجي ﵀: «المؤمن من الإيمان، وهو التصديق، فيكون ذلك على ضربين: أحدهما: أن يقال: (الله المؤمن)، أي: مصدق عباده
стр. 1445
المؤمنين، أي: يصدقهم على إيمانهم، فيكون تصديقه إياهم قبول صدقهم وإيمانهم وإثابتهم عليه، والآخر: أن يكون الله المؤمن، أي: مصدق ما وعده عباده» (١).
قال الخطابي ﵀: «(المؤمن): أصل الإيمان في اللغة: التصديق، فالمؤمن: المصدِّق، وقد يحتمل ذلك وجوهًا:
أحدها: أنه يَصْدُقُ عبادَه وعدَه، ويفي بما ضمِنه لهم من رزق في الدنيا، وثواب على أعمالهم الحسنة في الآخرة.
والوجه الآخر: أنه يصدق ظنون عباده المؤمنين، ولا يُخيِّب آمالَهم، كقول النبي ﷺ فيما يحكيه عن ربه- جل وعز-: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ» (٢)، وقيل: بل المؤمن: الموحِّدُ نفسَه بقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]» (٣).
قال القرطبي ﵀: «(المؤمن) أي: المصدق لرسله بإظهار معجزاته عليهم، ومصدق المؤمنين ما وعدهم به من الثواب، ومصدق الكافرين ما أوعدهم من العقاب» (٤).
قال ابن القيم ﵀: «المصدق الذي يصدق الصادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم، فهو الذي صدق رسله وأنبياءه فيما بلغوا عنه، وشهد لهم
стр. 1446
بأنهم صادقون بالدلائل التي دل بها على صدقهم قضاء وخلقًا» (١).
قال السعدي ﵀: «المصدق لرسله وأنبيائه بما جاءوا به، بالآيات البينات، والبراهين القاطعات، والحجج الواضحات» (٢).
من الأقوال في المعنى الثاني:
قال ابن عباس ﵄: «أمَّن خلقه من أن يظلمهم» (٣).
قال الطبري ﵀: «(المؤمن) يعني بالمؤمن: الذي يؤمن خلقه من ظلمه» (٤).
قال الزجاج ﵀: «ويقال: إنه في وصف الله تَعَالَى يفيد أنه الذي أمن من عذابه من لا يستحقه» (٥).
قال الزجاجي ﵀: «من الأمان أي: يؤمن عباده المؤمنين من بأسه وعذابه، فيأمنون ذلك، كما تقول: (آمن فلان فلانًا)، أي: أعطاه أمانًا ليسكن إليه ويأمن» (٦).
قال الخطابي ﵀: «وقيل: بل المؤمن: الذي آمن عبادَه المؤمنين في القيامة من عذابه، وقيل: هو الذي آمن خَلْقَهُ مِن ظُلمه» (٧).
стр. 1447
قال القرطبي ﵀: «(المؤمن) … وقيل: المؤمن الذي يؤمن أولياءه من عذابه، ويؤمن عباده من ظلمه» (١).
قال ابن عاشور ﵀: «والمؤمن اسم فاعل من آمن الذي همزته للتعدية، أي: جعل غيره آمنًا، فالله هو الذي جعل الأمان في غالب أحوال الموجودات» (٢).
اقتران اسم الله (المؤمن) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
اقترن اسم المؤمن سُبْحَانَهُ باسم الله «السلام»، و «المهيمن» في قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].
وجه الاقتران:
قال ابن عاشور ﵀: «وذِكْر وصف المؤمن عقب الأوصاف التي قبله إتمام للاحتراس من توهُّم وصفه تَعَالَى بالمَلك، أنه كالملوك المعروفين بالنقائص. فَأُفِيدَ أولًا: نزاهة ذاته بوصف القدوس، ونزاهة تصرفاته المغيبة عن الغدر والكيد بوصف المؤمن، ونزاهة تصرفاته الظاهرة عن الجور والظلم بوصف السلام … وتعقيب المؤمن بالمهيمن؛ لدفع توهم أن تأمينه عن ضعف أو عن مخافة غيره، فاعلموا أن تأمينه لحكمته مع أنه رقيب مطلع على أحوال خلقه، فتأمينه إياهم رحمة بهم» (٣).
стр. 1448
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المؤمن):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المؤمن) من صفات:
الله المؤمن الذي صدق نفسه وصدق غيره، وهو المؤمن الذي جعل غيره آمنا، فجاءت أوجه تصديقه، وأوجه تأمينه كثيرة متنوعة، وبيانها على النحو الآتي:
أولًا: أوجه تصديقه، منها:
المصدق للحق بإحقاقه وإظهاره واستمراره، وزوال الباطل واضمحلاله، قال تَعَالَى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]، وضرب المثل لهما بقوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧].
