أما أهل النار فقال الله تَعَالَى عنهم: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]، وهذا جزاء ما عملوا، وما ظلمهم الله، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]، وقال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٩]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦] في آيات كثيرة.
«وهذه الهدايات الأربع مترتبة، فإن من لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثانية، بل لا يصح تكليفه، ومن لم تحصل له الثانية لا تحصل له الثالثة والرابعة» (١).
وحري بمن عرف اسم الله الهادي ومظاهر هدايته وآمن به، أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، فيسأله وحده الهداية والتوفيق والسداد.
الأثر الثاني: أعظم نعمة وأجل هداية هي الهداية للإسلام:
إن أجلَّ نِعم الله وأعظم مننه على عباده، هدايته مَن شاء منهم إلى الدين الإسلامي، يقول الله تَعَالَى في التنويه بهذه النعمة، وبيان عظم مكانتها، وأنها منته سُبْحَانَهُ على مَن شاء من عباده: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧].
стр. 1472
وهذه الهداية هي الهداية الخاصَّة، وهي خاصة بالله تَعَالَى، لا يقدر عليها إلا هو، ولايشاركه فيها ملك مُقرَّب ولا نبي مُرسَل، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]،
ويقول أيضًا: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٧].
وهذه الهداية تأتي بعد هداية البيان؛ تحقيقًا لقوله تَعَالَى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، ولا تُنال إلا لِمَن حقَّق شروطها، واستَوفَى أسبابها، يقول تَعَالَى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
وهذا النوع من الهداية يستلزم أمرَين:
أحدهما: فعل الربِّ تَعَالَى، وهو الهدى بخلق الداعية إلى الفعل
والمشيئة له.
الثاني: فعل العبد، وهو الاهتداء وهو نتيجة للفعل الأول «الهدى»؛ قال تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣]، ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، ولا سبيل إلى وجود الأثر الذي هو الاهتداء من العبد إلا بعد وجود المؤثِّر الذي هو الهداية من الله، فإذا لم يحصل فعل الله لم يحصل فعل العبد، وهذا النَّوع من الهداية لا يقدر عليه أحدٌ إلا الله سُبْحَانَهُ، قال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا
стр. 1473
لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، كما أنَّ هذا النوع من الهداية هو الذي نَفَاه القرآن عن الظالمين والفاسقين والكاذبين والمسرف المرتاب، وكلُّ آية في القرآن وردَتْ في نفي الهُدَى فيجب حملها على هذا النوع؛ لأن هذا فضله يختصُّ به مَن يشاء من عباده، ولا حرج في ذلك.
الأثر الثالث: محبة الهادي سُبْحَانَهُ:
لا شك أن معرفة الله الهادي تؤدي إلى محبته وتعظيمه والثناء عليه، حيث أعطى كل شيء خلقه وهداه إلى ما لا بدَّ منه في قضاء حاجاته، وأعظم من ذلك: هدايته إليه بما أَودع في هذا الكون من الآيات الباهرات التي تدل على وحدانيته سُبْحَانَهُ، وقال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] يعني: خُلِقتَ ليسعدك لا سعادة تنقطع عند الموت، بل ليسعدك إلى الأبد، وما الحياة الدنيا إلا إعداد لهذه الحياة الأبدية.
الأثر الرابع: الدعاء باسم الله الهادي:
وهو دعاء الراسخين في العلم، يقول تَعَالَى عنهم: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٧ - ٨]، ولأن حاجتنا لطلب الهداية من مالكِها سُبْحَانَهُ أشد مِن حاجتنا إلى الطعام والشراب، أُمرنا أن نسألَ الله تَعَالَى الهدايةَ في كل ركعة من الصلاة، في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧].
стр. 1474
والدعاء بالهداية هومنهج الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم- وهم أكمل الخلق إيمانًا وهداية- فقد كانوا يسألونها الله تَعَالَى، ومن شواهد ذلك:
- قوله تَعَالَى على لسان موسى: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢].
- وكان محمد ﷺ يسأل ربَّهُ الهدايةَ في دعواته وصلواته، فعن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (١).
- وكان ﷺ يقول أيضًا: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى» (٢)، وقال ﷺ لعليٍّ ﵁: «قُل اللَّهُمَّ اهْدِنِي، وَسَدِّدْنِي، وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ وَالسَّدَادِ سَدَادَ السَّهْمِ» (٣)(٤).
الأثر السادس: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]:
ما أفقر العبد إلى الله، وما أحوجه إلى فضله وهداه، أن يثبته على طاعته وأن يزيده من تقواه، فمن قصد الهداية هداه الله، ومن لجأ إليه أعانه، ومن وقف ببابه ما رده.
стр. 1475
يقول ابن كثير ﵀: «والذين قصدوا الهداية وفقهم الله لها فهداهم إليها، وثبتهم عليها وزادهم منها، ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] أي: ألهمهم رشدهم» (١)، والذين شرح الله صدورهم للإيمان فاهتدوا لطف الله بهم، فزادهم هدى وأرسخ الإيمان في قلوبهم ووفقهم للتقوى، فاتقوا وغالبوا أهواءهم.
يقول السعدي ﵀ فيما أعده الله للمهتدين: «ثم بين حال المهتدين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ بالإيمان والانقياد، واتباع ما يرضي الله ﴿زَادَهُمْ هُدًى﴾ شكرًا منه تَعَالَى لهم على ذلك، ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] أي: وفقهم للخير، وحفظهم من الشر، فذكر للمهتدين جزاءين: العلم النافع، والعمل الصالح» (٢).
وفي الملحق الآتي بيان هذه المنزلة، وما يعين للوصول إليها.
فاللهم اهدنا، واهد بنا، واجعلنا سببًا لمن اهتدى.