ومن تصديقه للحق:
- تصديق نفسَهُ بالتوحيد، كما قال تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]، وجاء في حديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄، أنهما شهدا على النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، صَدَّقَهُ رَبُّهُ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَأَنَا أَكْبَرُ، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ اللهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي
стр. 1449
لَا شَرِيكَ لِي، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، قَالَ اللهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، لِيَ الْمُلْكُ وَلِيَ الْحَمْدُ، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، قَالَ اللهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِي، وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ قَالَهَا فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ مَاتَ لَمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ» (١).
فشهد سُبْحَانَهُ لنفسه بالتوحيد، وصدَّق ذلك بما أقام من الحجج والبراهين القاطعة على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، ونوَّع في الأدلة في الآفاق والأنفس على هذا الأصل العظيم (٢).
- تصديقه لكتابه بما يقيم من الدلائل على صدقه، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٢ - ٥٣]، قال الشيخ السعدي ﵀: «﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المكذبين بالقرآن المسارعين إلى الكفران ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ﴾ هذا القرآن ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ من غير شك ولا ارتياب، ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ … فإن قلتم، أو شككتم بصحته وحقيقته، فسيقيم الله لكم، ويريكم من آياته في الآفاق كالآيات التي في السماء وفي الأرض، وما يحدثه الله تَعَالَى من الحوادث العظيمة، الدالة للمستبصر على الحق، ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ مما اشتملت عليه أبدانهم، من بديع آيات الله وعجائب صنعته، وباهر قدرته، وفي حلول العقوبات والمثلات في
стр. 1450
المكذبين، ونصر المؤمنين ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ﴾ من تلك الآيات، بيانًا لا يقبل الشك ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ وما اشتمل عليه حق» (١).
- تصديقه رسله وأنبيائه وأتباعهم، بما يظهر من الدلائل الدالة على صدقهم، كما قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: ٢٥]، قال السعدي ﵀: «وهي الأدلة والشواهد والعلامات الدالة على صدق ما جاءوا به وحقيته» (٢).
وهذه الدلائل والبينات متنوعة، فقد تكون آية خارقة للعادة يجريها على أيديهم، كالناقة التي أخرجها من الصخرة آية لنبيه ورسوله صالح ﵇، قال تَعَالَى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣]، وما أجراه على يدي نبيه ورسوله موسى ﵇، قال تَعَالَى: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [النمل: ١٠ - ١٢]، وكذلك عيسى ومحمد ﷺ وغيرهم من الرسل والأنبياء، وإلى غير ذلك من الدلائل التي يصدق الله بها أولياءه.
٢ - المصدق لعباده المؤمنين ما وعدهم به من النصر في الدنيا والتمكين في الأرض، والمصدق الكافرين ما وعدهم به من الخزي والخذلان، قال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء: ٩]،
стр. 1451
وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥].
وعن أبي بن كعب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالتَّمْكِينِ فِي الْبِلَادِ، وَالنَّصْرِ وَالرِّفْعَةِ فِي الدِّينِ، وَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعَمَلِ الْآخِرَةِ لِلدُّنْيَا فَلَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ» (١).
٣ - المصدق لعباده ظنونهم وأمالهم به، كما في حديث أبي هريرة ﵁: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ» (٢)، وفي رواية: «إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ» (٣).
٤ - المصدق عبادَه المؤمنين بما يجيبون به عند السؤال؛ ففي يوم القيامة يُسأل الجميع عن عملهم، كما قال تَعَالَى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]، فيصدق أهل الإيمان بما يجيبون به، ويُكَذِّبُ الكفرةَ والمجرمين، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا
стр. 1452
مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢ - ٢٤]، ويستنطق الجوارح لتشهد عليهم بأعمالهم، كما قال تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥].
٥ - المصدق عباده المؤمنين ما وعدهم به من الثواب في الآخرة، قال تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤]، والمصدق الكافرين ما وعدهم به من العذاب والنكال في الآخرة أيضًا، قال تَعَالَى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] (١).
ثانيًا: أوجه تأمينه، منها:
١ - المؤمن سُبْحَانَهُ لجميع خلقه، بسوق ما يأمن لهم بقاء حياتهم إلى الأجل الذي أجَّل لهم من الأرزاق، وجلب المنافع، ودفع الشرور والأضرار، حتى أنه سُبْحَانَهُ وكَّل بهم حفظة من الملائكة يحفظون أبدانهم وأرواحهم ممن يريدهم بسوء، قال تَعَالَى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] (٢).
وقد أشار إبراهيم الخليل ﵇ إلى هذا الأمن، وأن الله سُبْحَانَهُ وحده هو واهب الأمن للعباد، فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] فآمن
стр. 1453
بالهداية، ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩] فآمن بالرزق، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] فآمن بالصحة.
٢ - المؤمن سُبْحَانَهُ للخائفين بإعطائهم الأمان والاطمئنان، كما قال تَعَالَى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] لا سيما من التجأ إليه ولاذ به وأقبل عليه، قال ابن القيم ﵀: «والمضطر إذا صدق في الاضطرار إليه: وجده رحيمًا مغيثًا، والخائف إذا صدق في اللجوء إليه: وجده مُؤمِّنًا من الخوف» (١).
٣ - المؤمن سُبْحَانَهُ لعباده المنقادين لشرعه، بما شرع لهم من الأحكام والحدود التي يأمنون فيها على دينهم، وأنفسهم، وعقولهم، وأعراضهم، وأموالهم سواء على مستوى الفرد، أو الأسرة، أو المجتمع بحيث يعيش الجميع في أمن وسلام في ظل أحكام الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
٤ - المؤمن سُبْحَانَهُ لعباده المؤمنين، بما يجعل في نفوسهم من الراحة والطمأنينة والأنس إذا أقبلوا عليه، قال تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، قال ابن كثير ﵀: «والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت» (٢)، وقال السعدي ﵀: «بطمأنينة قلبه وسكون نفسه، وعدم التفاته لما يشوش عليه قلبه، ويرزقه الله رزقًا حلالًا طيبًا من حيث لا يحتسب» (٣).
стр. 1454
٥ - المؤمن سُبْحَانَهُ لعباده من أن يظلمهم، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، فلا يظلم أحدًا بأن ينقص من حسناته شيئًا، أو يزيد في سيئاته شيئًا، ولو كان مثقال الذر ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، بل أنه سُبْحَانَهُ حتى الكافر يثيبه على حسناته، فيعجل ثوابه في الدنيا، كما قال ﷺ : «إنَّ الله لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ، لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا» (١).
ومن تمام تأمينه لعباده من الظلم وضع الموازين يوم القيامة لتوزن بها الأعمال، قال تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. (٢)
٦ - المؤمن سُبْحَانَهُ لأهل توحيده وطاعته من المخاوف والعذاب والشقاء، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].
يؤمنهم في الدنيا ويطمئن قلوبهم ويشرح صدورهم، ويؤمنهم عند نزول الموت بهم بما يرسل من ملائكة الرحمة تثبتهم وتبشرهم، كما قال تَعَالَى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]، تتنزل عليهم مرة بعد أخرى مزيدًا في الأمن
стр. 1455
والاطمئنان (١)، «وتقول لهم: ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾ على ما يستقبل من أمركم، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما مضى، فنفوا عنهم المكروه الماضي والمستقبل، ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فإنها قد وجبت لكم وثبتت، وكان وعد الله مفعولًا» (٢).
وفي حديث البراء ﵁: «إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّة، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ ﵇، حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ»، قَالَ: «فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ» (٣).
ويؤمنهم في أرض المحشر من أهوال القيامة وشدائدها: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] فلا يقلقون ولا يحزنون إذا فزع الناس أكبر فزع في ذلك اليوم العظيم، بل وتستقبلهم الملائكة بالتهاني قائلين: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فليهنكم ما وعدكم الله، وليعظم استبشاركم، بما أمامكم من الكرامة، وليكثر فرحكم وسروركم، بما أمنكم الله من المخاوف والمكاره (٤).
стр. 1456
ويؤمنهم من النار وحرها، كما قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢].
وهذا الأمن يختلف باختلاف ما معهم من التوحيد والتقوى «فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقًا، لا بشرك، ولا بمعاص؛ حصل لهم الأمن التام، والهداية التامة، وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده، ولكنهم يعملون السيئات، حصل لهم أصل الهداية، وأصل الأمن، وإن لم يحصل لهم كمالها» (١).
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (المؤمن) على التوحيد:
إذا تأمل العبد في اسم الله المؤمن وما فيه من تصديق الله للتوحيد بشهادته عليه كما في قوله تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]، وإقامته للحجج والبراهين والأدلة النقلية والعقلية عليه، ونصرته لمن قام به ولو كان ضعيف العدة والعتاد، وخذلانه للشرك وأهل الإشراك وإيقاعه ألوان العقوبات عليهم، ووعده لأهل التوحيد بالأمن في الدارين- ساقه ذلك كله لتوحيده وإخلاص العبودية له وحده لا شريك له (٢).