стр. 1476
«الهادي يحيب المَهدِيين ﷻ -
في موضوع الهداية سنتطرق للمسائل التالية:
أولًا: معنى الهداية:
قال الجرجاني ﵀: «الهداية: الدلالة على ما يوصِّل إلى المطلوب» (١).
وقال ابن القيم ﵀: «الهداية: هي البيان والدلالة، ثم التوفيق والإلهام، وهو بعد البيان والدلالة، ولا سبيل إلى البيان والدلالة إلا من جهة الرسل، فإذا حصل البيان والدلالة والتعريف؛ ترتب عليه هداية التوفيق» (٢).
ثانيًا: مقومات الثبات على الهداية:
أعظم نعمة ينعم بها الله على الإنسان نعمة الإسلام والإيمان، وهذه النعمة تحتاج لمقومات تثبتها وترعاها، وإلا فإن القلوب تتقلب، والإيمان يزيد وينقص، والإنسان ما دام في هذه الحياة فهو معرض للفتن العظيمة، ومن أبرز هذه المقومات ما يلي:
стр. 1477
١ - توفيق الله تعالى:
فأساس الهداية توفيق الله، وإعانته وتيسيره، وتسديده، يقول تَعَالَى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ» (١)، والعبد لا يرزق الاستدامة على طاعة الله بشيء أعظم من توفيقه له، فمن حرم التوفيق حرم الثبات، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]، والهداية منةٌ من الله، يقول تَعَالَى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧] ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
٢ - تأمل قدرة الله وبديع خلقه:
فإنَّ تأمُّل المخلوقات، وإمعان النظر فيها بعين البصيرة لا البصر؛ تجلي للعبد الهدايات، وتريه الدلائل والمعجزات، فالتأمل في الصُنع يوصل إلى الصانع، والتأمل في الخلق يوصل إلى الخالق، فطريق الخلق أوسع أبواب الهُدى، وأقربها؛ لأنه يضع العبد أمام قدرة وعظمة وحكمة ورحمة وعلم وخبرة الله -جل وعلا-، فالهادي هدى خلقَه بخلقه يقول تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]، فرؤية إبراهيم وتأمله في الخلق هنا هي رؤية قلبية لا بصريه فحسب؛ وإلا فالكثير رُزق البصر، ولكن لا يُرى لذلك في قلبه مِن أثر، والمتأمِّلُ لكلام الربِّ -جل وعلا- يجد كثيرًا من الآيات تأمر الإنسان بالنظر في خلق نفسه، وفي خلق الكون، بسمائه وأرضه وجباله وأنهاره وكافة مظاهره، يقول تَعَالَى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣]
стр. 1478
ويقول: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، ويقول تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾، ويقول تَعَالَى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤].
وفي ذلك يقول أحد الأعراب: البعرة تدلُّ على البعير، والأثر يدلُّ على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فِجاج، وبحار ذات أمواج، أَلَا تدلُّ على اللطيف الخبير؟!
ومما يروى عن الإمام أبي حنيفة ﵀، أنه جاءه نفر من الزنادقة، فسألوه دليلًا يدلُّهم على وجود الله ، فقال لهم: أمهلوني ثلاثة أيام، فأمهلوه، وبعد الأيام الثلاثة أقبلوا إليه، وهو منهمك الفكر، فسألوه عن سبب هذا التفكير، فقال لهم: إني أفكر في سفينة مليئة بالأحمال، وليس عليها قائد ولا ربَّان، وتسير في عباب البحر، وتقطع طريقها بدون مَن يقودها، حتى إذا وصلتْ إلى شاطئ البحر أَنزلت حمولتها بنفسها، فقالوا له: أجننتَ، كيف يعقل هذا؟! فقال لهم: فكيف بعالَمٍ فسيح وكون كبير وسموات وأرض وجبال وبحار، أيعقل أن تسير بدون خالق يُدَبِّرُ أمورَها … فما كان منهم إلا أن آمنوا بالله ورسوله (١).
стр. 1479
٣ - تدبر القرآن الكريم:
فالقرآن الكريم هو كلام رب العالمين، وكتابه المبين، أنزله على رسوله ﷺ ؛ ليكون دستورًا للأمة ومخرجًا للناس من الظلمات إلى النور، وهاديًا لهم إلى الرشاد، وإلى الصراط المستقيم، فالقرآن يبيِّن للعبد أصل الخليقة، وأخبار الأولين والآخرين، وخلق السموات والأرض، وحقيقة الدنيا، وما بعدها، والحكمة من الوجود، وتفصيل الأحكام، وأصول الآداب والأخلاق، وأحكام العبادات والمعاملات، وجزاء المؤمنين والكافرين، فهو تبيان لكل شيء، وهدًى ورحمة للمؤمنين، يقول تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩].
ومن هنا يقال: إن الخلق والقرآن يدلان على الله ؛ ويهديان إليه، فالخلق هدًى استدلالي، والقرآن هدًى بياني، ولا يفهم من هذا استغناء أحدهما عن الآخر، بل لا يغني أحدهما عن الآخر، فمن قرأ القرآن وعطل التأمل في مخلوقات الله، فقد عطل بعض القرآن؛ لأن القرآن يأمر بالتأمل في كثير من آياته، ومَن صرف وقته في التأمل دون قراءة القرآن، فإنه وإن عرف الصانع، غير أنه لايعرف أمره ونهيه إلا بمطالعة منهجه المكتوب «القرآن»، ولن يستطيع العبد معرفة ما يحبه الله وما يكرهه، ويأمر به وينهى إلا عن طريق كتابه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، فالقرآن يشتمل على أحكام، كما يشتمل على أوامر، ونواهٍ؛ فهو منهج كامل.