стр. 1457
الأثر الثالث: لا يجمع المؤمن سُبْحَانَهُ لعبده أمنين ولا خوفين:
من تأمين الله لعباده ألا يجمع عليهم الخوف في الدارين، بل من خاف في الدنيا وعمل بطاعته أمنه مما يخاف يوم القيامة، ومن أمن في الدنيا من مكر الله وعمل بمعاصيه أخافه الله يوم القيامة، كما جاء في الحديث، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ يروي عن ربِّه ، قال: «وَعِزَّتِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَأَمْنَيْنِ، إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١).
والخوف من الله عبادة قلبية، عظم الله شأنها ورفع منزلتها، فحث عليها في كتابه وجعلها شرطًا للإيمان به سُبْحَانَهُ، فقال: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، ومدح أهل خوفه وخشيته، وأثنى عليهم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١].
وسَألتْ عائشةُ ﵂ النبيَّ ﷺ عن قول الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، أهو الذي يزني، ويسرق، ويشرب الخمر؟ قال: «لَا، يَا بُنَيَّةَ أَبِي بَكْرٍ - أَوْ: لَا يَا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ - وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَيُصَلِّي، وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لَا يُتَقَبَّلَ مِنْهُ» (٢)، قال الحسن: «عملوا- والله-
стр. 1458
بالطاعات واجتهدوا فيها، وخافوا أن تُرَدَّ عليهم، إن المؤمن جمع إحسانًا وخشيةً، والمنافق جمع إساءَةً وأمنًا» (١).
ورغَّب سُبْحَانَهُ في الخوف منه بما أعد لأهلها من الجزاء في الآخرة، قال تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١].
فعلى المسلم أن يحرص على تحقيق هذه العبادة العظمية، وأن يجمع معها المحبة، والرجاء؛ فإن القلب- في سيره إلى الله بمنزلة الطائر، «فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قُطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فقد أصبح عرضة لكل صائد وكاسر» (٢)، والاقتصار على واحد من هذه الأمور الثلاثة- دون الباقي- انحراف عن الجادة، وخلل في السلوك.
وأما تغليب أحدها على الآخر، فاستحبه السلف في بعض المواضع، فمثلًا: استحبوا أن يُغلَّبَ في حال الصحة جانبُ الخوفِ على جانب الرجاء؛ لأن العبد لا يزال في ميدان العمل، وهو بحاجة إلى ما يسوقه للعمل، وأما في حال الضعف والخروج من الدنيا؛ يغلب جانب الرجاء؛ ليموت محسنًا الظن بربه، ممتثلًا قوله ﷺ : «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ » (٣).
стр. 1459
والخوف من الله، منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم؛ فالخوف المحمود هو: ما حال بين صاحبه، وبين محارم الله ، فليس الخائف الذي يبكي ويمسح عينيه، بل من يترك ما يخاف أن يُعاقَبَ عليه، ومنه: قَدْرٌ واجب ومستحب؛ فالواجب منه: ما حمل على أداء الفرائض، واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير في النوافل، والبعد عن المكروهات، وعدم التوسع في فضول المباحات، كان ذلك مستحبًّا، فإن زاد على ذلك، بحيث أدَّى إلى اليأس والقنوط والمرض، وأقعد عن السعي في اكتساب الفضائل كان ذلك هو الخوف المحُرَّم.
الأثر الرابع: محبة الله المؤمن:
الله هو المؤمن سُبْحَانَهُ «الذي يأمن الخائفون في كَنَفه، ويطمئن المؤمن بالإيمان به وعبادته وحده، فلا يخاف أحدٌ ظُلْمَهسُبْحَانَهُ، بل إن رحمته سبقت غضبه، ورحمته وسعت كل شيء، فيحصل مِن جرَّاء ذلك الأمنُ النفسيُّ، والسعادة القلبية، والتعلُّق بالله وحده، ومحبته وإجلاله، وكثرة ذِكره وشكره، واللجوء إليه وحده سُبْحَانَهُ في طلب الأمان، وذهاب الخوف والفزع في الدنيا والآخرة؛ لأنه لا يملك تثبيت القلوب، وفتح الرحمة والأمان عليها إلا الله تَعَالَى، قال : ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢]».
стр. 1460
الأثر الخامس: أسباب نيل الأمن في الآخرة:
الله المؤمن سُبْحَانَهُ الذي يؤمن عباده في الدارين، وأعظم ما يكون الأمن يوم الفزع الأكبر إذا وقعت الساعة، ورجفت الأرض وارتجت، وزلزلت زلزالها، وتصدعت الجبال، واندكت، وتفطرت السماء وانفطرت، وتكورت الشمس والقمر، وتنثرت النجوم، وكان من القلاقل والبلابل ما تنصدع له القلوب، وتوجل منه الأفئدة، وتشيب منه الولدان، ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] أذهب العقول، وفرغ القلوب، وملأها فزعًا وهلعًا، وبلغت القلوب الحناجر، وشخصت الأبصار، وعظ الظالم على يديه قائلًا: ﴿يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧]، ﴿يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨]، ونصبت الموازين التي يوزن بها مثاقيل الذر من الخير والشر، ونشرت صحائف الأعمال وما فيها من جميع الأعمال والأقوال والنيات من صغير وكبير، ونصب الصراط على متن جهنم، وتزلف الجنة للمتقين، وبرزت الجحيم للغاوين، فزاد الفزع فزعًا، والشدة شدة، إلا أن هناك أقوامًا آمنين لم يصبهم شيء من الفزع والهلع، على الرغم من هذه الأهوال، قال تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] (١).
وإنما نالوا هذا الأمن بفضل الله المؤمن أولًا، ثم بما قاموا به من أسباب كانت سبب في تأمينهم، ومن هذه الأسباب:
стр. 1461
١ - التوحيد، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] الظلم: الشرك، كما جاء في الحديث عن ابن مسعود ﵁ قال: «لَمَّا نَزَلَتِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ [الأنعام: ٨٢] قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ، قَالَ: لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ بِشِرْكٍ أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (١).
٢ - الإيمان بالأركان الستة، وتصديقها بالتقوى التي حقيقتها امتثال الأوامر، واجتناب النواهي (٢)، كما قال تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [الأحقاف: ١٣]، وقال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩].
٣ - الخوف من الله، كما جاء في الحديث، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ يروي عن ربِّه -جل وعلا-، قال: «وَعِزَّتِي، لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَأَمْنَيْنِ، إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣).
стр. 1462
٤ - تنفيس الكرب والشدائد عن المسلمين، قال رسول الله ﷺ : «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (١).
٥ - نصر المسلمين والذب عنهم، فعن عمران بن حصين ﵁، قال: «مَنْ نَصَرَ أَخَاهُ بِالْغَيْبِ نَصَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» (٢).
٦ - إنظار المعسر والعفو عنه، كما جاء في حديث أبي اليسر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّهِ» (٣).
٧ - أعمال السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ فإن الشمس تدنو من الخلق، حتى تكون منهم قدر مِيْلٍ، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العَرَقِ؛ فمنهم: من يكون إلى كعبيه، ومنهم: من يكون إلى ركبتيه، ومنهم: من يكون إلى حِقْوَيْهِ، ومنهم: من يُلجمه العَرَقُ إلجامًا، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ» (٤)، إلا إن المؤمن سُبْحَانَهُ يأمنهم بظلهم تحت ظله، فعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي الله اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ
стр. 1463
وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (١).
الأثر السادس: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» (٢):
والعبد المؤمن يأمن الخلق شره وغوائله، ويتصف بالسلامة وكف الشر والأذى عنهم بحيث يأمنون على دمائهم وأموالهم وأعراضهم.
وقد حرص الشارع على تحقيق هذا النوع من الأمن، فتنوعت النصوص الدالة عليه، ومن ذلك: قوله ﷺ : «وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ» (٣)، أي: لا يكون الرجل مؤمنًا كاملَ الإيمانِ حتى يأمنَ جارُهُ شرورَهُ وغوائِلَهُ، وقوله- أيضًا ﷺ : «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» (٤)، وقوله- أيضًا ﷺ في حجة الوداع-: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ؟ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ» (٥)(٦).
اللهمَّ يا أمان الخائفين، أمِّنَّا يوم الفزع الأكبر، واجعلنا من أوليائك
الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
стр. 1464
الهَادِي ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «الهدى: الرشاد والدلالة، يؤنث ويذكر، يقال: هداه الله للدين هدى، وقوله تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [السجدة: ٢٦] قال أبو عمرو بن العلاء: أولم يبين لهم، وهديته الطريق والبيت هداية، أي: عرفته» (١).
يقول ابن فارس ﵀: «الهاء والدال والحرف المعتل أصلان، أحدهما: التقدم للإرشاد، والآخر: بعثة لطف، فالأول قولهم: هديته الطريق هداية، أي: تقدمته لأرشده، وكل متقدم لذلك هاد، والأصل الآخر الهدية: ما أهديت من لطف إلى ذي مودة» (٢).