стр. 1480
٤ - الإخلاص والمتابعة:
فمن رُزق الإخلاص رُزق سبيل الخلاص، وفُتحت في وجهه أبواب الرحمة، فما سلك طريق إلا سهله الله له، وما أراد بابًا من الخير إلا فتحه الله له، ومن اطلع الله على قلبه فرأى فيه الإخلاص والصدق؛ ثبَّته، وأحبَّه، ووضع له القبول في الأرض، وفي هذا يقول الحسن البصري ﵀: «ما نظرت ببصري، ولا نطقت بلساني، ولا بطشت بيدي، ولا نهضت على قدمي، حتى أنظر على طاعة أو معصية؛ فإن كانت طاعة تقدمت، وإن كانت معصية تأخرت» (١).
٥ - مصاحبة الأخيار والابتعاد عن رفقة الأشرار:
فالإنسان لا يستطيع أن يعيش في عزلة، بل لابد له من مخالطة، ولذا جاء أمر الله تَعَالَى بمصاحبة الأخيار والحذر من مصاحبة الأشرار، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]، ويقول تَعَالَى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، وفي الحديث: «لَا تَصْحَبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ» (٢)، وذلك لأن الصحبة والطعام تورث المودة.
٦ - الإنابة والتوبة والرجوع إلى الله ﷻ -.
فأهل التوبة والإنابة يحبهم الله تَعَالَى، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ومن أحبَّه الله هداه بهداه، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ
ولما سئلت عائشة ﵂، بأي شيء كان نبي الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: «كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: اللهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (١).
وفيما يرويه رسول الله ﷺ عن ربه ﵎، أنه قال: «يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ» (٢)، ومن دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
٨ - المجاهدة على فعل الطاعات، وترك المنكرات، والصبر على ذلك:
يقول تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] يقول السعدي ﵀ عند هذه الآية: «﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ وهم الذين هاجروا في سبيل الله، وجاهدوا أعداءهم، وبذلوا مجهودهم في اتباع مرضاته، ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي: الطرق الموصلة إلينا، وذلك لأنهم محسنون، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] بالعون والنصر والهداية» (٣).
стр. 1483
٩ - التناصح بين الناس:
فمن أعظم نعم الله على عباده المؤمنين: الهداية لدينه، ثم الدعوة للقيام بالواجب تجاه الناس بهدايتهم إلى ما يصلحهم، ودعوتهم لعبادة ربهم، بتعليم الجاهلين، ووعظ الغافلين والمعرضين، ومجادلة المبطلين، بالأمر بعبادة الله بجميع أنواعها، والحث عليها وتحسينها مهما أمكن، والزجر عما نهى الله عنه وتقبيحه بكل طريق يوجب تركه، خصوصًا الدعوة إلى أصل دين الإسلام، ومجادلة أعدائه بالتي هي أحسن، والنهي عما يضاده من الكفر والشرك، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كذلك تحبيب الله إلى عباده، بذكر تفاصيل نعمه، وسعة جوده، وكمال رحمته، وذكر أوصاف كماله، ونعوت جلاله، وكذا الترغيب في اقتباس العلم والهدى من كتاب الله وسنة رسوله، والحث على ذلك بكل طريق موصل إليه كالحث على مكارم الأخلاق، والإحسان إلى عموم الخلق، ومقابلة المسيء بالإحسان، والأمر بصلة الأرحام، وبر الوالدين، إلى غير ذلك مما لا تنحصر أفراده، مما تشمله الدعوة إلى الخير كله، والترهيب من جميع الشر (١).
ثالثًا: أسباب حرمان الهداية:
هناك أسباب لا بد أن يبتعد عنها عبد الهادي، حتى لا يُحرم هداية الله، ومن ذلك:
١) ضعف المعرفة:
فإن كمال العبد في أمرين: معرفة الحق من الباطل، وإيثار الحق على الباطل، فإن من الناس من يعرف الحق، لكن إيثاره على الباطل قد يكون عنده
стр. 1484
ضعيفًا، والجاهل إذا عرف كان قريب الانقياد والاتباع، وبهذا يكون قد قطع نصف الطريق إلى الحق وما بقي عليه إلا قوة العزيمة على الرشد «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، والعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ» رواه أحمد (١)، ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٨]، وهذا السبب هو الذي حال بين كثير من الكفار وبين الإسلام، فإنهم لا يعرفون عنه شيئًا، ومع ذلك يكرهونه، وكما قيل: الناس أعداء لما جهلوا.
٢) عدم الأهلية:
فإنه قد تكون المعرفة تامة، لكن يتخلف عنه عدم زكاة المحل وقابليته، يقول تَعَالَى في ذلك: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]، مثل: الأرض الصلدة التي يخالطها الماء، فإنه يمتنع النبات فيها لعدم قبولها، فإذا كان القلب قاسيًا لم يقبل النصائح، وأبعد القلوب من الله: القلب القاسي، وكذا إذا كان القلب مريضًا، فلا قوة فيه ولا عزيمة؛ لما يؤثر فيه العلم، فهم كما وصفهم الله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥].
٣) الإعراض عن شرع الله تعالى:
من أعرض عن طاعة الله، ولم يلتفت إلى ما يصلح حاله، وامتلأ فؤاده بحب الدنيا والشهوات؛ جازاه الله بأن أعرض عنه وصرف عنه هداه، يقول
стр. 1485
تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٧].
يقول ابن القيم ﵀ في ذلك: «وهكذا إذا أعرض العبد عن ربه سُبْحَانَهُ؛ جازاه بأن يعرض عنه، فلا يمكنه من الإقبال إليه» (١)، ثم قال: «هم دائرون بين عدله وحجته عليهم، فمكنهم وفتح لهم الباب، ونهج لهم الطريق، وهيأ لهم الأسباب، فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، ودعاهم على ألسنة رسله، وجعل لهم عقولًا تميز بين الخير والشر، والنافع والضار، وأسباب الردى وأسباب الفلاح، وجعل لهم أسماعًا وأبصارًا، فآثروا الهوى على التقوى، واستحبوا العمى على الهدى، وقالوا: معصيتك آثر عندنا من طاعتك، والشرك أحب إلينا من توحيدك، وعبادة سواك أنفع لنا في دنيانا من عبادتك، فأعرضت قلوبهم عن ربهم وخالقهم ومليكهم، وانصرفت عن طاعته ومحبته، فهذا عدله فيهم، وتلك حجته عليهم، فهم سدُّوا على أنفسهم باب الهدى إرادة منهم واختيارًا، فسده عليهم اضطرارًا، فخلاهم وما اختاروا لأنفسهم، وولاهم ما تركوه ومكنهم فيما ارتضوه، وأدخلهم من الباب الذي استبقوا إليه، وأغلق عنهم الباب الذي تولوا عنه، وهم معرضون، فلا أقبح من فعلهم، ولا أحسن من فعله» (٢).
стр. 1486
٤) الحسد والكبر:
وقد فسره ﷺ بقوله: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» (١)، وضده التواضع، وهو قبول الحق مع من كان، ولين الجانب.
والمتكبر متعصب لقوله وفعله، وذلك هو الذي حمل إبليس على عدم الانقياد للأمر لما أمر بالسجود، يقول تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧١ - ٧٦].
وبهذا الداء تخلف اليهود عن الإيمان بالرسول ﷺ ، وقد عرفوه وشاهدوه، وعرفوا صحة نبوته، يقول تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦].
٥) الظلم:
والظالمون هم «الذين صار الظلم لهم وصفًا، والعناد لهم نعتًا، جاءهم الهدى فرفضوه، وعرض لهم الهوى فتبعوه، سدوا على أنفسهم أبواب الهداية وطرقها، وفتحوا عليهم أبواب الغواية وسبلها، فهم في غيهم وظلمهم يعمهون، وفي شقائهم وهلاكهم يترددون» (٢)، يقول تَعَالَى عنهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١].
стр. 1487
٦) الكذب:
يقول الشيخ السعدي ﵀ عند قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣]: «أي: لا يوفَّق للهداية إلى الصراط المستقيم ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾، وصفه الكذب أو الكفر، بحيث تأتيه المواعظ والآيات، ولا يزول عنه ما اتصف به، ويريه الله الآيات، فيجحدها ويكفر بها ويكذب، فهذا أنَّى له الهدى وقد سدَّ على نفسه الباب، وعوقب بأن طبع الله على قلبه، فهو لا يؤمن؟» (١).
٧) الإسراف:
والمسرف هو من تجاوز المعروف في شيء، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨]، «أي: متجاوز الحد بترك الحق والإقبال على الباطل، ووصفه بالكذاب؛ لنسبته ما أسرف فيه إلى الله، فهذا لا يهديه الله إلى طريق الصواب، لا في مدلوله ولا في دليله، ولا يوفق للصراط المستقيم» (٢).
٨) الفسق:
يقول ابن عاشور ﵀ عند قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥]: «والله لا يهدي القوم الفاسقين، أي: المعرضين عن أمر الله، فإن ذلك لا يستهان به؛ لأنه يؤدي إلى الرين على القلب، فلا ينفذ إليه الهدى من بعد، فلا تكونوهم، وكونوا من المهتدين» (٣).
стр. 1488
٩) قرناء السوء:
فللقرين أثر كبير على قرنائه، يقول ﷺ : «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» (١)، ومن شواهد أثر قرناء السوء: مارواه ابن المسيب ﵀، عن أبيه، أن أبا طالب لما حضرته الوفاة، دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل، فقال: «أَيْ عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ، حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]» (٢).
اللهم اجعلنا هداة مهدين، ولاتجعلنا ضالين أو مضلين.
стр. 1489
الوارثُ ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «تقول: أورثه الشيء أبوه، وهم ورثة فلان، وورثه توريثًا، أي: أدخله في ماله على ورثته، وتوارثوه كابرًا عن كابر» (١).
قال ابن فارس ﵀: «الواو والراء والثاء: كلمة واحدة، هي الورث، والميراث أصله الواو، هو أن يكون الشيء لقوم، ثم يصير إلى آخرين بنسب، أو سبب» (٢).
ورود اسم الله الوارث في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (الوارث) في القرآن في ثلاثة مواضع، كلها بصيغة الجمع، ووروده كالتالي:
١ - قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣].
٢ - وقوله تَعَالَى: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩].
٣ - وقوله تَعَالَى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨].
стр. 1490
ورود اسم الله (الوارث) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله (الوارث) في السنة النبوية.
معنى اسم الله (الوارث) في حقه تعالى:
قال الطبري ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣] «أي: ونحن نرث الأرض ومن عليها بأن نميت جميعهم، فلا يبقى حي سوانا إذا جاء ذلك الأجل» (١)، وقال في آية القصص: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨] أي: ولم يكن لما خرَّبنا من مساكنهم منهم وارث، وعادت كما كانت قبل سكناهم فيها، لا مالك لها إلا الله الذي له ميراث السماوات والأرض» (٢).
قال الزجاجي ﵀: «الله وارث الخلق أجمعين؛ لأنه الباقي بعدهم وهم الفانون، كما قال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠]» (٣).
قال الخطَّابي ﵀: «هو الباقي بعد فناء الخلق، والمسترد أملاكهم وموارثهم بعد موتهم، ولم يزل الله باقيًا مالكًا لأصول الأشياء كلها، يورثها من يشاء، ويستخلف فيها من أحب» (٤).
стр. 1491
قال القرطبي ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣]: «أي: الأرض ومن عليها، ولا يبقى شيء سوانا، نظيره ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠] فملك كل شيء لله تَعَالَى، ولكن ملك عباده أملاكًا، فإذا ماتوا انقطعت الدعاوى، فكان الله وارثًا من هذا الوجه» (١).