ورود اسم الله (الهادي) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله الهادي في آيتين من القرآن الكريم، وهما:
١ - قول الله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٤].
٢ - وقول الله تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١].
стр. 1465
ورود اسم الله (الهادي) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله الهادي في السنة النبوية.
معنى اسم الله (الهادي) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٤]-: «أي: وإن الله لمرشد الذين آمنوا بالله ورسوله إلى الحق القاصد، والحق الواضح» (١).
قال الزجاج ﵀: «الهادي هو الذي هدى خلقه إلى معرفته وربوبيته، وهو الذي هدى عباده إلى صراطه المستقيم، كما قال تَعَالَى: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]» (٢).
قال الخطابي ﵀: «(الهادي) هو الذي مَنَّ بهداه على مَن أراد مِن عباده، فخصَّهُ بهدايته، وأكرمه بنور توحيده، كقوله تَعَالَى: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]» (٣).
وقال أيضًا ﵀: «وهو الذي هدى سائِر الخلق مِن الحيوان إلى مصالحها، وألهمهَا كيف تطلبُ الرزق، وكيف تتقي المضارَّ والمهالِكَ، كقوله تَعَالَى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]» (٤).
стр. 1466
قال الحليمي ﵀: «هو الدَّالُّ على سبيل النجاة والمبيِّنُ لها؛ لئلَّا يزيغ العبد ويضل، فيقع فيما يُرديه ويُهلكه» (١).
قال البيهقي ﵀: «هو الذي بهدايته اهتدى أهلُ ولايته، وبهدايته اهتدى الحيوان لما يصلحه واتَّقَى ما يضره» (٢).
قال ابن الأثير ﵀: «هو الذي بصَّر عباده، وعرفهم طريق معرفته، حتى أقروا بربوبيته، وهدى كل مخلوق إلى ما لا بد له منه في بقائه ودوام وجوده» (٣).
قال السعدي ﵀: «الهادي الذي يهدي ويُرشد عبادَه إلى جميع المنافع، وإلى دفع المضار، ويُعلِّمهم ما لا يعلمون، ويهديهم لهداية التوفيق والتسديد، ويلهمهم التقوى، ويجعل قلوبَهم مُنيبة إليه، منقادة لأمره» (٤).
اقتران اسم الله (الهادي) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يقترنِ اسمُ الله (الهادي) إلا باسم الله (النصير)، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١].
وجه الاقتران:
أن الاسمين الكريمين يتناسبان مع سياق الآية التي يبين فيها الله أنَّ مِن سُنته أنْ يقيض لكل نبيٍّ عدوًّا مِن المجرمين، ولكن الله سُبْحَانَهُ يتولى أنبياءَهُ
стр. 1467
بهدايتهم إلى الحقِّ ونصرتهم على أهل الباطل مِن المجرمين، فهو سُبْحَانَهُ الذي يتولى أنبياءَه وأولياءَه بالهداية- بكلِّ معانيها- ونصرتهم بجميع أنواع النصرة.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الهادي):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الهادي) من الصفات، وتوحيد الله به:
الله سُبْحَانَهُ هو الهادي لعباده، المبين لهم طريق الحق والإيمان، الكريم القريب لعباده، رحيم بهم هاد لهم، وهدايته سُبْحَانَهُ على أربعة أنواع:
النوع الأول: هداية عامة مشتركة بين الخلق:
«الهداية العامة المشتركة بين الخلق، المذكورة في قوله تَعَالَى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، فأعطى كلَّ شيء صورته التي لا يشتبه فيها بغيره، وأعطى كل عضو شكله وهيئته، وأعطى كل موجود خلقه المختص به، ثم هداه إلى ما خلقه له من الأعمال.
وهذه هداية الحيوان المتحرك بإرادته إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، وهداية الجمال المسخر لما خلق له، فله هداية تليق به، كما أن لكل نوع من الحيوان هداية تليق به وإن اختلفت أنواعها وصورها.
وكذلك كل مخلوق وعضو له هداية تليق به:
فهدى الرجلين للمشي، واليدين للبطش والعمل، واللسان للكلام، والأذن للإستماع، والعين لكشف المرئيات، وكل عضو لما خلق له.
стр. 1468
وهدى الزوجين من كل حيوان إلى الازدواج، والتناسل، وتربية الولد.
وهدى الولد إلى التقام الثدي عند وضعه.
وطلبه مراتب هدايته سُبْحَانَهُ لا يحصيها إلا هو، فتبارك الله رب العالمين.
وهدى النحل أن تتخذ من الجبال بيوتًا ومن الشجر، ومن الأبنية، ثم تسلك سبل ربها مذللة لها لا تستعصي عليها، ثم تأوي إلى بيوتها وهداها إلى طاعة يعسوبها واتباعه، والإئتمام به أين توجه بها، ثم هداها إلى بناء البيوت العجيبة الصنعة المحكمة البناء.
ومن تأمل بعض هدايته المبثوثة في العالم؛ شهد له بأنه الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم.
ومَن فَهم هذا فَهم سر اقتران قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] بقولِهِ: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧]، وكيف جاء ذلك في معرض جوابهم عن هذا السؤال والإشارة به إلى إثبات النبوة، وأنَّ مَن لم يهمِلْ أَمْرَ كلِّ دابة في الأرض ولا طائرٍ، بل جعلها أممًا وهداها غاياتها ومصالِحها، كيف لا يهديكم إلى كمالِكُم ومصالِحِكُم؟ فهذا أحد أنواع الهداية وأعمُّها (١).
стр. 1469
النوع الثاني: هداية البيان والدلالة:
والتعريف لنجدَي الخير والشَّر وطريق النجاة والهلاك، «وهو الذي تقدر عليه الرسل وأتباعهم، فهو كما قال تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [السجدة: ٢٤]، ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، فأثبت لهم الهدى الذي معناه الدلالة والدعوة والتنبيه» (١).
وهذه الهداية لا تستلزم الهدى التام؛ فإنها سبب وشرط، وليست موجبًا، كما قال تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] أي: بيَّنَّا لهم وأرشدناهم ودَلَلْنَاهم فلم يهتدوا، ومنها: قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
النوع الثالث: هداية التوفيق والإلهام:
وهي الهداية المستلزمة للاهتداء، فلا يَتخلَّف عنها، وهي المذكورة في قوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]، وفي قوله: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]، وفي قول النبي ﷺ : «مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ. وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ». (٢)
وفي قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] فنفَى عنه هذه الهداية، وأثبت له هدايةَ الدعوة والبيان في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
стр. 1470
وهذا النوع من الهداية هو ما «تفرَّد به سُبْحَانَهُ، فقال لنبيِّه ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] فالهدى على هذا يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب» (٢).
وهي أكبر نعمة يُنْعِم بها (الهادي) سُبْحَانَهُ على عباده؛ إذ كل نعمة دونها زائلة ومضمحلَّة، وبقدر هدايته تكون سعادته في الدنيا، وطيب عيشه وراحة باله، وكذا فوزه ودرجته في الآخرة.
النوع الرابع: هداية الآخرة، إلى الجنة أو النار، إذا سيق أهلها إليها:
وهي غاية الهدايات، فإن أجلَّ وأعظم ما يمن به الله على عباده أن يهديهم للجنة، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩].
«ومن هُدِي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم، الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه، هدي هناك إلى الصراط المستقيم، الموصل إلى جنته ودار ثوابه، وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذه الصراط يكون سيره على ذاك الصراط.
فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الركاب، ومنهم من يسعى سعيًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم المخدوش المسلم، ومنهم المكردس في النار، فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا، حذو القذة بالقذة، جزاء وفاقًا ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]» (٣).
стр. 1471
أما أهل النار فقال الله تَعَالَى عنهم: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]، وهذا جزاء ما عملوا، وما ظلمهم الله، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]، وقال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٩]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦] في آيات كثيرة.
«وهذه الهدايات الأربع مترتبة، فإن من لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثانية، بل لا يصح تكليفه، ومن لم تحصل له الثانية لا تحصل له الثالثة والرابعة» (١).
وحري بمن عرف اسم الله الهادي ومظاهر هدايته وآمن به، أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، فيسأله وحده الهداية والتوفيق والسداد.
الأثر الثاني: أعظم نعمة وأجل هداية هي الهداية للإسلام:
إن أجلَّ نِعم الله وأعظم مننه على عباده، هدايته مَن شاء منهم إلى الدين الإسلامي، يقول الله تَعَالَى في التنويه بهذه النعمة، وبيان عظم مكانتها، وأنها منته سُبْحَانَهُ على مَن شاء من عباده: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧].
стр. 1472
وهذه الهداية هي الهداية الخاصَّة، وهي خاصة بالله تَعَالَى، لا يقدر عليها إلا هو، ولايشاركه فيها ملك مُقرَّب ولا نبي مُرسَل، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]،
ويقول أيضًا: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٧].