قال السعدي ﵀: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩] أي: «خير الباقين، وخير من خلفني بخير» (٢).
وقال في قوله تَعَالَى: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨]: «للعباد، نميتهم، ثم يرجع إلينا جميع ما متعناهم به من النعم، ثم نعيدهم إلينا، فنجازيهم بأعمالهم» (٣).
اقتران اسم الله (الوارث) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يقترن اسم الله (الوارث) بغيره من أسماء الله.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله الوارث:
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الوارث) من صفاته سُبْحَانَهُ:
الله تَعَالَى هو الوارث الحق القدير المالك جل في علاه، يقول تَعَالَى: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨].
стр. 1492
ومن مظاهر ذلك:
هو الوارث سُبْحَانَهُ الذي يبقى بعد فناء الوارثين، فكل ما سواه زائل، وكل من عداه فان ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣]، ومن ذلك:
يفنى الملوك وأملاكهم، كما فني فرعون وجنده، وقارون وملكه، والنمرود وجبروته.
ويفني أولو القوة والشدة، كما فنيت عاد التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وأصحاب الأيكة، وقوم لوط، فلم يبق منهم عين ولا أثر، بل بقيت أخبارهم عبرة للمعتبرين، وأسمارهم عظة للمتعظين (١)، قال تَعَالَى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨].
وتفنى الدنيا وما فيها من أولها إلى آخرها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠] [مريم: ٣٩]، ويفنى ما عليها من إنس وجن، ودواب، بل حتى من في السماء يفنى إلا من شاء الله ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧] (٢).
стр. 1493
فالكل يفنى ويموت ويبيد، ويبقى الوارث الحي الذي لا يموت، والباقي الذي لا يزول، والدائم الذي لا منتهى له، قال ﵎: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] (١).
وهو الوارث الذي إليه مرجع كل شيء ومنتهاه، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، ومن ذلك:
أنه سُبْحَانَهُ يرث السموات والأرض، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠].
ويرث ما على الأرض جميعًا، قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠]، فتبقى ملك للوارث سُبْحَانَهُ ليس لها مالك سواه (٢).
ويرثسُبْحَانَهُ الأموال؛ إذ هي منتقلة من أيدي أصحابها، أو هم منتقلون عنها، ثم يعود ملكها بعد ذلك للوارث سُبْحَانَهُ، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ١٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]، أي: قوله: لأوتين في الآخرة مالًا وولدًا (٣)، وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يَقُولُ الْعَبْدُ: مَالِي مَالِي، إِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفْنَى، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى،
стр. 1494
أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ» (١).
ويرث ما أهلك من القرى والمساكن؛ وذلك أن قومها هالكون فانون، فتعود كما كانت قبل سكناهم فيها، لا مالك لها إلا الله، الذي له ميراث السماوات والأرض، قال تَعَالَى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨] (٢).
ويرث، ويرث، ويرث حتى تنقطع الدنيا، فتنقطع معها مواريث بني آدم وملكهم، ولا يبقى إلا الوارث الذي له الملك، فيقول إذ ذاك: لمن الملك اليوم؟ ثلاث مرات، ثم يجيب نفسه قائلًا: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] (٣).
وهو الوارث سُبْحَانَهُ الذي يورث فضله وملكوته في منازل السماء ومواطن الأرض لمن يشاء من عباده، وحيثما شاء من غير خشية في التفريط أو الضياع؛ لأن إرثها في النهاية راجع إليه، ومن ذلك:
أورث يحيى النبوة لما سأله زكريا وارثًا له، قال تَعَالَى على لسان زكريا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٥ - ٦]، أي: يرث النبوة والعلم والدعوة إلى الله (٤).
وأورثها سليمان عن أبيه داود، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦] «أي: في الملك والنبوة» (٥).
стр. 1495
وأورث موسى ﵇ وقومه التوراة، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [غافر: ٥٣ - ٥٤].
وأورث أمة محمد صلى الله وسلم القرآن، مهيمنًا على سائر الكتب: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] (١).
وأورث ويورث الأرض من يشاء من عباده، قال تَعَالَى على لسان موسى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨].
ويورث عباده الصالحين جنة الخلد، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقال -جل وعلا-: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقال: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]، فتبارك الله خير الوارثين.
فسبحان الله الحي الذي لا يموت، إليه ترجع أملاك الخلق بعد فنائهم.
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الوارث) على التوحيد:
إذا علم العبد أن الله ﷻ الوارث الذي يبقى ويفني من سواه، ويدوم وينتهي من عداه، كل شيء هالك إلا وجهه، علم أنه لا يستحق أحد أن يعبد إلا
стр. 1496
من له الدوام والكمال، قال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥]، وعلم أن كل من عداه لا يستحق شيئًا من العبادة؛ إذ كيف يتخذ من يبيد فيزول، ويموت فيفنى، إلهًا يعبد مع الإله الذي لا يبيد ولا يموت؟! تَعَالَى الله عن ما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا (١).
ثم إن العبد إذا تأمل في توريث الله الأرض لأهل التوحيد وإكرامه لهم، وإهانته وعقوبته لأهل الشرك قاده ذلك إلى التوحيد، وعلم أنه سبيل النجاة، وأن الشرك سبيل الهلاك والبوار (٢).
الأثر الثالث: التوكل على الوارث سُبْحَانَهُ:
فالإنسان يخاف ويقلق على ما يتركه من بعده من ذرية ومال، ويخشى عليهم الضياع، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩]، ولكن العبد إذا علم أن ربه الوارث وهو خير الوارثين، وخير من يخلف بخير، وأرحم بعباده منه؛ تعلق قلبه به وتوكل عليه فيما خلف وراءه، فينشرح صدره ويطمئن لوراثته ﵎ (٣).
وخير شاهد على حسن وراثة الله للعبد في ذريته: قوله تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢]، قال ابن كثير ﵀: «وذكر
стр. 1497
أنهما حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، وكان نساجًا … وفيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة، بشفاعته فيهم ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقر عينه بهم» (١).
الأثر الرابع: اليقين بتوريث الله الأرض لعباده الصالحين:
إذا علم العبد أن الله (الوارث) الذي يرث الأرض، قد وعد عباده الصالحين بأن يورثهم الأرض ويمكن لهم فيها، كما قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]؛ علم أن وعد الله حق، كائن لا محاله مهما قوي الباطل، فسيأتي اليوم الذي يزهق الله فيه الباطل، كما مكن لبني إسرائيل الذين كانوا خدمة لآل فرعون يسومونهم سوء العذاب، وأورثهم أرض
مصر التي كانوا فيها مستضعفين أذلاء، قال تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] (٢)، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩]،
وقال: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا
стр. 1498
فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨] «فسبحان من يؤتي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء بطاعته، ويذل من يشاء بمعصيته» (١).
ويورثهم الأرض، كما أورث رسول الله ﷺ وصحبه أرض بني قريظة التي كانت من شرفها وعزتها عند أهلها لا يستطيع المسلمون وطأها، قال تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧] (٢)، وكما أورث صدر هذه الأمة البلاد والعباد، ففتحوا مشارق الأرض ومغاربها، وحصل مع ذلك الأمن التام والتمكين التام؛ مصداقًا لقوله تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥].
ولا يزال هذا الوعد قائمًا إلى قيام الساعة، فإن قام المسلمون بالإيمان والعمل الصالح، وجدوا ما وعدهم الله به ولو بعد حين، وإنما يسلَّط عليهم الكفار والمنافقون ويدلون عليهم، بسبب إخلالهم بالإيمان والعمل الصالح (٣).
стр. 1499
الأثر الخامس: محبة الله الوارث:
من آمن باسم ربه (الوراث) الذي يبقى بعد فناء الخلائق، والذي يرث كل شيء، فيرجع ويصير إليه ما في الأرض وما في السماء، فإن قلبه يتعلق به-سُبْحَانَهُ- محبة وتعظيما، سيما أن القلوب فطرت على محبة من له الكمال والعظمة والجلال.
الأثر السادس: الزهد في الدنيا:
إذا تيقن العبد باسم ربه (الوارث) وما فيه من إرث كل شيء؛ علم أن الدنيا وما فيها من مآكل ومشارب لذيذة، ومساكن وقصور طيبة، وأشجار، وأنهار، وزروع، وثمار، ومناظر بهيجة، ورياض أنيقة، وأصوات شجية، وصور مليحة، وملابس فاخرة، وذهب وفضة، وخيل وإبل، وزوجات وأبناء ونحوها فانية مضمحلة، وزائلة منقضية، وستعود صعيدًا جرزًا قد ذهبت لذاتها، وانقطعت أنهارها، واندرست آثارها، وزال نعيمها، ذهبت عن أهلها، وذهبوا عنها، وبقي إرثها للوارث جل في علاه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠].
مثلها «كمثل المطر، ينزل على الأرض، فيختلط نباتها، تنبت من كل زوج بهيج، فبينا زهرتها وزخرفها تسر الناظرين، وتفرح المتفرجين، وتأخذ بعيون الغافلين، إذ أصبحت هشيمًا تذروه الرياح، فذهب ذلك النبات الناضر، والزهر الزاهر، والمنظر البهي، فأصبحت الأرض غبراء ترابًا، قد انحرف عنها النظر، وصدف عنها البصر، وأوحشت القلب، كذلك هذه الدنيا، بينما صاحبها قد أعجب بشبابه، وفاق فيها على أقرانه وأترابه، وحصل درهمها
стр. 1500
ودينارها، واقتطف من لذته أزهارها، وخاض في الشهوات في جميع أوقاته، وظن أنه لا يزال فيها سائر أيامه، إذ أصابه الموت أو التلف لماله، فذهب عنه سروره، وزالت لذته وحبوره، واستوحش قلبه من الآلام وفارق شبابه وقوته وماله» (١).
فإذا علم العاقل هذا، وعلم أنه سيعود لربه وحيدًا بلا مال ولا ولد ولا أهل ولا أنصار ولا أعوان، لا يتبعه قليل ولا كثير إلا عمله خيره وشره (٢)، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]، وقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]؛ لم يتعلق بالدنيا وزخرفها، ولم يغتر بنعيمها وحبورها، ولم يصحبها صحبة البهائم، ويتمتع بها تمتع السوائم، بل يجعلها منزل عبور لا محل حبور، وشقة سفر، لا منزل إقامة، ووسيلة يتزود بها لأخرته، ومتجرًا يربح به الفوائد الفاخرة، فلا تكون هي محط نظره ومحور اهتمامه ومدار عمله وأمله، بل يظل مدركًا أن الله وارثها وأن بقاءه فيها قنطرة للآخرة، وأن الباقيات الصالحات خير ثوابًا وخير مردًّا (٣).
الأثر السابع: الإنفاق في سبيل الوارث ﵎ -:
فكل الأموال والأرزاق هي ملك لله أورثها عباده، واستخلفهم فيها، وليست ملكًا لهم، بل لولا فضل الله وإحسانه وتوريثه لم يصل إليهم منها شيء،
стр. 1501
فلا معنى لمنع فضل الله وإحسانه والبخل بإنفاقه، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧] ثم إن هذا الإحسان من الله بالمال موجب للإحسان إلى خلقه، كما قال سُبْحَانَهُ حكاية عن قول الناصحين لقارون: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧].