وهذه الهداية تأتي بعد هداية البيان؛ تحقيقًا لقوله تَعَالَى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، ولا تُنال إلا لِمَن حقَّق شروطها، واستَوفَى أسبابها، يقول تَعَالَى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
وهذا النوع من الهداية يستلزم أمرَين:
أحدهما: فعل الربِّ تَعَالَى، وهو الهدى بخلق الداعية إلى الفعل
والمشيئة له.
الثاني: فعل العبد، وهو الاهتداء وهو نتيجة للفعل الأول «الهدى»؛ قال تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣]، ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، ولا سبيل إلى وجود الأثر الذي هو الاهتداء من العبد إلا بعد وجود المؤثِّر الذي هو الهداية من الله، فإذا لم يحصل فعل الله لم يحصل فعل العبد، وهذا النَّوع من الهداية لا يقدر عليه أحدٌ إلا الله سُبْحَانَهُ، قال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا
стр. 1473
لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، كما أنَّ هذا النوع من الهداية هو الذي نَفَاه القرآن عن الظالمين والفاسقين والكاذبين والمسرف المرتاب، وكلُّ آية في القرآن وردَتْ في نفي الهُدَى فيجب حملها على هذا النوع؛ لأن هذا فضله يختصُّ به مَن يشاء من عباده، ولا حرج في ذلك.
الأثر الثالث: محبة الهادي سُبْحَانَهُ:
لا شك أن معرفة الله الهادي تؤدي إلى محبته وتعظيمه والثناء عليه، حيث أعطى كل شيء خلقه وهداه إلى ما لا بدَّ منه في قضاء حاجاته، وأعظم من ذلك: هدايته إليه بما أَودع في هذا الكون من الآيات الباهرات التي تدل على وحدانيته سُبْحَانَهُ، وقال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] يعني: خُلِقتَ ليسعدك لا سعادة تنقطع عند الموت، بل ليسعدك إلى الأبد، وما الحياة الدنيا إلا إعداد لهذه الحياة الأبدية.
الأثر الرابع: الدعاء باسم الله الهادي:
وهو دعاء الراسخين في العلم، يقول تَعَالَى عنهم: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٧ - ٨]، ولأن حاجتنا لطلب الهداية من مالكِها سُبْحَانَهُ أشد مِن حاجتنا إلى الطعام والشراب، أُمرنا أن نسألَ الله تَعَالَى الهدايةَ في كل ركعة من الصلاة، في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧].
стр. 1474
والدعاء بالهداية هومنهج الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم- وهم أكمل الخلق إيمانًا وهداية- فقد كانوا يسألونها الله تَعَالَى، ومن شواهد ذلك:
- قوله تَعَالَى على لسان موسى: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢].
- وكان محمد ﷺ يسأل ربَّهُ الهدايةَ في دعواته وصلواته، فعن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (١).
- وكان ﷺ يقول أيضًا: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى» (٢)، وقال ﷺ لعليٍّ ﵁: «قُل اللَّهُمَّ اهْدِنِي، وَسَدِّدْنِي، وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ وَالسَّدَادِ سَدَادَ السَّهْمِ» (٣)(٤).
الأثر السادس: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]:
ما أفقر العبد إلى الله، وما أحوجه إلى فضله وهداه، أن يثبته على طاعته وأن يزيده من تقواه، فمن قصد الهداية هداه الله، ومن لجأ إليه أعانه، ومن وقف ببابه ما رده.
стр. 1475
يقول ابن كثير ﵀: «والذين قصدوا الهداية وفقهم الله لها فهداهم إليها، وثبتهم عليها وزادهم منها، ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] أي: ألهمهم رشدهم» (١)، والذين شرح الله صدورهم للإيمان فاهتدوا لطف الله بهم، فزادهم هدى وأرسخ الإيمان في قلوبهم ووفقهم للتقوى، فاتقوا وغالبوا أهواءهم.
يقول السعدي ﵀ فيما أعده الله للمهتدين: «ثم بين حال المهتدين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ بالإيمان والانقياد، واتباع ما يرضي الله ﴿زَادَهُمْ هُدًى﴾ شكرًا منه تَعَالَى لهم على ذلك، ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] أي: وفقهم للخير، وحفظهم من الشر، فذكر للمهتدين جزاءين: العلم النافع، والعمل الصالح» (٢).
وفي الملحق الآتي بيان هذه المنزلة، وما يعين للوصول إليها.
فاللهم اهدنا، واهد بنا، واجعلنا سببًا لمن اهتدى.