ولا معنى- أيضًا- للبخل بشيء زائل منتقل عنه إلى غيره، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ١٠]، فلا يبقى له منه إلا ما أنفقه في سبيل الله، كما جاء في الحديث عن مطرف، عن أبيه أنه أتى النبي ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]، قال: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، قَالَ: وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟» (١)، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يَقُولُ الْعَبْدُ: مَالِي مَالِي، إِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفْنَى، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى، أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى (٢)، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ» (٣).
стр. 1502
ثم إن وجوده بين يديه غنيمة وفرصة للبذل والعطاء، قبل أن ينتقل من يده ويصير إلى غيره، ويحال بينه وبين الإنفاق؛ فيتحسر على تفريطه، ويتمنى أن لو أنفق (١)، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١٠ - ١١].
الأثر الثامن: طلب الإرث الحقيقي (العلم):
الله الوارث امتن على أمة محمد ﷺ بأن أورثهم الكتاب، مهيمنًا على كل كتاب، قال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] «هو الفضل الكبير، الذي جميع النعم بالنسبة إليه، كالعدم، فأجلُّ النعم على الإطلاق، وأكبر الفضل: وراثةُ هذا الكتاب» (٢).
ومعنى وراثة الكتاب: وراثة علمه وعمله، ودراسة ألفاظه، واستخراج معانيه، والكل من الأمة له نصيب من ذلك، وإن تفاوتت المراتب، وتمايزت الأحوال.
فإذا علم العبد هذا لم يرض بأن يكون نصيبه من هذا الفضل الكبير أقله وأدناه، بل سعى ليكون أكثره وأوفاه، فتجده يقبل على الكتاب تلاوة، وحفظًا، وفهمًا وتدبرًا، وعملًا، وتعليمًا ودعوة، ويقبل على العلم الذي يعين على فهمه، ومعرفة عقائده وأحكامه، وعبره وأخباره.
يَتَذَاكَرُونَ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَيْحَكُمْ، فَذَاكَ مِيرَاثُ مُحَمَّدٍ ﷺ » (١).
وإن لهذا الميراث- العلم- فضائل جمة، منها على سبيل الذكر لا الحصر (٢):
أن الله قرن شهادة أهل العلم بشهادته وشهادة ملائكته، كما أنه استشهد بهم على أجل مشهود، ألا وهو التوحيد، قال تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨].
أن الله تَعَالَى نفى التسوية بين أهل العلم وأهل الجهل، قال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩].
أن الله أمر نبيه بالاستزادة منه، ولم يأمره بالاستزادة من شيء سواه، قال تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
أن الله وعد أهل الجنة برفعة الدرجات، قال الله تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]، وهذا شامل للرفعة في الدنيا والآخرة.
أن الله جعل أهله هم أهل خشيته، بل خصَّهم من بين الناس بذلك، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
стр. 1505
أن الله جعله دليلًا على إرادته بعبده خيرًا، كما جاء في الحديث: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (١)، وإنما يكون هذا إذا أراد صاحبه به العمل به لا مجرد العلم.
أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم؛ توقيرًا وإكرامًا لما يحمله من ميراث النبوة، قال رسول الله ﷺ : «وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ العِلْمِ» (٢).
أن من في السموات ومن في الأرض يستغفر للعالم، كما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ : «وَإِنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ لِلْعَالِمِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ» (٣).
قال ابن القيم ﵀: «فإنه لما كان العالم سببًا في حصول العلم الذي به نجاة النفوس من أنواع المهلكات، وكان سعيه مقصورًا على هذا، وكانت نجاة العباد على يديه؛ جوزي من جنس عمله، وجعل من في السموات والأرض ساعيًا في نجاته من أسباب الهلكات باستغفارهم له» (٤).
أن رسول الله ﷺ لم يرغب أحدًا أن يغبط أحدًا على شيء من النعم التي أنعم الله بها، إلا على نعمتين: طلب العلم والعمل به، وصاحب المال الذي جعل ماله خدمة للإسلام؛ فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال:
стр. 1506
قال رسول الله ﷺ : «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» (١).
أنه طريق موصل للجنة، كما دل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» (٢).
الأثر التاسع: السعي لإرث الجنة:
وعد الله الوارث عباده الصالحين بأن يورثهم الأرض، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وإن أعظم أرض تورث جنة الخلد، قال تَعَالَى عن إرث أهل الإيمان لها: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]، وقال: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] فيلهج أهلها بشكر الله على إرثها: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] نعم أجرهم؛ إذ ورثوا ما قال رسول الله ﷺ فيه عن ربه : «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]» (٣).
стр. 1507
وقد قال ابن القيم ﵀ في وصف هذا النعيم العظيم، والإرث الكريم: «وكيف يقدرُ قدرَ دار غرسها الله بيده وجعلها مقرًّا لأحبابه، وملأها من رحمته وكرامته ورضوانه، ووصف نعيمها بالفوز العظيم، وملكها بالملك الكبير، وأودعها جميع الخير بحذافيره، وطهرها من كل عيب وآفة ونقص.
فإن سألت عن أرضها وتربتها، فهي المسك والزعفران.
وإن سألت عن سقفها، فهو عرش الرحمن.
وإن سألت عن بلاطها، فهو المسك الأذفر.
وإن سألت عن حصبائها، فهو اللؤلؤ والجوهر.
وإن سألت عن بنائها، فلبنة من فضة ولبنة من ذهب، لا من الحطب والخشب.
وإن سألت عن أشجارها، فما فيها شجرة إلا وساقها من ذهب.
وإن سألت عن ثمرها، فأمثال القلال، ألين من الزبد وأحلى من العسل.
وإن سألت عن ورقها، فأحسن ما يكون من رقائق الحلل.
وإن سألت عن أنهارها، فأنهارها من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى.
وإن سألت عن طعامهم، ففاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون.
وإن سألت عن شرابهم، فالتسنيم والزنجبيل والكافور.
وإن سألت عن آنيتهم، فآنية الذهب والفضة في صفاء القوارير.
وإن سألت عن سعة أبوابها، فبين المصراعين مسيرة أربعين من الأعوام، وليأتين عليها يوم وهو كظيظ من الزحام.
стр. 1508
وإن سألت عن تصفيق الرياح لأشجارها، فإنها تستفز بالطرب من يسمعها.
وإن سألت عن ظلها ففيها شجرة واحدة يسير الراكب المجد السريع في ظلها مئة عام لا يقطعها.
وإن سألت عن خيامها وقبابها، فالخيمة من درة مجوفة طولها ستون ميلًا، من تلك الخيام.
وإن سألت عن علاليها وجواسقها، فهي غرف من فوقها غرف مبنية، تجري من تحتها الأنهار.
وإن سألت عن ارتفاعها، فانظر إلى الكواكب الطالع، أو الغارب في الأفق الذي لا تكاد تناله الأبصار.
وإن سألت عن لباس أهلها، فهو الحرير والذهب.
وإن سألت عن فرشها، فبطائنها من إستبرق مفروشة في أعلى الرتب.
وإن سألت عن أرائكها، فهي الأسرة عليها البشخانات، وهي: الحجال مزررة بأزرار الذهب، فما لها من فروج ولا خلال.
وان سألت عن وجوه أهلها وحسنهم فعلى صورة القمر.
وإن سألت عن أسنانهم، فأبناء ثلاثة وثلاثين، على صورة آدم ﵇، أبي البشر.
وإن سألت عن سماعهم، فغناء أزواجهم من الحور العين، وأعلى منه سماع أصوات الملائكة والنبيين، وأعلى منهما سماع خطاب رب العالمين.
стр. 1509
وإن سألت عن مطاياهم التي يتزاورون عليها، فنجائب أنشأها الله مما شاء، تسير بهم حيث شاؤوا من الجنان.
وإن سألت عن حليهم وشارتهم، فأساور الذهب واللؤلؤ على الرؤوس ملابس التيجان.
وإن سألت عن غلمانهم، فولدان مخلدون، كأنهم لؤلؤ مكنون.
وإن سألت عن عرائسهم وأزواجهم، فهن الكواعب الأتراب، اللائي جرى في أعضائهن ماء الشباب، فللورد والتفاح ما لبسته الخدود، وللرمان ما تضمنته النهود، وللؤلؤ المنظوم ما حوته الثغور، وللدقة واللطافة ما دارت عليه الخصور، تجري الشمس من محاسن وجهها، إذا برزت ويضيء البرق من بين ثناياها إذا ابتسمت …
هذا وإن سألت: عن يوم المزيد وزيادة العزيز الحميد، ورؤية وجهه المنزَّه عن التمثيل والتشبيه كما ترى الشمس في الظهيرة، والقمر ليلة البدر، كما تواتر عن الصادق المصدوق النقل فيه، وذلك موجود في الصحاح والسنن والمسانيد من رواية جرير وصهيب وأنس وأبي هريرة وأبي موسى وأبي سعيد، فاستمع يوم ينادي المنادي يا أهل الجنة إن ربكم ﵎ يستزيركم، فحيَّ على زيارته، فيقولون: سمعًا وطاعةً، وينهضون إلى الزيارة مبادرين، فإذا بالنجائب قد أُعِدَّت لهم، فيستوون على ظهورها مسرعين حتى إذا انتهوا إلى الوادي الأفيح الذي جعل لهم موعدًا، وجمعوا هناك فلم يغادر الدَّاعي منهم أحدًا، أمر الربُّ ﵎ بكرسيه فنُصب هناك، ثم نصبت لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ذهب ومنابر من فضة، وجلس
стр. 1510
أدناهم- وحاشاهم أن يكون فيهم دنيء- على كثبان المسك، وما يرون أن أصحاب الكراسي فوقهم في العطايا.
حتى إذا استقرَّت بهم مجالسهم واطمأنت بهم أماكنهم، نادى المنادي: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟! ألم يبيِّض وجوهنا؟! ويثقِّل موازيننا؟! ويدخلنا الجنة؟! ويزحزحنا عن النار؟! فبينما هم كذلك إذ سطع لهم نور أشرقت له الجنة، فرفعوا رءوسهم فإذا الجبار ﷻ وتقدَّست أسماؤه، قد أشرف عليهم من فوقهم، وقال: يا أهل الجنة سلام عليكم، فلا ترد هذه التحية بأحسن من قولهم: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، فيتجلى لهم الرب ﵎ يضحك إليهم، ويقول: يا أهل الجنة، فيكون أول ما يسمعونه منه تَعَالَى: أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب، ولم يروني؟ فهذا يوم المزيد، فيجتمعون على كلمة واحدة: أن قد رضينا فارض عنا، فيقول: يا أهل الجنة إني لو لم أرض عنكم لم أسكنكم جنتي، هذا يوم المزيد فاسألوني، فيجتمعون على كلمة واحدة: أرنا وجهك ننظر إليه، فيكشف لهم الرب ﷻ الحجب، ويتجلى لهم، فيغشاهم من نوره ما لولا أن الله تَعَالَى قضى أن لا يحترقوا لاحترقوا، ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره ربه تَعَالَى محاضرةً، حتى أنه ليقول: يا فلان أتذكر يوم فعلت كذا وكذا، يذكِّره ببعض غدراته في الدنيا، فيقول: يا رب ألم تغفر لي، فيقول: بلى بمغفرتي بلغت منزلتك هذه.
فيا لذة الأسماع بتلك المحاضرة، ويا قرة عيون الأبرار بالنظر إلى وجه الكريم في الدار الآخرة، ويا ذلَّة الرّاجعين بالصفقة الخاسرة، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٥].